|
النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب
|
نص الحوار الأصلي مع صحيفة الأحداث بتاريخ 15 ـ 17 أغسطس 2009 حوار صلاح شعيب 1
الكاتب والناقد محمد جميل للأحداث (1 ـ 2) كثرة الحديث عن الهوية أكبر دليل على غيابها
الجزء الأول
الأسئلة التي يثيرها (منتدى الأحداث) تهدف إلى معرفة آراء الخبراء، والأكاديميين، ونشطاء المجتمع المدني في بعض القضايا والمواضيع التي فرضت نفسها في واقع الجدل السياسي، بعضها منذ الإستقلال وأخرى جاءت في السنين الأخيرة، ولا زالت معلقة ولم تجد حلولا ناجعة من قبل الحكومات المتعاقبة. في الأيام السابقة إستضفنا عددا من الناشطين، كل في مجاله، لمعرفة تصوراتهم ورؤاهم حول الكيفية التي بها يمكن معالجة هذه القضايا، وإشباع هذه المواضيع حوارا بين النخب المتعددة في مشاربها الفكرية والسياسية والإثنية والثقافية والإجتماعية. وسنواصل هذه الحوارات بأمل خلق مساحة لحرية التداول، تتنوع فيها الآراء ليحدد القراء مواقفهم من الإجابات المطروحة بكل حرية وموضوعية سواء من المنتمين إلى هذه التيارات السياسية أو تلك. وإنطلاقا من قاعدة (الحرية لنا ولسوانا) نأمل أن نتيح الفرصة لكل ألوان الطيف السياسي والثقافي دون إنحياز، كما نأمل أن تجد كل هذه الآراء طريقها للنشر ليستخلص القراء الكرام المفيد منها في معرفة عمق التباين في أفكار ومرجعيات النخب السودانية في تحليلها عند الإجابة على هذه الاسئلة، والتي هي لا تمثل كل الاسئلة الضرورية التي تشغل ذهن الرأي العام والمنتمين لهذه التيارات. إن الهدف الأساسي من فكرة (منتدى الأحداث) هو تعزيز ثقافة الحوار الديمقراطي حول هموم وأسئلة المهتمين بالقضايا الوطنية، وكذلك تعميق أمر الإعتراف بالآخر، والاستنارة برؤى الناشطين في حقول الحياة السودانية مهما كان الإختلاف الفكري معها. وسيواصل المنتدى في المستقبل التطرق لكل القضايا الحيوية. وفي هذه المساحة نقرأ معا إجابات الأستاذ محمد جميل الناقد والكاتب على أسئلة (منتدى الأحداث): 1هل ترى أن هناك أزمة في فهم الهوية السودانية ما دعا النخب المتعلمة إلى الفشل في إنجاز مشروع الدولة السودانية؟
بالقطع هناك أزمة في الهوية ؛ أزمة لا تنبع من وفرة المعطيات الخام لهذه الهوية ، وانعكاسها كردود أفعال رومانسية صاحبت النشوء الهش لـ(دولة ما بعد الاستقلال) بل تنبع وبالأساس من العجز عن صناعة الهوية عبر صيرورة خلاقة انطلاقا من تلك المعطيات على المستوى النظري من ناحية ، ومن ثم عدم القدرة على تمثل حقيقة تلك الهوية عبر الحقوق الدستورية المتساوية في علاقات المواطنين بالدولة. يمكننا القول أنه كان ثمة وعي جنيني ملتبس بمفهوم الهوية ، وهو وعي تصادى كردود فعل مع الدعوات الخام إلى الدولة القومية في المنطقة . لا سيما مع ثورة اللواء الأبيض ، وموقف علي عبد اللطيف الذي حرر مفهوم كلمة سوداني من معناها السلبي وشحنها بطاقة وطنية إيجابية في وقت كانت فيه قبائل الوسط والشمال السوداني حتى العام 1920تعتبر أنسابها العربية الملتبسة هي هويتها الحصرية ، لقد كان موقف على عبد اللطيف السبب الأساس في إعادة الاعتبار لكلمة سوداني . لكن بالجملة نجد إن بنية الوعي بمفهوم الهوية كانت بنية هشة وتقليدية ، ويمكننا أن نجازف بالقول أن القدرة على اختراق ذلك الواقع الذي ساد السودان والمنطقة طوال القرن العشرين إلى آفاق تدرك معنى الهوية كبوتقة للانصهار القومي ، كانت شبه مستحيلة ، لأسباب ذاتية وموضوعية ، يحتاج تأسيسها إلى إبداع نوعي لمفكرين رؤيويين وقادة عباقرة من طراز غاندي أو مانديلا ، وبالتالي فهي آفاق لم تكن أصلا في الحسبان . يمكننا القول أيضا أن صيغة الحداثة المجزوءة أو الحداثة الأداتية التي جاء بها الاستعمار معطوفا عليها بنية الوعي التقليدي الضارب بجذوره في التخلف ، كان مانعا من إدراك أفق مغاير لرؤية الهوية . لقد كانت حيثيات الوعي عند النخب السودانية المتعلمة والمتعلمنة مختطفة لجهة تعليم استعماري حاول باستمرار استنساخ نماذج للمثقف التقني ـ بحسب الراحل أسامة النور ـ لتدوير إمكاناته المهنية في خدمة الدولة المستعمرة، والطائفية السياسية بعد الاستقلال ، ومن ناحية أخرى كان هناك إرتهان لثقافة عربية نخبوية لم تستطيع النخب المتعلمة الانفكاك عن تأثيرها المثيلوجي القائم على ضرب من النمذجة والتماهي بحالة لا تاريخية ؛ حالة ترسم باستمرار لتلك النخبة صورتها المتوهمة والمتعالية ؛ الأمر الذي نتج عنه إهمال كبير لإمكانات الثقافات المحلية السودانية . أكثر من ذلك ؛ لقد كانت تلك الحالة المتعالية من الارتباط بالثقافة العربية تخلق اقترانا شرطيا قائما على الحرج والمعرة حيال الثقافات واللغات المحلية السودانية الراطنة ، وهو الذي شكل بعد ذلك ما يمكن أن نطلق عليه (رصيد الحرج في الهويات المحلية) . وثمة مؤشرات أخرى كانت مانعة أيضا من النظر إلى الهوية السودانية ، تمثلت في عصر الآيدلوجيات في المنطقة العربية ، وهي آيدلوجيات شغلت الأحزاب العقائدية الناشطة ليس فقط عن الهوية فحسب ، بل وعن مفهوم الدولة ـ الأمة في المنطقة العربية عموما ؛ ففيما كانت الكثير من أواليات مفاهيم من قبيل : الدولةـ الأمة ، والهوية ، والطبقة الوسطى ، والديمقراطية ، مفاهيم غير مؤسسة بمعناها المعرفي العميق ؛ كان هناك تصور طوباوي لدى تلك النخب رأى في البنية الاستعمارية للدولة ، وفي بحبوحة عصر الاستقطاب الدولي 1945 ـ 1991 ما أوهمه بتحقق الكثير مما لم يكن متحققا في الحقيقة ، ولم تظهر أعراضه المدمرة الكاملة إلا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي حين أدرك الجميع معنى العبث في تلك ألايدلوجيات التي حالت دون رؤية الأسس الحقيقية لمفاهيم الدولة ـ الأمة (الدولة القومية) أو مفهوم الهوية كنسيج لتلك الدولة ، أو حتى مفهوم الطبقة الوسطى وغيرها من المفاهيم الحديثة . وهو ما أدى بعد ذلك إلى عودة ظهور (هويات ماقبل الحداثة) أي ظهور البنى الطائفية والقبلية ذات الطابع الأوتقراطي المتخلف ، والتي كانت كامنة بالقوة ـ طوال تلك الفترة ـ وظهرت بالفعل كنتيجة لغياب تجذر مفهوم الدولة الأمة والهوية وغيرها . لا سيما بعد العولمة التي سرعت من مسألة صعود الهويات في كل العالم. كشعب سوداني تكمن حاجتنا إلى الهوية لفك ذاك الالتباس بين مقوماتنا الخاصة بنا وبين ما هو مشترك بصورة من الصور مع الكثير من الدول المجاورة لنا ، كاللغة العربية