|
|
Re: الأقليات المسلمة في الغرب .. تحديات وأزمات (ملف يستحق المطالعة) (Re: Abobakr Shadad)
|
"مدارك" يفتح ملف العودة إلى الدين
الملحدون الجدد.. وفشل العلمانية!!
أحمد بركات / 14-11-2009
غلاف كتاب "الملحدون الجدد"أثبتت جدلية الصراع بين الدين والعلم، والتي تولى تدشينها مفكرون علمانيون من شاكلة ريتشارد داوكينز وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز، أنها لم تكن أكثر من مجرد ستار دخاني أو سحابة صيف انقشعت بعد قليل لتكشف عما وراءها من طرح بالغ الأهمية في المرحلة الآنية يختص بالعدالة والقوة الكونية في حقبة ما بعد الحداثة. وعَبْرَ مقالة بحثية عميقة على موقع "أوبن ديموكراسي" Open Democracy، تعرض الكاتبة "تينا بيتى" أستاذة الدراسات المسيحية بجامعة "روهامبتون " بإنجلترا، وصاحبة كتاب "الملحدون الجدد" (2007) لهذا الطرح.
تبدأ الكاتبة بحثها من ملحق ملون نشرته جريدة "إيكونوميست" Economist في نوفمبر 2007 تحت عنوان "باسم الله تقرير عن الدين والحياة العامة" أكدت فيه الجريدة أسفها بخصوص "النعي" الذي نشرته في عددها الألفي تعلن فيه "وفاة الله وانتقال سلطته الملكية!!".
والقارئ للمقالة الرئيسية للملحق يلمح بدون عناء مسحة من اللاارتياحية بشأن الصحوة الدينية التي تغشى العالم والتي غدت طرحا جديدا جديرا بالاهتمام.
ورغم تأطير المقالة لهذا "البعث الديني" من خلال عاملين رئيسيين يتمثلان في فورة التطرف الديني على مدى الـ 30 سنة الأخيرة من ناحية، والحركة الارتجاعية المفاجئة أو الهرطقة التي ألمت بالآلة الإلحادية، والتي تمخضت عن تراجع مبيعات كتب كبار مفكريها من أمثال ريتشارد داوكينز وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز من الناحية الأخرى، فإن الكاتبة ترى أن فهم هذه الظاهرة وتداعياتها السياسية والاجتماعية يستلزم تحليلا أعمق من مجرد "المواجهة بين متطرفين دينيين ومتطرفين علمانيين"، والبحث في الأسباب الرئيسية لعودة الدين من جديد بعد تراجعه -أو اختفائه- بشكل أو بآخر عن المشهد السياسي والحياة العامة في الغرب، وبعد الإقصاء الكلي الذي عاناه على يد الأنظمة الشمولية في الدول الشيوعية.
مفهوم الدين
طالع:
النص الأصلي لمقال "أبيتي" في مجلة "أوبن ديموكراسي". تبدأ الكاتبة في تحليلها لهذه الأسباب بتأكيد أن أهمها وأولها يكمن في كون مفهوم الدين من المفاهيم الإشكالية التي تتعدد معانيها، وتتباين مقارباتها، حتى غرق الجدل الفكري حوله في مستنقع من التهميش والتشويه؛ فالعقل الغربي يؤصل لمفهومه الراهن للدين من الأيديولوجيات التي سادت حقبة ما بعد التنوير عندما حل العقل والعلم محل الدين كقوى منظمة ومهيمنة على الحياة. وكلمة "الدين" -في الوقت ذاته- تحمل ترميزات ومعاني إضافية أخرى ترتبط بالإمبريالية الغربية في القرن الـ19.
كما أن لفظة "الدين" في اللغة الإنجليزية religion هي في الأساس اشتقاق من الكلمة اللاتينية religio التي حملت معاني شتى عبر التاريخ الروماني والمسيحي، لكنها اكتسبت مفهومها الحالي أثناء فترات البحث في المعارف العلمية والموضوعية في الحقبة التنويرية، والحروب الاستعمارية اللتين شكلتا معا التاريخ البريطاني الحديث.
