|
|
الطيب مصطفى الصحفى النابه وخال الرئيس
|
لست بصدد دراسة مقالات الطيب أو تمحيصها واستكشاف مزاياها فالحدث الغر يستطيع أن يسبر غورها ويتقصى أطرافها فالرجل حينما يسترخى فى يده عنان القلم لا يترك شيئاً يختلج فى نفسه من معان لم يُفْصِح عنها يراعه أو لفظ مبهم لم يجليه ببوارق من ضياء ريشته ورغم أنه لا يتعهد كلامه ويكثر قيه من التأنق أويطيل الطواف بالعبارات الجزلة والمعانى الفينانة التى تلوح له لحظة مخاض المقال كما يفعل أستاذنا مصطفى البطل الذى يحرص أن تعود الكتابة إلى سابق عهدها من رشاقة اللفظ وطلاوة الإسلوب حرص العابد الآواب على صلاته إلا أننا لا نستطيع أن ننعت مقالاته الموشية بخيوط السخيمة تجاه الحركة الشعبية وليس انسان الجنوب كما رسخ فى الكثير من الأذهان بالركاكة والابتذال. إنّ مقالات الطيب التى احتشدت فيها جحافل اليأس من الوحده وظهرت فى معالمها دلائل القنوط من ايقاظ الحس الوطنى ودغدغة الشعور القومى أمام تعنت رواد الحركة خصومه الألداء الذين يحرصون على تفتيت وحدة الوطن المترامى الأطراف ويتباروا فى ذهاب ريحه و تبعثر جزئياته الأمر الذى جعل فصل الشمال الذى تتراكم على قسماته عروبة زائفة ومنحت سوء والذى ما زال انسانه البسيط يقطن صحاريه القاحلة ويزدرد طعامه الوخيم مجتلى قلم الطيب وساحة تفكيره، لقد دعا كاتبنا الهمام من غير مواربة أو مخاتلة إلى قيام دولة الشمال التى يسود فيها جماع العلل-الجهل والفقر والمرض-شأنها شأن بقية "دول" أو أقاليم السودان تلك الرقعة التى عكفت على الصمت واستظلت تحت أفيائه رغم حقوقها المهضومة وتردى الخدمات فى أصقاعها، فناضل الطيب نضالاً دائباً حتى يحرك ساكن شعبها الذى لم يصيخ إليه بسمعه إلا بعد أحداث الإثنين الأسود بعد أن رأى بأم عينيه أرتال الموتى وسمع بأذنيه أهات الجرحى وولولة الثكلى، تلك الأيام التى لم يستقر للسود بشتى طوائفهم جنان من الروع أو يطمئن بهم ملاذ من الجزع حينما أقدم بعض الموتورين ضخام الجلاميد غلاظ الأكباد على جز رقاب الشماليين دون تبصراً أو روية بل دون أدنى مقدار من الشفقة أو الرحمة لجريرة لم يقترفوها ولدم لم يسفحوه، فصار قلم الطيب حينها ساطعاً كالنجم نافذا كالسهم مردداً غضبة جائحة لا ينالها خزى أو يمسها لغوب يجترها فى أحشاء الليل المظلم ويعيدها عند أنفاس الفجر الندية، دعوة للإنسلاخ من كينونة الوطن الكبير الذى تضج فيه الأحزان وتومض بين ثنياه صخب الحروب . دعونا أيها السادة نطوى سجل تلك الصفحة الداكنة السواد ونخمد حمم المرائر التى تذيب شغاف الأفئدة ونمعن النظر فى الأسباب والدواعى التى دفعت الطيب للإعلان عن منبره الذى خلع عليه اسم منبر السلام العادل والذى ينداح فيه اندياحا عنيفا يصب فيه جام غضبه على الحركة الشعبية التى تستحق كل توبيخ وتستأهل كل تقريع، وفى الانتباهة نجده يذكى من خمود عصبته بأتون الغضب الذى يضطرم فى دواخله الأمر الذى يجعل من يطالع شهبه يتفاعل معها أو يشايعها ويؤمن بصدقها فينشر فضلها ويذيع أصولها على الناس أويصطلى فقط بنارها من زمهرير الفساد وقتامة الرؤية. إن الطيب وإن أتت بعض شواهده التى تسند دعواه وتؤيد زعمه مهزوزة ويعوزها تصحيح الدليل وتحرير الحجة فإن من الشطط والجموح أن نرميه بالعنصرية التى يتكأكأ حولها خصومه فلقد درج ثلة من الكتاب المترسلين إلى قذفه بتلك القالة السيئة التى لم يبرأ من وزرها وهيعتها المنكرة ممن تعود جرثومتهم إلى أرض الشمال إلا منصور خالد و رائد الضلال الموبق ياسر عرمان. إن بعض قاطنى الشمال و هذه حقيقة لا يمارى فيها أحد يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنهم ينحدرون من أثلة زكية ودوحة كريمة فيستخفوا من بحولهم وينظروا إليهم كما ينظر الرجل إلى قلامة ظفره، بل يمتد هذا الاستخفاف شرقاً وشمالاً فضلاً على الغرب والجنوب ليعبر سجوف قارتنا السوداء التى أكسبتنا لونها الفاحم ليشمل العرب الأقحاح على "قلتهم" فى الجزيرة العربية والشام. فثلة من قاطنى الشمال تعتقد-وإن كان يشوب هذا الإعتقاد بعض من حقيقة- أنها سليلة مجد لا تتقوض أركانه