السودان ومصر .. الى أين ؟! (1-3) د. عمر القراي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-30-2025, 00:46 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-07-2009, 12:57 PM

عبدالله عثمان
<aعبدالله عثمان
تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 19192

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
السودان ومصر .. الى أين ؟! (1-3) د. عمر القراي

    ترددت تصريحات مختلفة، في الآونة الأخيرة، عن استيطان مزارعين مصريين بمشروع الجزيرة، أو بالشمالية ، بل ان من الآراء ما يؤكد ان السدود في الشمالية ، انما اقيمت ومن ضمن اغراضها ، توفير اراضي للمهاجرين المصريين .. وتضاربت البيانات عن اعداد هؤلاء المزارعين، وعن طبيعة وضعهم ، ولقد ذكر عدد 5 مليون مزارع ، وذكرت ارقاماً اكثر تواضعا . وورد الحديث عن بيع آلاف الأفدنة لهم بمشروع الجزيرة ، لفترة طويلة ، أو اعطاءهم اراضي للبقاء فيها ، واستصلاحها بالولاية الشمالية . ولعل كل هذه التصريحات كانت نتيجة للإتفاقية ، التي وقعت مؤخراً ، بين البلدين ، تبيح لمواطنيهم حق الإقامة، والتملك، وحرية التنقل دون تأشيرة بين البلدين .. ولقد أشتكى بعض المواطنين ، من ان الاتفاقية قد طبقت من جانب السودان فقط ! اذ لا زال الدخول لمصر يحتاج الى تأشيرة ، ولا زالت فرصة العمل، أو التملك، فيها للسودانيين ، تكاد تكون مستحيلة ! ثم ان الإتفاقية اعادت الحديث عن مشروع التكامل ، ووحدة ابناء وادي النيل ، الأمر الذي قوبل بردود فعل مختلفة، من السودانيين ، و من بعض الكتاب والصحفيين المصرين. فقد قاموا بنفي هذه الأخبار، أو قبول المبدأ مع تحفظ في العدد ، أو الاستنكار والاستهزاء والسخرية . فقد كتب د. محمد السيد سعيد الناشط في حقوق الإنسان ، والمستشار بالدراسات الإستراتيجية بالأهرام ، مقالاً يسخر فيه من كاتب سوداني، أثار تساؤلات عن الوجود المصري المكثف في السودان، في هذه الايام .. فقد اعتبر د. سعيد هذه التصورات " فانتازيا سودانية " على حد عنوان مقاله ، الذي نشر باحدى الصحف العربية ، ونقلته الصحف المصرية والسودانية . ولقد أكد في ذلك المقال ان المصريين لن يستقروا باعداد كبيرة في السودان . وان مشاكل مصر، ستحل داخل مصر، لا باللجوء للسودان . ولعل محاولة د. محمد السيد سعيد لنفي الأطماع المصرية في السودان، تحتاج أكثر من مقاله القصير هذا ، وذلك لأن هنالك تاريخ طويل ، حاولت خلاله مصر ان تستغل تفوقها على السودان، لتملي عليه مواقف، واتفاقيات ، تضره لمصلحتها هي !! ولم تكن العلاقة في أي يوم من الأيام متكافئة ، أوقائمة على الندّية ، أو مبنية على رغبة الشعبين في التقارب والتعاون، وانما كانت توجهها مصالح الحكومات الآنية ، والتي تتحول وفق مقتضيات السياسة

    إن أول ما أود توكيده ، هو ان اتجاه التعاون، أو التكامل ، أو الوحدة التامة ، بين السودان ومصر، لهو اتجاه طبيعي، مقبول ، بل ومفضل .. وذلك لأن تطور الحياة ، يشير الى حتمية الوحدة بين جميع بلاد العالم ، فمن باب أولى ، بين الاقطار المتجاورة ، التي تربط بينها وشائج عديدة ، وواقع جغرافي وتاريخي ، ضارب في القدم ، سجلته نشأة حضارة وادي النيل العريقة .

    ولكن الوحدة لا تتم قبل وقتها ، ولا تتحقق بغير شروطها ، ولا بد لها ان ترتبط بتوحد كل قطر مع نفسه، على حدة ، قبل ان يتحد مع قطر آخر .. ونحن في السودان، حتى نحقق الوحدة الداخلية ، نحتاج الى مذهبية ، قادرة على جمع التباين الثقافي، والفكري ، والديني في وحدة حقيقية .. وهو مجهود لا زلنا عنه بعيدين . فاذا اغفلنا هذا الواجب ، واتجهنا الى وحدة مع مصر، أو غيرها ، فان سعينا سيكون خاسراً. والتنمية المستدامة، لا بد ان تتحقق بواسطة الشعب ، ولمصلحته هو، خاصة في بنياتها الأساسية ، قبل ان يشارك فيها شعب آخر .. فالوحدة ليست عملاً عاطفياً فجاً ، ما يلبث ان ينهار، وانما هي منظومة من البرامج ، التي توجهها القناعة ، من القاعدة نحو القمة وليس العكس . وكل تعاون قبل الوحدة ، لا يستهدي بما تقوم عليه من تكافؤ، وفق مذهبية ذات اهداف محددة ، يكون استغلالاً مرفوضاً، يوقر صدر الشعوب، ولا يخدم مصالحها .

