علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-20-2019, 01:23 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-03-2019, 06:48 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    06:48 PM October, 03 2019

    سودانيز اون لاين
    حامد بدوي بشير-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    هذه سلسلة من المقالات في التحليل السياسي تنبعث من رغبة صادقة في الخروج من الدائرة الشريرة المغلقة التي سارت فيها الأمة السودانية (مثل ثور الساقية) مغمضة العينين على مدى زمني يزيد عن الستين عاماً.


    [email protected]

    إن الباعث على كتابة هذه السلسلة من المقالات، هو ضرورة إعادة بناء الدولة السودانية القومية التي شاب نشأتها الأولى الكثير من القصور والتشوهات. وننطلق من فرضية أن الحركة السياسية السودانية بكل أجنحتها لم تتفق على بناء الدولة حتى اليوم. ونرى في ثورة الشباب، ثورة ديسمبر فرصة حقيقية لإعادة النظر في الأسس التي قام عليها السياق السياسي القديم والدولة القديمة من اجل بناء السزدان الجديد عبر إحداث قطيعة تامة مع السياق السياسي القديم.


    (1) التيارات السياسية المتوازية – تكريس الإقصاء

    ثمة قول مأثور لرجل الدولة الإنجلو أيرلندي إدموند بيرك ( 1729 – 1796) يقرر فيه أن "أولئك الذين لا يعرفون التاريخ مقدر لهم أن يكرروه"


    قناعتي أن المقولة أعلاه تنطبق حرفياً على الحركة السياسية السودانية في مسيرتها الطويلة التي قادت فيها البلاد عبر طريق دائري مفرغ من التيه، لا يفتأ يعود لنقطة البداية في حركة تكرار دائرية مبهمة الغايات: (ديموقراطية لفترة قصيرة – انقلاب عسكري لفترة مطولة – انتفاضة شعبية. ثم تبدأ الدورة الشريرة من جديد(.

    لكن دعونا نذكر محاسن موتانا أولاً ونثبت للحركة السياسية السودانية ما انجزت. فالسودان يتمتع، مقارنة مع مثيلاته من أقطار العالم الثالث، بحركة سياسية عريقة تعود بداياتها لبدايات القرن العشرين. وقد إستطاعت هذه الحركة السياسية العريقة، أن تقيم المؤسسات السياسية المدنية التعددية وأن تنجز إستقلال البلاد من خلال هذه المؤسسات السياسية الحزبية التعددية وفي وقت مبكر، مقارنة مع الدول ذات الظروف المشابهة في العالم.
    ومع كل ذلك فان واقع الحال يقول بوضوح أن الحركة السياسية السودانية لم تفعل شيئاً لصالح تأسيس الوطن القومي السوداني سوى إنجاز الإستقلال. فمنذ أن حصلت البلاد على إستقلالها وسيادتها فجر عام 1956م، لم تستطع الحركة السياسية السودانية أن تخطو بالبلاد خطوة واحدة إلى الأمام في طريق الإستقرار السياسي والإزدهار الإقتصادي وترسيخ القومية ومحو القبلية وتركيز ضمانات الوحدة والحرية والعدالة والمؤسسية.
    ومن اجل تأسيس فهم متماسك للحركة السياسية السودانية يمّكن من بناء تحليل نقدي متماسك، دعونا نبدأ بتأمل أهم مظهر تجلت فيه الحركة السياسية السودانية منذ بداياتها، ألا وهو حقيقة توزعها على ثلاثة تيارات سياسية مستقلة عن بعضها البعض ومتوازية بحيث تنعدم بينها الأرضية المشتركة. فمعروف أن الحركة السياسية السودانية منذ نشأتها وحتى اليوم تنقسم حول ثلاثة تيارات رئيسية هي:
    = تيار عروبي التوجه:

    = تيار ديني التوجه:

    = إتجاهات حداثية علمانية:

    ونظرة واحدة للتيارين السياسيين الكبيرين، - العروبي والديني – الأقدر، جماهيرياً، على حكم البلاد، تكشف عن انعدام تام لأي أرضية مشتركة بينهما. ويتضح هذا بجلاء إذ سقنا التوجهات السياسية لهذين التيارين إلى نهاياتها المنطقية خلال فترة تأسيس الدولة السودانية قبل عام 1956. فإذ كان التيار الإتحادي ينادي بضم السودان لمصر بصيغة من الصيغ، فان هذا لكي يتحقق لابد من إجتثاث وإزالة التيار الإستقلالي الديني من الوجود. فلا يعقل أن تقبل الدولة العربية الكبيرة التي تضم مصر والسودان وجود تيار سياسي قوي يسعي لفصل جنوب الوادي عن شماله. فذلك سيكون خيانة وطنية.
    وبالمقابل فان الدعوة الإستقلالية الدينية إذا تحققت وحكمت، فلا مناص من اجتثاث وأزالة التيار الإتحادي من الوجود. إذ لا يعقل أن تسمح الدولة المهدية الدينية وغالبا ما تكون ملكية، بوجود تيار سياسي قوي ينادي بمحو السودان من خريطة العالم بضمه إلى مصر. فذلك سيكون خيانة وطنية.
    أما الإتجاهات الحداثية العلمانية، فقد كانت من الضعف والتشرزم بحيث أنها لم تشكل أي نوع من الفعالية السياسية المؤثرة في تحديد تصور لمستقبل سودان ما بعد الإستقلال. فقد كان واضحا أن السودان أمامه خيارين لا ثالث لهما، هما بسط السيادة المصرية عليه أو الإستقلال تحت رأية المهدية الثانية. وهذا هو تحديدا مضمون ما عرف بإتفاقية الحكم الذاتي لعام 1953، التي كان من المفترض أن تنتهي بإجراء استفتاء عام حول هذين الخيارين.
    وإزاء الواقع السياسي الذي كان سائداً وقبضة دولتي الجكم الثنائي التي لا تسمح بالفوضى وتفجر الصراع المؤجل بين جناحي الحركة السياسية المتوازيين، فقد رضيت هذه الحركة السياسية باتخاذ النظام الديموقراطي على مضض. غير أن نظام الحكم الديموقراطي يتطلب وجود أرضية مشتركة في الحد الأدنى، تجمع كل أجنحة وتيارات الحركة السياسية، كما يتطلب الإعتراف بحق الآخر في الوجود وفي الدعوة لبرنامجه. لكن بإزاء ذلك الإنعدام للأرضية المشتركة حول مستقبل البلاد بين التيارين السياسيين الرئيسين، فما كان للحركة السياسية إلا أن تجعل من طريق التطور الدستوري والنظام الديمقراطي سوى وسيلة مؤقتة مرتبطة بهدف مبتور هو نيل الإستقلال الذي سيكون له ما بعده.
    كل هذا قاد إلى عجز السودانيين الدائم وفشلهم في إنجاز الدستور الدائم للبلاد طوال ما يزيد عن الستين عاماً. وهذا الوضع الشاذ له نتيجة مماثلة في الشذوذ، إذ يجعل من السودان مشروع دولة حتى يوم الناس هذا. فاللبنة الأولى في بناء الدولة هي الدستور الدائم. وهذا يعني بان هذه الحركة السياسية قد فشلت في الإتفاق علي بناء الدولة. فالدولة وكما يراها بيتروودورد، هي (هيكل إجتماعي محكوم دستوريا) [بيتر وودورد (السودان الإنهيار والنهضة) مركز الدراسات السودانية – القاهرة 1997 ].

