|
|
( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار
|
طَفَتْ وردة يانعة من ورود النيل ،، تتباهى بلونها الأخضر اللامع على سطح النهر. طفتْ هاربة من صخب البحيرة و هديرها ،، و رذاذ مياهها يضرب جنباتها فتملأ صفحتها الخضراء بقطرات كبيرة تجعلها تغطس هنا لتطفو هناك ناثرة عنها قطرات الماء فتنزلق من عليها كأوزة مهاجرة تستحم بعد طول عناء الرحلة تنفض عن جناحيها الماء فينطلق رذاذاً حولها كمظلة شفافة.. دخلتْ أرضا جديدة ،، متوجسة ،، تدور حول نفسها حتى لا يفاجئها خطر داهم. و ما أن وصلتْ لتخوم البلد الآخر شمالاً ،، حتى وقف نفر طوال القامة ،، بلونهم الأبنوسي اللامع ،، يقفون متكئين على رماحهم الطويلة التي يضارعونها طولا يحملقون في هذه الزائرة الجديدة ،، كانوا يعرفون أنها بداية حياة جديدة في أرض جديدة و أن الوردة أول الغيث تعقبه زخات و زخات. لم يعيروها كثير إهتمام ،، فالنهر فيه متسع للجميع و لها أن تسرح و تمرح فيه طالما أنه لا ضرر منها. هناك إنقسمتْ الوردة عن طيب خاطر ،، فبقي جزء منها ليسكن هذا الجزء من النهر المبارك ، و إنطلقتْ هي بعد أن رأتْ الترحاب الصامت الودود في بداية رحلتها. بقيت الوردة المنقسمة ،، تتناسل و تتكاثر و هي لا تدري أنه سيأتي يوم يجبرونها فيه لتفْصِل شرايينها المتصلة بالماء لتموت غرقاً بين أحضان مَن نَفَحَها الروح و جعل الحياة تدب في أوصاله،، سيقولون أنها تعرقل مسيرة النهر و الحياة فيه ،، هكذا سيقولون لها.
|
|
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
و إنطلقتْ الوردة الأخرى تتهادى توزع بذورها على ضفتى النهر و مستنقعاته ،، تتهادى و هي ترى زنابقها تنمو و تترعرع و تتكاثر في سرعة مذهلة ،، لا ينافسها في السباحة شرقاً و غرباً أي منافس ، ففرحتْ التماسيح و أفراس النهر لأنها وجدتْ ما تختبيء تحته لأغراض في نفوسها. و وجدتْ الشمس متسعاً من الوقت لتقوم بتبخير مياه النهر على مهل و روية بين فرجات الورود التي ملأتْ صفحة النهر ،، فتبختر المطر موسمياً ،، و توالدت أنواع جديدة من الذباب تعلمتْ كيف تجعل النوم ممكناً حتى الموت ..
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
قال الرب عز و جل في سورة القمر ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر و فجرنا الأرض عيونا فألتقى الماء على أمر قد قُدِر ).
و في إنجيل متى 3: 16 فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ،
هذا في أمر الطوفان ،، و لكن أمر الله يكرره بمشيئته وقتما يشاء و حيث يشاء و لمن يشاء .
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
فالوردة المنتشية بخطواتها الحثيثة شمالاً بعد أن نثرتْ بذورها جنوبا و إطمأنتْ بأن ذريتها ستعيش بسلام و في أمان ،، فوجئتْ بالمد الصاخب يأتيها من جهة أخرى ،، كله عنفوان و قوة ،، داكن اللون تشوبه حمرة ،، يخالطه لون الطين ،، يجرف بين طياته الهادرة كتلاً من الأخشاب و الحيوانات النافقة و أشجاراً بكاملها تتقلب في أتون أمواجه التي تأكل ضفتيه بنهم ،، فتتداعى كتل الطين لتزيد النهر غباشاً و خصوبة. و كأن همهمة الصاخب هذا تؤكد أن هؤلاء الذين صحِبوا النهر إلى مكان لقاء ذراعه اليسرى ،، تؤكد أنهم مثل نهرهم الذي تبعوه ،، معفًرة وجوههم ،، قوية أجسادهم ،، يتلهفون على ملاقاة قدرهم الموعود في هذه الأرض التي تدندن بلحن التمازج و اللقاء الفريد ،،
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
نساؤهم يشبهن هذا الهادر في الخصوبة و اللون ،، أخذْن منه عنفوان المشاعر و صدقها و أرضعنها للأجيال المتلاقحة معها و الآتين من شعاب الأرض و فجاجها ،، شعْث غٌبْر ، حفاة الأقدام ،، فكانت ثمرة هذا التلاقح مزيجا فريدا متشبثا بالتربة بطينها و رمالها و صخورها و كأنه ترياق يصعب تركيبه مرة أخرى مهما تفنن علماء الجينات و الإستنساخ في تقليد عناصره و مركَباته.