مثلا ؛ فاللغة العربية إذا لم نجعل منها قالبا تعبيريا للهوية السودانية الجاذبة المبدعة الغنية والمتنوعة ، ستظل أحد أسباب الاستلاب التي تجعل منا شعبا مغتربا عن ذاته ومستلبا للغير عبر الخطاب الإعلامي العربي للفضائيات ، وهو خطاب من حيث القوة والتأثير ـ بغض النظر عن تقييمه ـ يلعب دورا كبيرا في صياغة وعي المجتمع السوداني وسلوكه (انظر إلى نموذج أغنية السيرة المصرية في الأعراس الذي حل في مجتمعات الوسط السوداني بديلا للسيرة السودانية بفعل تلك الفضائيات) بمعنى آخر أن الذي يضمن لنا كينونة مانعة من الذوبان ومن العجز الذاتي هو : تحويل معطيات ثقافتنا المحلية إلى منجزات فنية وفكرية وثقافية جاذبة لعقل وقلب المواطن السوداني ، وبطبيعة الحال فإن هذه الصياغة الجادة لهوية سودانية هي الضمانة الوحيدة لتأسيس حالة مانعة من الاستلاب . وعلى ضوء هذه التأملات يعتبر فشل النخبة المتعلمة وعجزها عن انجاز هذه الهوية هو السبب الأساس لتلك الأخطاء والملابسات في ظروف نشأة الدولة السودانية ، وهي كلها مؤثرات من الصعب تحديد علاقاتها المعقدة بصورة دقيقة ، لكن نتائج الفشل تتمثل لنا بصورة واضحة اليوم في ما نراه من معطيات الواقع السوداني وحالته المتدهورة على كل المستويات . ثمة مجال واحد تجلت فيه الهوية السودانية بصورة عميقة ، كما لم تتجلى في مكان آخر سواه ، وهو الغناء السوداني لاسيما الأغنية الحديثة . ولكن بما أن الهوية تحتاج إلى صناعة وصيرورة بالإضافة إلى معطياتها الخام فإن تكاثر الحديث عنها يجسد مفارقة أخرى وهي : أن كثرة الحديث عنها هو أكبر دليل على غيابها . فحتى وجود بعض ملامحها الجنينية في السودان القديم كان يجعل من الحديث عنها هامشا قابلا للبناء عليه دون أن يكون على هذه الشاكلة التي نشاهدها الآن من الضجيج والطنين عن موضوع الهوية . ومن المؤسف أن الدعوة الخام إلى الهوية وبضرورتها بدا كرد فعل على سياسات التهميش في وقت كادت الدولة المركزية أن تستقيل فيه عن مهامها الأولية إزاء المجتمع ، ما يعني أن تأويل الهوية لدى تلك الجماعات سينطوي على تصورات أوتقراطية ومناطقية وإثنية ـ كما نرى في أجندة الحركات المناطقية المسلحة وفي تصورات قادتها التبسيطية لقضايا الهوية . 2ــ كيف تقرأ المستقبل السوداني على ضوء مجريات الواقع السياسي، هل هناك ما يدعو إلى التفاؤل في ما يتعلق بالوصول إلى حل للإشكال المجتمعي السوداني التاريخي؟
غالبا ما ينطوي الحاضر على إرهاص ما بصورة المستقبل ، وعليه فإن مستقبل المصير الكياني للسودان وفق معطيات الحاضر للأسف لا يبشر بخير ، ولا يدعو للتفاؤل . والمفارقة هنا أن الإحساس بالتفاؤل والتشاؤم قد لا يكون له علاقة بنفس الباحث ، بقدر ما هو إحساس يتولد من المعطيات الموضوعية التي يفيض بها الواقع وما يمكن أن تحيل عليه في المستقبل . والحال أن ما تدل عليه تلك المعطيات هو أن الإشكال المجتمعي يزداد تأزما وتعقيدا مع مرور الزمن، وتراكم الأزمات. فالمجريات السياسية والمجتمعية للواقع السوداني وصلت إلى درجة بالغة من التعقيد والتأزم . وإذا كانت التحولات السالبة عادة ما تعيد إنتاج نفسها مع كل نظام عسكري، فإن التحولات التي جرت خلال العشرين عاما الماضية هي الأسوأ والأكثر ضررا في مجمل الواقع السوداني . لقد دمرت تلك التحولات الإطار الذي كان يمكن أن يكون قابلا للإصلاح والذي كانت تدور في داخله كل التحولات السالبة لفساد الأنظمة العسكرية السابقة ، أي أن مفاعيل السياسات الأيدلوجية الاسلاموية خلال العشرين عاما ضربت بنية العلاقات الاجتماعية والسياسية والتعليمية وفتتت نسيجها عبر سياسات تجزيئية كانت حسما على مهمة الدولة وبالتالي أدت تلك السياسات إلى إشاعة حالة كيانية عامة أقرب إلى الإنمساخ والتفسخ ، وهو تفسخ وتحلل أصبح متروكا لتفاعلاته السائبة وما يمكن أن ينتج عنها من فوضى في المستقبل . ذلك أن المشروع الحضاري دمر ـ مرة وإلى الأبد ـ صورة ما للسودان كانت قابلة لأن تكون نواة لمشروع الهوية ـ رغم عللها ـ واحل تلك الفوضى.. لقد كان التصور الطوباوي لحسن الترابي وحوارييه فيما خص إصلاح المجتمع عبر التعليم والإعلام بعد الانقضاض على السلطة بالعنف هو الطريق الملكي للخراب . فـ(المشروع الحضاري) ، كان مشروعا ينطوي على عجز ذاتي بسبب الآيدلوجيا الإسلاموية الانسدادية ذات الطابع الانشقاقي ، التي أثبت الزمن مدى فقرها . وما أطلق عليه بـ(الإستراتيجية القومية الشاملة) كخطة عشرية (1992 ـ 2002) تحولت إلى كوابيس سياسية وحروب أهلية وهجرات وعزلة دولية وغير ذلك من النتائج التي صعدت الاحتقان الداخلي . لقد كانت الستة عشرة عاما التي سبقت اتفاقية نيفاشا كافية لجعل الانسداد والاحتقان أكبر من أن تحتويه أو تؤثر فيه تلك التسوية المتأخرة للحرب والسلام . ولقد كان من سوء الطالع أن زامن عشية ظهور نظام الإنقاذ تحولات بنيوية في العالم الخارجي والجوار الإقليمي (حرب الخليج ـ انهيار المعسكر الاشتراكي ـ العولمة) وهي تحولات كانت أكثر من كافية لتنبيه حكومات الإنقاذ لطبيعة الاصطفافات الجديدة التي اتخذتها الدول والكيانات الصغيرة والمتضررة من زوال نظام القطبين ، حفاظا على حد أدنى من مقومات الدولة الهشة أصلا في وجه التحديات المقبلة للأحادية القطبية . لكن للأسف كان هناك إصرار جديد على صناعة آيدلوجيا الدولة الإسلاموية كرهان وحيد للنظام ، وهو رهان بطبعيته المؤدلجة والأحادية لا يمكن أن يفضي إلا إلى الأزمات وما ينتج عنها من حروب ـ على سبيل المثال : تم تعويم الأسباب الدينية والجوهرانية للحرب في الجنوب باسم الجهاد ، وتغييب الأسباب الزمنية والتاريخية للمشكلة بكونها مشكلة حقوق عادلة واستحقاقات مؤجلة لمواطنين في وطنهم . لقد توهم النظام أن القوة العسكرية يمكنها أن تحسم قضية مركبة مثل قضية الجنوب ما أدى في النهاية إلى ارتداد تلك السياسة في بنيتها الداخلية عبر تجديد العنف مرة أخرى لحسم مشكلة أزمة دارفور . في ضوء هذه المعطيات ورغم الانفراج الذي شهدته الساحة بصورة عامة ، لا تزال أسباب تلك المشكلات التي تفاعلت على نحو كارثي في بنية المجتمع والدولة تعيد إنتاج نفسها في سلطة المؤتمر الوطني ـ رغم شراكة الحركة الشعبية ـ ولقد أثبتت السنوات الثلاث من عمر اتفاقية نيفاشا الكثير من التعثرات التي وصل إليها الوضع السياسي ناهيك عن المصير الهش للاتفاقات الهوائية الأخرى مع بعض حركات دارفور والشرق .