    وعن ضرورة الوحدة بين الشعوب، التي تسوق الى الوحدة العالمية ، جاء ( وهذا الكوكب الصغير، الذي تعيش فيه الإنسانية، وحدة جغرافية ، قد ربط تقدم المواصلات الحديثة السريعة بين اطرافه ، ربطاً ألغى الزمان والمكان، الغاء يكاد يكون تاماً .. حتى لقد اصبحت جميع اجزاء المعمورة ، تتجاوب في ساعات معدودات ، للحدث البسيط الذي يحدث في أي جزء من اجزائه . يضاف الى ذلك، ان هذا الكوكب الصغير، معمور بانسانية واحدة ، متساوية في اصل الفطرة ، وان تفاوتت في الحظوظ المكتسبة ، من التحصيل والتمدين .. فينبغي والحال هذه ، بل انه ، في الحقيقة ضربة لازب ، ان تقوم فيه حكومة عالمية واحدة ، تقيم علاقات الأمم على اساس القانون ، كما تقيم حكومات الأمم كلها في داخليتها ، علائق الافراد على اساس القانون، وذلك أمر مستطاع ، بل هو أمر لا معدى عنه ) (محمود محمد طه 1953م من خطابه للسيد توبيز بوديت مدير عام اليونسكو ).

    هذا عن الوحدة بين الشعوب ، التي تسوق آجلاً ، الى الوحدة العالمية ، بصورة عامة .. أما وضع السودان ومصر، فانه يزخر بما يقارب بينهما ، من وشائج ، ويسوقهما على مكث، وتلبث ، للوحدة الرشيدة .. ولكن مع كل ذلك ، فان النظر الى هذه العلاقة ، يقتضي الحياد، ومن الحياد ان نقرر ان العلاقة السودانية المصرية، قد إيفت بآفات عديدة ، وملئت بسلبيات واضحة ، وخلفت عبر الزمن ، الكثير من المرارات في النفوس . فالعلاقة منذ القدم كانت توجهها الأطماع ، فقد غزا محمد علي باشا والي مصر، من قبل الأتراك ، السودان طلباً للمال والعبيد .. ولم يكن السودانيون في نظره غير موارد يستغلها دون مقابل . وحين ارسل ولده اسماعيل ، كان فتاً غراً ، لم يقبل بان ياخذ الغنائم فقط ، بل جنح الى الإساءة ، الى المك نمر زعيم الجعليين ، مما اشعل الحرب ، التي مات فيها الآلاف من السودانيين، بسبب صلف الباشا وغروره .

    وحين جاء الغزو التركي، كان المصريون جزء منه ، رغم انهم هم انفسهم مستعمرون بواسطة الاتراك .. ولكن الشعب السوداني تلقى الاضطهاد على أيديهم، هم ، فلم يميز بينهم وبين الترك. وكان ظلم الأتراك للسودانيين ، من أهم اسباب نجاح الثورة المهدية . ثم جاء المصريون مرة أخرى، حكاماً مع الانجليز، فيما عرف بالحكم الثنائي ، وكان دورهم بالنسبة للمواطنين أسوأ من الانجليز، لأنهم يرونهم أقرب إليهم من حيث الدين والعرق، ثم هم مع ذلك، يستعمرونهم . ومنذ ذلك الوقت، ظن المصريون ان السودان تابع لمصر .. ومع بواكير محاولات السودانيين للتخلص من الاستعمار، ظهرت دعوة الوحدة مع مصر تحت التاج المصري .. وكانت مصر تتبنى كل الأحزاب السودانية الإتحادية ، وتعادي حزب الأمة، لأنه رفع شعار السودان للسودانين .. وكان الساسة المصريون، يمنون شعبهم، بالتمسك بالسيادة المصرية على السودان . ومن ذلك مثلاً ان صدقي باشا، قد خاطب الشعب المصري، بقوله (لقد جئتكم بالسيادة على السودان) أو قوله (لقد اعترف نهائياً بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري) ( الرأي العام 29/10/1946م). ولم تتوقف الأطماع المصرية حتى بعد قيام الثورة المصرية ، فقد كان عبد الناصر رحمه الله، يتوقع ان يتفق السودانيين على الاتحاد مع مصر، وقد استاء عندما أعلن الاستقلال من داخل البرلمان. ولما لم تتم الوحدة ، لم يقتنع عبد الناصر بذلك ، ففي عام 1957م ارسل الجيوش المصرية الى شرق السودان ، ووضعت العلم المصري على حلايب. وكان يمكن ان تصبح حلايب جزء من مصر، منذ ذلك التاريخ ، لو لا ان رئيس الوزراء في ذلك الحين السيد عبد الله خليل، قد كان حقاً في مستوى مسئولية الدفاع عن تراب الوطن. فقد ارسل قوات من الخرطوم الى حلايب ، وأعلن الحرب على مصر. ولقد إلتف الشعب السوداني كله خلف عبد الله خليل، يدعم هذا الموقف الوطني الشجاع . وانسحب عبد الناصر مفضلاً ان يكسب الشعب السوداني كله بدلاً عن جزء من اراضيه .

