مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعيد والصراع غير المتكافئ للإنتلجنتسيا

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-12-2021, 03:02 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-09-2021, 03:26 PM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعيد والصراع غير المتكافئ للإنتلجنتسيا

    03:26 PM May, 09 2021

    سودانيز اون لاين
    مازن سخاروف-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر



    (نشرتُ هذه المادة قبل سنوات عديدة بمنتدى sudan.net used to be. أعيدها نشرها هنا مع بعض التصرف)


    إفتتاحية

    All classes struggle. Some classes triumph. Others are eliminated.
    Mao



    تقديم

    كتبنا منذ سنوات بموقع سودان دوت نت عن شخصية مصطفى سعيد وخضنا من مناظير مختلفة فيما يمكن تسميته بالنقد الثاني (أو الأدب الثالث), أي نقد النقد. الخلفية كانت موضوعا نقلته هنا بت أمدرمان على ما أذكر بعنوان "قريزلدا الطيب تكشف شخصية مصطفي سعيد".


    المساجلات للأسف ضاعت بعد تعرض الموقع للقرصنة الإلكترونية, ولكن يمكن تلخيص موقفي على الأقل آنذاك بمحاولة إبعاد مصطفي سعيد عما أسميته في وقته بأدب السيرة الذاتية من مدارس النقد البيوغرافي خاصة الأنقلوساكسوني, الذي يختزل الرواية إلى حدوتة علاقات بين حياة الكاتب وبيئته العالمثالثية, وما يمكن أن ينتجه الكاتب وبيئته من أدب. أي أن النقد الأنقلوساكسوني هو نقد تبسيطي ومهيمن يفرض قيودا على آفاق الخيال الأدبي ويربطه بصورة مصيرية ببيئة الكاتب. والكشف المزعوم على يدي السيدة قريزلدا أرملة البروف عبدالله الطيب يصب في باب وجهة النظر الإستعمارية الإستعلائية التي تترجم العالم الآخر على أنه جنين يولد مشوّها وليس أكثر من مجرد ضحية للبيئة, دون حتى اعتبار للظروف الموضوعية للرواية والأحداث.


    حسب التسمية, أي أدب السيرة الذاتية, فإن الخيال الهندي مثلا يستطيع التعبير عن مواضيع محدودة بعينها مثل معاناة المنبوذين والفصل على أساس الكاصت .. والذكر أو الأنثى ذات الجلد الأسمر فالعنصرية تتربص بها أينما ذهبت ولن تستطيع الفكاك منها. أما الواقعية, فإن أتت من أمريكا الجنوبية, تصبح بقدرة قادر وفي غمضة عين واقعية سحرية, أي يمكن أن يضاف إليها حسب جرعة التحيز, مركبات سالبة مثل الخيال المنفلت حتى على القيم, والسحر الأسود والعنف العشوائي, إلخ. وهذا التقسيم حسب هذا المنطق يفرز بين الإبنة النابغة الكاملة, أي الواقعية الحقيقية بدون أقواس, وأخواتها الأقل حظا من الجمال ورجاحة العقل, مثل واقعية العالم الثالث الـ .. سحرية

    من هنا فإن هذا النوع من النقد ما إن يتعرض للنص حتى يتورط بسرعة في ملاحقة ظل الكاتب فيه, حقيقة أو خيالا فيترجم النص دوما على خلفية حياة الكاتب. فيفرض صدفا إقحامية على فضاء السرد, وصولا إلى نهايات واستنتاجات جاهزة لسجن النص في إحداثيات إصطناعية وقوالب مستترة تمثل تجسيدا لرؤية المستعمـِر الأبدية للمستعمـَر

    وعليه, فيتحوّر مشروع النقد التاريخي للرواية مثلا إلى مجرد أورخة للنقد
    A Historiography of Criticism























                  

05-09-2021, 05:37 PM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (2) ألف
    سقوط الإنتلجنتسيا والهزيمة الداخلية ... الطيب صالح يؤكد فرضيات الإستعمار

    المأزق أن الذي شرح فيما سبق يمثل وجهة نظر متفائلة جدا وتعتمد على إنتلجنتسيا متقدمة جدا في الوعي والنضج الذهني لتفكيك الخطاب من منظور معافى من شراك وفخاخ الإستعمار, وللسخرية من حتمية مزعومة لإستسلام الآداب والفنون لما يسمى بالبيئة, وبل على العكس جعل الإحتمالات الأخرى مفتوحة, تحقيقا لأمل الإرتقاء بتلك البيئة داخل كما خارج النص في مسيرة التقدم الإنساني للأفراد والشعوب.

    لذا, فقد وجدت الطيب صالح يكاد أن ينسف نظريتي من أساسها حين وجدت حوارا له في اليوتيوب أجرته معه قناة الـ إم بي سي في عام أربعة وتسعين وتسعمائة وألف, يدعم فيه تسمية الواقعية السحرية
    , وليس هذا فحسب, بل يوافق مقدم الحوار, محمد رضا نصر الله في أسبقية الطيب صالح بأدب الواقعية السحرية على كتاب أمريكا اللاتينية
    لا أستطيع أن أقول سوى, الهزيمة الداخلية يصعب إبتلاعها.
    وقفة:
    الجزء الثاني من الحوار هو الذي ورد فيها الحديث عن الواقعية السحرية.