    (نواصل)








                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-04-2019, 10:14 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    2 التشوه البنيوي
    يعود الفضل في التحديد الجغرافي للسودان إلى حملة الفتح التركي المصري في عام 1821. فما قبل الفتح التركي كانت البلاد لا تزيد عن سلطنات ومشيخات بلا رابط قومي أو وحدة ترابية. وكان هذا الفتح بداية حقيقية لوعي سياسي قومي نبع عن معارضة الحكم التركي، اكتمل وتجلي في الثورة المهدية ثم تطور وتوسع إبان العهد الإستعماري الحديث، مشكلاً البدايات الحقيقية للحركة السياسية السودانية الحديثة. إذن ومنذ الغزو التركي - المصري وحتى نيل السودان إستقلاله في بداية عام 1956، ليس ثمة أكثر من ثلاث علامات مرجعية يمكن أن نعتبرها أسسا مرجعية للحركة السياسية السودانية الحديثة وللتيارات التي انتظمتها، وهي:
    العهد التركي- المصري الذي دام أربعة وستين عاماً (التركية السابقة1821-1885) وهو مرجعية التيار الاتحادي العروبي
    الثورة المهدية (1885 – 1898) وهي مرجعية التيار الديني,
    العهد الإستعماري الحديث الذي دام ثمانية وخمسين عاما (1898- 1956) وهو مرجعية الاتجاهات الحداثية العلمانية.
    نشأ عن هذه المرجعيات التي ليس بينها تاريخياً سوى علاقثة الاجتثاث، هذا الإستقطاب السياسي الحاد وذلك التباعد والتضاد فيما طرحته أجنحة الحركة السياسية السودانية من رؤى لمستقبل السودان. إذ ليس للعلاقة بين مرجعيات أجنحة هذه الحركة السياسية سوى توصيف واحد وهو أنها قد كانت علاقة إجتثاث، وليس علاقة إفضاء.
    وثمة تشوه بنيوي آخر يتعلق بالبنيات الأساسية للحركة السياسية السودانية، ولكنه لا يرتبط بالمرجعية التاريخية للحركة السياسية الوطنية كما عرضناها أعلاه، وإنما يرتبط بالظروف والعوامل التاريخية التي لم يكن للحركة السياسية الوطنية يد فيها. فهذا التشوه الثاني يكاد يكون قدرا تاريخيا علينا أن نعيه ونتعامل معه وندرك نتائجه. وخطورة هذا التشوه البنيوي الثاني تكمن في تأثيره السلبي علي المنظومات المفهومية الخاصة بالوطن والمواطنة والقومية والهوية.
    فالثابت تاريخيا أن أي من العهود التاريخية السودانية الحديثة الثلاث، التركية والمهدية والإستعمار، لم يكلف نفسه عناء تطوير البلاد من خلال آليات التطور التلقائية من اجل بناء الدولة القومية. فلم يفلح أي من هذه العهود في أن يتطور من المرحلة العسكرية الفجة، مرحلة الغزو في الحالة التركية ومرحلة الثورة في الحالة المهدية ومرحلة الفتح في حالة الاستعمار الثنائي.
    ولتوضيح هذه الفكرة أكثر، نعقد مقارنة بسيطة بين مصر والسودان من ناحية تطور نظم الحكم خلال نفس الفترة الزمنية الممتدة من الغزو التركي عام 1821 ألى خروج الاستعمار الثنائي عام 1956.
    فبينما تعاقبت على السودان ثلاث عهود تاريخية ذات طبيعة حكم مختلفة، لا رابط بينها سوى علاقة الإجتثاث من عهد لآخر، نجد أن مصر قد ظلت طوال هذه الفترة البالغة مئة وخمسة وثلاثين عاما، تحت نظام حكم واحد هو حكم أسرة محمد علي باشا، الذي بدأ عسكرياً صرفاً ثم تحول إلى ملكية إقطاعية، ثم تحول في خمسينيات القرن الماضي إلى ملكية دستورية ذات نظام حكم ديمقراطي تعددي.
    فبينما ظل السودان طوال هذه الفترة يعود مرة تلو الأخرى إلى نقطة الصفر والمرحلة العسكرية (الغزو التركي - 18821 والثورة المهدية - 1885 والفتح الإنجليزي – المصري 1898)، ظل نظام الحكم في مصر يترقي ويتطور ويثري التجربة السياسية المصرية ويؤسس لمفاهيم الوطن والقومية والمواطنة بصورة سليمة.
    وبسبب علاقة الاقصاء والاجتثاث بين مرجعيات أطراف الحركة السياسية السودانية، فإن التصورات التي طرحتها الحركة السياسية السودانية تجعل من كل تصور لمستقبل البلاد، بنية مغلقة علي ذاتها ومستقلة وذات مسار خاص. والغريب في الأمر، أن هذه التصورات قد تبادلت التجلي والغياب علي واجهة الحياة السياسية في السودان لدرجة أن كل تيار منها قد حقق الدولة التي يسعى لاقامتها في السودان، مرة واحدة، على الأقل في تاريخ السودان الحديث. فقد تحققت في السودان الدولة الحداثية العلمانية التي جاءت مع الاستقلال. فانجزت دستورها، وهو دستور السودان المؤقت لعام 1956م، وأقامت مؤسساتها وطبقت نوع سلطتها، وهي السلطة الديموقراطية البرلمانية، ووضعت سلمها التعليمي، وهو ما عرف بسلم بخت الرضا القديم. فهذه كانت هي دولة التيار الديموقراطي المدني التي تكرر تجليها ثلاث مرات، مرة عقب انتهاء الحكم الاستعماري 1956م ومرة ثانية عقب انتهاء الدكتاتورية العسكرية الأولى 1964م ومرة ثالثة عقب انتهاء الدكتاتورية العسكرية الثانية 1985م . هذا التكرار لتجلي الدولة الديموقراطية العلمانية، يجعل منها نقطة ارتكاز، أو لنقل فترة استراحة واستعداد للنزال بين التياريين السياسيين الكبيرين. وبالمثل فقد حقق التيار الإتحادي العروبي الدولة التي يصبو لها في بداية سنوات إنقلاب جعفر نميري في مايو 1969م. وتحقق لتلك الدولة الإتحادية العروبية دستورها، وهو دستور مايو لعام 1972م، ومؤسستها الإشتراكية وسلمها التعليمي، وهو ما عرف بسلم محي الدين صابر التعليمي. أما التيار الديني فنحن نعاني الآن من زيول دولته التي بلورت دستورها ومؤسستها الدينية وسلمها التعليمي والتي لا تزال البلاد تعاني من تدعيات فترة حكمها الطويلة.
    الآفة الثانية هي توالي إسقاط وإستبدال السلطة وهي بعد فجة لم تتجاوز مرحلة صياغة الشعارات. فقد أوجد هذا سياقا سياسياً تكراريا ضاراً لأبعد الحدود لنمو الشعور الوطني والولاء للوطن. فقد صار الوطن (الوطن المؤقت كما صار الوطن السلطة). فحيث أن مفاهيم الوطنية والمواطنة تظل عرضة للتبديل المستمر مع تبدل السلطة، وحيث أن السلطة في السودان هي أبدا سلطة مؤقتة فان المواطنة تصير هي الأخرى، مؤقتة ومرتبطة بالسلطة. فأنت مواطن صالح ولك كل حقوق المواطن في هذه السلطة المعينة، ولكنك مارق وخائن وعدو للوطن في ظل السلطة التي تأتي بعدها. وهذا أمر غاية في الخطورة لأنه يضعف قدسية الوطن في أذهان العامة.

