|
" وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن
|
1 - وضـّاية ---------- تبارك رسمها المنشور على جبون الصقيعة المشجر بالتوق إلى شــُم المعاني . مهدي و وجدي و لحدي ساعة إقتلاع الفولاذ و ألواح الفلنكات - مسلات قفصي الصدري - المشبعة بروائح المسافرين و المودعين في حبر اليسار على سكك حديد السودان .
تنفستُ الصعداء حال إنعتاقي من الخرطوم و استقبالي لهواء الريف بعيد الخزان *. ثم سكن المحرك في سراب بقيعة . هبطت و توضأت ببقايا القار السائل مضمدا بالتهجد الندوب العميقة المنتزع منها الفولاذ و الألواح . قبلتي الأموات يليهم الأحياء .
وفيما يرى النائم رأيت في غيمة المشهد بويتات المحطــات الخلوية مهجورة من عامليها تجتاحها البهائم و خشاش الأرض . أما الأرض فآخذة في الهبوط التدريجي بعد فقدانها للفولاذ و ألواح الفلنكات التي كانت تهبها الثبات فوق الهاوية . --------------------- * خزان خشم القربة --------------------- عثمان محمد صالح Venray, هولندا 26 -09 -2009
|
|
 
|
|
|
|
|
|
Re: " وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن (Re: Osman M Salih)
|
فشار و مفتاح ---------------
حين أتيت على ذكر الغائبين جميعا بلغت مجهد الأنفاس مقام (الحجر المقدس )المنصوب في شارع طفولتي , تبسم المجيبون متبادلين النظرات ثم قيل لي عن زواله ماقيل .
إنقضت 3 أيام وأنا تائه تماما في أثواب البهجة الفضفاضة والصخب الذي عم البيت : والدتي مستدفئة الكفين على جمر التبريكات بعودتي المتزامنة مع عرس شقيقتي الوسطى الوشيك .
ماببن العتمة والاشراق , مابين شرودي وقعودي , مابين حضور أهالي القرية في ذاكرتي وغياب حسان الاسماء , مابين الموتى والأحياء , مابين بخار الحمى و الهذيان بظهر قائظ و الرقص طليق الروح كما في حلقة ذكر بفناء الدار الغاصة بالخلق على توقيعات الطار المنبوذ . هتف الهاتف : معراج !.
المعراج على الباب العالي بلا حاجب يحرسه و بلا قنديل , بلا عرش و بلا أبهة للسلطان : حرم السلطان , مذياع السلطان جهير الحس ببوص و أحطاب وأعشاب سلملكه , حبيبات السكر البني تتغلغل في رغوة حليب السلطان على المائدة الزاهدة و فرمان السلطان لجنود السلـطان الأربعة بأركان الأرض الأربعة , و بلا ساقي للليمونة في ذاك الربع الخالي , و بلا زوار ! في جيبي الأيمن حفنة فشار حديث الولادة في فرن البيت و في الأيسر مفتاح ظل في حقيبة التطواف عشرين حولا .
المصطبة الاسمنتية المقورة الحواف : طوفي المنتظر على القيف . عبرت ودفعت الباب ذا الضلفتين فأنفتح في يسر دون أن يصدر عنه الصرير المألوف كما لو أن السلطـان الذي في السماء وجنوده الأربعة البعيدين بإنتظار جيبي المعبأ بالفشار .
عثمان محمد صالح, Venray, هولندا 02-10-2009
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: " وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن (Re: Osman M Salih)
|
سقيفة السلطان ------------
إختفت السقيفة التي ماأظلت أحدا سواه. بهيكلها الخشبي المهيب . مسيراتها الضفيرة من سعف النخيل . ذات العماد مغروزة الأوتاد في تربة إنكسار الجفون .
يُرى رأي العين في غيابه عن حاضرة المملكة ملثما كالطوارق في طوافه القريب على الزرع والضرع فيما وراء صهريج المياه العاطل أو البعيد على الأمصار الشرقية منحنيا عند الباب العالي , يدخل و يخرج بلا تحية .