    ومن التجارب السيئة في علاقة السودان ومصر، إتفاقية مياه النيل 1929م .. ثم تهجير أهالي حلفا عام 1959م، من أجل بناء السد العالي . ولقد فرط الحكم العسكري الاول، بقيادة الفريق ابراهيم عبود، فلم يستطع المفاوضة ، بغرض اعادة النظر في اتفاقية مياه النيل. فالاتفاقية كانت قد ابرمت بين دولتي الحكم الثنائي، والسودان غائب تحت الإستعمار. وكون السودان كان مستعمراً ، حين وقعت الإتفاقية ، يعطيه الحق في نقدها وتغييرها . ولكن الفرصة قد ضاعت لأن اتفاق 1959م لم يصحح هذا الوضع . ولقد اعطت الإتفاقية مصر 48 مليار متر مكعب، في حين اعطت السودان 4 مليار متر مكعب فقط !! أما الزيادة الناتجة من بناء السد العالي ، فقد نال منها السودان 14.5 مليار متر مكعب ، ونالت مصر 7.5 مليار متر مكعب فيصبح بذلك جملة نصيب السودان، من مياه النيل ، حسب هذه الإتفاقية المجحفة 18.5 مليار متر مكعب بينما نصيب مصر من مياه النيل 55.5 مليار مترمكعب !! ليس هذا فحسب ولكن اتفاقية 1959م التي ضاعت بمقتضاها حلفا ، أعطت السودان فقط 15 مليون جنيه (12/11/1959م). وهذا لمبلغ الضئيل ، انفقت الحكومة منه 13 مليون لتشييد قرى حلفا الجديدة ، بخلاف الخزان ، واعداد المشروع الزراعي ، بخلاف تكاليف الترحيل ، وادارة التوطين ، والتعويضات التي دفعت للمواطنين المرحلين .
                  

11-09-2009, 05:20 PM

عبدالله عثمان
<aعبدالله عثمان
تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 19192

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان ومصر .. الى أين ؟! (1-3) د. عمر القراي (Re: عبدالله عثمان)

    السودان ومصر ...الى أين ؟!(2-3)

    ولم يكن واضحاً لقادتنا السياسيين، ان الوحدة، أو التكامل، يحتاج أولاً، لأن يحل كل قطر، مشاكله وحده، وفق ظروفه، قبل ان يدخل في علاقة مع قطر آخر.. بل ان من مثقفينا، من يظن ان مصر قد حلت مشاكلها، وأننا باتحادنا معها، سنحل مشاكلنا ايضاً !! ولهذا لم يجرؤ واحد منهم، ان ينبه القادة المصريين، الى مشاكلهم هم، لينشغلوا بحلها، قبل ان يفكروا في التوحد مع السودان .. واذا كان للاجيال الحديثة، ان تعرف إستثناء لهذه المواقف الخائرة ، لاحزابنا الكبيرة ، وسياسيينا، ومثقفينا، فإن هذا الإستثناء قد كان الاستاذ محمود محمد طه، وحزبة الصغير، الحزب الجمهوري .. فقد كتب خطاباً للواء محمد نجيب، حين قام بالثورةالمصرية، واطاح بالملك فاروق ، خطاباً جاء فيه (والفساد في مصر ليس سببه الملك ، وليس سببه الساسة ، والاعوان، الذين تعاونوا مع الملك ، ، بل ان الملك ، واعوانه ، هم ، أنفسهم ، ضحايا لا يملكون ان يمتنعوا عن الفساد ، وان يدفعوه عنهم .. فان أنت اردت ان تلتمس أسباب الفساد، فالتمسها في هذه الحياة المصرية ، في جميع طبقاتها ، وجميع اقاليمها – تلك الحياة التي أقامت أخلاقها ، اما على قشور من الإسلام ، أو على قشور من المدنية الغربية ، أو على مزاج منهما .. وأنت لن تصلح مصر ، أو تدفع عنها الفساد، إلا اذا رددتها الى أصول الاخلاق ، حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيباً . من أنت ؟؟ هل أنت صاحب رسالة في الإصلاح، فتسير بشعب مصر الى منازل التشريف ، أم هل أنت رجل حانق، جاء به ظرف عابر ، ليقلب نظاماً فاسداً ، ثم يضرب ذات اليمين وذات الشمال ، حتى ينتهي به المطاف : أما لخير ، وأما لشر ؟؟ ) (محمود محمد طه 18 /8/1952م). وحين واصل عبد الناصر قيادة الثورة، بعد إبعاد محمد نجيب، وكان منحازاً للكتلة الشرقية، التي تمثلها الشيوعية الدولية، ويحاول ان يجر العرب، خلفه ، في ركابها، كتب إليه الأستاذ أيضاً، ومما جاء في ذلك الخطاب: ( أن تصحح رأيك في الحياد الإيجابي .. فإنك ، لن تستطيع الحياد اذا أسرفت في عداوة فريق من الفريقين، فان الإسراف لا يورث الاعتدال ، فانت لا تجني من الشوك العنب ، وانك لن تستطيع ان تكون " ايجابياً" في مبادئك ، الا اذا كنت تملك الفلسفة الايجابية .. وما نرى لك من فلسفة بازاء الرأسمالية والشيوعية ، غير الاسلام ، اذا ما ارحت الدولة العربية، من تدخلك في شئونها ، ومن دجل دعوة القومية العربية ، فسيكون على كل دولة عربية ، داخل حدودها- ولا يعني هذا عدم التعاون المتكافئ –ان تبعث الإسلام من جديد ، وان تطبق مذهبيته التي تحقق التوفيق بين الاشتراكية ، والديمقراطية ، أي بين العدالة الإجتماعية ، والحرية الفردية المطلقة ..)(محمود محمد طه 11/8/1958م).
    لقد تواصلت الجهود المصرية، عبر العصور، لتفنع الشعب السوداني، بحتمية، وضرورة ، الوحدة بين السودان ومصر .. وكان الدور البارز في هذا الاتجاه، تلعبه الثقافة، من خلال الإعلام المصري المكثف، حتى أصبح المسلسل التلفزيوني المصري ، جزء لا يتجزأ من حياة الأسرة السودانية ..ولقد تأثرنا أيضاً، بمناهج التعليم المصرية، وسافر العديد من السودانيين في حقب مختلفة، للتعليم العالي في مصر.. وعادوا وشغلوا مناصب رفيعة، كانوا فيها متخذي قرارات، غالباً ما تقوي الصلات السودانية المصرية. كما أنشئت جامعة القاهرة فرع الخرطوم، واستوعبت اعداد كبيرة من الطلاب، وخرجت الكثيرين من المتعلمين، المؤهلين، خاصة في مجال مهنة المحاماة . ورغم ان فكرة الإتحاد مع مصر، قد تراجعت، خاصة بعد فشل الوحدة بين سوريا ومصر، الا انها استمرت من ضمن الأجندة الثابتة للحكومات المصرية، ولبعض الجماعات السودانية والمصرية . ورغم ان الوحدة لم تطرق بشكل واضح، الا ان التعاون بين البلدين استمر، وازداد إبان حكم عبود، والذي حصلت فيه مصر على المكاسب من صفقة السد العالي، على حساب السودان كما ذكرنا آنفاً . ولقد كان السودان المهجر المفضل، بل الأوحد للمصريين، في الخمسينات، والستينات، حين كان نظام عبد الناصر ينتهج سياسات اقتصادية، تركز على اغلاق مصر في وجه السوق العالمي، وقبل الانفتاح الذي حدث في عهد السادات.