    وبدلا من التصدي لهذا النوع من ترسانة الحرب الثقافية لتقزيم وسجن الإنتاج الإبداعي للإنتلجنتسيا, يتحول الموضوع إلى جدلية حول أسبقية العرب على الأمريكيين الجنوبيين في إنتاج الواقعية السحرية.

    للإنصاف (إضافة لم ترد في النص الأصلي), الطيب صالح أولا وفي المقام الأول يضع "الواقعية السحرية" بين أقواس, إذ في معرض إجابته على السؤال حول من أتى بالواقعية السحرية أولا يقول, "الواقعية, ثم يستدرك فيقول "ما يسمى بالواقعية السحرية" .. فوق ذلك يقول في نهاية إجابته "إذا كان الشباب الآن متجهين هذا الإتجاه (أي الإستفادة من الأسطورة في الصياغة الروائية, سخاروف), فأنا أظن هذا إتجاه حسن, لأنو هذا يعيدهم إلى جذورهم, ويبعدهم عن الألاعيب الأوربية في الشكل". فهو هنا يتفق معي , وقد سبقني بها طبعا في الإشارة إلى النزعة الأوربية لوضع إنتاج الآخر بين قوسين فيما يتعلق بالنقد الأدبي (وليس النقد الأدبي وحسب). لكني آخذ عليه أنه لم يمض أبعد من ذلك, فيـُثيت مثلا أن "السحرية" في الواقعية تعني بصريح العبارة واقعية محلية\إقليمية\مناطقية, أو واقعية بالقياس إلى واقعية معيارية أوربية يُـنسب كل شيئ لها في المنظور الأوربي. بكلمات أخرى, الواقعية الأوربية هي الصورة الأصلية, بينما "االواقعية السحرية" مجرد نيقاتيف. أو الأوربية رواية مهيمنة في محكمة "عقلانية" الأدب, بينما "الأخرى" مجرد تفريعة من تفريعاتها, إن لم تكن فوق ذلك (حسب جرعة التحيز كما أسلفنا) هلوسة أدبية.

    إن تساءل بعض القراء, لماذا "جعل قبة من تلك الحبة"؟ فأستطيع القول وبكل ثقة, إننا هنا لا نلجأ إلى أو نكتفي بإثارة الزوابع في الفناجين, بل نلفت الأنظار إلى أيديولوجيا شاملة لتحجيم الآخر. فعلم النفس مثلا سواء أتى من فرويد, يُنق أو أدلر هو علم للإنسان الأوربي, بينما الإنسان الأسود مجرد هامش على حواشيه. هذا ليس حتى كلامي, بل كلام الذين اقتحموا هذا المجال ووجدوا هامشية وتهميش الآخر ليس في الآداب والفنون وحسب, بل في الظواهريات وعلم النفس, وقس على ذلك. (1)
    The point is, there is no epistemology of blackness that is considered universal. Black is "only in relation to white"

    في الأدب والعلوم والسلم وحتى الحروب, لا تسمى الحرب "عالمية" إلا إذا كان الأوربي أحد أطرافها.
    مصداقي لهذا, إلتقيت بأحد الكتاب البريطانيين من أصل روسي (2). بعد أن قرأ إحدى قصصي القصيرة قال لي, "كتاباتك أوربية". أجبته على الفور, بالطبع. إنت كنت مفتكر شنو يعني؟

    في المقام الثاني, يقول الطيب صالح في تفكيك "الواقعية السحرية" بإن "كل نظرتنا إلى الدنيا هي خليط بين الواقع والأسطورة". أي ييتحدث عن أثر التراث في القص الروائي. وسأعرض لذلك باختصار فيما يلي في الجزء (2) باء

    للفائدة الحوار كاملا مع الطيب صالح هنا:



    -------------
    (1) أجرد الهوامش والتي بعضها يحمل الكثير بعد الفراغ من نشر عدد من الأجزاء حتى لا يتشعب الحديث

    (2) Zinovy Zinik بقية القصة أنشرها في موضع آخر.



                  

05-14-2021, 12:57 PM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    14 مايو 2021
    (2) باء

    وقفنا هنا:
    Quote:
    في المقام الثاني, يقول الطيب صالح في تفكيك "الواقعية السحرية" بإن "كل نظرتنا إلى الدنيا هي خليط بين الواقع والأسطورة". أي ييتحدث عن أثر التراث في القص الروائي. وسأعرض لذلك باختصار فيما يلي في الجزء (2) باء


    في ذات الموضوع بموقع الراكوبة, عمل الزميل محمد بابكر مداخلة هذا نصها:
    Quote: محمد بابكر
    الحقيقه الانترنت كشفت انه لايمكن للخيال المطلق انتاج الرواية فانا لا اوافق مع اي احد في العالم انه توجد منتجات غير واقعية فحتى كتابات ما قبل الاستعمار اثبتت الدراسات انها مزيج من اساطير مختلفه في الظرفية المكانية و الزمانية عودة الى ازمنة عقليه مختلفه حكمتها الاساطير وليست نتاج واقع سواء تحول الى تاريخ او ما زال معاشا . اذن خارج زمن الاسطوره فالروايه هي رصف لغوي يعبر عن معاني محددة كمفردات و معنى اخر كوحدة و تعطى القارىء صورة ذهنيه تعتمد على البيئة الذهنية للقارىء السينما الامريكية الجنوبية ليست وسيلة تعبيرية تعبر عن الامريكيين و لكن الاجراس اللفظية و الشحنات الاسطورية تجعل من واقعية الكاتب مغلفة بالحليات التي تجذب
    للقراءه و الدخول الى عالم الكاتب و الذي هو مجهول بصورة اكبر و مجهولية بيئة الكاتب هي من ما يجعل القارئ المتعطش اكثر اهتماما بالبحث عنها و اذا وجد ما هو غريب عن حدود وعية بالواقع هذا يرضيه .. واهم ما اريدك ان تنتبه معي عليه اثناء النقد هو الترجمة و حرفية المترجم احيانا تقرء الرواية من لغة لا تمسك و عندما تقراها من لغه اخرى فتمسك كقارئ وفقأ لميولك الذهنية .,. ده طلع اطول من بتاعك, منتظرك يا حبيب ترد لي رد اطول من ده