3ــ ما هي تصوراتكم لحل أزمة دارفور، وكيف يمكن الوصول إلى سلام دائم
قضية دارفور هي إحدى مفاعيل القنابل الزمنية التي انفجرت كرد فعل على التهميش المتمادي منذ الاستقلال . وهي بهذا الاعتبار كان يمكن أن تكون ضمن قضايا خطة تنموية مستدامة . لكن تطورات الأزمة في العام 2003التي تكشفت عن أسلوب تعامل النظام مع قضايا الهامش والحركات الاحتجاجية بطريقة ركزت على العنف المفرط في مواجهة الحركات الدارفورية ، حولت تناقضات الصراع التقليدي على خلفية نزاع الحواكير إلى صراع شامل عبر انحيازه لطرف دون آخر . وجرى استثمار نزعات وغرائز بدائية لشحن التوترات الدائمة بطاقة من العنف الأهلي المستند إلى وفرة السلاح وسهولة الحصول عليه من الطرف المدعوم من السلطة ؛الأمر الذي أدى تلقائيا إلى ردود أفعال حركت ملف التدخل الحدودي مع تشاد وتبادل الدعم المسلح بين الأطراف المتنازعة لإطالة أمد الصراع ، ظنا بأن سبيل العنف هو أقصر الطرق إلى الحل . وهو ما أدى إلى تفاعلات خطيرة لم تكن في الحسبان حتى أصبحت قضية دارفور فضيحة أخلاقية بامتياز ووصمة عار تاريخي مخجل لنا كسودانيين ـ حكومة وشعبا ـ ولقد أدى تدويل قضية دارفور إلى دخول أجندات خارجية متضاربة ، جعلت من حل القضية أكثر تعقيدا ، لاسيما بعد تناسل حركات الهامش الدرافوري بطريقة عكست إحدى آثار العنف العاري وغير المؤسس في مواجهة الدولة المركزية . لقد كان التدويل هو الوجه الآخر للعجز البنيوي لدى السلطة والحركات المناوئة حيال استحقاقات السلم الأهلي الداخلي ، فالفراغ الذي نشأ من ذلك العجز المزدوج هو الذي سرع بعملية التدويل . ولا يمكن حل قضية دارفور إلا ضمن تسوية قومية شاملة لقضايا الوطن ، فحركات الهامش وتياراته أصبحت شاملة لجميع أطراف السودان الأمر الذي يقتضي التسريع بتلك التسوية . الإشكال الأساس هنا أن مفهوم التسوية كمفهوم سياسي يقوم على النسبية العقلانية الممكنة لا يجد له مكانا مقبولا ، لا في عقلية النظام ، ولا في فهم الحركات الدارفورية نتيجة للبنية الأوتوقراطية التي تتعاطى السياسة بطريقة لاعقلانية وعبر التصورات الآيدلوجية التي لا وجود لها إلا في الوهم . ومن ثم تفضي تلك المواقف المتصلبة والمؤدلجة حيال قضايا واقع الأزمة وتعقيداتها إلى كوارث ودمار ومجازر ، وفي النهاية وبعد أكلاف باهظة تؤدي التفاعلات السائبة للعنف والعنف المضاد إلى انهاك الجميع والوصول إلى فوضى شاملة . يحدث ذلك كله في غياب حساسية اخلاقية بمسئولية الموت المجاني في معسكرات أهل دارفور وانعدام الشعور بقيمة الحياة المقدسة للفرد دعك من الآلاف . وفي ظل أجواء كهذه يمكن للسياسة أن تتحول إلى أداة للقتل المجاني في يد الأنظمة ، كما يمكن للنضال أن يتحول إلى تصفيات دموية يغيب معها المعنى السامي لقضايا الهامش في سلوك الحركات المعارضة . ولهذا لا يمكن الوصول إلى سلام إلا عبر التسويات والتنازلات المتبادلة من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من حياة وكرامة أهل دارفور والهامش ، كخطوة أولى للوصول إلى حلول دائمة . ومن وجهة نظري أن سمة التشاؤم التي تفيض بها معطيات الواقع تلقي بظلالها على الكثير من قضايا الوطن المتشابكة ، وضمن هذه السمة تندرج مشكلة دارفور التي تحولت إلى مأساة محزنة في جبين كل سوداني . ذلك أن أسلوب تفجير المشكلات الوطنية وتحويلها إلى مآزق وجودية مهددة للنسيج الوطني والاجتماعي بنذر فوضى عارمة ، هو في العادة انعكاس لتصور السلطة العارية تتحول بموجبه الثوابت الوطنية إلى سقف محدود لمفهومها الأمنى الخاص ضمن رؤيتها الأحادية ، حيث تغيب التقديرات الحقيقية لمآلات الأوضاع وخطورتها لمن يعيش في وهم الآيدلوجيا ، ولا يكاد يسمع إلا ما يعجبه من طرب المادحين . وهذا تحديدا ما يجعل اجتراح التسويات الشجاعة والمانعة من تحول الوضع إلى فوضى ، أمرا بعيد المنال في ظل تلك الرؤى القاصرة بين الجميع للأسف . والأمر برمته لا يخلو من عطب كياني عميق وشامل. كان يمكن لحيوية الوعي الشعبي أن تشعل حالات ثورية ـ سبق أن قام بها الشعب السوداني ـ في ظروف أقل كارثية مما يمر به الوضع الآن ، مما يدعونا للتساؤل حول التصدع الذي أصاب البنى الكيانية للحس الوطني واستحقاقاته في حياة الشعب . وفي تقديري أن ثمة تحولات بنيوية خطيرة طالت هذا الحس الوطني على مدى عشرين عاما وبصورة تجعل من هذا الشعب لا يكاد يحرك ساكنا وهو يرى العالم من حوله يتحدث عن مأساة دارفور كما لو كانت حادثة غامضة في الصين ؟! ولا شك أن مفاعيل هويات ما قبل الحداثة (البنى القبلية والطائفية والمناطقية) التي عادت مرة أخرى لتحل محل الانتماءات المدينية التي سادت بصورة شكلية إلى حد ما طوال فترة ما بعد الاستقلال إلى العام 1989 ، أثرت كثيرا على حياة الناس وخياراتهم السياسية التي تم تدجينها إلى أبسط وحدات الانتماء البدائية (القبيلة ـ الطائفة المنطقة) خلال عشرين عاما ، لاسيما ضمن التوظيف السياسي من طرف السلطة لتلك الانتماءات الضيقة . وهكذا ربما يرى بعض أفراد هذا الشعب أن ما يحدث في دارفور ربما لا يعنيهم في كثير أو قليل ، وهي حالات تنذر بمؤشرات خطيرة في المستقبل المنظور . إن قضية دارفور وتحولاتها المأسوية هي في الأساس اختبار حقيقي للكيانية الوطنية ، يضع الكثير من علامات الاستفهام حيال تقاعس الشعب السوداني وعجزه عن إدراج هذه التراجيدا السياسية الكبرى ضمن حراكه السياسي ، وبالتالي أصبحت هذه القضية مؤشرا واضحا لمعنى أن يستقيل شعب ما من الشعوب عن مسؤولياته الأخلاقية والوطنية . هذا علما بأن التسويات الخارجية لمأساة دارفور هي بالضرورة حلول يتم تسويقها خصما على الاستحقاقات الوطنية، ونتيجة للعجز الداخلي في تسوية تلك الأزمة ، ففي هذا العالم السياسة كالطبيعة لا تقبل الفراغ ، ومن لا يستطيع حل مشكلاته السياسية بنفسه ، لا يعني أنها ستظل بلا حلول ، بل سيعرضها بالضرورة إلى حلول خارجية تفرض عليه وسيكون قبوله بها عاجلا أو آجلا هو خيار ما يسمى بأخف الضررين دون أن يكون كافيا بالضرورة . 4ــ هل ترى أي غياب في القيادة السياسية الوطنية المجمع عليها والقادرة على وضع التصورات الفكرية لما ينبغي أن يكون عليه واقع الدولة السودانية؟