    على ان العلاقة بين السودان ومصر، لم تقوى مثل ما قويت في عهد نميري. فلقد احتاج نظامة الى السند المصري، في وجه المعارضة الداخلية، خاصة حين احتمت بدول خارجية. وفي نفس الوقت، كان نظام السادات يعاني من عزلة، لمقاطعة العرب له، بسبب صلحه مع اسرائيل .. وهكذا وجد السادات في التفارب مع السودان ، عزاء، كان في اشد الحاجة له .. ومن ناحية اخرى، كان يحاول تغيير التوجه الشيوعي، الذي كان على عهد عبد الناصر، باعطاء فرصة للوجود الامريكي، بغرض اعادة توازن القوى في المنطقة. وكان نظام نميري قريب لأمريكا، ولهذا وجد فيه السادات عوناً على هذا الدور، في اطار التحالف المنشود. ولهذا تم توقيع منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي، بين السودان ومصر في فبراير 1974م. وبعد الغزو الذي قامت به الجبهة الوطنية للسودان، تم توقيع إتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر في 15 يوليو 1976م. ولعل هذا ما أيئس المعارضة، من تكرار محاولة الغزو، وساقها للمصالحة عام 1977 . ولقد قام الرئيس محمد حسني مبارك، بعد ذلك بسنوات بتوقيع ميثاق التكامل بين البلدين في أكتوبر 1982م.
    وكان مما جاء في ميثاق التكامل ( ان غاية التكامل بين الشعبين الشقيقين هي بناء المواطن في وادي النيل في مختلف نواحي حياته لأن هذا المواطن هو عدة هذا البناء وركيزته الاساسية في العمل من أجل استشراف غد أفضل ومن اجل إعلاء صرح بناء البلدين الشقيقين ) (مسودة الميثاق :المادة 1- الباب الأول). وفي تفصيل حول بناء المواطن، جاء في الميثاق (العمل وفق استراتيجية موحدة للتعليم والبحث العلمي ، تستهدف توحيد سياسات ونظم ومناهج التعليم في البلدين باعتباره المدخل الطبيعي لخلق جيل مؤمن بقيمه الروحية والدينية وتقاليده القومية الأصيلة)(المصدر السابق). ولقد اوضحنا ان بناء المواطن، يحتاج الى مذهبية، وهي غائبة عن مصروعن السودان . ولقد اقترحنا لها الإسلام بالفهم المتطور له، والذي يملك القدرة، على خلق النظام، الذي يحقق التوفيق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة .. وكذلك مناهج التعليم فانه لا يسعفنا فيها الفهم السلفي للاسلام، ولا الفهم العلماني، التي تقوم عليه الحضارة الغربية الماثلة، والمؤثر على شعبي البلدين ..

    جاء في الفقرة الرابعة ( يستهدف التكامل بين البلدين في المجال الاقتصادي والمالي إقامة وحدة كاملة ، تضمن التقدم والرخاء لكل منهما ولمواطنيهما وتقوم استراتيجية يتم تنفيذها تدريجياً ووفقاً لجدول زمني ) ( المصدر السابق) . ولكن عندما جاء للتفاصيل، جاء في الفقرة السادسة ( الغاء جميع القيود بما في ذلك الرسوم الجمركية التي تعوق :
    أ- حرية إنتقال الأشخاص ورؤوس الأموال والارباح .
    ب- حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية.
    ج- حرية الغقامة والعمل والتملك والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي.
    د- حرية النقل والترانسيت واستعمال وسائل النقل والمرافق والموانئ والمطارات المدنية ..)(المصدر السابق).