    وكان هذا ردي عليه:
    Quote: مازن سخاروف
    غير واقعية, بالتأكيد موجودة إن قصدنا تصنيف الرواية. غير الواقعي, لا يعني أنه مُفرغ منه أو مجاف له, بل هو لون روائي مختلف عن الواقعي. مثل الرومانسي والرمزي.
    بالنسبة لكتابات ما قبل الإستعمار, والدراسات النقدية لها لو فهمتك جيدا, فالعودة إلى أزمنة عقلية مختلفة هو تكنيك في السرد أكثر منه ركيزة بنائية للنص. أتفق معك تماما في جزئية الرواية كمزيج من أساطير مختلفة, إن قصدنا مادة تلك الأزمنة المرجوع إليها, وهذا بشكل عام يسمى بالتراث, ومنه شعبي, أسطوري, صوفي, إلخ. ولدينا في هذا المعترك دراسات سودانية عن أثر التراث في الرواية, وإن كان التركيز على الرواية التاريخية لكن السياق العام هو النوع الروائي قياسا إلى غيره من الفنون, والتراث كمكون مهم فيه, وهذا لا يعني أنه المكون الوحيد. من هنا, فقولك الآخر ألا يكون المكتوب نتاج واقع سواء تحول إلى تاريخ أو ما زال معاشا, فهناك من الأكاديميين السوادانين (وأشاطره الرأي) من سيشير بقلب إقتراحك رأسا على عقب, فيقول ببيان وإيجاز البلاغة بإن التراث, إقتباس .. "ليس إمتدادا لبقايا ثقافة الماضي ,بل هو تكملة لثقافة الحاضر والواقع"(9). إنتهى الإقتباس. وهذا يعني أن الواقع هو أساس مادة النص, والخيال الروائي الذي يستعين بالتراث ومكونات أخرى هو التكميلي في المقرر. شفت كيف؟

    السينما كلون مختلف من الفنون, أقترح للسيطرة على شعاب الحديث, يمكن أن نفرد لها مساحة منفصلة كان ربنا مد في العمر ولقينا الوقت.

    تعريفك للرواية ليس لدي مشكلة معه, ولا مع ما قلته حرفيا بإنها, "تعطي القارىء صورة ذهنيـه تعتمد على البيـئة الذهنيـة للقارىء". لا بأس. هذه صياغة بكلمات أخرى لرؤية للمدرسة الظواهرية في النقد, والتي تشير إلى ما يسمى بـ (أفق التوقعات للقارئ) (10). يحسن بنا أن نسمي المدارس النقدية للأدب بأسمائها حتى نستطيع ضبط أضابير النقاش بشكل جيد. شخصيا, مخلصك متأثر بالمدرسة الروسية إبتداء بالمدرسة الرصينية إن صحت ترجمتي لـ
    Formalism School/Russian Formalism
    بصرف النظر عن ملائمة التسمية للمسمى, مرورا بالخيال متعدد الأصوات لباختين (11), وإلى نصل إلى الرواية الإسفيرية (شبْـككة الرواية إن جاز الوصف) حسب رؤيتي اليوم.

    على أية حال, الفنيات الروائية ليست بيت قصيدي تماما. فمقصدي هو الأجندة والأدلجة للكاتب كما النص. يعني جيتك من الآخر. والرؤية دي موجودة كذلك في المدرسة الروسية وفكر الإنتاج الأدبي كخميرة وعي
    Socially-conscious Literature
    وليس أدبا من أجل الأدب فحسب
    Art for Art’s sake.

    مقصدي من هذا البوست هو تفكيك أيديولجية موسم الهجرة إلى الشمال وأجندة الطيب صالح (الوجه المظلم). ومن منظور سوداني. إقتباس:
    "الرواية ترويها جداول ثقافية, والثقافة مأخوذة من التاريخ" (9). إنتهى الإقتباس. لكني أعتقد أن الإقتباس غير مكتمل. فأكمله وأقول بإن الثقافة ليست مأخوذة فقط من التاريخ, بل كذلك من الأدلجة والإمبريالية (صراع الهيمنة الجيوسياسية بإيجاز) كذلك. أتمنى أكون غطيت معظم النقاط لديك.


    هذا في شأن الدالة الكبرى من علاقة المزج بينن الواقع والخيال أي في المكونات. هناك دالة صغرى هي "بصمة الواقع في الصياغة الفنية" أو "الفن المتعمد" (12) وسنعرض لذلك أيضا

    ------------
    (12) الصياغة أوردها زميل منتدى سودانيز أونلاين, الناقد عبد المنعم عبدالله عجب الفيا. بقية تفصيل الهوامش كما وعدنا سيأتي بعد أن نقطع شوطا في بحثنا هذا.