    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-05-2019, 07:31 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    علل بنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (4) الهيمنة العروبية الدينية

    لقد بنينا تحليلنا هنا على نقطة ارتكاز حقيقية تاريخياً وهي توزع الحركة السياسية السودانية إلى ثلاثة تيارات، هي:
    التيار العروبي.
    التيار الديني.
    التيار الديموقراطي.
    وهذا يعني أن جميع الأحزاب السياسية السودانية قد خرجت من تحت عباءة هذه التيارات الثلاثة حصرياً.. فقد فرخ التيار الأول الأحزاب ذات التوجه العروبي المؤمنة بضرورة صبغ الدولة السودانية بالصبغة العروبية ثقافيا وعرقيا وجعلها جزئا من المجال السياسي العربي. وأنتج التيار الثاني الأحزاب ذات التوجه الديني الساعية لربط الدولة السودانية بالدين الإسلامي والسخرية من كل ما هو حداثي ديموقراطي. كما خرجت الأحزاب العلمانية الديموقراطية التي تسعى لدولة سودانية تنتفي فيها الهيمنة العروبية والتغول الإسلامي، من عباءة التيار الثالث.
    لكن، لربما بدى أن بين بعض الأحزاب المنضوية تحت التيار الواحد من هذه التيارات الثلاثة، من التناقض ما يضعف هذا التقسيم الذي نقيم عليه تحليلنا. من ذلك، أن المرء قد يرى تناقضا باديا بين الحزب (الإتحادي الديموقراطي) وحزب (البعث العربي الاشتراكي) كعضوين ضمن التيار العروبي، أو تناقضا باديا بين (حزب الأمة) وجماعة (الإخوان المسلمون) باعتبارهما عضوين في التيار الديني. أو تناقضا باديا بين المثقف اليساري أو اللبرالي وبين (الحركة الشعبية لتحرير السودان) باعتبار الطرفين عضوين في التيار الديموقراطي المدني. غير أننا لو تذكرنا بأن التيار الواحد لا بد له من أن يتكون من عدة أحزاب وجماعات سياسية ولابد له من قاعدة محافظة وكتلة وسطية وقمة راديكالية وما بين هذه الأقسام من منصات، وأنه والحال كذلك، لا بد من ظهور تناقضات بين القاعدة المحافظة والكتلة الوسطية والقمة الراديكالية، لو تذكرنا ذلك، إذن لظهر أن ما نقول به من انتماء الأحزاب والجماعات المتناقضة لنفس التيار السياسي، هو أمر مبرر ومقبول. فالذي يبدو على السطح من تناقضات لا يعدو التناقضات الثانوية المقبولة ضمن تيار سياسي واحد. فما دامت الأحزاب تستخدم نفس المبادئ والقواعد وتنطلق من نفس العقلية والمفاهيم، وتتبع نفس الإستراتيجيات وترمي إلى نفس النتائج النهائية لنوع السلطة وأبعاد الإنتماء، فانها تنتمي لتيار سياسي واحد مهما كان بينها من تضاد ظاهري.
    وإذا كانت الأحزاب والجماعات ذات التوجه الديني في السودان واضحة في طرحها السياسي وخطابها العام، وإذ كانت الأحزاب ذات التوجه العروبي هي الأخرى واضحة في طرحها السياسي وخطابها العام، فإن الغموض وعدم التحديد يغلفان الأحزاب الحداثية العلمانية بما فيها الحزب الشيوعي السوداني. فبعد حدوث هيمنة أكثر الأحزاب الدينية تطرفاً على الحياة في السودان بصفة عامة، بعد استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة عن طريق الانقلاب العسكري في الثلاثين من يونيو 1989، تحاشى الكثيرون في الساحة السياسية السودانية ربط أنفسهم بمفردة "علمانية" التي قد تؤدي للإتهام بالكفر، ومن ثم إباحة دم من ينادي بها. هنا حدث إتكار لصفة العلمانية حتى من الحزب الشيوعي نفسه. بل زعم بعض مثقفيه، أن هذه المفردة لا وجود لها في القاموس السياسي أصلاً. لكن إذا كان ثمة حزب يدعوا إلى عدم خلط الشأن السياسي بالشأن الديني، فهو حزب علماني، سواء جاهر بعلمانيته أو تملص عنها على سبيل التقية. فالعلمانية، كما تعرفها دائرة المعارف البريطانية هي: "حركة اجتماعيّة تتّجه نحو الاهتمام بالشّؤون الدُّنيويّة بدلًا من الاهتمام بالشّؤون الآخروية. وهي تُعتبر جزءًا من النّزعة الإنسانيّة الّتي سادت منذ عصر النهضة. وقد كانت الإنجازات الثّقافيّة البشريّة المختلفة في عصر النهضة أحد أبرز منطلقاتها، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاهٍ في الحياة الآخرة، سعت العلمانية في أحد جوانبها إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية".
    وحسب الفهم السائد والمتكرس، فإن الشأن السياسي السوداني يظل منحصرا ضمن دائرة الهيمنة العروبية - الإسلامية. وحيث أن الاسلام أصلاً دين عربي، فثمة سكك سالكة بين التيارين، تقوى أحياناً حتى تتضح، وتضعف أحياناً حتى تنبهم. ومع ذلك تظل أحد الحقائق التي لا يتغافلها إلا متعمد مضلل. وحيث أن هذين التيارين – العروبي والديني – هما التياران الأكبر والأقوى سياسياً، فإن هذا يجعلهما، دون سواهما، مسؤولين عن الخط الندهوري الذي سارت فيه البلاد حتى بلغت هذا الدرك الأسفل الذي نعيشه اليوم.
    الفهم المتكرس للأحزاب خارج دائرة هذه الهيمنة العروبية - الاسلامية، يعطي للأحزاب خارجها، وصف الأحزاب الصغيرة أو أحزاب الأقليات أو الأحزاب لجهوية. ويقصد بذلك الأحزاب الجنوبية (فيما مضى) وأحزاب جبال النوبة وأحزاب الشرق وأحزاب دارفور. وحيث أنها أحزاب أقليات متفرقة، فهي لم تشكل تيارا سياسيا يمكن أن يضارع التيار العروبي والتيار الديني. وإذا كنا قد قصرنا الحركة السياسية السودانية على ثلاثة تيارات، فإن هذا يعني ضمناً، القول بأن أحزاب (الأقليات) هذه، تشكل في مجموعها التيار الثالث، أي التيار العلماني الديموقراطي، رغم ما يبدو من أن وصف أحزاب (الأقليات) هذه بأنها الأحزاب العلمانية، ينطوي على كثير من الغموض الذي من مسؤولية كاتب هذه السلسلة من المقالات أن يضيئه بصورة مقنعة تحترم عقل القارئ. وهذا ما سوف يكون موضوع المقالة التالية.