نعم هناك غياب في القيادات التي يمكن أن تسمى بالقيادات التاريخية الكبرى والاستثنائية . الإجماع الوطني والشعبي على قيادة ما ، لا يكون بمجرد الولاءات التقليدية أو بتلك الصفات التي تضمن بعض الكاريزما لفئة من الناس . السودان يحتاج إلى قيادات تاريخية من طراز خاص واستثنائي ، ويمكننا القول بكل أسف أن وجود مثل تلك القيادات التي يجمع عليها الشعب ، وينظر إليها كقيادات كبرى تستقطب في روحها العظيمة كل مكونات الشعب وتعبر عن القيم الوطنية والإنسانية بكل شفافية ووعي ؛ تلك القيادات التي يمكنها أن تجترح لحظات تأسيسية فارقة عبر إجماع وطني ، و التي تلتزم بالعمل السياسي ضمن المعاني السيادية بما يجعلها قادرة على الدمج والتوحيد ، مازالت غائبة . الإشكالية الكبرى في مسألة القيادة لا تكمن فقط في التميز الذي يماهي بين القبول والكاريزما من ناحية ، وبين المؤهلات الفكرية من ناحية ثانية ، بل يكمن في ظهور شخصية تاريخية استثنائية خلاقة ؛ شخصية قيادية لها القدرة على الجمع النادر بين الكاريزما الوطنية والأخلاقية من ناحية ، والوعي الموضوعي العميق بروح السودان الحقيقي ؛ وهو لابد أن يكون وعيا يتجاوز الآيدلوجيا إلى المعرفة الدقيقة باللحظة التاريخية للسودان وإدراك الجذور الحقيقية لأزمات السودان عبر رؤية عميقة لهوية سودانية قادرة على استقطاب كل التناقضات في روح تلك القيادة العظيمة ، مثل تلك الروح التي حلت في غاندي أو مانديلا ، ووجود قيادة بمثل هذه المواصفات هو أقرب إلى المعجزة منه إلى الواقعة في ظل الشروط التي يمر بها السودان الآن. سقف إنتاج القيادات الكبرى والتاريخية للسودان هو سقف منخفض جدا ، ليس فقط في إمكانية بروز مثل تلك القيادة الآنفة الذكر ، بل هو أيضا سقف يعجز عن إنتاج (مركب قيادة) من قيادات وطنية عادية . ذلك أن لحظة تأسيس كيمياء الذات الوطنية المتعالية لـ(مركب القيادة) في وعي القيادات الموجودة لا زالت لحظة غائبة . المخيلة السياسية التي تدرك معنى التسوية من أجل فكرة الوطن مخيلة فقيرة . وحدود الوطن في وعي هذه القيادات تتماهى مع المطامع الشخصية ، وقواعد لعبة السلطة العارية. وإذا عرفنا أن اللحظات التي أنتجت ماتوهمناهم قيادات تاريخية ، إنما هي لحظات شعبوية متحت فاعليتها من عاطفة الولاء التقليدي من ناحية ، والشعور الجمعي الخام الذي يتأسس ضد الأجنبي من ناحية أخرى ؛ سنعرف حينذاك أن منسوب العادية أكبر بكثير من منسوب الاستثنائية في تلك القيادات . لقد كانت موجة القيادات العادية إبان الاستعمار موجة عارمة ، ويمكننا القول في أغلب تلك القيادات التي ظهرت في أفريقيا والعالم العربي في زمن الاستعمار أنها: قيادات عادية في زمن غير عادي . ولقد رأينا أحد نماذجها في مراحله المتأخرة (روبرت موغابي في زيمبابوي) بما يمكن أن يعكس حدود الفرق بين أن تكون القيادة قيادة تاريخية وبين أن تكون قيادة عادية في زمن غير عادي. الحاجة إلى إدراك القيادة التاريخية لروح السودان وكيمياء هويته ، إدراكا معرفيا هي حاجة ملحة لتجاوز حدود الآيدلوجيا ، مهما تغلغلت هذه الآيدلوجيا في بنية الخطابات الفكرية والحزبية . ذلك إن المعرفة الموضوعية والموقف الأخلاقي حيال وعي فكرة (السودان الجديد) تحتاج إلى مقاربات شجاعة ومراجعات نقدية ومعرفية صارمة من أجل التأمل في مغريات العيش الجاذب لفسيفساء النسيج السوداني ضمن الحريات والتسويات التاريخية للظلم الذي أنتج كل هذه النزاعات والكوارث السياسية . ولابد أن تعكس تلك القيادة حساسية وطنية نادرة تسعى باستمرار لفكرة المواطنة والحقوق المتساوية والكرامة والمؤسسية؛ هذه بالطبع حيثيات عامة ونظرية لكنها ربما كانت أبرز الحيثيات التي غابت عن نماذج قياداتنا السودانية. ]
........... يتبـــع
(عدل بواسطة محمد جميل أحمد on 10-06-2009, 11:11 PM)
|
|
 
|
|
|
|
|
|
Re: النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب (Re: محمد جميل أحمد)
|
الجزء الثاني من حوار صحيفة الأحداث
حوار صلاح شعيب
* نيفاشا تمت لإنهاء الحرب ، وليست لتأسيس الوحدة والسلام
* لابد من قراءة الدين والتراث السوداني قراءة نقدية تحترم النتاج المعرفية
* التيارات الإثنيةهي ردود أفعال لغياب هوية قومية قائمة على تفعيل الحقوق المتساوية
* في اللحظة الراهنة ربما كانت الآيدلوجيا الإسلاموية هي الغالبة في المنطقة 5ــ الانتخابات القادمة في فبراير 2010 ، هل تستطيع أن تحدث تغييرات جوهرية في طبيعة العمل السياسي الحكومي والمعارض، خصوصا إذا دخلت قوى المعارضة في تحالف ضد المؤتمر الوطني؟
لقد تم تحويل قواعد اللعبة في العمل السياسي منذ عشرين عاما ، أي أن هناك صيرورات أخرى حلت محل المفهوم التقليدي للعمل السياسي الذي أخذ صورته من خلال الأحزاب التقليدية والعقائدية منذ الاستقلال . التحولات التي غيرت قواعد اللعبة في العمل السياسي هي تحولات أصبح العمل السياسي في السودان بموجبها يتأسس على معطيات ذات طبيعة قبلية و مناطقية ومطلبية احتجاجية ، نشأت عن توترات وتراكمات لايمكن أن تكون بطبيعتها المطلبية والاحتجاجية تلك رافعة لعمل سياسي طبيعي وبالتالي لا ترقى بصورتها هذه لمفهوم الحياة الحزبية والسياسية السوية .إذ كيف يمكن تحقيق المطالب السياسية والتنموية بعيدا عن آلياتها التي تشترط تأسيس قواعد شعبية واسعة و قابلة للتنظيم في كيان سياسي يستقطب الجميع ضمن برنامج وطني حقيقي ، قادر على تحريك تلك القواعد والضغط بحركتها على النظام لتحقيق المطالب في مناخ ديمقراطي . ولقد تم تحويل كثير من تلك الحركات المناطقية وذات الشعارات المطلبية ، العابرة من الهامش إلى المركز عبر تسويات هوائية إلى كيانات كرتونية ، وأصبحت موازين الثقل للحزبين اللذين يتقاسمان السلطة بموجب الأمر الواقع وموازين القوة العسكرية ، وبالتالي فإن الانتخابات لن تخرج عن إعادة هذين الحزبين إلى سدة الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) . الانتخابات القادمة في حد ذاتها لا يمكن التعويل عليها من أجل تغيير كبير في بنية النظام السياسي . وربما كانت الحاجة إلى التشديد في نزاهة العملية الانتخابية المقبلة عبر ضمانات دولية ، والسعي إلى ترتيب تحالفات بين الأحزاب على سبيل استعادة اللياقة السياسية هو أيضا من أهم الحيثيات التي يجب التركيز عليها . كل تصور يفترض عودة الحياة السياسية إلى طبيعتها ماقبل العام 1989 (هذا إذا كانت تلك الحياة طبيعية أصلا) هو تصور ناقص . فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر ظل فيها السودان بعيدا عن الكثير من آثارها . وفي مستوى آخر نجد أن بيئة العمل السياسي طوال العشرين عاما تم تجفيفها لا عبر سياسات النظام مباشرة ، بل أيضا عبر تفريغ الكوادر السياسية والثقافية والحزبية المختلفة لا سيما في التسعينات من القرن الماضي حيث تمت عمليات هجرة واسعة في تلك الكوادر إلى خارج السودان الأمر الذي ترك فراغا كبيرا في ساحة العمل الحزبي والسياسي المتنوع . التركيب والتعقيد المزعج الذي مر به السودان خلال العشرين عاما الماضية ، وعلى