    جاء في مواجهة هذا الإتجاه (وانه لمن المعلوم بالطبع ان الغاء الرسوم الجمركية، يؤدي الى سرعة جريان المعاملات ، والتبادل التجاري بين البلدين، بحيث تصبح اسواق هذه الدول، كأنها سوق واحد .. وهذا الهدف لا بد ان يتم تدريجياً ، وعلى دفعات تفصل بينها فترات انتقالية، حتى لا يصاب الاقتصاد القومي بهزة عنيفة، نتيجة للتفاوت في تكاليف الانتاج ، ومستويات الاسعار في البلدين، وحتى لا تنهار صناعة الدولة التي تنتج بتكاليف أعلى .. وفي مثل هذه الحالة، فانه من البديهي ان السودان هو الذي سوف يدفع الثمن، من ماله، ومال ابنائه ، وجهدهم، وذلك بضياع ممتلكاتهم وضياع صناعتهم ، وان من شأن هذه السياسات، انتقال الاشخاص، والسلع المصرية الى السودان، ليصبح السودان سوقاً للسلع المصرية، التي تتفوق على مثيلاتها من السلع السودانية ، مما يهدد الصناعة الناشئة، التي ظلت متعثرة رغم سياسات الحماية التي تنتهجها الدولة في السودان .... وبنفس القدر، فان العامل السوداني سيهدده ضيق الفرص في سوق العمل، امام منافسه المصري، اذا فتحت ميادين العمل، بهذه الصورة المطلقة، التي وردت في الميثاق، وهو يتمتع بخبرة واسعة، ومقدرة زائدة على العمل، بالمقارنة مع العامل السوداني، مما يقود لفقدان عدد كبير من العمال " خصوصاً العمال غير المهرة " فرص العمل في وطنهم، ما لم تتخذ التدابير، والضوابط ، للحيلولة دون ذلك .... وبالمقارنة أيضاً، نجد ان الأرض في مصر تضيق على ساكنيها، بخلاف حال السودان مما دفع الى التفكير في التوسع في الأرض في السودان، حيث الأرض الشاسعة غير المستغلة ، بصورة تعرض مصالح السودان ، وحقوق اجياله، للخطر، ان نحن لم نتحوط ونضع على التملك القيود التي تحفظ حقوق السودانيين .. وقد اشارت مجلة الإهرام الاقتصادي في عددها رقم 681 الصادر في 1/2/1982م الى ذلك حيث جاء فيها ما يلي في صفحة 34 " لماذا لا نتجه الى السودان ونحاول الاستفادة من الاتفاقيات المبرمة بيننا وبينهم .. خاصة لو علمنا ان تكلفة استصلاح الفدان هناك لا تزيد على خمسة عشر جنيهاً .. في حين ان تكاليف استصلاح الفدان في مصر تزيد على هذا الرقم عشرات المرات .." كذلك جاء في نفس الصفحة ما يلي " ان التكثيف المحصولي لن يكفي وحده لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء .. بل ان التوسع الأفقي واضافة مساحات جديدة للاراضي الموجودة حالياً ضمن خطة طويلة المدى يعتبر هو الحل الجذري والأمثل لتوفير احتياجاتنا من الغذاء .. وكما تقول الأرقام فاننا نحتاج الى 4 ملايين فدان جديدة حتى توفر هذه الاحتياجات عام 2000 "
    هذا الكلام المعبر تعبيراً صريحاً، وواضحاً، عن المطامح المصرية في أرض السودان، انما جاء الميثاق منصصاً عن تعهد السودان بتحقيق هذا المطمح، حين اباح حرية التملك للمصريين، وذلك في مقابل المهارة والكفاءة الانتاجية للعامل المصري ... ونحن نعتقد ان هذه الصيغة تنطوي على اجحاف في حق السودان ، لما تنطوي عليه من تفريط في حق الأجيال القادمة !! إن المنطق المصري ، كما عبرت عنه جريدة الأهرام ، بأن تكلفة استصلاح الأرض عندهم فد تضاعفت، وان التكثيف المحصولي لن يكفي وحده لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ، مفهوم ومقدر ، ويستوجب منا الاهتمام، ولكن ألا يكفي ان يتحقق ذلك للأخوة المصريين، عن طريق توسيع فرص الاستثمار الافقي في السودان، على اساس مشاريع مشتركة، وعقود محددة بفترات زمنية ، قابلة للتجديد مثلاً ، وبميزات خاصة لصالح الأخوة المصريين، في مضمار تقسيم عائد الاستثمار، دون ان يتقيد السودان بتمليك أرضه لهم ؟!! ألا يتصور الأخوة المصريون، ان ذلك قد يهدد مستقبل الإخاء، والعلاقات ا########دة التاريخية، بيننا لما يحمل بين طياته، من عوامل العداء، ودوافعه التي تتفجر في المستقبل، اذا أحست الاجيال القادمة، بان خطراً يهدد أرضها من الأخوة الوافدين من مصر؟؟ هل مثل هذا التصور عندنا غريب على خصائص النفس البشرية حيث كانت ؟ أم هو واقع ومعاش ؟
    إنه لحق ان بلادنا في حاجة للعمال المهرة ، ولكنها ليست بهذا المستوى الذي يسوغ تمليك الأرض، وعائد الارض في آن معاً، لغير السودانيين ، أصلاً ....) ( الأخوان الجمهوريون . التكامل . نوفمبر 1982م . ص 49-52).

    هذه مواجهة الجمهوريين، لموضوع التكامل، عندما طرح في الثمانينات، بعد التداول حوله ، ووضع ميثاق له، جرى بعد حوار مكثف، بين الاطراف السودانية والمصرية . ولكن التكامل يطرح اليوم، في صورة وحدة اندماجية، او استيطان، دون وضع ميثاق، ودون حوار حول ما تم الإتفاق عليه، وكأن الشعب لا يعنيه ما سوف يحدث للأرض، او لسوق العمل، او لكافة أوجه حياة المواطنين .

    د. عمر القراي
                  

11-11-2009, 09:47 PM

عبدالله عثمان
<aعبدالله عثمان
تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 19192

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: السودان ومصر .. الى أين ؟! (1-3) د. عمر القراي (Re: عبدالله عثمان)

    السودان ومصر ...الى أين ؟!(3-3)
    لقد ذكرت في بداية هذه المقالات ، ان هنالك تاريخ مشترك ضارب في القدم، وخصائص من التقارب، والتشابه، والتزاوج بين الاسر، تجعل الاتجاه الى الوحدة بين شعبي وادي النيل، أمراً غير مستبعد ، بل هو حتمي، في اطار الاتجاه العام للوحدة بين الشعوب .. ولكنني نقدت اتجاهات الوحدة، أو التكامل، حين تجئ قبل وقتها، ودون ان يحل كل قطر، بمفرده، مشاكله الاساسية والاجتماعية والإقتصادية . كما وضحت ان حل المشاكل، لا يتم بالأماني، وانما يحتاج الى مذهبية ، وان المذهبية الرشيدة ، كانت ولا تزال، غائبة عن حكومات السودان، وحكومات مصر على تفاوت في ذلك الغياب .