    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-06-2019, 07:08 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-07-2019, 08:27 AM

الفاتح شلبي
<aالفاتح شلبي
تاريخ التسجيل: 02-27-2009
مجموع المشاركات: 2109

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    Quote: نجد أن مصر قد ظلت طوال هذه الفترة البالغة مئة وخمسة وثلاثين عاما، تحت نظام حكم واحد هو حكم أسرة محمد علي باشا، الذي بدأ عسكرياً صرفاً ثم تحول إلى ملكية إقطاعية، ثم تحول في خمسينيات القرن الماضي إلى ملكية دستورية ذات نظام حكم ديمقراطي تعددي.


    الأخ حامد

    تحياتي ,,,

    أكثر شيئ لفت إنتباهي فى هذا البوست أنك تجاهلت بأن السودان ومنذ نهايات القرن الثامن عشر كانت تحارب المستعمرين بسودانيين وطنيين .. بينما الشعب المصري لم يحكمه مصري الجنسية إلا بعد ثورة عبد الناصر وبذلك يكون عبد الناصر هو أول رئيس مصري يحمل الجنسية المصرية ويحكم مصر, وهنا الفرق ما بين الدولتين
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 11:00 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: الفاتح شلبي)

    أهلاً بالأستاذ الفاتح شلبي

    نعم ما تذهب إليه صحيح في مجال المقارنة بين السودان ومصر.

