تموليلت: سيرة وحَجَر

حفل دعم الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبري بالفنان عمر احساس
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-09-2018, 03:48 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة الاديب محسن خالد(محسن خالد)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-06-2006, 05:59 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محمد سنى دفع الله)

    ..


    محمّد السني،
    إزيك يا فنّان وسمح، اتوحشناك بزّاف آسيدي،
    إنّي لما فَصَلت الطائرات مطار الدوحة، "ليلي انطبق ليلين"
    بارك الله فيييك، عشان جاملتني في موضوع المكتبة الوطنية دا،..
    زول واحد هببوا لي ما في، أها أستسمحك أطربق معاك شوية
    حَرّم بلدنا دي فعلاً تستاهل "سلخانة إنقاذ"، وياهو شبهها..
    عارف؟ كتاب منصور خالد: The Government They Deserve
    كما تكونوا يُوَلَّ عليكم، بس إياها،...
    أريتها المكتبة ما اتعملت، وأريتو الشعب السوداني ألتخ وأبوم وأدلم من الحالة الفيها هسّع دي،
    أنا مجرّي وما يخصني،..
    وعندي مكتبة براي، تاني شنو؟
    أما كتبي الألّفتها فدي ح تكون محفوظة في جميع المكتبات العربية،..
    يقنجروا السودانيين،..
    أها بس يا ود السني صاحبي قلت أفرّق معاك زهجتي منهم وإحباطي فيهم كأمّة،..
    بس ما عليك إلا تقوم بخفسة –بسيطة- في سودانيزأون لاين دا، وبتعرف نحن كدا ليه؟
    بالله غباء! وتكرار! وفارغة! وعداءات! وقبح! وحقد! وعُقَد!
    غايتو اللهم وعزّتك ما شفت أقنط من أمتنا دي،..
    زول واحد بسوي ليهو في حاجة ومنشغل بيها ومركّز معاها مافي، طيب نكون كيف ومتين؟
    وأي زول قايل الحاجات بتتحقق بالنضم، وأي واحد مفتكر روحو أحسن من الناس،
    وأي زول عامل فيها سيد بلد والتانين متضهبين ساكت،
    عليك الله هسع بلدكم دي في زول نصيح بقول أنا سيدها،
    حَرّم الله ذاتو بكون ناكر خلقو ليها،

    ود السني كيفنّك أبقه شديد وسويلنا مسرح، دا المطلوب منّك بس،
    ودي النظرية الكان وقعت للناس دي، إياها البتسوي بلد،..
    كلو زول يركّز في حاجتو البعرفها، مافي داعي الناس كلها تبقه فلاسفة علم اجتماع وسياسة، دا ياهو الطلع روحنا وزيتنا ذاتو،..
    كن بخير يا جميل، أبداً بخير


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-06-2006, 09:39 AM

محمد سنى دفع الله
<aمحمد سنى دفع الله
تاريخ التسجيل: 10-12-2005
مجموع المشاركات: 10947

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    زهجك لابك
    ونفسك حراق من حرقة حشاك
    وياها المحرية فيك التفكير المثالي للناس كلها
    يازول سيبك من الحال المايل وفكر لينا
    وبعدين اقوليك المكتبة بتتعمل
    هسي بقوم ليها زول اعملا الفكرة حقتو واعملة واسجلة في اسمو
    ياها الفكرة البتهمنا مكتبة وقامت خلي اسجله لي اولادوازاتم
    يازول لاتحرق اعصابك
    ولاتقنط من رحمة ربك ربك رحمن ورحيم
    وانا المسرح ما بخلي وكمان جابت ليها فلهمة متوجه على السينما
    وفيلم من كتابة الفنان امين محمد احمد
    يازول سيبك من الناس الوهم نحن خلقونا للناس الحلوة وما اكترا
    ياعصفور حلق في السماء وخلي الواقع اصلو مرمي الله ما بترفع
    عصفور لاتشيل هم
    وحاتك بكرة اعرض واجمل
    قلت شنو ؟؟ ايوة كده غدا اجمل وفيهو الأجمل منن ا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-06-2006, 11:54 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محمد سنى دفع الله)

    ..

    محمّد السني دفع الله،..
    ياخي تاني اتوحشناك، عزّيتني الليلة بالحيل،..
    وشاركتني همّي زي ما بقول الشاعر،
    الزول الكريم وداخرنو لنهمات أنصاص الليالي، يجي متلّب الحيطة ويشولب معاك بقلبو، يقولك: خَلَّك.. كفاك تب يا زول،
    سيب قلبك يريّح شوية وأجدع كوليقة كوليقتين من همومك علي قلبي أنا..
    وإت ذاتك إياكا قلبي أنا...
    يا قلب...
    بس هم المساخيت الليسووها، كونو يقولوا فكرتنا وحقتنا ما همية، مَرّات أقول أكتب خطاب مدنكل لعمر جنا البشير، ويوقعوا عليهو الجنيات المثقفين والعنقالة ديل كلهم وبدون فرز، وننتلوا بيهو في كل مكان، ونسخة نسلمها ليهو في يدو اللتعلّمت علي سواقة "الزوارق المائية البكسروا ليها البيوت دي"،..
    تاني أحك رأسي، وأقول بالطريقة دي بنكون اعترفنا بيهو كرئيس، وهو زول جاء متلّب بالحيطة، ودي يسمّو فيها،..
    أقوم أغيّر عنوان الجواب –خيالياً- وأقول نوجهو لسلفاكير،..
    يمكن قريب أمشي الخرطوم، شكلي اتوحشت المقبرة والنيل بزّاف،..
    أها حالف يمين ناس هالة محمد عبد الحليم وياسر عرمان ديل ما يسلموني لسلفاكير في يدو وأهرج معاهو في شان "المكتبة" دي بالعربي والإنجليزي، ما أجي راجع ساي،..
    كدا ما أحسن؟

    يا زول بس واصل في مسرحك وسماحتك الروحية دي، والسودان ما بكون طالبك أي حاجة، أخو سناء خالد النابغة داك يواصل في طبو، والمهندس يواصل في هندستو، وإلى آخر بناء البلد بالعرق والكد مش الهرجلة،..
    أجمل التحيات للأستاذ "أمين محمد أحمد"، الزول دا صاحبي من بعيد، كل مرة أقول أمشي أزورو أو نتقابل ربنا ما تمّ، بس والله ديمة ببلغني سلامو عبر "د. طارق الشفيع" وببلغو سلامي،..
    كن بخير،
    وفَرَّقت علي الزهجة شوية بخبر الفيلم دا، وشجّعتني أقوم أرسّل ليك النص القلتو ليك،..
    سلامي يا وسيم الروح


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-06-2006, 06:59 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    [FONT: courier]أي كتابة يوميات هي خيانة للتاريخ الرسمي،
    الذي يُرتّبون فايلاته في الأرفف بمهارات الجيوش
    والثورات المطبوخة من قديد الذين أُشعلت باسمهم،..
    غالباً ما يفوت كتب تاريخ الثورات أن تُبتدر بإهداء إلى شعب كذا،
    وأن تُذَيَّل بتوقيع ثوار كذا،
    لأنّ الثوار عادةً ينسون بينما هم في طريقهم لأن يغدوا ديكتاتوريين محترمين،
    بدلاً عن حالمين سُذَّج وتعوزهم دراية الانتفاع من التاريخ.
    والشعب نفسه ينسى بينما هو في طريقه لتجريب أمزجة أخرى في كيفية سجنه والاستبداد به.
    فاليوميات هي التاريخ الذي يُعِدَّه الكائن عن طيب خاطر،
    وبروح تخلو من شعارات الثورة لتكون لصق الحُلُم إلى الأبد،
    وراعيته الفَرِحة به على الدوام.
    كتابة التاريخ يُعِدّها الغزاةُ لتقع بكاملها في باب الحيازة،
    أما اليوميات فهي ما يملأ مواطئ أقدام المغامرين الجَوّابين من رمل فحسب،..
    تاريخ الغزاة لا بُدّ له من غنيمة يُكتب على ضوئها،
    بعكس مشاهدات المغامرين المجانية
    ووليدة كل ما يمكن أن تُفصح عنه رِجْل الترحال من نِعَم وأمنيات.
    واليوميات أيضاً تمثل خيانة الذات لجغرافية طفولتها،
    بتعريضها للقراءة لصق ذوات أخرى كثيرة وثانية، فهي فضحٌ للذات على صعيد المختلف،
    واكتناه لأُمومتها المكانية المحفوظة عبر إرضاعها من أثداء للأرض ما كانت بالخاطر،
    فبالارتحال وحده نزيد شهوة الدم شهوةً ونصنع له خبزاً من التراب.
    أيا خبز التراب...
    إنّي هنا، مسغبتي للجديد من مائدة الأرض تسقف رحابة السماء،
    وأعرفها على وجه البحر مثل الزيت،..
    في اليوم الذي قلت فيه، لا بُدّ لي من أرض ثانية، مُترفة بالحكاية،
    وعاكفة على نولها تخيط لكل قدم جديدة موطئاً من مناجم وكنوز،
    ناداني شوقها مِبِوّقاً –طاوياً في شكل بوق مخروطي- سمائين بدلاً عن يديه،..
    أهو تلفنت ليها،
    وجاءت هي باستعجالها المتدلل بكل مواصفات روجه الأنثوي ومكياجه البسيط،..
    أناكفها، قولي بس.. متين بلاقيك وإنت بت غير مهمة ومستعجلة، طيييبة، وكأنك حبيبة الدهر كله،..
    تضحك من عينيها بس ولفوق،..
    أصلك ما ح تصدقني يوم، قلت لك عندي مشوار مهم ويمكن أتأخّر
    لبكرة برضو منتظرك، بقولك مسافر
    لا ما تنتظرني، أشوفك بكرة في المطار، لأني ح أوصّل صاحبتي لبيتهم،..
    حتى لو دايرة توصّلي إبليس للنار، برضو ح أنتظرك خرمان وسيجارتي دي في يدّي،
    ما تولّعها إلا جمرة تجيبيها لي معاك من جهنم،...
    لايوق خلاص!
    أيوة لايوق، شدّي ملاحك في ماعون بحر، وليك علي ألايقو ليك كلو، من الضفّة دي للضفة البهناك،...
    صاح والله تلايق بحر،..
    سريع يا بت بطّلي لماضة، السيجارة دي راجية خشمي نيّة،
    وخشمي راجي خشمك مسيخ وني، وبلا أوكسجين،..
    قال ني قال، والله إنت تنجّض خلق الله دي كلها،...
    تبرم مفتاح العربية في يدها، وتموح منتنية...
    تلك الحركة التي تُغرز فيها اليد بوسط الإنسان،
    (غز الكوع) ما يصبح به الإنسان كله علامة استغراب مستهزئة،
    أو حركة تعجب مناكفة في مرح، الجنبة دي كويسشن مارك، والجنبة دي كويسشن مارك.
    مع خصرها الذي يصبح كلّه في قبضتها، طولها ولينها..
    والمناغمة المغرية في عينيها، ينبهل الصمت،..
    يا الله بس.. إنت سمحة لاعن وين؟ وقدر شنو؟ وماكلة إيه عشان تفضلي دائماً سمحة كدا،..
    أما اليوم، بعد أن أكلتُ أنا من خبز التراب،
    فلكم صرتُ دميم القلب والعاطفة،
    حتى إنني لم أعد أذكر إن كانت قد عادت إليّ ليلتها أم لا...
    أصبحت أتذكّر إلى أمامي فقط، والحلم مني أضحى بغلاً، يُمثّل دابةً مخلّطة من أجناس أُخَر،
    ما عاد بوسعها التناسل، ولا خلق علائق وأبعاد "غير طوبولجية" بما حولها،..
    الدابّة التي انتماؤها –التاريخي- أعمى مثل حَجَر،
    وأمنياتها –المستقبلية- كلالة في الهاملين،..
    ليس من تحتها إلا أرض مفتوحة أبداً،
    وتعمل على تسليفها الخطى ارتجالاً واعتباطاً دون ما انتخاب،...
    وكلّما زاد المسير لا تتراكم الخُطى، بل ينثقب الدرب،...
    هكذا تمضي حاضناً للأرض دون حدٍّ تعرف لديه كم من أضلاعها أصبح مِلْك عناقك،...
    أيا خبز التراب....[/FONT]
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-06-2006, 02:36 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    ..



    تتصور؟
    أيوة ناخد صورة، بس كيف؟
    سأضع يدي مطروحة على جبيني، آه ولكنها قديمة، سبقني إليها أحمد شوقي. وضع الوجه بشكل مائل وحاد، بخفوت، مع عيون متوهجة، ولكن هذه أيضاً لجيفارا. قلت ضاحكاً: سأحشر إصبعي بقوة في إحدى غمازتيَّ، لا تهتم ولا تسخر.. سأضغط بإصبعي حتى تنحفر إن لم تكن موجودة. النساء عادة معنيات بالوجوه وليس البورتريه، سأسأل ساشا صديقتي الروسية. هؤلاء السابقون لم يتركوا لنا أفنونة وجه، أو حذاقة هيئة، يا لله إلا وجه ابن آدم المسكين، من يحدَّه القدر البارد من جهة يُولد، ومن يجلله المصير الكابي إلى حيث يموت. هذا استايل شاغر، هيا ناولني له سيجاراً كي أُحَدِّق به. كالنبيذ حين كان يُحدّق من العنب، لا يشغله أدنى تفكير في قدح أو كأس. لا بأس سأقف للكاميرا كما تقف شجرة ساهمة أو ناحية جبل مهجورة.
    دعنا نطل إذن بوجه غير مستعمل
    بوجه ممتلئ بحموضته وسُكْره
    كالنبيذ حين كان يحدّق من العنب
    لا يشغله أدنى تفكير في قدح أو كأس


    ....
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-06-2006, 02:11 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    ..


    من كم يوم مضن، قلت كدي أشوف رمز الصمود في بلادي عامل كيف؟
    الناس دي كلها، سابت الخرطوم، وأنا أوّل الهاربين من المعركة،..
    النضال من أمريكا وكندا وأبوظبي "نضال طرطيبة" ولذيذ،..
    إلا فت زول أصلو ما ساب بلدو إلا هو مرضان، يسجنوهو قدر ما يسجنوه..
    يذلونه قدر ما يذلوا، أهو دا أبونا (محجوب شريف)
    واتكلمنا، اتونسنا زييين، حكالي قصص وحكيت ليهو،..
    قال لي أنا ما عارفك إنت هسع قاعد وين؟
    قلت ليهو في أبو ظبي،..
    يا سلالام، قالها وحسيت بيهو فرح،..
    سألني بتعرف عبد الجبار عبد الله،..
    أيوة دا صاحبي،..
    طيب أمو وأختو بقوا كيف؟
    أمو وأختو مالهم؟
    وراني إنو وقع ليهم حادث عربية
    قلت ليهو أبدا ما بعرف، ووريتو نحن ببره جافيين،..
    بس ياهو دا كلامنا، فلان صاحبي وفلان بعرفو، لكن عادي يمرّن السنة وسنتين ما تكون عارف جار غربتك الباقي عليهو شنو،..
    قال لي لازم تضرب ليهو هسع وتسألو وتوريني النتيجة،..
    يا الله بس، ويا محنَّة الناس الزمان، هسع إنت في رقبتك يا محجوب وألا في عبد الجبار،..
    اتأثّرت، وتلفنت فعلاً لجبّار، بس ما لمتو إنّو ما كلمني، لأنو دا السيستم زي ما بقولوا الأمريكان،..
    ورَّاني ورجعت تلفنت لمحجوب وطمّنتو،..
    نسى قصتو خالص،
    إنت كيفك هسع؟
    قال لي أنا كويس، بقولوا في تلويث، وبتعالج،..
    لكن لازم ترجع تقول لعبد الجبّار، أمو لازم تشوف دكتور فلان وفلان، عشان يطمنوهو، قُتْلو، حاااضر،..
    ضربت قلقان عليهو هو، لقيتو شايل هم أم عبد الجبّار، لله دَرّك من رجل


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-06-2006, 05:09 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    ..

    كما سأل صديقه، وما الذي يريده هذا الفاجر للسودان؟
    هذا الفاجر لا يُريد السودان ولا البيضان،..
    لم أعد مؤمناً بالتراب إلا كبنك للموتى، وبنكٍ للشجر
    الأصل هو الإنسان، وما الأرض إلا فتنته التي كانت في القديم، ورصيد فتنته الحاضرة والمحتملة،..
    الدعوة إليكم لإقامة بلد كافر ومُلحِد، بلد لا دين له عدا الإنسان
    الإيمان خطتنا الشخصية بأي حال، ويجب أن لا نفرضها على غيرنا
    وكلٌ آتينا يوم القيامة فردا


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-06-2006, 05:06 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    .

    صبأ، وصَبُؤَ،.. صَبْأً........... وصُبُوءاً
    بمعنى خرج من دين إلى آخر، أو تديَّن بدين الصابئين،..
    (كنزا رَبَّا) بدون مناسبة كدا، مزاجي من قبل أيام كاد أن يعتدل، لعثوري أخيراً على كتاب (كنزا رَبَّا) وهو كتاب الصابئة المندائيين، الذي يعادل (القرآن) لدى المسلمين، و(الإنجيل) لدى المسيحيين، و(التوارة) لدى اليهود،..
    الما سمع بالكتاب دا يكابسو يشوفو لذيذ كيف!
    دي نصيحة لمرضى الكتب مثلي، وبس


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-06-2006, 03:15 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    ..


    لأيام لم أرَ حياتي شاسعة بما يكفي،..
    ناقصة وكئيبة، وإن تبدُ من الخارج مترفة وشَبِعة وبوسعها أن تغوي عروساً،..
    تذكرتُ صديقي علاء الدين جمعة حين كُنّا طلاباً في مدرسة شندي الثانوية،...
    صديقي وقريبي عبد الرحمن أحمد التلب، منذ الابتدائية وحتى الثانوية،...
    أستاذي وصديقي عثمان حامد مدرّس الفنون بمدرسة شندي الثانوية،..
    علاء الدين كان الأول في الرسم على مستوى المدرسة، لا منافس له أبداً،..
    مدثر يحيى ومحسن خالد كانا رسامين ممتازين ولكن بمستوى أقل من علاء الدين بكثير
    كنا نجلس كثيراً في مكتب أستاذ عثمان فنون-حامد،...
    لا أدري ما الذي قادني ليلة أمس لذلك المكتب، ولأكتشف...
    حينما دخلنا الجامعة، تخلّف علاء الدين لأنّه تُوفي بعد الامتحانات، وحَقّق درجة عالية جداً، أصبحت عاطلة وأرملة بعد رحيله،..
    مدثر يحيى دخل اقتصاد الخرطوم، وأنا اخترتُ اقتصاد الجزيرة من أجل دراسة التنمية الريفية
    وعبد الرحمن دخل اقتصاد أم درمان الإسلامية،..
    قبل نصف عام تقريباً رحل عبد الرحمن أحمد تاركاً تلك الذكرى وحبيبة خلفه، ياما بكت
    قبل أشهر رحل عثمان حامد تاركاً خلفه أسرة ولوحات كتيرة، تلاميذ ودنيا
    لم يتبقَ إلا وغدان، مدثر ومحسن،..
    البارحة حزنت جداً، لأنه لا يمكن استعادة تلك الجلسات التي ضمتنا معاً،..
    رَكّز لدى كل لحظة يا قلب إذاً،..
    وداعاً غالياً أيها الأصدقاء
    كل عام وأنتم بالساهرة


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-06-2006, 01:45 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: يا عزيزى محسن خالد (Re: محسن خالد)

    .


    يقول عمانويل كانت (1724 – 1804م)
    (ما من دليل عقلي أو عملي على وجود الله، وما من دليل عقلي أو عملي على عدم وجود الله)،..



    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-06-2006, 00:41 AM

ahmed haneen
<aahmed haneen
تاريخ التسجيل: 20-11-2003
مجموع المشاركات: 7977

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-06-2006, 07:14 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: ahmed haneen)

    ..


    أحمد حنين،..
    يا ود الحنين كيفنّك، وأحاويلك مبارية الخصب أريتها،..
    يا زول أنا مؤمن بألله دا جنس إيمان، لو قسّموهو علي الدنيا دي كلها يكفيها، بما فيها الأنبياء
    أكيد إيماني بالله دا أحسن من إيمان الأنبياء ذاتم، لأنهم كالموا الله وكالمن، راسلوا الله وراسلن، فجاتم الأكيدة،..
    أما المساكين الزينا ديل، فكاسوا الله وفيها قابلن، أو صعب عليهم الدرب، في النهاية الكل له أجر البحث عن الله،..
    صلاتنا صلاة الذي وثق دون أن يسمع أو يرى، وما هفهفت فوقه أجنحة جبريل،..
    كلام عَمّنا (ود كانت) دا، جبناهو عشان الناس تعرف إنو الله دا إحساس وذوق ورهافة وشفاف،..
    الله دا شعر يا زول، الناس البتتكلم عنو زي ما نضيف بيرمنجنات البوتاسيم للمابعرفو شنو كدا من اليود وألا الخارصين، يطلع الناتج كدا، ديل، بحشّوا مصاريني، الله دا قصة ناضمة في قلب أي زول، ساكتة في نضم أي براهين، ليها حسس في كل شفاف، محجوبة عن إدراك كل بليد،..
    حبابو الله، من هنا لامن ننجمع عليهو، نلقاهو بالسمحة، ويلقانا بالأسمح منها..


    مشكور كتير علي الغنية الحلوة دي، البنيات ديل ياخي ماحن جنس موح، قلبي ما بحملو الأيامات دي،..
    حَرّم كلو قايم ضريسة وسندي سندي، من الجنون المطبق قيد شبحة، وبرضك مشكووور
    الهدية مقبولة، وعليها شوال بوس كمان،..
    أبقه طيب وبخير،..
    ضراعك مد العافية يشولب
    وقلبك مد المحبة يفوح



    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-06-2006, 03:05 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..


    أحمد ضحية،..
    يا زول فنان وكتّاب إنت، يسعد صباحاتك،..
    لقينا علي بابنا شخبطة طبشيرتك، بالزيارة والسلام،..
    لكن ضلّيت عن مكانها ضُمّة،..
    ليك السلام، بأي حال، وبلا مقدار


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-06-2006, 05:14 AM

مهيرة
<aمهيرة
تاريخ التسجيل: 28-04-2002
مجموع المشاركات: 463

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    Quote: الله دا قصة ناضمة في قلب أي زول، ساكتة في نضم أي براهين، ليها حسس في كل شفاف، محجوبة عن إدراك كل بليد،..
    حبابو الله، من هنا لامن ننجمع عليهو، نلقاهو بالسمحة، ويلقانا بالأسمح منها..


    ود البتولا اختى:

    نضمك دة سمح بالحيل،

    ربنا الكريم قال انها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور)

    ولا ماكدى؟

    ورابعة العدوية دحين ما قالت:

    أحبك حبين حب الهوى.... وحب أنك أهل لذاك

    دحين صححنى ياولدى كان خربت الذاكرة بقت مغبشة

    خليتك بعافية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-06-2006, 06:05 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: مهيرة)

    ..


    خالتو مهيرة، ألف سلام وحبابك، وأريتك بالسلام وبيوتو


    غايتو لساي علي كلامي الزمان معاك، إنو الله دا ما فيهو غلاط، ويصعب الإلحاد به، إلا الأديان دي كلها الغلاط بقوم وبقع معاها، ويمكن الإلحاد بها. هذه الأيام عاكف على قراءة كتاب "كنزا رَبَّا" والحمد لله الفكّاني من Blindness and Insight لبول دي مان، (العمى والبصيرة) في بلاغة النقد المعاصر، باقي ود أختك دا عويير وكان مسك ليهو في شيء إن روحه ما مرقت ما بفارقو بأخوي وأخوك، ولسبب آخر إنو كتاب "كنزا ربَّا" شاحدو شحدة من الشاعر إبراهيم المصري، والناس واقفين ليهو بالصف، زمان بالطبع ما كان ممكن يصدر في العراق، وهاهو باللغة العربية لأوَّل مرة، وجميل أيضاً أن أُشير إلى أنّ هذه النسخة من الكتاب كانت للإعلامية العراقية الراحلة والمعروفة "أطوار بهجت"، التي كانت صديقة للشاعر إبراهيم المصري الذي بادلها هذه النسخة برواية -الدون الهادي- لميخائيل شولوخوف، وهو يروي هذه القصة كاملة في كتابه "رصيف القتلى"،..


    طيّب خلينا نمتّع الخلق دي معانا، قُبَّال ما يقوموا علي الكتاب دا يغطّسو حجرو لآلاف السنين الجاية، زي ما غطسوهو لآلاف السنين الفاتو، أهو نكون ختّينا منو آيات على (الأسافير) الأرض المُنْقَذَة من المعرفة والحرية،..

    ملاحظات من قراءتي:

    فكرة تعريف الله، من خلال أسمائه الحُسنى في (القرآن) تناظر حرفياً مثيلتها في (كنزا ربّا)، بل وبالمفردات وطريقة الإدلاء السردي نفسها، وكما هي:
    (1) هو الحي العظيم، البصير القدير العليم، العزيز الحكيم (2) هو الأزلي القديم، الغريبُ عن أكوان النور، الغني عن أكوان النور (3) هو القول والسَّمع والبصر، الشفاء والظَّفَر، والقوة والثبات (4) هو الحي العظيم، مسرَّة القلب، وغفران الخطايا.

    (7) الحَنَّانُ التوَّابُ الرؤوف الرحيم، الحيُّ العظيم.

    (11) لا شريك له في سلطانه، ولا صاحب له في صولجانه (12) من يتّكل عليه فلن يخيب، ومن يسبّح باسمه فلن يستريب، ومن يسأله فهو السميع المُجيب.

    (17) هو الجلال والإتقان. هو العدل والأمان. هو الرأفة والحنان (1 الأوّل منذ الأزل. خالق كل شيء (19) ذو القوَّة التي ليس لها مثيل. صانعُ كل شيء جميل.

    (21) هو النور الذي لا ظلمة فيه، الحيُّ الذي لا موت فيه، والخير الذي لا شرَّ فيه (22) هو الهادئ دون غضب، اللذيذ الذي ما نضب (23) البهي. الساكن في الشمال العلوي.

    (34) هو الملك منذ الأزل. ثابتٌ عرشُهُ. عظيمٌ ملكوته (35) لا أب له ولا ولد. ولا يشاركه مِلكَه أحد.

    الآيات الكريمة أعلاه مأخوذة من (كنزا رَبَّا، التسبيح الأوَّل، التوحيد)، قارنوها بالقرآن...



    أمَّا الآيات أدناه، فشوفوا وأتمحنوا حد المِحْنَ تقيف، آيات قرآنية بطولها وعرضها، وصَمَّتها،...

    (50) قال الحيُّ: ليسجد ملائكة النار لآدم، لا يخالفون له قولا (51) فسجدوا إلا الشرير فقد أبى (52) فأسره ربُّه أسرا.. (52) أنا الرسول الطاهر. أمرني ربي أن اذهب ونادِ آدمَ وحواءَ زوجه بصوتٍ سني (53) عَلِّمْ آدمَ ليستنيرَ قلبُه (55) وقَوِّمْهُ ليستنيرَ عقلُهُ وجَنانُهُ (56) كُن أُنساً له أنت والملاكان، اللذان معك إلى العالم سيهبطان (57) عَلِّمْه وزوجه وذريّته الحكمة كيلا يغويهم الشيطان. (كنزا رَبَّا)


    وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (طه : 116)


    وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (البقرة : 34)

    وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة : 31)

    (61) قُل يا عباديَ لا تزنوا ولا تسرقوا، ولا تنتهكوا حُرمات الناس.
    وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (الإسراء : 32)


    (62) لا تكنزوا الذهب والفضة، فالدنيا باطلة. ومقتنياتها زائلة.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة : 34) (القرآن)

    (64) لا تسجدوا للشيطان، ولا تعبدوا الأصنام والأوثان (65) من يسجد للشيطان فمصيره النار. بئس المنتهى، وبئس القرار، خالداً فيها إلى يوم الدين.. ساعة خلاص العالم. ساعة يُحاسبُ الدَّيان، نشمسا كل إنسان.
    أيها الكاملون المؤمنون
    (66) لا تتعلموا رُقَى الشيطان (67) ولا تشهدوا زوراً على إنسان (6 وإذا جلستم للقضاء فأشهدوا منكم ذَوي العدل والذِّمام (69) ولا تسيئوا الأحكام (70) إنّ من يسيء الأحكام مصيره النار.

    يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (مريم : 44)

    وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (الفرقان : 72)

    ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (الحج : 30)

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة : 282)


    (170) لا تحلفوا كذباً، ولا تُبدِّلوا إيمانكم، ولا تأكلوا مال الربا (171) وإن أقرضتم فلا تُقرضوا سراً. (كنزا رَبَّا)

    إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (آل عمران : 77)



    (92) وإذ تهبون صدقةً يا أصفيائي لا تُشهدوا عليها (93) لا تعلم يمينكم بما وهبت شمالكم، ولا شمالكم بما وهبت يمينكم (94) بئس من وهب صدقة فأفسدها بالتشهير.

    يطابق (الحديث الشريف) بالكربون، والقرآن حول فكرة المنّ والأذى،..

    (137) لا تأكلوا الدَّمَ، ولا المَيْتَ، ولا المُشوَّه ولا الحامل، ولا المرضعة، ولا التي أجهضت، ولا الجارح، ولا الكاسر، ولا الذي هاجمه حيوانٌ مفترس (13 وإذا ذبحتم فاذبحوا بسكينٍ من حديد. (كنزا رَبّا)


    (حُرِّمت عليكم الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به، والمنخنقةُ والموقوذةُ والمترديةُ والنطيحةُ وما أكل السبعُ إلا ما ذكيتم وما ذُبِحَ على النُّصُب) (المائدة: 3)


    (207) لا تُمجّدوا الشمس والقمر (20 هو الله الذي أمر.


    بالمختصر المفيد، (كنزا رَبَّا) 97% منه تقريباً يطابق بالكربون، أو يطابق بالمعاني القرآن، الحكاية شنو؟ يدّي فترت من النقل،...

    خلونا نقيف مع الآيات الأخيرة دي، لأنو فيها ملاحظة عجيبة شوية، حسب فهمي،...

    (207) لا تُمجّدوا الشمس والقمر (20 هو الله الذي أمر. (كنزا رَبَّا)

    وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (فُصِّلت : 37)

    الملاحظة هي أنّ مشركي الجزيرة العربية لم يكونوا يعبدون "الشمس" ولا "القمر"، بل "اللاة، وهبل، والعزى، ومناة... وإلى آخره من الأصنام، التي لم يكونوا يعتقدون بأنها آلهتهم، فهم يؤمنون بأنّ إلههم هو الله -"الرحمن"، وما هذه الأصنام إلا وسيلة تُقَرَّبهم إلى الله زُلفى،..
    طيّب الآية دي ما الذي يُبَرِّر لوجودها في القرآن!؟


    أها آيات القرآن المطابقة لآيات "كنزا ربَّا" بالكربون دي، تطلع ياها نفس المشكاة التي تكلَّم عنها النجاشي، حينما سمع القرآن لأوَّل مرَّة، فقال إنها نفس المشكاة التي خرج منها كلام المسيح بن مريم.. وألا كيف؟ طيّب لو دا صحيح لماذا لم يُعر القرآن هؤلاء الصابئة نفس الاهتمام الذي أولاه لليهودية والمسيحية؟ لماذا لم يُشر إلى أنهم ديانة سماوية تم تحريفها أيضاً، لماذا لم ينزلهم القرآن إلا منزلة الاستهزاء، وضَرَبَ عنهم صَفَحَاً ولم يجادلهم، ولم يبحث في أصول ديانتهم أو يُخَبِّر بها كما فعل مع المسيحية واليهودية، لماذا كان صراعه مع الأديان المسيطرة سياسياً وحكمةً في زمانه وحسب! بل بقراءتي (لكنزا رَبَّا) –النص، فأنا لم أُقابل أحد الصابئة المندائيين في حياتي- وجدت أن الصابئة أقرب للإسلام من اليهودية والمسيحية، ولا يعانون من إشكالات كبرى بالنسبة لمفاهيم توحيد أساسية، حسب وجهة نظر القرآن، كتأليه المسيح وأمّه أو عُزير؟
    الصابئة يوحّدون الله ذاتاً وصفاتٍ، بالطريقة الحرفية التي اتّبعها القرآن، ودا الفارق الأساس والفيصل بين الإسلام وغيره من الأديان السماوية، نَبْذ الشريك لله ذاتاً وصفات،..

    من المهم الإشارة لأنّ أوجه التشابه مع هذا الكتاب لم تكن خصيصةً للقرآن فحسب، أبداً، بل التوراة والإنجيل أيضاً، حتى فكرة الصليب نفسها مأخوذة بحذافيرها من هذا الكتاب، وأُشير لأنّ هنالك رسمة وحيدة في مدخل الكتاب للصليب المعلّقة عليه ملفحة، والكتاب يبدأ من الجهتين، اليمين، واليسار، ومطبوع من الجهتين، بحيث لما تبدأ قراءة اليمين، بكون الكتاب من جهة اليسار بالقلبة،..


    غايتو يحلّها الشربَكَة، نضرب بيرتنا، نهجّج بارتينا، ونبسط جكسينا، إن بقه فيها قيامة بمواصفات جنّة /نار، عندنا غلاط كتير نغالطهم ليهو، ولو قالوا "سِدْ خشمك" وهاك نار تأبيدة يا ود خالد، نكون داخلنو فيلم الجيكس والبيرة والجداد المحمّر دا في كوستي، نتمدّد مع ناس رؤبة العجّاج وبشار بن بُرد زي ما جدعن أبو العلاء المعري في نار "رسالة الغفران"، وهاك يا شعر، وشطرنج، والمستعجل يمشي،..


    أكتبُ ذلك ولا أُريدُ للناس أن يتذكروا مني إلا أنني دوماً انحزتُ بصدق لألم الإنسان وحَيْرته تجاه وجوده ومصيره، وما كان بمستطاعي الانحياز إلى التغبيش والتدليس، لذا لم أرهب سماءً ولا أرض،...

    بحجم صدق الإنسان يكون مقدار الله فيه،...


    معليش يا خالتو مهيرة علي الطربقة الكتيرة دي، قلت أتونّس معاك، لأنو تركيبة الأديان مش فكرة (الله)، هي الجايطة رأسي،..
    العجبني من آيات كنزا رَبّا، أن وجدت فكرتي عن الله متضمنة:

    الخير الذي لا شرَّ فيه

    اللذيذ الذي ما نضب



    وكونوا بخير،..

    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-06-2006, 01:53 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..


    بما أنَّ الدنيا اتطورت جداً، ونحن كسودانيين تبدّلنا جداً، خلونا الليلة نلوك الكلام الشين دا،..
    قبل أيام اتصل علي واحد من أشباه الأصدقاء في هذا البلد، وقال لي فلان الفلاني داك، "صاحبو هو وقريبو من بعيد" طَلَّق البت العَرَّسها ليهو أيام،..
    أها مالو، إن شاء الله الداعي خير، سألتو،..
    قال لي، ياخ نحن نصحناهو، مَرَه غريبة دي ما بتنفع، وحَرَّم زول بعرّس ليهو بت خرطوم دا إلا مشوطن في رأسو.
    هو ريفي زيي كدا، وبرضو قريبو،..
    الحكاية إنو البت طلعت بالعربي الواضح كدا "مفتوحة"،..
    قلت ليهو طيّب دا ياخي علاقتو شنو بالخرطوم، دي قصة كونية وعادية، والناس اتجاوزتها زماان،..
    قام يعدِّد لي هو من رجال مشتركين بنعرفن من سوق الخضار في شندي، ابتدر كلامو كدا،..
    بالله؟ يعني هسّع لو دي بت عمك فلان داك؟ وألا علان داك؟ وألا فرجكان داك؟ دا ببقه علي الزول دا،..
    قلت ليهو ما ببقه، لكن بنات الرجال ديل ذاتن كان هو عَرّسها وجابها في الهملة البرَّه دي ما بتعرف الببقه عليها شنو؟ بت الخرطوم إن دايراك بتركز أكتر منهن،..
    قال لي أنا ذاتي غلطان، لو ما غلطان أشور صعلوك زيك إنت،..
    قلت ليهو ياخي صعلوك شنو؟ وتشورني وألا ما تشورني في شنو؟ بت لقيتوها كيت وكيت ورجعتوها لأهلها، تاني في شنو؟
    قال لي يعني هسَّع لو دا إنت ما بترجعها؟
    سكت ساااي، ودوّرتها في رأسي، طيب يا محسن خالد، لسان الإنسان على الأرض كما تدّعي، قصة أولاد أعمك دي معروفة ومنتهية، كويس إنهم رجعوها لأهلها وما ضبحوها، أها لو دا إنت يا كم كتابة وكم فلسفة وشنو وشنو، وقال تيموليلت، الليلة أبقه راجل وجاوب علي السؤال دا من قلبك الصحّ مش بلسانك الغالاط،..
    قلت ليهو ما عندي ليك إجابة هسع،..
    قال لي ود اللذين، ما قلت راجل تحرري، قلت ليه فعلاً راجل تحرري، لكن أنا ما بعرف علاقتها بالزول داك، عشان أفتيك،..
    قال لي خليهو الزول داك، أرمي طوبتو تب، السؤال دا ليك إنت هسع؟
    ضحكت، وقلت ليهو أنا ما مغفل زي زولك دا، لو محلو كان عرفت الكلام دا بدري بدري، وبشور رأيي،..
    تشور رأيك يعني شنو؟
    يعني الحاجة دي لو ارتبطت بكونها كضابة، بخليها عشان هي كضابة، مش لأنها ما طلعت السيدة مريم،..
    قال لي بطّل لف ودوران، السؤال واضح وداير إجابة واضحة، السيدة مريم –العذراء والمجدلية –الشرموطة التايبة، لو قالولك نعرّس ليك منهن، بتعرّس ياتها فيهن؟
    قلت ليهو اللتنين متطرفات وما عاجباتني، بعرّس بت جنوب إفريقيا ديك،...
    قعد يضحك، أها آلفالح وإنت ديك قايله ياها السالمة؟
    عارفها بتكون رمت ليها يمكن تلاتة بوي فريند بايظين، وورقها بكون فاتح وألا معرّج ذاتو،..
    إلا كلمة "السالمة" دي، وكأنها بتعادل بهناك "المعَوَّقة" واجعاني، بس برضو السؤال حار علي القلب، ولو من باب الغيرة الذكرية العادية، يعني غشاء البكّارة الحقير والتافه دا معقول الرجال ديل يكونوا عبيدو للدرجة دي، خصوصاً لامن تفكّر في إنو قطعة لحم قدر التعريفة أو أصغر كمان، ممكن الزول يطلّعها من أي أضان بقرصة ساي، معقولة بس؟
    تسوّد عليها تربيتنا النفسية والفكرية والتقيمية، حريقة فيها،..
    هسّع السؤال دا يجاوبوهو من وين؟
    إن قلنا بنعرّسها وننحاز للإنسان ضد كيلوهات اللحم الناقصة درهم لحم دي، تقولوا هيييع آلباطل، وإن قلنا ما بنعرسها ننحاز مع ناس الطهورة وبي صمّتها تقولوا غير إنساني، متخلّف، وغير تقدمي،..
    أيوووة، طيّب.....

    أوكي معليش للمتابعين، هسع جاني اجتماع، نمشي نثرثر شوية كموظفين أغبياء ونجي للموضوع دا راجعين تاني،..