هذه العناصر المتشابكة، جعلت مفهوم الدين من المفاهيم الضبابية التي تختلف، ليس من ثقافة لأخرى، ولكن داخل الثقافة الواحدة بين التيارات المتعددة؛ ففي عصر الملكة فيكتوريا، كان تطوير العلوم الحديثة -آنذاك- مثل الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والإثنولوجيا (علم الأعراق) يرمي إلى هدف واحد هو دراسة الشعوب والمجتمعات "البدائية" التي صادفها مؤسسو الإمبراطورية الأوروبية في رحلاتهم.
وكان الحماس لنظرية النشوء والارتقاء التي وضعها العالم الإنجليزي "تشارلز داروين" في مطلع القرن المنصرم ينضوي على أهمية الدراسة الدينية ليس من أجل الدين، ولكن كوسيلة لدراسة وتصنيف الحضارات الأخرى ومقارنتها بالحضارة الغربية على يد مفكرين يؤمنون بوضعية الرجل الأبيض على قمة الهرم الارتقائي، ومن هنا اكتسب الدين في العقل الغربي مفهوما عنصريا يقوم على النظرة الدونية والتنكر للآخر.
وعلى النحو نفسه، مر مفهوم "العلم" بمراحل شتى خلال القرن الـ19، فمن كلمة كلية شاملة توصف لشتى أنواع المعارف -وفيها العلوم اللاهوتية والفلسفية- إلى مصطلح أكثر تحديدية يرتكز على المقاربة العقلانية الموضوعية القائمة على الدليل المادي التجريبي؛ ومن هنا وعبر هذا السياق التاريخي للعقل الأوروبي نشأت المفاهيم والنظريات الفصامية بين العلم والدين.
جدلية العلم والدين
وازدادت الهوة بين العلم والدين اتساعا على مدى القرن الـ19 بفضل عوامل سياسية واجتماعية تمثلت في صراع القوة والهيمنة بين رجال العلم ورجال الدين؛ حيث كان أغلبهم ينتمي إلى الطبقة الحاكمة في العصر الفيكتوري، فبينما دانت مقاليد الحياة في إنجلترا في بدايات هذا القرن لسلطان الكنيسة، وأمسك رجال الدين بزمام الأمور، شهد النصف الثاني منه تحولا في ديناميكيات القوة بحيث تنحى السلطان الكنسي وبسط العلم سلطانه على مقاليد الحياة وأحكم رجال العلم قبضتهم على مفاتح العقل الجمعي الإنجليزي ومنظومته القيمية.
ومر هذا الصراع بمنعطف تاريخي جديد توشح فيه عباءة الحوار التصالحي الإبداعي والجدل الفكري العقلاني، حتى صارت محاولات تصوير العلاقة بين العلم والدين على أنها صراع أبدي سرمدي من مخلفات الماضي، ومناقضة للسياق التعددي الذي يمثل الركن الركين في حضارية المجتمعات البشرية في الحقبة الآنية.
وأصبح ثمة مذهب علمي جديد ينكر هذا الفصام جملة واحدة، فلم يعد العلم بديلا عن الدين أو وريثا شرعيا لمملكته، بل أصبحت بعض المباحث العلمية البحتة كمباحث الفيزياء الكمية تفند محاولات التمييز بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية الفلسفية، إضافة إلى المد التحولي الديني الذي شاع في الدوائر العلمية كحالة البروفيسور "فرانسيس كولينز"، عالم الجينات الشهير، والذي تحول عن الإلحاد إلى المسيحية جراء ما توصل إليه من نتائج علمية في مباحث الهندسة الوراثية؛ وأصبح التنظير الدوجماتي العقدي سمة من سمات العقل الإلحادي، حتى صار الملحدون الجدد وعلى رأسهم داوكينز متهمين بخيانة القيم العلمية والمنهج العقلاني الذي قام عليه الفكر الإلحادي.
فالسياق الحضاري الذي يعيشه الغرب اليوم إذن يحتم على المجتمعات الغربية -إن هي أرادت التمسك بموروثها القيمي الليبرالي- أن تتصدى لأطروحات العدوانية التي تجتاح جدليات الدور الديني في المجتمع، خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة.