نباتي . تأتيه بالطعام والشراب آنية الإشارة . ذات الطعام والشراب كل يوم . الشاي الأحمر مع القرقوش الخارج لتوه من الفرن الترابي - الضريح - في الأبكار , 3 بيضات من دجاج البيت , جبن وعسل من قصب السكر, و في الغداء بقول مسلوقة أو فـطائر مغمسة في اللبن الرائب , يكتفي في العشاء بكوب حليب , ولايعدم طبق الخوص التمر ليل نهار .
لا يهش إلا في وجوه ذويه من طرف الأم ولا تمتد يده إلى خبيز الموائد في الأعياد و الأعراس و المآتم . يسافر بغير وداع متعمدا إختيار التوقيت الذي يكون فيه أهل الدار نيام.
كان يعاني من آلام مبرحة في المعدة ترتد بداياتها إلى طلاقة الشباب , لكن أحدا لم يسمعه وهو يتوجع . وعندما تشتد عليه وطأة المرض المزمن تربد ملامحه و يكفهر اللثام . بادي الضجر من ثرثرة المعاودين وخاصة النساء الطـاعنات في السن ينسحب من الحوش المستباح بأصوات العباد محكما على ديوان العزلة السلطانية رتاج اللثام . الديوان الخالي من الزينة و الطنافس و الرياش . يعاف أكثر ما يعاف إلتماع الشفقة في العيون المـطلة على بئر ضعفه وإنكساره .
سئل في أخريات ساعاته : من أحب الناس إليك ? قال: كبرى بناتي. وريثة نزقه الدائم , تقطيبته و صمته المسير للأشياء .
عاد الدلو في صبيحة شاتية بلا ماء. ساعتها فقط علم الناس أن السلطان المحتضر كان يجيد الرسم بخط كوفي جميل . تلك كانت وسيلته الوحيدة في إيصال رغباته للمحيطين بسريره الراحل في عامه الأخير. فالعلة النادرة التى إصطفت السلطان حبست صوته في زنزانة الحلق وهي الزنزانة التي حُبست فيها أصوات الخلائق , الناس والطير و الأنعام .
سقيفة السلطان التي صمدت طويلا أمام هوج الرياح وأمطار البـطانة تتطاير, الآن , بقاياها المخلعة في هفهفة كتاب مرقوم . عثمان محمد صالح, فنراي , هولندا , 09.10.2009
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: " وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن (Re: Osman M Salih)
|
ماتروشكا * ---------- في تلك الصبيحة الصائفة إستغفل شقيقته بعذب الكلام.سوت له فراشه العليل في برودة الظل المنعكس من ظهر الديوان على القسم الخلفي من الحوش .تخيرت ذلك الظل دون سواه كيما يكون في مسار دمرها ونشوقها - داخل شبرية من نسيج المحبة في صدر الشقيق - على راحلة من المطاط بين مـطبخين : الصيفي والخريفي : مطبخ الخبيز ومطبخ الإدام تربط بينهما ضفيرة من الآجر الداكن الحمرة. وإنصرفت عنه إلى شغلها المنزلي لما رأت كيف يعود بريق الحياة إلى محجريه المنطفئين المستغرقين في مطالعة نعيهما الموشك على الصدور في جريدة يومية.على يمينه حبل غسيل و نفاج . قبالته فيراندا معروشة بألواح من الزنك يستبطن إنفتاحها على العوالم المحيطة نزعة إستعمارية , ضاقت بها أرض بلازرع وبلا ثروات باطنية , فتمددت على أكتاف السور الخلفي القصير مبتلعة البقعة التي كانت تحتلها المزيرة الاسمنتية بدنانها العملاقة . تلك ماتروشكا من الفيرندات , أو قل دنيا من الفيرندات مدمجة في ماتروشكا جلبها الأخ الأصغر من موسكو إبان دراسته في ذلك الجزء من العالم في منتصف الثمانينات من القرن الماضي . زنكية,آسبستية العريشة و ثالثة ذات سقف مستعار : فيرندات من كل شاكلة و طراز و طلاء ينطـق بألسنة شتى , لكنه في خاتمة المطاف طلاء! محض طلاء لا يحجب الجوهر الوحداني للفيرندات بماهي فيرندات تجمعها قسمة المصير المشترك في سراء وضراء فناء . فيرندات . متعالقة , متداخلة و متنازعة فيما بينها على ماتيسر من الموارد الشحيحة في الحوش الفسيح : الظلال و براد الماء ماركة كولدير , حافظة الثلج البرتقالية اللون معبأة بعصير هجين من الأناناس و الموز واللبن الحليب , مزاح الهواء المراوغ بين الملاءات , لقاء أنفاس أهل البيت والجيران حول مائدة عشاء و موقع المسمار المحظوظ الذي تتدلى منه بركة مصلاة .