    غير إنني كنت أقارن بين تاريخ البلدين في نقطة محددة وحصرية، وهي نمو مفاهيم المواطنة والوطنية وتقديس الوطن التي يمتاز بها المواطن المصري والتي هي ضعيفة عندنا في السودان بسبب تكرار إسقاط السلطة وهي لا تزال فجة لم تؤسس أي نوع من تطوير مفاهيم الوطنية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 09:01 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    العلل البنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (5) أصحاب المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية
    لإثبات فرضية أن ما كان يسمى بأحزاب "الأقليات" هي مرتكز التيار العلماني اليموقراطي وأن سكان الأطراف والهوامش هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية الواقية من التغول السياسي والاقتصادي والثقافي باسم العروبة والدين، لا بد من أن نعود إلى الوراء، إلى بداية تكوّن الحركة السياسية السودانية تحت ظل الاستعمار الثنائي. ففي تلك الفترة نشأ خلاف بين دولتي الحكم الثنائي، مصر وبريطانيا - في الرؤية لمستقبل السودان. كان المصريون يريدون "السيادة على السودان". وكان البريطانيون على قناعة بأن شعب السودان يختلف عن الشعب المصري، وأن ساسة مصر الذين أبدو فشلاً ذريعاً في إدارة بلادهم وأغرقوها في الديون ورضيو بانتهاك سيادتها عن طريق إدخال المحاكم المختلطة، ليسوا جديرين بإدارة بلاد واسعة ذات إمكانيات ضحمة مثل السودان. بالطبع، فإن وراء موقف كل واحدة من دولتي الاستعمار الثنائي، مطامع اقتصادية. وكانت ثمة محادثات ومفاوضات مارثونية بين الحكومتين، المصرية والبريطانية حول هذا الأمر، الذي انتهي مخالفاً لما طمع فيه المصريون ولما خطط له البريطانيون.
    هذا الموقف البريطاني قد باعد ما بين ما كان يعرف باسم "حكومة السودان" برئاسة الحاكم العام المرشح من قبل بريطانيا والمعين بقرار مصري، وبين التيار الاتحادي الذي كان يسعى لربط السودان بمصر. لهذا نجد أن التيار الاتحادي قد عبأ كل قواه لمحاربة حكومة الحاكم العام. لهذا، وفي حركة تضليل واضحة دمغوا فترة الحكم الثنائي باسم "الاستعمار البريطاني" رغم أن السودان لم يكن في يوم من الايام مستعمرة بريطانية من الناحية القانونية. فمانديت حملة كتشر لإعادة فتح السودان كان ينص صراحة على "استعادة أملاك خديوي مصر في السودان" أي الأساس القانوني لاستعمار السودان كان مصرياً. ومع ذلك يردد السودانيون حتى اليوم جملة "الاستعمار الانجليزي". نعم الإدارة في معظمها كانت انجليزية، لكن كل انجليزي عمل في السودان إبان فترة الحكم الثنائي، كان موظفاً مصرياً، من الحاكم العام الذي كان باستمرار يحمل لغب "باشا" حتى أصغر موظف بريطاني الجنسية. وهذه واحدة من عديد من الخدع الاتحادية التي تحولت لدى العامة إلى حقائق، وسوف نأتي لذكر ذلك في حينه.
    من ناحية أخرى كانت لدى الساسة البريطانيين خشية وشكوك حول مرامي زعيم طائفة الأنصار وسند التيار الاستقلالي، عبدالرحمن المهدي. وما كان يخشاه الساسة البريطانيون، هو عودة ما يسمونها دولة الدروايش الدينية التي أنهاها التدخل البريطاني ومساعدة مصر على إعادة فتح السودان.
    هذا الموقف البريطاني دفع "حكومة الحاكم العام" في الخرطوم، إلى البحث عن، بل محاولة خلق تيار سياسي ثالث يقود السودان بعيداً عن أطماع بشوات مصر وبعيداً عن اطماع عبد الرحمن المهدي وباتجاه تأسيس دولة وطنية ديموقراطية علمانية على نمط مشابه للدولة القومية التي نشأت في الهند وتكون خاضعة لبريطانيا . وقد كانت لحكومة الحاكم العام عدة محاولات في هذا الشأن، باءت جميعها بالفشل. وهنا نصل إلى توضيح فكرة أن أهل الهامش هم أصحاب المصلحة الحقيقية في النظام الديموقراطي العلماني.
    فعندما فجعت إدارة الحاكم العام في المتعلمين الذين كانت تعدهم في مدارسها لقيادة التيار الديموقراطي العلماني من اجل مناهضة التيار الإتحادي العروبي الساعي لضم السودان لمصر ولمناهضة التيار الإستقلالي الديني الساعي لإعادة الحكم المهدوي، حيث اجتمع المتعلمون السودانيون في ما عرف بتنظيم "الخريجين" ثم انقسموا ليتوزعوا بين التيارين العروبي والديني، عندما حدث ذلك، اتجه تفكير حكومة الحاكم العام التي كانت تسمى رسمياً "حكومة السودان"، إلى أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز. ويشهد التاريخ كيف سعت تلك الإدارة لإنشاء (الحزب الجمهوري الإشتراكي) من زعماء القبائل في الشمال والشرق والجنوب والغرب، باعتبار أن أهل المناطق الطرفية المهمشة هم أصحاب مصلحة حقيقية في قيام سودان ديموقراطي علماني بعيداً عن أطماع الساسة المصريين وبعيداً عن طموحات السيد عبد الرحمن المهدي السياسية المرتبطة بالدين. ورغم فشل هذا الحزب وموته المبكر لما لقيه من حرب من جميع التيارات، بعضها عن وعي، مثل الاتحاديين والاستقلاليين، وبعضها عن جهل، مثل قوى اليسار، إلا أنه قد أثبت من خلال عمره القصير بأن قضايا أهل المناطق الطرفية البعيدة المهمشة، لا بد لها من وعاء سياسي يأتي من خارج التيارين الكبيرين، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني.
    غير أن نظار الشرق وعمد الغرب وسلاطين الجنوب وجبال النوبة لم يكن لديهم، في ذلك الوقت المبكر، من الوعي السياسي والإجتماعي ما يجعلهم يجارون فهم إدارة الحاكم العام، كما أن أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز لم يكونوا على مستوى من الوعي السياسي بحيث يفهمون ضرورة قيام هذا الوعاء. ولم يقع فهم هذه الضرورة السياسية في الاطراف والهوامش، إلا بعد الإستقلال حيث أضطروا لخلق إتحاداتهم وأحزابهم السياسية خارج التيارين المذكورين، تلك التنظيمات التي عرفت بأحزاب الأقليات أو بالأحزاب الجهوية، رغم ما في هذه التسميات من مغالطات.
    والآن، وبعد مرور ما يزيد عن الخمسين عاماً، فإن وعي أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز بتناقض مصالحهم مع توجهات التيار العروبي والتيار الديني، قد تعمق ونضج لدرجة أنهم قد اخذوا يقاتلون من أجل فرض خياراتهم السياسية على الساحة السودانية.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-08-2019, 11:40 PM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 9578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2019, 08:32 AM

الفاتح شلبي
<aالفاتح شلبي
تاريخ التسجيل: 02-27-2009
مجموع المشاركات: 2109

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    كفيت وأوفيت
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2019, 12:48 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: الفاتح شلبي)

    شكراً محمد على المك

    شكراً الفاتح شلبي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2019, 09:39 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-13-2019, 05:54 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    العلل البنوية في تكوين الدولة السودانية

    حامد بدوي
    [email protected]