أما فيما يخص الجدل المثار بشأن الإسلام، والإشارة الدائمة إلى المسلمين كأصوليين إرهابيين فهو لا يتعدى أن يكون صدا، أو ربما بقايا، لموروثات عقدية بالية من مخلفات القرن الـ19 تجعل من الرجل الأبيض جنسا فائقا على غيره من العبيد والبربر الذين ينتمون إلى الحضارات والديانات الأخرى.
أحد الطرق لفهم الأزمة القيمية والعقدية الراهنة هو وضعها في سياق ما بعد الحداثة عندما تفسخت منظومة القيم العلمية والديمقراطية التي تمخضت عنها الثورات السياسية والفكرية في القرن الـ18.
فالعالم اليوم يشهد مرحلة مختلفة من التعددية والانفتاحية يراها البعض تمثل ذروة التقدم البشرى، بينما ينظر إليها آخرون نظرة توجسية ملؤها الخوف على انهيار كل اليقينيات والثوابت.
فاصطلاح ما بعد الحداثة ظهر أول ما ظهر على يد "جين - فرانسوا ليوتارد" Jean- Francois Lyotard كعنوان لكتاب "الحالة ما بعد الحداثية" The Postmodern Condition (1979م).
أما حقبة ما بعد الحداثة ذاتها فيمكن التأصيل لها تاريخيا بانتهاء الحرب الكبرى الثانية (1945م) عندما انفرط عقد القيم الذي قامت عليه المجتمعات الغربية الحديثة على مدى قرنين من الزمان بسقوط نظريات التنوير والعقلانية في مستنقع الإبادة الجماعية والمذابح النازية، وتخضبت بدماء الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ووقف العلم موقف المسئول عن هذا البؤس الذي ما كان ليحدث لولا قوى التدمير والخراب التي أبدعها الإله العلمي الحداثي، والذي عجز بعدها عن إنقاذ البشرية وتقديم العلاجات اللازمة لإخراجها من درك الشقاء الذي أوردها إياه.
وصارت موجة من الإلحاد والمادية في ظل غياب كامل للمنظومة القيمية الروحية القائمة على أسس الدين والتي تبلورت بجلاء على مدى القرن الـ20؛ حيث لم يشهد التاريخ البشري على امتداده مثيلا من المذابح والإبادات الجماعية باسم أيديولوجيات ونظريات تقدمية تأصلت جميعها في الحقبة العلمانية ما بعد الدينية.
وأخذت هذه اللايقينية أشكالا مختلفة كالوثنية الظاهرية النازية، والأيديولوجيات الإلحادية في الاتحاد السوفيتي والصين، وكمبوديا. فإذا كان القرن الـ18 قد أخذ بيد المجتمعات الغربية نحو التحرر من غل الطاغوت الديني والحكم الكهنوتي، فقد أثبت القرن الـ20 أن ظلامية المجتمعات الدينية في العصور الوسطى لا يعادلها إلا ظلامية المجتمعات الإلحادية التي ظهرت في ذلك القرن.
فشل العقلانيين
ورغم الطريقة الدوجماتية غير العلمية التي يتبناها الملحدون الجدد اليوم في رفض هذه الأطروحات، فإن هناك من يتمتعون بالحساسية التاريخية والحدسية الفلسفية أكثر من داوكينز، ومن ثم يعلمون يقينا أن القنابل الذرية التي حرقت هيروشيما ونجازاكي وعمليات الإبادة الجماعية وغرف الغاز إلى غير ذلك من جرائر قد ألقت جميعها بحجاب قاتم على الذاكرة الجمعية والوعي الغربي، وأعطته الحق الكامل في الريبة من كل المنظومات الفكرية اللادينية والنظم السياسية الليبرالية التي نشأت وترعرعت في ظلها كل ممارسات العنف والدموية.
لم تنجح المذاهب العقلانية إذن في اجتثاث جذور الشر، ونزع فتيل الحروب والضغائن، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فبعد عقود طويلة تبين أن هذه المذاهب قد فشلت في إخماد الحس الديني أو حتى التقليل من جذوته في خضم الوهج العلمي الأخاذ؛ وبدلا من ذلك تنامى الدين في مسارات خبيثة شكلت عبئا كبيرا على الفكر والمجتمع الحداثي، واستمد التطرف الديني قوته من المصادر ذاتها التي تغذت عليها المقاربات العلمية للمعرفة في رفضهما المشترك للغموض والتلبسية وبحثهما الحثيث عن المعنى واليقين.