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-06-2006, 10:10 AM

مهيرة
<aمهيرة
تاريخ التسجيل: 28-04-2002
مجموع المشاركات: 463

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    كدى يا ود البتولا اختى خلينا نشوف من هم الصابئة المندائيين ديل وحكايتهم شنو؟؟ على بال ما تجينا راجع بالجواب

    يقول الشيخ الشعراوى فى خواطره:
    .. هم قوم سيدنا يونس بن متى ، وسكنوا (نينوى) فى العراق ناحية الموصل، ويونس هو من قال عنه الله تعالى:-( وذا النون اذ ذهب مغاضبا ...) 87 الانبياء. وهو قد دعا قومه الى الايمان وكفروا به فى البداية، وخرج تاركا قومه وكان المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه، ولكنه رجح أن الحق تعالى لن يضيق عليه الأرض الواسعة، وسيهيىء له مكانا آخر غير مكان المائة الف أو يزيدون الذين بعثه الله اليهم( فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات أن لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين)87 الانبياء. فابتلعه الحوت وأنجاه الله كما هو معروف. وقوم يونس هم الأمة الوحيدة التى انجاها الله تعالى من الاهلاك وذلك بسبب توبتهم وايمانهم بعد ان راوا بشائر العذاب.قال تعالى:-( فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين) يونس- 98، قيل أنهم لما أظلهم العذاب ،وظنوا أنه قد دنا منهم، وفقدوا يونس، قذف الله فى قلوبهم التوبة، وفرقوا بين كل انثى وولدها، وعجوا :أى رفعوا صوتهم بالتلبية الى الله اربعين ليلة، فلما عرف عنهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب فى الحياة الدنياومتعهم ما عاشوا فيها.
    ويقول الشيخ الكبيسى:
    .. نينوى أول مدينة على وجه الأرض وشهدت ولادة ابناء آدم الى ادريس ونوح، وفيها أول حضارة قامت على وجه الأرض . مكث سيدنا يونس 33 سنة يدعو أهلها الى التوحيد ، فما آمن منهم الا اثنان، فغضب الرسول يونس وترك المدينة بعد ان حدد لأهلها موعد للعذاب بعد ثلاثة ايام ثم ادرك خطأه لان الله تعالى لم يامره بذلك.
    بعد ان ترك يونس المدينة وراى اهلها بشائر العذاب ، آمنوا وتابوا وردوا المظالم الى اهلها فكشف الله تعالى عنهم العذاب، ثم ذهبوا يبحثون عن يونس الذى التقمه الحوت بعد ان رمى فى البحر، ثم نبذه الحوت الى الارض مرة اخرى وانبت الله تعالى له شجرة اليقطين، فوجدوه وحملوه وعادوا به الى نينوى، فعاش فيها بينهم حتى توفاه الله ودفن فيها.
    وبقيت مدينة نينوى آمنة يرفل اهلها فى النعيم والمتع ، ولم يلحدوا بعد ذلك ابدا .

    http://www.prophetstory.com/index.html

    وقد تكون اجابة تساؤلاتك:
    Quote: لماذا لم يُعر القرآن هؤلاء الصابئة نفس الاهتمام الذي أولاه لليهودية والمسيحية؟ لماذا لم يُشر إلى أنهم ديانة سماوية تم تحريفها أيضاً، لماذا لم ينزلهم القرآن إلا منزلة الاستهزاء، وضَرَبَ عنهم صَفَحَاً ولم يجادلهم، ولم يبحث في أصول ديانتهم أو يُخَبِّر بها كما فعل مع المسيحية واليهودية،

    هى ما ذكره الشيخ الكبيسى من أن قوم سيدنا يونس- وأحفادهم الى اليوم- لم يلحدوا أبدا بعد توبتهم واستقاموا على التوحيد.
    والقرآن الكريم لم يستهزىء بهم بل ضرب بهم المثل فى امكانية رفع العذاب واستبداله بالنعيم والمتعة فى الحياة الدنيا لمن يتوب وينوب الى ربه، :-( فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين) يونس- 98

    والله أعلم يا ولدى

    (عدل بواسطة مهيرة on 20-06-2006, 10:12 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 03:50 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: مهيرة)

    ..


    خالتو مهيرة إزيك وصباح الخير،..
    عااارفة طبعاً جواب الاختيار بين العذراء والمجدلية غلبني، مش كدا؟ غايتو يضحك نهارك، والله ضحكتنيني لامن قلت أشَّوطن وأزوغ من الإجابة بموضوع الصابئة دا،..

    بسم الله الرحمن الرحيم، وقُبّال ما أقول أي حاجة، يعني ضربة العين الأولى كدا والبداية، بقولك حجة الشعراوي باطلة وما ياخدك شك أبدا، وحتى لو كان كلامو دا جايبو من كتاب تاريخ ديني أو من حديث صحيح، برضو باطل، لأنو "نينوى" هي إحدى عواصم الآشوريين -اللتنين وألا التلاتة غايتو ما متذكّر بالضبط بتأكد ليك منها-، وما عندها أي علاقة بالآراميين، اللهم تزامنوا تاريخياً مع الآشوريين ودخلوا في حروب وصراعات معهم، والصابئة المندائيون هم آراميون، وعاصمتهم "آرام نهرايم"، و(كنزا ربّا) مكتوب بلغتهم، وليس بالآشورية،..
    يعني لو في أي زول كان الشعراوي كان الطبري، ارتكب خطأ زي دا، بكون دقس دقسة ما بعدها، عشان ديل تاريخهم منحوت فوق الحجارة ومسجّل، والغلاط الساي بتاع الروايات والقصص فيهو ما بنفع، لأنو تاريخ محفوظ بما لا يدع مجال للشك،..

    بعدين كلام الشعراوي عن قوم يونس دا، يطرشني فيهو، قبل كدا ما سمعتبو، بأتّرو ليك،..

    بجيك بالتفاصيل هسّع يا خالتو مهيرة، يادوب دخلت النت وشفت كلامك دا،..


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 06:29 AM

مهيرة
<aمهيرة
تاريخ التسجيل: 28-04-2002
مجموع المشاركات: 463

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    يسعد صباحك ياود البتولا اختى

    النصيحة لله لا الشعراوى لا الكبيسى ما قالوا فى كلامهم انه الصابئة هم قوم سيدنا يونس، لكنهم حكوا قصة سيدنا يونس مع قومه ، وذكروا انه قوم سيدنا يونس استوطنوا نينوى، وهو ارسل اليهم فى تلك البلدة.
    حقيقة أنا الربطت بين الصابئة وبين قوم سيدنا يونس ويكون الخطأ خطأى واعتذر عنه، ولا دخل لشيوخى الاجلاء ديل بيه.
    وارجو قبول اعتذارى

    ما قلت ليك الذاكرة بقت مغبشة!!

    تحياتى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 06:50 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    خالتو مهيرة تاني إزيك،..
    أها نرجع للموضوع حتّة حتّة، أولاً خليني أصَحِّح نفسي، وبعدين نجي لتصحيح الشيخين الشعراوي والكبيسي،..

    الغلط الوقعت فيهو أنا هو اعتمادي علي الحمولات النفسية والتشويهية للتفاسير والثقافة الرائجة، طوالي قمت نسبتها للقرآن بدون تفكّر أو تدبّر، أول مَرَّة بقيف مع آيات الصابئة بانتباه ومن خلال النص القرآني وحده، اكتشفت إنو مسألة كون الصابئة فرقة ضلالية هذه مسألة إجماع فقهي سخيف تقريباً، ولا علاقة لها بنص القرآن، أرجو إضافة "المجوس" أيضاً لهذه المسألة،..

    أما الإشارة الثانية التي لاحقتيها أنت بذكاء، فقد كنتُ محقاً فيها دون ريب، وهي أنَّ القرآن ضَرَبَ عنهم صَفَحَاً بعدم مجادلتهم، فلم يبحث في أصول ديانتهم أو يُخَبِّر بها كما فعل مع المسيحية واليهودية، دي أنا فيها صاح ميّة ميّة، والشعراوي والكبيسي غلطانين، ولو ما كان قلت لي الشعراوي قال في خواطره، كان براي جيت قلت ليك دي مجرّد خواطر،..

    الإشارة هنا لمن لم يفهم، أنَّ الموضوع لم يخلُ من البُعد السياسي، حسب تقديري للمسألة، بمعنى أنّ القرآن تصارع مع المسيحيين واليهود سياسياً، لذلك لاحقهم، قلتو عيسى ود الله، قلتو كدا، تعال نوريكم قصة مريم وآل عمران، قلتو كيت وكيت، وبرضو اليهود قلتو عزير ود الله، قلتو الله بخيل، حرمنا عليكم كدا، حللتو كدا،..
    يعني القرآن غالطم غلاط شديد، بالتالي عَرَّف بهم، جادلهم ولم يضرب عنهم صفحاً، لعامل وجودهم الاجتماعي والحضاري القوي، بالتالي كان استنتاجنا إنو الكلام دا حصل بدافع من السياسة، وإنو التجاهل للصابئة من الجهة الأخرى، برضو بكون بدافع من السياسة،...
    أها خالتي مهيرة دي شدييدة، عرفت كلامي دا وجاءت ساكَّاني،..

    طيّب قُبَّال ما أرجع لكتب الدين، اللهي في مسألة حالتنا دي غير مهمة أبداً، بل كُتب التاريخ بنوعيه (البحثي من خلال العلوم، والقصصي من خلال الرواية)، هي قضيتنا، أولاً نشوف القرآن ذات نفسو قال شنو، ونجي للحتة دي تانياً،..
    طيّب هل القرآن اعتنى بهم، أبداً
    كلمة الصابئة مافي ليها تعريف في القرآن، ولا مثقال ذرَّة، مجرّد مفردة، ترد في القرآن كله ثلاث مرّات فقط، لما تمشي تجيب معناها من اللغة، بتلقى من أهم معانيها (الشخص الذي ترك دينه لدين غيره)، عشان كدي أحمد حنين قال لي بنفس الحمولات التشويهية الحملونا ليها، ومن المسلسلات الدينية، أصبأت عن دين آبائك، لاحظ التضليل الممكن يحصل مع تعريف لُغوي زي دا! بينما هم طائفة بعينها،..

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الحج : 17)

    هل يُوجد هنا تعريف لهم.. بمعنى أنهم من أهل الكتاب أم لا؟
    لا يُوجد...
    هل يمكننا أن نستنتج أي معلومة بخصوصهم؟ من هذه الآية؟
    نعم ذلك ممكن، ولكن باعتمادنا على "فرضية" من رؤوسنا، ثم مساندتها بالآيتين الأُخريين،...

    ماهي الفرضية؟
    أنَّ الآية استبعدت مفردة (الكُفّار) من الحسبة، ديك ناس جهنم طوالي، بدون أي فصل بينهم،..
    الذين آمنوا: المسلمون
    الذين هادوا: اليهود
    الصابئين: الصابئون
    النصارى: المسيحيون
    المجوس: المجوس
    الذين أشركوا: من يؤمنون بالله –الرحمن، ولكنهم يشركونه بآخرين سواء على مستوى الألوهية أو الربوبية

    ديل بالتالي كلهم، تربطهم فكرة الإيمان بالله، من خلال أفكار مستمَدَّة من أديان سماوية..

    نجيب الآيتين الباقيات عشان نشوف الفرضية دي،..
    الآية الأولى:

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة : 62)


    طيّب واضح إنو الآية دي بتضع تلاتة شروط لمذكورين بعينهم، إن أوفوا بهذه الشروط الثلاثة، فهم يصبحون بذلك في أمان عند ربهم -يوم ملاقاته-،...
    الشروط الثلاثة:
    (1) الإيمان بالله.
    (2) الإيمان باليوم الآخر (البعث)
    (3) العمل الصالح.

    من هم المذكورون تحديداً:
    الذين آمنوا: المسلمون
    الذين هادوا: اليهود
    الصابئين: الصابئون
    النصارى: المسيحيون

    الملاحظة هي استبعاد (المجوس) و(المشركين) من الآية الأولى، الآية الأولى بتقول الله سيحكم بينكم جميعاً، بالتالي لمّت الصالحين والطالحين كلهم في خيط واحد، الآية التانية بتنقّي العينة بالحكم عليهم من الدنيا، وبتخلي الممكن ينجحوا في الآخرة بس، وتديهم شروط للنجاح دا،..
    طيّب (المجوس) عَبَدة النار كما "هو شائع"، استبعِدوا..
    المشركون لا يؤمنون بالبعث، كما هو معروف وكما حكى القرآن، بالإضافة لعبادتهم لشركاء مع الله، استبعدوا أيضاً،...

    (للنكتة كدا، ولمكاواة صاحبي محمد سبيل، لو في واحد شال الآية دي ولصّقها ليهو في بوستو الجديد بتاع أهل كتاب كُفّار وواحدين تانين ما كُفّار بتجهجهو جهجهة بمزاج)،..

    طيّب الآية التالتة:

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (المائدة : 69)


    الملاحظة هي أنها نفس الآية الفوق (17: الحج) من ناحية الخلاصات التي توصّلنا لها أعلاه،..

    طبعاً بتكونوا لاحظتو إنو مفردة (الصابئين) بالنصب، تحوّلت لـ(الصابئون) بالرفع،..
    ودي من ناحية لغة لغة، غلط، ما يقوم يجيني محمد الحسن هسّع مطفّر،..
    رجعت أنا في عجلة للإغفال لأبي علي الفارسي، ما قدرت ألقى الباب بتاعها،..
    المفسرون الآخرون، تردوا فيها تردي جنسو براهو من ناحية لغة، غايتو بطريقتن، لكن كلام واحد ليهم أقنعني مافي، ("إنَّ" دي بالنسبة لي بتنصب وانتهينا)، بعدين في الآيتين المعاها ديل نفسهن –قرآنياً- جاءت منصوبة، فالداعي والمبرر شنو تكون في الآية التالتة مرفوعة، وبنفس تقدّم (إن) دا ذاتو؟
    (وبالمناسبة كلمة لـ"حكمة" الغامضة ديك، و"سبحان الله" الهروبية برضها، ما قاعدين يقنعوني، النصيحة لرب النصيحة)،..

    أها الخلاصة بخصوص الصابئة الوصلت ليها شنو؟

    إنو (الصابئة) فعلاً أهل كتاب، اقتنعت مية مية يا خالتو مهيرة، بس أبداً ما عندهم علاقة بقوم سيدنا يونس، قوم يونس ديل أول أمس القريبة دي،..

    طيّب دي الحلقة الأولى، قرآنياً بس،..

    هل القرآن عرّفهم ولو مثقال تعريف؟ أبداً ولا الحبّة،..

    بصدد التاريخ أصبحت لا أؤمن إلا بناس الحفريات والأركيولوجي وقراء الحضارات من خلال اللقى ووو.. إلخ، بالتاريخ العلمي إن جاز التعبير،..

    أقوم يا خالتو مهيرة أعمل لي كباية قهوة، وأجي أكابس الحلقة التانية من علوم البشر (القصصية) اللهي كلها جوطة في جوطة،..

    شكلي ح أقلب البوست دا برضو لإصلاح كتابة،..
    يضحك نهاركم


    ..

    (عدل بواسطة محسن خالد on 03-03-2007, 06:28 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 07:14 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    يا خالتو مهيرة ولا يهمك،..
    غايتو أنا المستفيد، لأنو هرشتك لي دي، خَلَّتني هَسَّع فتحت لي عشرومية كتاب،..
    الأهمّ من دا نبّهتني للطريقة الاتكلم بيها القرآن عن الصابئة "النَفَس"، دي براها ربنا بديك عليها أجر، وتانياً خليتيني أكتشف إنهم أهل كتاب،...
    إلا كمان شالت مني روح الاندفاعة البحثية الحلوة دي،..
    أنا ما شفت مداخلتك دي لأني كنت فاتح الصفحة وبكتب، وختيت عليها مداخلتي طوالي، بالتالي بعد ما اتنشر كلامي الفوق دا، حتى اكتشفت إنك سحبتي فكرتك، فآسف جداً، لو كنت شفت المداخلة ما كان تاني ذكرت اسم الشعراوي وألا الكبيسي أو قوم يونس،..
    بس أسمحي لي، أثبّت بعض الشواهد الجاية هنا،..
    راجع ليك


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 07:55 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    معليش يا خالتو مهيرة، دي حاجات كتبتها قبيلك، بس بنشرها هنا كزيادة معلومات، مش تمدد مع الموضوع،..

    عواصم الآشوريين:
    نينوى،..
    أربيل،..
    كالح (نمرود)،..
    دور شروكين،..
    (يعني أربعة مش اتنين وألا تلاتة)

    الآراميون: بين بلاد الشام والعراق،..
    عاصمتهم "آرام نهرايم"

    إبراهيم: إبرام، "إب –الأب" و"رام=راب، -العالي" وتعني الأب العالي أو الرفيع،..
    "كنزا رَبّا" معناها الكنز الرفيع،..
    لاحظ إنو كلمة "الكنز" الحالية، هي آرامية،..
    في واحدة من خرمجات بشاشا بقول إنو "رب" كلمة كوشية!

    طبعاً الآراميون انتصروا في النهاية على الآشوريين، وقوّضوا مملكتهم ولغتهم، بالتالي ورثت الألسن الآرامية كل المنطقة لاحقاً،..
    والمندائية هي لسان في الآرامية،..

    والحضارة دي قبل المسيح بمسافة بعيدة، بينما يونس قريب أو معاصر للمسيح،..


    طيّب خلونا نشوف بعض المواضع التي وردت فيها إشارت لأصل الصابئة من خلال كتب التراث الإسلامي،...
    في تقديري إنو كلو كلام غير مفيد، يعني الكتاب الواحد بديك ليهم في مكان تعريف، وتاني يجي يعرفهم في موضع تاني بتعريف آخر، (لاحظ الطبري)..
    أهم رجال بالنسبة لي أنا هم (الطبري) و(ابن كثير) و(القرطبي)
    وديل ذاتم خرماجين ولولاوين لأنو الأمور زمان كانت هي الجايطة، ومافي أي علوم تساعد في استبعاد الاحتمالات، كلو حكا في حكا، بالرغم من إنو الطبري دا بيعتبر أبو التاريخ الوسيط، وواضع مناهج ضبط الرواية التاريخية، الماوضعوها حتى هيرودت وأسترابو،..
    (ابن الأثير، في كامله) بنقل الكلام منو بضبانتو، ودي كانت أعراف التأليف عندهم، لو عايز تألِّف كتاب في باب معيّن، أول شيء تجيب كتب الكانوا قبلك تطرشها زي ما هي وتاني حتى لو ما عندك أي إضافات برضو بعتبروك ما قصرت، فهم الحتة دي إنو الناس كانت عندهم مشكلة في توفير الكتاب نفسو، القاعد في مصر ما بعرف كتب الشام، ومن باليمن يجهل العراق والشام والأندلس، وو إلخ
    يعني لاحظ في المقتبس التحت دا، الطبري بقول "وسنعود لهذا الموضوع لاحقا"، ابن الأثير بنقلها منو زي ما هي، وسنعود لاحقاً هذه، غايتو ذكّرتني بالخطيب البيخطب أول أمس، ويقول اللهم وفّق وانصر السلطان عبد الحميد.
    هنا اقتباسات حول الصابئة لمن شاء تأمل جوطتها وربكتها:

    Quote: وقيل: إنه كان لـ"متوشلخ" ابن آخر غير "لمك"، يقال له "صابئ"، وقيل: إن الصابئين به سُمُّوا صابئين. وكان عمر متوشلخ تسعمائة وستين سنة، وكان مولد "لمك" بعد أن مضى من عمر "متوشلخ" مائة وسبع وثمانون سنة.

    الطبري –تاريخ الرسل والملوك،...

    Quote: وكان بيوراسب أول من ظهر القول بقول الصابئين، وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام، وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد.

    الطبري –تاريخ الرسل والملوك،...

    Quote: وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي خرجوا،..

    الزمخشري -الكشاف،...

    Quote: وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة. وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤن كتاباً ويعبدون النجوم؛ فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب.

    الزمخشري –الكشاف،..

    Quote: وبيوراسب أول من أظهر القول بمذهب الصابئين وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح، وسنذكر أخبار بيوراسب فيما بعد.

    الكامل في التاريخ –ابن الأثير،...

    Quote: ذكر غير واحد من علماء التاريخ أن الروم غلبت الوينان، وهم ولد صوفير، والاسرائيليون يدعون أن صوفير، هو الأصفر بن نفر بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم، وكانوا ينزلون رومية قبل غلبتهم على اليونان، وكانوا يدينون قبل النصرانيّة بمذهب الصابئين، ولهم أصنام يعبدونها على عادة الصابئين،...

    الكامل في التاريخ –ابن الأثير،...

    Quote: وقيل: إنّه سيّر عساكر على أسماء أصنامهم، فانهزمت العساكر، وكان لهم سبعة أصنام على أسماء الكواكب السبعة، على عادة الصابئين،..

    الكامل في التاريخ –ابن الأثير،...

    Quote: لأنهم كانوا على دين الصابئين يعبدون الكواكب ويصورون الأصنام على صورها وأسمائها في هياكلهم ويعيدون لها الأعياد ويذبحون لها الذبائح ويقربون لها القرب والقرابين والدخن ويقولون أنها تعقل وتدبر وتضر وتنفع ويقيمون لكل كوكب منها شريعة محدودة،...

    ابن حزم الظاهري الأندلسي -الفصل في الملل والأهواء والنحل،..

    Quote: بل أصل هذه البدع من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته مأخوذاً عن الصابئين والمشركين وأصل هؤلاء هو الإعراض عَمَّا جاء به الرسول من الكتاب والحكمة وابتغاء الهدى في غير ذلك ممن كان هذا أصله،..

    ابن تيمية –الرسائل،..

    Quote: واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه، ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله: إن الوجود واحد ورد ذلك، وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين.

    ابن تيمية –الرسائل،..


    طيّب سلام، وآخر وصية إنو كتاب الرسائل لابن تيمية دا كتاب جميل، ممكن تشوف فيهو الفلسفات برؤية ونظر ابن تيمية، بناء على إمكانات ورؤى إسلامية، خصوصاً بصدد زرادشت والبراهمة، البقدر يكابسو بستفيد وبتنوّر، ستجدونه كاملاً على موقع الورّاق، بوصيكم بـ"موقعنا دا" لأنو بالنسبة للاستشهاد أهم حاجة مرجعية كلامك والقالو منو،..
    غايتو الكواسة في الكتب أشبه بالعبث، تقرأ كلام وتاني تجي تفتشو سماء وواطـة ما تلم فيهو،..
    الحل إنو الكتب كلها تترفع على أسطوانات، مش كدا؟
    برضو ما حل، لأنو لو غيّرت أي حرف ما بتلم في الكايسو،..
    يحلها الشربكها غايتو،..


    كونوا بخير،..


    ..

    (عدل بواسطة محسن خالد on 22-06-2006, 01:45 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-06-2006, 04:53 PM

مهيرة
<aمهيرة
تاريخ التسجيل: 28-04-2002
مجموع المشاركات: 463

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    معليش ياجماعة جيتكم تانى عشان حكاية (الصابئة ) وكلام كتاب ( كنزا ربا ) الجابو ولدى دة لسة محيرنى .

    أها بخصوص الآيات التلاتة لقيت كلام منطقى وبحلحل بعض العقد فى حكاية الصابئة ديل وملخصه:
    * أن الصابئين كانوا قوما كانوا متقدمين زمنا عن النصارى، وهذا سبب تقديمهم على لفظ النصارى فى الآية :-( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (المائدة : 69)
    * ولكنهم أقل عددا وكما من النصارى، الآية:-
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة : 62)
    * كسر الاعراب كان لمقتضى لفت الانتباه.
    * أنهم قوم خرجوا من دائرة التسليم بوجود اله خالق غيب، ولكن الله تعالى يغفر لهم ان آمنوا وعملوا صالحا.
    * أنهم لا يتبعون لأحد الأنبياء، وهم اما صبأوا عن ديانة سيدنا نوح وعبدوا الكواكب، أو صبأوا عن اليهودية أو النصرانية وعبدوا الملائكة.
    http://elsharawy.com/books.aspx?mstart=1005066&mend=1005071

    http://elsharawy.com/books.aspx?mstart=1005066&mend=1005071

    http://elsharawy.com/books.aspx?mstart=1005066&mend=1005071

    http://elsharawy.com/books.aspx?mstart=1005066&mend=1005071

    أها كدى يامحسن ولدى شوف ترتيبى الجاى دة كيف معاك؟

    1- انه الصابئة منهم فعلا أهل كتاب زى ما استنتجت انت والدليل كتاب (كنزا ربا ) والتشابه الكبير بينه وبين القرآن الكريم. ويكون كسر الاعراب فى آية المائدة فعلا لفت انتباه لهذه الطائفة من اهل الكتاب. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (المائدة : 69)
    2- انه الصابئة منهم من عبد الملائكة أو النجوم بعد أن كانوا يهودا أو نصارى موحدين، ولذلك جاء لفظ الصابئين مرة بعد النصارى فى آية سورة البقرة، ومرة بعد ( الذين هادوا) فى آية سورة الحج. وقد يكون منهم من يقرأ الزبور كما ذكرت من قول صاحبى ابى حنيفة:-
    Quote: وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة. وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤن كتاباً ويعبدون النجوم؛ فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب.
    الزمخشري –الكشاف،..
    وعلى كدة احتمال يكون ( كنزا ربا) دة من زبور سيدنا داود عليه السلام؟؟؟ والله أعلم
    واعذرونى على كترة الطلة!
    تحياتى

    (عدل بواسطة مهيرة on 21-06-2006, 04:59 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-06-2006, 02:20 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: مهيرة)

    ..

    خالتو مهيرة، إزيك
    شنو الكترتيها؟ لما أشوفك هنا قلبي قاعد يفرح،
    طيّب أنديك الخبر النجيض، في كتاب اسمو (الصابئة المندائيون)
    للكاتب "عزيز سباهي"، دا لامي الجن الأحمر فيهو، انطلقي وراءه،..
    بالنسبة لي زي ما قلت ليك، الكلام الممكن ياخدوهو الناس من "أثارتهم" أي آثارهم التي خلفوها.. بكون أفيد من أي تكهنات وقَصَص ديني،..

    أها في الكلام التحت دا:
    ويكون كسر الإعراب في آية المائدة فعلا لفت انتباه لهذه الطائفة من أهل الكتاب.

    يعني يا خالتو مهيرة بصراحة الله، عارف إنك امرأة متدينة وخايفة ربك وكدا، بس كمان برضك إنت دكتورة ومتعلمة، فمفروض الكلام الميّت الزي دا ما تقوليهو،..
    يعني معقول هسع دا مبرر؟
    وهل إنت براك اقتنعتِ كدا؟
    دي من نوع الحاجات البقت تنفرني بالفطرة كدا من استهبال المفسرين ومحاولتن لإيجاد حجج أسخف من المشكلة نفسها، الله أعلم دي كملت!

    غايتو كوني بخير، وما تحرمينا من طلاتك


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-06-2006, 05:35 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..


    للحقيقة موضوع الصابئة هذا بعد تمحيص وجدته يُربك في ناحية الإيمان بمسألة الأديان السماوية هذه، أكثر منه باتجاه إنكارها والكفر بها،..
    لعامل التطابق الكامل بين الآيات، لو كانت المسألة تنحصر في الأفكار فقط، لرجّحتها لذوبان ذلك الدين في الثقافة الشعبية للناس وتناقله من مكان لمكان،..
    غايتو إلا يبقى الرسول دا عالم لغويات!
    وبنفس القدر يتم الدعم للجبهات التي تقرأ الأديان كلها على أنّها من التراث الإنساني الأشمل، ويقود في ناحية الأصل الواحد للإنسان، بالتالي وحدانية لغته، أسطورته، وتراثه،..
    لهذا السبب ينهض السؤال -السياسي- من جديد، عن عدم تبيان القرآن لأصلهم، وعن صغر قيمتهم بداخل النص القرآني مقارنةً باليهود والنصارى؟

    بذلك نودّع الموضوع دا،
    وكونوا بخير،..


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-06-2006, 04:03 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    حياتنا لم تعد قصة، لم تعد مترابطة ولا متماسكة، كلها في طريقها لتقطُّع تجريدي محزن. كوادي المياه حين يجف. يجف الوادي من هنا وتعقبه البِرَك العفنة والمتقطعة من هنا.
    ***
    قلت: "عندما أدخل المدرسة المتوسطة سأتعلم كذا وكذا. ونلهو عند محطة القطارات وصهريج المياه كالشباب الأكبر منا سناً ونفعل كذا وكذا".
    وقلت: "عندما أدخل الثانوي سأعيش مرحلة جميلة بالداخلية. ونذهب كأولاد مدينة "شندي" للسينما والأندية ونشهد الاحتفالات الكبيرة، وأيضاً نذهب للكنيسة حيث نتفرج على سيقان القبطيات اللامعة، ونمرح بكذا وكذا".
    ثم قلت: "عندما أدخل الجامعة سأجد الفتيات والحب بانتظاري. وسأغسل كل يتمي وحرماني هذا بحنان امرأة وعهد جديد. نذهب للحدائق ومراكز الثقافة الأجنبية ونفعل ذاك وذاك".
    وأخيراً قلت: "عندما أدخل الحياة ومعي شهادة بهذا الطول وتوقيعات الدكاترة والبروفيسورات عليها كدرب الحمام، بمثل هذا الحبر المهيب والورق الصقيل سأحقق ما يلي وما يلي".
    وبعد دهر خائب وطول أسف اكتشفت أنني قلت كل ما لديّ، وما دخلت ولا خرجت إلا من خرم إبرة. ماذا لو دخل الموت؟ ماذا لو رغب في أن يقول شيئاً هو الآخر؟
    لربما صرت شخصاً يجهل أنه عاش. لم تعد المسألة مسألة تدخل أو تخرج أو ترى سيقان القبطيات الفخمة واللامعة،... ولا أعرف بالضبط ماذا عادت المسألة‍؟
    ولكن نظرية "فائض القيمة" و"المنفعة الحدية" و"حلقة الديون الخبيثة"، "الفجوة"، "الانكماش"، "التمدد" و"التضخم"، "معادلات لانجرانج"، تفلسف "مالتس" و"كينز" و"آدم سميث" و"محمد هاشم عوض"، "سمير أمين"‍‍... و ...إلخ. هذا الكلام الذي عرفته في الكلية بشكل متقن كي أجتاز الامتحانات، أصبحت الآن أجهله بشكل أكثر اتقاناً كي أجتاز الحياة نفسها. وخصوصاً إحساس الامتحانات الخاص بها. مَنْ يطيق قاعة امتحانات بعرض الدنيا؟ الشرك الذي نحن بداخله ALREADY‌‍‍‍‍‍‍‍‍ ويجب أن لا نتركه يقبض علينا.


    من رواية قسيس الطبيعة

    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-06-2006, 06:33 AM

وانجا

تاريخ التسجيل: 01-03-2003
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    يا محسن ..

    سلام


    Quote: مَنْ يطيق قاعة امتحانات بعرض الدنيا؟


    أيوه..
    لكن .. مش بقولو:

    فهم السؤال هو نصف الاجابة...؟


    وقسيسك فهمها.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-06-2006, 01:32 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: وانجا)

    ..

    وانجا،..
    إزيك يا بنيتي وانجا، وجيداً جيتي،..
    لو قلنا قسيس الطبيعة فهمها، وما مَرَّ من زمن غير مهم،..
    ستكون إجابته خاضعة للمصير أو قَدَره،..
    فماذا يفيده أن يجيب؟ إن كانت الأجوبة صدى الأسئلة كما قال أحدهم،..
    كوني بخير، وما تغيبي


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-06-2006, 03:44 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..


    لو رجعت إلى بلدي الآن، أي قوم يا ترى سأجد أنهم من المفترض أن يكونوا أهلي. وكم في المائة يا ترى سيعود مني؟
    الذي بقي لا يكفي لتكوين أي أحد كان، ناهيك عن سطوة روحي القديمة وعنف حياتي السابقة. يا ربي،..
    الذي بقي مني هذا لا يقنع حتى فم دودة يرميها بؤس حظها في قبري
    .


    حبنا لشخص لا يعوضنا عنه حب شخصٍ تالٍ. وفرحتنا بشيء لا يمكن استعادة لحظتها من خلال لحظة سعادة أخرى مطلقاً.

    كم ضحى مستنيين
    بابور البحر
    نزول الإنجليز
    والموت رحل
    فَارِق علينا زي صاحباً عزيز

    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-06-2006, 07:32 AM

Hisham Ibrahim
<aHisham Ibrahim
تاريخ التسجيل: 19-02-2006
مجموع المشاركات: 3540

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    الحبيب محسن خالد

    سلام بالكوم،

    لو رجعت البلد غير يوم واحد ما تدي ناس الحلة، وخلى رفيقك وصديقك النيل الخالد! مما تصبح الصباح ولمن المغيب تحضرو جوارو، يعني أكلك في عمود ومويتك في ترمسه(والـ.... أصلو بكون جوار النيل ومزارعو) وما تفارق نيلك وأحكي ليهو عن الشوق الدافر ومدفق ليهو، وأشكي ليهو حال الغربة الما منها وفيها غير وجع القلب الجاي من الفراق والبعد عنو! والأهل والأحباب والأصدقاء ما تكلمهم بعنوانك الجوار النيل. قول ليهم أنتظروني لمن أجيكم بالليل وأحكي ليكم حكاوي الغربة والقصص الما مساخة!
    وما تنسى يا حبيب تشوف ليك عضم قوي (جبهجي) يوديك شارع النيل جوار الوزارات عشان تنحشر ليك في وزارة وأرشح ليك وزارة الثقافة الخاتينها جم القروش (بنك السودان) وأسألهم: متين يا بشر عاوزين تعملوا مكتبة وطنية؟ وحا يقولوا ليك ما عندنا قروش وما اظن بغلبك الرد ( واحد من ردودك حا يكون ومرارتك واصلة الحلق: نان الجنبكم دا كمبو عرقي!!!!) يا ود خالد أمانة عليك كان عندك والا لقيت ليك إجازة واقعة والا ناسيها! شوف ناس سندي وناس تيموليلت والا أقعد قبلك عند ناس زايد الخير ديل!! وأمشي البحر بتاعم فيهو برنامج يدر ليك ولينا قصص وحكاوي.

    هشام ابراهيم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-06-2006, 06:16 PM

أبوبكر حسن خليفة حسن

تاريخ التسجيل: 30-09-2005
مجموع المشاركات: 198

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    الأديب صاحب الإنتاج الغزير..
    محسن خالد ..

    أسعدك الله فيما أتاك , وأقامك في اللحظة الحاضرة ما كان إليها من سبيل ..
    ولكل من تداخل معك في هذا السفر العظيم التحية والاحترام ..


    أولا عذرا ان تأخرت هذه المداخلة بعض الوقت..

    وبعد:

    قال الأديب الشجاع الواضح المعالم :
    (( الله دا ما فيهو غلاط، ويصعب الإلحاد به، إلا الأديان دي كلها الغلاط بقوم وبقع معاها، ويمكن الإلحاد بها )) انتهى

    قرأت هذه الكلمة وتوقفت عندها كثيرا... ثم كان هذا الوارد :

    غير موجود ؟!!
    في ظني لا تخلوا من الصحة من ناحية اللغة نسبة لئن موجود على وزن مفعول والمفعول لا بد له من فاعل . وفي الأصل النافي بنفي علمه المتعلق بالمكان والزمان ...وحتى التصور ! وبالطبع كل هذه الدوائر الله خارجها لأنها لا تسع الله فوجوده خارج الحيز والزمان والتصور ..
    إذن النفي متعلق بعدم المعرفة وحقا هو غير معروف بالنسبة للنافي بداهة , ولغير النافي سلوكا . فالمؤمنين به لو عرفوه لما كان حديثهم وسلوكهم ومعاملاتهم هكذا !! أي كما هو مشاهد اليوم . بل أعظم من ذلك لو عرفوه حقا ؟ لوجد حقا في المكان والزمان والتصور !! ولأجمع الناس للحاجة إليه من غير نكران . وقصدنا ( عند إحسان الظن ) لم يستطيعوا أن ينقلوا معرفتهم ـ المدعاة ـ لمن لا يعرفوه . وفي كل الأحوال فشلوا في الإثبات بنفس القدر الذي استعصى به الأمر على خصومهم . ولعل المسألة إلى هنا تكون موافقة نقلك الموفق لمقولة الفيلسوف ايمانويل كانط (( ما من دليل عقلي أو عملي على وجود الله , وما من دليل عقلي أو عملي على عدم وجود الله.. )) والكلام دا مقبول لحد كبير ... نسبة لئن العقل لا يعرف الأشياء إلا باضدادها فهو يعلم النور بالظلام .. إلخ ..وكنت قد ذكرت قبل فترة طويلة هذه المسألة ( أي عدم معرفة العقل لله ) لصديقي وأخي الأكبر الأستاذ إبراهيم سليمان الجعلي أحد فاكهة كسلا العجيبة فأجاب : (( نعم ..جلية الأمر أن العقل نفسه لا يعرف الله لأن العقل يعرف الأشياء بأضدادها والله لا ضد له . وبما أن العقل الواعي في الإنسان هو مجموعة علومه وتجاربه أو قل هو ماضيه . فلا يمكن للإنسان أن يخرج من هذا الماضي ويعيش في اللحظة الحاضرة إلا بإلغائه . فإذا ألقاه وعاش في اللحظة الحاضرة وجد الله لأن الله في اللحظة الحاضرة .
    فالإنسان بهذا المعنى لا يجد الله إلا إذا أفرغ عقله من كل تصور أو علم سابق أو قل من كل شي (( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده )) .
    ويواصل أستاذنا إبراهيم في حديثه الشيق ...
    أما السفر والترحال والسير في الأرض ما هو إلا محاولة الإنسان للبحث عن ذاته أو قل نفسه وهو هو نفسه البحث عن ربه فمن عرف نفسه فقد عرف ربه (( قل سيروا في الأرض وانظروا كيف بدأ الخلق )) وبداية الخلق هي بداية صدور هذا الكون عن الله والأرض المقصودة في الآية هي أرض الجسد أو قل أرض العقل لأن السير إنما يكون بالعقل حتى تصل إلى نهاية إدراك العقل فتتجاوزه فيرفع حجاب العقل فتجد نفسك وتجد الله ... )) انتهى حديث أخونا إبراهيم

    والعجيب أن تكملة جملة شيخنا ايمانويل كانط في " نقد العقل الكلي " حسب مخزون ذاكرة الثمانينات المهترئة هي : "غير أن هنالك ضرورة في وجوده !! " أو قريب من ذلك .هنا في تقديري يكمن التصالح مع مكونات الإنسان المعرفية التي لا تتوقف عند آلة الدماغ فحسب .
    أما بالنسبة للأديان والمؤمنين بها فحدث ولا حرج ... فقد يصح قول الفيلسوف الآخر فولتير عندما قال: ( التعصب هو الابن المشوه للدين )
    وقد يقول قائل بناءً على هذا المفهوم أن الدين نفسه هو الابن بالتبني غير المشروع لله حسب النصوص المقدسة نفسها التي تقرر أنه " لم يلد ولم يولد " . فالأديان ليست هي الله وما ينبقى لها أن تكون .. لذلك هي مجارية لهذا العقل مخاطبة له بنفس لغته .. لغة الثنائية في الثواب والعقاب ..الخير والشر ..الجنة والنار إلخ... وكما هو معلوم أن الثنائية محل نزاع دائم وجدل عنيف , خصوصا إذا علمنا أن الدين نفسه قد أنتصر لأحد أطراف النزاع ولو بتفاؤل لون البياض على غيره ؟! وهنا وقع في فخ طوره الأدنى لدرجة الإشفاق ! حتى توهم أهل الظن أنه لا يستطيع أن يخرج من تلك الجورة ؟ غير أننا إن جئنا إلى الإنصاف فلكي يلامس الدين أرض الواقع كان لا بد أن يعترك مع الثنائية حتى يفضح زيفها ونقصها ومن ثم يفتح بوابة الإطلاق , فالنقص آفة الكمال غير أنه لا سبيل إلى الجمال إلا عن طريقه . وهنا تحضرني إجابة قال بها أستاذي البدر بن يوسف نقلا عن الأستاذ الأكبر محمود حينما سئل : ( هل في الإمكان استنباط عالم خال من الشر؟ قال بلى، بيد أنه عالم غير كامل !! ) انتهى
    ومن هاهنا كانت المقدرة في العراك معها ( أي الأديان ) قائمة / بالأخذ والترك والنقد والقبول , فهي ممكنة بخلاف الله !! ودا في تقديري هو سر عدم مبالاتك بمنازلة أصحابها وإن تحصنوا بقلاع نصوصها القديمة .
    هذا بالطبع عند الحديث عن السحاق و الشر!!ة بمستواهما السفلي الواضح ( تيموليلت / مريم المجدلية ) أو الحقيقي المباشر . أما بالمستوى الأعلى العزيز البعيد المنال فيمكن التحدث عن التنزل الذي تقوم فيه شبهة النقص والتشابه ..فتتم المعرفة عن طريق النفي والإثبات ( الترك والفعل ) المشاهد المعلوم وليس عن طريق الكامل المجهول .
    أوعك تقول لي ما فاهم حاجة ! لئن دي عطية الله ما فهمي أنا : " ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكما وعلما " الأنبياء ..
    بعدين الجماعة قالوا نفي النفي إثبات والعدميات المحضة لا تخطر بالبال لكي تنفى والتسلسل يفضي إلى العدم وأن المثبت مقدم على النافي وأن المسمى يسبق الاسم... وكلام كتير من هذا القبيل...وأهل الذوق قالوا متى غاب حتى يستدل له ؟! هو دليل وجودنا وليس العكس .. فهو يستدل به لا يستدل له !! والعبد الفقير قال النفخ الروحي الإلهي الموجود فينا هو ـ الذي ـ ينفي ! فالمسألة بالنسبة لنا نحن الخلائق (( الإثبات )) وبالنسبة له ((النفي )) بمعنى أننا نقول: ما دام وجودنا ممكن فلا بد أن يكون هنالك واجب لهذا الوجود الممكن , فهنا تكمن الحاجة التي تحدث عنها شيخنا " ايمانويل كانط " وهي ضرورة إثبات الواجب الحق الواحد الكامل الذي لا شريك معه . واما المسألة نفسها بالنسبة لله في ذاته العليا فهي النفي لئن الوجود فيما عداه غير موجود فيه شريك . وهذا ما قصدته بالجزء.. الموجود فينا هو الذي ينفي وجود الله !!
    بعدين أنت فضل ليك كم أشان تموت ؟!
    ما عارف السؤال دا الجابو هنا شنو ! لكن ليقني من عدم خوفك طرحته عليك .. أنت عارف أعلى درجات العبادة هي البنقطع فيها نفس الخوف ويزول تماما.. بعد أن ظن أهل الظن أن "خاء " خلوده ستنتصر على "فاء" فناءه وما علموا أن العاقبة للمحبين !!
    لكن يا أخوي محسن خالد ( وبالفعل إن كل مخلوق له من اسمه نصيب ) أظن جدلية موت الحق أو ( حق الموت ) الموت طرف أساسي فيها .. والجماعة بتاعين ( دين الغلاط ) الأنا مكجنن وإنت أظنك عندك استعداد تتغالط معاهم حتى تشرق الأرض بنور ربها ! هم وقفوا عند النص ولكن وقف لهم ماركس وانجلز بالمرصاد . وكان جيت للتدقيق فإن كارل وفريدريك دعاة لله بصورة تفوق في تقديري النتاج الهزيل للجمع الغفير الذي يتكلم عن الدين آليا .. يعني مثل موجات الإذاعة ـ أضبط الموجة ودعها تتكلم إلى قيام الساعة ـ ما أشد حاجتنا إلى الداعية المعرفي الذي ينثر المعارف بغير تكلف , وليس الآلي الشبيه بالسيارة الأمريكية ذات الدفع الرباعي !! كدي سيبنا من الكلام دا ونرجع للوقوف عند النص ونأتي بنموذج : ( يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار ) طبعا من شروطهم أن تقف أمام النص مغمض الأعين ( بصر وبصيرة ) ودائما ما فعلوا ذلك ! ثم بدأت عليهم علامات السرور والانبساط والنقنقة .. حسي يا زول عايزين نشوف درجة مشاعرك وإنسانيتك إنت بتفرح لمن اقولو ليك معسكر ( أعدائك ) حانقفلن ليك في التخشيبة بتاعة لظى وجهنم و.. , وما حايطلعوا منها إلى أبد الأبدين .. بل إلى ما لا نهاية .. رأيك شنوا في البشر المتل ديل ؟!!
    لكن قبل ما تتكرم بالإجابة نرجع للموت في صورة الكبش الذي يذبح بين الجنة والنار .. بأي شيء يذبح ؟ والمدية قد انتفى منها الفعل .. والموت جميعه قد هرب من الوجود ودخل إلى الأقصى في بيت لحم هذا الكبش العجيب !!