الوحيد الذي لم تنـطلي عليه حيلة الموت المتقنع بأردية الحيوية المفتعلة والبريق الزائف هو شقيقه الأكبر . هاتفه قبل سويعات من إغماءته في قلب الحوش . " كان صوته في التلفون غريبا, صوت أخويا وما أخويا, فيه غلظة كما لو أنه صادر عن جهاز تسجيل قديم. وقتها تيقنت من أن أخي قد صار من ناس الآخرة. بكيت عليه وحدى قبل أن يأتيني النعي في المساء "- حكى الشقيق الأكبر في أيام العزاء .
طلب رؤية الماتروشكا المهملة في مخزن مترب قرابة العقدين من الزمان . جلبت لتكون آخر ماأمسكت به يده قبل أن يغمى عليه ثم وهو يلبي النداء لاهجا بذكر قريب بعيد , مرددا مقاطع شعرية عن رياح الشمال , هاتفا: هو اليوم المعلوم فأين السماء ذات النجوم والرحيق المختوم ? , متنقلا بين النوبية والعرببة والإنقليزية عبر نفاجات يشرعها له الموت وحده فيعبر لتصطفق بقوة في وجوه الأحياء . ممسكا بالماتروشكا غسلوه و لحدوه .
لما عدت إلى السودان في صيف هذا العام لاحظت ضياع الكثير من متعلقاتي المودعة في المخزن المترب . سألت عن عالمي القديم فقيل لي : وماعالمك القديم ?! فوقفت على قبره المتضخم دون بقية القبور. ___________________________________
* ماتروشكا هي الدمية الروسية الشهيرة ___________________________________ عثمان محمد صالح فنراي -هولندا 24-10-2009
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: " وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن (Re: Osman M Salih)
|
Quote: أخي كمال علي الزين, تحفيزك مقدر. لك شكري و تحيتي .
|
شكر الله تواضعك أخي / عثمان ليس مثلك من هو بحاجة إلى تحفيز مني ..
كنت في غيابك مضرب مثل عندي حين يقتتل أهل هذا المكان في الفارغة والمقدودة _ بعض أن صار (مفتاح الدخول ) إلى هذا المكان _ كطبشورة ملقاة على الأرض _ حملها أي كان ليكتب ماشاء _ ثم يلقيها لمن أراد ..
كنت أقول أن هذا المكان بعد أن غادره عثمان نزعت منه البركة ونضبت به الأفكار _
أتمنى أن تكون في عودتك بعض العافية .. ولا أخفيك سراً أنك كنت كاتبي المفضل هنا _
محبتي ..
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: " وضـّاية " ورفيقاتها . مدونة العودة إلى الوطن (Re: Osman M Salih)
|
محمد عثمان صباحك ندي
Quote: قبلتي الأموات يليهم الأحياء |
نتغرب ونعتقد ان الساعة في الوطن ستتوقف عند لحظة مغادرتنا واننا سناتي ونجد كل شئ كما تركناه حتى ملايات السرير غير المرتبة نعتقد اننا سنجدها كما هي ويا للالم نعود ويقبلنا الاموات قبل الاحياء قلت لصديق لي غاب زمنا طويلا في الغربة بعد ان اشتكى من تغير الناس والاصدقاء (هي ضريبة لازم تدفعها لن تجد اصدقائك ينتظرونك في نفس العمود لمدة عشرة سنوات ) وانا الان ادفع ضريبة اختياري واشتكي من تغير المكان والناس واعيش في تاريخ ما قبل غربتي مع الاموات والاموات الاحياء
محمد عثمان اكتب فالكتابة دواء للكاتب والقارئ مفعوله بطئ نعم ولكنه ناجع
| |

|
|
|
|
|
|
|