وفي هذا الإطار، ضربت مذاهب التطرف الديني والعلمي عرض الحائط بالحكمة البشرية وتجارب الأجيال السابقة التي أبرزتها الأديان السماوية لحساب اعتقادية عدوانية أحادية الجانب تجرعت على يديها البشرية مرارات العنصرية والتمييز.
وإذا كانت الحداثة قد خلفت هاتين الحالتين من التطرف الديني، والتطرف العلماني، فإن حقبة ما بعد الحداثة قد خلقت بيئة اجتماعية غير رصينة من شأنها أن تسمح بصراع عنيف ومواجهة مريرة بين الأصوليتين عبر فراغ ثقافي تترعرع فيه سياسات التطرف وأطروحات الأنوية المتعصبة من خلال خلق حالة من التشككية في إطار السعي ما بعد الحداثي لزعزعة كل اليقينيات وإنكار جميع الثوابت.
فشل العلمانية!!
إن أحد أهم الخطايا التي اقترفها الفكر ما بعد الحداثي هو احتفاؤه بموت ما يعرف بـ"الرواية العظمى" أو الفكرة المجردة التي تقدم تفسيرا كليا للمعرفة والخبرة البشرية، ورفعه لشعار فكرى جديد مؤداه أن "الحقيقة الكونية الوحيدة الراسخة هي عدم وجود حقيقة كونية راسخة على الإطلاق"، ونزوعه الدائم إلى افتراضية تشككية تقوم على هدم الثوابت الراسخة في أعماق الفكر البشري عبر تاريخه الممتد.
فالبشرية لم تكن يوما بحاجة إلى "رواية عظمى" وقيم روحية دينية تقوم على أنسنة الإنسان مثلما هي اليوم مع توحش الرأسمالية العالمية وتهديدها المستمر باستئصال ما تبقى من المنظومة القيمية.
هذا هو السياق الواقعي الذي يواجهه العالم اليوم، وهذه هي قضاياه التي ينبغي أن تكون محل جدل فكري على نطاق واسع، وهذا هو السياق الذي ينبغي أن يضعه الفكر العالمي نصب عينيه إذا كان له أن يجيب على تساؤل: لماذا نجحت الصيغ الدوجماتية المتشددة في جذب العديد من الناس؟
لقد فشلت العلمانية في تقديم البديل الأيديولوجي لظلامية العصور الوسطى في أوروبا؛ ومع ظهور فكر التنوير، لم يمت الدين كما كان يراد له، ولكن ظل الحس الديني ينمو في مسار غير مساره القويم، لمقاومة اللامساواتية والإثنية التي تمخض عنها الفكر العلماني بجميع أشكاله، وتحت وطأة المذاهب العقلانية التنويرية والتفوق العلمي المذهل وفي ظل غياب أو تغييب للدين ومنظومته القيمية ونسقه الروحاني تجرعت البشرية مرارات حروب عالمية ومذابح جماعية وعمليات إبادة لم تشهد لها مثيلا، قادتها في النهاية إلى كفر بواح بكل أطروحات العلمانية التي سادت الفكر البشري عبر قرنين من الزمان، لتغشى بعدها العالم موجة إلحادية تشككية على يد من يعرفون بـ"الملحدون الجدد" الذين أرادوا أن ينزعوا عن الفكر البشري كل ثوابته وقيمه.
هذا هو الإطار الذي ينبغي أن تتقولب فيه كل إشكالات العنف والتطرف التي عبرت عن نفسها مع نهاية القرن الماضي وبدايات هذا القرن.
لقد تساءل "مارتن لوثر كنج" يوما: "إذا لم يكن لديك شيء مستعد أن تموت من أجله.. فهل لديك شيء يستحق أن تعيش من أجله؟".
"لقد جردت الحالة ما بعد الحداثية الإنسان من كل شيء يمكن أن يموت من أجله، ومن كل شيء يمكن أن يعيش من أجله.. فقط أمدته بكل شيء يجعله يقتل الآخرين من أجله!!!".
--------------------------------------------------------------------------------
كاتب ومترجم
| |

|
|
|
|