    ؟؟

    بعيدا عن المعنى:ـ

    الكلام الفوق دا كان ما عجبك قول لي : ( أعد ) أشان ندخله الخلوة تأني سنة ما يطلع !


    مع عظيم ودي وحبي لك ,
    ولكل من تداخل مثله..


    أبوبكر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-06-2006, 05:27 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: أبوبكر حسن خليفة حسن)

    ..


    تحياتي أوفاها وأكملها، يا

    Hisham Ibrahim

    و

    أبوبكر حسن خليفة حسن

    والله أسعدتما صباحي، يسعد صباحكما،
    أوحيتو لي بكلام كتير،
    ح أجيكم في أضانكم واحد واحد
    كونا بخير


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-06-2006, 06:47 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..


    Hisham Ibrahim،..
    تسلم آسيدي من كل شر وقحط قلب،..
    دائماً في خير، وقلبك نديان وأخضر،..

    لو قلت ليك النيل وقبر أمي ما واحشني بكون كَضّاب،
    بس بترجع متاريس كتيرة بالحيل، تسد الدرب في القلب قُبّال تجر بساطو التحت الكرعين..
    "مطافي" الشوق كتيرة خلاص.. من قصة التراب الاسمو تلفيقاً وطن..
    ولا حدي قصة تمشي تزوع بقرى المسيكتاب الخمس ترفع فواتح سنواتٍ سبع،
    دَرْدَقَن وسط موت عميم.. ما فَطَّ بيت، إلا وكتب تذكارو علي كل مدخل، حتى خشم البير ما نساهو،...
    ياخي أنا لما أتذكّر قصة الفواتح دي قلبي بكسل من شوق الأهل دا جنس كسل! خليهو ضرا الباب،..
    ولامن قلبك يطرى أصحاب وبنات وحتى غنم متراوحات الحلّة مغارب،
    وفي نفس الوكت يطرا بوابة مانديلا وقدّوم أحمر واقفة فوق القيف تقدّم في المراكب علي الغريق،
    وألا كمان ديار الحسناء، وضحكة تيموليلت المهرجان، يقوم شوقك يبقى دَرِين شوق، وراسو يلف مرّة واحدة ويدوش، يتوجّه الدلجة ما في شك، ويا كتيرين البدعموهو... من قِلّ المصاريف لاعن تعبيرك الحلو والساخر (كان عندك وألا لقيت ليك إجازة واقعة وألا ناسيها!)،..
    أها، الله في، وعارف من دكان منو داك... اشترينا ضحكة بلاستيك،
    زي ما الناس بشترو زهور البلاستيك، والبلاستيك ذاتو ممحوق،
    قمنا شرمطناها الضحكة المن اللداين دي، ونشّفناها علي نشاف خلقة رب العالمين الأصلي،
    كان تشارف بمكياج فرحنا وديكورو دا آخر الشهر،
    أها وإنت خابر إنو نوعنا دا، دائماً بفتح شهرو الجديد بأم القلبة، ما قصة الديون وبس،
    بل حتى قصة شَرْطنا الوجودي، المعيشنا بفت نظام وفي فت مكان وبفرت قلب، مفروض عليهويوفي الالتزامات الجوانية دي كلها،،..
    والله كلامي بالشارع دا كتير خلاص، لكن خايف في النهاية أودّر محل وقفت المرة الفاتت من الحزن، أقوم أعيد، من أول وعذاب تاني،..
    دائماً بقول إنو الواحد مشتاق جنس وكترة شوق، لامن ما عارف يبدأ يشتاق من وين؟
    وحزين جنس وكترة حزن، لامن ما عارف يبدأ يحزن من وين؟
    وندمان جنس وكترة ندم، لامن ما عارف يندم من وين؟
    غايتو خليها ساي، الله في
    أبقه طيب يا هشام، وربنا يغطيك
    لو داير أدعو ليك دعوة ترف، كان بقول ليك وكمان ربنا يعافيك من شر الشوق والحزن ولاندم، وكل أحاسيس السلب والضياع،..
    بس بالمناسب كدا لو ربنا دلاك تشتاق وتحزن وتندم من وين؟ بتأدّي واجبك،...
    كن بخير،....


    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-06-2006, 08:26 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..



    أبوبكر حسن خليفة حسن،..
    أوّلاً إزيك وماك طيّب، العندو متل قلمك دا والله سعيد تب وموزع سعادة مافي شك،..
    أسعدت يومي دا عن حق وإمتاع، كلامك دا قريتو تلات مرّات ولسع دَعَمو وطعمو متوفّر ويمكن مراجعتو على مائدة جديدة لنج ومتعافية،..
    حتى الحتات البختلف معاك فيها، إنت طارحها بشكل (الصفقة البجريها الإنسان مع عقلو وفؤادو وخيالو وبترك كامل البراح لهذه الخصائص لدى الآخرين أيضاً)
    الزول لامن يمشي دييب مع روحو، بعرف إنو مسألة تعميم الإنسان لأفكارو الخاصة دا أكبر عبط تبرعت الأيدولوجيات بخدمتو وترويجو،...
    الزول التاني دا ما ح يكون إنت كلو كلو، بالتالي ممكن تتشاوفو وتتباصرو وتتسامعو وتتحاببو، بس عمركم لا بتطابقو، ولا موتكم بيعني موت أشياء هي نفسها، ولا كمان وجود واحد منكم بغني عن وجود التاني،
    الأديان هي التدوين، وفي موضوع لي ح أنزلو قريب بقول: التدوين هو أوّل تشويه يلم بالأفكار،...
    لو كان الله في الافتراض هو (ماثلٌ كيفما لا يمثله شيء، وكائنٌ حيث لا يكونه شيء –إحداثيات الإنسان) إذاً من ضربة البداية كل كلامنا عنه وحوله، هو التوصيف الذي في قامة الإنسان وبأدواته فحسب،..
    والأديان هي حوار إنساني خالص، ورسائل موجهة لجهة لا بد أن تكون في مستوى مقدراتها لإقامة الوصل، ويشمل ذلك الكتب المقدسة من طقطق للسلام عليكم،..
    نوع مداخلتك دي الزول بقراها بس وبستمتع، وما بحاول يفسدها بالمجابدة، التأمل بوديك منها وين ما تمشي ولا ضرر، لأنك كتبتها بالوصفة القلتها ليك فوق دي، بتاعة ترك البراح للآخرين أيضاً..
    أنا حقاً سعيد بمداخلتك وشاكرك،...
    أجي لسؤالك:
    من الموت فضل لي –والله أعلم- قول أربعَ سنوات، ويضحك نهارك،..
    أما خروف الموت دا، فدي حكاية عجيبة، بعد الدنيا أم موت دي ما يطووها حكّمان موجود تاني؟ ودي النقطة الأساسية الواحد ممكن يجي من بُرجها ويقول إنو الأديان تفتقر بالفعل للعقل والمنطق، ومش بطريقة المناهج والفلسفات الوضعية الكافرة، ولكن بطريقة فرز الروايات التاريخية العادية دي ذاتها، ياخي لو قلت كلام لزول في حلتكم بالصباح لاحدي العصُر بتسمع من كلامك دا ذاتو نواته فحسب، أما ديكورو وحواشيهو ووين ووين، دا كلو بتلقاهو ألّفوهو ناس تانين وأعادوهو ليك سبحان الله... أحسن المبدعين،..
    شوف الأديان دي بأحسن فروض المجاملة إنو تلتينها أدب ميرابليا وحُكا ونجر روايات وأُنس أدبي،...
    ملاحظ إنو الدين هو أبو السرد والقصص، وأبو الروايات كمان،..

    طيّب أديك واحد كلام من أبو ختري، ودا بالنسبة لي هو الحل الح يصلوا ليهو الناس مع الإسلام سواءً هسع أو بعدين،..

    اليهودية والمسيحية، عصر التنوير كلو، كان هو محاولة الخلاص من سيطرتهما، وبروز العلمانية بعد داك،..
    أها تاني في زول هسع (خواجة) فاضي يجي يقول ليهم تعالوا نوريكم تضارب التاريخ العلمي اليوم وروايات العهد القديم والجديد؟
    أبداً
    في عالم (خواجة) فاضي يجي يقول ليهم التوراة وألا الانجيل بتنبؤوا بمسألة كدا العلمية، وألا بفتونا في مسألة كدا أطفال الأنابيب، وألا شنو شنو، من تتلّح علماء الإسلام للاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلوم والأدب.... إلخ
    أبداً
    ومع ذلك، لاحظ الملاحظة الأخطر، إنو أكبر علماهن من إنشتاين ولي فتكنشتاين، كانوا متدينين وبمشوا للعبادة عن طيب خاطر،..
    عارف الحصل شنو؟
    ياهو حصل نوع الإيمان السااااي البنتكلم عنو دا، بتاع اللادليل والمرهون بالحسس الجواني، لكن قطع شك، لو الأديان دي لسع مستمرة في صراعها معهم، كانوا هم برضوا ح يكونوا مستمرين في ردعها وهبدها بمعارفم وعلومن دي ذاتها، لأنو الأديان دي لو خلوها بطريقتها القديمة دي فيها (ضرر) على السلام الإنساني ما في شك، لأنو بتولّد ناس زي البمشي يفجّر ليك مترو قطارات في لندن معظم ركابو من المساكين المغاربة وألا بتوع غرب إفريقيا، مسلمين زيو وأفقر من ملتو كلها،...
    أها لامن يتحقق الإسلام بتاع الحسس، دا، بكون دا ياهو (الإسلام) ذاتو، بمعنى التسليم العن طيب خاطر، والمرهون بنظرة وتفكير وخيال الإنسان الداخلنا، مش البتعَرّف علي الكون من خلال الحواس الخمس، أبداً، بل من خلال الحواس الغايبة كلها،...

    طيّب دا حصل لشنو؟ أو بعد شنو؟
    بعد ما حلوا الإشكالات البشرية الموجودة في الأديان دي، وبقى بعد داك الإيمان اختياري، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، يعني هم المتأسلمين ديل، قايلين الله ما عارف كدا، إنو هو ما ياهو الفي الكتب بتاعتهم دي، لأنها بشرية ومصنوعة بأدوات البشر، وحتى مبعوثة عبر –اللغة- اللهي تلغراف البشر،..
    عاااارف،..
    أها دي حِلّة بتاعة مسيحيين، وجنبها حلّة بتاعة مسلمين،...
    هل الدين كان المسيحي بتاع الحملات الصليبية داك، وألا كان الإسلامي بتاع الفتوحات الإسلامية، ياهو ساطوري وساطورك، وجهاد نصر شهادة، وهللويا، ويكون الله مستمتع بالحكاية دي، وكلكم ياكم عبيدي، والمسيح ومحمد اللتنين رُسُلي، إياها كدي يا أبا أبكر شقيقي في الله؟ معقولة؟
    دا كلو شُغل بتاع بشر، وبحلوهو برضو بشُغل بتاع بشر،...
    يعني منتشة بتاعة سياسة وعساكر، والله في غنى عن الاتنين عشان يعزمو ليهو زول للدين بتاعو، وهم بالأساس عازمين روحن يصنقرو فوق رقاب الناس، حتى الأنبياء ذاتم الكلام دا بشملن، لاحظ أنبياء بني إسرائيل، كلهم ملوك ومحاربين وملاعين، دي روايات الأديان ذاتها ما جبتو من رأسي،....
    قلنا البشر يحلو مشاكلهم السياسية البشرية دي، الما عندها علاقة بالإيمان ولا الأديان، وبعد ما الناس تصل لمرحلة الإسلام، وهي عدم سيطرة الدين عبر السلاح، بل بالاختيار البخلي أكبر عالم تاريخ ما يتذكر نقاش روايات الكتب المقدسة ذاتو، ويمشي للكنيسة ويعتبر دا طقس روحاني خاص بيهو جدا، ويجي لعلم تاريخو ويشوف فيهو وظيفتو البتعيشو وبتمتعو جدا، والله بعد دا حاااضر في قلبو،

    دي دعوتي للناس كلها، العقل لا يجب تعطيلو، والإيمان بالله وحبو ما ضروري يكون عبر تطبيقنا الأعمى لنصوص غير مفهومة ومتضاربة، ولا بد ندي مجتمعنا فرصة يصل مرحلة الإسلام بالمزاااج،..


    أها يا أبا بكر، النهارات قامن بي،..
    أبقه طيب، وما تقطع كراعك،
    وكن بأمان



    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-06-2006, 04:31 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    حاول الروائي موسى حسن خداعي ذات مرة، فجاءني بشخص وقال لي: أمسك، هذا "عاطف خيري". وبما أنه فقير ومن الخرطوم فهو سيذهب ويبيت معنا. روعته وشعره الجميل بالطبع لن يعفياه من مسائل كهذه. أعرف أن موسى يحبني، وإن كنت أجهل في تلك اللحظة أنه يزوِّر كي يحول بيني وبين الشراب. كانت صحتي قد بلغت تدهوراً مريعاً، وصرت بين هزال الجنون وحالة أخرى لا أذكرها. والسبب هو أنني ما عدت أتحمل جلد حد الخمر. ربما يعجز الناس هنا "حيث الحرية أوفر من الشراب المخصص لها" عن فهم المسألة جيداً. لكونهم يجهلون بوليس الانضباط الديني عندنا. ولكونهم لا يعرفون أن أحلى شراب يشربه الشخص وهو مخمور قبله بالخوف. هنا حرامهم شيء واحد فقط: السياسة، أو حلالنا نحن الوحيد الذي لم نترك ابن حرام إلا وأنجبناه منه.
    "أريد أن أشرب، لن تتلبد لي في كل مكان كي تكتشف لنا الفقراء المشرَّدين". هكذا قلت لموسى بعيداً عن الضيف. وقلت بيني وبين نفسي: "لكن ماله؟ سيبيت معي هذا الوغد الرائع، والليلة سأكشفه.. إن كان عبقرياً كشعره سأعرف، ولو كان مهلهلاً وضعيفاً كأشعار بنت مجمع الرازي تلك أيضاً سأعرف. طابَق "أزهري" عندي جمال أشعاره ونجا، وعلى عاطف هذا أن لا يخيب ويقع في نسياني. سيبيت معي على كل حال وبيننا الصحو وسأعرف باقي عمره عندي. تقدمنا نحوه أنا وموسى، ولم أستطع تأمل الولد المتنكر جيداً. الظلام وحكَّة الخمر كانا يشتتان تركيزي. أو أنا بالأساس لم تكن لديَّ أدنى معلومة عن كيف يكون شكل "عاطف"، عدا أن شقيقه "هيثم خيري" كان صديقي وزميلي في الجامعة. ولحبكة الأقدار كان شقيقه هيثم قد ذهب للمبيت معي في مرات سابقة. كي يتمتن الوهم وتخدم الأشياء "موسى". لم أشك فيه أبداً في البداية، رحَّبت به:
    - مرحباً بك عاطف. "أهلاً محسن".
    - أخبارك يا أستاذ؟ "لا بأس". قالها بشكل فاتر ويعاني. ربما ظن الولد أن الحزن سيقنعني أكثر بكونه شاعراً. كان يتجاوز كلامي دلالة على الأهمية. لا حقاً سأعرف أن موسى أوصاه بعدم الإكثار من الحديث معي كي لا أكشفه. قلت له بصوت مجامل ومع ضحكة:
    - تختصرني أنت؟ "أبداً لا، أنا فقط مرهق من السفر وكذا".
    سألته كفنان أنا أيضاً:
    - وأشياؤك؟ ننتظرها بحب والله. "يعني، عملت حاجات كثيرة مؤخراً".
    شككت فيه فوراً. عاطف الذي كسر حصار الحكومة وأدوات الإعلام له لن يجيب هكذا أبداً. حكومة الثقنوقراط والجعاميس هذه تريد أن تعيدنا إلى زمن المعَلَّقات. لزمن أنْ تُشدَّ راحلة وجمل لو رغب الناس في سماع الشعر الذي يحبونه، غير الرسمي وغير المعترف به. وما قصَّرنا أبداً، وللشعب لا للتاريخ. هذه إجابة عيال، نحن رجال وما معنا إجابة هشة وفطيرة كهذه. من فم لفم، ومن ظهر لوري لباطن قدم، يقول "عاطف" قصيدته في الخرطوم الآن، وأسمعها أنا في "مدني" أو "شندي" لحينها وهي طازجة. "عاطف" ليس لديه متأخر أنا لا أعرفه، بل أنا أعرف شعره أكثر منه. وحتى لو كان "عاطف" بالفعل وأجابني بميوعة كهذه لغرست فيه خنجري هذا.
    "سمعتَ آخر مقطوعة موسيقية للموسيقار "إبراهيم الكوني"؟" سألتُ الولد المتنكر.
    تخيّل؟ طلع الولد قد سمعها قبلي بكثير. هزَّ رأسه بقديرية ثم أجاب: "بدري".
    ابتلع الطُعم المغفل. والطُعم عادة يعدونه من أشياء بسيطة كي لا يكلف أكثر من السمكة. لن تحتاج طبعاً لأخبرك بأنني تأكدت من زيف الولد. ولكنني رغبت في إذلاله مستغلاً وضعية كونه مقيداً بشخصية عاطف، فلا يستطيع الحراك كي يتصدى للصفع. بحثت له عن أسماء من مقررات المدرسة كي لا يخونني شح ثقافته، سأعوِّل على أدنى حدود غبائه، قلت له:
    - طبعاً موسيقى الموناليزا أيضاً سمعتها بدري؟ وتماثيل النحات "التيجاني يوسف بشير" شاهدتها كلها. ولم يفُتْك معرض تشكيلي واحد لـ"الهادي آدم" و "إدريس جَمَّاع"؟؟ اسمع، الأستاذ شبرين مُشْ رواياته ظريفة؟
    لم يعرف الولد ماذا يفعل. بلا شك هو لم يخطئ التيجاني وجماع والهادي. نظر ناحية موسى بمسكنة. قلت له: "بدري في عينك، إنت منو؟".
    وانتهت المسرحية. أظن أن الولد المنتحل كان اسمه "هيثم". تأكدت لا حقاً من أنه فعلاً يشبه "عاطف خيري" شكلاً فقط. وموسى انتقى ذلك الولد جزافاً، وكلاهما لم يَرَ "عاطف". الولد يشبه "عاطف" لدرجة مذهلة، ربما توَسَّم موسى فيه ملكات تمثيلية، هذا هو المنطقي. أما غير المنطقي فهو أن القدر يحفظ أشكالنا جميعاً كي يرتبها لرصد ما لا نعرفه.

    من رواية قسيس الطبيعة
    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2006, 06:21 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2006, 08:19 AM

أبوبكر حسن خليفة حسن

تاريخ التسجيل: 30-09-2005
مجموع المشاركات: 198

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    أخونا الأديب المحسن الخالد..
    تحية شوقنا الممدود..


    ردك عجبني شديد وبين لي الأرض المشتركة التي نقف عليها وهي بحمد الله وتوفيقه ذات مساحة كبيرة أو قل سفينة كفيلة بأن تحمل أمثالنا وأحزان الإنسانية إلى بر الأمان .. ودا بالطبع فيه خير كتير لمن يرجو الخير المحض المبرأ من النقائص والغايات .
    وفي تصوري الموجود الحر في هذا الوجود واحد ! وهو الفرد الذي تحرر من الخوف جملة وتفصيلا .. يعني أنسلخ من الخوف كما تنسلخ الحية من جلدها .. والانسلاخ والاغتسال من درن الخوف بالطبع لا يتم إلا في نهر المحبة . والكلام دا ما بخصوص خوف اللسان فحسب بل يدخل فيه القلب من باب أولى , فالقلب الوجل الخائف لا يستطيع معاينة الحقائق .. فضلا عن حقيقة الحقائق ـ الله ـ أيعقل بعد ذلك أن تنجلي وتظهر بـ ( القراية أم دق ) ! فإن الله لا تلتمس معرفته إلا بضروب المحبة , والطواف حول بيته القديم الذي لن يستطيع أمثال الحجاج أو غيره ( رميه بالمنجنيق ) . ثم يعرف بعبادة الصمت الصمدي " وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا " والصمت الصمدي هو المكوث في اللحظة الحاضرة قدر المستطاع .. وكان حاولت أزيد في الشرح بنقطع نفس العبارة ولن نستطيع بلوغ الغزالة إلى يوم الدين ! المسألة دي ما لها أصبحت مثل الخلوة المعدومة النوافذ والأبواب ؟!
    لكن كان جيت للكلام الجد .. الخلوة المتل دي بتنعاب ؟ .. فلولاها لما عرف يونس ابن متى ربه , ولا اهتدى أنبياء الشريعة والحقيقة لهوى ليلي .. بعدين الواحد لو ما دخل في بطن الحوت كذاب كان قال عرف ربه .. واصلا حوت ابن متى ما هو قاعد لليوم ولي بكره .. لكن نحن الذين لم يكن لنا استعداد , ولا حتى رغبة حقيقية في الغوص في قاع بحاره ومحيطاته لكي ندرك ذلك الأمر . وبالمناسبة الكائنات البحرية هي وحدها التي لا تغرق .. وبالتالي ما كانت محتاجة لسفينة نوح حتى تحميها من ذلك الغرق , ودا البخلي مساحة الظن قائم : أن بعض الخلائق ما في حاجة لهدى الشرائع المنزلة ؟! بالطبع لمستواهم الذي هو فوق مستوى التشريع الجماعي !!

    وبعدين..

    أنت تعرف يا المحسن مسألة الأديان والسواطير ( ساطوري وساطورك ) ضحكتني شديد وخلتني أقهقه وأنا زول ساكن وحداني في صحاري القصيم لي تلاتين شهر لا يوجد معي إلا الله والجماعة بي تحت تحت بقولو الشيطان . بالفعل الأديان لما ظهرت وجدت الناس حامله سيوفها وتقطر دم كمان.. !! بعدين .. قامت اتخذت ليها سيوف من خشب .. وبعد ذلك .. زعم أهل الظن من أتباعها في الظاهر ـ الذين لم تخرج رعونات الجاهلية الأولى من ثيابهم المتسخة ـ أن مسألة السيوف هذه جادة وحقيقية وقائم أمرها إلى يوم الدين !؟ وهنا تحضرني المقولة العرفانية العظيمة التي واجه بها محمد بن مسلمة الأمام علي حين طلب منه الأخير الخروج معه لمقاتلة أعدائه , فقد قال ذلك الرجل للأمام : ( ان خليلي وابن عمك قد عهد إلي ان إذا أختلف الناس ان أتخذ سيفا من خشب .. فقد اتخذته فإن شئت خرجت به معك !! ) المسالة دي نربطة هنا...
    لئن في كلمة ليك فوق خلتني أترجم ( بالمعنى التاني داك ) وهي قولك التدوين هو أوّل تشويه يلم بالأفكار،...) أول شيء دعني أنقل لك إحساسي ( الآن ) فأنا أزعم بأن هذه المقولة توجد بداخلها حقائق أقرب للعرفان من علوم الرسم والتنقيب !! فالأفكار حلها الوحيد التنزل لأرض واقع الناس البعيش فيه المفكر , وليس الحفظ والتسميع والتسجيل والتكرار .. بمعني بسيط وأدق أن تصبح الفكرة إنسان من لحم ودم وتعيش بين الناس.., أما بخلاف ذلك فلا يوجد غير الكذب والتزييف بالمقادير المختلفة . بعدين نحن في انتظار هذه العناوين للفائدة والمتابعة فقط .

    ما دائر أطيل .., لكن خليني أختم بالكلام الكتير دا ...

    متل ما قلت ليك من أول قرايه لردك تمنيت حاجتين ( وبالمناسبة نحن في العمر قرايب ! ) أولاهما أن أشرب معاك حجر تفاح مخلوط بالفخفخينة وعليه كدحة نعناع شوية ( والنعناع مهم ) ودا طبعا بنكهة البحريني ! وبمناسبة البحريني أدلف لأمنيتي الثانية وهي لقياك لأستاذنا البدر بن يوسف ( إن الله يسر ) وهو على مرمى حجر منك !! ودا ما بغرض التطابق المستحيل .. بس من أجل :

    Quote: الخير الذي لا شرَّ فيه

    اللذيذ الذي ما نضب


    عند مجمع البحرين وستجد موسى عقلك ذاب عند خضر المعارف , وأنت بالذات فيك طرف تلك المعارف التي أشار إليها الشيخ الأكبر بن عربي حين قال :
    لاح سر خفي يدريه من كان مثلي !
    عند ذاك الوقت أسأل لي الله أن يسامحني ...
    وما دائر أقولك رؤية وجهه خير لك من رؤية وجه الله ..., لئن أبا تراب النخشبي كان صادق مع تلميذه لدرجة ان رأى الصدق من التلميذ رؤية العين الشحمية , وأنت عارف أن أبا يزيد حق يجانبه الانقسام ودا السبب في فهمي البسيط للأمور الكبيرة دي , والجعل نظرة موسى للحجر في داك الوقت أخير ليه من النظر لله ذاتو.. !! الكلام دا مالوا أصبح غامض كدا ...

    طبعا لا يمكن أن أجاري بحر ـ متلك ـ فأنا ( من غير تعويذة ) أمي في المعرفة أو شبيه ذلك .. وهذا قول لا رجعة فيه كما أنه ليس تواضع كاذب وإنما هو حقيقة ماثلة كما هي الشمس . فلم يكن لي نصيب من تعليمكم الجامعي لكي أتعلم لباقة الحديث مثلكم , وما أحببت الأكاديميات يوما من الأيام . بل لم أستطع أن أحفظ الفاتحة في فصول ( القراية أم دق ) والجماعة المهوسيين ديل دائرين احفظونا المصحف من أوله إلى أخره بالسوط وكمان معاه ساطور قال !؟
    لهذا السبب لم يكن لي نصيب في المنهج الذي وضعته وزارة تطلق على نفسها ( ..التربية والتعليم ؟!! ) وإنما هي أسفار ما بين الجبل الأخضر بليبيا وعمان , وتجوال بخرائب الشام العدمية وعروس المصائف اللبنانية " عالية " أو علايه كما ينطقها أهلها دروز جبل لبنان وأخيرا قاصمة الظهر في بوادي وصحراء القصيم الممتدة حد البصر .., ولا حياة لمن تنادي ؟ أشان كدا دعني من الآن فصاعدا أن أستمتع بحديثك فقط رغم أن الحديث معك له معني .

    بعيدا عن المعنى..

    · الكلام الذي أريد توصيله إليك عاجزة حروفي عن بلوغه إن لم تكن اللغة أعجز !
    · الواحد مننا كان فيه عمار كان كلامه يدخل بيت الرب قبل ما يقوله !
    · ما قلت الكلام الفوق دا إلا من شدة الفرح .., فأنا من الذين يفرحون بالحياة أكثر مما ينبقى !
    * الأمر الذي يجعلني أدين لك باعتذار .. أنت وجميع متابعي هذا السفر المميز , وأرجو
    أن لا أكون قد أفسدت متعة المتابعة ...

    · واصل ودع لنا تلك المتعة 0


    ودمت محفوظا من كل أذى..

    ( شقيقك في الله )
    أبوبكر

    (عدل بواسطة أبوبكر حسن خليفة حسن on 28-06-2006, 08:55 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2006, 11:23 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: أبوبكر حسن خليفة حسن)

    ..


    أبوبكر حسن خليفة حسن،..
    شقيقي في الله، وفي لدن هذا الخلاء، كان فيافي قصيم كان ناطحات أبو ظبي، كلو خلاء
    يا سيدي آنست وأفدت، دايمة أريتها إن شاء الله
    سعيد بثمرك مرة تانية، والمكان بيك مزدهي،..
    الجملة دي:
    التدوين هو أوّل تشويه يلم بالأفكار،...
    الودّتك حي تراجمة المتصوفة ونُظَّار القلوب، أبقه تابعها معانا لقدَّام، في ضفيرتها السمحة بين الغياب والله وبين الكائنات وصور الكائنات، وبين غياب الكائنات وغياب صورها،..
    دي عبارة زول مصاب بمرض التدوين، أها إنت خلاك القصيمي دا ذاتو قابلو بالتدوين، على الأقل عشان تفضح غباء التدوين، بقول دائماً إنو الإنسان ما بكتشف غباء الأفكار من جودتها إلا بعد يكتبها، لو كنت مسؤول عن تلاميذ راضيين بما أقول عن طيب خاطر، لا كفرض ولا كسنّة، كنت أول حاجة بعلمها ليهم هي إنو الأفكار كاملة ما دامت غائبة، وإنو التدوين كما أسلفت أوَّل تشويه يلم بالأفكار...
    ومع ذلك سأعلّمهم كيف يطبّبون أرواحهم بالتدوين، وكيف يعاقبون أرواحهم به أيضاً،..
    التدوين هو مطلق الأُنس، ومطلق الوحشة، مطلق الغياب ومطلق الإيهام بالحضور،..
    لَمَّا غاب ابن متَّى عن الدنيا حضر الله في دنياه كما ينبغي، شفت كيف؟
    سلاماً يا صديقي في الغار، حبابك وحباب شيخ البدر متى شئتم، أبقوا زوروني ويا مرحبا..
    يمد أيامك ربي، وكن بخير

    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2006, 11:40 AM

domdom

تاريخ التسجيل: 04-12-2004
مجموع المشاركات: 422

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    بقدرما احاول انا اتجاهل هذا المجنون يلاحقني
    ضاع زمان العقل فلما تريدنا ان نتراجع عن الانغماس و الهروب في اشكالنا الجديدة و مشاكلنا المتعددة
    محسن تزوج حتي تعرف التبرير و الخوف
    تزوج حتي ترجع بالزمان وراءا دهورا و غلف تفكيرك في مطالب و اهواء و فراغات غيرك ممن سيكونون اقرب اليك من حبل الوريد
    سافر في ناس و اجيال جديدة ستجد متعة ترمل تفكيرك و انت حي تراه
    ياخي فكنا
    خلاص نحنا استسلمنا
    مالك مقوم علينا الضرس
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-06-2006, 03:33 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: domdom)

    ..


    domdom،..
    إزيييك، اتوحشناك آسيدي، واتوحشنا صوتك وضحكتك
    إلا سؤال، الجري بحل؟ وحَلَّ منو قبل كداا؟
    لعبة الحبيبة –الشغلانية والملهاة، والأطفال –المخافة والحرص، ناااقشها، وييين أقع ليكم تاين،..
    أيام المغربية رحيمها الله، من قَشَّت عيوني من النوم أخت يدي في بطينتها، الشيء دي ما يقوم يرفس فيها كائن -بالاستعمار كلّه، وبالتغييب كلّه- علي حين غفلة،..
    أها بس أقعد ليكم في الخلاء دا مَرازَه، تشيلوا العفش تدخلوهو جوه البيت، وتعملوا فيها طُرُش، أنقلو تاني أوديهو الصقيعة وأعمل فيها نشيط..
    أسمع، لو متضررين –خالص يعني- شوفوا عروس ذاااهبة، لزوم كَفَيان شَرّي،..
    كدا تفكّوني من الكَشْف، وأنفكَّ منكم كنتيجة،..
    أها Deal? وألا نواصل؟
    كن بخير،
    واتوشحنا ضحكتك النبيّة ديك


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-06-2006, 05:19 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    من رواية (إحداثيات الإنسان) -الكتاب الثاني،..