    (عدل بواسطة مازن سخاروف on 05-21-2021, 11:05 AM)

                  

05-21-2021, 10:59 AM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (3) "إرتباك في التفكير": معارك مؤجلة

    لعلي لا أبالغ إن قلت بإن التسليم بأدبيات الإستعمار والترويج لدسائسه الإصطلاحية يمثل في نظري جزءً من مركب تهتك وفشل أجيال من الإنتلجنتسيا
    تلك الجزئية من أصل ما كتبته تستدعي اليوم تعديلا, إنصافا للطيب صالح وإحقاقا للحق. فأقول:
    والمثقف إن لم يقع في كبيرة التسليم بأدبيات الإستعمار والترويج لدسائسه الإصطلاحية, فهو على الأقل يقع في أخرى وإن بدت أهون, فليست أقل ضررا. فهو وإن لم يسلم بهن (أحابيل الإستعمار) لكنه يكتفي بذكر تلكم الدسائس كسقط متاع من قضية الوعي .. ففعله مجرد رد فعل .. ملاحظة جانبية يسجلها المثقف كـ"نقطة فنية" دليلا على علمه ببواطن الأمور. لكن ربما تكون تلك هي المشكلة. إساءة تقدير الأشد وطئا والأكثر وبالا على أنه "معلوم جنابك" وتحت السيطرة, وليس التصدي له كقضية أساسية (مهمة شاقة وعسيرة).

    ما أعنيه هنا هو مشكلة حقيقية في تعيين أولويات الأمور في عقل المثقف, بما فيهم مططفى سعيد.. تشويش ذهني, أو "إرتباك في التفكير". هذه ليست مرتبطة بالذكاء ولا الإستعداد الفطري, بل هو التطبع النفسي أو ترويض العقل باستيعاب أعمق للمشكلة. a novice (not just completely new, but rather improvised) form of mental conditioning
    وذلك التقصير في أن يؤتى الحذر (بكسر الذال) من مأمنه, هو لعــَمْـري الإخفاق الوطني الذي لا مغفرة له. ويمثل, كما ذكرنا في أصل الحديث "جزءً أساسيا من مركب تهتك وفشل أجيال من الإنتلجنتسيا". كل ذلك بكلمات أقل, عكس الاولويات بين الأساسي والتكميلي في المقرر الوطني.

    الإستعمار الثقافي لا يأتي منفردا, فله بالتأكيد توائمه الآخرون. الإستعمار يأتي سياسيا وجغرافيا وفي نواميس العلاقات الدولية وإيكولوجيا (13) ليلوث ويدمر البيئة والمناخ

    الإستعمار النفسي كدالة في الإستعمار الثقافي كان نسيا منسيا, أو جنينا في ذاكرة الغيب قبل د. فرانتز فانوه Frantz Fanon في خمسينات القرن العشرين. ذلك الإستعمار الذي, كما فككه فانوه يُظهر وجود الرجل الأبيض كعامل عكسي يتسبب في إخراج الشحنة العدائية من الرجل الأسود تجاه الرجل الأسود - ما تفرق جلابي x جلابي آخر, أو غير ذلك. فالغربة الداخلية التي يتسبب فيها وجود الرجل الأبيض ( وأكثر تعميما من ذلك أي وجود لـ"ذي حمرة" أباها المهدي) - هو أحد العوامل الأساسية الذي تجعل أبناء الوطن الواحد ينكرون آدمية بعضهم البعض. والجزء الآخر من المفارقة أنهم لايبدون في أحسن مظهر ككائنات جديرة بوصف متحضرة إلا حين يوجد الأوربي "كحكم" بينهم يفوضونه بطوعهم واختيارهم! لهذا مبادرات السلام الأصل فيها أن تكون برعاية أوربية. تلك هي الأوضاع المقلوبة التي لن يفلح أي نوع من الحوار المتمدن في اصلاحها.

    دون فانوه (14) أيها السادة, دون خوض علمي في ابستمولوجيا الزنوجية ليس هناك مخرج. ينظم لهم جمعية لدراسة تاريخ السودان وعمل أرشيف له في مدينة إنجليزية بعيييييييدة فيتقاطرون إليها .. بعضهم يلقي محاضرة عن الإقتتال الـ قبلي في دارفور .. وبعضهم يحكي طرائف البقارة مع المفتش الإنجليزي .. اليساري كما المحسوب على اليسار يأتي إلى لندن بابتسامة كبيرة وضمير صاف. إنه لايحمل في قلبه غلا على قوم يترصدون لليسار آناء الليل وأطراف النهار كما يترصد الأسد بالطريدة (15). بروف يوسف فضل حسن يدفع إشتراكه الشهري ويلقي ردا على كلمة الإفتتاح (16) بحفاوة ودفئ, يعقبها بلسان يلهج بالثناء والحمد وكأنه يقول على لسان مصطفى سعيد, مع تبديل الجغرافيا, كان عالما أحببته دون تحفظ وأحسست فيه بسعادة كاملة

    أبل ألير, فرانسيس دينق ولام أكول مؤلفاتهم للعرض والبيع والنقاش الأكاديمي الحميم. د. خالد المبارك, المثقف الذي ضل طريقه إلى السلطة فأصبح الإبن المدلل لسفارة السودان في لندن من الأعضاء النشطين. الجميع يرقصون على أنغام لن ننسى أياما مضت بأداء الكابلي وهو يتمايل طربا ولايدري أنه يروّج للماسونية كمغفل نافع. اللغة الأوربية كوعاء لغسيل المخ يجعل جهاز المناعة يستقبل الجراثيم الغازية بالأحضان ويأخذ منها الضوء الأخضر لتدمير خلاياه الداخلية بنفسه
    Anytime the self-destruct button is pushed at one's convenience