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
صخب الأيمن الممزوج بعصارة التاريخ ،، و هدوء الأيسر كهدوء حكماء القبيلة ،، يجتمعان كنقيضين ،، فتتغلب الحكمة الوقورة على العنفوان الهادر عند دلتا الإلتقاء فيرتفع منسوب الترياق بعناصر أخرى ،،
بهار و توابل و أعشاب ،، فيكمل النقيضان الرحلة و هما يعتلجان إعتلاج النفس البشرية في مسيرة التكوين الأزلية،، فأمتلأتْ ضفتى النهر شرقاً و غرباً بأجيال معتلجة لوناً و مزاجاً ،، يحمل النهر في جريانه هذه الخلطة فيوزعها على الأخضر و اليابس و يسقيها لهم عبر الزرع و الضرع.
تناثرتْ الجبال غرباً و تناثرتْ شرقاً ،، لتكون بإذن ربها أوتاداً لخيمة الأرض الممتدة المترامية الأطراف ،، حتى النهر لم تخْلُ جزره من هذه الأوتاد الموصولة بعروق طبقات منسوب الماء كالشرايين و الأوردة في طول البلاد و عرضها .
قال الله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، ( النحل /15 )
1) سفر الخروج 19: 13 عِنْدَ صَوْتِ الْبُوقِ فَهُمْ يَصْعَدُونَ إِلَى الْجَبَلِ».
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
تهب رياح موسمية جافة مغلفة بمَوجة ( السَموم ) الحارة تحمل في طياتها بذور ( العٌشَر ) و ( الضريسا ) و ( المسكيت ) و ( الحلفا ) و ( التنوم ) و ( الحرجل ) و ( المحريب ) و ( البافرا ) و ( التيلبون ) و تنثرها هنا و هناك في إنتظار هطول الأمطار لتجد البذور طريقها عبر طبقات الرمل و الطين و من بين الصخور لتعاود نضوجها و تمتليء بقلاتها ببذور يافعة سرعان ما تتطاير في كل إتجاه بإنتظار الخريف التالي ،، لا تبالي أين فروعها و أين جذوعها و أين جذورها ،، تنطلق لتأخذ الحياة طريقها إلى فلقات حباتها ،، هكذا في دورة محسوبة و موقوتة.
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
تغرد ( قٌمرية ورقاء ) على غصن شجرة تقع عند سفح جبل شرقي ،،، كانت تنقل خبراً تنافس به الزواجل من الحمام ،، إنها تبشر أسراب الطيور بأن أنهاراً قد شق الله لها طريقاً وسط البلاد و أن الخير عميمٌ من الحب و النبات ،، فبدأتْ منذئذٍ أسرابٌ الطيور في رحلات منتظمة تجوب ضفاف النهر ،، و تعود إلى أوطانها عندما يبدأ الغمام في التجمع ،، و ( يشيل القبلي ) ،، خبر يحسدها عليه الهدهد سليل هدهد سيدنا سليمان ناقل الأخبار.
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: ( عندما يفور تنَّوْر البلد ) ... مجرى النهر ... عكس التيار (Re: ابو جهينة)
|
قايض الرعاة المزارعين بما يحملونه من خيرات جبالهم و أوديتهم و سهولهم ،، و من ثَمً إتجه الرعاة نحو مراعيهم يقودون قطيعاً من الأبقار التي تسر الناظرين بألوانها ،، أبقارا لا ذلولة فتثير الأرض ،، و لا تتشابه عليهم فهي موسومة على ( سناكيتها ) منعاً للتشابه و الإختلاط و الإقتتال تماماً ( كشلوخ ) و ( وشْم ) أصحابها و وسمات قبائلهم ،، أبقاراً تحمل الكَل و تطعم الضيف و تحمل متاعهم يوم ظعنهم و تتحمل مشاق حلهم و ترحالهم.
| |
 
|
|
|
|
|
|
|