    لقد نص ميثاق التكامل، الذي تعرضنا له في المقال السابق، على التكامل الديني بين السودان ومصر.. وفي تلك الظروف –بداية الثمانينات- بعد اغتيال السادات، ظهر ان محاولة اغتياله، إنما كانت مخططاً واسعاً، من الجماعات الإسلامية المتطرفة، لقلب نظام الحكم، ووضع مصر تحت سيطرة حكومة اسلامية، سنية، في مقابل الحكومة الإسلامية الشيعية، التي جاءت بعد ثورة الخميني.
    جاء عن ذلك ( ان التنظيم الإرهابي المتطرف بمصر، كان يستهدف قلب السلطة والاستيلاء على الحكم . وكانت الخطة تبدأ بنسف منصة العرض العسكري ، وكان مخطط لهذه العملية ان تنجح تماماً في نسف كل قيادات الدولة المدنية والعسكرية .فتحدث الربكة الكبيرة ، وفي هذه الربكة ، وهذا الفراغ ، تتحرك جماعات التنظيم للاستيلاء على السلطة في القاهرة، وفي غيرها من المحافظات .. وكانت الخطة التالية مباشرة بعد نسف المنصة، لو تم كما خططوا ، هي تحرك المتهوسين للإستيلاء على الإذاعة والتلفزيون.. واذاعة بيان الحكومة الإسلامية المرتقبة، ثم يقوم مجلسان : مجلس يضم بعض قيادات التنظيم والعلماء الدينيين وائمة المساجد المتحفظ عليهم، ويتولى هذا المجلس التخطيط والتشريع، وذلك على غرار المجلس الاعلى لثورة الخميني ، والمجلس الثاني باسم مجلس الشورى، برئاسة مفتي التنظيم، بكلية اصول الدين باسيوط ، وهو الذي اعد مائة نسخة ، من شريط كاست، لإذاعتها في المساجد، والاماكن التي يسيطرعليها التنظيم ... وكانت الخطوة التالية، للاستيلاء على السلطة، تحريك الشعب لتأييد "حكم الإسلام " وذلك باستخدام المساجد واعلان ان الحكم السابق وكل من يعاونه، هم كفار، ولذلك تحل دماؤهم واموالهم ...) ( صحيفة الأخبار المصرية 1/11/1981م) . ولقد كان اغتيال السادات مدعوم نظرياً، بواسطة كتاب راج في تلك الايام اسمه " الفريضة الغائبة "، أخرجه المتطرفون يتحدثون فيه عن الجهاد، باعتباره الفريضة التي يجب ان تطبق اليوم .. ولقد اعتبر الكتاب الحكام في الدول المسلمة كفاراً، لأنهم لا يطبقون فريضة الجهاد، بمعنى قتال غير المسلمين . ولما كان هؤلاء الشبان، يستدلون على كل ذلك، بالقرآن، خاصة آية السيف، وبالاحاديث النبوية، التي تحث على قتال غير المسلمين، فان علماء الأزهر، والمفتي، وغيرهم من العلماء الرسميين وغير الرسميين، الذين طلبت منهم الحكومة، حوار هؤلاء الشبان، وردهم عن تطرفهم، قد فشلوا في مهمتهم فشلاً ذريعاً .. وذلك لأنهم هم، أنفسهم، يتفقون مع هؤلاء الشبان، في الفهم السلفي المنقول ، الذي يعلي من شأن الجهاد، ويعتبره من اساسيات الدين .. لهذا كان اعتراض الشيوخ على هؤلاء الشبان، مجرد مغالطات، زادت المتطرفين تمسكاً بما عندهم، وقللت من مكانة رجال الدين في نظر الشعب، واحدثت بلبلة واضطراب .. ولقد بلغ هذا الاضطراب حداً، جعل المتطرفون يستغلون ساحة المحكمة، للترويج لأفكارهم، ومحاولة إعطائها شرعية، فقد أعلن محامو المتهمين في قضية إغتيال السادات، انسحابهم من المحكمة ، وبرروا ذلك بقولهم ( ان مصر يجب ان تحكم بالشريعة الإسلامية وليس بالقانون الوضعي وان هيئة الدفاع كانت تأمل أن تكون هذه القضية بالذات بداية تغيير الاوضاع في مصر و ان التجارب التي خاضها جميع الحكام في مصر قد ثبت فشلها ببعدها عن تطبيق احكام الشريعة الإسلامية )( صحيفة الشرق الأوسط 30/12/1981م) وكان هؤلاء المحامون، قد زعموا بان المتهمين قد ( أدوا واجبهم نحو الله والوطن والشعب ... وطالبوا بشهادة الشيخ الشعراوي والشيخ صلاح أبو اسماعيل في الموقف من القتل المبرر للحاكم المستبد وفقاً للشريعة الإسلامية)(الشرق الأوسط 27/12/1981م).