    يأتي حين لا يجد السودانيون المختلفون أيديولوجيا أي أرضية دنيا مشتركة للتفاوض فيحتاجون, كما أسلفنا إلى شريك غربي ليحكــّم بينهم هذه حالة جمود تحتاج إلى فض اشتباك. ولابد مما ليس منه بد - بأن تكون كل الخيارات مفتوحة. فلا يشفع للخصم كونه مشوشا ذهنيا.
    that is his problem. or her problem


    -------------
    (13) الإستعمار البيئي أو ecological colonialism وأيضا الإمبريالية البيئية ecological imperialism هو أقل أنواع الإستعمار معرفة به. فإضاف لأنه خارج المقرر العام تماما, فهو شبه منعدم حتى في المقرر النخبوي. تجارب الإنجليز الخبيثة على البيئة: الإنسان, الحيوان, الغطاء النباتي والمائي وحتى الهواء لم يتم الخوض فيها إلا في أوراق تعد على أصابع اليدين. أي في إستثناء فوق القاعدة. وحتى في تلك الحالة لا يذكر الأمر إلا كـ "مشكلة بيئية! أي لا يتعرض التحليل لأن المشكلة البيئية ليست خبط عشواء بل "نوعا من أنواع الإستعمار".

    الأمثلة تتعدد. أشجار النيم (جلبها الإنجليز من الهند). صفق النيم خطر على النساء الحوامل ويهرد أمعاء الغنم. بالتوازي مع ذلك, النيم في كردفان مثلا عمل مشكلة لأشجار الهجليج, فهو يسحب الماء منها فـ"يعطش الهجليج". المسكيت في شرق السودان ككارثة بيئية حقيقية. يمكن أن نتحدث عن معمل تجارب الإنجليز في السودان, على الأسماك والمناخ وإنتاج الأمراض المعدية - بالاحرى خلق بيئة ا لأمراض المعدية. السؤال موجه لناس الإيكولوجي, منو الشايل الكورس ده؟

    (14) من حسن حظي أن أول مرة أقرأ كتاب فانوه المشار إليه, "جلد أسود, أقنعة بيضاء" أوصيت من أحد زملاء الماركسية بأن أقرأ "الخلاصة في الأول". وذكــّرني أن هذا ليس سوى خريطة للمسافر ذي العقل الهادئ. ممنوع التوهان. ممنوع الرفس.

    (15) هناك اشتراكيون فابيون أو متعاطفون مع ما يسمى بالإشتراكية الفابية, بعضهم بحسن نية (مثل شوقي بدري والمرحوم محمد خير البدوي), وبعضهم "فيه ما فيه" مثل الطيب صالح "المدلس الكبير", وعبدالله الشقليني, المدلس الصغير (مساجلات بيني وبين ذلك الأخ الشقليني على صفحات موقع الراكوبة, نقلها هو إلى موقع سودانيز أون لاين - ناقصا ردي الأخير والذي لم يعقب عليه. ثم قام بمسح الموضوع برمته من الراكوبة. بعد أن تسببت في أن أكون هادم لذات ورسول شؤم لطلائع الفابية في الأسافير :) من مفارقات الفابية أنها أنشأت حزب العمل البريطاني لحمل لواء الإشتراكية (ده الحنك). وما إن تقاطر الشيوعيون لتمثيل القضية, ظهر الوجه الآخر: الحملات المسعورة, إغتيال الشخصية, كما سطوة القانون. الشيوعيون تم حظرهم من أخذ عضوية في حزب العمل البريطاني "فخر الإشتراكية", ناهيك عن تمثيل نيابي انتخابي فيه منذ قرابة القرن من الزمان.

    (16) ما نتحدث عنه هنا هو جمعية دراسة السودان بالمملكة المتحدة SSSUK Society for the Study of Sudan
                  

05-22-2021, 07:37 AM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (4) الناقد والسراب: بين تتبع السيرة الذاتية وكشف الأيديولوجيا

    :ملخص ماقلناه حتى الآن, مع تصرف

    يمكن تلخيص موقفي على الأقل آنذاك بمحاولة إبعاد مصطفي سعيد عما أسميته في وقته بأدب السيرة الذاتية من مدارس النقد البيوغرافي خاصة الأنقلوساكسوني, الذي يختزل الرواية إلى حدوتة علاقات بين حياة الكاتب وبيئته العالمثالثية, وما يمكن أن ينتجه الكاتب وبيئته من أدب. أي أن النقد الأنقلوساكسوني هو نقد تبسيطي ومهيمن يفرض قيودا على آفاق الخيال الأدبي ويربطه بصورة مصيرية ببيئة الكاتب. والكشف المزعوم على يدي السيدة قريزلدا أرملة البروف عبدالله الطيب يصب في باب وجهة النظر الإستعمارية الإستعلائية التي تترجم العالم الآخر على أنه جنين يولد مشوّها وليس أكثر من مجرد ضحية للبيئة, دون حتى اعتبار للظروف الموضوعية للرواية والأحداث.