    Quote: التداعي الثاني
    الرجل الكلوروفيل

    أَبْلَغُ الأرض حين ينطقها معول
    وأَبْلَغُ المرأة حين ينطقها عضو الرجل

    وقفتُ في ذلك الليل؛ أو قل انتصبتُ ذكراً للمدينة النائمة. الأشياء تلمع أمامي من فوق أرض قاسية ومتشدّدة بشهواتها. والعجول؛ هذه المجيدة؛ تنام فوق أعقاب جنسها وعلفها كأحلى كائنات بريئة ومتشرّبة بحكمة أجسادها. والأشجار سافرة؛ مائدة؛ ومهزوزة على جذور متعة تعرفها هي، بطعم الملح وطعم التراب. وقفتُ في ذلك الليل وتعامدتُ مع وحدة كل خيط من ضوء ووحي يقطُرُ من سماء شهيدة. وفي مواعيد ينهض معها كُلُّ ذي معنى وبهيم؛ ويتفتّح؛ ويعبق؛ أقوى وأخضر من أي روح كانت له فيما مضى من عُمُر.
    هاأنذا متشبعٌ جنسياً لحد الشعور بأنني لو بصقت فسأبصق شفاه نساءٍ بالأطنان. ولكنّ عينيّ لا تزالان تصنعان لأقفية العابرين كلهم قافية واحدة من أرداف صبيّة مكتنزة.
    تمطّى ذلك القاضي السفيه والعجوز؛ الذي ألقمني لحلقوم كل هذا الحرمان؛ قبل أن يقول لي،..
    - أنت متهم بجريمة زنا وسُكْر، تُقر أم تُنكر؟
    "وبماذا يفيدني الإنكار؟".
    - أيعني ذلك تأييدك للاتهام!؟
    "يعني تأييدي للفليل".
    صاح حينها ذو كرشٍ متدلٍّ جاعراً: محكمة.
    وصحت أنا،..
    "سيبقى المطموث كأي سيف حرب لا سلام له إلا بجوف غمد".
    شتمني نقيب الشرطة الذي ضبطني مع زوجته، أمام القاضي، فلم يُهَدِّنه مولانا ولم أقل أنا شيئاً يستفزه. فهو سيظل ضابطاً في كل يوم قادم، وأنا سأظل الفليل نفسه وفي مدى أرحب، كلما أيقظتني الشمس ومرور الناس من دوخة خمر أو رائحة مبيت مع امرأة. كما أنك لا تستطيع أن تقول للضحى اصطبر ما لم تكن الغد.
    لقد عَذَرتُه، فقد ألقى عليَّ القبض وهو يجرني جراً من بين فخذي زوجته. وجدها طافية معي بما يُعَدُّ من مغمورها الحرام. كانت ورطة لا يمكن تفاديها. ولكن رغبة الإنسان الدائمة في تخليص نفسه أيضاً لا يمكن تفاديها. قلت له من دون أي منطق أو سروال: "الحقيقة أنا قصدتك أنت في موضوع و...".
    "قصدتني في موضوع، ها؟ ولمّا لم تجدني قَرّرت أن تبحث عني في سروال زوجتي!؟".
    لا شك أن بلادنا كبيرة لدرجة أنَّ أُمَماً لا تدري ما الذي يجمعها مع أغراب من نفس جنسيتهم، ومع أهلٍ بعيدين جداً، ما عادوا يذكرون منهم سوى أنَّ النيل ربما يسقي أرضهم أيضاً. ففي بعض أركان هذه البلاد المترامية يُطلق الناس على عضو الرجل لقب "المطموث"، الدلو الذي يقصد عمق الأرض ليجلب الحياة، طارداً في طريقه الخفافيش، ومنيراً بلمع الماء كهوف البئر ونسيج العتمة. القيمة المطلقة لمنتهى الرجل. التي ليس بوسع نساء الأرض تجاوزها، وليس بوسعهن جميعاً أن يأتين بمجرد تصور لرجل بلا مطموث. إلا أنَّ صاحبنا النقيب كان ذلك التصور المُرَاهَن عليه لاستحالته.
    فقد كان عِنّيناً ولا شاغل له في هذه الحياة سوى جمع اللوحات والمجسّمات الفنية. وارتضت هي العيش معه بالرغم من جدبه الرجولي، بدافع فقرها الأُسري العريق والمتوارث. ليبحث سيادة النقيب عن عزائه في الفن أو المنشطات الصيدلانية أو كما يشاء. فأعمال نورمان ركويل ولوسيان فرويد وماتييس الفنيّة لا تطردان حكّة دود بمصارين ابن آدم. وتلك المسكينة تريد مطموثاً لا حقنة. تريد أن تتلوّى ورائحتها رجل رجل، مُشْ، أجزخانة أجزخانة.
    كانت "شموم" زوجة الضابط، تمارس بعض التجارات الصغيرة من باب التَلهِّي وتمضية الوقت والتناسي. وتسللتُ إليها أنا عبر هذه الهواية مُدَّعِياً بأنني تاجر صحون أيضاً. قمت بتوسيط إحدى الجارات لديها بكوني أُريد مشاورتها في مشروع مشترك يتعلّق بتجارة الصحون. ولكن الطريقة التي تَمَّ بها التشاور بعد ذلك لا علاقة لها لا بالصحون ولا بالتجارة. لقد دحرجت الحوار بخبرة عملي الطويلة في جبهة النساء، نحو نقطة معينة، ليست بمهمة ولا هامشية، بل نقطة يلتفت عندها الإنسان لما يجري حوله بناءً على صوت أعماقه. الروائح، سطوة الأعين، روح المكان في عين اللحظة، ضياء الأسنان الخبييء، التواءات الدعوة المعدّة بالجسد –منذ الأزل- لاستضافة آخر. مقيل أرواحنا الذي يمكن أن نفرده لأرواح أخرى تلفحها هاجرة شمس لاهبة. قلت لها من عند هذه النقطة وأنا أُرَكِّز في عينيها تحديداً وبعمق،..
    "عيناك أصبحتا غريبتين عليك".
    - لم أفهمك!
    "أقصد أنهما صارتا لكائن لا يشبهكِ قبل قليل".
    - أنت تراوغ.
    "أبداً لا. ربما تُعَبِّران عن شيءٍ دخيل ومستجد، تُزيّفه الملامح في حالاتنا العادية".
    - أيُّ شيء!؟
    "الرغبة. الرغبة هذه مخلوق بكامله ينضاف إلينا. ملامحه تختلف؛ شِيِك، عصبي أكثر من اللازم وربما يُدخّن".
    انطلقت منها ضحكة غواية وسلطنة. ضحكة في آخرها كَمْ إمالة وبكَمْ نبرة بديعة الفحش، كي تجرح أينما الْتَوت وتترك نُدَباً. ضحكة امرأة نسيت نفسها طويلاً. لقد جعلتني أستجيب من جهات كثيرة وأُمطر فَلِيلاً في كل درب يريد أن يسلكه جرح.
    "وأنتَ أيضاً تغيّرت". قالت وهي تطعج قطعة اللبان في فمها بشراهة أكبر، وتدفعها من خد إلى خد. أجبتها ويداي تدسان تنميلهما في حرارة صدرها،..
    "طَيِّب، جعلتيني حامض، ليمون بَسْ".
    انزاحت بعيداً، عني ونحوي، قائلة كهَرَبِ الموج وارتداده: أوعَ تقول أنا السُّكَّر.
    وضحكنا في رشفة كأس طويلة من عصير ابن آدم. غصت فيها وكلي أنصال لامعة ومُشْهَرَة كالحصّادة. كانت لا عظم ولا كوع ولا ساق. الحيلة التي تفرّد بها خلق تلك المرأة: صُلبها اندلق إلى أسفل وكوَّن رجليها، ثم طمح إلى أعلى وكوَّن صدرها. لقد خُلقت بكاملها من لدونة الأرداف وملمس غوايتها.
    شعرت وأنا بين فخذيها كأنني أحفر قبراً لأدفن فيه الأرض برمتها، أو لأُخرج منه الوجود بكامله. المهم أنني كنتُ أفعل أشياء في أشدِّ تطرف قيامتها المجهولة. تعالت أنفاسها بلهاث حار وحميم، منظوم مع بعضه بعضاً في تتابع مثير ومترابط كتدلي الشلال من أعلى الجبل. ثم دَخَلتْ عيناها، مخزنا الرغبة، في حَوَر بديع تحت وطأة اللذة. نعم، كنّا بأبهى لحظة تُغَيِّم عندها عيون الإنسان كالسحاب.
    لقد قاومتني كثيراً وحالت بيني وبين منجمها. تحايلتْ عليَّ حتى وجدنا أنفسنا ملفوظَيْن بساحل الوهن، فارغَيْن تماماً، فيما يشبه الاستعداد الكامل للامتلاء بالحياة كلها، من جديد، ودفعة واحدة. لم أسألها عن سبب حرمانها لي من ممارسة جنس كامل معها، بل همستُ لها بأحاديث متفرّقة وعيناي مغمضتان.
    - افتح عينيك، لماذا تغمضهما؟ ومالت على خدها الآخر لأحشر يدي بين ردفيها.
    "لأن أمثالكِ بالنسبة لي كالحلم. ولكي تسمع الأحلام جيداً فلا بُدّ من أشباه النوم هذه".
    - تبدو لطيفاً ومسالماً، أنت في غاية الظرف. لا أظنك تتشاجر مع زوجتك مطلقاً؟
    "الشجار معكن أيضاً أُنْس".
    أضفت بالذي أمكنني تحريكه من أعضاء: ليس لديّ زوجة، والمرأة دائماً عندي مقترح توقيتها، والأجمل الذي لن نحوزه مهما حشدنا له من المأذونين وشهود العقود.
    ضحكتُ وأنا أشفط أنفاسي وهي طبقات إثر طبقات كبعضٍ من عبير لعابها، وقلتُ لها كي تتسلَّى بها الأفكار وليس العكس:
    (الواحدة بعد خصر الليل؛ هنا الفليل؛ وكل ما عداي من إذاعات الدنيا مجهولات. لندن، مونتي كارلو، صوت أميركا، صوت القاهرة، صوت دمشق، صوت أم درمان، كلها دجل الليل. هنا الفليل، في كل مكان وبلا حد، وخلف كل حلم يقظة ومنام. ومنذ افتضاض الأرض).
    لقد تصادقنا من حينها أنا وشموم. وصار يربطنا الذي لا يستخدم الحبال في وثاقه ولا يمكن شرحه. كنتُ في تلك الليلة التي فتحت فيها جسدها على الحياة، كي يتلقّاها وتتلقّاه، مخموراً ومصطولاً لدرجة أنني أشعر بالطريق ينسحب من تحت أقدامي لورائي ولا أشعر بسيري عليه. أسمع وقع أقدامي كصوت غريب ينبعث من معنى المشي نفسه؛ وقطعاً ليس من ترجمته السطحية والتافهة التي تعني اصطدام أرجلٍ بالأرض. أنظر إلى أي واحد من المباني الهناك فأراه يميد يمنة ويسرة وتشوبه حركةٌ ناعسةَ الناس وحييَّةَ الإضاءة.
    طرقتُ بابها بعد أن تأكّدتُ من عدم وجود عربة زوجها أمام البيت. كانت قد وعدتني في المرة الفائتة بأكثر مما هو سطحي وصبياني. لم تصدِّق لوهلة، البحر يطرق بابها ويقول لها: هاكِ عوم!
    وكانت الليلة التي اقتحمتُ فيها قسطنطينيتها. وجدتها بتمامها وعند خيوط ختان طفولتها فاستعذت بالله. لم أكن أدري عِنّة زوجها الضابط. تساءلت في أعماقي: أهذا الرجل متزوجها أمانة؟ ولكنه كَفَرَ نعمتي، فلولاي لكان إلى الآن حبيساً عند كهف علي بابا وسمسه قد مضت به حواصلُ الطير.
    كانت تتملّص مني وتتقَلَّب كالمحموم. أحياناً تُخَلِّص نفسها حتى تكاد تفلت، ثم تعود لتصفع قفاها بالفراش من جديد. النساء، الصيد الحرون؛ والوحيد الذي يتملّص كي تتمَكّن منه شِباك الشَرَك أكثر فأكثر.
    البنقو أمدَّني بهلوسة سمعت من خلالها صوتها يحرضني قائلاً: "غَرَقك ولا عوم الضَحَل. تفرد طيور البجرواية أطول بال جناح عندها وأختارك مشياً".
    لله نعمة مَنْ غَنِم، فإني أشهد أن لا منام يُبَلُّغُ قدرَ راحتها وبلاد طِيبِها. إذ هي بدينة بمقدار أن لا يسقط الرجل من فوقها لا أكثر. أعملت فيها معولي من جديد. فهذا هو المنجم الوحيد الذي بإمكان الفقراء أن يحفروه ويأخذوا ما فيه من ذهب لأنفسهم. قبضتُ على نهديها، الجسد، المادة، فاستحالا لقبضة من مادة بخصيصة الروح، كقبضة يدي السامري للتراب من تحت جواد الروح القدس.
    تأمّلتُ ذلك الجرح الذي جُرحت به المرأة وكُتِبَ على الرجل أن يحمل ألمه. جُرح بموضع أسفل المرأة ويخز بأسفل الرجل. حقاً، إنّ حياتنا جرح طويل بطول الأبد، نُولد منه ونحيا له ونُدفن فيه. كانت ختيناً على ملة فرعون. ويا لجبروت هؤلاء الفراعين الذين وصلت حضارتهم إلى كل مكان، حتى إلى إفريقيا المرأة السُفلَى. وصحيح أنّ المرأة كلها آثار ثمينة، فمفاهيم حضارة الفراعنة هذه رحلت من كل مكان إلا هذه الأدغال.
    "الله حَيْ" ولنا في النساء أفانينٌ من جياد وفواكه وحصاد. دفعتُ فيها بشفرة الحصّادة من جديد. وتَخَطّت هي صوتها وحلقها في الصراخ وأخذت تصيح بكل الظمأ الذي تلملم منذ أن ردموا ينبوعها. عويلها الملتهب والفاضح غَطّى الليل وانكشف عالمٌ ماست فيه الجن. وربما هي لم تصرخ على الإطلاق، وكل ما جرى ويجري كان زيطة قبائل ومهرجانات احتفالاً بالمطموث.
    بَدَا للحظة وكأنَّ الزمن، البعد الرابع، لطول الأشياء وعرضها وارتفاعها، يندك من جهة وينبني في جهة أخرى، ووجدت نفسي في متصل عالم عجيب، وانزلقتُ في مكاشفة رهيبة للتاريخ والفنون فيما هو الأزل والأبد في آن. فقد انفجر المكان بالضوضاء وأصوات القدوم والصحو من الموت ومن كل زيف عالمنا البسيط الذي نظنّه عالم الحقيقة والشهادة.
    وهاهم الناس والأشكال وما هو تصوّرات يتدفق من كل فج، ويحضر في لا صفة وخِلْوَ كل ما نعرفه عن الحضور. فقد نزلت كل الشخوص والأشكال المرسومة في اللوحات المعلّقة على جدران بيت صاحبنا الضابط. كل ما كان يمُتُّ للفنون بلمسة ريشة في ذلك المنزل تملّص من موته وصبّ حياته في قدح. لقد مات الموت لأنّ الفنون وجَدَت طريقها ومغزاها أخيراً. الكل أسرع يرتدي نزواته واحتياجاته ليلحق ببعُد تلك الليلة المفارقة من الدهر.
    ذلك العالم، بتمامه، الذي عاش عزلة اللون والظلال والجبص ونفسية الفنانين الغتمة، ألقى بنفسه خارج الإطارات والبراويز والأسوار، مُفَضِّلاً الانتحار على تحنيط الرغبة.
    كانوا حُكّاماً وفقراء وصعاليك وباعة وقساوس وشيوخاً، فرساناً وجميلات، وحتى أشكالاً غير مفهومة وإنْ عند نفسها. يتعلّقون ببراويز اللوحات كأنها حيطان ويقفزون على الأرض. بينما الألوان تتشتت منهم وهي تلصف وتُبرق كقطع الزجاج، ورائحتها الطازجة تمتد إلى أعماقنا كالرياحين. لقد كانت الألوان تحمل خصائص لحظة ميلادها وكأنّ الذي مرّ عليها ليس الزمن، وإنما شأنٌ لا يختلف عن ترديد حركة الريشة لتركيز اللون ساعة رَسْمها.
    صار الناس إذا رغبوا في رؤية الغد يفتحون النافذة فحسب، والأطفال الذين يلعبون الكُرة في حديقة المنزل، لو صادف أن سقطت كرتهم خارج السور يأتون بها من الأمس. لقد كان بُعداً شفيفاً وعُلويّاً من الوجود، أكسبني هلامَ كلّ شيء.
    التجليات التي تزرعك بما تحب أن ينبت فيك وتورق به، وتحصدك من كل ما هو زرعٌ لقوم آخرين. التجليّات المنتخَبة والمُطَهِّرة.
    أول من تململت أضلاعه بالحياة وخرج من زواياه الضيّقة وسخف الحساب، إلى رحابة الوجود، مجسمٌ للعالم فيثاغورث. هاهو جاء ليبتهج معنا بمتوالية أساسها المطموث وليس أعداداً بليدة، ورموزاً ضالَّة عن سوائها لدرجة أن تظن نفسها المنطق كله. هاهنا عالَم وجمهورية لمنطق يتخلّق بفعل الضرورة لا التواضعات.
    كأسك،.. كأسك،... ليركب رأسك النجم،.. كأسك،.. كأسك،... وكنت أبحث بين الطاولات عن عضو امرأة يكون قد سَهِيَ عنه أحد الناس كي أدسه في جيب فيثاغورث، هكذا سيكتشف لنا الوتر الموسيقي الذي يلعب معزوفة الحياة بأشهر وأطول أصبع سحري لدى الرجل.
    يا فيثاغورث، جيب سين وجتا ص، تطلّع دينك،... صُبّ الهانيكان، الفوستر، وهاك نبيذ،... هاك جِنْ عشان تجن، وكان ما جنّيت أدَّين، أتسلّف ياخي، ولو غلبك تسدّد ديونك أستمر مجنون،... أيوي يوي يوي يويييييي،...
    ندمت لأنني أسأت الظن بفيثاغورث، فقد لاح لي من بين وسط شخوص كثيرة تتزاحم، رأيتُه يدسّ يديه بين فلقتي كل ردف يمر من أمامه، غلمان، جوارٍ، أشكال ذات إيحاءات جنسية، لا تمييز لديه أبداً، اللعين، لتتبارك الأيدي التي لم يكن لها من وحي في ماضي أيامها سوى رسم المثلثات والدوائر، الكروكي واللاكروكي، هاهنا عالم يقع على الحقيقة من أوّل شخبطة.
    أحد الشخوص كان يحمل موعداً مع فتاة في يده، ويعبث به كحاملة المفاتيح، سألته ما حكايته،..
    - هو ليس لي، بل لواحد فنّان. ضحك متحاذقاً ليكمل،..
    "التافه.. لقد نسيه معي وذهب لفتاته من غير مواعيد، هؤلاء الملاعين دائماً ينسون لدينا أشياء عجيبة، تصوّر؟ كان بإمكاني أن أذهب لفتاته بدلاً عنه"، وقهقه الشخص.
    ليكن أي شخص ما يشاء وعلى أي موعد يشاء، إنها ليلة خصّيصة لأجل ذلك.
    القساوس والأئمة يشبهون ضوّينا في وسامته، وقفوا يناولون الناس هدايا قيّمة من السماء، حتى إنني رغبتُ في أن أذهب إليهم وآخذ واحدة.
    الباعة كانوا يبيعون أشياءهم على طرف طاولة العشاء، الطلح، والكليت، والشاف، ولم يأتِ أحدٌ مطلقاً على ذكر الحرجل والمحريب، ينصر دينكم، اليوم يتنكّر الموت وحده، أخذتُ أُمرحب الجميع،..
    "مرحب قَفَا التاريخ، مرحب صدر الحاضر، مرحب مغيّب بالسَكَر يا غد. مرحب يا ريشة خُلقت من رمش امرأة وبُلِّلت برضاب شفتيها نزولاً نحو رسمتها التحت والأسحر".
    لاحظت أنّه عندما تصرخ "شموم" تأتي الشخوص والأشكال لتتجوّل بالقرب منّا، وتتطفّل علينا، بينما هي تُترجم كالمتصوفة المجذوبين، وتصدر همهماتٍ كالتي تصدر من متنزّه ليلاً أو من أطواء غبار لسوق قديم. وعندما تكف "شموم" عن الصراخ، تبتعد قليلاً وتتجاهلنا، تساءلت مُخفياً دهشتي عن شموم،..
    "الصراخ،.. الصراخ،.. الصراخ،... في الميلاد وببطن اللذة وساعة الموت. ما الذي نشر التاريخ والموت والفنون على حبل صرخة؟". توهّمتُ أنّ شموم ستجيبني، ولكنها تساهتْ فتمتمتُ بلوعة،..
    "لو أنّ المعاول ادّخنت وحامت في أحلام الأرض طيف عروس، كان تحتلم كل المناجم الراقدة تحت الأرض وتقذف ذهبها، فلا عَرَق ولا بارود ولا حروب".
    كدنا أن ننام في الأعالي منّا لفرط اللّذة، ونمنا في قرارتنا بأن أغمضت "شموم" جفني عين واحدة على المستيقظ مني، عين تبصر الأشياء بسقوط الرغبة وانعكاسها وليس الأشعة.
    لقد تشتّتتُ عليها كالبذور بوسط بيدر عريض، حتى أعجزتني لملمة حالي، فلو فاجأتني ريحٌ ليلتها لقامت قيامة "الكلح" في كل أرض تقع فيها ذرّة مني. ومضى الزمن بسرعة من عند تلك الليلة، أو قُل انتفض كملسوع، ليقف عند تلك الحادثة، حادثة مبيتي الثلاثين ربما مع "شموم"، التي سألني القاضي في إثرها،..
    "أيعني ذلك تأييدك للاتهام!؟".
    وأجبته أنا: يعني تأييدي للفليل. سيبقى المطموث كأي سيف حرب لا سلام له إلا في غمد.
    دعا الضابط ليلتها، أصدقاءه وحوشيته ممّن كانوا معه من العسكر، وهم تملّقوه بضربي، فقد انكالوا عليّ ضرباً وشتماً بعنفٍ عُقِدت عليه آمال. للحقيقة هو نهاهم عن ضربي، ولكن ماذا يفعل لهم؟ فمنهم من ينوي أن يأتي للكثير من الطوابير العسكرية متأخراً ومتسخاً ومخموراً وزانياً مثلي، عليه أن يشطب كل ذلك بتملّق قائده وادعاء متانة صداقته به الآن، وإلا فلا فرصة معه مستقبلاً. دعاهم إلى الدخول لكي يشهدوا ضدي، ولكي يشهدوا طلاقه الفوري لـ"شموم"، التي اكتفى بطردها فقط.
    واكتفت هي بارتداء ملابسها لا غير، ولم تأخذ من بيته ذلك إلا سَبَت الصحون الذي كان بادئة تعرّفنا على بعض. أثناء مرورها ناحية الباب كانت أجزخانة المنشّطات تبع صاحبنا مرصوصة على منضدة فاخرة، فركلتها شموم في طريقها لتتبعثر في كل ركن من أركان البيت، العنّين، ولأنني كنتُ مصطولاً فقد صنع خيالي حركة لذيذة، إذ تخيّلته سيضع يديه بسرعة على منطقة حزامه وينحني بقوة تجاه الأرض، مطلقاً صوت ألمٍ مكتوم. ولكن الذي حدث أنني أنا من أطلق صوت الألم المكتوم إثر رميي كزكيبة علف مبلول بداخل جِيب الشرطة.
    أمي كانت امرأة طيّبة ومستقيمة، لم تكن جميلة، ووجهها ليس بكريه، ولكنني لو كنت مكان أبي لَمَا تزوّجتها مطلقاً. لقد عَرِفتْ حبي لكلية الآداب، وحاولت دعمي في هذا الاتجاه، ولكن هيهات، فقد ذبحوا خروفهم بنيّة أن أكون "الرضي بن التوم"، فما سلم خروفهم ولا أرضيت الله ولا أرضيتهم، كما تتندّر هي، ولكم كرهتْ عربدتي وعربدة أبي الذي كان هو الآخر، فليلاً تقدّمت به السن. أذكر حينما ضبطني في صغري مع الدخّان، باغتني وأنا بجوار الأزيار أودّ أن أشرب،..
    "لقد كنت تدخّن، ها؟ ما هذه الرائحة؟".
    "أبداً يا بوي، كنت قاعد مع واحد صاحبي بدخّن و...".
    جَرّني من خدي، ليقاطعني بسخرية صارمة: صاحبك وما صاحبك، ها؟ وهو البدخّن مش إنت؟ إلا إنك كنت ولد جدع وسلّفته خشمك عشان يدخّن بيهو؟
    طأطأتُ رأسي، فالطريق مغلق كما هو واضح، فاقترب مني هو ليقول بتودّد،..
    "يا ولد يا إبليس، هات علبة السجائر"، أخرجها بيده من جيبي وبتعجّل ليُكمل: وكمان بينسون! عب كبير. بورسودان مَطَرَتها كيف؟ وألا الأخ ما سوّاق شاحنة؟
    لقد خُلقتُ عائراً كما تقول أمّي، حتى المدرسة أذكرها كرائحة حبر تنبعث من الأولاد الوسيمين والمرفّهين، ولكم لَزِقنا بورّانيتهم. فقد كُنّا نحن أبناء السباريت غُبشاً كأنما خُلقنا من العجاجة التي أثارها الناس بعد أن خلقوهم ومضوا.
    التاريخ يُثبت أنّ كُبَراء القُرى والنواحي استطاعوا استعمار المجتمع الريفي لأنهم الأكفأ والأفضل، وجمعوا جرّاء ذلك أموالاً من كَدِّنا وعَرَقِنا ليتزوجوا بها المرأة الأجمل والأفضل. طبيعي إذن أن ينجبوا بعد ذلك النسل الأحلى والأليْن لأنه الأرقى. فالمعارك بيننا وبين أولادهم تاريخية، ونحن تلقينا فيها الهزائم حتى قبل ولادتنا، فآباؤنا مَن فاز عليهم العُمَد، وأُمهاتنا مَن دُحرن في مسابقة اختيار نسائهم.
    مدير المدرسة والوكيل عرّضا كثيراً لكون هنالك من "يتصارعون" من الصبية في أماكن منزوية، أو بقرب الحقول وسكّة الحديد. وأنني لا بُدّ وأعرف أمور الضحكات المتغنّجة بالأماكن المظلمة تلك. خشيتُ المدير لأنه رجل خبيث، أما الوكيل فكان يستولدني شفقةً من "مافي"، فهو رجل أروش، خلا فوق وخلا تحت، إذ كان يحمل صلعةً كبيرة جداً، ويحمل بداخلها فراغاً يسع المجموعة الشمسية. ولم يكن دوره في المدرسة إلا مكبّر صوت للمدير، أو صدى خشناً لصوته. عليّ إسكات المدير إذاً، فأذعتُ أنا أيضاً أقاويلي وتعريضاتي، بأنّ هناك من يرغب في حرق محاصيل، وزرائب، وأعلاف،...إلخ.. ولمّا خشي المدير على ممتلكاته فقد اجتنبني، ولمّا لم يجد مكبّر الصوت من ينفخ فيه، بقي صامتاً.
    كانت قريتنا متنوّعة البشر والمستويات، ما يجعلها متنوعة المزاج وما تحتاجه. أفواجٌ كثيرة من الباعة كانت تقتحم علينا صمت القرية وحواريها. منهم من ارتبط مجيؤه في أعماقنا بالمطر، ومنهم من يلده سراب الصيف المترامي بعيداً وخارج القرية، وشِقٌّ آخر يجدنا متكدّسين في "الكدّكة" بظهر الجُدُر اتقاء القِرّة.
    ما كان يُمَثِّل انتظاري المتلهّف والعميق فرقتان فقط من أولئك الباعة. الفرقة الأولى هي باعة "الحرجل" و"المحريب" و"الجردقة" و"الطلح" و"الكليت" و"الشاف". كانوا يُعرفون باسم باعة "الحرجل والمحريب" أو "باعة الجردقة" تدليساً، ومن باب التنكّر، الحرجل والمحريب عشبتان تستخدمان للتداوي وتنكيه المشروبات. أما الجردقة فشيء يشبه الحجارة الجيرية يستخدم لعلاج سوء الهضم. هؤلاء الباعة، انشتلوا في أعماق الفليل بصفتهم الأكثر أهمية من التنكّرات وأمور الحِواء هذه. إنّهم باعة "الطلح" و"الكليت" و"الشاف" ولا غير، يصيح أحدهم بالدوبيت من فوق جمله الأغبر،..
    أخَمْجِي الحِنّة بي دمي ليك لُخِّيها
    وحُفرة قبري للدّخان عليّ فِجِّيها
    طاش بالليل نجوم الضِّهاب باريها
    بايت القَوى وصاقعة الخراب راجيها
    حينما يأتون تصبح المسافة بيني وبين ذاتي جِدّ قصيرة، أقطعها بجرّة نفس واحدة، جرّة نَفَس واحدة وغالية، كأني أسحبها من طيز سيجارة بنقو. إبلٌ تجيء من قُهبة الخلاء، تحمل على ظهورها الحطب السحري وبدواً صحراويِّ السحنات والطباع، اندسوا فوق ظهورها غير ناشزين عمّا تحمله من متاع. يعرفون عن قيمة حياتهم أنّها أكثرُ اتساعٍ حر من حياة إبلهم، التي ترغي بما تشاء وتبول على ما تشاء.
    يبيعون أعواد وحطب الطلح، الكليت، الشاف،.. التي من شأنها في بلد قديم، كالسودان، أن تقطّع لقطع صغيرة ونشارة، ثم توضع بداخل حُفرة منزلية صغيرة، تُعَدُّ عادةً في جانبٍ منزوٍ من المنزل أو ببطن المطبخ وحتّى بغرفة النوم أحياناً في المناطق الإقليمية البعيدة. كي تأتي المرأة من بعد ذلك وتصير عاريةً كفطرتها وتجلس على نار العطور تلك، بعد أن تُغطّي نفسها بشملة غليظة تحجب عنها الهواء تماماً، كي ترعى فيها تلك التركيبة وتتخلّلها مساماً إثر مسام.
    يقال إنَّ النساء في بلدان أخرى بعيدة يسألن الرجل: تريدني؟ أو يزحفن بجواره كالسحالي الملساء، الراغبة والمتزلّفة.
    أما هنا في هذا البلد القديم والعريق فالمرأة تقوم بإشعال حُفرة دخانها فحسب. الرجل عندنا تدعوه النار شخصياً، وبأبهاء احمرارها الرهيب والماجد.
    فالناس بتكنيك الدخّّان هذا يضيفون للمرأة أوّل ما يضيفون عنصر الأسطورة، ويَلْحمونها بجانبها الغيبي الذي كان متهدّلاً وغافياً، خصوصاً حينما يخرجونها من شملة الدخّان وبوخها يلوي ويسد الأفق، كجنيّة جُلبت من قيعان جبال "الباريا"، ثم يُبرّدونها بما يُعرف بـ"الخُمْرَة" و"الدِّلْكَة" وهذا الشِّق التكنيكي يُعْرف بـ"الكَبَريت". أمّا "الخُمْرَة" و"الدِّلْكَة" فهما مستخلصات من الذرة، والمحلب، والصندل، والدّهن المعطّر، بعطور السودان، والهند، ومصر، وسوريا، وكلّ البلدان القديمة، مع ملحقات حداثية من باريس ولندن.
    هكذا يصير أوار المجال الجنسومغنطيسي، كلعنة، تنقل فضيحة البدن من جن لجن. وتصبح فتحة التلاقح في المرأة كثقب إبرة أرادوا له أن يكون شديد السريّة فهَمُّوا بثقبه فقط ثم تركوه. كما أنّ الدخّان والكَبَريت لا يمتصّان الروائح الكريهة من الجسد فحسب، بل يُثبتان أنّ المرأة عود نَد يُشعل من أسفل.
    "عوووووك آناس، الدخّان تساب النسوان، وجهنّم غربتي وحنيني، يا الله تحشرني فرعونها".
    هؤلاء هم باعة الآخرة في الدنيا، كلّما تذكرت الجنّة، حور مقصورات في الخيام، في كل خيمة سبعون حورية، في كل يوم لك أهل جديدون، حور، غلمان، ولدان،.. يتناهى إلى سمعي،..
    "الدايرة الكلح التشتري الطلح".
    أو صياح بائع آخر: "الدايرة الحتيت التشتري الكليت".
    ففي تلك الجنة التي تبدو كداخلية بنات كبيرة، لا بدّ أن يكون لباعتنا هؤلاء شأنٌ كبير وأصوات أعمق نداءً وإغواء. كانوا ينادون بأصوات مليئة بالرجولة الخلوية، ومنغّمة بالدوبيت، فتفيض القرية بالضجيج الداعر، وتنطلق قهقهات الصغار وشهقات البالغين وتأوّهات النساء، فتنقلب البلدة لسوق كبير من ممارسة العادة السريّة الجماعية.
    "يا أخوانا أسكتوا خلوّنا نسمع،.. العريبي دا نَمَّتُو ممشهَدَة خلاص".
    "فيها حُرقة يبقالي آود علي".
    ود علي: "حُرقة ساي!؟ عليّ الطلاق أتقول بدوبيها بمصارينو".
    وينطلق صوت العريبي البائع، من بعيد،..
    أهيييييي، إييييي،...
    ليلك عليّ دون الخَلِق مطبوق -يا الزينة
    وطلحك دُخّانو متل القَطَر مبقوق -يا الزينة

    يصيح ود علي خلفه،..
    "هيع، أتَّبلعك آمنجوه، دولبها تاني، يدولبك بابور البحر"، قاه قاه قاه.
    الجميع يحفظون شعر العريبي، يقول أحد السكّيرين المتخفيين في الوراء، بعد أن يزيل لثام عمامته ليبصق تمباكه،...
    "الدامشيق،.. الدامشيق،..".
    فينادي "العريبي" بعد هنيهة حادياً،..
    حليلنا من زولاً –مغارب- طلوحو تَبِق
    نيين نين نين
    وحليلنا للبلد، الدامشيقو مُرّاً يشق

    ينكتم صوت العريبي لبعض الوقت، لأنّ "النزيهة" المرأة المتغنّجة ستشتري،..
    "حاج فلان بقولك بعنا بكذا، أو زدنا كذا"، لعامل الخجل الملفّق طبعاً، النساء تشتري باسم الزوج، وكأنّه هو الذي سيخلع ملابسه ويدلّي خصيتيه في حمو النار.
    يصيح البائع المعروف بـ"الداهي" لكثرة استخدامه لهذه المفردة، التي تعني الشيء والشخص في آن واحد، صوته ثقيل وكأنّه يخلع نفسه خلعاً من بين فلقتي عود طلح أو شاف،..
    "الدايرة الحتيت التشتري الكليت،... الدايرة الكلح التشتري الطلح".
    فتتضاحك النسوة من حول العريبي، ويتغامزن مع رفيقاتهن اللائي يُطللن من نوافذ وكُوى البيوت، أو يتفرجن من فوق الحيشان والجُدُر. إذ إنّ غالبية البيوت كانت من ذوات القامات القصيرة، ومعظم نوافذها تقريباً تطل على الشوارع والأزقة. فالشوارع والأزقة هاهنا تُعتبر امتداد لحرمات البيوت. كما أنّ البيوت واضحة وما بداخلها من أشياء وحُوَار محفوظ لكل أحد، فليس لديها ما تُخفيه أو تتستّر عليه. والشوارع والأزقة نفسها لم تلتف حول البيوت لتراقبها أو لتتنصّت عليها، وإنما لتكون صوت البيوت الجماعي في ملمّاتها بفرحها وغضبها وأتراحها.
    تَقَلُّ أعداد النسوة من حول العريبي فينطلق مُقَصِّداً من جديد،..
    "المارقني نُصّ الليالي أتهمّى
    مِعَلِّب شَافَها لزولاً مقامو مذمّه"

    ود علي: "صِحْ يمين الله"،..
    فقد أخذوا منه امرأة أحبّها فيما مضى.
    "الداهي" يصيح أحياناً بجُمَل سوريالية يفهمها هو وحده،..
    "سِلْك القلب، يكهرب، يمين وشمال
    ناديتو، ما سَعَل فيني سُعال
    يا الماشي الصعيد، كلّم جبال الفاو"

    يعيد صيحته من جديد، لكي لا يفوز العريبي بكل زبائنها،..
    "الدايرة الحتيت التشتري الكليت،... الدايرة الكلح التشتري الطلح".
    هو يعرف أنّ الكل يُريد "الكلح" و"الحتيت" أي النكاح من رجل موهّز، بقسوة ووحشية يجعل الورّانية تكنتك كأضواء الزينة، ولكن لماذا تتهافت النسوة على العريبي المحبوب وليس عليه هو؟
    لأنّ هنالك وَزْنَة هو يجهلها، عليك أن تنادي رغبة الناس وحياءهم في آن واحد، دعارتهم مع أقنعتهم وبفن، وهو فاحش ووقح بنفس استقامة سِكّينه.
    "حلو الكلح، في المنَجّض بالطلح".
    الصبايا المراهقات يهربن من أمام الأهل وتصفرّ خدودهن بمجرّد صياح "الداهي"، ولكن لكي تردّد أصواتهن اليافعة بخفوت، ولكي تقرقع في السر الأواني أثناء غسلها، الطاسات، الطشوت بملابسها، ترتج بين أيديهنّ مع نقرات خفيفة، من أصابع ناعمة ومتحضّرة لشراء الكثير في مقبل الأيام: الدايرة ودايرة الكلح، هَيْ بسْ التشتري الطلح".
    وتغزر وفود النساء بالخارج، وترفّ الأفخاذ للّون الخمري، الذي يتوزّع على مسوح الدخان، وترّف الأفخاذ الأخرى أيضاً لأن تختم تفاصيلها الصغيرة بذلك الحبر الجهنمي، في الوقت الذي تتفرّق فيه جماعات البيع في القرية كالمشارق ويبدؤون الصياح الجماعي من جديد، فتلتحم القرية كلها، في التعبير عن شهوة واحدة وأكيدة، ومطلب بازلتي يتظاهر من باطن الأرض والكائنات، ويخضوري تهبُّ به رائحة الحقول وحَيْدُ النهر.
    العريبي نافخ صُور قيامة الكلح تلك، يهب جمرَه،..
    "الدخّان السيدو ممسّح، فطيراً في لبنه طفّح".
    فيلتبس الأمر على الصبية اليافعين، لأنهم يعرفون معنى الفطائر عندما تُطفِّح في اللبن، ولكنّهم يجهلون مغزى المرأة المدخّنة عندما تطفّح في المسوح، يسألون العريبي، فيرد ناهراً لهم -بتلاعب- من حول راحلته المحمّلة بالحطب،..
    "بعدين، بعدين بتعرفوا، هسّع ألقفوا الفطير باللبن ساكت، قوّوا عضامكم".
    يبايع امرأة، ويلتفت مهمهماً مع نفسه وبخصوص سؤال الأطفال،..
    "يابا حلاوة لبان، وجيب لي معاك كريملّة. كان مو طلحي دا آولاد الحايلة كان في ود غلفاء ببيعلوا كريملّة؟ يبلّغ العريبي حسده لـ"الماحي" صاحب البقّالة.
    يرفع "العريبي" رأسه ليجد أنّ "الماحي" يحدجه بعدم مودّة هو الآخر، يتزلّفه العريبي، بقهقهة أوّلاً ثم يقول،..
    "أنحن نكورك النهار كله الدخّان السيدو ممسّح، الدخّان السيدو ممسّح، وإنت تنسف جركانة سمسم وراء جركانة".
    "بالله!؟ لو مكورك عشاني أنا سد خشمك من يوم الليلة دي، لا ممسّح لا مشتّح، شوف العربي المطرطش دا عليك الله، يعني إنت كان مُتّ وألا مَسَكَك وجع حلق، زيت السمسم بتاعي ماشي يبور؟"، يجيبه الماحي بتضاحك ساخر.
    "والله لِعيْمَاً! لا حولَ"، ويخففها العريبي بتضاحك هو الآخر.
    كانوا قوماً لا مبالين، مستهبلين وسعاليق، يركبون جمالهم المنهوكة في مرح وسرور وقلّة أدب. ولطالما اعترض إمام مسجدنا على مسلكهم وسابّهم وناصبهم العداء، ولأنه يعتقد بأنّ الشارع هو ما يقع ناصية لمنزله وليس العكس، فقد منعهم من المرور به بالمرّة.
    ما عدا "الداهي" لكونه بهيمة وسكّينه هي المنطق الوحيد الذي معه، و"العريبي" لسبب فصاحته ولأنه شاعر له سلطة الكلمة، وبوسعه هجاءه بحيث يكرّس له منقصة لا يستطيع دفعها مدى الحياة.
    "ها ناس إنتو ديمة في كلامكم المسيخ دا! بتعقلوا متين إنتو؟". يسألهما إمام المسجد، مع غضب مكبوت.
    يجيبه "الداهي" بلغة بطيئة ومسترجلة،..
    "بعد جُمَالنا دي ضهرها يفضى، إمكن نَعَقَل".
    العريبي: نحن أحرار ومن يريد أن يذبح حريتنا فليجرّب ذبح البحر الراقد للذبح.
    "المعايش ما كلّنا ساكّنها متلكم، بنصيّح جنس صياحكم المافيهو حياء دا؟". واضح أنّ الإمام ينتقي عباراته، فهو يرى ذراع "الداهي" تبرم عكازه بين أصابعه كسَيْر طاحونة، رجل أعسر وقوي، ومشهور بتأديبه للفتوّات.
    "معايش من معايش تفرق يا مولانا"، يجيبه العريبي بينما هو ينقر على علبة تمباكه بأصابع حريفة.
    يسأله الإمام بحدّة: يعني إنت شايف عماراتنا البتنطح في السحاب، وألا شنو؟ ما ياها كلّها ويكة وتمليكة.
    "ناس الويكة والتمليكة ماك منّهم، شوف الضراطن تفاح"، يجيبه العريبي، "الداهي" طبعاً ينتظر فحسب، لا حُجج معه، فهو من ناس "أكتح" و"كَيّلوا".
    يحاول الإمام استخدام لغة خطبة الجمعة، كنوع من عدم رفع الكُلفة وادّعاء الرسمية،..
    "ظراط التفاح أنساهو، لأنّ الله لم يخلق دبرك له".
    "لكن يا مولانا دبرنا دا ما زهج من فساء البليلة"، يقهقه الحشد الذي بدأ يتجمّع لأجل الشماتة من الإمام، ما يضطر الإمام لأن يبصق وينطلق مبتعداً ومتعوّذاً.
    حيّ يا باعة الطلح، لو تقومون بجولة في أوروبا!؟
    أتوسّد كفي كيفما يتهدهد النائم، وأرى: "العريبي" و"الداهي" ينهران إبلهما بجادّة "هاي ستريت كينزنغتون" بقلب لندن، في جولة ستمرُّ من جادّة أوكسفورد وبيكاديلّي دون شك، و"حلو الكلح في السمارو ملهلب بالطلح"، تلعلع من حوش سماء لحوش ثانية...
    و"العريبي" يدوبي وينم، قول في درب قول. ويتناهى إليّ صوتُه الحاد والمستفحل من بعيد،..
    "لا حول ولا قوّة، هآ زول ما تجابدنا كتير، والله آخوانا الناس المحومرين ومقدَّدين ديل!" يهز رأسه وتصوّت علبة تمباكه تصويتتها الحريفة،..
    "يمين 3 اصطرليني ما بفوتلك منها "تِفْ"،.. يؤكّد "تِفْ" هذه بحركة طرقعة يؤدّيها بأن يحشر إصبعه في جانب فمه ويجذب حواف شدقيه للخارج، ثم يطلقهما مرة ثانية ليصطدما بموقعهما، في تصويتة تتزامن بالضبط مع كلمة "تِفْ".
    ويضيف: "يا زول ما تكتّر المجَابَدَة، لا حول ولا قوة، الخواجة دا ظنيتو أصنج".
    لا أحد أحسن من أحد، "الداهي" المنافس والصديق التاريخي للعريبي، يصنع حركة "طج،.. طج،.." بفمه، التي تُقاد بها الحمير، بمعنى تثنية لحكم "العريبي" بصناجة الخواجة، ويضيف هو الآخر،..
    "لا بوم تب، الداهي دا بوم مرّة واحدة،..".
    "غايتو ترى معايشنا بقت مَبَاصَرَة من جُمُلات حريم الرخم ديل"،.. يقول العريبي بعد أن يحنث بقسم "تِفْ". فيهز "الداهي" رأسه بطرب، وينفخ: "أوففف"، ويقهقه بمتعة طفولية ساذجة بعد نفخة "أوففف".
    "أوففف" الخرطومية هذه، يترقّى بها "الداهي" طبعاً، ويصعد بها من منزلة مدنية لأخرى.
    حيّ يا باعة الطلح، لو تقومون بجولة في أوروبا!؟
    فإنّ الرجل الأوروبي يُقَدّر الإبداع والحياة، وقطعاً لو ذاق المرأة المدخّنة سيكفر بأنثاه المثقّفة، التي تجادل في التلوّث وقضايا "ناسا" و"مير" والكيمياء الحيوية والعضوية، وسيأتي لينازعنا هذه الأنثى التي لا تجادل إلا في سعر الطلح. هذه الأنثى التي لن يهمها حَفر بئر بترول بقدر ما سيهمها حَفر حُفرة دخان، بنزين الناس أوّلاً، وبالمَهَلَة بنزين الطلمبات.
    كنت أشعر بأنّ كلّ نداءاتهم تلك تستدعيني أنا وحدي، لأشتري كلّ ذلك الطلح والكليت والشاف، فأصنع منه كمينة ضخمة كالتي يُعَدّ منها الطوب الأحمر، بدل حُفرة الدخان الصغيرة والمنزوية تلك، ثم تُجْرَد لي نساء القرية بتمامها كجَرْدية الحصاد، أكون مسطولاً جداً، ولأنّ البنقو سوط من يريد أن يجلد الهبوب، أقشط الأرض بسوطي، فتجري أنهار الخُمْرة والدِّلْكَة، وتطقطق فروع الرياحين والعطور في قنانيط أُمّها، فتبرّد لي النساء بغمسهنّ في ذلك النهر، لأشفى من نهر أعماقي، نهر الحنين كلّه، وشوق الإنسان للإنسان بإجماله وفي تمامه،..
    "العريبي" و"الداهي" ليسا وحدهما من كانا يشطّفان المكان من سماجة الإمام، وإنما أيضاً تشاركهما امرأة رائعة اسمها "دهرية". كانت أوّل امرأة تفتض عذريتي، وتجعلني أتهدهد كموج رائق عند حواف أجمل ما يسكنني من شاطئ.
    لم تكن بالجميلة مطلقاً، بل قبيحة يتعثّر فيها الحَجَر (شينة تعتّر للحجر). أجمل ما فيها صدرها، وهي تعرف هذا التفوّق كحال كل النساء، أي واحدة منهن تعرف أين رُبِط شيطانها. فـ"دهرية" في مشيتها تحاول أن تجعل من صدرها رجليها، كي يتفرّغ صدرُها لاحتضان كل الهائمين، وأهل الفقد، والموجدة، والتخلّي، و..و...
    كانت "دهرية" شُجاعة ونمرة، لا مثيل لها. التقاها إمام المسجد ذات لوثة من لوثاته بجوار الفرن، فافتعل معها شجاراً، وقال لها ممّا قال،..
    "روحي بالله، وليّة قليلة أدب، تفو عليك وعلي مِلّتك، عديمة الوليان والتربية".
    فالتفتت إليه بتحدٍّ، وعيناها تحُشّان عينيه كالمنجل،..
    "يعني شنو؟ قِلّة الأدب للمرأة رأس مال".
    "وكمان عندِّك لسان تتفاصحي؟ يا مرحاض السوق وبتاعة المريسة؟".
    "آي مرحاض سُوق، وإنت ذاتك أتفضّل بول. وعَبّار المريسة أطول من مئذنتكم، وشِن عجبك!".
    هاهنا يبصق الإمام، ويتستّر بكونه أهملها لأنه سيشتري برسيم بهائمه، يُلاحح بائع البرسيم متهرِّباً.
    عفارم عليها "دهرية"، مَنْ علّمتني أنّ القُبلة سديم لكون ابن آدم، فبها يجعل من فمه مركزه، ليدور فراغه حوله، وليس العكس. وتشرحك لذاتك، كرجلٍ تلوي الأزقة رجليه، فيستقيم المشي نحو وصولٍ داخله. وعلى صدرها اكتشفت أنّ اعتلاء المرأة بقدر ما يعني الإشراف على العالم من علٍ، يوازي النزول إلى جوف خندق، أثناء قصفٍ مجنون.
    في بدء صداقتي معها، وكنتُ حينها طالباً غريراً، وقفَتْ "دهرية" قُبالتي كهينغ واثقة. وقفتها تمنحها صِبَا امرأة تفتّحت في أوانها، واشتمّت سماد الرجل، سألتني باعتداد إغرائي،..
    "ماذا تريد؟".
    "ما يُريده الذين يأتون إلى هنا".
    "أيووة، ولكنهم يأتون إلى هنا بالمال لا بأرجلهم".
    "ومن هنا، هل يذهبون بالمال أم بأرجلهم؟".
    ضحكتْ بظرف من سؤالي، لتقول: الكلام مثل اللبان، يمكنه أخذ أشكال كثيرة كلّما لاكَه ضُرس، ولكن الواقع له هيئة واحدة، وشكل واحد. وأنت واقعك أنك لا تملك مليماً واحداً. أمشي أبْلُغ، وأشتغل، وألا أقول ليك أغترب وتعال.
    عرفتُ من كلامي معها أنها ليست أي داعرة كما توهمت. وأنها تبدو ملّمة بالكثير، ومتفتحة إن لم تكن مثقفة، والأهم أنها من النوع الذي يمكن أن يُشفق، ولكنها قطعاً ليست ممّن يمكن ابتزازهم. قلت لها بخيبة،..
    "سأذهب ما دام المال لسان الناس وأرجلهم".
    تركتني أذهب مبتعداً، والحسرة جوّاي جبل، ولكن عندما بلغت الباب الخارجي للدار، صاحت فيّ،..
    "تعال يا إنتَ، يا طالب".
    أوشكتُ أن أطرب، فقد لمحتُ لمعة الزيغ الشهواني بين درفتي صدرها.
    ولكنّها سألتني، ضاحكة، قبل أن أبلغها: معانا وألا مع مولانا الإمام؟
    تلفّت، كنتُ صغيراً، وأخشى إن صففتُ نفسي لجانبها، أن ينزل مَلَك عذاب ويقبض عليّ في تلك الساعة، تلوّت هي ضاحكة ودسّت يدها تحت ملابسي: طيّب مع الإمام وألا مع صاحبك دا؟
    انطلق جسمي ناراً، سألتها مبتسماً باضطراب: الإمام ما كفاه ناس جبريل والعَشَرة المبشّرين بالجنة؟
    قعقعت ضحكتها، كفروع شجرة اللالوب المثمرة: خلاص اتفقنا يا جميل، قانوني يقول: اكسب الرجل ولا تكسب منه جنيهين.
    تطلّعت إليّ قليلاً ثم سألتني،..
    "هل كرهتني حينما صددتك؟".
    "لا، كرهت الاحتياج، هنالك فرق بين أن يؤلمك الواقع وبين أن تكرهه".
    تعجبت من وجود امرأة مثلها في ذلك المكان، حتى شرحت لي أنها مجرد فنّانة فاشلة، كانت تود بقوة أن تصير ممثلة فانتهى بها الحال بين يديّ دهرية. وأنها كانت تعمل مع فرقة غناء إثيوبية جوّالة، فزاولت التسواح وجرّبت المدارس والمسارح وتذوّقت كُلَّ ما صادفها من أنواع الخمور الجيدة، والتبغ الجيد، والرجال الذين لم يصادفها منهم صنفٌ جيّد بالمرة.
    وبرغم ما شهدتُه بنفسي من زيف العاهرات وغشّهن، فقد منحتني دهرية في ذلك اليوم صدقاً نادراً إن لم يكن معدوماً. صدق رئيس بلدية مخلص، حمله مَنْ فوّزوه فوق أعناقهم، فكان حرصه على أن لا يسقط، أكثر من حرصه على أن يراه الناس فوق هاماتهم، للمبالغة طبعاً. فقد كانت امرأة سِمِّيرة وشهوانية تعرف كيف تفاجّ بين فخذيها وكأنّ الذي سيهبط بينهما نيزك لا رجل. لقد ضاجعتني بأوّل امرأة فيها كانت تدخرها لرجل بلا نقود. أما أنا فقد نَقَدتُها ابن آدم نفسه وبتمامه دون تمحيص أو مفاصلة.
    ومجنون أبدك يا جسد، إذ تنقض حنوطك بالبلوغ، وتُبصر منذ أن يؤرخ فيك الجنس لعَيْن... أيّما جسد هو مومياء في طفولته، لن تعمُرَ بالحياة إلا حين يباغتها الماء اللوزي، يخضور الإنسان، ومخ عظامه.
    ومنذ "دهريتئذ" مشيت الطريق، الطريق من الكمبو إلى القرية. ذلك الطريق الذي لم يكن في عُرف الناس طريقاً يصل بين منطقتي إقامة، بل يفهمونه على أنه طول قامة الشيطان الذي يرقد بين القرية والكمبو.
    الطريق الذي يُراد له أن يكون خالياً من آثار الناس ويبدو ظاهرياً كذلك، وما إن تسير عليه قدماك حتى تجد أنّ خطواتك تقع على رهبة خطوات كثيرة سبقتها. وتكتشف أنّ سودانيين كثيرين ساسقوا على طول هذا الشيطان المنبطح، وخطاهم تُشَلِّخ الدرب كلٌّ على حسب قبيلته. إنه طريقٌ لا يفصل بين عيشٍ وعيش فحسب، بل بين كوكب وكوكب، وبين كائنات وكائنات. الدرب الذي يوجد تقريباً على كل الخارطة السودانية، وخصوصاً مناطق الإنتاج والمشاريع الكبرى. حيث يقطن الكمبو العمال تحديداً والفقراء والنازحون من القبائل الزنجية على وجه العموم.
    هذا الطريق متحكّم ونافذ في أقدار الناس هنا، فبإمكانه إسالة الدم وتخمير الجو برائحة البارود، تغيير الوصايا وتبديل حصص الميراث، نقض عقد أو صُلح أو انتزاع أرض من رجل وتقديمها لآخر. يمكنه طرد أيٍّ كان من بيت وُلِدَ وخُتِنَ فيه، وربما من البلد كلها التي حدّد فيها البقعة التي سيضع فيها جنبه للموت، فكل حيّ هنا يعلم أنّ قبره ذراعين، ثلاثة، أو كذا خطوات يمين أو شمال قبر جَدّه فلان.
    أما القرية التي تكون مناظرة للكمبو على الدوام، فهي لأجلاف العرب من باعة السكّر والشاي والقديد. مصلّو الجمعة نهاراً، الذين هم في الحقيقة منتسبو الكمبو ليلاً.
    إمام قريتنا كان يدعو على الكمبو بالخاسفة كلّما وجد لسانه رطباً وبداخل فمه. كما كان يتهم "ضوّينا" المؤذن بأنه رجل سُوقي وبكّاش، يطلس الناس ويداهنهم. أما الحقيقة فهي أنّ ضوّينا قد كان رجلاً سمحاً وفيه نُزوع للمشاورة، يهتم بطرح آرائه في شكل مقترحات يسعى لأن يجمع لها الموضوعية قبل المناصرين. يقف دائماً مُقَسَّماً بين رجل مهيب ورجل طاعم اللهجة. بالتساوي. عين تُطل من عالم جليل، وأخرى تُطل من عالم ضحوك. وجهه لا يفتش وإنما يتنَقَّل كمدرة القارب، يعرف عمق الناس وضحلهم أينما التفت. بادئ ذي بدء ليقدِّر نبلهم ويجلّه، وثاني ذي مثنى ليقوِّم اعوجاجهم بحنان. هو لا يترصّد ولا يثأر ولا يعظ. إنه شاهد الخير فحسب.
    كان الإمام لئيماً ولطينة بني أُمية، يقطعه الله. فإن دَرَج على الترويج إلى أنّ ذلك الطريق الذي يصل بين القرية والكمبو طول الشيطان الذي يرقد بينهما، فلطالما سعى لترسيم حدوده فوق الناس على أنّه قامة الملاك الذي يقف بين القرية والسماء.
    الغريب أنّ ضوّينا لم يخلُف الإمام بعد موته كما هو متوقّع، بل خلفَه ناظر المدرسة. ليحلّ صنف رجال الدين الحديثين هؤلاء. الذين هم أصلاً ذلك الدجال القديم، بعد أن أُضيف له القليل والمضلِّل من معرفة الحساب والجغرافية، والكثير من الخبث وجداول الضرب لتجويد حسابات لصوصيتهم. فنوعه هذا هو بالتحديد ما يدفع سانتينو لمقولة: الله يعتبر المشتبه فيه الأوّل، في الجرائم التي تُرتكب باسم الدين.
    ضوّينا كان حلو اللهجة وطاعمها، ولأنني مفتونٌ باللغة والقواميس منذ صغري فقد كنت أحبُّ حديثه، خصوصاً حينما يحكي عن مذبحة الإمام الحسين، ولطالما جسّد لي حضرة الإمام الناظر بني أُمَيّة بأنوفهم الطويلة والقاسية، والخُرج الكبير الذي كان يجمع فيه الفاصوليا والفول والمحاصيل من أناس أفقر منه، وتحوّلت خطبة الجمعة في عهده من شتائم الإمام الراحل، إلى هرطقات بهلوانية تشبه كثيراً حصصه في مادة الجغرافيا، التي يتناول فيها صناعة الأفّاقين من بيض جنوب إفريقيا.
    ضوّينا الرائع كان متواضعاً، وعيناه الصوفيتان يسكنهما على الدوام انعكاس نخلتيه اللتين بجوار الساقية، وحتى حينما يعود من حقله ويفارق ساقيته يجلس إلى الناس وعيناه تُطلان بانعكاسهما وظل نخلتيه نفسه. فلم يكن يتحرّج مطلقاً من القدوم لدائرة شجرة اللَّبخ العملاقة بقرب النهر، حيث اعتادت أن تنزل على الدوام المجموعة الثانية التي كانت تستهويني من الباعة، الغجر، وابنتهم "سنيّة" على وجه الخصوص.
    الحَلَبْ "الغجر" يسيحون في البلاد بطولها، ليقوم الرجال منهم بصيانة الأواني وقِطَع الأثاث وغيرها من الأغراض، أمّا نساؤهم فيقمن بتجارات صغيرة أهمّها بيع أدوات المكياج والأواني المنزلية والملابس.
    قلت لوالد سنيّة كأنّي أرمي بشِباكي في النيل،..
    "يا عمّنا إنتو ما عندكم لا أهل لا بلد؟".
    "كيف يا ولدي!؟ أمّة محمد دي كلها أهل منو؟ وأرض الله دي من حدّها لحدّها الدّخلها معاه في قبره منو؟ دهور بأكملها يا ولدي وأنا أمتلك خيمة لها 12 وتد، لم ينبت أحدها في أرض بلد، ولم أغرسها في مياه بحر. دائماً معي، ودائماً أجد لها الأرض والمنزَلة. نحن يا ولدي بلدنا موسم مش مكان. أما كلام أرضنا وبلدنا وحدودنا دا كلام ناس حكومة وبَسْ".
    فليفهم أبو سنيّة ما يشاء، من كون ملكية الأرض كمرادف للوطن، ضلالٌ كبير وغيره، فأولئك قوم الوطن عندهم رديفٌ على حمار. أمّا الذي أفهمه أنا، فهو أنّ النساء من جنس سنيّة ابنته أكبر فكرة ضد الوطن، لستُ مراهقاً صغيراً ليخدعني شاعر ما ببيت شعر يقول فيه إنّ المرأة وطن مهم ومثل هذه السذاجات، كلا، أنا مراهق متمرّس، يعرف أنّ المرأة الجميلة لدرجة الإبهام، ما هي إلا الحنين في تجليّاته العضوية، فانظر بهذا المفهوم بُعد امرأة كهذه من أن تكون وطناً.
    سنيّة لم تُخلق من الشِّعر الداجن لتخدَع أحداً بالمواطنة، بل أنزلوها من ظهر الشعر غير المطيَّع أبداً، جاذبة دون حد يتوقّف لديه الخيال. كانت رسمة ولم تكن بنتاً، قبضوا عليها من شِق ماد به النخيل في تيه فانزلق منه.
    بالأمارة، كنتُ أجمع صور الجميلات من كل غلاف، وأُكدّسهن لحد أن ضاق بهن المنزل. ولكنني لاحظتُ أنّه بعد فترة تنقلب الجميلة لمجرد فتاة لا أكثر. أحياناً أعتبر نفسي قد أخطأت التقييم، وأحايين أخرى أتأمل هذا الاستهلاك نفسه للجمال، وأقول لنفسي لا بدّ أنّ للإنسان مَلَكَة تعمل على استئناس الجمال! وإلا قتله الحنين. وكنتُ أفترض من ناحية أخرى أنّه لا بدّ من وجود جمال فذ ووحشي، لا يمكن استئناسه بالمرة، لأنه يقع في بلاد الحنين بالكامل، فما من مقدرة هنا بوسعها بلوغه كي يتم لها استئناسه بعد ذلك. وسنيّة كانت ذلك الشاهد الحي على صدق نظريتي، كانت الجمال الوحشي كما لم يُقدّر حتّى لخيال البشري أن يمتطي ظهره مطلقاً.
    أتذكّر جيداً حينما بَرَّر المرحوم حسنين طلاق زوجته بقوله لحمدان الطبّاخ،..
    "أنا رجل محكوم بالموت كما تعرفون، لتأخذ حرّيتها، فهي بأي حال تزيد على المرأة ناقصة العقل والدين بكونها ناقصة ذوق وجمال".
    ضحكوا ساعتها، وأجابه حمدان،..
    "كلهن يصبحن هكذا بعد فترة، ولكنّا نُكْمِلُهن بالصبر وغض البصر". ضحكت معهم، ولم أقل لهم إلا "سنيّة"، فأنت لن توافق على نظرية سوى هذه إن لم يُقدّر لك أن ترى "سنيّة".
    كانت قانوناً من قوانين الطبيعة في حد ذاتها، القوانين التي تُوجد بدافع أن تَحْكُمَ بناءاتٍ، وتُفني غيرها.
    وكنت أنا أيضاً قانوناً في المقابل، أعرف حكاية الجسد وشبح الجسد من مبتداها لخاتمتها، فمع أحاجي كـ"سنيّة" أقود حواراً مختلفاً، في مناطق الضَحَل المليئة بالصير، بلغة شاغفة التطفّل أكثر منها ذكية، لغة رحيمة مع غربة الغريب وحواجزه.
    "وجهكِ يبدو مألوفاً بالنسبة لي. قولي بس شفتك وين؟".
    "أنا؟ وين يا وِلْدي؟"، قالت بلهجة الحَلَب، وأردفت،..
    ما أظن أنا، تكون واحدة تانية".
    "لا، أنا لا أقصدك أنت، ابنة الحَلَب، وبائعة الصيني!".
    مع إجابتي هذه أخرجت عينها التي تتأكَّد بها من كون الناس مجانين أم لا، فأكملتُ على الفور: أقصدك أنتِ، البنت الحلوة وبس. يعني إنت كان لازم تشتغلي بنت حلوة وبائعة؟
    فأطلقت "سنيّة" ضحكة غير مترحّلة، ضحكة كدَقِّ وتد الخيمة في الأرض.
    "أيوة أيوة، دلّلني بالكلام الحلو، أصلها الحلاوة دي شَغّالة عند ألسنتكم، مش عندنا". ردّت وهي تُدير ابتسامة من خلف قمر وجهها بكامله، وبعد تفتيش فمها الجميل، لإخراج بسمة خاصة تدخرها لمن يتفاوضون معها في غير الأسعار. ربما أحسّت باللعبة الودودة القادمة.
    وهكذا لعبسة بعد لعبسة حتى صارت لي معها علاقة بطول أسفار غجر الدنيا كلهم، وإن كانت كالأنهار الموسمية، تمتلئ وتفيض مع موسم مجيئهم إلى قريتنا، وتذوي وتتصحّر أوان غيبتهم.
    لا زلت أذكر أوّل لقاء جسدي كان لي معها. أشّرتُ لها من بعيد، وأشّرتْ لي هي بماعون العَلَف، فتبعتها. تظاهرتْ بكونها ستعلف الحمير البعيدة بعض الشيء عن الناس، وأنا جلست لظل شجيرة قريبة منها بدعوى أنّ هنالك شوكة في قدمي.
    كانت "سنيّة" أجمل حكاية رافقت الغجر من بين كل حكاياتهم. حتّى المسترجلات قليلاً من نساء قريتنا، كنّ سيأتين لينخسنها ويغمزنها ويتغزّلن فيها، كما رَغِبت "الروضة" بائعة البروش، كانت أكثر شخص ينافسني على الفتيات، لأنّ معها تصريح الدخول لجميع أماكن تجمّعات النسوة. كانت امرأة مشلّخة ووسيمة بشكل لافت، تتحدث دوماً بأرخص لسان شوارع دنئ، تحاججها امرأة حول "بِرش" في السوق،..
    "هوي يا الروضة، إنتِ والله إلا كان دايرة تغشّيني".
    "شوفي يا وليّة إنتِ، هسّع في ذمّتك صبغة البرش دي بتاعة عشرة ريال وألا عشرة جنيه! أقوم أنيكك؟ الدنيا براها حر".
    تنكمش المرأة حين تقوم الروضة، ولكنّها لا تهرب، فكل النساء فيهنّ تلاعب ما، تتضَحّك المرأة، لأنّ الروضة تقول،..
    "أقيفي أوريك نوع السعف"، طبعاً لا سعف ولا يحزنون، "الروضة" تميل في اتجاه الجوالات المرمية في الخلف، بينما تضغط بعضوها ردفي المرأة الطريين، ويدها تفعل أشياء في صدرها، توزّع المرأة المستلذة كل تلك الحركات الواضحة جداً على،..
    "هَيْ يا يمة شوالات سعفك بعيدة، كان تجيبيها في وشك بي هنا". لتقول لها الروضة مقهقهة،..
    "يعني إنتِ كايسة الراحة لي منو فينا؟".
    مع بدايات ظهور سنيّة وجمالها الفذ، كنتُ حاسماً مع "الروضة"، فقد سمعت بكونها بدأت تحوم حول "سنيّة". لمحتها تحمل سعفها من بعيد، فربطتُ حماري بجوار الترعة وأسرعت أقصدها بينما طوريتي في يدي بطينها، وبدون مقدّمات،..
    "شوفي يا الروضة، إنتِ ما عندك ذِب، صاح؟".
    "هوي آود التوم، قول بسم الله، وارعَ بقيدك!".
    "بطّلي حركاتك دي، واسمعيني كويس، والله،.. ووالله، أشوفك وألا أسمعبك قرّبتي من لبخة الحلب دي، إلا أزرع ليك الذِب الدايراهو دا في رأسك، وبالطورية أم طين دي، شايفاها؟".
    كانت الروضة امرأة لها كلمة: "مبروكة عليك"، قالتها كوعد وأنجزته برجولة.
    أصبحنا بعيديْن عن أعين الناس، وكانت سنيّة تعلف البهائم، بماعون فارغ، بينما كنت أنا أستخرج شوكة لم تدخل إلى جسمي بعد، وبدون منقاش، فتواعدنا مساء ذلك اليوم لدى صفصاف الشاطئ.
    كنتُ منتصباً لها بتمامي، قرب النهر، ومن قبل مواعيد لقائنا. أشعلت سيجارة بنقو غليظة وفاهمة، بوسعها تقريح شفاه حتّى ذلك النهر، وإصطاله ليخرج مهرجلاً بين البيوت. بنقو الجنوب من صنف "الكافن"، حين تتلقّاه تتلقّى المعرفة كلها في جرعة واحدة وكبيرة، فليس بمقدرة أي كلام بعد ذلك أن يُعَقِّد نفسه بداخلك حتّى يبلغ قامة السؤال فيك، يُعيد صياغة الصور الواقعية ويؤطّرها بضباب لذيذ يُبرز عمقها، يُحمِّض منك ما يُحمِّض،... يشذ بالحياة الغريبة كلها نحو مألوف منسي بداخل الإنسان، يستأنسُ فيك ما يستأنس،..
    دخّنتُ ودخّنت، حتى رأيت الشمس ترفُّ فوق المياه، كوزّة تُريد أن تبترد. وإلى أنْ تشقّق النهر عن فتيات كُثر، يرتدين منامات رهيفة. فإذا ما صرفت بصرك باتّجاههن، لا تُبصرهن كتحريري عَيْن، وإنما شفهياً وبكل لغة.
    صرفت بصري ناحية النهر من موقعي ذلك، فوجدته قرمزيّ اللون، زِدتُ من تركيزي وهِمَّتي كي أتيقّن منه، فلامسَ عينيّ كوجود رائق من دلكة خالصة.
    الزمان والمكان استحالا لسجسجٍ من عناق، ودغدغة، وتورّد خدود، وانفتاح وانغلاق غمّازات وأرداف.
    ضوء الشمس الشفقي يشطّف بلمعه وجوه الفتيات السُمر، فيأخذ تلك الوجوه رويداً رويداً إلى حيث جوهر الإشراق وكلّياته الخفية. ثم بدأ غناؤهن بكلمات تتراكب أمامي عينيّ كقطع ملوّنة من نوع دُمى الأطفال التركيبية.
    أخذتُ أُردّد معهن كلمات الأغاني، فأحسستُ بنفسي تتحدّث لغةً سَبَقت قومها للتحضّر بعصر جيولوجي كامل، لذا ظلّت بِكراً وطي ألسنتها لدهور، وهاأنا أوّل المفتضّين.
    فالإنسان حين يصطل يسد منابع اللغة البدائية فيه، ويفتتح مجاهل للكلام من حيث لا يرتهن للّسان.
    حينما بدأن البرود بالدلكة كنت أتطاير أمام نفسي مثل قطع الكلام تلك، وأتراكب مع بعضي بعضاً في مليون صفة وهيئة وهيئة.
    لاهَ برقٌ فضي في علياء ذلك العالم المثير ثم اختفى، وإن كانت أشتات ضوئه لا تزال تقشط نهر الدلكة ذلكم في تيه. فتبتلُّ منامات الفتيات من جديد، وتقطر ندف الضياء برفق، حتى تلتصق بأطراف شعر الفتيات في شكل بلّورات صغيرة، وأيضاً في شكل حِزم كبيرة بعض الشيء، تتراءى من بعيد وكأنها من جنس الشرائط اللامعة التي يُصفَّف بها الشعر.
    أجسادهن كانت حرباً معمارية، فحين ينثنين.. قوساً، وحين يستقمن في وقفتهن يصرعني سهم. أمّا شعورهنّ فكانت سوداء فاحمة، وطويلة حد الدنيا تغيِّم. انغمستْ في نهر الدلكة ذلك لدرجة الغرق، وتغطّت بضفاف من أرداف الفتيات. كنّ ينفضن شعرهن بغنج، فيطير فَراش الرذاذ المعطّر ويدس نفسه حيث تندسّ الخَمْر. ثم تضحك واحدة منهنّ فالثانية، ويبدأ التراشق المَرِح بتيار الخُمْرة الذي يجري من تحت طبقات الدلكة بخرير يصطل الروح.
    اجتاحني احتياج شهواني بحجم يفوق هياج أنوثة كلّ الفتيات الخائضات في النهر. فشاطئتُ نهر الدلكة، قاصداً الفتيات، بخطوات لا أكاد أنزعها عن الأرض حتى تنمو شجرة حناء أو صندل على الفور حيث موطئي، بلغت عالَماً من أيادٍ بيضاء، حنطية، وسمراء، يمتدّ إلي بأكمله مستغيثاً،... وما إن بدأت أخوض نحوهن...
    نادتْ هي، وقطع صوتها الواجف وساوس ذلك النبات السلطان، كانت تقف أمامي من بين بوادر الظلام الذي بدأ يحل، ومن بين أصقاع البنقو التي أخذت تنقشع.
    "تعثّرتْ على أرض النهر الحرشة وهي في طريقها إليّ، وتلقفتها أنا بسرعة لتكمل تعثرها وباقي وقوعها في صدري. فلاقتني وأنا مواقيت المواسم كلها، يميني الشتاء، غربي الصيف، "اجلس يا ربيع"، "غُوري يا أم مشير"، أنا يوم اليوم وخميرة الدهر.
    انحنيت فوقها، تحملني ساقٌ تحفظ لي توازن ما بعد الوقوف/ المشي، وعلى مركزي لا على رقعة أرض أو أي مُعْتلَى آخر.
    كنتُ كالعتّال، العتّال باليد الحنينة والساق الأحن، لأُنزل من فوقها الهموم مطمورة وراء مطمورة، وسهر الوحدة ليلة بعد ليلة.
    أخذتُ بكامل راحتي اليدين، حلمتيها الورديتين في شفاف، إسكابتيّ ماعون الحياة، ثم فتلتهما مترفّقا مترفّقا، مثل لف ورق التبغ والكافن، فغزاني إحساس أُشَني، وجذبتني طاقة الحياة بين عُمر وعُمر، حيث المشي بالساق الثالثة والتحليق لزيادة المحرّكات.
    طرحتها على العشب الطري برفق، برفق، بهدوء وكأنني أخشى عليها أن تندلق، مباعداً بين بدايتها ونهايتها، ثم جثوتُ بين فخذيها كمزارع يريد أن يبدّد عناد أرض شاسعة، بطورية وحيدة؛ وبضربة واحدة فقط؛ يُريدها أن تُسوَّى وتُزرع وتُحصَد. مكثتُ بين ضفتيها طويلاً، حتى خشيت أن تُداهمني صرخة طفل وأنا في ذلك المكان.
    انتبهت إلى أنّ عرقها أخذ ينتح كندى الأوراق، ثم فحنا بعبق أشجار الحناء والقرنفل، والفاكهة المتبرعمة لتوّها، نكهات كثيرة، من اللّبان واليانسون والأناناس واللافندر، يا رب الكلوروفيل، الأرض ينكحها الجدول، والمرأة يُفلحها الرجل.
    لقد احتلمتْ كل مسام جسدها بالخروج، وغدت كل شقوق الروح منها حُبلى، إثر ذلك الاحتلام.
    تشابكنا والتقت جذورنا عند خصب مناطق التقاء التيارات.
    كنتُ أهمزها من جانبها، هاهنا موضع للبهجة وأسارير غالية، البهجة دفينة بجانب الإنسان، وحين تضحك بالكامل أمصّها من فمها، يصبح نصف الضحكة بفمي وأترك نصفها الآخر بفمها، ويرفس المرح بيننا كسمكة صغيرة معلَّقة من رأسها وذيلها بين فمّينا، هذا ما يُجَمِّع شتات الأرواح في مدارها الواحد، وينظمها في خيط عقدها وتتابعها الأزلي.
    تذَكّرت مع الراحة المبهمة التي شعرت بها، أنّ الناس من أرضنا يُلقِّبون "المطموث" أيضاً بلفظة "الشيء"، أمر عُجاب كما ترى، فهو بذلك يصبح الأمر الوحيد الذي يُعَرَّف بالتنكير ويحدَّد بكلمة مطلقة وماهلة. همست في أُذن سنية،..
    "ارفعي رأسك لأرى عينيك".
    كانت تتأود بين يديّ كدمية من العلك، على وجهها ترتيب المحاريث وأسارير أخرى غالية، أجابتني بما يتوق لأن يكون ندماً: "لا بُدّ أنني مخبولة". أدارت وجهها ليلمع بوهجه في جهة أخري كصفحة نهر كانت رائقة وعَنَّ لها خاطرٌ آخر، خاطر انقلابي، من جنس وميض لروح تتألّم في العميق، سألتني بلهجة ندم متدلّلة،..
    "ألست خائفاً؟".
    "أبداً لا،...".
    "ولا حتّى ندمان؟".
    "اسمعي يا سنيّة، أنا هنا بالتحديد لكي يتحرَّر قلبي من أمراضه".
    "ولكننا نتعذّب بعد هذا"، تحسستْ بيديها يديّ، فقلت لها: "ولكننا قَبْله أيضاً كنا في عذاب".
    نهنهتْ: "لقد غلطنا، أشعر بذلك، وفي نفس الوقت بالرغبة فيك مجدداً".
    بالنسبة للفليل، مراجعة حالة كهذه في رأسه لم تكن تعني المحاسبة أبداً، بقدر ما تعني اجترار المتعة، قلت ويدي تمغنط باللذة الذي كاد أن يفيق من خَدَرها،..
    "الغلط بدأ يوم تلصَّص ردفان صغيران لصدرك. الجسد يغلط غلطة كهذه في النمو؟ يا لفداحة الأمر، ستنبني عليها جمهورية من الغلط. أمثالي لن يصححوا الدنيا ولن يقترحوا أنفسهم مُعَدّلِين أوضاع. لتغلط الدنيا على كيفها، ولنغلط نحن من بعدها على كيفنا. نمو الحياة وابتناؤها من بدأ لعبة الغلط هذه، بَذْر الحياة وتبرعمها يحتاج لأغلاط كثيرة".
    ثم سرحنا،.....
    تذكّرت علاقاتي بنساء كثيرات خسرتهن، ولم أحزن أو أندم على أي واحدة منهن مطلقاً، إنَّ خسران أي امرأة هو في الحقيقة شاغر مكان لكسب غيرها، إلا شاغر سنيّة هذه، بل هو مخزنها وليس شاغرها، مخزنها الذي سيبقى في انتظار موسمها القادم على الدوام. لقد سكنتني إلى الأبد كوسواس لذّة تلعاب، تنهرها فيركض ظلها فحسب، أمّا هي فتلبد بين لعبة الشيء وظله.
    سهرتُ لجانبها حتى الصباح، ولم أغفُ لثانية واحدة، ولا عجب، فالسهر بقرب امرأة عارية عند الفحل تُمباك عين. عانقتها بشرَه وجنون حتّى تحوّلت سلسلتها الذهبية إلى عنقي دون أن نشعر. عانقتها لآخر شبر يرتكز عليه المطموث مبلّلاً كأصبع لقارئ يود تقليب صفحات المرأة جيلاً بعد جيل. سعينا معاً على أنهرٍ، وخيل، وبُراقات، ورواحلٍ كثيرة ممّا نعلم، ومن مجاهيل، فالمطموث عندي ذو سُرَى وأكثر من موصِّل جيّد بين بدنين.
    تلاشينا في تركيبة واحدة وفي غير ما شكل أو صفة، فنحن لم نكن نتلاحم بوضع جانبي، ولا حتى قائمٌ أحدنا على الآخر. لقد اصطلحنا أيْنَاً من وحينا في تلك اللحظات اللصّة، التي تدفعك للوقوع دفعاً، وحين تنفصل عن توازنك ولا يصبح أمامك خيارٌ سوى الوقوع، تسبقك وتسرق الوقوع،... خليك هنا: بين أعلى أرض وأنوَر سماء.
    لم أصحُ إلا على صوت المؤذن ضوّينا وهو "يتكّل فَتَر الأرض بي حيل السماء". صوت الأذان غار في أعماقي كالمدية، تمادى، تمادى، وأنا أتمدّد وأتطاول كالنفق، فلم يلبث أن تجاوزني بعد أنْ تردّد صداه بداخلي لأزمنة لا أعرف قدرها، ثم امتصّته آفة ما، كما تمتصّ الحقول الرطبة دويّ البندقية.
    لقد أكسبتني ليلة البارحة شيئاً محسوساً ولا يمكن شرحه، كملكة شعر أو رسم، أو طريقة سريّة للغناء. شعرتُ وكأنّي تلقّيت عناقاً من نساء الأرض كلها، وألفيتُ أنّ كل ما بي من أسف وحزن وحنين مجهول، قد شربته أولئك النسوة أثناء احتضانهن ومصّهن لي.
    وهاأنذا سجين مكان لئيم، ضوء الشمس سقط ههنا فتسوّس، لأنه لم يجد الغجرية الشفّافة التي يعبرها. أُراهن على أنّه لو زُرعت شجرة لبخ ههنا لأصبحت تُلقي بظلالها في جيب، كما يفعل الناس بنقودهم. هنا مكان ضد أن يُقيم الغجر وضد أن يترحّلوا. ولكني سأبحث عن عالمي في هذا المكان داخل الشق النسوي النائم بأعماق الرجال، سأُوقظه، فكل رجل يمكن تعميره كماكينة السيارة ليلعب عُمْرَين من حياة وظيفته الواحدة، ولن أكون مغفلاً أبداً، فالمغفل لن تسوءه الدنيا بقدر ما سيسوء هو نفسه.
    قلت لمكاشفي صباح أحد الأيام، والهواء يخضّنا بذكرياتنا وشغفنا الهائم نحو لا شيء، كجريد النخل،..
    "لِمَ أنا شهواني يا شيخنا؟"
    وعدّلها هو الإنساني الكريم، ليُلحقني ببقية البشر، ولكي لا يصنّف نفسه بدرجة ثانية في مواجهتي،..
    "نحن شهوانيون لأننا لا نفكّر إلا في أنفسنا". وضحك بلطفه المعتاد، وسألني برغبة حقيقية في التآنس،..
    "ألم تحب امرأة يا الرضي؟".
    لم أُجبه، بل طاردت ردّه السالف بقولي: "ولكن هناك شيء سيغيب عنك، إن لم تلاحظ أنّ الشهوة في الأصل جزئية عطاء، وليست أنانية بحتة". نظرت في عينيه الوقورتين وأضفت،..
    "ابن آدم ليس مستودع الروح فحسب، بل كله مستودعات، و...
    ولكنه قاطعني قائلاً،..
    "المستودع الذي في صُلب ابن آدم على وجه الخصوص هو مستودع البترول، ومن ثَمّ الطاقة أو الحرائق. أما بالنسبة لشخص مثلي فبوسعه العثور على طاقة من خلال أشياء جِد بعيدة عن مفاهيم مستودعاتك هذه".
    شعرت به قد كَرِه التفلسف في ذاك الصباح، ومعه الحق، فكل مسجون تافه منّا تخطر له فكرة ما، إما أن يأتي ليضجر بها مكاشفي أو يذهب بها إلى بشرى محمود. امتثلت الصمت. أما هو فقال لي،..
    "رغبت في استفسارك عن شيء، لو أمكنك أن تصارحني".
    "لك ما تشاء".
    "هل سبق لك أن نبشت قبراً؟".
    لم أكن أتحرّج من مكاشفي، ولا من موقفي نفسه تجاه وجودي، ككائن ممثّل للحياة من طراز أول، ولن يتوانى عن جَرّ الحياة من الضفة الأخرى للعالم الثاني، عوداً بها نحو هذا العالم، لو كان بوسعي فعل ذلك، ولكنني تحرّجت فقط من بعُد المسافة بين نظرتينا تجاه الموت وداخله. قلت له بلهجة اجتهدتُ كي تخرج بسيطة وثابتة ما أمكن: ذلك حَدث معي يا شيخنا، ولكن مَرّة واحدة فقط. سألني باهتمام تعَجّبت له في دخيلتي: كيف؟ أو اروِ عليّ ما حدث.
    كان هناك رجلاً يلقبونه "الشالع" يا مكاشفي، لشجاعته وإقدامه، بالرغم من ضآلة حجمه وقصر قامته. لم تكن تربطني به إلا معرفة طفيفة، وكان يشتغل في مجال البناء، مع عمل إضافي بتحضير المياه والطوب في المقبرة لو كانت هناك وفاة، كما اعتاد الناس أيضاً على مناداته بـ"عزرائيل" لأنّه الأمين على مفاتيح مخزن أدوات الحفر الخاصة بالمقبرة.
    كنت أُدخّن بجوار الطاحونة الفوقانية والدنيا شبه ليل، يوم ماتت "نعمة" الأرملة الجميلة. فمرّ بي "الشالع" وهو يحمل بعض أدوات الحفر، وحيّاني بتحدٍّ أو بإصرار ما اعتدت عليه منه، كنت أُقيّمه فَجّاً وساذجاً لا أكثر، ولكنه توقّف ونادى فيّ بصوته الأبح والمنخور،..
    "ود التوم، المطيميس، مصيّدلك لبنيّة وألا شنو؟".
    جاملتُه أنا من قِبَلي: "الليلة سوقك عاد، عزرائيل عارف ما عندك حق سماية، وألا ما ياهو؟"، كانت امرأته قد وضعت مولوداً لتوِّها.
    "بصّح والله، عارف ما عندي حق سماية، وعارفني متوسِّد الكَرّاب"، قالها وضحك. استغربت أنا عبارته الخاتمة، هو سيجني بعض جنيهات من أهل المتوفية نظير خدمته في الدفن، فيسمّي بعائدها مولوده، ولكن "متوسّد الكرّاب" هذه تعني أنه يلتحف سريره فحسب، ولا ينام فوق زوجته لأنها واضعة، ما معنى ذلك؟ ما كان ليفوت رجلاً مثلي الإيحاء الجنسي لعبارته ورنّة صوته المحظوظة التي قال بها ذلك. اقترب مني أكثر وقال لي مكشّراً بأسنانه الصفراء،..
    "إنت آود التوم زول دِلكة وخُمرة ساكت؟".
    أوليتُه اهتمامي هذه المرة، فسألني،..
    "جرّبت السعوط المتخمّر لحدي ما عفنته تطقطق زي كراع الجرادة؟".
    طبعاً كنت أعرف ذلك، كحال كل الكيِّفين، كلما كان السعوط قديماً زاد مفعول تخديره، أحياناً كنت أتركه حتّى يتعفّن فبذلك يصبح ألذّ وقوياً كالشراب. لم أكن أعرف النيكروفيلية واتجاهاتها بالطبع، قبل أن يشرحها لي كمال هنا، القراءة العكسية للأشياء، الأبواب الثانية، ليس عطر المرأة ما يهم، ولكن رائحة الآدمي منها، الإدراك للجمال بعد تشريح وتذوّق القبح، الخلود للراحة بعد تلقي الألم لدرجة امتصاص مفعوله، تذوّق الدم بوصفه "الوالدين" للُعاب الجنس، تذوق اللحم لصد السعر المختبئ خلف كل نزوة.
    لَمَح "الشالع" في عينيّ، تحت الضوء المتسرّب من الطاحونة البعيدة، أنني فهمته جيداً. دَقْ، دَقْ، دَقْ، صوت الطاحونة، في رأسي وفي فضاء الليل البكر تناهى إليّ آسراً، ما يدهس القمح والذرة ويؤمِّن الحياة، بطَق الحجارة وتصادمها. قال متحرّشاً بي،..
    "فلاحتك بس في النهود أمّات حليب".
    راهنتُه على الفور: أنا معاك الليلة في أمّات دود، تَنْقد الرهيفة".
    يا لبرودة دمه، قصد بي داره أولاً ونادى على زوجته من فوق الحائط، فجاءته أخته: لِمّي السُّكّر والدقيق ديل، قولي ليها الصابون بجي أجيبو من دكان التعاون.
    ثم توجّهنا ناحية المقبرة،…
    "لو خائف أرجع، الشغلانية دي فيها وسواس". اعتقدته يقصد أنها ربما تؤثر على نفسيتي سلباً، فأجبته،..
    "لو فيها موت ما برجع".
    "لا أنا قصدي، حلوة ولذيذة، سيدها تاني بحرس المقابر دي لي ديمة".
    لم أرد عليه، أخذ هو يضحك، أزعجني بكونه يضرب بعصاه على كل شيء نمر به، أردته أن لا يُحدث إزعاجاً فيلفت إلينا الأنظار، بالرغم من كوننا تجاوزنا دائرة الآهلين. ثَبّتُ عصاه في إحدى المرات ففهم قصدي،..
    "ما تخاف، أنا سيد الناس الميتين ديل كلهن، وكمان الحيين الإنت خائف منهم ديل، لأنهم برضوا ح يموتوا، خذ راحتك وما تهم". يُريني حدود أملاكه المختل، ويعزمني على التصرّف بحرية.
    عندما وصلنا وجدته قد رتّب كل شيء،…. ضربات معدودة بالفأس، في مجارٍ خبأها أصلاً وبحنكة، وهاهو يستعيد نعمة، يضحك،..
    أنا تهيّبت الموت فعلاً، دعاني باستفزازه،..
    "قَرِّب آخوي، أسهل من شغل الحمير، لا لفخ، لا فقعنا بيضتك".
    يستشيرني: أنا أوّل وألا إنت أوّل؟
    "لا خُذ راحتك"،…
    ابتعدت عنه قليلاً، أعرف أنه لن يأتي أحد إلى هنا، ولكنني تشاغلت بكوني أُراقب الطريق، لأراجع فكرة مشاركته، أو الإحجام!
    كان يغني، وكان رأسي يغلي، انتهى وجاء ناحيتي،…
    "قرّرت يا بتاع الطالبات؟ وألا نخلي الوليّة تتوكّل؟".
    لم أتمالك نفسي من ضحك متخوّف، وقلبي يضرب،…
    "راقب،…"، وتوجّهت ناحيتها، لم تكن مختلفة كثيراً كما كنت أتوقّع، كانت امرأة جميلة في حياتها،..
    رائحتها كانت نفّاذة وشبيهة برائحة موقد الكيروسين إبّان اشتعاله، أو رائحة النار في حطب مبلول، أكثر ما استدرت حوله مراراً ملمس أوردتها، وقريباً من سُرّتها،...
    شعرتُ باكتفاء مكاشفي لدى هذا الحد، فأكّدت له: "لم أُكرِّرها يا شيخنا".
    إذ لا بدّ أن نتعاطى المرأة كقصيدة، وأن لا نقترب منها كشيء يُكال أبداً، فالمكاييل لها بداية ولكن لا آخر لها. والجرائم الجنسية تحدث لأننا نريد من الجسد ما هو أكثر، مثلما أنّ الكوارث البيئية تحل لأننا نريد من الأرض ما هو أكثر.
    علينا بالاستشفاف، فالكل يريد النفاذ إلى سكينة عميقة، عبر شيء يمضغه، يعلكه، يتذوقه، يدركه عبر اختبار شكلاني،.. نُريد ذلك من أجل القرارة، إنه جوع أزلي منذ التفتّق القديم، يسعى للعودة والالتحام عند كل صيرورة من صيرورات الجسد، ولدى كل لفّة أو منحنى من تعريجاته ونوافذه، كُن مثلي إذن، شاعراً أو متصوفاً برّاني، لأنّ الشروع في تعاطي الجسد بالجسد لا ينتهي إلا به، وبتدميره في النهاية، ولن يتحقّق لنا تَجَابُه الكيان الداخلي الممتع إلا بروح تصوُّف بَرّانية مرحة.
    وقفت في ذلك الليل، أو قُل انتصبت ذكراً للمدينة النائمة. تسيطر عليّ رغبة صارمة، في أن أكتشف بأسفلي الأمامي، كلَّ ما هو أسفل خلفي من هذا الوجود. أنا الكائن الغريب، الذي أمطره غمامٌ تجمَّع من ماء الرجل، فنزل للأرض دوائر دوائر، مثل فقاقيع الصابون، ليختلط بأشجار الصندل والطلح والكليت والشاف، ولينبت معها بذرةً بذرة، وعوداً عوداً، في كل مهبل بور، وكل دبر مثل طريق مقطوعة، لا تعبرها راحلة ولا غرباء، وأنا الغريب كلّه والغربة كلّها.
    كمال يقول: "الإنسان كالريح، ويأخذ وجهته من الفصول المتغيّرة".
    وبشرى يقول: "الإنسان كالبوصلة، ويأخذ وجهته الثابتة من الله".
    ولكن الذي أعرفه أنا، أنني أنتظر قيامة إنسان الريح هذا أن تقوم من جسدي، وإن كنتُ بوصلةً فإن مؤشرها في أسفلي، وما تحت النساء شمالي الخالد. أما أيْن الله للبشري، فلا يُلخصّه فصلٌ ولا اتجاه. وربما يصدق فيّ ما قاله حمدان: "أنت هكذا، لا ترى الأشياء، وإنما ترى انعكاسك عليها".
    أذكر حينما كنّا نجلس في فناء السجن وفاضت بي مثل هذه الأحاسيس، قلت لسانتينو وكمال،..
    "كل الناس الذين عرفتهم في صغري كانوا بدايات لذوات أخرى مكتملة، أو تشبه أن تكون مكتملة. شيء مؤسف جداً أن يكون ضوّينا مجرد بداية مسار ينتهي بمكاشفي، مدير المدرسة بداية لشيطان مكة، أما أبي فبداية ركيكة لي.
    ضحك سانتينو وكمال، وواصلت حديثي: ولكن سلامة تختلف، يا ترى هي تتمة أو بداية من؟ وفيمن أجد خاتمة دهرية؟ ولا شك أنّ المأمور ملحق لوكيل المدرسة. أما والد سنيّة فلا بُدّ أنه ضاعت منه بعض الفصول أثناء تجواله. كما أنّ إمام المسجد الجديد تسلسله غير جيد، ما يحتّم أن تختتمه مصيبة.
    ضحكنا لكون الناس كمجموعة شجر من نوع واحد، منها الجذوع، ومنها ما طوله متر، ومتران،...
    "سأشكرك يا الفليل لو أثبت أحد الناس أنني فصل يخصّه، ليأخذه فأُعتبَر لاغياً وأستريح"، قال كمال ضاحكاً، فتحمّس سانتينو: يا لها من لعبة ماكرة، تستنفد خيرات الأرض بأفواه كثيرة، كان يجب أن تلخّص في فم واحد ونصف فتحة شرج.
    اصطدمت ضحكاتنا بعد هذا التعليق فوق رؤوسنا، وسقطَتْ على الأرض تتلوّى في غبارها. اختطفَنَا الغبار لبعض الوقت، ثم أعادنا إلى مواقعنا جزءاً جزءاً، حتى اكتملنا فرادَى ومنفصلين عن بعضنا بعضاً، وكلٌّ على حدة. لقد كانت لعبة ماكرة بالفعل كما يبدو.
    بالليل عليك، نار الحُفَر
    تغنّي في حطب الطلح
    وخشم الرواكيب
    يداور في الرذاذ
    يا مرحب حبابك، ومنشرح
    يضهب في الضلام
    نور الفوانيس القُدَام
    ويضوِّي فيك،..
    وهج الجرح

    طاردت بهذه الأبيات كمال جعفر –ذات يوم- وهو يتملّص مني ويضحك، كنّا نعدُّ للمسرحية التي سنقدّمها للترفيه عن المساجين. ولم أكن أعرف أنّ سلامة ستشارك فيها، على كل حال فقد انزلق لساني أمامها بهذه السيرة. كان هذا الموضوع يعتبر من الأسرار، ولكن ماذا أفعل مع فمي؟ إنّ فم الإنسان إنْ لم يجد فماً آخر يوظّفه فلا بدّ أنّ عطالته ستكون الثرثرة.
    تضاربنا أنا وكمال في تعابث جميل، كنتُ أقول له،..
    "أنا منجم الفيرمون، أنا جوهانسبيرج الفيرمون، أنا رور الفيرمون، أنا بني شنقول الفيرمون"،... طالبتُه بأن يجعل هذه الصيحة مقطعاً في المسرحية.
    يقول لي وهو يضحك: كركوك الفيرمون نسيتَها،..
    إنها نفس الفترة التي ضحكنا فيها أنا وسانتينو من منديل سلامة الأبيض بمكتبها، حين لوّحت به كراية بيضاء! فعالم المسرحية تردُ فيه الوردة، كرمز للجوع، ومَن يحمل وردة في يده يعني أنّه يحتاج لوجبة. وتغالط المسرحية دلالة الراية البيضاء كرمز للاستسلام، ففيها تستخدم المرأة الراية البيضاء لطلب الجنس والمتعة. هذه أمور كمال طبعاً، يريد أن يجرّب عالماً ذا دلالات بكرة ومختلفة.
    قلت له، لو أُلهمت موسكو دلالة الراية البيضاء على هذا النحو، حين رفعها نابليون بقلب روسيا، لفعل الروس المنمَّشون بنابليون وجنوده الأفاعيل، ولَجَرَى إسهال الغزاة الماضيين وهم في قبورهم.
    أمّا الدلالة التي أزعجتني، فهي تصوّرهم لأنّ الألوان لم تكن مختلطة بالشهوات والغرائز في الماضي، أي أنها كانت ذات دلالة شاعرية حالمة كالموسيقى تماماً، ولها متعة في حدّ ذاتها ومن صميمها، لا تعوِّل فيها على شيء آخر تختلط به كي يُظهرها. ثم تلت ذلك مرحلة جيوسية ما على الحياة، تَمَّ فيها تكوين المخلوقات من المستويين، الحيواني والإنساني، الأرضي والسماوي. فأصبحنا بذلك نشتهي الفاكهة من خلال لونها، ونستثار جنسياً لمجرّد كون شعر المرأة أسود، أشقر، بُنّي،...
    أمّا ما أفهمه أنا من الموضوع، أنّ الشهوة هي الأصل، وأنّ الموسيقى أعظم اشتهاء خالد عرفه الإنسان، وأنّ أُمَميتها ووحدة خطابها من أُممية الجنس ووحدة خطابه، الخطاب الشمولي والديكتاتور. ولهذا فنحن إلى الآن لم نصل لفهم تحليلي حولها وحول التلقّي لبنية خطابها، ولا نزال نجهل كيف نشبع بها.
    وبما أنّ سلامة ستؤدّي دوراً في المسرحية، أخذتُ أُشاغب كمال وأُطالبه بإدخال الأحضان والقُبَل إلى النص، ناديتُ فيه،..
    "إن لم تُدخل هذه الأشياء إلى العمل، فإنّ نصكم هذا سيعاني من الخُواء العاطفي والوجودي". فضربني هو بيد هازئة،..
    "ياخي بَطِّل، دعه يعاني من الجذام، ما دخلك أنت؟".
    "أنا؟ أنا مؤمن كبير بالحياة، وفقط".
    قلت ذلك لمناكفته وللضحك فحسب، ولكن زاولني إحساس بالله في تلك الساعة. تذكرتُ مقولة سانتينو الجاحدة: إنّ الله ليس إلا مشوارنا إليه. لأُجيبه أنا على الدوام: إنّ الله إلهٌ أوجَد، وليس برجوازياً يعمل الفقراء في حقله.
    لا علينا، فليحمل سانتينو وكمال ومن يشبههم، سؤال الله كأكبر الأسئلة التي توجد داخلهم، بل كسؤال أكبر من أفق التساؤل المخصّص للبشر. أمّا أنا بحكم خبرتي العميقة وحميميتي مع الجسد، فقد شهِدتُ اللهَ بقلب كل ذرّة منه وبقعة لون ووثبة عَوَز. فالجسد له خيالٌ كالروح تماماً، ولن يتمّ لك العثور على هذا الخيال الجسدي إلا بعد أن تهضم الجسد كدائرة استيعاب كاملة، وذلك عبر سبره والغوص والتوغّل فيه، وليس بالطيران فوقه.
    أنا أحبُّ الجسد لدرجة تجعلني أعتقد بأنني في يوم من الأيام، ربما أصحو مع جتا ردف، وجيب نهد، و2 حضن تربيع، وباي نق العيون، ونهايات الشفاه،... ويكون معي القانون الكُلّي والنظرية التي تفسّر الوجود، فالجسد هو العالم الوحيد الذي يمثّل عالَمَي الغيب والشهادة في قطعة واحدة.
    والجنس ليس استفراغ الجسد لشيء متعفّن أبداً، بل هو العزائر تُفْرِعُها الجذوع، لبناء الكينونة والترقّي، وحَثّ الضفاف للضفاف، كي تعانق وتضم نهرها أينما هرب. إنه ليس شيئاً مرعباً بالمرة، لكي يخيط السودانيون كل ما ينتجونه من الدمور سراويلاً.
    أمّا روح الإنسان تلك، التي برعوا في الحديث عنها كملخّص يُلغي الإنسان ويحل محلّه، فما هي إلا مقدِّمة جانبية متواضعة لخياله الجسدي وما يختبئ فيه من أنحاء. ولطالما سحرتني الإرادة التي أمتلكها بعد تفريغ/ تنشيط جسدي، ولذلك فأنا لا أترك رغباتي تنفجر بداخلي مطلقاً، كي لا أفقد إرادتي. انفجار الرغبة خارج الكيان يمنحنا الإرادة اللانهائية. فالحياة في عمومياتها، وخصوصاً المفهومة منها، هدف تجسُّدي/ خفي نطارده بغرائزنا أوّلاً، وبتخطيط أدمغتنا دعماً لهذه المطاردة وإحكاماً لها ثانياً. فلو توقّفت هذه المطاردة فَقَد الإنسان إرادته، أو أصابه جنون التوقّف، ككمال أو مشتقاته السامّة د. بدوي خليل. فالجنون خلل يصيب الإرادة وليس الدماغ.
    لذا سيظلّ الفليل يجري إلى الأبد دافعاً طاقته لخارجه، كالنيل، مادام أنّه لا مفر من خيار أن تمضي بالجنس كنهر معافى، أو أن تركد به كبِرْكة تتعيّش فيها الهوام وتُمرض الخلق. أنا لا أستحث أشياءكم على الغرق، ولكنني لستُ مديناً للطفو بشيء. فقد خُلقتُ عائراً كما تقول أُمي، عائراً نحو الحقول الماروتية البعيدة، والليالي القديمة والمُقمرة بمروي ونينوى وطيبة.
    منذ زمن بعيد، خطر لي أثناء عودتي من أحد أحياء أمدرمان الموبوءة، أنّ المدن كالنساء تفسد من أسفل. ففي درك قيعان كهذي، تلفظ الإنسانية ضراعتها اليائسة ويتشفّى الإنسان من الدنيا ونفسه. الأحداث تُخلق من طَحْن الدود وإلى بطنه تأوي من جديد. تحت حيث المدينة طائر خرافي، يمدُّ أجنحته السفلية ويحلّق في الحضيض. هناك تكتشف تهوّر الحياة وبركانية البشر، لماذا؟ لأنّهم جاؤوا إلى هنا بعد أن فقدوا إرادتهم. فلو تَركتَ لديهم جنازة امرأة لتسلّمتها منهم حُبْلى. المهم أنّ التسكّع انتهى بي عند مبنى المسرح، فدخلتُ لأجد ممثلة فاتنة وطبيعية، لا تمتلك مزاليج للكلفة كي ترفعها أو تنزلها، إذ كانت عفوية نتيجة لذكاءٍ في فطرتها.
    تتقافز على خشبة المسرح بخفة ورشاقة نضرتين ومتقنتين، ولا يعنيها فستانها القصير حينما ترتفع به هبات النسيم نحو قُرابة نصفها. لقد شرحني جسدها لدى نفسي ككتاب، خصوصاً تحت إضاءة المسرح المراوغة والتنقّلية تلك،..
    "يا رب القُدرة، أي سيقان لعينة وفاخرة لهذه الصبيّة"، صحت أنا فاقداً لإرادتي الخارجية وحائزاً على مجمل إرادة أن لا أكون شبحاً.
    تزحزحتُ كي أتمهّل في مقعدي، فإذا بشبح آدمي ينخلق من ذلك الظلام، الذي يفوِّط المسرح من وجوه الناس.
    "الأخ من هواة مطالعة النساء من أسفل، وألا ما كدا؟"، قال الشبح.
    "طيّب! أنا من محترفي مطالعة النساء من أسفل، لمعلوميتك. والمرأة هي الصحيفة الوحيدة التي تُقرأ بالمقلوب. صنّفني زي ما عايز. فذلك أهون عليّ من أن أكون أُميّاً في مطالعة النساء". أضفت من باب التحرّش: ألا توافقني على أن ساق المرأة أعرض وأهم مانشيت في صحيفتها المسلّية؟
    "هذا لو كانت المرأة صحيفة، وللتسلية".
    "قد لا تكون صحيفة، وليست للتسلية، ولكننا نُسَلِّي بعضنا، نتسلّى يعني".
    "هنالك كائن اسمه الإنسان يا هذا".
    "نعم إنسان، إنسان مسلٍّ، ولا بدّ أنّ هناك نوعاً آخر غير مسلّي".
    واجهني الرجل هذه المرة ليقول: عليك أن تفكّر فوق سروالك قليلاً.
    سألته: "ببطني مثلاً، أم أنت تقصد رأسي".
    "تعرف ما أقصده، لا تتبالَه، هذا لو كان لك رأس طبعاً".
    "وما رأسي؟ إنه سروال من أعلى فحسب".
    "لا خلاص، دمك خفيف وفيلسوف، ولو عامل فيها فاسق ربنا يعينك".
    "ما دمتَ تمتلك سروالاً فنحن نشترك في هذا الفسق. بالنسبة للفلسفة، أنت فلسفتك المطالعة من أعلى، وأنا فلسفتي المطالعة من أسفل. وأنت ترى أن ينتصب عقلك قبل ذكرك، وأنا أترك الأمر للذي ينتصب أوّلاً"،..
    ثم أطلقتُ ضحكة الفليل التي أعرض من فمه، فوجدها الرجل تفسيراً لما دار بيننا من حوار. فقد ظنّ منذ طريقة التفاتته إليّ تلك، بأنّي بهيمة مجنونة، وتأكّد من ظنه ذلكم بإمساكه لتلك الضحكة كذنب لها وصَمَت.
    شعرت بالملل من امتلاء الدنيا بالأشباح، غادرت المسرح على الفور. ليصيدني هذا الليل بالخارج أو لأصيده. وقفتُ في ذلك الليل، أو قُل انتصبت ذكَراً للمدينة النائمة، وكان الحائط أمامي مباشرة، قِزماً وليس بوسعه أن يستر صدر امرأة تقف لجانبه عارية في فلك آدميتها. لم أتسلّق ذلك الحائط، بل خطوتُ فوقه، إذ كان لا يفي بضرورة أن يتسوّره أحد.
    الجميع كانوا ينشرون روائح نومهم في الحوش. رائحة العَرَق والشهوة الغافية، طيّبة ونفّاذة، استطعت تمييز جسد صاحبتي في الظلام، من ضمن الأجساد الكثيرة المنشورة في هواء الليل. بوسعي أنا مرفعين الجسد، رؤية هالات وأبخرة متلويّة وعلامات أخرى كثيرة، منهم ومن أعماقي، تعينني في قراءة وتمييز الأجساد.
    اقتربت من سريرها بلهفة، فقد كانت فتاة فخمة وناضحة بالشباب. جسدها كان متكشّفاً عند مواضع كثيرة ومُغوية، كنت أراها كقضمات الفأس من شجرة، لها رحيق وصمغ ولمعة الكلوروفيل. دكدك شيء في أعماقي كهرولة لجموع، لدواب، لأنهر، لغمام مرعد، وبدا كهروب كبير لغابة من وحوش وطير.
    مددت لها يدي، مضرّجة بالاشتهاء، ونحو صدرها تحديداً. كان يضج بثغاء زرائبه ولحظة حليبه في الظلام. انتفضتْ هي بقوة حينما مسّتها يدي، قوة أكبر من أن ينتجها الخوف أو أن يحتويها. قوة الرغبة في الآخر، وثبة الحياة من ضَحَلِها نحو عمقها. لذلك لم تسألني عمّا أفعل؟ ولا كيف أجرؤ؟ أو.. أو.. بل سألتني وأنفاسها تصكصك كقرطاس في الريح،..
    "من أنت؟".
    أُخفت صوتي كثيراً وأنا أقول: الرضي.
    لم تسمع همسي، فنَوَتْ تكرار سؤالها بطريقة: نعم؟
    ولكنني قرّبت عينيّ من عينيها بسرعة وتدارك، كي يصطدم مخزنا الرغبة، بخوفهما وبجوعهما في وهدة الظلام. عرفتني فوراً، فتحوّل سؤالها –في فمها- من كلمة "نعم" الاستفسارية تلك، لهمهمة،..
    "أممم، الله يجازيك".
    فانتصبت ذكراً للمدينة النائمة، وتلاشيت في غيب امرأة.


    ..

    (عدل بواسطة محسن خالد on 29-06-2006, 05:33 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2006, 12:00 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    من رواية (المرور أمام النشنكة)



    Quote:

    المرور أمام النشنكة




    عشق إدريس للضابطة اليونانية







    (1)






    (إدريس)






    "الليلة!؟".
    "نعم".
    "وهذه البروق! ماذا ستفعلون فيها؟".
    ناولني النقيب معتصم بندقية من طراز "جيم 3" الإيراني، قبل أن يُطْلق همهمة كالتي تساعد الناس في الصبر على جهل الآخرين، ثم أجابني وهو يختبر أجهزة التعمير في البندقية أمامي: لولا أنها ستمطر الليلة لما فَكّرنا في مهاجمتهم.
    سألته بصوت يجتهد في دفن ارتباكه وتغليفه جيداً: "أي معسكر؟".
    "نيام ليل". يسخر مني إذن، لأن معسكر "نيام ليل" من أكبر وحدات الجيش الشعبي لتحرير السودان المتواجدة في المنطقة، أكبر وأخطر وحدات جيش "الحركة" كما يختصرونه. أردف وهو يشد حزامه العسكري،..
    "ستعرف. أمامك ساعة لو كنت تود الذهاب". قال ذلك وهو يداري فمه بيده كعادته حين يضحك بشماتة وسخر. لن أنكسر له، قلت: "آه.. أود طبعاً. ولكن.. سأذهب لمكاتبنا أولاً".
    "خذ راحتك، ولو قَرّرت الذهاب أنا في وحدة مصنع البيرة".
    رغماً عن كوني سمعته جيداً فقد سألته: "البيرة" أم "قرنتي"؟
    أجابني بلطف حاسم: الأول، الذي كان في الماضي ثكنة للكيف، مُشْ للعسكر.
    حاولت إعادة البندقية له، ولكن..، بطريقة من يريدها أن تتقدَّمه وسيلحق بها. ودفعها هو في وجهي مرة أخرى، مالك؟ يضحك، دعها معك، لن تبيعها إن لم تذهب معنا، ها!؟
    قبل أن يبلغ سيارته ناديت ناحيته: مَنْ الكمندان؟
    و"الكمندان" هذه جرى العرف على أن يطلقها الجنود على القائد مهما كانت رتبته.
    أجابني النقيب عَاضَّاً على الأحرف: "أنا".
    "عملية صغيرة إذن لو كنت أنت، قلت لنفسي: وإلا لكان المُقَدّم ود العالِم أو المُقَدّم محمد عثمان الجعلي، أشهر وأشرس عسكريان ببحر الغزال حينها".
    دخلت لمكاتبنا الخاصة بالأمم المتحدة ولا أدري ما الذي أريده. نظرت لصورتنا معاً، تَمَّ التقاطها في مدينة "قوقريال"، حين ذهبنا إلى هناك أوان خريف بطائرة الإغاثة. أنجزنا فيها مفاوضات صغيرة وتافهة مع قادة غير ملحوظين من الجيش الشعبي لتحرير السودان، كي يسمحوا للمعونة ببلوغ بعض المناطق التي تقف على حافة الزوال. ضَمَّت الصورة هؤلاء القادة والنقيب معتصم أيضاً: المقدم المعروف ود العالِم ورقيب أول من طاقم حراسته يُسَمّى إدريس قريمان. قرأتُ معلومة الرقيب الأخيرة هذه من على الفوتوغراف. وحتى هذه اللحظة لم تكن تدل على شيء بالنسبة لي عدا دلالة البشر الزائدين في الصور التي تؤخذ جماعياً عادة. هو باختصار وبعد تذكّر شديد، كان ذلك الرجل الذي رافقنا، يتناول طعامه وحده، ولا تخرج لفافة تبغ "القامشا" من فمه أبداً.
    لم أعثر على ذلك الأمر الملحّ الذي يجب قضاءه قبل اللحاق بالنقيب معتصم. ساعة الحائط مضبوطة، لا دخل لها كي أشك فيها الآن، أنا رجل كانت معه مهلة وأنفقها، الذي يُعين الساعات عادة على الانضباط لأطول فترة ممكنة، ليس خلوِّها من المواد القابلة للأكسدة، وإنما خلوِّها من الانتظار والترقب. فالمتأكسدات جميعها، ناساً ودواباً وأشياءً يهلكها انتظارها الدائم لواقعة ما، أما الساعات هذه فتوجد لكي تضبط عليها كل الأشياء انتظارها فحسب. "اللاانتظار" مسألة من صميم العمر إذن.
    سمعت صوت حفيف ثياب عند الباب ثم جاءني صوت "نوف" رئيستي في العمل. صوتها في هذه المرة كان يتفادى سخريته الدائمة مني: أنت هنا!؟
    تناولتْ سخريتها وأردفت: "أنا أحتار فيك! يُفترض وظيفياً أنك ضابط التعيينات والمؤن لهذه المكاتب، لا أذكر أبداً أنك تعيَّنت هنا بوظيفة قس".
    كنت أذهب لكنيسة مدينة "واو" كثيراً، هذا سِرُّ أنها لم تُعيِّني قساً، أما أنا فلي سري حول ذلك.
    "هذه المرأة لسانها فظيع، تَشاتَم مع الوقحين في كل مكان من هذه الدنيا". قلت هذا بيني وبين نفسي. هي بحرينية وتزاول الكتابة على طريقتها. مجنونة بالحرب أينما قَدَّر لها البشر أن تطحنهم. طردوها من مكاتب الطوارئ بالشيشان للتجاوزات الأخلاقية التي تقوم بها. بمعنى أنها لا تلتزم الحياد. رأيها أنها لا تقتنع بعقيدة، كما أنها لا تستطيع أن تعيش بدون ذلك. لذلك فهي ستعيش منحازة فقط لعقائد آخرين. هذا ما تستطيعه، والحياد المنضبط الذي يتطلبه العمل باسم الأمم المتحدة لا شك أنه في مثل هذه الحالة سيجعلها تُلْحِد. سحبت "نوف" أوراقها من طوارئ الشيشان بطريقة لعينة أجهلها والتحقت اضطرارياً بالمكاتب الموجودة في القاهرة. هي لم تسترح لقاهرة كبيرة بلا حروب، ولمكاتب أمم متحدة بلا وحدة طوارئ، لذلك تسلَّت بتجميع المتصعلكين هناك ومنحهم حق اللجوء السياسي. لم تترك مجرد فقير عادي أو فاشل ممتاز إلا وجعلت منه مفكراً مضطَهداً أو سياسياً منبوذاً. حكت لي أن السودانيين كانوا من زبائنها الدائمين. فبدأ السخط عليها من جديد واتهامها باستعداء الأنظمة عليهم. وكي لا يسرِّحوها هذه المرة أيضاً من العمل -كما يظنون هم- وكي تختار "نوف" المكان الذي تريده كما تُخَطّط هي، طالبت بنقلها لمكاتب الطوارئ في السودان. جوبا، ملكال، واو، جبال النوبة... المهم أي مكان فيه جنون ورائحة بارود وبراح للتجاوزات والانحياز. وهاهي رئيسة لمكاتب "واو" ورئيسة لي أنا على وجه الخصوص. امرأة ودودة ولئيمة بشكل لا يمكن مزجه ولا تركيبه. في الحد الأدنى هي ودودة مثل أم، ولئيمة كأي عسكري يمر بالخارج الآن. لمَحَت البندقية في يدي،..
    "بندقية!؟ أصبحت تستحق اهتمام النساء عن جدارة، تملأ يديك إثارة يا رجل"، قالت وهي تحرك خاتمها الذي تُشخِّص الرجال من خلال قولها عنه: لا يعني رجلاً ولا يخيف رجلاً.
    خجلتُ من نفسي تحت بريق عينيها المعقودتين في رهبة جمال فذَّة ومميتة. أضافت مع القليل من انتحال الجدية: "لو جعلتني قدوتك فلن تكمل تعليمك، وستعود لتزاول مهنة دعارة النخيل من جديد". كنت قد ذكرتُ لها أنني قضيت زمناً طويلاً من طفولتي في مهنة تشذيب النخيل وأيضاً تأبيره وتلقيحه، وهي تُلمح لعواقب التجاوز الأخلاقي أثناء الخدمة للأمم المتحدة. قلت لها ضاحكاً: هاأنتِ رئيستنا!
    "أنتَ لستَ مثلي، أنا الإيدز المناسب الذي يستحقه أمثالهم. الخبرة جعلت لي جلد ثعبان من نوع الأصَلَة كما تقولون، أعرف كيف ومتى أخلعه حين يعجب أقدام أعدائي".
    "هذه اللحظة انتظرتها مَادَّاً عمري كله كطُعم قبل عصا الصنارة،.. لن أفلتها يا نوف".
    "الموت هو الموت. لن تجد ببطن الغابة موتاً أغلى أو أرخص من المتوفر حالياً في مستشفى "واو".
    بما أنها تعرف أنني أكتب مذكراتي فقد تابعتْ: هذا يكفي لكتابة المذكرات.
    "بل سأعثر على موت أهم من هذا المتوفر بكثير، سأصطاد من بطن الغابة واحداً مميزاً ومختوماً مثل الشمبانيا التي تشربينها في السر، وسأمنحك إياه كي تستخدميه في الكتابات التي تليق بابتكاريته".
    "كم يوماً ستغيب؟"، سألتني ضاحكة فقط، مادام أن الخمر تُشرب في السر فكيف يخجل منها الناس إذن؟ الخمر إما أن تشيع خجلها هي بعد الصحو بين الناس، وإلا فليست مسؤولة عن أي خجل يقع خارجها. هذه نظريات نفس هذه المرأة التي لن تخجل لصبيِّها المسكين، القس. قلت لها: لا أعرف، ربما هذه الليلة على الأكثر.
    "وأنا سأُرضي ضميري بخصمها من راتبك، لا يعقل أن يصبح الناس كلهم متجاوزين".
    ضحكنا نكاية في بطرس غالي، الميثاق، ومثل هذا الحياد. ثم اقتربتُ من "نوف" بذات الطمع الجبان في كل مرة. "أنا امرأة مقتدرة وبحر، آخذ الرجال ولا يأخذوني"، عبارتها التي تُوقف أنفي عند كل مرة تأتيه فيها رائحة مضارب الجذور وديار اليمامة وطَرَفة بن العبد، الأعشى، الفند الزماني، وأوس بن حجر؛ أيام كانت المرأة ريح المضارب وسمعة القبيلة. بيني وبينها أكثر من كوني أشتهيها، مسافة لا يقطعها الجواد ولا عضو الرجل، فسحة لحافر الحنين فحسب. "آخذ الرجال ولا يأخذوني"، هذه آخر عبارة أود سماعها الآن. لا أدري أين وضعت مفتاح المكتب، أنا مرتبك على ما أظن، أردت تسليمها له، ولكن أين هو!؟
    لحقت بالنقيب معتصم. الشمس رأسها خفَّ كما يقول العساكر عن دنوِّ المغيب. كنَّا نزيد على المائة بأحد عشر رجلاً من معاوني المدفعية كما يسمونهم. رفعنا التمام العسكري ولم ألحظْ ساعتها أي إدريس قريمان ما من أيتها كائنات. خطب فينا عميد لا أذكر اسمه الآن: لِتَعُد لنا هذه البنادق، نحن نحتاجها أكثر من أولئك القتَلَة. ضجرت على نحو ساخر بعض الشيء، هذا الرجل يبدو أن معه خطة لاستخدام البندقية كفأس زراعة أو طورية، ثم إنه لم يتحدث عن عودتنا نحن مطلقاً، وكي لا نعتبر المسألة شخصية تابع بينما هو يخترط مسدسه،..
    "أنا مثلاً لن أقبل الموت إن لم يكن بجواري صاحب يعود بهذه العُهدة إلى المخازن. الرجل والمحارب بحق هو مَنْ يقف سلاحه لجانب رفاقه حتى النهاية". خطب العميد طويلاً، وللأمانة كان فيه شيء ما من حكمة الشعر يجعله لا يناسب كونه عسكرياً. أعجبني اجتهاده في توفير منطق يربط عاطفة الداخل بحقيقة الخارج، هذه مسألة صَعُبت من قبل على جهابذة المدرسة الانطباعية. بدلته العسكرية أضيق منه بكثير، كأنما جسده تواجد داخلها بطريقة صَب الخرسانة المسَلّحة داخل الأعمدة، لو انحرف عليه سقف ذلك الجملون الضخم لحال بينه وبين السقوط على الأرض. ثم أمروا لنا بموسيقى الحماسة العسكرية. بدؤوا بعزف مقطوعة مَلِك "الشُلُك" المحارب، الشهيرة كملكها، الذي نحن ذاهبون لمقاتلة أحفاده. للأسف هذه المقطوعة عنوان لمشاعر السودانيين كلهم، المحاربون الشرفاء على زعم العميد، أوالقتَلَة على غرار المتهم كاربينو، هذه المقطوعة ليضمنوها ألبوم مفاخر السودان خارجياً وليس متحف مجازره الداخلي. ليس ثمة وسيلة لكتابتها في مذكراتي ب####اجتها الميدانية هذه. بدت مهيبة ورائحة آثام الغابة المنتظرة تغطي القلب.
    تحركنا ليلاً وابتعدنا عن مكانها كثيراً، وإن كان صداها الحزين ما يزال يتخبط في أعقابنا. كانت تقودنا، أيَدُلُّ "نيكانج الجَدّ" -البطل، الملك، المقدس والمحارب- أيَدُلُّ على أبنائه؟
    "أبداً لا يدل نيكانج على أبنائه". هذه إجابة "نيكانج الابن" للرجل الإنجليزي الذي اخترع قانون المناطق المقفولة، إذ طالبه الخواجة بتسليم بعض المعترضين على عزل الجنوب عن الشمال. ولم يكد نيكانج يقولها حتى سقفت السماء رماحُهُم المنطلقة من روح الشهب وقداستها، في وجه ذلك الرجل الدميم، الأبرص والنجس.
    المهمة التي تنتظرنا واضحة للغاية وبسيطة. "في هذه الليلة بالذات ستصل مجموعة من المرتزقة الإسرائيليين والكوبيين خبراء الأسلحة وخبراء الدسائس التي هي أخطر من البارود. سنهاجم تجمُّعَهم عند النقطة "ك" مكان تمركزهم النهائي". والنقطة "ك" هذه تشفير لاسم قرية بالقرب من مدينة "واو" غير المشفَّرة. وبعد إتمام مهمتنا -طبعاً لن نسألهم عن جوازاتهم- "ثم تعود قوتنا بعد ذلك لمدينة "واو" عبر طريق ملتفة شُفِّرت برمز نقطة "الشرك"، كي لا تتبعنا أي قوات عدوَّة. "الشرك" هذه هم قالوها بالرطانة وفسَّرها لي عسكري في حينها، لم أعد أذكر صوت الكلمة التي استخدموها بالفعل. "وفي حالة تعذُّر الدخول إلى "واو" عبر الكوبري الوحيد على نهر "الجور"، يتحرك سيادة النقيب بقوته إلى نقطة "جناح النسر". يعنون المرسى أو "المُشْرَع" الذي تُترك فيه قوارب الصيادين من الجهة الأخرى للنهر".
    صاح وقت صرف هذه التعليمات ذلك العميد الراقي: واضح؟ أجبناه كلنا: واضح سيادتك.
    لم نكن ندري صعوبة العثور على مجرد قرية وسط هذا الليل والغابة التي تبدو بلا نهاية. أوف، هاهي المطر بدأت تجلد كعصي الخيزران الطريَّة. أحياناً تعوي كالذئاب. غابة على الأرض نخوضها، وأخرى معَلَّقة في السماء التي فوقنا. وبدأت شتائم العساكر تلعن وتنال من الغابات دون استثناء.
    "كنَّا في البداية نتهيَّب الوصول لهذه النقطة "ك"، ثم أخذنا نريدها وتزداد رغبتنا فيها. لم يترك لنا البعوض والمطر خياراً آخر. العساكر يقولون إن الحرب لا تتم وَفْقَاً لرؤى الساسة والمنظرين لها، وإنما وَفْقَاً لضجر ظروفها الخاصة".
    لقد أصبحنا كالإبل كما يصف أحد العساكر. أي فرد منّا يحمل مُرتَّبه الحربي "ثلاث خزانات تحتوي على 60 رصاصة أو 90 حسب نوع السلاح"، بالإضافة لـ"السونك" الجنبي الخاص به، السكين التي نثبتها أحياناً في مقدمة البندقية لإزالة الحشائش عن الطريق، إزميل صغير في أحد جانبيه فأس وفي الآخر مغرفة، وهذا لحفر الخنادق لو احتجنا إليها، الناموسية ومشمّع المطر مع وجبة واحدة تلوكها كالتسالي في مثل هذا البرد، زمزمية ماء، كما عليك مساعدة حاملي صناديق الذخيرة الاحتياطية والرشاشات الثقيلة ومعاوني المدفعية في حمل المدافع وذخيرتها.
    معاونو المدفعية هؤلاء لا يحبهم أحد. لأنهم على حسب رأي الجنود الآخرين متعلمون ومتبجحون. هم في الحقيقة تلقوا معارف غامضة تشبه مبادئ الفيزياء فيما يخص حركة الأجسام. "عِلْم الحَجَر" كما يُبَخِّسهم رفاقُهُم في الأسلحة الأخرى. ولكن في هذه الغابة المظلمة والنائية، التي لا تعرف نسبية إينشتاين ولا يخصها، لن تستطيع التحدث مع أحد المعاونين هؤلاء إن لم تكن إسحاق نيوتن شخصياً. المشاة أو "الضأن" كما يسميهم المعاونون، يعاكسون هؤلاء المعاونين بنكاتهم الثقيلة وغير المتعلمة. نكات تعتمد أساساً على نوع رخيص من الحذلقة اللغوية والجناس. كأن يصيح أحدهم في زميله: اسمع يا بُلْدة "بلدينا"، معاون وألاّ معاهم؟ وحين يكتشف الآخرون أن "معاهم" هذه تضع المعاون أيضاً في طرف الأعداء يضحكون بلا هوادة.
    "بدت لي الأمور غبية منذ البداية".
    لدرجة أن صمت المعاونين في وجه هذا الظرف السمج والبايخ يجعل معهم بعض الحق والتعليم. كنتُ الغريب الوحيد بينهم. ولذلك اختلطت بهم وتجنبت السير بجانب صديقي معتصم "الكمندان". كي لا يصنفوني متمسحاً بالرئاسة. لست بطلاً لأفتدي المعاونين بتوجيه هذا العداء كله نحوي.
    أدهشني أنَّ الضباط وضباط الصف لا يتدخلون أبداً. فقد جرى عرف عسكري على اعتبار ظروف العمليات من الناحية الاجتماعية -اجتماعيات من مثل هذا الظرف- أجواء حرة لا رُتَب فيها ولا أوامر، بقصد رفع المعنويات. كان هنالك ملازم مدفعية واحد يرافق النقيب معتصم، وملازمان آخران يتابعان الجنود ويقهقهان بين حين وآخر، يبدو حين يستطيبان بعض النكات. ولا أعرف حينها كم من ضباط الصف كان معنا.
    كنا نتخبط في الوحل والحشائش حتى منتصف الليل والقرية "ك" لا أثر لها. يبدو أن تجارب الضباط هي التي تمنعهم من التدخل، يعرفون أن التعب والأحراش سيقودان الأمور نحو الجدية تلقائياً. لم تعد تسمع إلا:
    "هذا خور لا قعر له، انتبه يا فلان، لا تريد أن تموت، صحيح؟ خطيبتك أصبحت أسمن من أمها... تركب هي على حمار وأردافها على حمار".
    "لا أبداً من هنا. الممر الصخري مسدود من هناك".
    "احمل معه يا فلان".
    "لا تترك سيبيا الرشاش خلفك يا ديك".
    الحديث والنداءات كلها أصبحت إما تُعَبِّر عن مشكلة أو تحلها. والمشاكل كثرت، بحيث بدأت مرحلة الشتائم الجدية. ولكننا توقفنا لبعض الوقت كي نرتاح ولا تتطور هذه الحالة. فالكل يحمل في يده سلاحاً. كنَّا نرغي من التعب -صدَق العسكري- كالإبل.
    أفراد الإشارة أخذوا يختبرون جهاز اللاسلكي: يا وحدة "س"...آلو.. بلِّغ بلِّغ، آلو، يا وحدة "س".. يا وحدة "س"... جهازهم فيه مشكلة على ما يبدو.
    بدأ سخط الجميع يتجه ناحية الأدلاء أو أفراد الاستخبارات، الذين هم من الجنوبيين أولاد المنطقة بالطبع. ولكن ذلك الليل لا دين له -كما وصفه عسكري- لم يكن ليميِّز بين ابن للمنطقة وآخر غريب. تحالف ليل وغابة ومطر يُجهِّل الناس بلا استثناء. وحتى لو كنت طيرة بنت المنطقة، وتحمل محدد اتجاهات بيولوجي بداخلك فلن تجد عشك وسط هذه الظلمة والمتاهة. قال أحدهم للكمندان مغتاظاً من أفراد الاستخبارات،..
    "اسمع يا كمندان ساري الليل، هؤلاء اسألهم عن أماكن النساء الغُلُف والسَكَر فقط. النقطة "ك"!؟ ستجدها لو كانت شرموطة".
    بعضهم يهمهم مشجعاً، آخرون يضحكون بعُنْجهية واستمتاع. يلقبون النقيب معتصم بـ"ساري الليل" أي "الجراد"، ولا وجه شبه مشترك بين الاثنين إلا هجمات الليل كهذه.
    حاول النقيب معتصم أن يُسكت ذلك الرجل، مثل هذا الكلام يبدو الآن كرأي، ولكن بعد قليل سيصبح جبهة ومناصرين. رَدَّ على الرجل الذي قدّم ذلك النصح البذيء للنقيب أحدُ أفراد الاستخبارات بالعربي الركيك الذي يسمونه "عربي جوبا"،..
    "إنت تعرصة ليك شنو؟ في واهد غيرك إنت بنيك هريم كل يوم زي ود أبرق؟".
    فم العسكر يبول ويستمني كما تلاحظ. شُلَّة منهم وقفت بعيداً تضحك وتهلل وتدخن "القامشا" أو "الكُدْكُد" وإلى "البنقو" هذه الحشائش المخدرة التي تنمو هنا في كل مكان.
    كنت أحلل الموقف في ذهني "بالإضافة لكون النقيب معتصم رجل منصف، أيضاً هو لا يريد أن يحدث شقاق بين رجاله، طبيعي إذن أن يصيح في الرجل الذي بدأ مهاجمة أفراد الاستخبارات: "اعتذر للعريف "رياك" يا رقيب "قريمان". ليعتذر هذا الرجل كما تواقح ويخلِّصنا. تذوقت اسم الرجل قليلاً، أوف، ذاك الرجل الوقح "إدريس قريمان" إذن؟ رفيقنا الصامت في مدينة "قوقريال" كما في صورته الفائضة.
    لوى الرقيب "قريمان" فمه كضبع وصاح هكذا وبجنون: كروك.. كروك، كاواي كروك، كركندي، كوووك.
    السماء رعدها يجول من ناحية لناحية، قَشْطُ البروق والمطر يعصف بالأرض دون رحمة. يؤرجح الشجر الضخم ووجوه الرجال. لَمْعُ مواسير السلاح، حيناً يقع في فراغ الأعين، وحيناً فيما تخلفه الأرجل من فراغات على الصخور الدبقة والطين. تُمتْرسنا الأشجارُ الخرفة، هذه غابة عانس، بريِّة بالكامل ومُرضعة وحش، لم تطرقها فأس منذ الاستقلال.
    أخذتُ أتلبَّط كالبجعة الكسيحة في الوحل وعلى أكوام البَرَم ودقاقة الحشائش المتراكمة على الأرض، سقطت مرتين في هذا العجين النباتي الدبق بينما أنا أحاول التخَلُّص من آفة أو شيء اندس في بنطلوني وأخذ يلدغني. هاأنا تمكنت من هرسه وخَلَّف عجينةَ أحشاء هو الآخر، في منطقة حساسة. تدحرجت متخبطاً مرة أو مرتين وتمكنت أخيراً من بلوغ جذع مندفن في الطين. أردت أن أتسمَّع من مكان قريب. لم أكن أتبيَّن "قريمان" جيداً، فقط "بوريه" عسكري مائلاً على الرأس وشبح شخص يسند يديه وصدره على "سيبية" مدفع. فبدأ ضيقي منه في الظلام وتحت ذلك الجو الغامض والشؤم.
    انتهره ملازم المدفعية بصرامة لأجل ذلك الصراخ: بَطِّل السخف يا قريمان.
    "اعتذرت له بالرطانة"، ردَّ قريمان وهو يمرجح نفسه على "السيبيا".
    واضح طبعاً أنها أصوات جنون وقلَّة أدب اخترعها تواً. ما دفع العريف "رياك" لأن يرد غاضباً: دي لـ ـواطة بتاع مندكورو وألاّ شنو؟
    الموقف تأزَّم للغاية. على الأقل في نظر المبتدئين والمتطفلين أمثالي. وهاهي الكلمة التي تُلَخِّص كل الحرب بين الشمال والجنوب قد نُطقت، والكل في يده مدفع. "مندكورو". كلمة تعني في لغتهم الشخص الليِّن والمرفَّه، أو البرجوازي الطمَّاع كما تريد لها الأيدلوجيا. ولكن منذ بداية هذه الحرب اللعينة خُصِّصت لوصف الشمالي والعربي تحديداً. قَدَّرتُ من لهجة إدريس أنه من غرب السودان، بالطبع لم أكن أعرف أنه من غرب السودان فعلاً ومن قبيلة "الحَمَر" شديدة العروبة والبأس. العربي في مواجهة اللاعربي إذن، "المندكورو" في مواجهة الأنانيا. و"الأنانيا" في لغتهم تعني الشخص الخشن، أو المتمرد والخارج على القانون كما تريد لها الأيدلوجيا المضادة. ولذلك عُرِفَت حركات التمرد المبكرة باسم "أنانيا 1، أنانيا 2". فكما للُّغة قاموسها، للأيدلوجيا أيضاً تطويراتها وتربصها.
    "هاهي الأمور رأسها في رأس بعض بكل جلاء. ماذا سيحدث؟ الذي بأيدي هؤلاء الأدلاء الجنوبيين الآن مصيرنا كله وليس مجرد نجاح مهمة"، هكذا تمتمتُ أنا مع نفسي في غيظٍ حذِر وصامت. كنتُ فطيراً وطفلاً على باب الكراميلا، وما أدراني أنها حركات جيش وهم يعرفون كيف يداوونها بما يفيد. صفع ملازم المدفعية بأداة قياس يحملها في يده الجذع الذي أجلس عليه،..
    "ثلاثة أيام من مرتبك تذهب لـ"رياك" يا إدريس، وتُربة أمي"، قالها ملازم المدفعية بلهجة بدت صارمة وتحمل في طياتها: انتهي، لا جدال.
    هرَّج إدريس مع لعنات: وكيف لو تكلمت معه بالإنجليزية، هل كنتَ ستخصم شهراً كاملاً؟
    "إنت بعرف رطانة كويس، شان شنو يكلم إنجليزي؟ إنجليزي دا واهد بلاش، ما فوقه قروش لمساكين زينا". هكذا ردَّ "رياك" بعربي لجوبا بدا عصياً على الفهم لخروجه على لسان إفريقي ومن فم مهتَّم الأسنان، كما عادة الأفارقة في التطهر بتحطيم رباعية أسنانهم.
    حركات جيش هي إذن! لا غرس الله فيكم بركة. المثقف حساس لدرجة الوهم المتربص. وحساسيته هذه لا بد أنها جزء من المشكلة. سريعاً ما ركض ذهني ناحية فذلكة اللغة وفذلكة الأيدلوجيا. أمور يجهلها الشعب السوداني قاطبة، وخاصة المتشاجران إدريس ورياك.
    هذه حركات جيش، ولا تنسى أن هنالك حركات سوق وحركات سينما، حركات مثقفين وحركات عند طلب التزاوج والمرعى، وحركات لـ ـواطة عادية بتاعة مندكورو وأنانيا بوصفهم بشراً عاديين لا بد أن ينتجوا حركات ماداموا يعيشون فوق ذات الأرض. وإلى آخره من الحركات والمظالم التي لا تكفي لتأسيس وطن آخر. حركات تعددية وتنوُّع بالأساس كما يقول الرجال البدينون في التلفزيون.
    بدا لي أنَّ النقيب معتصم لم يسمع هذا الحوار من أساسه، ناقََشَ حول النقطة "ك" مباشرة: هيّا خلِّصنا يا "رياك". الوقت لا يكفي لاختبار دروب هذه الغابة كلها. رَكِّز معه يا "فاولينو".
    اقترح "فاولينو" أن نذهب لقرية أخرى قريبة من النقطة "ك"، لأنه يعرف أحداً هناك ما يزال يعيش في الغابة. بالتالي سيحل هذه المسألة دون أن يكون محتاجاً لتركيز. بعضهم وافق وبعضهم اعترض، كما هي عادة الناس في الأوقات التي لا يناسبها الاختلاف. ربما في مثل هذه الأوقات بالذات تتفتق عقول الناس عن مقترحات ومواهب كانوا يجهلونها من قبل.
    قال إدريس الذي لم يكن بوسعه أن يرى في الظلام كيف بدوتُ مغتاظاً منه،..
    "هكذا يا كمندان سنهدر ليلنا بلا طائل. احتج إدريس بلغة رصينة ودقيقة لا تشبه أن تكون خرجت من فم الذئب الذي عوى به قبل قليل".
    "اسكت أنت يا قريمان". انتهره ملازم المدفعية الذي قَدَّرت أنه رجل صارم ويميل للحزم.
    "علي كيفك، لكن راح ليكم الدرب في الموية"، قالها إدريس وانزوى دون أن يرد عليه أحد.
    تحرك النقيب معتصم هنا وهناك كعادته، ثم قال حاسماً للنقاش: هيَّا يا "فاولينو"، دعنا نتعرَّف على قريبك.
    وبدأنا السير من جديد ناحية قرية أخرى، فيها رجل موثوق يعرف قرية النقطة "ك". يجب أن لا يكون قد ذهب لزيارة أحد أقربائه أو لطبيب، ولا حتى استدعاه أحد كبراء المنطقة لشأن. يجب أن يكون الآن بالضبط لجانب زوجته أو فوقها، ننزله ونمضي، وإلا تَلِفت المهمة بكاملها.
    الليل كان مُحْكَماً، وإن بدأ المطر يخف. التوجس ورائحة الغابة المبتلة أيضاً محكمان. الجذوع يجب تحسسها بـ"السونك" قبل الخطو فوقها. فحركة التكور هذه اشتهرت بها هاهنا الثعابين الضخمة أكثر من جذوع الشجر. وللتمادي فقط نقول إن تكور الجذوع لا يرهب أحداً، ولكن المشكلة عندما تنقلب الأشياء لأشياء أخرى. وتنقلب هذه هي المشكلة بالتحديد. لا أحد مطلقاً يحبذ أن ينقلب مخلوق من تحت فخذيه إلى مخلوق آخر. مخلوق ينهض من عجين الدبق النباتي بشوق سمومه لذاك الدبق الحيواني –المهروس- عند المناطق الحساسة. سؤال الأشياء عن هويتها بالسونك طول عمر إذن، التحسس الظنّان الذي يُعَطِّل السير. والوحل اللعين أيضاً يعطله، كما هو حَمْل الأشياء الثقيلة. كنا نزحف زحفاً نحو ذلك الدليل الجديد. فوقنا المطر وحدها، لا نجم ولا قمر ضنين ولا حتى البَرَكة. الكل ينفض يده مما نحن فيه.
    ليس معنا إلا هذه القلوب المتهورة بقدر ما فيها من بارود الشهوة للبطش والحقد والسيطرة والتدمير. هذه أرضنا بلا شك، ولن يطأ عليها ولا حتى مواطن إسرائيلي أو كوبي محترم دون إذننا، فما بالك بالمرتزقة؟ ولكن الحق والعدالة نفسيهما يقامان بهذه الشهوة للبطش والحقد والتدمير، يقيمهما ما هو سيئ في الإنسان وليس ما هو سامٍ وعفيف. شهوة فطرية وطماعة كالاستعداد للدخول مع امرأة في مكان مظلم. تنفرد بالداخل كما ينفرد الجذع الذي كان متكوراً قبل لحظة. الشهوة المسؤولة عن قتل إنسان لأخيه الإنسان سَواءً إجراماً أو إقامةً للعدالة. الإنسان السوي هو الذي لن يقتل بالمبدأ. هذا الكلام جئتُ به من مذكراتي قبل هذه المشاركة، أي كنت قد وضَّبتُه من تصوراتي المكتبية للحرب والقتل. وقد ظننته لوقت طويل كلاماً شاعرياً وفيه انفصال عن التفكير الوضعي، كما حدث في عقل نصير الدين الطوسي الذي رفض تكفير إبليس بالمبدأ، بناءً على رحمة الله. ولكن عندما تلصصت الطبيعة العريضة، بداخل طبيعتي الضيقة والمحصورة ظاهرياً، اكتشفت أن هذا الكلام فيه ولو بعض الحقيقة.
    بدت الأمور وكأنَّ تلك القرية "ك" تريدنا أكثر مما نريدها. وإن كانت تماطل فلكي تمنح الوقت لشهوة البطش هذه لتستيقظ بداخلنا عن آخرها. قوانين الطبيعة تسعى دائماً للتناسق فيما بينها.
    النقطة "ك" كانت تريدنا عند حوافنا الشرهة، المغالية والمتجبرة، التي لا تراجع عندها ولا شبع لها. ومثلما كانت تسعى ليقظتنا كانت تسعى ليقظة الطرف الآخر. وكيفما كانت تشدنا نحن، كانت تشد الأسباب لينتبه خصومنا. المسألة كلها مبيَّتة منذ زمن أزلي وتجريدي. والناس يمكنهم ملاحظة ذلك عندما يُحصي كل طرف عدد أفراده بعد المواجهة، عندما يتحسسون الندبة الغائرة. فأي تحسس شهواني ومختل لمعالم طريق ليلي ومجهول، يؤدي لتحسس ندبة أكيدة.
    خرجنا من بطن "توج" أجرد إلا من الحشائش الكثيفة لنقف على أضواء القرية بغيتنا، التي انكفأت عليها الغابة والليل وزخ المطر. نيران الحطب الرطبة وخفوت الفوانيس الرخيصة أظهرها خابئة وضنينة كحشرجات أصحابها بالمستشفى الملكي، مستشفى آل سعود بـ"واو". مستشفى الموت المتوفر والمجاني. الموت الذي تحققت فيه الشيوعية الكاملة التي حلم بها ماركس وإنجلز. موت يفي بأغراض كتابة المذكرات لا غير، وربما رئيستي في العمل مُحِقَّة.
    مزدوج الظلام والتعثر بعثرنا بنوايا الموزِّع الغشاش لأوراق الكتشينة. وجدت نفسي هذه المرة بجانب غريمي، كتفاً بكتف. أوراق الكتشينة أيضاً قَدَرُها يتوقَّف على الحركة، ليس بوسعها أن تستحق مكانها إلا من خلال قوانين احتمالات متقنة. بعيداً منّا قليلاً يقف "الكمندان"، هذه الكلمة لها هاهنا مهابتها وتُنجز إشارة الألقاب والتقنيع حتى عظمة الدلالة. وقف لجانبه ملازم المدفعية الصارم.
    "الخطة تقتضي أن يذهب أفراد الاستخبارات وحدهم لمفاوضة الرجل. يفهمونه أننا نتبع للجيش الشعبي لتحرير السودان، ومن ثم يتقدموننا ويشغلونه بالكلام حتى نصل النقطة "ك".
    المواطنون يرهبون جيش "الأنانيا" أكثر من جيش "المندكورو". الجيشان يتشابهان عندهم في أن كلاهما مؤذٍ بالنسبة لهم. ويختلفان في أنَّ جيش الحكومة يضرب ضربته ويختفي، أما الجيش الشعبي فيضرب ضربته ويبقى معهم في الغابة ليُصَحِّح أخطاءها. فبالتأكيد هم يتمنون لو أنه لم يكن هناك تجييش من أساسه، هذا آخر ما سيساعدهم في زراعتهم البسيطة ورعيهم وتزويج أبنائهم. بل هم بزحفهم هذا، المتحسس بالسونك والمتجرجر في عماء الليل، يدمرون الزرع وأقنية الري، يحطمون سيقان الدخن ويبقرون بطن "البنجوك". كلاهما شيطان ويجب طرده بالتعاويذ.
    بالرغم من أن الجيش الشعبي أيضاً فيه شماليون، إلا أننا اقتصدنا في استخدام اللغة العربية من جانبنا. انتفينا قليلاً، لا نريدها أن تطغى كي لا نستبق أوان صراع اللغات والتعدديات في الظلام. ما يزال الوقت مبكراً، و"ك" اللعينة هذه لا تريد الغابة أن تلدها لنا.
    قال إدريس لملازم المدفعية -قائده المباشر- وهو يداري سيجارته من حبات المطر الذي يكاد أن يتوقَّف: هذه الخدعة طفولية ولن تنطلي على أحد.
    لم أستطع لعنه، كنت أوافقه. ردّدتُ مع نفسي: "نيكانج لا يدل على أبنائه أبداً". ثم أخذتْ هي تردد نفسها داخل دماغي، آلياً وغصباً عني. كالصدى الذي يجعلونه يتكرر في السينما لترتبط به مَرْكَزَة دلالات أخرى هامشية.
    "فاولينو هذا مراوغ ولعين"، هكذا دافع أحدُ الملازمين عن جدوى الخطة. هو ملازم مشاة وواجبه متابعة الجنود مع رفيقه الآخر، ولكنه اقترب في تلك اللحظة ليعرف نتيجة المفاوضات مع الرجل العجوز.
    رد عليه إدريس بدون أدنى اكتراث إلى أنَّ الرجل قد يسمعنا، هكذا بدت لي الأمور. كنتُ أُريد للأمور أن تنجح كلها وبسرعة وإنْ كانت غبية.
    "حتى لو كان فاولينكم هذا إبليس نفسه فلن يضلل عجوزاً من "الدينكا" عن رائحة "جلابة" العرب. تحاربون في هؤلاء الناس أكثر من نصف قرن وما تزالون تعتبرونهم أطفالاً، أي تفاهة سيشارك فيها "ود قريمان" هذه الليلة؟
    أطلق إدريس كلماته هذه بشكل متتابع وسريع كما لسان غرب السودان، وبلغة متزنة لا يقف خلفها رجل مستهتر بالمرة. ولكنه لو استمرَّ في سرد حكمته في هذه اللحظة بالذات فسيفسد على الأقل الاقتناع الذي يمكن أن يُؤَدّي إلى خطة. كلمة "خطة" أصبحت تَرنُّ في رأسي مهمة وخالدة ولها وبَرَ كالدابة.
    "لو فتحت فمك مرة أخرى يا إدريس فإما أنت أو أنا". انتُهر إدريس بسخط مكبوت حذر الضجة، نفس ملازم المدفعية الصارم الذي بدا وكأنَّ وظيفته إسكات إدريس.
    الغضب وفوضى البحث عن النقطة "ك" جعلت الملازم ينسى رتبته ويتكلم مع إدريس كند، وكرجل نهايةً.
    الملازم ختم تحذيره من هنا وإدريس أجابه من هنا: "هاأنا أسكت. ترجم لنا إذن، خصمتَ من مرتبي ثلاثة أيام لكلامهم الذي لا يخرج إلا مع جالون بصاق هذا".
    ضحك النقيب معتصم بخفوت، بل كلنا. بدا صوت ذلك الرجل في الظلام لعيناً في سخر، طَنَّاناً وملحاحاً كسرب النحل. فيه عنصر من عظمة المُلحة ولا شك، وإن كان لا يعرف متى يكون مليحاً.
    رغماً عن ذلك انحزت ضده، لم أدافع عنه أبداً عند نفسي بأن الحرب بالنسبة إليه مجرى حياته، وليس موضوعاً جاء يستكشفه كما هو الحال معي. هؤلاء الناس يعرفون جيداً أنهم يستخدمون هنا أعمارهم كاملة وليس جزءاً منها، لا بُدّ أن يعيشوا ظروفاً كهذه بشكل اعتيادي إذن، يكونون طريفين، غاضبين، سكرانين، زانين، وإلى آخر أمور الحياة الاعتيادية، إذ لا عُمُر احتياطي بحوزتهم.
    همس الملازم الصارم بصوت ضارع وفيه بقية ضحك ما تزال: إدريس، وحقِّ تربة أمي اسكت.
    بدأتُ أستاء من أبواز الجميع،.. "هذا العسكري، الملازم المتربي، لا يمتلك عزيزاً يقسم به سوى تُربة أمه التي ماتت".
    كنا ننتظر وعيوننا تَرِفُّ في الظلام ببريق المكسب. أبناء قبيلة واحدة يخدع بعضُهم بعضاً ونحن سنأكل سُحْت هذه الخيانة. وماله؟ ذلك لأجل الجغرافيا الأعرض من قبيلتهم وقبيلتنا. هكذا نُضفي الغموض السياسي على الموضوع، نُزيحه من فم هذه الشفرة ليكون عُرضة لشفرة مفاهيم أخرى وأمضى حِدَّةً.
    بالطبع لم نكن نفهم من حديثهم شيئاً، وأفراد الاستخبارات تبعنا لا يتوقعون منا مساعدة في هذا الشأن العائلي بأي شكل من الأشكال. لاح لي الموضوع كله من هذه الزاوية المختلفة، كأنما هم جميعاً أشخاص لا علاقة لهم بنا أبداً، وقفوا على الطريق يتحدثون في أمر يخصهم، ونحن لا نزيد على كوننا مررنا بهم في تلك اللحظة. لا رابط ولا مربوط، ولا أي لـ ـواطة مندكورو كما يقول العريف "رياك".
    ربما هم يتآمرون، ربما. من المحتمل أن أحدهم يخطب أخت الآخر، ممكن. ربما بقرة الطويل منهم أكلت زراعة القصير الذي يتحدث بصوت عالٍ لأنه يريد غرامة، يجوز. ويمكنك أن تمط شارع ربما هذا نحو أي احتمال لن يسرنا الآن يختبئ على بعد نصف قرن إضافي من الاحتراب وعدم التفاهم. هؤلاء الناس لسنا نحن، وحتى لو قتلنا الإسرائيليين والكوبيين في بلدانهم التي يأتون منها فلن يُحَدِّد القتل مصير هذه الغابة.
    أخيراً تفاهموا مع الرجل العجوز، غاص في بيته لبعض الوقت جاء فيه بشملة يتقي بها برد ذلك الجو ورطوبته ثم انطلقنا ثانية. هذه المرة نَكِدُّ السير المتخبط وراء دليل جديد، أو فرد استخبارات تسوَّلناه في الطريق. ومن هذه الزاوية المختلفة أيضاً، حربنا هذه موضوع أهلي لأبعد الحدود، لا يرقى أبداً لأن يكون حرباً. لو تمكنا من قتل المرتزقة الخبراء أولئك، فهذا يعني أنهم جاؤوا وميتتهم في جيوبهم، ليست الأمور جدية بالمستوى الذي يظنونه. هم يجهلون، ولكن نحن نعرف أن أمورنا كلها لا يمكن التنبؤ بها لا بقوانين الله ولا الطبيعة ولا الاستراتيجيات التي تعلموها هم كشيء فذ وحاسم. هذا علمه قاصر على أهل السودان فقط كما يقول الجغرافي اليعقوبي.
    فَرْد سلاح الإشارة ما يزال يُكَرِّر: يا فلان.. آلو آلو.. أجب أجب.. يا فلان.
    تخطّى هذا الفرد الأهالي حاجز المعرفة، وما تلقاه في أكاديمية تطمح لخلق مؤسسة، تخلّى عن "س" و"ص" و"وحدة كذا"، أخذ ينادي بالاسم على زميله في وحدة المتابعة بـ"واو"، ربما درسا معاً أو هما أبناء قرية واحدة، لا داعي لكلفة وتقَعُّر لا مبرر لهما. هو ينادي منذ تحركنا وصوته لا يذهب أبعد من صندوق عِدَّتِه ذلك. حقدتُ عليه وعلى لمبة البيان الحمراء في جهازه، كانت تلمع، الكذّابة،.. كموظفها، بينما أي حشرة من النوع المضيء هنا أكثر أداءً لوظيفتها منها.
    "بدت لي الأمور غبية منذ البداية".
    إدريس همهم مع رفيق مدفعي كان بجانبه، أخبره أن فرد سلاح الإشارة ذلك مخمور لدرجة التطيُّن، أو عند مرحلة الإنسان قبل تركيب العقل عليه وجعله آلة مفيدة. فقد أتوا به على عجل من بطن خَمَّارة، وكان يرمي سلكاً أو قطعة حديد بداخل صندوقه ذلك ثم يطوِّح على رِجْل واحدة ليتقيأ الخمر، أو يسقط بالتمام على الأرض ويستغل وقعته تلك ليربط زراً أو اثنين من حذائه العسكري. باختصار ربما جاء هذا الرجل بطلمبة أو ماكينة سينجر أو أي جهاز آخر لا علاقة له بالاتصالات.
    "لا تتحدث عن فرد الاتصالات هكذا". قال المدفعي لإدريس وهو يلكزه في بطنه ويضحك. أجابه إدريس: أي فرد؟ هذا الآن ليس بفرد اتصالات ولا قيامة، إنه رجل سكران فحسب.
    هكذا إذن!؟ كأننا ذاهبون لبيت عزاء أو ميتم. هذا الجيش يمتلك استهتاراً يُحْسَبُ في مقدراته العسكرية، مكثوا هنا طويلاً وأصبحوا ينادونه بالخبرة. الخبرة عندهم هي هذا العمى عن ملاحظة الموت، موت لا يلاحظه إلا كُتّاب المذكرات.
    توقَّف دليلُنا العجوز فجأة وأخذوا يتراطنون. الغابة كريمة وأغدقتهم بملايين الطرق الصالحة لتضييع الليل، أم ماذا؟ السخط، التوتر، السخط. قلت لنفسي بحنق "جَيِّد أنَّ المطر توقف، ولكن إن لم تكن هذه النقطة "ك" تبعد عنا كما يبعد المطبخ عن باقي منافع المنزل فلن نصلها إلا ضحى".
    قَدِم علينا العريف "رياك"، ولعامل الغبش، وجَّه حديثه لملازم المدفعية يحسبه الكمندان: "خلاص يا كمندان، ياهو توج قدامنا دي، بعدين نحن طوالي نلم في مكان".
    شاكسه إدريس قائلاً: "لا أرتاح للعجوز "أبو سنكيت" هذا يا رَياك، ماذا كنتم تقولون بلغة "السنبر" تلك؟
    - F u ck you, go hell شتمه "رياك" بالإنجليزية.
    ردَّ عليه إدريس: You cant swallow my sexual machine