    وفي تحليل ظاهرة العنف والتطرف، التي أودت بحياة الرئيس المصري، أرجعت معظم البحوث والدراسات، هذه الحركات المتطرفة الى نشأتها في تربة الأخوان المسلمين .. فقد لاحظ سعد الدين ابراهيم، الناشط في مجال حقوق الإنسان، ان السمات المشتركة بين جماعة التكفير والهجرة ،التي اغتالت الشيخ الذهبي ، وجماعة صالح سرية، التي قامت بالاعتداء على الكلية الفنية العسكرية، عديدة، اذ ان اللذين قادا الحملتين، كانا في الماضي من الاخوان المسلمين .. وان الجماعتين تعتبران الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الاخوان المسلمين، رائداً وشهيداً، وانهما تجعلان من سيد قطب، المفكر الأساسي للحركات الإسلامية ( مجلة المصور 29/12/1981م) . والحق ان الإسلام السياسي، الذي بدأ بتبرير قتل الحكام المسلمين، قد اعتمد على مفهوم حسن البنا للجهاد فقد قال (فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب او هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام )( حسن البنا : مذكرات الدعوة والداعية ص 144). أما سيد قطب، فقد اعتمدت الجماعات الاسلامية، على عبارته الشهيرة ( فان الإنطلاق في المذهب الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة ونظام المجتمع واوضاع البيئة .. وهذه كلها هي التي ينطلق الاسلام لتحطيمها بالقوة ) ( سيد قطب : معالم في الطريق ص 86).

    لقد حاولت الحكومة المصرية، مواجهة المظاهرات والاعتداءات، التي قادها المتطرفون في حوادث اسيوط، وغيرها، ان تقوي سلطة الأمن، وتطلق يد وزارة الداخلية، وتوسع من نطاق الاعتقالات من جهة .. وان تسعى لتبني الشعارات الإسلامية، من جهة أخرى، ظناً منا انها بذلك يمكن ان تسحب البساط، من تحت ارجل الجماعات الإسلامية، وتهدئ من ظاهر الهوس الديني .. فقد وجه الرئيس حسني مبارك الأزهر (بسرعة مراجعة القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية المحالة الى الأزهر من مجلس الشعب من اجل استكمال مسيرة الدولة على طريق المنهج الإسلامي كما يقتضي ذلك تصور الدستور الذي يقضي بان الاسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع ) ( الأهرام 2/1/1982م).

    في هذه الظروف، كان الاتجاه الإسلامي، يضغط على الحكومة السودانية، من الداخل، بواسطة زعمائه المنخرطين فيها، ومن الخارج بواسطة الحركة الطلابية، التي يسيطرون عليها، لتسيرمعصوبة العينين، في اتجاه تطبيق الشريعة الإسلامية .. وكان الطلاب يهددون بالثورة على طريقة الخميني، وعلى طريقة الاسلامبولي، الذي اغتال السادات . وكان القادة الإسلاميين داخل السلطة، يعتمدون على هذه الحركات، ومظاهرتها، في اقناع النميري بان الشريعة هي مطلب الشعب .. وانه لا بد له، من الاستجابة لهذا المطلب، اذا اراد الاستمرار في الحكم . وكان النميري يقاوم هذه الاتجاهات، بصورة تضعف كل يوم، فقد قال ( أيها الأخوة نحن في السودان وفي ثورة السودان نرفض الخمينيات ) (26/1/1980م- كلمته في افتتاح المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي)ز وقال ايضاً ( لا مجال للمزايدة باسم الدين فلا مزايدة في الاسلام ولا مزايدة بالاسلام ذلك اننا على طريقه ونهجه انما ندعو بالموعظة الحسنة والقدوة الحسنة ) ( صحيفة الأيام 3/2/1980م). ولكن في نفس ذلك اليوم، سير اتحاد طلاب الجامعة الإسلامية، الذي كان يسيطر عليه الإتجاه الاسلامي، مظاهرة ، وكرنفالاً، واقام معرضاً بميدان ابي جنزير، احتفالاً بالقرن الخامس عشر الهجري، بالتضامن مع جمعيات التربية الإسلامية بالثانويات .. ولأن اعضاء الاتجاه الإسلامي، قد تغلغلوا في السلط، فان وزير التربية والتوجيه، أعطى المدارس الثانوية إجازة في ذلك اليوم، لتتمكن من المشاركة في المظاهرات!! ولقد حوى الكرنفال " طلائع الفتح الإسلامي" وفرق التدريب العسكري، ولاعبي الكاراتيه، وفرقهم المسماة باسماء الخلفاء الراشدين وأئمة المذاهب .. وكان في المعرض، جناح خاص بثورة ايران، وصور لمندوبي الجامعة الإسلامية مع الخميني، وكانت اللافتات، فوق المعرض ( ايران فوهة البركان)، و (الإسلام يا حكام ) !! وفي تعليق على تحفظ نميري، على قبول اتجاهات الهوس آنذاك، كتبت مجلة الجامعة ، الصادرة عن اتحاد طلاب الجامعة الإسلامية (يقول صائحنا ان " لا خمينيات في السودان " في وقت تموج فيه الخرطونم بتعاطفها مع الخمينية بل وتوضع صور الإمام الذي قلب الموازين ومن ادرى هؤلاء ان الخمينية تستأذن من أحد بل ان الخمينية نفسها ضرورية في وجود ما يسمى بالقيادات الملهمة التي تجبر مواطنيها على شرب الخمربقراراتها الجمهورية وتذيقهم لباس الخوف والجوع والمهانة ) ( مجلة الجامعة سبتمبر 1982 ص 5) وجاء في نفس العدد (وحتى لا يصبح الاسلامبولي رمزاً لثورة لم يكتمل لها السند الشعبي والعاطفة الجماعية الفعالة كان لابد ان تتبنى الأمم والشعوب مناهج علمية وموضوعية للتغيير الشعبي ...) (المصدر السابق ص 19).