    :وقلت بعد ذلك
    من هنا فإن هذا النوع من النقد ما إن يتعرض للنص حتى يتورط بسرعة في ملاحقة ظل الكاتب فيه, حقيقة أو خيالا فيترجم النص دوما على خلفية حياة الكاتب
    ويفرض صدفا إقحامية على فضاء السرد – وصولا إلى نهايات واستنتاجات جاهزة لسجن النص في إحداثيات إصطناعية وقوالب مستترة تمثل تجسيدا لرؤية المستعمـِر الأبدية للمستعمـَر

    المفارقة الساخرة أننا ندرك الآن أن رواية موسم الهجرة يمكن بالتأكيد الإستعانة بمنظور مدرسة النقد البيوغرافي لقراءتها. لكن كيف وتحت أي ظروف؟ بعد المراجعة والفحص طبعا. بشكل عام الطيب صالح أراد للرواية فعلا أن تكون فسيفساء تعكس الكثير من حياته وحياة أصدقائه ومعارفه. علي أبو سن مثلا هو إحدى الحلقات في لغز مصطفي سعيد, وقد تبين ذلك جليا بعد نشر أبي سن لكتاب المجذوب والذكريات, الذي كتب عنه بجدارة واقتدار عبدالمنعم عبدالله عجب الفيا بسودانيز أون لاين. وليس قصدي هنا التطرق إلى العلاقة النقدية بين الخيالي في الأدب والواقعي في الحياة, فهذا موضوع قد قتله آخرون بحثا. لذلك تطرقت له بشكل مختصر جدا فيما استبق. فبصمة الواقع في الصياغة الفنية التي قد تتراوح بين الصياغة الصدفية التي تتلاقى مع الواقع في تفاصيل متواضعة و"الفن المتعمد" كما ذكر الناقد عبد المنعم عبدالله عجب الفيا, وحسب كلام الطيب صالح نفسه, ليس بيت قصيدي تماما, اللهم إلا أن نفذنا إلى جزئية محددة بغرض تفكيكها ومن ثم التوسع فيها سعيا إلى تكملات منطقية.

    هذا جزء من "المراجعات". أيضا, فخارج الحبكة الروائية التي هي قطعا لأي شك من أجمل ما عمله الأدب, وبمعزل عن غزل النسيج الأدبي الفريد والمتفرد لها, فهناك مأزق أيديولوجي, بل وأخلاقي وأطياف مشبوهة تحوم حول رواية موسم الهجرة لا يمكن النفاذ إليها دون إستعمال نفس الصدف الإقحامية والتفاصيل التي تبدو هامشية واللائي انتقدنا روتين إستعمالها في مدارس نقد السيرة الذاتية الأنقلوساكسونية. الفرق هنا, "الزيادة", أن إستخدام نفس الأسلوب لا يعني أننا سنطلع بالإستنتاجات نفسها, مثل مطلقية البيئة القاهرة التي تمثل العقبة المزعومة التي تتوقف عندها المسيرة الإنسانية في منتصف الطريق. شيئ ما, كما قال أحد الأدباء الروس يمنع الإنجليز من الوصول إلى النهايات الحقيقية (17). من حيث المبدأ نستخدم نفس الأسلوب في تتبع ظل الكاتب في النص, لكن مع اختلاف في تطبيق الأسلوب. ما أود قوله هنا هو التركيز على ما هو أيديولوجي فيما يود الكاتب قوله صراحة أو من وراء حجاب, أكثر مما هو حياتي وشخصي. فالأيديولوجيا في رأيي على الأقل مدخل إلى السيرة الذاتية. وليس العكس.

    هناك, إذن فرق بين الإستقراء القسري للنص لتفكيك الشخصي كمسبار لما هو أيديولوجي, وبين قلب الأمر على رأسه لتفكيك "الأيديولوجيا في النص" لفهم ما هو شخصي! فالأول (الذي هو سبب المشكلة), أي ذلك الإستقراء القسري يؤدي إما إلى الشطط من ناحية وصولا إلى استنتاجات غير سوية وغير صحية مثل تصوير الشخصية كضحية وإرجاع السبب كما المسبب إلى إرادة عليا إسمها البيئة, أو في الجانب الآخر من التطرف عملية خلط الأكوام في مواضع أخرى لشيئ في نفس يعقوب. أما الثاني, وهو ما نود عمله كما نقترح, فهو استنطاق الأيديولوجيا في النص على ضوء شواهد وتفاصيل فيه (كما في أقوال وسيرة الكاتب) تتراوح بين الجناس والطباق مع الواقع ثم الوصول إلى نهايات معقولة وأشمل. يمكن أن نسمي المحاولة الثانية الإستنطاق السياسي, أو بصورة أدق, كشف الأيديولوجيا. ليس ذلك بالضرورة فتوحات نقدية إلى السموات العلا في الأدب. لكن يقيني أن فهم الرواية العام لدى البعض على الأقل سيختلف كثيرا بعد أن نبلغ "النهايات".

