أبو الحروف ✔️"!! كان اسمه في المنصّة “حارس المخارج”، صورة حسابه فمٌ مفتوح وأسنان مصطفّة كأنها جدول ضرب. لا يدخل منشورًا إلا وخرج منه ومعه غنيمة: خطأ لغوي، زلّة صوتية، أو سينٌ تجرأت فلبست ثوب الثاء. يكتب الناس عن الحب، عن الخبز، عن الحرب… وهو لا يرى إلا القواعد الصفوفية:
“الصاد صفٌّ مفخّم، كيف تُجاوره السين؟!” “هذه ثاءٌ يا قوم، لا سين! اتقوا الله في المخارج!”
كان همه الأكبر السين والثاء؛ يطاردهما كما يطارد القط ظلّه. فإن رأى “سراط” كتب محاضرة، وإن قرأ “زكاة” نصب محكمة للزاي، وإذا سمع بالقاف والغين أقام بينهما حدودًا وأسوارًا وأسلاكًا شائكة. كان يُصحّح كيفما يشاء، وبالخط العريض، وبنبرة مَن يوزّع شهادات نجاة لغوية. الغريب أنه لم يكن يدري—أو يدري ويتغافل—أن الإقلاب لغةٌ عديمة عنده: يقلب المعنى إلى مخارج، والنص إلى تمرين صوتي، والإنسان إلى لسانٍ فقط. ولا يعلم، أو يتناسى، أن القراءات تفوق الخمسين، وأن ما يعدّه “خطأً فادحًا” قد يكون وجهًا، أو رواية، أو لهجةً لها آباء وأجداد في كتب صفراء لا يزورها. ذات يوم كتب شاب:
“الحال صعب، والزمن غدّار.”
قفز حارس المخارج:
“الحال تُنطق بالحاء المفخّمة لا المُهمَلة، والزاي لا تُمال!”
ضحك الناس، لا شماتةً، بل رحمة. كتب له شيخٌ هادئ:
“يا بني، اللغة نهر، وأنت تريدها قناة ريّ مستقيمة.”
فردّ الحارس:
“القواعد أولًا!”
وفي تلك الليلة، نام حارس المخارج، فرأى في حلمه السين والثاء يتصافحان، والزاي يرقص مع الذال، والقاف والغين يشربان قهوةً بلا مخارج. وصوتٌ يقول له:
“خفّف قبضة فمك… فالكلام ليس أسنانًا فقط.”
،،،،،
استيقظ مذعورًا، فتح المنصّة، رأى منشورًا جديدًا، ابتسم… ثم كتب تعليقًا طويلًا. ،،،،،،
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة