نعى اليم الزميل عبدالوهاب علي الحاج...المستنير وهبة فى رحمه الله
|
|
الخمر في الشعر العربي.......نور ودواء وغرام
|
الخمر في الشعر العربي.. -: نور ودواء وغرام لم تنل الخمر ومجالسها في الشعر الغربي، الحظوة التي نالتها في الشعر العربي، ولعل ذلك يرجع لسببين، الأول: تحريمها في الإسلام، والتشديد علي عقاب شاربها في آيات متعددة، كقوله تعالي: «يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون»، المائدة الآية 90، فقد قدمتها الآية الكريمة في التحريم علي كل من الميسر والأنصاب، والأنصاب، هو ما ذبح علي النصب للآلهة، والأزلام هي سهام لا ريش عليها، كان أهل الجاهلية يكتبون عليها أمورهم التي سيقدمون عليها بالأمر أو بالنهي، ويضعونها في وعاء، فإذا احتار الرجل في قضاء الحاجة، أخرج سهمًا، فإن خرج ما فيه الأمر قضي لقصده، وإن أخرج ما فيه النهي كف، والأمر الثاني يرجع إلي شيوع اللهو والغزل والمجون في المجتمع العباسي، وذلك في القرنين الثاني والثالث للهجرة، بالإضافة إلي أن الشاعر الغربي لا يشكو من عقدة اللوم علي شرب الخمر من أبناء مجتمعه، وليس من همه أن يتحدي الناس بالشراب، لأن بيئته لم تحرمها، ولم تكن كتلك البيئة التي عاش فيها أبونواس، أو البيئة التي عاش فيها الخيام، حيث ظهر شعر المجون والغزل والتغني بالخمر واضحًا في الشعر العربي في ذلك الوقت. -: : :--:: :: : 0 0 0 : -: -: - -: يتحدث شوقي ضيف في كتابه «الفن ومذاهبه»، عن غرق الناس في المجتمع العباسي، في القرنين الثاني والثالث للهجرة، إلي آذانهم في الحضارة الفارسية المادية، وما يطوي فيها من غناء وخمر، وذلك ظهر في شكل ثورة عارمة علي جميع التقاليد العربية، ومضي أبناء هذه الثورة يعبون من كؤوس اللهو والخمر حتي الثمالة، ولم تكن مجالس اللهو تزخر بالخمر وحدها، بل كانت تزخر أيضًا بالقيان والغلمان، حتي كان الفرس يسيطرون بحضارتهم المادية علي حياة الشعر والشعراء، فإذا بتلك الحياة تطبع بطوابع قوية من اللهو والمجون، وأخذ العرب ينقلون تراثهم الأدبي الفارسي بكل ما فيه من معتقدات دينية، فنقلوا «الأوفستا»، وهو كتاب داعيتهم «زرادشت»، وما كان يذهب إليه من أن للعالم إلهين: إلهًا للخير والنور، وإلهًا للشر والظلمة، وقد ساعد في اتساع هذه الموجة شيئان، الأول: ظهور مذاهب مشككة في تعاليم الإسلام بلبلت الأفكار، وعلي رأسها مذاهب الزنادقة والدهريين، والثاني: انتشار دور القيان اللائي كن يعرضن للبيع، بعد تثقيفهن وتأديبهن وتعليمهن الغناء والعزف، حتي اشتهر منهن الكثيرات، أمثال: دنانير وغريب ومتيم، وغيرهن، وقد صور كتاب الأغاني هذا الجانب العابث من الحياة العباسية، وأسهب في تصوير دور القيان اللائي اشتهرت أغانيهن بين الشعراء، حتي أصبح لكل شاعرمغنية أو جارية اشتهر بها، فاشتهر أبونواس بجنان، وأبوالعتاهة بعتبة، والعباس بن الأحنف بفوز، ومحمود الوراق بسكن، وسعيد بن حميد بفضل، كما لقب الشاعر مسلم بن الوليد بصريع الغواني. -: :: : 0 0 0 : -: -: - -: وقد ارتبط الشعراء بالمغنيات، لتغنيهن بشعرهم في مجال اللهو والسهر، فيذاع شعر هؤلاء الشعراء علي ألسنة العامة، ومن أشهر الشعراء الذين تغنوا بالخمر ومجالسها، أبونواس وأبوالعتاهية والحسين بن الضحاك، حتي ظهر عنهم ذلك النوع من الشعر الخليعي، وقد بلغوا في تصوير اللهو والمجون والشذوذ كل مبلغ، وبعد ذلك العصر بقرنين من الزمان، ظهر عمر الخيام في نيسابور عاصمة خراسان، واشتهرت رباعياته بمدح الخمر ودنانها وصفاء لونها ومجالسها وشاربها، ولكن علي طريقته، التي اختلفت عن طريقة الحسن بن هانئ أو أبي نواس كما كان يلقب، فأصبح لكل من الشاعرين مذهبه أو مسلكه في ذكر الخمر في الشعر، حتي أقر النقاد بمذهبين للتغني بالخمر