    خاطرة
    هناك في أيّ محاولة نقدية نسبة من المجازفة. بالتورط في أسية الإحتمالات إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
    That is simply a risk one has to take

    ----------
    (17) فكتور بِليفِن

                  

05-28-2021, 06:42 PM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (5) مكتبة مصطفى سعيد (أ).. ماهي مصداقية هذا المشهد؟

    هناك سر في مشهد الراوي وهو في مكتبة مصطفى سعيد التي كان يغلقها بالضبة والمفتاح ولا يسمح لأحد غيره بالدخول إليها

    في ذلك المسرح ذي الأضواء الخافتة هناك مراسم خفية تطل برؤوسها المقموعة المحجوبة عن المشهد العام كإحداثيات زمن خارجي قصير لا نذكرها إلا بصعوبة أو على الإطلاق .. كدقائق المباراة المملة المفرغة من شحنة الحدث التي يمر عليها النظارة مرور الكرام. هؤلاء الممثلون الصغار يحول بيننا وبينهم التثاؤب العنيد وعاديتهم التي تحيّد فينا غريزة التحفز, ربما لأن حركتهم المخادعة أسرع من سرعة حاجب العين للتعرف عليهم وضبطهم وقتما يتحركون فلا نراهم إلا حين يهمدون في مواقعهم النهائية الساكنة كالمواد المالئة في العنصر بعد استقرار كيمياء التفاعل .. ليضيعوا ضمن زخم التفاصيل العديدة التي وزعها الطيب صالح هنا وهناك في تربة النص كمدلس محترف.

    ...

    هناك طقوس ليست ملائكية على الإطلاق, ولا تصلح لصغار السن ولا لأصحاب النوايا الحسنة الذين يعتقدون أن تفكيك المرامي الحقيقية لدلالات النص كتفسير الشعر, يفسدهما ويخل بالمعنى
    =====================================
    إنني أبتدئ من حيث إنتهى مصطفي سعيد, إلا أنه على الأقل قد اختار وأنا لم أختر شيئا. قرص الشمس ظل ساكنا فوق الأفق الغربي ثم اختفى على عجل وجيوش الظلام المعسكرة أبدا غير بعيد وثبت واحتلت الدنيا. لو أنني قلت لها الحقيقة لعلها لم تكن تفعل ما فعـَلـْــتُ. خسرت الحرب لأنني لم أعلم ولم أختر.
    ووقفت زمنا طويلا أمام باب الحديد. أنا الآن وحدي, لا مهرب لا ملاذ, لا ضمان. عالمي كان عريضا في الخارج, الآن قد تقلص وارتد على أعقابه حتى صرت العالم أنا ولا أحد غيري. أين إذن الجذور الضاربة في القدم؟ أين ذكريات الموت والحياة؟ ماذا حدث للقافلة والقبيلة؟ أين راحت زغاريد عشرات الأعراس وفيضانات النيل وهبوب الريح صيفا وشتاء من الشمال والجنوب؟



    ص 135, الطبعة الرابعة عشر, دار العودة بيروت
    ========================

    هذا هو خيار الراوي, هنا مفتاح الرواية في تقديري .. البدأ من حيث إنتهى مصطفي سعيد بالعبور الى الضفة الأخرى من شاطئ الروح المفتوح على احتمالاته قبيل نقطة اللاعودة. في خطوة واحدة تكتمل بها الحلقة الناقصة عبر باب الحديد الكبير, كسرَ سمترية الخيارات ونفذ إلى عالم آخر يتقمصه ويظل فيه حتى رقدته الأخيرة. قدم كل تناقضاته, الحب والظروف, الذكريات, الأسرة وكل احتمالات الدنيا قربانا على مذبح المجهول حيث اللارجوع. هذه شهادتي الجهنمية, يقول, خبأتها جيدا في غابة النص كتعاويذ الساحرات. مثلما تدفن خرائط الإكتشافات المثيرة في جزر بعيدة نائية تنتظر بغموض وشهوة غارات القراصنة

                  

06-06-2021, 09:27 PM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (6) الإختيار

    لحظة الإختيار يصطف المعروض أمام ناظريك كالبضاعة في الأسواق. الإغراء كالليل, سلطان العاشقين: المتيمين الشباب الذين يحتاجهم العالم كأطفال أشقياء , والمتهافتين الشيوخ حين يفقدون وقارهم.
    التفاح أحمر والرمان قرمزي. الموز أصفر بسيط السكر ومتدرج المفعول. البرتقال سيدهم لأن له أكثر من مذاق في الفم. ماذا تريد من كرنفال الفاكهة يا عزيزي؟ الحلو في إشتهاء الشيئ قبل لمسه, فلا تشتر قبل أن تمعن ناظريك. دع الغرائز تتحور ببطئ في مرصد زمني "لهمس الشوق" إمعانا في الغواية. كل فاكهة فاتنة جارية ليست سوى مطب "لإختيار الروح". وكل سلعة يمكن أن تصبح في طرف عين جاريتك المنتظرة, مطرقة الرأس في سوق الرغبات الكبير, حيث يتخلى كل ليلة رجال دولة ورجال بلا دولة عن مواثيق أوطانهم المقدسة لأجل ثانية من متعة الجديد.

    If this planet was an apple, then I would take a bite.
    And if they ask why, why, tell'em that it's human nature

    تشير إليها فيحمر أسيل خديها وتلتقي نظراتكما الخاطفة في ضياء مستحيل لكهرمان العشق في المزادات. نعم, تقول, قرأت ووافقت, مؤكدا البيعة بتوقيعك. إنها حريتك أو جاريتك عزيزي تشتريها وتفاوض عليها من حر مالك. تحملها بين ذراعيك وتمضي بها على صهوة جواد أبيض إلى سعادة كاملة.

    ...