    (6) بذرة العنف في الحياة السياسية السودانية

    مرة أخرى نعيد القول بأننا لو نظرنا إلى التيارات السياسية الرئيسية التي تقسمت حولها الحركة السياسية السودانية لرأينا أنها بلا قإسم مشترك وأن التناقض بين رؤياها لمستقبل السودان، قبل الإستقلال كانت من التباعد بحيث أنها شكلت تصورات لمستقبل ثلالثة أقطار مختلفة لارابط بينها. فلا شئ يربط بين مستقبل السودان وهو جزء من دولة عربية كبيرة هي مصر وبين مستقبله كدولة مستقلة تطبق الشريعة، وبين مستقبله كدوله ثالثة هي دولة ديموقراطية علمانية على نمط الدولة القومية في الهند.
    إذن نحن لسنا بإزاء تيارات سياسية تجمع بينها أرضية مشتركة هي الدولة - الوطن القومي - الهوية، وانما نحن بإزاء تيارات سياسية نشأ كل واحد منها لنقض وهدم وإجهاض الدولة - الوطن - الهوية، التي يدعو لها التيار الآخر. وهذا يعني أن كل تيار سياسي من التيارات الثلاثة، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني والديموقراطي المدني، لايرى في التيارين الآخرين سوى الخروج والتمرد أو التغول والهيمنة.
    من هنا جاءت بذرة العنف السياسي وخميرة الإنقلابات العسكرية في التجربة السياسية السودانية. وقد كان التياران الرئيسيان، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني، من التجذر في التربة السياسية السودانية بحيث أجبرا بريطانيا العظمى ومصر الناصرية، على التسليم بإرادتهما السياسية، فوافقت دولتا الحكم الثنائي في إتفاقية السودان، أو ما عرف بإتفاقية الحكم الذاتي عام1953م، على أن يستفتى الشعب السوداني لتقرير مصيره بين رؤيتين، هما رؤية التيار الإتحادي العروبي الداعية للإرتباط بمصر ورؤية التيار الإستقلالي الديني الداعية لخروج الدولتين المستعمرتين، مصر وبريطانيا وترك السودان للسودانيين بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي. وكانت هذه الإتفاقية هزيمة حقيقية للتيار الديموقراطي العلماني الذي كان في بداياته الجنينية وكان من الضعف بحيث أن كثيرا من أصحاب المصلحة الحقيقية فيه لم يكونوا يدركون بوضوح أهمية نهوضه قطبا ثالثا في الساحة السياسية.
    لكن، وبسبب ظروف سياسية معقدة، وتحولات ومتغيرات أساسية غاية في الغرابة والخصوصية، سقط الإستفتاء حول رؤية التيارين الكبيرين وتم تجاوزه ونال السودان إستقلاله، ويا للغرابة، تحت راية التيار الديموقراطي العلماني، فولدت جمهورية السودان جمهورية ديموقراطية تعددية بأحزابها وبرلمانها الضامنين للتبادل السلمي للسلطة,
    هنا لغم كبير زرعه النفاق السياسي، لغم من القوة والشراسة بحيث تمكن من أن ينسف مستقبل السودان، كما نرى في واقعنا اليوم. فقد كان الاستقلال، وبالطريقة التي تم بها، لم يعنى سوى تأجيل الصراع بين المكونات السياسية السودانية لتنفجر مباشرة بعد خروج دولتي الاستعمار الثنائي. وهذا يعني أن كل تيار قد احتفظ باجندته لإستبعاد التيار الآخر. حدث هذا، بينما كان أنصاف المتعلمين من اليسار واليمين يرقصون في الشوارع طرباً وفرحاً بالاستقلال وبالحريات الشخصية، يمنعهم قصورهم الذهني عن رؤية المستقبل الأسود الذي ينتظر البلاد.
    عدم حسم الصراع بين التيار الديني والتيار العروبي قبل الاستقلال، هو الذي أوجد بذرة العنف في الممارسة السياسية السودانية بعد الاستقلال. فالشيء الوحيد الذي يتفق حوله التياران الكبيران، هو احتقار الديموقراطية والنفور من العلمانية ومن التبادل السلمي للسلطة. لهذا صار العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة من اجل هدف وحيد هو تحقيق المشروع السياسي لأي منهما كما هو الوسيلة المضمونة لإجهاض مشروع التيار الآخر.
    لهذا نرى أن هذين التيارين الكبيرين، الإتحادي العروبي والإستقلالي الديني، قد تبادلا تدبير الإنقلابات لفرض مشروع أحدهما أو لإجهاض مشروع الآخر. فقد جاء إنقلاب الفريق عبود عام 1958م، عندما تحقق أهل التيار الإستقلالي الديني من ضعفهم السياسي ومواتاة الفرصة لأهل التيار الإتحادي العروبي لإقامة دولتهم الإتحادية العروبية. ثم جاء إنقلاب جعفر محمد نميري عام 1969م، عندما تيقنت الطليعة العسكرية الراديكالية من التيار القومي الاشتراكي العروبي بقرب أجازة الدستور الإسلامي من داخل الجمعية التأسيسية ومن ثم إقامة الدولة الدينية. وكان لابد من إجهاض هذا المشروع السياسي وشيك التحقق (إنقلاب نميري لم يدبره الشيوعيون، ولكن كعادتهم ينسلكون في كل زفة بصوت عال يجعل من يسمعهم يظن أنهم أهل الزفة). وكذلك جاء إنقلاب عمر البشير عام 1989م، عندما كان الإسلاميون في كامل إستعدادهم النفسي والسياسي لاستلام السلطة وإقامة الدولة الدينية بالقوة، وفي نفس الوقت كان أهل التيار الإتحادي العروبي والتيار الديموقراطي العلماني قد أبرموا إتفاقية (الميرغني- قرنق) ولم يكن بين السودان وإقامة دولة التحالف (العروبي – العلماني) الحقيقية سوى عقد المؤتمر الدستوري في نفس الشهر الذي وقع فيه الانقلاب. وهكذا كان لابد من إنقلاب.
    وأمام هذا التبادل الإنقلابي العسكري بين التيارين الكبيرين والذي غطى كامل الحقبة الزمنية من الإستقلال عام 1956م وحتى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، مع ثلاث سنوات إنتقالية بين كل إنقلاب وآخر، أمام كل هذا كان أهل المصلحة الحقيقية في الديموقراطية العلمانية في الأطراف والهوامش، يزدادون وعياً ويزدادون قوة ويزدادون قناعة بضرورة ابتكار عنفهم السياسي الخاص، بإزاء حركة سياسية أدمنت العنف العسكري كوسيلة لتبادل السلطة. ومن هنا كان التمرد المسلح والحرب الأهلية هي وسيلة أهل المناطق الطرفية البعيدة عن المركز، أصحاب المصلحة الحقيقية في الخيار الديموقراطي العلماني، لفرض خيارهم السياسي على الحركة السياسية السودانية. ومنطق هذه الحرب الأهلية واضح وبسيط، وهو هزيمة التغول على السلطة والثروة بإسم الدين وهزيمة الهيمنة السياسية والثقافية بإسم العروبة.

    نواصل
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-14-2019, 00:36 AM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    (2)
    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    (1) الدولة الأنصارية أو المهدية الأولى
    حامد بدوي
    [email protected]