وربيبة شرف لا تجز أفنانه وحليفة عز لا تقدر أثمانه ونسيت هذه الحفنة أو الجماعة أن هذه الأعراق التى تجوب أقدامها فى بقاع السودان قد اختلطت اختلاطاً عميقاً وتشابكت وشائجها تشابكاً ثراً ندياً فكان محصلته البشير وخليل وسلفاكير وأوهاج، فدعونا أيها الأفاضل نخمد نار الشرف والخسة بالتزاحم على مورد السودان العذب وندع غيره من موارد كدرة لم تسقنا غير الضغائن أو تنزل علينا سوى الحروب. إن الحركة الشعبية مثل رصيفاتها من الحركات المتخلفة العجفاء مغلقة الذهن مطبقة الجهالة وهى لا تختلف عن المؤتمر الوطنى كثيراً فنجد عند المؤتمر الوطنى علو كعب الشمال الذى استأثر بالوظائف المرموقة وطرح الواغش لغيره يفصل منها ما يشاء، وهو ما فعلته الحركة الشعبية وقع الحافر على الحافر، تلك الحركة التى كانت تناضل كما جاء فى أدبياتها لرفع آصار العنصرية عن انسان الجنوب واحتكار عرق بعينه على خيرات السودان مالها تتنكر على القيم والعهود التى قطعتها على نفسها بعد أن دان لها الأمر، مالها تمحق كل عنصر غير عنصر قادتها الذين اكتنزوا الذهب والفضة فى جنوبنا الحبيب الذى ساد فيه البلى وأدلهمت فى أدغاله الخطوب. إذن فليكتب الطيب فإن صرير قلمه فى مثل هذه القضايا أخطر من قعقعة السيوف ولكن حرياً به وهو يتتبع عثرات وسقطات الحركة الشعبية ويوفى الحديث عن الفساد الذى تزكم رائحته الأنوف وعن شلالات الدماء التى تهدر ولا يسعى قواد الحركة الذين يعانون الكظة والبشم من اطفاء نائرتها واخماد بركانها المتقد، عليه قبل ذلك أن يسدى النصح لابن أخته الذى ذوى فى عهده انسان السودان واضمحل جسده الوثيق الذى كان يجمع الوان طيفه البديع وتهدم محياه النضر الذى كان يشع بالأمل ويشرق بالوئام، عليه أن يذكره قبل أن يخلد إلى فراشه الوثير أن ملايين من محكوميه قد افترشوا الأرض والتحفوا السماء وأن الألوف يقبعون فى حجور يأنف من السكن فيها الجرذ الحقير داخل الوطن المثخن بالجراح وخارجه، يجب على الصحفى النابه خال الرئيس أن يخبر ابن شقيقته الذى يجتمع على سماطه علية القوم ذو اللحى المخصبة والذين استأسدت عليهم الغرائز وصرفهم بريق الدنيا وسطوة الحكم عن شيخهم الذى تربوا فى كنفه أن ثلة لا يحصى عدد أفرادها بنان مستهم البأساء والضراء حتى اضطرت حرائرها اللاتى ماهممن بريبة قط أن يلغ فى أوعيتهن الكلاب ويقضم لحومهن الذئاب وقمين بنا قبل أن نندب الشرف وننعى الأخلاق أن نبكى دولة الشريعة التى تجوع فيها الحرة وتأكل بثديها تلك الخريدة التى لم تهتك عفة نفسها إلا لدفع غوائل الغرث والجوع عن والدها الذى يعانى الوصب والأمراض والذى أحالته للصالح العام الثورة التى قدمت لترسيخ قدم الدين وجعله عالى المنزلة وطيد البنيان، وعن والدتها الكهلة وشقيقها الغض الإهاب الذى يساعدها على النهوض بالأعباء بقراريط من مال يجمعها بعد ساعات طوال من السرحة فى حواشى المدينة مجلجلاً بصوته مزمجراً بصلصلة جرس أورنيشه أدوات مسح الأحذية التى يتأبطها بعد أن يعود من حجرة الدراسة . سيدى الطيب مصطفى أرجو منك قبل أن تمتشق يراعك وتوهنه فى بيان مخازى الحركة الشعبية أن تتحدث عن الفساد الذى نشر بنوده وأفصح عن وجوده فى كل بيت يمت للإنقاذ بصلة أو يصل إليها بسبب عن البدع التى تغلف بغطاء الدين والخدع التى تسربل برداء الوطن وعن وأد الحريات وتكميم الأفواه وعن ساحات التعذيب وبيوت الأشباح وعن بيوت الدعاره المقننه التى تتم ادراتها وترويجها باللفظ المشرق والبيان الجميل فما غرف المساج إلا مواخير للذة وحانات للعهر، وعن...وعن...وعن...ولا عدد لعن يا طيبا. وإلا أتت مقالاتك رغم صدقها ضرباً من التقرير الذى لا يقره سوى أصحاب الإحن والسخائم. سيدى أجعل للإنقاذ نصيباً معلوماً ولفظاً مسكوباً من النقد فى صرحكم الشامخ الانتباهه فغاية النقد البناء أن يجلى المحاسن والعيوب فتبرئ نفسك بذلك من قيود الأهل وعلائق الدنيا وتكون قد أزجيت النصح لحكومة تضطرب فى الأفكار وتتزعزع فى النظم.
الطيب عبدالرازق النقر عبدالكريم الجامعة الإسـلامـية بمـاليزيا غـومباك-كـوالالــمبـور
|
|

|
|
|
|