    لحظة الكشف, بعد إتمام الصفقة بثانية, تتحطم سمترية الحدث, فيــُفرض فيتو أبدي ولانهائي على إمكانية معاودة الحدث من نقطة وقوعه. هذه ليست مدرسة إبتدائية لتغير رأيك أو ترمي بلعبتك إلى الأرض كطفل مدلل لا تعجبه الحلوى ولا ملابس العيد. هل أنت مسلم؟ القرءان يقول, وهديناه النجدين. لو شفع لك مجيئك إلى السوق تائها أو بمحض الصدفة, فلن يشفع لك أن قدميك قد ساقتاك إلى كشك بعينه من مزاد الإنسانية, وأن عقلك أو فؤادك قدر ثم قتل كيف قدر فاختار ثمرته المحرمة ثم قطفها بملئ إرادته. لقد كان لك الخيرة من أمرك أن تقرأ الشروط الجزائية في العقد, وقلت إن ثانية معها تستحق المجازفة بكل شيئ, و لكل شيئ ثمن يا مستر صالح! هذا الكرنفال الساحر سيأخذ منك بقدر ما يعطي. هذه البيعة نهائية وغير قابلة للنقض وفي كل الأحوال سيتم الإحتفاظ بنسخة من توقيعك كشخص راشد وعاقل. هل تذكر؟ عندها فقط يدرك المختار فداحة ما أقدم عليه ... تعطى مهلة لعمل محضر بكل تفاصيل
    :بيعة العمر, لتكتب يا مستر صالح في الصفحة الخامسة والأربعين بعد المائة

    =========================
    ورغم إدراكي أنني أكذب, فقد كنت أحس أنني بطريقة ما أعني ما أقول وأنها أيضا رغم كذبها فإن ما قالته الحقيقة.
    كانت تلك من لحظات النشوة النادرة التي أبيع بها عمري كله

    ==============================================================

    نعم, نحن أيضا أدركنا أنك بطريقة ما كنت تعي ما تقول. أنك مثل آخرين من الجماعة إياهم تبيعون كل شيئ مرتين, الحرية والإخاء والمساواة قبل أن تفسد الأرض, والحرية والإخاء والمساواة بعد أن تفسد الأرض ويقتل البشر بعضهم بعضا.

    لأن الإنسان إن خلق في بلادنا في كـَبـَد, فلا يعني هذا أن يظل عقله مستباحا لمن يساومون العالم بحكمة فاسدة لاتؤتى إلا في الخفاء.
                  

06-09-2021, 01:34 AM

مازن سخاروف
<aمازن سخاروف
تاريخ التسجيل: 03-10-2021
مجموع المشاركات: 654

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مراجعات (1\2). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعي (Re: مازن سخاروف)

    (7) No Fear الأرواح في مقبرة النص

    نصْلٌ من فولاذ بارد يفض بكارة النص. يُعمل شفرته كمحراث بينه وبين الأرض ثأر من ماض سحيق. يحرر طاقة المتفرج الكامنة في الإنتقام ... من كل العروض السمجة التي تـُحدف في وجهه بإسم الترفيه, الثقافة أو "القبعات الزرق" قبل عار كل مجزرة جديدة . .. من كل نوستالجيا بلاطية و"دايسبورا" ثقافية تطل هذه أو تلك برأسها في الصحف والتلفاز وندوات قاعة الشارقة. أريد باستخدام القوة المفرطة أن أقتص لنفسي من إفساد حياة أمة.
    For the Revolution, my friend is what we said we will do and haven't yet done .. picture those desecrated headstones we have missed and will have to return to honour.

    في تطهره من كل هذا البول والروث الإستعماري يغتال في تخييله للحدث أطفال أنابيب ذاكرته المشوهة بقوة مائة (وربما ثمانمائة) وعشرين حصانا. إنه القارئ حين يفيق من نومه ليستبيح مدينة النص ويهدم معبده فوق رأس صاحبه.

    وها وقد نفذ من أقطار النص وعسسه إلى البوابة الأخيرة للهيكل الملعون, يرتدي زيه الوطني - عمة وجلابية آمون. هذا أنا وتلك أرضي. والتاريخ قبل الأرض أيها السادة. يتقدم في ثبات نحو غرفة المدفن المزيف.

    هل دار بخلدك يا مستر صالح أن سر الأسرار المدفون في مقبرة النص, سوف يــُنبش يوما ثم يلقى على قارعة الطريق؟ أن أميرات الظلام المحبوسات في سواد صحائفك سنين عددا سيخرجن إلى الضوء في عالمنا فنسمع فحيح أصواتهن المنكرة؟ أو بالأحرى ينكشف الغطاء الذي يحجبهن عنا فنرى دمامتهن رأي العين وبصرنا اليوم حديد؟


    عزيزي المزيـِّـف, بكسر شدة الياء, أرأيت كيف يخترق الفضوليون متاهات السراديب الأدبية المعطونة بغبار النسيان؟ كيف يهبطون في سلم المغارات القديمة عتبة عتبة لتعرية الموميات من لفائف الموت وحنوط التوابيت؟

    ما من سجن يظل سجنا إلى الأبد ولو مات نزيله ونخرت عظامه. جِنـّي الحقيقة لا يفتر من الحفر لأن الصدفة في صالحه

    ماذا تبقى حين يقول المرأ "يا للبشاعة!" وصفا لما كان حتى وقت قريب أجمل ذكرياتنا. أهناك فاجعة أكبر من خيبة الأمل يا مصطفي سعيد؟


                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de