ضوء السياقات والتحولات التي حدثت إقليميا ودوليا ، سيفرض الكثير من التحديات على القوى السياسية والحزبية في السودان ، وهي للأسف قوى عاجزة عن اجتراح رؤى لمستقبل العمل السياسي وفق معطيات الواقع وتحدياته . ذلك أن التحديات التي تطرح نفسها الآن ليست من طبيعة عادية بل هي تحديات كيانية تظهر في هذا الواقع في شكل أزمات مركبة ، وتشير مفاعيلها وآثارها المنظورة إلى إمكانية تفكيك السودان كنتيجة من نتائج العجز البنيوي في إدراك وإدارة المعادلات الوطنية والسياسية الضامنة لوحدته وتماسكه . الكثير من الأفكار والتصورات والأوهام السياسية لا تزال تستند إلى وعي منقرض بصورة السودان القديم ، وتفترض باستمرار ثبات تلك الصورة بما فيها من تغييب لمعنى المواطنة الحقة للكثير من أبناء الهامش السوداني . وردود الأفعال التي حركت الهوامش السودانية للإحتجاج على صورة السودان القديم بما تعنية من هيمنة ومركزة للسلطة والثروة في يد طبقة واحدة أو عنصر واحد من مكونات السودان ، كانت ردودا جسدت حضورها في كل من الشرق والغرب على خلفية الصراع مع السلطة في الخرطوم ، لكن حتى الآن ليس هناك مشروع واضح لتسوية تاريخية من أجل الحل الشامل لقضايا السودان للأسف ، لا لدى الحكومة ولا لدى الأحزاب ـ بما في ذلك الحركة الشعبية ـ وهنا يكمن التحدي الحقيقي . أي أن عجز القوى السياسية هو الذي سيحول دون تلك التسوية الوطنية وهو عجز بنيوي وليس عرضيا ، ومن ثم فإن الانتخابات لن تكون حلا سحريا للوضع المأزوم ، لابالنسبة للحكومة ولا للأحزاب حيال استحقاقاتهم الوطنية . هذا الواقع المأزوم بالطبع لا يخلو من إمكانية وجود تحالفات وأجسام تعمل على تكتيك سياسي في الانتخابات ، وربما تعيد تعديل بعض التوازنات في السلطة المنتخبة ، في حال التخطيط الدقيق من طرف القوى السياسية المعارضة . لكن ستظل تلك الانتخابات غير قادرة على منح الشعب السوداني وقواه الحية القدرة على الإمساك بالمصير السياسي كاملا ؛ وهذا بحد ذاته سيطرح التساؤل التالي: كيف يمكن إعادة إنتاج واقع سياسي لا يمكن تحققه إلا بمعجزة وطنية ؟ والانتخابات القادمة لن تستطيع تحقيق تلك المعجزة الوطنية للأسف.
6ـ الإستفتاء على تقرير المصير: إلى أي مدى يمكنك التفاؤل بنتيجته فيما خص وحدة السودان، وإذا قدر للجنوب الإنفصال هل تتوقع أن تموت فكرة (السودان الجديد) التي دعا إليها الزعيم السوداني الراحل جون قرنق؟
كل المؤشرات تدل على غياب أي جاذبية للوحدة الطوعية في خلال السنوات الثلاث من تاريخ تفعيل اتفاقية نيفاشا ، وبالتالي ليس هناك تفاؤل في إمكانية وجود تلك الوحدة في المستقبل . جذور المشكلة في مثل هذه الاتفاقيات لا تكمن في طبيعتها الإجرائية و البنود الخاصة بها ، بل تكمن في طبيعة الشراكة أصلا وفي الخلفيات والاختلافات الفكرية العميقة لشريكي نيفاشا . كانت الاتفاقية بمثابة أمر واقع تمليه موازين القوة في المشهد السياسي وهي موازين لا علاقة لها بالإجماع الوطني الذي يفترض اتفاق جميع القوى السياسية الكبرى سواء أكانت حاكمة أم غير حاكمة لاجتراح انجاز مشاريع : الوحدة والديمقراطية والسلام . ولهذا فإن هذه الشراكة تنبع تعثراتها وعوائقها أساسا من الطبيعة البنيوية للطرفين المتوافقين على خلفية إرادة القوة .ذلك أن الواقع الذي أنتجها ـ واقع القوة المادية العارية ـ لا يمكن أن يؤسس للوحدة الجاذبة .وليس لأي عمل ثنائي أن يكون بديلا عن الإجماع الوطني ، كما أن التسويات التي يتم الترتيب لها من الخارج لا يمكن أن تنجز عملا تاريخيا كالوحدة لسبب بسيط وهو أن تدخل الخارج سيكون بالضرورة خصما على عجز الداخل هذه حقيقة لا بد أن يدركها الجميع . بالإضافة إلى أن حيثيات الوحدة الطوعية لابد أن تكون في إطار ديمقراطي حر . وهذه العناصر كلها لعبت دورا كبيرا في بروز الكثير من المشكلات والعوائق التي أدت إلى غياب خيار الوحدة الجاذبة . وبما أن ماحدث من تسويات في نيفاشا تم على هذه الشاكلة من التركيب في صناعة واقع أنهى الحرب ، لكنه لم يؤسس للسلام ولا للوحدة ، فإن قضية مثل حق تقرير المصير لا بد أن تجد حلولها في مناخ آخر . المناخ الذي يؤسس للوحدة الجاذبة غير موجود ووجوده يحتاج إلى شروط موضوعية لا يمتلكها الطرفان ، وبالتالي فإن الحل الموضوعي سيكون في مكان آخر ومناخ آخر . ورغم صعوبة تصور هذا الخيار في المخيال الجمعي للشعور الوطني الهش إلا أنه ربما كان من الضرورة بمكان النظر عميقا في تأمين عملية تقرير المصير والإقرار بها كحقيقة قابلة للتحقق في الواقع والتعامل معها كضرورة من ضرورات الانفصال الأسهل أكلافا من عودة الحرب . هذا ممكن وربما كان في المدى البعيد سببا من أسباب الاستقرار في المنطقة ، هناك الكثير من الطرق التي تضمن إمكانية التعايش الخلاق في حال وقوع الانفصال ، لكن هذه الطرق تحتاج إلى قادة يفهمون الدلالات الاستراتيجية لمعنى التعايش السلمي وحسن الجوار . حدث ذلك في الكثير من التجارب العالمية . بل إن دولة كسويسرا وجد مواطنوها الذين ينتمون إلى ثلاث دول ديمقراطية مجاورة (فرنسا ألمانيا ايطاليا) صيغة للعيش المشترك ربما كانت أفضل مستوى حتى من دولهم الأصلية . المهم في هذه الخيارات الصعبة هو احترام إرادة الناس وخيارتهم الحرة ، واحترام حقوق الإنسان ، وحقن الدماء . فكرة السودان الجديد استمدت زخمها من رؤية / حلم للقائد الراحل (جون قرنق) ، لكنها لم تجد مقدمات نظرية مؤسسة لحيثياتها المعرفية في بنية فكرية عميقة ، فليس هناك أطروحات مفصلة عن فكرة السودان الجديد ـ اللهم إلا بمعان عامة ـ والاسم نفسه (السودان الجديد) لا يحمل في عنوانه معنى فكريا بل ربما كان يحمل تصورا خاما لحالة أخرى عن سودان آخر غير السودان القديم . وفي كل الأحوال فإن الفقر الفكري والجدب الإبداعي الذي يضرب القوى السياسية السودانية لا يمكن أن يسفر على مبادرات خلاقة ومبدعة . بالطبع هناك وعي خام بالرغبة في سودان آخر حتى في الأفكار الفقيرة لحركات الهامش بالإضافة إلى الحركة الشعبية ، ويمكن أن يسفر ذلك الوعي الخام عن تصورات ما لسودان جديد . لقد عرف الجميع تقريبا أن السودان بصورته الراهنة يمر بمرحلة انسداد تاريخي لجهة تفكك مكونات السودان القديم . لكن الأمر الآن أبعد ما يكون عن وجود تصور معرفي دقيق ومتماسك لمعنى السودان الجديد . ربما لو امتد العمر بالزعيم الراحل (جون قرنق) لوجدت تصوراته حول السودان الجديد إطارات منهجية وعملية . وبالتالي فإن الحديث عن أطروحات وطنية جديدة في تأويل الهوية السودانية ، ستظل غائبة عن جميع القوى السياسية السودانية ، وذلك سواء في حال انفصال الجنوب أو عدم انفصاله .