    وهكذا جاء اقتراح التكامل بين السودان ومصر، في ظروف صعبة، يحاصر فيها الهوس الديني والتطرف، الذي تنظم له الجماعات الإسلامية، في كلا البلدين، الحكومة هنا وهناك .. ولم تنجح الحركة الإسلامية في مصر، ولكنها نجحت في السودان، وساقت النميري في ركابها، وحملته على تقويض كافة انجازاته، وجعلته يتصدر الهوس، ويبوء بوزره .. وكانت الحركة الإسلامية تؤمل بعد الإستيلاء التام، على كل مقاليد الأمور، ان تصدر الثورة الإسلامية، من السودان للعالم وتبدأ بمصر .. ولكن ما حدث في السودان، باعد بين مصر والسودان، وحرق ورقة التكامل .. على ان نميري أعلن قوانين سبتمبر في 1983م، وأسقطه الشعب في 1985م، فلم يتمكن الهوس الديني المسيطر على الأمور خلفه، ان يقيم الإسلام، الذي كان يحلم به المتحمسون من شباب الجامعات، بل اقام نظاماً متسلطاً، فاشلاً، لم ير منه الناس غير السيف والسوط، فاطاحوا به .. وبدأ الإسلاميون، الذين اخرجوا المظاهرة المليونية، لتأييد قوانين سبتمبر، يتنصلون منها، وينقدونها، ثم فكروا من اجل انقاذ مشروعهم الإسلامي، ان ينقلبوا على نميري، فقبض عليهم واودعهم السجون !!
    ثم جاءت حكومة السيد الصادق المهدي، الضعيفة، المترددة ( 1986-1989م) فمكنت للحركة الإسلامية، التي ظهرت باسم الجبهة القومية الإسلامية.. وتحالفت معها، ثم تقاعست عن الحفاظ على السلطة، وسلمتها لها دون مقاومة فكانت الإنقاذ . ورغم ان الحركة الإسلامية في السودان، بقيادة د. الترابي، ترفض ان لها أي علاقة بالحركات الإسلامية المصرية، إلا ان الحكومة المصرية، اتهمت حكومة السودان، بقيادة الحركة الإسلامية، بمحاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك، حين كان في زيارة لأثيوبيا عام 1995م، تنسيقاً مع الحركات الإسلامية المصرية المتطرفة، التي احتاجت لمن يؤدي لها هذا الدور. ومهما يكن من صحة هذا الإتهام، أو عدم صحته ، فان الحكومة المصرية لم ترفع قضية به، وان صرحت في مرات عديدة، انها يمكن ان تفعل ذلك .. ولكنها على ما يبدو، استغلته ابلغ استغلال ، للاستفادة القصوى، وتحقيق كثير من الاطماع، التي عجزت عبر الزمن عن تحقيقها .

    ولهذا عاد التكامل من جديد، في ظروف سياسية حساسة، تؤكد عدم التكافؤ، وحاجة حكومة السودان للدعم المصري، في مختلف الساحات الدولية . وهكذا اطلت الأطماع القديمة، ولم تستطع الحكومة السودانية، ان تفعل بازائها شيئاً.. فاحتلت مصر حلايب جهاراً نهاراً، وربطتها بالقطر المصري ، ووفرت لها الخدمات المصرية ، ومنعت السودان من اجراء التعداد لأهلها .. ثم جعلت الحكومة تبقي على اتفاقية مياه النيل المجحفة، كما هي، دون تعديل، أو حتى حوار مع بقية الدول ذات الصلة لتغييرها . وهاهي الاتفاقية التي تمت الآن ، تعطي المصريين حق التملك ، والعمل، والدخول دون تأشيرة، قد نفذت من جانب واحد !! فبينما لا زال المواطن السوداني يحتاج الى تأشيرة لمصر، ولا يستطيع ان يعمل، أو يتملك فيها، نجد العمال، والتجار، واصحاب المطاعم، المصريين، قد ملأوا البلد .. ثم بعد ذلك، نسمع بمسئولينا يصرحون باعطاء اراضي زراعية، في صورة استيطانية، لملايين المزارعين المصريين، في الشمالية، وفي مشروع الجزيرة . وكان يمكن للتعاون ان يتم، باعطائهم فرص استثمار الأرض، لا فرصة ملكيتها، وأخذ كل عائدها، الأمر الذي يعد استعماراً استيطانياً جائراً . ان كل التحفظات التي ذكرت على التكامل في هذا المقال، تنطبق، وبصورة اكبر، على ما يجري الآن، في العلاقات المصرية السودانية.
    إن واجب الدولة الأول، هو حفظ سيادة الوطن، وارضه، وحماية شعبه، وكل هذا انما يهدر الآن، في محاولة لارضاء المصريين، وكسب ودهم، والطمع في مساندتهم لنا، امام المجتمع الدولي.. ولقد كان حرياً بالمثقفين المصريين، ان ينتقدوا محاولات الحكومة المصرية، لاستغلال الظروف لتحقيق اطماعها في السودان، ضد رغبة اهل السودان، مما يعوق الوحدة الحقيقية، التي يرجى لها ان تتم برضاء الطرفين، حين يجئ وقتها. أما المثقفين السودانيين فواجبهم أوكد، في ضرورة عقد مؤتمرات، وورش عمل، وندوات تدق ناقوس الخطر، وتحذر قبل فوات الاوان، وتدعو في الحاح للنظر في أمر علاقة السودان بمصر، ومواجهة أي اتجاه، يحاول ان يسلم السودان رخيصاً ، للعجز عن الدفاع عن ارضه وشعبه .

    د عمر القراي
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de