    نستطيع أن نقول بثقة تامة أن الدولة الدينية الأولى في السودان، الدولة المهدية (1885 – 1898)، قد نهضت وسقطت وهي في عزلة تامة عن ما كان يتحرك خلال تلك الفترة الزمنية في الشرق الأوسط من دعوات للنهضة الإسلامية ومن جهود للإحياء والتجديد الإسلامي علي أيدي مفكرين إسلاميين لا يزال أثرهم الفكري باقيا وحيا وفاعلا من أمثال جمال الدين الأفغاني (1828 – 1879) والأمام محمد عبده (1849 – 1905). فعلاوة علي التعارض الأيديولوجي بين السني الذي يمثله هؤلاء المصلحون وبين الصوفي الذي تمثله الدولة المهدية، فان منهج الثورة المهدية الجهادي المصادم لم يكن ليتفق مع النزوع الإصلاحي السلمي المهادن لهؤلاء الإصلاحيين الكبار.
    ولاشك في أن الحكومة الإستعمارية المصري – الانجليزي في السودان قد فطنت لهذا التعارض بين الصوفي الثوري والسني الإصلاحي وهي تستقدم، بعد القضاء علي الثورة المهدية، عددا من القضاة الشرعيين ومعلمي الشريعة من مصر كما " ركزت علي حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في مصر وأوكلت للشيخ محمد عبده الإشراف علي إختيار القضاة للسودان" (عبد اللطيف ألبوني – مجلة (الخرطوم) عدد يناير 1996)
    وقد كرس حاكم الدولة الدينية السودانية الوحيد، الخليفة عبد الله التعايشي، هذه العزلة وذلك باشغال الدولة كلها بجميع قدراتها في حملات لا تنتهي لتطويع وإخضاع قبائل السودان المختلفة بالإضافة للمواجهة مع الأشراف وغزو الحبشة. وكانت هذه الحملات، حروبا حقيقية شغلت كل مقدرات الدولة ولم تسمح بنشأة مناخ ثقافي من أي نوع. وبهذا تكاد سلطة الإخوان المسلمين البائدة صورة طبق الأصل من سلطة الخليفة علدالله التعايشي من ناحية إشعال البلاد في حروب لا تنتهي وفي سيادة الخط القبلي العنصري.
    نخلص من كل هذا إلي إستنتاج أمرين:
    الأول: هو أن الدولة الدينية في السودان ومنذ نموذجها الأول قد حكم عليها بأن تتخذ سبيل العنف والقهر ضد المسلمين من الموطنين السودانيين أولا. ثم ضد غير المسلمين من السودانيين من باب أولى.
    والثاني: هو أن الدولة الدينية في السودان محكوم عليها بالإنغلاق والتقوقع وبالتالي العزلة والإستهداف وذلك بسبب فقدان هذه الدولة لعناصر التناغم الضروري مع مجريات السياسة الإقليمة والدولية.
    أما في ما يخص الدولة الدينية المهدية والحركة الأنصارية فإننا نستطيع أن نرجع انغلاقها وتقوقعها داخل ذاتها إلى ثلاث عوامل رئيسية هي:

    أولا:
    ضيق الأفق الثقافي للقائمين علي دولة الخليفة عبد الله التعايشي. فقد صاحب تلك الدولة قدر كبير من القصور الثقافي والجهل السياسي. وقد أدار الخليفة دولته بفهم ديني بسيط بساطة ضارة، أساسه التفريق بين (الأنصار) و(الكفار). كما أدارها بعقلية قبلية بسيطة وضارة أيضا أساسها التفريق بين (أولاد البحر) و (أولاد الغرب). وهو بذلك قد نسف أي أساس للإنتماء من منظور إسلامي. كما نسف أي أساس للمواطنة من منظور قومي.
    ثانيا:
    المنابع الصوفية لهذه الحركة، مما أشرنا إلية سابقا من تعارض الصوفي الثوري الجهادي مع السني الإصلاحي. ونضيف هنا أن صدود الحركة الأنصارية ونفورها من حركات النهضة والتجديد الإسلامي في المنطقة، يعود في جزء كبير منه إلي أن معظم هذه الحركات قد نشأت في مصر مما زاد من نفور الحركة الأنصارية تجاها. فالدعوة الأنصارية قد تفجرت أساسا ضد مصر التركية وبريطانيا، تلك الدول التي يجمعها الأدب الأنصاري الساذج في لفظة (الترك). ولعل هذا مما أغلق الباب بين الحركات الإسلامية النهضوية التي منبعها (ديار الترك) وبين الحركة الأنصارية في السودان.
    ثالثا:
    الطبيعة الإستثنائية لهذه الحركة. فعلي الرغم من أنها حركة دينية في الأساس، إلا أنها قامت، في حقيقة الأمر ضد حكام مصر الأتراك الذين يحكمون بإسم خليفة المسلمين في تركيا. ولهذا فقد ظل الأتراك كفارا في العقيدة الأنصارية، لدي العامة من الأنصار حتى اليوم. وهذا وضع إستثنائي لأبعد الحدود. والإمام محمد أحمد نفسه هو إمام صوفي إستثنائي ضمن أئمة المتصوفة وضمن تاريخ العلاقة بين الدولة والإمام الصوفي الذي يجهر بدعوته ويجمع المريدين من حوله. فمنذ إمام المتصوفة الأول السيد المسيح علية السلام، مرورا بالإمام الحلاج وانتهاء بالأستاذ محمود محمد طه، فان للدولة علاج وحيد للإمام الصوفي الذي يتحداها. ذلك العلاج هو تعليق الإمام على الصليب أو المشنقة. وقد حاولت الدولة العثمانية ممثلة في حاكمها علي السودان، شنق الإمام الصوفي السوداني. إلا أن مهدي السودان قد كان هو الإمام الصوفي الإستثناء. فهو الإمام الوحيد الذي شنق الدولة. فلم يعرف في تاريخ التصوف إمام شنق الدولة قبلة ولم يحدث بعدة إلا في حالة الإمام الخميني في القرن العشرين. ولعل هذا ما جعل الأمر يبدو غامضا وبلا مرجعية أو ثوابت تاريخية أمام الخليفة عبد الله الذي قاد الدولة الأنصارية بعد وفاة الإمام المهدي. فليس ثمة أدب أو إرث سياسي يعتمد عليه. ولم تتح سنوات الثورة والجهاد التي قادها المهدي فرصة كافية لتأسيس بناء فكري أو سياسي يعتمد عليه الخليفة.

    (نواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-15-2019, 09:33 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-17-2019, 06:39 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    Up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

10-19-2019, 08:16 PM

حامد بدوي بشير
<aحامد بدوي بشير
تاريخ التسجيل: 07-04-2005
مجموع المشاركات: 3600

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: علل بنوية في تكوين الدولة السودانية (Re: حامد بدوي بشير)