7ــ هل أضعف بروز التيارات والأفكار (الإثنية أو الجهوية) إلى سطح العمل السياسي الهمة القومية في كل مناحي الحياة، وهل ترون أن هذه التيارات والأفكار ستختفي في حال الوصول إلى سلام دائم في كل أنحاء القطر عبر تسوية قومية؟
ثمة علاقة جدلية بين الأثنين ، ففي غياب الأولى تحضر الثانية والعكس . الأفكار والتيارات الجهوية والإثنية هي ردود أفعال نتجت عن غياب هوية قومية قائمة على تفعيل الحقوق المتساوية لجميع مواطني السودان بمستوى عادل من التحقق والنفاذ. وبروز هذه الأفكار والتيارات الجهوية والإثنية هو مؤشر غياب تلك الهوية القابلة للتمثل المادي في الحقوق الدستورية. كان يمكن لهذه التيارات الإثنية والجهوية أن تحاجج سلميا في حال وجود تلك الهمة القومية ولو في مستوى معقول من تحققها . ظهور تلك الحركات والتيارات الجهوية والإثنية عبر العنف وحمل السلاح هو الشكل الأقصى والأكثر تعبيرا عن مدى تراكمات الظلم والإهمال والتهميش الذي ضرب تلك الهوامش السودانية والتي تكاد تشمل اليوم الأغلبية من سكان السودان . كان السودان في كل تلك السنوات التي جسدت التهميش ، ومازالت بالطبع ، صورة واحدة ومعممة على مقاسات مختلفة إزاء جميع المكونات الإثنية والجهوية المتعددة ، وكان هذا الوضع بطبيعة الحال سيؤول آجلا أم عاجلا إلى انفجار وهو ما حدث الآن بفعل تسريع العديد من الأسباب التي أدت إلى احتقانه . بصورة من الصور عادة ما تكون شروط ظهور تلك الحركات الإثنية والجهوية هي نفسها الموانع التي تنفي وجود الهمة أو الهوية القومية المفعلة . ولهذا فالمسألة ليست مسألة إضعاف هذه التيارات لتلك الهوية أو الهمة القومية، بل المسألة تكمن في أن غياب الواحدة هو شرط لحضور الأخرى . أي أن ما توهمناه سودانا واحدا في المخيال الوطني الهش ، لم يكن كذلك . نعم كانت هناك قابلية واستعداد عند تلك الهوامش لقبول صورة ملتبسة للغة العربية الشمالية لأسباب رمزية ودينية ، وقبول سلطة ما لأسباب ترتبط بظروف توافقت مع بروز الشمال والوسط كمركز أصبح هو الأكثر استفادة من التطورات في التعليم والإدراة في التاريخ الحديث . لكن ماجرى هو أن تلك السلطة والصورة اللغوية أصبحت نابذة لحضور الرموز اللغوية والثقافية والكيانية الأخرى لمكونات الإثنيات والجهويات السودانية بفعل وتائر صناعة الحرج المسكوت عنه والمتمادي عبر تعويم تلك الصورة وإقصاء غيرها من المكونات الرمزية واللغوية الأخرى لأهل الهامش ، وهي بذلك جسدت ما يمكن أن نسميه رصيد الحرج الذي أصاب تلك المكونات الرمزية واللغوية في نفوس اغلب أهل الهامش بموازاة تلك الصورة النمطية الواحدة المعممة بفعل السلطة في الإعلام والتعليم والحياة العامة . إن مثل هذا التعميم وما صاحبه من تجاهل مثل حدا أقصى في القمع الرمزي لتلك الهوامش وتوازى مع حرمان مباشر من الحقوق المادية والوطنية والإنسانية ويمكننا القول أن هذه التيارات الجهوية والإثنية الناشطة الآن هي صيرورة طبيعية لمثل تلك الحال التي عرفها سودان ما بعد الاستقلال . لكنها أيضا صيرورة خام ، أي هي تعبير عن ردود فعل ، الأمر الذي يجعل من احتجاجها عبر العنف طريقا للأزمات والتعقيدات التي يمكن أن تؤدي إلى آثار عكسية . فليس العنف وحده هو الذي يضمن تحقيق الحقوق المشروعة ، بل لابد من تخطيط وقراءة معرفية لحيثيات المشاكل والتعمق في أسبابها التاريخية من أجل طرح رؤية عادلة للحلول الجدية لمشكلات الهامش . وللأسف فقد تم تدجين بعض تلك الحركات (بعض حركات دارفور ، والشرق) وتحويلها إلى تروس في عجلة السلطة بسبب غياب الرؤية العميقة في فهم مشكلات قضايا الهامش وإشكالاتها المعقدة ، والتي تختلف بحسب الموقع والاستراتيجيا وغير ذلك من المؤثرات التي تفرض أسلوبا معينا من النضال في قضايا الهامش . السلام في معناه الحقيقي لا يعني صمت البنادق بقدر ما يعني تحقيق الأسباب التي تخرس تلك البنادق مرة وإلى الأبد . أي أن السلام هو أيضا عملية بناء ويحتاج إلى صناعة ورؤية استراتيجية تضمن استمراره . وأكبر ضمانة للسلام هي تجسيد حقوق المواطنة والتنمية المتوازنة والحريات ، وبهذا المعنى سنجد إن السلام هو عادة نتيجة لتلك الحيثيات المتصلة بالبناء الحقيقي للمكتسبات الوطنية المتمثلة في تلك الحقوق والحريات ، وليس فقط حالة من حالات توقف الحرب ؛ توقف الحرب فقط لايضمن استمرار السلام ؛ بل ربما يؤدي إلى ما هو أسوأ من الحروب السابقة . ولهذا تصبح مثل تلك الاستحقاقات الوطنية للشعب السوداني هي الضمانة العاصمة من شبح الحرب . والأسوأ من ذلك أن طبيعة الحياة الآن في ظل ثورة المعلومات والاتصالات لا تجعل من تلك الاستحقاقات الملحة أمرا قابلا للتأجيل ، فحروب الهوامش هي حروب قابلة للتناسل لأن وجود أسبابها يعني إعادة إنتاج حركات العنف والاحتجاج عبر دورات متناسخة ، فمن يظن أن إسكات وشراء فصائل تلك الحركات هو نهاية المطاف في حلول قضايا الهامش ، إنما يذرع وهما ويهيئ وقودا لحروب أخرى في تلك الهوامش . ومايجري حتى الآن في الساحة السياسية عبر سياسات السلطة لا يغري أبد بالتفاؤل حيال حلول قضايا الهامش .