في الشعر العربي، هما: النواسي، نسبة لأبي نواس، والخيامي، نسبة للخيام. -: :: : 0 0 0 : -: -: - -: وذلك يرجع لطبيعة كل منهما التي تختلف عن الأخري، إلا أنهما يلتقيان في نهاية المطاف في أمور مشتركة، فالحسن بن هانئ، يرجع هوسه بالخمر إلي مجون في طبعه، وانحراف في سلوكه عن الخلق السوي، وقد فسر عباس العقاد ذلك الانحراف الخلقي والاستهتار في شعره، بالنرجسية، أو الغرام بالذات، حيث بلغ ولعه بالخمر إلي حد إدمانها والمفاخرة بتعاطيها، ويقول العقاد عنه في كتابه: «أبونواس، الحسن بن هانئ»: «إنه كان يبوح برذائله ويتكشف بها ويتعمد أن يحبه الناس بها علانية.. فقد كان إدمانه للخمر هوسًا، ولم يكن مجرد عادة أو لذة ذوقية، ولابد وراء كل هوس من عقدة نفسية.. ونعني بها الطبيعة النرجسية»، وأيًا كانت عقدة أبي نواس، فقد ترك لنا خمرياته، وهي من أجود شعره علي الإطلاق، بل من أجود الشعر العربي قاطبة، فذاع صيتها، وتغنت بها الأجيال بعده، ومن أشهر أبياته في الخمر: «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء.. وداوني بالتي كانت هي الداء»، فقد كان ماجنًا عابثًا، علي فكاهة فيه وخفة روح، وأقوي ما تتجلي ملكة الشعر عنده في خمرياته، وكان من أخلص ندمائه، الشاعر أبو العتاهية، الذي انصرف عن العبث والمجون في أخريات حياته إلي الزهد، ويظل أبونواس أهم من حمل ذنوب عصره علي ظهره، فقد عاش حياة متهتكة آثمة، يندي لها جبين الأخلاق والآداب الاجتماعية، وقد اشتهر بإجادته لفن الخمريات، إذ نظم فيه أروع شعره، حتي غداً شاعر الخمر في العربية، وهو حقًا لا يباري في التغني بالخمر، إذ كانت تملك عليه شغاف قلبه، بل راح يعلن، في جرأة، أن الخمر هي الصنم التي ينبغي أن يقف به الشعراء ويطوفوا حوله، لا حول الأطلال والنساء، ومازال يصف الخمر وسقاتها وندمائها وكؤوسها ودنانها ومجالسها، وما بها من أزهار وريحان وقيان وغلمان، وقد تحدث، في غير خمرية، إلي أصحاب الحانات من اليهود والمجوس، والنصاري، وأفاض في وصف خمريات مجالسهم، وأهم ما يميز خمرياته، تنويعه علي معانيها، وإحكامه لتأليفها، حتي لتبدو الوحدة العضوية تامة في كثير من مقطوعاتها، وفي أثناء ذلك، يعبر عن شغفه بها وذكرياته معها. هذه هي الطريقة النواسية في شرب الخمر، والتي تعتبر علي النقيض من الطريقة الخيامية، إلا أن كلا الرجلين، الخيام وأبونواس، كان معاقر كأس، مقبلاً علي متعه، مستخفًا بالذم والثناء، مستهترًا بلوم اللائمين، ولكن علي اتفاقهما في العمل، فهما مختلفان في أسبابه ودواعيه وغاياته، فالخيام يشرب وينعم لأنه عالج مشكلات الوجود، فاستعصي عليه حلها، فقنع بالساعة التي هو فيها، وعمد إلي الكأس يغرق فيها شكوكه وأسفه علي بطلان الحياة وعاقبتها.. -: :: : 0 0 0 : -: -: - -: أما أبونواس، فلا شكوك عنده ولا مشكلات، وإنما شارب للخمر لأنه يشتهيها ويتصدي لعقاب الآخرة في سبيلها، فالآخرة عنده حقيقة مفروغ منها، وليس قضية في طريق الحل والجلاء، كما كانت في مذهب عمر الخيام، هذه هي سمات كل طريقة، كما وضحها العقاد في كتابه: «رجعة أبي العلاء»، حين تحدث عن معاقرة أبي العلاء للخمر، فرآه ينزع نزعة بين الخيامية والنواسية فيها، فقال إن أبا العلاء قريب من أبي نواس في الثقافة العربية، وقريب من الخيام في التفكير والبحث عن أصول الأشياء، فهو لا يكون كهذا ولا كذلك، حين يستسلم لمتاع الحياة، ولكنه يكون نمطًا وحده، يأخذ من كليهما بما هو قريب إليه، فأبونواس أشاع فلسفة اللذة بشرب الخمر، أما الخيام، فقد أحب الخمر لأنها تسمو بروحه، حتي تصبح في نجوة من الجسد، ولم يقصر حبه علي أثرها في نفسه، وإنما أحب طعمها المز، ولونها الصافي، وأحب كأسها الشفافة، ودنها الملآن، وكان يجد السعادة في