    تحولات المشاريع السياسية الكبرى
    ا/الدولة الدينية من المهدية إلى الإنقاذ

    2 - المهدية الثانية
    حامد بدوي
    [email protected]
    كان الوضع شديد التعقيد الذي واجهته المهدية الثانية، يحتاج، أيضاً، رجلا إستثنائيا قادرا على أن ينهض بدعوة سياسية متماسكة بناءا علي إرث خلفته دولة فشلت في إقامة علاقات طبيعية مع إقليمها ومع العالم، كما فشلت في الحصول على رضا أغلبية أهل السودان. وكان هذا الرجل الاستثنائي هو عبد الرحمن المهدي. لقد تبني السيد عبد الرحمن المهدي خطابا سياسيا يحتوي علي المعلن وهو الدعوة إلى الإستقلال التام (السودان للسودانيين) والمضمر وهو إعادة الدولة المهدية. وكان السيد عبد الرحمن المهدي ذكيا ذكاءا أسطوريا وهو يختار هذا المنهج. ففي الجانب المعلن من دعوته للإستقلال تحت الشعار الغامض (السودان للسودانيين)، إستطاع أن يكسب إلى جانبه العديد من السودانيين من غير الأنصار والذين يرفضون مجرد فكرة الهيمنة المصرية..
    وكان الخطاب السياسي المعلن من طرف للسيد عبد الرحمن المهدي، متماسكا في مراميه النهائية. فالإستقلال لديه، كان يعني خروج الدولتين المستعمرتين من السودان وعودة السودان (للسودانيين)، وهكذا فان البديل الوطني للإستعمار هو المهدية الثانية وليس الإتحاد مع مصر ومحو الدولة السودانية من خارطة العالم، كما ينادي المشروع الإتحادي، المنافس القوى للمشروع الإستقلالي.
    وكان السيد عبد الرحمن المهدي يعرف تماما أن إستقلال السودان تمنحه بريطانيا وليس مصر. فمصر نفسها كانت تحت الإحتلال البريطاني المباشر منذ القضاء على ثورة عرابي عام 1882. لهذا فقد حاول السيد عبدالرحمن بشتى السبل وفي كل المناسبات أن يطمئن بريطانيا بان دولة الأنصار، إذا عادت، فسوف تكون دولة صديقة لبريطانيا. وأنها تحت قيادته ستكون دولة متحضرة تنبذ العنف والحروب. وهذا هو مغزى إهداء السيد عبد الرحمن سيف الإمام المهدي لملك بريطانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. ففي هذه المناسبة كان السيد عبد الرحمن يخاطب ملك بريطانيا العظمي بلغة دبلوماسية عبقرية، لا تزال غير مفهومة للكثيرين الذين لم يروا من هذا التصرف سوي جانبه الميكانيكي المباشر. لقد كان حوارا دبلوماسيا راقيا بين ملك وملك. كان السيد عبد الرحمن، من خلال عملية إهداء السيف يوصل رسالة لملك بريطانيا مفادها أن دولتي القادمة ستكون صديقة لبريطانيا، وهذا هو مغزى الإهداء، وأنها سوف تنبذ العنف والحروب، وهذا مغزى أن تكون الهدية هي سيف المهدي المجاهد. ثم ثمة رمز آخر أكثر خطورة في هذا السيف. فهو السيف الشاهد علي الحق التاريخي للسيد عبد الرحمن المهدي في حكم السودان، وهو يعرف أن الإنجليز، خاصة علي مستوى الأسرة المالكة يقدسون مثل هذا الحق التاريخي، لأنهم موجودون على العرش البريطاني بسبب السيف، فالأسرة الحاكمة ليست سكسونية الأصل.
    ولم يكن أمام بريطانيا سوي أن تعلن موقفها الرسمي من خلال تصرف الملك وهو يواجه هذا الامتحان العسير من قبل هذا السياسي الفذ القادم من وراء البحار. وهكذا جاء رد الملك دبلوماسيا رفيعا لكنه يحمل إجابة واضحة علي عرض زعيم الأنصار. وكان مغزاه أن لا دولة لكم في السودان الآن، وستظلون جزءا من الإمبراطورية البريطانية. وكانت الصيغة الدبلوماسية لذلك الرد هي أن يقبل الملك الهدية، أي يقبل يد الصداقة التي مدت له، ثم يرد السيف لصاحبه مرة أخرى مع عبارة تعني أن الملك يرد لكم السيف لتدافعوا به عن الإمبراطورية البريطانية. أي لا دوله سوي الإمبراطورية.
    ومن مواقف السيد عبد الرحمن التي أسئ فهمها رغم اتساقها مع طرحه السياسي، موقفه من المؤسسات الدستورية التي بدأت الحكومة الإستعمارية البريطانية إدخالها ضمن نظام الحكم في السودان، مثل المجلس الاستشاري عام 1942 والجمعية التشريعية عام 1948. فبغض النظر عن جدواها في مجال إشراك السودانيين في الحكم من عدمه، فإنها كانت تعني، من حيث هي مؤسسات دستورية، أن السودان دولة أخرى وليس إقليما مصريا. فلو كان إقليما مصريا لترك أمر تطوير نظام الحكم فيه لمصر،. لهذا كانت الحكومة المصرية تعارض بشدة قيام هذه المؤسسات الدستورية في السودان.
    كان موقف السيد عبد الرحمن المهدي ومشروعه الديني الرامي إلي إعادة الدولة المهدية، موقفا دقيقا للغأية، فمصر لن تقبل قيام دولة ( دراويش) علي حدودها الجنوبية، هذا إن قبلت أصلا مبدأ فصل السودان عن مصر. وبريطانيا لن تسلم السودان لابن المهدي الذي ما جاءت جيوشها للسودان أصلا، إلا لتدمير دولته. غير إن السيد عبد الرحمن قد ظل يلعب علي التناقض القائم بين دولتي الحكم الثنائي تجاه مستقبل السودان. فبريطانيا أيضا لن تقبل أن يصير السودان جزءا من أملاك ملك مصر. وهي تري أن السودان يجب أن يكون دولة مستقلة ذات سيادة وديمقراطية ومرتبطة بالكومنويلث.
    إذن فإن التناقض بين دولتي الحكم الثنائي بشأن مستقبل السودان، قد منح السيد عبد الرحمن المهدي زعيم المشروع الإستقلالي الديني، الرامي إلى إعادة الدولة الوطنية المهدية، قد منحه فرصة تمرير خطابه السياسي المزدوج بين الدعوة للإستقلال علي الأسس العلمانية وبين الدعوة إلى إعادة الدولة الدينية علي أسس شمولية. فالهدف الأقرب هو الإستقلال، ولا ضير من العلمانية التعددية العلمانية حتى يتحقق، وبعدها (لا شيع ولا طوائف ولا أحزاب، ديننا الاسلام ووطننا السودان).
    ومع كل هذه الحصافة السياسية الفذة، لا يزال معظم السودانيين يرددون مقولات الاتحاديين الكيدية من أن عبدالرحمن المهدي كان "صنيعة الانجليز"، كما لا يزال مدعي الثقافة من اليسار واليمين، يرددون أن الأحزاب التقليدية "ما عندها أيديولوجية". وفي اعتقادي الشخصى أرى أن السودان لم ينجب سياسياً بضخامة عبدالرحمن المهدي حتى ظهور الدكتور جون قرتق دي مبيور في الساحة السياسية السودانية مؤخراً.
    (نواصل)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de