8ـ فكر الاحزاب والتنظيمات السياسية: هل يتحمل نتيجة الفشل السياسي، أم أن قواعد هذه الاحزاب تتحمل أسباب ضمور هذه الأحزاب ما أدى إلى فشل قياداتها؟
نشأت فكرة الأحزاب كتقليد مدنى منزوع المعنى لجهة دلالتها السياسية الحقة ، وتم تأسيس الأحزاب على شاكلة صورية ، كانت بطبيعتها عاجزة عن إنتاج فكر سياسي يستطيع معرفة الواقع وإدراك القوانين السياسية التي تحكمه. ولقد صاحب ذلك الكثير من البنيات الهشة لحياة سياسية صورية ، كانت قاعدتها الاجتماعية تقوم في حقيقتها على مكونات وعلاقات ما قبل حداثية (القبيلة ـ الطائفة) وكان واضحا لكل مراقب أن العمل السياسي للأحزاب في مرحلة ما بعد الاستقلال تمحور حول الحفاظ على شكل مخلفات النظام الاستعماري وموروثه في تقاليد العمل السياسي . دون القدرة على تعاطي السياسة بوصفها معرفة موضوعية بوسائل إدارة الشأن العام في مجتمع وأمة في طور التكوين ، الأمر الذي يقتضي ابتداع أساليب وآليات تتماهى تماما مع شروط ومعادلات النهضة الوطنية الخاصة بمجتمعنا السوداني . يمكننا القول أيضا أن ثمة فصاما عميقا أوهم النخبة المتعلمة وطبقة المثقفين التقنيين أن الواقع السياسي الظاهر هو السمت الدائم لميدان العمل الحزبي ، فيما غابت أستحقاقات أساسية حيال المفاهيم المؤسسة للبنى الكيانية في الدولة مثل قضايا : الهوية ، والمواطنة ، والتنمية ، والحريات ، والديمقراطية . وبالجملة غابت الأسس الموضوعية لطرق انتقال المجتمع من مكوناته التقليدية الخام (القبيلة ـ الطائفة) إلى مكوناته الحديثة (المواطنة ـ التنمية ـ الحقوق الدستورية) . ففي اللحظة التي كان يفترض فيها الواقع أن تكون تلك الأحزاب قوى جماهيرية وطنية تستوعب معنى العمل العام بحسبانة ميدانا للإبداع السياسي عبر برامج تتضمن الوعي بالقيم الضرورية لحيوية العمل السياسي كالحريات ، والتنظيم ، والحقوق الدستورية ضمن استراتيجية وطنية للدولة ، كانت تلك الأحزاب لا سيما الأحزاب الطائفية تعيد انتاج التخلف وعلاقاته ماقبل الحداثية (القبيلة ـ البداوة ـ الطائفية) في تلك الأشكال الحديثة لتجمعات العمل الجماهيري . أي لقد جرت عملية استيهام وطني ـ إن جاز القول ـ التبست فيها موروثات الاستعمار في شكل الحياة الحديثة سياسيا واقتصاديا وتعليميا ، بالبنى العميقة للتخلف ومكوناته المذكورة آنفا (هويات ماقبل الحداثة) وكان هذا الالتباس بطبيعته تلك ينطوي على ظرفية وقتية للتعايش المستحيل . في ظل واقع كهذا لم يكن بمستطاع تلك الأحزاب إنتاج فكر سياسي سوداني يوجه الواقع السياسي ويرسم خريطة الطريق لجعل السياسات الحزبية مؤسسة لحياة مفعمة بالتقدم والنهوض بأساليب العمل السياسي ضمن المعنى السيادي للكيانية الوطنية . وبالتالي فإن جذور الفشل كانت كامنة في بنية تلك الأحزاب ، وانما الذي منع من ظهورها بهذا العجز الذي نراه اليوم هو الواقع الذي حسبته هذه الأحزاب واقعا ثابتا ودائما غداة رحيل المستعمر الذي صاحب بداية سنوات الحرب الباردة وكانت تلك الحرب تعتمد على قطبين دوليين جعلا من ذلك الواقع السياسي والاقتصادي الوهمي للدول والكيانات في منطقتنا ، كما لو كان واقعا حقيقيا ، طوال سنوات الحرب الباردة (1945 ـ 1991) لكن الذي كشف عن البنية الهشة لذلك الواقع الزائف هو عودة هويات ما قبل الحداثة (القبلية ـ الطائفية ـ الإسلاموية) بصورة أكثر وضوحا وشراسة بعد زوال الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي فتكشف للجميع وهم تلك الأشكال الخادعة . فلم تكن هناك طبقة وسطى حقيقية ، لتكون الرافعة المانعة من انهيار المؤسسة الحزبية وغيرها من الأشكال الحديثة والناظمة لصورة الحياة العامة ، ولهذا فإن القواعد الحزبية ، ظلت باستمرار تتعاطى مع المؤسسة الحزبية عبر أشكال الولاء الطائفي والقبلي ، ونتيجة لذلك أصبح الفشل متبادلا بين الأحزاب وقواعدها بصورة مضطردة منعكسة ـ كما يقول المناطقة ـ وطبيعة الفشل في تلك الأحزاب هي طبيعة نابعة من البنية الوجودية . وأكبر مظاهر ذلك الفشل الذي يحيل على المظهر الخادع للمؤسسة الحزبية السودانية : عجز هذه المؤسسة عن الحفاظ على الحكم في وجه الانقلابات العسكرية ، في دورات متتالية ، فالحزب كمؤسسة سياسية راسخة في الأصل هو المعني بتجسيد معنى العمل السياسي الضامن لتجديد التداول السلمي للسلطة ، والمانع بحسب طبيعة عمله السياسي العام وحيويته لكل الأساليب الانقلابية على الحياة الديمقراطية . بيد أن المفارقة الأعمق من ذلك تتبدى في غياب معنى دلالة التعريف الدستوري لمفهوم الحزب في وعي الناس ، حتى على مستوى الفهم اللغوي ، ولهذا نجد خطورة ذلك الغياب لا في الممارسة الحزبية فحسب ، بل وفي المعنى الفكري والسياسي العام لكلمة (الحزب) الذي يفترض أن يكون بدهيا على مستوى اللغة والقاموس . فالحزب هو الجزء من الكل وطبيعة الحزب في دلالته السياسية تقوم على كونه طرف من أطراف القوى السياسية التي تتنافس سلميا على تداول السلطة ، لكن وعينا السياسي الخام صور لنا فكرة الحزب وأجندته كانعكاس نابع في الأصل من البنية الأوتقراطية للفهم التقليدي الذي يمتح تصوراته من مخزون هويات ما قبل حداثية حيث الرأي الواحد ، والعمر الطويل لدى زعيم الطائفة وشيخ القبيلة ؛ وهكذا نجد أن زعماء أحزابنا ـ بكل أنواعها العقائدية والتقليدية ـ هم تماما مثل زعماء القبائل والطوائف يحكمون المؤسسة الحزبية ـ مرة واحدة وإلى الأبد ـ ولا نحتاج في ذلك إلى دليل من واقع المؤسسة الحزبية التي ما يزال جميع زعماءها على حالهم منذ أكثر من ثلاثين سنة ـ ... هنا يكمن فشل الأحزاب لا في فكرها ـ إن كان لها فكر أصلا ـ بل في فكرتها وطبيعة هويتها السياسية ، وهو بالطبع فشل ينسحب بالضرورة على قواعدها وقادتها . .