مجلس الشراب بين الصاحب والنديم، وكان يوفق إلي هذه المجالس، لما اختص به من حلاوة اللسان وسرعة الخاطر وخفة الروح، وهكذا، كان ينسي هموم الحياة أو يتناساها، فلا يفكر إلا في أمر يومه، علي أنه كان يخشي أن يحرمه الموت نعمة هذه المجالس، وكان يشغله حل لغز الحياة، فإذا يئس، ارتمي في أحضان الأنس، واندفع إلي الكأس، فلم يجده في فهم أسرار الوجود، ثم يصحو من نشوته، فيشعر بالخطيئة، وينيب إلي الله ويسأله الرحمة، فمسلكه في الخمر، كما قال عنه الشاعر أحمد رامي، بين ظلمة الشك ونور اليقين، يعتقد بوحدة الروح، ويؤمن بعدم فناء المادة، ولا يذكر في دورة الفلك إلا مجهولين: الأزل والأبد، فكان يضمن رباعياته هذه الأحاسيس، ولعل أظهر ما في الرباعيات، النعي علي قصر الحياة وبطلانها، والخيام في نظمها، بين متفائل ومتشائم، قدري متصوف وتقي، ومستهتر، ولكنه أميل ما يكون إلي اليأس إلي حد السخرية من الحياة، إلي حد الضحك من كل شيء في الوجود، حتي رماه الناس بالزندقة وهو يري أن وعاء الخمر مصنوع من طينة امتزجت بها رفات الإنسان، ولذا عليه بالشراب في حياته، لأن مثواه التراب المهيل، ثم تصاغ من جديد دنان الخمر من طينته بعد أن تمتزج رفاته بالتراب: «اشرب فمثواك التراب المهيل»، و«عيشنا طيف خيال»، فمذهبه في شرب الخمر وضحه في إحدي رباعياته: «لم أشرب الخمر ابتغاء الطرب.. ولا دعتني قلة في الأدب.. لكن إحساسي نزاعًا إلي إطلاق نفسي كان كل السبب»، ثم يطلب التوبة من الله: «يا قابل الأعذار جئنا إلي ظلك فاقبل توبة التائبين». -: :: : 0 0 0 : -: -: - -: وهكذا أخذت الخمر الحظوة في الشعر العربي، فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي، ينظم فيها أجمل بيت قيل في وصف صفاء الخمر: «خف كأسها الحبب.. فهي فضة ذهب»، وله قصائد طوال في وصف مجالسها، حتي أطلق علي منزله اسم: «كرمة بن هانئ»، تخليدًا لخمريات الحسن بن هانئ أو أبي نواس، وذلك لإعجابه بشعره فيها، ولتخليد ذلك النوع من الشعر في الأدب العربي، أتري كان شوقي يشرب الخمر علي طريقة النواسي، عندما أطلق اسمه علي كرمته؟ وعندما شبهها باللؤلؤ في بيته: «أو فم الحبيب جلاً.. عن جمانة الشنب»، والشنب عذوبة الأسنان، وليس شنب الرجل، فمن غير المعقول أن يكون لحبيبته شنب، وعندما اشتاق إليها بعد انتهاء شهر رمضان، قال بيته الشهير: «رمضان ولي هاتها يا ساق.. مشتاقة تسعي إلي مشتاق»، أم كان شوقي يشرب الخمر علي الطريقة الخيامية، عندما قال: «سلوا قلبي غداة سلا وثابا.. لعل علي الجمال له عتاب»، فلاشك أنه سلك مسلكًا بين الاثنين، ومع ذلك، لا ينفي التاريخ الورع والحكمة عن أبي نواس، فهو القائل عن الدنيا: «إذا امتحن الدنيا لبيب.. تكشفت له عن عدو في ثياب صديق»، وقد أعجب الشاعر أبو العتاهية بهذا البيت، حتي ود لو سبق أبا نواس إليه، وقال عنه إنه أشعر الناس، ومما ذكره العقاد في كتابه: «أبونواس الحسن بن هانئ»، أنه قال شعر التوبة في أخريات حياته، فجاء كخاطرة من خاطرات الندم، نستشف من شعره خاطرة الأسف الصادق والحزن الخاشع، ومع ذلك، يظل له مذهبه في الخمر، وتظل خمرياته درر الشعر العربي الذي أثري خيال شعرائنا، بدءًا من شوقي، مرورًا بشعراء أبوللو، وانتهاء بالشعر المعاصر، ومن أعذب ما قال علي محمود طه في الخمر، بيته في قصيدة الجندول: «مر بي مستضحكًا من قرب ساق.. يمزج الراح بأقداح رفاق»، ووصفها بالنور المذاب في «ليالي كليوباترا»: «أسمر الجبهة كالخمرة في النور المذاب»، وأيًا كان سلوك الشاعر العربي في وصف الخمر، خيامًا أو نواسيًا، لا نستطيع أن ننكر الدور العظيم الذي لعبته الخمر في إثراء الشعر العربي. -: :: : 0 0 0 : -: -: -: :: نقلا عن جريدة القاهرة 7ابريل 2009
|
|
 
|
|
|
|
|
|
|