9ــ أيهما أقوى تاريخيا في تجربة دولة ما بعد الاستقلال: صراع الهوامش الجغرافية مع الدولة المركزية، أم صراع الآيدلوجيا والدولة؟
ربما كانت الإجابة على هذا السؤال تتجاوز صيغة التفضيل حيال طبيعة الصراع المذكور بنوعيه، إلى حال هي أقرب للعلاقة الجدلية المركبة. أي أنه في الغالب الأعم ثمة ثنائية جدلية حادة بين طرفي الصراع ، فيما تظل الدولة هي القطب الأقوى الذي يلعب الدور الأكبر في توجيه طرفي الصراع سلبا ام إيجابا . صراع الآيدلوجيات الحزبية في منطقتنا العربية على الأقل ـ هو صراع نشأ تاريخيا في المراكز الحضرية (العواصم المدن الكبرى) بما يعني أن قاعدته تمثل انعكاسا للمستوى الطبقي والتعليمي الذي لا يتوفر عادة إلا في المدن . وهو صراع من ناحية أخرى يقع في داخل التوافق والقبول بمشروعية الدولة ، كما أنه يتأسس في أطر حزبية مدنية تتعد مصائر أعضائها ومنابتهم وتتوزع على انتماءاتهم المدينية : روابط ، اتحادت طلاب ، نقابات ... ألخ ، ويمتح تصوراته الفكرية من المعرفة الآيدلوجية والحراك الفكري المتصل بالوعي السياسي . أما صراع حركات الهامش فهو صراع يبدأ من الأطراف البعيدة والمحرومة ، ويتسم بطابع مطلبي احتجاجي ، بالإضافة إلى الطبيعة الحركية التي يصاحبها العنف وهو عادة لا ينطوي على رؤى فكرية مركبة، كما يتضمن احتجاجا على مشروعية الدولة ، وغالبا ما يكون نقد الدولة والصراع معها في الجانب المادي المتصل بقضايا العدالة التنموية وقسمة السلطة والثروة . في الواقع أن مجرد ظهور تيارات الهامش واحتجاجها في حركات عنيفة هو مؤشر على تآكل مشروعية الدولة. كما أنه مؤشر على تحديات كيانية حيال وحدة الوطن . ويمكننا القول أن هناك سمات معيقة لأدوات الصراع سواء في الأحزاب العقائدية ، أو حركات الهامش ، وأهمها سمتان لدى كل واحدة منهما على حدة : الايدلوجيا كسمة انسدادية في أجندة الأحزاب العقائدية ، و العنف العاري في حركات الهامش . تفكيك إشكالية الآيدلوجيا وإعادة موضعتها معرفيا وقراءة آثارها في إعاقة الحراك السياسي للأحزاب العقائدية هو الطريق الصحيح لتمهيد عمل حزبي يتعاطى السياسة ضمن رؤية عقلانية موضوعية هدفها التداول السلمي للسلطة . . كما أن تفكيك موضوعة العنف العاري لحركات الهامش ، وإعادة تعريفها وقراءة آثارها في مواجهة عنف السلطة المركزية من الأهمية بمكان ، لاسيما في قضية دارفور وما أحدثته تداعيات العنف المتبادل بين الحركات والدولة المركزية
.......... يليه الجزء المحذوف من النشر
(عدل بواسطة محمد جميل أحمد on 10-08-2009, 09:54 AM)
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب (Re: Mohamed Abdelgaleel)
|
صديقي محمد عبد الجليل... تحياتي كتب عبد الحي تأويلا جماليا ورؤى متعالية لهوية شعبه ، ونسج لها أفقا إنسانيا عميقا يستقطب كل مكوناتها ، ليجعل من ذلك التنوع غنى وفرادة ، بدلا من تحويله إلى ضغائن وحروب وصراع هويات صغيرة كما فعلت الإنقاذ وماتزال. سيأتي اليوم الذي يكون فيه شعر عبد الحي العظيم خبزا يوميا لأجيال جديدة في سودان حر وديمقراطي ومزدهر. بعد هذا الطوفان الذي أشار إليه عبد الحي بطريقته العميقة في تأويل الدلالات الدينية وتدوير رموزها على الواقع عبر تقنية القناع . ما أعظمه من شاعر كبير مودتي جميل
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب (Re: مجاهد عيسى ادم)
|
الصديق مجاهد .... تحياتي كلامك بالطبع يحيل إلى استمرارية الواقع المأزوم في موضوع الهوية ، ولولا أن علي عبد اللطيف قام بتلك البطولات من أجل الروح الوطنية لكان اليوم هناك الكثير من التحرز أمام كلمة سوداني . علاقة الهوية المنخلعة عن أطرها الضيقة بالصوفية موضوع مثير ويحتاج إلى تأمل ، لعله بصورة من الصور كانت الطرق الصوفية انتماء طوعيا وسلميا ساعد في تذويب الكثير من الفوارق بين المنتيمن إليها. مازال هناك الكثير من الايدلوجيات والأساطير والأوهام في عقول العامة حيال الانتماء الأفريقي للهوية السودانية ، وإن كانت مؤشرات هذا الانتماء هي الأقوى : الغناء ـ السلم الخماسي ـ الرقص ـ النحاس (الطبول) لدى القبائل العريقةوهكذا . في كل هذا بالقطع هناك التباس على مستوى الوعي بالهوية وغموض يدل باستمرار عاى مأزقها . مودتي محمد جميل
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب (Re: محمد جميل أحمد)
|
الأستاذ محمد جميل
تحياتي
Quote: بمعنى آخر أن الذي يضمن لنا كينونة مانعة من الذوبان ومن العجز الذاتي هو : تحويل معطيات ثقافتنا المحلية إلى منجزات فنية وفكرية وثقافية جاذبة لعقل وقلب المواطن السوداني ، وبطبيعة الحال فإن هذه الصياغة الجادة لهوية سودانية هي الضمانة الوحيدة لتأسيس حالة مانعة من الاستلاب . وعلى ضوء هذه التأملات يعتبر فشل النخبة المتعلمة وعجزها عن انجاز هذه الهوية هو السبب الأساس لتلك الأخطاء والملابسات في ظروف نشأة الدولة السودانية ، وهي كلها مؤثرات من الصعب تحديد علاقاتها المعقدة بصورة دقيقة ، لكن نتائج الفشل تتمثل لنا بصورة واضحة اليوم في ما نراه من معطيات الواقع السوداني وحالته المتدهورة على كل المستويات . ثمة مجال واحد تجلت فيه الهوية السودانية بصورة عميقة ، كما لم تتجلى في مكان آخر سواه ، وهو الغناء السوداني لاسيما الأغنية الحديثة . |
هذا هو لب الموضوع ... و كل اللوم يقع على عاتق النخبة المتعلمة المتمترسة خلف أبراج عالية لا تخدم إلا حقوق موغلة في الذاتية و لا تنفع قضية الهويو بشيء.
شكرا كثيرا
| |
 
|
|
|
|
|
|
Re: النص الأصلي لحوار ي مع صحيفة الأحداث (1 ـ 2) مع نشر الفقرات المحذوفة ـ حوار صلاح شعيب (Re: ابو جهينة)
|
عزيزي أبو جهينة .... مساء الخير ما أقتبسته هو بالفعل موضع الاختبار الذي يكشف عن العجز . مأزقنا في موضوع الهوية ينبع من العجز عن الإبداع وليس من ندرة معطيات هذه الهوية ، كما ينبع أيضا من العطب الذي أصاب هذه النخب ، لا سيما ممن يدعون الاستنارة والوعي ، ويتمترسون خلفها للتعبير عن نعرات مناطقية وجهوية وقبيلة ضيقة للأسف . إذا لم ينخلع المثقفون والرواد والنخبة عن هوياتهم الضيقة ويقدمون تضحيات ضرورية من أجل إعلاء قيم المواطنة والحرية والمعرفة والحقوق والاعتداد بالهوية السودانية عبر تمثلات واقعية ومواقف شجاعة من وحي ضميرهم ومعرفتهم فليس هناك أمل في المستقبل . مودتي محمد جميل
| |
 
|
|
|
|
|
|
|