    ها قد عدنا لحرب اللغات. دفع الكمندان العريف "رياك" ليلحق بعجوزه كوضع حد لحركات الجيش. عادي طبعاً أن يتحدث جنوبي بالإنجليزية، هذا نزوح حضاري تَمَّ كَهَرَب من ضغط اللغة العربية على لغاتهم، في الوقت الذي لا تمثل فيه العربية لا لغةً ولا أمةً ثقلاً علمياً أو حضارياً. ولكن بقيت عبارة إدريس تطن في أذني، عبارة نابئة وراقية في آن، فيها اجتهاد بالنسبة لرقيب أول في المدفعية. كان بإمكانه أن يحصل على واحدة من السينما أرخص منها.
    هبطنا برهبة في "التوج" الفاتح والفاتن حتى في غبش الظلمة. وما كدنا نتجاوزه ونقترب من ظلمة الحشائش والأشجار مرة أخرى، إلا وانطلقت ثلاث أو أربع رصاصات من طبنجة وانبطح الناس أرضاً. سمعت تحليل كونها رصاصات طبنجة من جاري ملازم المدفعية. قالها للكمندان والملازم الذي معه ثم بدؤوا يصيحون في جنودهم باتخاذ الوضع القتالي. ملازم المشاة ركض ناحية جنوده، الكمندان وملازم المدفعية أخذا يصيحان بوصايا لأسماء ضباط صف وجنود بعينهم. أما إدريس فركض ناحية أفراد الاستخبارات الذين بدأت رشاشاتهم ترد صائحاً فيهم بإبطال الضرب. يبدو أن العجوز غيَّر رأيه، طارت في رأسي من جديد: نيكانج لا يدل على أبنائه أبداً.
    أطلق عجوز "الدينكا" رصاصه في الهواء وعلى "فاولينو" كي يحذرهم في النقطة "ك". ولكي تستيقظ شهوة الجنون الطبيعي والقابلية في الجانب الآخر، وانفلت العجوز في الظلام والحشائش. طارده إدريس بأقصى حد يمكن انتزاعه من الركض في أحراش كافرة بالمرة. كانا يدهسان الحشائش والفروع المتيبّسة كالجواميس. لاحت المسألة بينهما كالثأر.
    "التوج" كان يلتف على حفير مياه عريض الجوانب. وصوت الرصاص الذي انطلق أجفل قطعان الحيوانات التي كانت تنام قريباً من المورد. الهرج، دهس الحشائش، وتعالي صرير جندب الليل، أصوات وقوع وتَعَثُّر بعض الوحوش الهاربة، النطح والتصادم خلال ركض غير مدروس وبعد يقظة ذعر بقلب الليل. الجنون الغافي كله نهض، هرج المصائر، يقظتها واختلاطها ببعضها، السيرة الذاتية للطبيعة والمعزولين. الأمور مفتولة بمواصفات الريح كحبل الصاري. الحيوانات عبرت من خلال دروب القرية "ك" الضيّقة في غارة مهولة وضخمة، لا بد أنهم يستعدون الآن. مثل هذا الذعر لا يمكن لأسد أو لأي ضارٍ آخر أن يشيعه. الأسد لن يطرد قطعاناً كاملة من الجواميس البرية والفيلة والأيائل وعشرات القطعان الأخرى من الحيوانات الأقل شأناً. الذي يحدث الآن ليس الذعر، وإنما التهجير. الشيء الذي لا يقوم به إلا الكائن قليل الصحة وذو الساقين فقط.
    إدريس عاد يلهث، والعجوز ابتلعته مزالق الغابة.
    "العجوز الملعون، لو قبضتُ عليه يا فاولينو لقيَّدتُه بقضيبه". قال إدريس بينما انكب على فاولينو يفحصه. "أين أصابك؟". وقبل أن يرد على إدريس أحد سلخت عتمة الليل قذيفة لمدفع "زوو رباعي". وقعت في المسافة التي تفصلنا عنهم. صاح النقيب معتصم، "إدريس، جهِّز ناسَك". يطلب منه ذلك لأنه القائد الفعلي للمعاونين. أجابه إدريس بحسم،..
    "ليس الآن، علينا أن نتقدم. التي عجزت عن بلوغنا قبل قليل قذيفة "زوو رباعي". فما بالك بـ"الكلنكيت" التافه أبو عفنة هذا؟".
    العساكر يقولون إن "الكلنكيت" -أصغر فصيل من مدافع المورتر- لا ينفع إلا في طرد الأئمة من منابرهم، أما طرد العسكري من خندقه فهذه مهمة تتطلب أكثر من التخويف.
    "لا أظن التقدم الآن ممكناً"، قال أحدُ الملازمين لإدريس الذي أجابه بدون اكتراث: "لو أضعنا الوقت في المجادلة سينزلون لخنادقهم ودفاعاتهم ولن تقتحموهم ولو كنتم طالوت. هذا بعد أن يتمترس لكم بالخارج ضاربو "الدوشكات" وأنتم تعرفون الباقي".
    "تقدموا" هكذا صاح النقيب معتصم، قائدنا، ساري الليل، الكمندان، الذي يجعله رُقِيُّهُ هامشياً جداً. أسماؤه الحسنى كثيرة، ولكنه بدا لي بلا مهمة.
    تَقدّمنا بتعجل مذعور. أشياء تقع ودرب نخطئه وحفرة موحلة واحدة يقع فيها أكثر من شخص. معظم ثيابنا تركناها لشوك الأشجار والفروع الناتئة، بقي علينا القليل منها. وصيحات تحريض الضباط وحثهم لنا كالبغال تشكل موسيقى خلفية لجرينا وتخبطنا المرتبك في الظلام والحشائش. والبعوض فوق ذلك لا يعرف ما نحن بصدده.
    "هنا المكان مناسب"، قال إدريس للنقيب معتصم بلهجة مَنْ يستشيره. أجابه الكمندان محرضاً لهمته: "ستثبت أنك قريمان الذي نعرفه؟".
    "على أن لا تكون معهم مدرعات حديثة!"، قال إدريس بتشكك. وكلمة "مدرعات" هذه، نطقها إدريس باحترام إن لم تكن مهابة.
    نادى ملازم المدفعية في الجنود: ارتكِزْ كلك واستعد.
    كانوا يختارون أماكنهم وَفْقَ نظرية واضحة لهم على ما يبدو. لا أدري أية نظرية أو حكمة تقودهم، ولكنهم كانوا يتساءلون عن ضارب كذا ومُشغِّل كذا وفاعل الأمر الفلاني ثم يتخندقون تبعاً للأجوبة التي يتلقونها.
    "نبدأ سيادتك؟"، سأل ملازم المدفعية الكمندان.
    نظر الكمندان إلى نجوم السماء المختفية بعيداً ثم إلى ساعته: "دعنا نَرَ، صمتُهُم مريب. كما ولو أنَّ لا قرية تربض هناك ولا شيء. هذا ليس نزولاً للخنادق فحسب". قال الكمندان بعد أن قَدَّر توقيت ما كان يُفترض أن يحدث وتَجَاهَل الحدوث، أو ذلك الشيء الذي تدل عليه نجمة بعيدة أو حركة تُعَيِّن الزمن ولم يفِ بميلاد نفسه، ذلك الشيء القابل للتبدُّل على الدوام والذي ربما عَنَّ له خاطر أن ينقلب إلى شيء آخر.
    بعد صمت قال إدريس للكمندان: لو صَدَق ظني فإنَّ معهم مدرعات. من كان يظن أن معهم "زوو رباعي"؟ أعرف صبر هؤلاء الناس، لا بد أنهم الآن يحلقون صلعة للرجل الذي أطلق قذيفة "الزوو" قبل قليل، هو إما مخمور أو مغفل، أو الاثنان معاً. يريدوننا أن نتورط أكثر فلا يخسرون فينا ذخيرة ما دام سنُدفن تحت جنازير المدرعات. يتجاهلوننا نحن المعاونين على وجه الخصوص.
    قال عريف سمعتهم ينادونه "أبو القدح" ويبدو مهماً هو الآخر،..
    "علينا أن نقدم ضاربي "الـبي 10" كاحتياط". صوته جاء وقوراً مع بقايا الليل الأخيرة وأهاليل السَحَر.
    "معك حق، غَطِّي هذه الناحية بضاربي "الدوشكات" و"الديكتريوف". ناحية "التوج" المكشوفة دعها لـ"القرنوفات" ورشاشات "42". هكذا أحكم الكمندان فكرة الرجل، تَلَفَّتَ ثم أضاف مخاطباً الملازم بغضب، "المعلومات التي معنا كلها تفاهات إذن؟ ما الذي كنا سنفعله لو لم نأت بهذا العدد البسيط من المعاونين".
    العساكر القريبون منّا يسخرون: "طلعت بامية!"، "الليلة حَشْ"، "الطهور جاييكم".
    يبدو أن المعلومات الاستخبارية التي معهم كانت –فالسو- وتُغريهم باستسهال المهمة. فهمتُ أنهم كانوا يتوهمون بأن المشاة وحدهم قادرون على إنجازها، لذا فهم يحمدون الله الآن لأنهم جلبوا من المعاونين العدد الذي لا يجعلهم يموتون على الفور، سيؤجلون موتهم للصباح مثلاً.
    علَّق إدريس بذات لهجته مقيتة الظرف: "جيشكم هذا كل استخبارات العمليات فيه من الجنوبيين، بالبَرَكة هكذا، دون أي ولاء وحسب أمانة الشخص وفي ذمته. لذا بطونهم فقط هي التي معنا ومع الآخرين. فحيثما يتعشون جيداً يدلون بمعلومات أكثر". ثم أخذ يقهقه مع أفراد طاقمه.
    صعد الكمندان على تَلَّة شجيرات يستطلع أشياء يعرفها العسكريون في مثل هذه الحالات. ملازم المدفعية انشغل بترصيص ضاربي "الـبي 10" في مواقع تؤهلهم لحمايتنا من المدرعات المفترضة. لأنها -هذه المدرعات- لو كان الخصوم يمتلكونها فقطعاً ستشارك، ولن يهمها إن كانت مدعوَّة للمشاركة في معلومات الكمندان الاستخباراتية أم لا.
    إدريس أخذ يجمع هدافي "الآربيجي" و"البازوكا" ويوزعهم على نقاط أراد تعزيزها، لأنَّ هذه النوعية من القاذفات مجدية تماماً في صد المدرعات القديمة. إذ هذه الحرب تدور في العصور الحديثة بالفعل، ولكن أسلحتها لن يتعرّف عليها إلا النابغون والملمون بتاريخ الأسلحة من ضباط نابليون.
    أظن أن إدريس كان يُكَرِّر على أفراد مدفعيته أشياء هم أصلاً يعرفونها، ليس من باب التذكير وإنما لفرض جو من الحضور والانتباه، ولذلك لم يكونوا مهتمين بما يقوله. الملازمان الآخران كانت وظيفتهما بقية الجند منذ تحركنا.
    وكما ينفرط شهاب من أقرب سماء قاسية انفصلت فوق رؤوسنا قذيفة جعلت النيران تطير في كل مكان. مطر الله مضى، وتفتحَّت فراغات السماء والشجر بذخ البارود من كل مكان. قذائف المدافع وصواريخ الراجمات الصغيرة ورصاص الرشاشات الثقيلة والخفيفة، وكل ما يمكنه أن يطير ويخلِّف قتيلاً في مكان بعيد. فوقعنا على التراب وتشبثنا بأعراف الأرض التي اخترنا امتطاءها ولم نختر العيش فوقها، الأرض التي يزعم أهلُها من الطرفين بأنهم يحمونها من أبنائها الأعداء. هذه أرض بخيلة، عَطيِّتُها قبراً وعَالَماً لا تصلح فيه الزراعة.
    سمعت صوت إدريس يصيح بثقة بعد أن حسم شَكَّه: "ركِّز يا زول، هؤلاء المعرصين يُغَطُّون للمدرعات كي تدخل".
    وفعلاً بدأ هدير الآليات الثقيلة وأزيز المجنزرات المخيف يطغى على صوت الرصاص وأخذت مدافعها تدك كل شيء. يزحفون نحونا، والظلام انقشع أو يكاد أن ينقشع تماماً. كان مخططاً لها كعملية صغيرة، ولكن هاهي العظمة لله وحده. هاهي تعثر على موقعها الواحد والمدفون تحت الورق، الذي يتقدمه ألف احتمال متبدل وقابل للإنجاز.
    "لا تطلقوا النار أبداً، دعونا نضللهم عن موقعنا بالضبط، هكذا سنختلط بهم دون مدرعات والسونكي يكسب". هدر فينا الكمندان وبصوت رجولي لا يشبه صوت صديقي بـ"واو" مطلقاً.
    شعرتُ ببعض الحماس المُبَقَّع بالخوف حين صاح الجنود كلهم خلفه،..
    "السونكي يكسب".
    وصاح آخرون،..
    "جنزير التقيل البقلها ياتو، يا ود أم درجات، البيوقد نارها -يدفابها هو".
    أصوات وهدير وفتونَة،..
    "عَرّش دود مراقد السار، المن قلبو مو فشّار، سمحة الملَكة فوق مختار".
    "عظيم أب شان، جاني القاش ملان، جناح جبريل فوق الختم تيبان".
    اقتربوا منا أكثر وازدادت سطوة النيران. "إما ثلاث مدرعات أو أربع، لا أكثر. واحدة منهن فقط الحديثة"، قال إدريس للملازم.
    إما أن هؤلاء الناس لهم خبرة العميان بمعرفتهم لأي شيء من خلال صوته، أو هم بكاملهم أعضاء ترى وتترَصَّد ولكن لمخلوق غير مرئي بالكامل. الكل كان ينادي إدريس: إدريس هكذا جيد؟ إدريس هذه لا أعرف مالها! إدريس الزاوية ¾ أم الزاوية.....؟ من هذه الناحية يمكن الصبر على سخريته الشريرة إذن؟
    هنالك نكتة صفوفية خبيثة، تقول إن الضباط الكبار مسؤولون عن قيادة القوة في حفل العرض العسكري قبيل العمليات فقط، وبمجرد وصولها للميدان الحقيقي يصبحون جنوداً لضباط الصف.
    هذه النكتة جادة مائة بالمائة، فتسعون بالمائة من الاستشارات كانت تُوَجَّه لإدريس أو العريف "وادي تل" أو "أبو القدح" أو وكيل عريف آخر اسمه "الصادق". أما ضباطنا الكبار فكانوا يقفون هناك من أجل صرف الموافقة النهائية لا غير، أو لظروف تتعلق بالنظام ورفع المعنويات. ملازم المدفعية الصارم لا بأس به. "أنور" المدفعي يعرف شغله جيداً، ولكن ليس فيه نزعة أو صفات قيادية، مثله هذا يندر وجوده بداخل الجيش السوداني، فكلهم رؤساء جمهوريات انقلابية لم يحن أوانها! هو ينشغل بمدفعه فقط وتكفيه أغنية يلوكها مع سيجارة "القامشا".
    طبيعي أن هذا الحكم لا يصدق على ضباط أمثال ود العالِم أو محمد عثمان الجعلي. فهذا الأخير بلغ من الشهرة حد أن تعزف له فرقة "الأنانيا" مقطوعة خاصة به، وبالطبع يتلو ذلك أن يردموه بالمدفعية الثقيلة. ما يعني من قِبلهم أننا لا نقتل من الخصم إلا مَن نشرّفه بقتله ويشرّفنا بموته. المدجج الذي يكره الكماةُ نزالَه كما قال عنترة. الجنوبيون قوم أشداء، باسلون ومهذبون تجاه الخصم الذي يستحق. وللأسف هذا يعني نضج المحارب والحرب التي امتدت حتى نضجت وابتنت ناموسها الخاص بها وثقافتها. تطلق البلد لجام كل شهواتها حتى تنجب رجلاً من طراز "ترهاقا"، "بعانخى"، "أركماني"، "المك نمر"، "عبد الرحمن الرشيد"، "المهدي"، "عثمان دقنة" العظماء، ثم تشرع في تجهيز معزوفات تليق بموتهم، ويمكن استخدامها مستقبلاً في تحضير موت آخرين.
    النقيب معتصم لم تكن تنقصه لا الخبرة ولا الشجاعة، ولكن هو رجل راقٍ ولا يشبه العسكريين إلا في بدلتهم. أو ربما في السُّكْر والتحشيش واتخاذ الصديقات ولو بشكل يختلف قليلاً عن همجية العسكر. السلطوية والعناد لم تكونا من طبعه أبداً. فهو أشبه ما يكون بفناني التشكيل المأخوذين حتى عن ذواتهم. يبدو وكأنه ينتظر أحداً أو أمراً هناك فحسب.
    لم أكن أعرف أنَّ البندقية سلاح تافه وشخصي لهذا الحد. البندقجية "إذ يسمونهم" لم يكونوا يفعلون شيئاً تقريباً، إلا في حالات الاشتباك المباشر، "السونكي يكسب". كانوا مبرأين لمجرد تدخين "القامشا" و"البنقو" وسنِّ الشتائم وحَدِّها لحين طلبها.
    الهدير اقترب منا لدرجة الصياح بأعلى صوت للشخص المجاور. صاح ملازم المدفعية في "أنور" بطريقة من يثق فيه كثيراً: "خُذ "الآربيجي" من "حيدر". الحديثة دعوها لإدريس، عليكم بالأخريات".
    "لا داعي للتعب، الموديلات الفشنك تأخرت للاستكشاف. الغربي آمن". هكذا قَيَّمَ إدريس الوضع، وانتهى بتذكير رفاقه بعدم توجيه نيرانهم غرباً لأنه سيستغل هذا الاتجاه.
    دَهْس الحشائش ووقوع الشجر أخذ يتصاعد بقوة وعنف. جلبة الحديد وصلصلته كانت تصم الآذان بصوت انزلاقها على الحشائش والطين الدبق. الآلة التي كان يجب أن تكون في مثل هذا التوقيت المبكر وفوق هذه الأرض الممطورة حَصَّادة قمح، هاهي ستحصد أرواحنا.
    إدريس جَرَّ مدفع "البـي 10" الوحيد وقَدَّمه في ناحية أخرى غير التي طلب تأمينها، وأيضاً ليست بالناحية التي قدَّر من خلال الصوت أن المجنزرة الحديثة ستأتي منها.
    نادى فيه قائده المباشر ملازم المدفعية مصححاً: "احتمِ بلسان "الكركور"، مغارة الحجار يا إدريس، لا تدعها تأتي في ناحيتنا مباشرة. ضَيِّق المسافة بينها وبين الخور هناك.
    أي كلام كان يبدو لي ساعتها ذكياً ومحترفاً ومخالفته تعني هلاكنا دون شك. تحَرَّك إدريس بمدفعه عكس ما قاله الملازم بالضبط. اختفى. جعل الآلة تطمع فينا نحن وتجهل وجوده هو. لا شيء يصدها من ناحيتنا. ضَرْب رشاشاتنا الثقيلة والخفيفة كان ينزلق من على جسدها كما ولو أنه ثمار "لالوب".
    ذُهلنا كلنا للحظة، كأنما الأشجار داستها صاعقة. ثم وطئت تلك الآلة المدرعة فوق خنادقنا الضحلة مباشرة. لم تمهلنا ولو جزءاً من الثانية. فقد انطلقت المدافع المحمولة فوق ظهرها في عواصف قاسية من الذخائر واللهب. أوراق الشجر والفروع ونحن، كل شيء أخذ يتساقط، ينمحي من أمامها ويندبغ بالأرض. ذلك لم يتجاوز اللحظة الخاطفة، ودوَّى الانفجار في جسمها المبني من الشفرات. اندبغنا بالأرض أعمق من خنادقنا، وتطاير الطين بأوحال لزجة في كل مكان.
    كل شيء أضحى غائماً، أصواتنا وأصوات أشياء كثيرة صاحت في تلك اللحظة بما يشبه انتقال الأصوات تحت لجة الماء. الانمساخ والاختلاط بعالم بعيد بيننا وبينه مشوار الحياة.
    سمعتُ شخير الآلة الوحشي والمتقطع لمرة ثانية. أرادت أن تنهض كي لا تعبر. وكان إدريس قد ألقم قذيفته الثانية. هذه المرة سمعنا بشكل واضح جداً، صوت الشيء الذي يسلخ صفيره الهواء كالصاروخ، ثم ينكتم قريباً من انطلاقه. وتفرقع جبل الحديد ذلك فوق رؤوسنا. كل شيء تراه أمامك كانت تُبَقِّعُه دوائر مثل رغوة الصابون. لم أعد أفهم شيئاً. الجنود أخذوا يتصارخون بذلك الصوت الذي يجمع بين تهليل النشوة والثُكل في آن. تلك الولولة الغامضة وهتاف الجيش الخاص والمعروف. أحدهم صاح شامتاً من الآلة: "بَرَكتْ تبول. ينصر دينك يا إدريس".
    فعلاً كانت كالدابة التي تهالكت فوق جثة أرجلها لتتبول. النار تندلع فيها أكوام أكوام. وذخيرة الرشاشات التي لم يسعفها الوقت لتطقطق بداخلنا، كانت تطقطق بجوف الآلة تحت حمو النار.
    الأمور جرت بهذا التسلسل في إطارها العام، أما على صعيد كل شخص فقد تَمَّت كاللغز. موديلات المدرعات التي أسماها إدريس بـ"الفشنك" لم تتقدم بعد دَك الحديثة، ولكنها تمترست خلف الأشجار الضخمة وأخذت تجلدنا بمدافعها من مكانها. آلة الحَفْر أم رأسين، البغيضة ساعة حملها، بدأنا نحفر بها موقعاً للرأس وهو حي. قمنا بالتخندق أكثر مما كان.
    "فاولينو" أسلم الروح. العجوز اللعين قتله وهرب دون أن يقيده أحد بقضيبه. عشرة قتلى سقطوا بلغة الجيش "كخسائر" سَبَّبتها المُدَرَّعة الحديثة.
    بعضنا جرحى وينزفون. لا أدري كم كنا سنخسر لو اعتمد إدريس توجيهات قائده. لقد راوغ الذين كانوا بداخل الآلة بتثبيت نفسه في الموقع المتروك لورقة أخرى. الجنون الغافي يقتلنا مثلما يؤهلنا لأن نقتل غيرنا.
    ناورها إدريس من خلف مائل، كان يتخلَّق من ورائها في دائرة أيقظ. لعبة الحرباء معكوسة، أو بأيدي الطرفين. جعلها تُقَدِّر لعابها على مدى الضحايا ولبَّد عنها لعابه هو. افترسي، افترسي، افترسي، فتعمى، تعمى، تعمى، حتى تنزلق في الظلمة ويعمُّها ذلك الشيء اللزج والمُفَتِّت للخلايا.
    إدريس جاء من ناحية "الغربي" يجذب مدفعه ذا العجلات بيد، والأخرى تمسك بسيجارة "قامشا" مشتعلة. صورة أعمق في وجوديتها من بطولتها الظاهرة. المصير. كان يخفي رأسه من الرصاص بحركة متكلفة. الذين من نوعه يعرفون أن الأشياء لا تقتل أحداً، هذا شيء مفروغ منه، وإنما خبرة الطبيعة في القتل هي من يقوم بذلك. أمَّن إدريس "الغربي" كي ينسحب إليه بعد قذيفته الأولى إذن؟ ليتفادى مدى انفجار الآلة في الثانية، يا للوقاحة التي لا تعترف بما يمكن أن يتبدَّل، بل فقط ما يجب أن يكون.
    "أبطلوا الضرب، هذه الذخيرة التي كانت مقيتة في الطريق ستبكون عليها بعد قليل". نادى إدريس فينا.
    "سيتقدمون" احتج أحد ملازمي المشاة على طلب إدريس. ردَّ عليه ملازم المدفعية: "لن يتقدموا، "التوج" يكشف ناحيتهم".
    صاح رقيب آخر في الجنود: أبطل الضرب كلك يا زول. "أبطل الضرب يا زميل". "أبطل الضرب يا بُلدة". صاح بها كل شخص فيمن يجاوره. لأنَّ الأشجار وقباب التراب العالية التي تصنعها الأَرَضَة وتضاريس الأرض غير المستوية تُفَرِّقنا عن بعضنا بعضاً. المناداة بهذا الشكل على بعضنا بعضاً، ذَكَّرتني بلعبة كنا نلعبها في الطفولة، هذه الحرب مرح الراشدين، وإلا فماذا؟
    انكتمت أسلحة كلا الجانبين، ثَمَّ عَمَّ صمت مجيد، كوقت لدورة غامضة، ومطروحة لكي يتعفَّن الزمن نفسه، صمت لأجل تَخمُّر وجودي شامل، هذا الإنسان التركيبي، والمعطوب بفعل تركيبته هذه نفسها، القابل للتعفن وهو حي. الآن هو ببطن دورق جِدُّ مناسب، وبحاصل عمره إبِّان استحالته إلى زمن تجربة بالضبط، حامض الخوف، كبريت الأمل، نترات الذكرى، وقلويات أخرى، مُضادة للوجود وغير مُضادة. التهجُّس على مدى وحشة عريضة وضارية، والانشحاذ بثقل كل الغرائز عند لحظة ذروة واحدة، كأنَّ كل شخص منا أصبح غابة بمفرده. الخلاص.
    صاح عسكري منَّا تُخبئه قُبَّة تراب بعيدة كَوَّمتها الأرَضَة، كأنَّه يستحث الذي لم يتيقَّظ بعد منَّا ومنهم، لننجز المهمة ونخلَص: واي مالُن؟ واي حَرقُن. واي مالُن؟ واي حَرقُن. ديل مالُن؟ ديل غَلبُن.
    وشَيَّع العساكر صوته بالترديد خلفه، لإحياء التغبيش على العقل، إيهامه وشغله فحسب، فما نحن فيه من ورطة بدا واضحاً حتى لظل الشجر الذي أخذ يتسارق من تحتنا، ما نحن فيه الآن ربما التشجُّع مطلوبٌ لتحمُّل نتائجه لا أكثر.
    سيحسبون حسابنا بعد ضرب المجنزرة الحديثة. يقول أحد الملازميْن لرفيقه. ويقاطعه إدريس بحيث لا رُتب ولا أي شيء آخر عدا موت مضمون،..
    "لا فالح! بل هم في هذه اللحظة الصامتة بالذات يخططون لتكنيك ذبحكم عن آخركم، الدلالة الأخطر لكونكم تمتلكون "بي 10" هي أنكم كُلَّ اللعبة، لا طلائع، لا كشافة، ولا من ورائكم بطيخ. ولا بد أنهم يُرَتِّبون الآن لكيفية قطع الطريق أمامنا. و"واو" أُم مريسةً مُرَّة تلك ستصبح بالنسبة لنا جائزة والشاطر منا مَنْ سيصلها بعطشه".
    والتفت بعد ذلك بشكل عفوي للغاية، كي يقول لأنور الذي يجلس لجواره،..
    "رأسك الكبير هذا سينفعك يا أنور، اطمئن، لن يحطموا جمجمتك ويتلفوها، فلا بد أنها ستنفعهم كبُرْمَة لسحر "الكجور". يجر أنور إصبعه على نحره، راسماً، فيما يعني أنَّ الحد الممتاز لقطع تلك البُرمة ينفع من هنا، ويقهقهان.
    لم أُعِدْ مع نفسي ترديد أنَّ الأمور بدت غبية منذ البداية، من عند هذا الحد انقلبت أمورهم تلك في نفسي، إلى عجين، عجين مقرف لشيء ما، شيء لا يمكنك أن تعرف ماله؟ أو ما هو؟ ولا نحو أي كائن –في الغيب- هو يُرسي سَمْتَه.
    ولكنني تأكدتُ من كون سخرية ذلك الرجل، الذي كان زائداً في الصورة، ليست من نوع السُخرية التي يؤدونها على المسارح بتاتاً، ولا التي يكتبونها في الكتب، بل هو نزيف وجودي بحت، لقاء خبرة ضخمة ودراية عميقة بمهنة القَنَّاص. الرجل الذي يقف في ظلام ويرصد الحركة في ظلام موازٍ، ويُلْصِق عينه على الثقب المفتوح بين مصير ومصير، بين نَفَس محبوس في الداخل وآخر طليق الأمنيات، بين عَالَمٍ وثانٍ. البرزخي.
    صمتنا في هرج داخلي مجيد، هاهنا خلاء حميم، وأرض ليست من نوع التراب الذي يستخدمونه في أصيص المُزهريات. تراب من معدة الأرض، ومن دود شهواتها. ومثلما الإنسان شهوته الأرض، الأرض أيضاً شهوتها الإنسان.
    لو بقينا هاهنا سيتغيَّب الكثيرون عن بيوتهم دون شك، وربما يتغيَّب الكل وينمحوا كأي حملة تاريخية مجهولة، قَصَدت إلى جهة ولم ترجع منها حتى قصَّتُها.
    "كمندان ساري الليل، العمل الآن، معانا شوية بارود وعافية، لكن بعد شوية بنعدم فيها البصَارة".
    كلمة ناجزة بالتأكيد، قالها "وادي تُل"، لو انتظرنا أكثر مما هو متوافق مع حظوظنا فسنلتحق بنهار بعيد، بعيييد، بُعد المشرقين والمغربين، وبُعد الأرواح على الشاطئ الآخر.
    تقرَّر الانسحاب المنظَّم بموافقة الجميع. الأرواح حين تصطف في خط واحد يواجه عمق مصائرها مباشرة، دون التفافات أو دوران، لا بُدَّ أنَّ ذاك الخط يترك خلفه درباً واحداً فقط يطمع في الحياة بدون أي مواصفات لنوع العيش فيها.
    "خط ثلاثة، خط ثلاثة، استعد، طاقتك يا زول، تركيزك كله معانا، شَكِّل قوس واستعد" صاح بها عسكري ضخم وجهوري الصوت، تنفيذاً لتعليمات سيادة النقيب بذلك، صوته جعجع في الأجمات حولنا بتشفٍّ، وللغرابة،.. دون خوف أو عجلة، بل بنفس طمع وخِفَّة الباعة المتجولين في صياحهم على بضاعتهم.
    "عددنا لن يكفي، هكذا يا كمندان.... "، يقطع عبارته ويصيح في ناحية أخرى..
    يا زول أسمع الكلام.
    يواصل ملازم المدفعية توجيهاته لضاربي المدافع بتعزيز الجماعات المتشكلة. ولكن سيادة النقيب يجيبه مُقَدِّراً تتمة تلك الجملة المبتورة: لا تقلق، سنسد جهة العرض من هنا وهناك، يؤشر للمكان ولرجل بعينه ثم يُكمل: معنا متفجرات.
    "حَرِّك يا جماعة المهندسين، يلا يا رقيب عثمان".
    ما هو أكيد طبعاً أنَّ الأمر لو تُرك لي، فلن أفيدهم إلا بما يمكن أن تفيدهم به هذه الشجرة لجواري. لم ألحظ بالطبع أنَّ عددنا لا يكفي لتنفيذ تلك الخطة إلا بعد جملة الملازم. ولم أفهم كيف سيحل رقيبهم تلك المشكلة إلا حينما رأيت رجاله يُفرغون الألغام والمتفجرات على الأرض ويفرزون سلوكها الحمراء والصفراء، ومن ثم يدحرجون بكراتها بعيداً ليمددوها على طول الجهة التي يبدو أنهم سيتركونها لحماية أعقابنا مباشرة حين الانسحاب.
    وبتوقيت قَدَّروه ومع صافرة تنبيه واحدة، بدأت مدافعنا القصف وكأننا في حملة هجومية مرتَّبة ومدعَّمة. بينما كنا بشكل سريع ومعافى تماماً من العراقيل نُخلي الموقع بحساب بدا لي جيداً. وحين ابتعدنا عن الموقع بكثير كان لا بُدَّ أن تتعرَّى حركتنا الخادعة مهما بلغت من شدة الذكاء. فقد سمعنا انفجارات ضخمة، تَعَثُّر مطاردينا في دسيستنا،.. صاح بعدها "أنور" في "وادي تُل" بادئاً بتقليد صوت القُمري:
    "قُوق، قُوق..." وصاح خلفه عسكرٌ كثيرون مشيعين:
    (قُوق، قُوق... قُوق.. واي رِجْلي، الشَرَك قَبَضها، حَيْ حَيْ.. ووب قَطَعها).
    "المساخيت، لو وطيتلك لغم أحسن من تاطالك خراء واحد منهم" يقول إدريس لرقيب عثمان ويقهقهان.
    كنتُ متعجلاً من عند هذا النجاح لأن نُكمل المسافة جَرياً حتى مدينة "واو". ولكنهم توقفوا وجمع إدريس رجاله وأخذوا يصفُّون مدافع المورتر ويضربون موقعنا الذي أخليناه بكثافة نيران شعرت معها بالغيظ، لكونهم أولاً لم يكسبوا الزمن بجعلنا نواصل الانسحاب فوراً ناحية "واو"، وثانياً لأنهم يهدرون ما معنا من ذخيرة. ولكن هذا ما حدث، وبكل جد وحرص من ناحيتهم. بل بدا الأمر من الضروري جداً في نظرياتهم. وبعدها اخترطنا الدرب ناحية "واو" كما يُخترط سيفٌ من قِرَابه.
    وبينما ظَنَّ الجميع أنَّ ما تبقى منَّا قد نجا بذلك الانسحاب المُرتَّب، ولكن يبدو أنَّ ما تمنَّاه لنا ذلك العرَّاف، البرزخي، كان ينتظرنا بجوار النهر. حيث تقف هنالك أبراجٌ كان قد أعدها الجيش الحكومي أيام دخوله "واو" أول مرة؛ متينة البنيان وتحجز بين الداخل إلى النهر والخارج منه. شعرنا بالصمت الخصيب حين اقترابنا منها ونحن نجرجر ما بقي معنا من معدات وأحياء. لم ننسَ وصية ذلك الضابط الحكيم في "واو". السلاح، هذا الذي يقتل روح الإنسان، لا بدَّ أنه أهم منها، ولماذا؟ كي يقتلها مرة ثانية وثالثة، وألف، وتعيده هي، البلهاء، لنفس المخزن، كعُهدة. ذلك الشكشوك، عليه أن يعثر على مدرسة تُعَلِّمه الخياطة.
    للمرة الأولى بدا لنا ظهور هذه الأبراج بشرى غالية، كإعطاء عُمر إضافي للمستبشر. ولكن ما كان مغموراً ببطن إدراك كلي وجوهري عن إدراكنا الهامشي والجزئي، ما كان يخربش باطن رحمه ليكون نبوءة القناص، أنهم كانوا يكمنون لنا بجوف تلك الأبراج، تمترسوا بداخلها منذ ساعات طويلة وأصاب قناصيهم ضجر أن لا تعبر روح من بين دِرْفَتي النشنكة.
    يا لكآبة منظر المخلوق ومسكنته وهو يسير في الغفلة، مُضيُّه نحو جهة غارقة. أذكر تلك اللحظة التي فاجأني فيها ماء الرجال، الماء الذي يفصل بين كائن وكائن، حين نظرت في بياض، بياض غليظ يميل إلى الزرقة، وعبرت من طور إلى طور. ومن خانة كائن منقرض، لخانة كائن آخر يخبئ إرشيفه ونسخه في عمود ظهره. أذكر تماماً دهشتي المريعة من عالم كنت أحمله لصق ذاتي وأجهله، فيا لطور الموت متلاشياً في طور كان سائداً قبل لحظات فقط. الطور المعكوس.
    رأيت ملازم المشاة، ليس الطويل منهما، وإنما الملازم الآخر وفي طوره المعكوس. أيقظني تناثر الرجل من جواري على أصوات الرشاشات وقذائف الآربيجي والمورتر وهي تتقصَّف على الأرض وتبتلع كل شيء. في تلك اللحظة تَتَّحِد الأشياء، وكل مخلوق حي هو حليف ما بجواره من روح، ضد الموت... هيلاهوب، هيلاهوب، هيلاهوب.
    لقد كان كميناً موفقاً من ناحيتهم لأبعد الحدود، هم متمترسون بالأبراج وبالخنادق التي حفروها على مهل، ونحن أمامهم مباشرة، وبمسافة تحضُّر وآجال لا مثيل لهما حتى في يوم الدينونة.
    وكصوت من مكان بعيد، وفتَّش عليَّ في مكان أبعد. تذكرت "لوكا" الطالب الجنوبي وعبقري الرياضيات، كان دائماً يُصارع "محي الدين" ابن خالي، منافسه في القوة والذكاء، بينما نحن طلاب بداخلية ثانوية شندي العليا. بمجرد أن تخلو قاعة الطعام إلا من شُلَّتنا يرميان بذراعيهما المفتولين على الطاولة، الأسود الداكن والأسمر الثقيل، يجذب كل منهما الآخر بكل قوة يمتلكها، أو يُحَضِّرها في تلك الساعة المشهودة -خَفْض الذراع خَفْض للرأس، يُهَرِّج ابن خالي الفصيح، لوكا لا يغش، ومحي الدين يجتهد في ذلك، ولو كان النصر للوكا، يقهقه ويطارد بمزاحه الجميع: هنا المستنقع، هنا المستنقع، أرجع وراء يا جلابي.
    هنا المستنقع، هنا الذهاب ليوم الدين أقلُّ تكلفة من الذهاب لأي مكان آخر. أثناء هذه اللحظات رأيت أنَّ الأمر قد انفرط عن تقنية التعسكر والتكنيكات، ما يخفيك الآن عن سلة الموت لا يحتاج لدليل ولا لخبراء. ولم يكن أمام ما بَقي من الأرواح إلا التقهقر ونسيان فكرة الزوارق العجيبة تلك.
    "ساري الليل" أُصيب، وصناديق الذخيرة تُركت للطين. أخذنا نتراكم من جديد في فحص مخيف للأحياء، لم أكن أعرف الناس بأسمائهم، ولكن الكثير من الوجوه اختفى، والكثير صار يحفر في ذاكرتي بفعل ذلك التزاحم.
    لم يفقد النقيب تماسكه أخذ يصيح في رجاله بينما يمسك جنبه: يلا يا زول، خلينا نَحَصِّل رأس التبة من وراء.
    فعلاً، لم تكن لنا تغطية سوى الالتفاف حول أعلى منطقة والاحتماء من جهة ظهرها. لم أرَ إدريس لحظتها، بفعل الهرج والاختلاط الذي صرنا فيه.
    تجرجرنا من هناك، كنا بعض حيوان ساعتها، ونتصرف بتقديرات محكمة الانتماء لعالم الغرائز. عند بلوغنا رأس التبَّة من الخلف، شعرنا بشوط من المهمة يلامس هواء المرتفع، الغريب بالنسبة لي، نكات اللغة الرخيصة ما زالت مستمرة،..
    "أسمع، يا فلان.. عزرائيل ما حنكل ليك؟".
    "يا قشران، الليلة بتبيت غرب جذلانك".
    الأدهى أنهم أخذوا يرصصون أنفسهم في شكل حماقة جديد، ضارب كذا وفاعل كذا، آمر كذا ومشغِّل كذا، -تأكد يا فلان... لملازم المدفعية، أو للملازم الذي ما زال حياً، وأنت يا إدريس- يوجههم الكمندان وهو منبطح على الأرض.
    لكم بِتُّ أكره مناداة السَّحَرَة هذه: "شخلاي مخلاي، وشخلاي زفت.. والطربوش ينقلب حمامة، والحمامة كتشينة، والكلام الفاضي هذا، الآن لا فائدة.
    النهر أصبح أمامنا وعلى بعد خُطوات يسيرة، ولكن يختبئ بيننا وبينه في القصب والحشائش ما يختبئ.. وتحت ظرف أرقى. الآن نحن في شبه أمان من أسلحتهم، وإن كانوا يقطعون طريقنا ناحية النهر بسيطرة فادحة.
    ملازم المشاة –المحظوظ- أُصيب هو الآخر برائش خفيف عند كتفه، جلس قريباً منا يحاول أن يبلغ بيده موضع الجرح، قام عسكري لجواره بسحب كباسين القميص له كي يتفقد جرحه بنفسه. تحادث الكمندان بصوت خفيض مع فرد الإشارة، بالطبع كان قد فقد صندوقه السحري. سُمعت قرقعة خافتة في القصب من جهتنا، قَدِم من عندها أنور أولاً ثم تبعه إدريس وهو يتحدث معه في شبه تشاجر. تَحَدَّث مع طاقم البي 10 تبعه ثم جلس قريباً مني ومن الكمندان.
    بدا لي أننا أخذنا نتكاثر ونترتَّب في شكل أفراد أسرة هذه المرة، لقلة عددنا والحميمية التي هبطت على الجميع. كل شخص عليه أن يترك مسافة معلومة بينه وبين أخيه، ولكن رغم ذلك ابتلعتنا دائرة أسرة أكيدة ولا شك فيها.
    أحد العسكر، حمل سلاحه ومعدات في يديه بالإضافة للحربي –منظف ماسورة السلاح، ثم تلفت متطلعاً ناحيتي ليجلس، أفسحت له قليلاً ليتربع خلفي ويعطيني ظهره، شرع في مهمته وبدأ يلكزني بكوعيه من ورائي، فقد أخذ يعافر بأدواته تلك ظرف بارود انقطم في ماسورة سلاحه، دفأني بالتحام ظهره مع ظهري، فرفرته المغلوبة والراجية، ذكر أهله يمر في خاطره هذه الساعة ربما، طيف حبيبة، لعب إخوته... صرنا بيتاً يجلس في الغابة.
    وكدنا نشعر بدفء البيت لولا أن قذيفة مورتر دَكّت شجرة شديدة القرب من موقعنا. المورتر مخيف في هذه اللحظة لأننا دون خنادق وقذائفه تهبط من عُلوٍّ مقوَّس، أو يضرب خلف الساتر بلغة المدفعيين. لقد زعزعنا وقوعها، فلو تريث مطلقها ذلك قليلاً لانمحى الكثيرون من تلك البقعة.
    تَذَّمَرَ إدريس بطريقة فيها احترام للمهنة، ثم وضع يديه مبوَّقتين على فمه كمُكَبِّر للصوت وصاح من خلالهما منادياً عبر القصب، للمهني الآخر، المدفعي الخصم،..
    "أهذا وقت الهاونات يا ابن الشرموطة؟".
    فَخْذ الكمندان كانت تنزف بغزارة. قلت لإدريس، "اسمع، كم قذيفة "آربيجي" بقيت معك؟".
    أجابني وهو تركيزه على سيجارة "القامشا" التي يفتلها بين يديه: معي واحدة بَسْ، ولو رفعت رأسك فوق هذا القصب كي تطلقها فلن تلبس الطاقية في حياتك مرة أخرى.
    اغتظت بشكل خاص لكون الكمندان ينزف، أما هو فضحك بوقاحة رزينة، ليكمل دون أن يلتفت ناحيتي: صلاة الجمعة بدون طاقية بايخة والله.
    رمق إدريس الكمندان بنظرة ثم انكفأ على بطنه وأخذ يدخن بهدوء، التفت مرة أخرى ناحية الكمندان وقال يدعوه إلى سيجارته،..
    "تأخذ نَفَس يا كمندا؟".
    يدلعه بـ"كمندا" هذه. "مُشْ بطَّال، هات؟"، أجابه الكمندان بهدوئه المعتاد.
    قال إدريس للكمندان وهو يخرج تبغ "القامشا" من جيوبه كي يُعِدَّ لنفسه سيجارة أخرى، نَفَضَ فمه من عوالق "القامشا" وقال: "هم الآن يشمتون منَّا".
    ضحك الكمندان بخفوت وتدريج يناسب أنفاسه التي يجرها جرَّاً من الألم. أكمل إدريس،.. أتذكر يوم شمتنا منهم في تحرير "رُمْبيك"؟ هاهم ينتقمون.
    أجابه الكمندان وبدا لي أنه يجامله بضحكه ذلك، وخصوصاً في تلك اللحظة،.. "فعلاً، تحرير "رمبيك" كان دورنا في الشماتة، ولكن في كوبري "البَوْ" شمت هذا الخلاء منا جميعاً، تضاربنا حتى شبعنا، وتفرَّقنا دون أن يحجز بيننا أحد، اللهم إلا انعدام الظروف المواتية للاستمرار، من الحماس والذخيرة وحتى الأحياء، لا أدري من هو الشامت الكبير من كل هذا!".
    سمعنا صوت دكدَكة أرجل في القصب، وصاح أحد الرجال من خلفنا،..
    (صوت مروحة، صوت مروحة).
    دفعني الكمندان لأسقط بجانب إدريس، وانزوى هو خلف جذع متيبِّس. ونسفت دكة الانفجار هذه التشكيلة بترتيب بعضنا خارج الحياة كلياً. صوت الصفير بالنسبة لمدافع المورتر يعني أنَّ القوة الدافعة للقذيفة ما تزال كبيرة، لذلك ستعبر الهدف دون أن تصيبه. أما صوت المروحة -الذي حَذَّرنا زميلنا منه- فيعني أن القذيفة استنفدت طاقتها الدافعة وشارفت على السقوط، ولذلك يمكن سماع صوت مروحتها الخلفية. وبالفعل سمعنا كلنا خربشاتها الأخيرة وهي تتخبط مندفعة نحونا، شَفْ... شَفْ... شَفْ، فوق التفافة مياه النهر اللامعة، طقطقة تدحرجها الثقيل والمهيب، تشتت نارها، ثم الصوت الكلي المكتوم وعَمَّ الدخان.
    وجدت نفسي ملقىً فوق "إدريس" غريمي الساخر، التقت أعيننا لبعض الوقت كجنازتين في تابوت، الكمندان كان مرمياً على وجهه بعيداً، واثنين من ضاربي مدفع البي 10 مُمَزَّقَيْن على الجذع مكانه.
    علا صوت أحد الأنانيا منادياً عبر القصب بشماتة،..
    "موت يا "مندكورو"، تاني إنت بجي مولد؟ أمشي "سعودية" هناك، بلد بتاعكم، دي مُش بلد بتاع عرب".
    نار، وموت، وأخيراً شتائم النفي والبت عن الأرض، يلعن دين أي حرب من على هذا القرب وبهذا التواجه. أجابه إدريس وهو ينهض كالملدوغ،..
    "كلِّم السعوديين يعطونا تأشيرة".
    ثم قفز بسرعة فوق ممر صخري يلتوي من وراء الأجمة التي تسترنا وانزلق في بطن "التوج"، بينما هو يُلْقِم "الآربيجي" ويولول مثل المحاربين البدائيين من "الأنواك" و"الأباتشي" و"الزولو". قوة الانفجار الذي حلَّ بنا أربكتهم مثلما أربكتنا، المسافة بيننا وبينهم ضيقة فاقتسمنا بَلْبَلة عماها ودخانها معهم بالتساوي.
    فَعَلَها المصطول. شعرت بالغابة كلها تنخلع من مكانها وتغرب ببطن هاوية بعيدة. برج الزنك والتراب اللعين تهاوى ناحية المياه الضحلة كبركان مقلوب. انفجار عظيم تماماً، وكان بإمكانه هو أيضاً أن يأتي بكون جديد ومَجَرّات لو تحَلَّى بهدف منذ البداية. سحب إدريس رشاشه من على ظهره بسرعة وعلَّق مكانه "الآربيجي"، ثم صاح ناحيتنا فحسب، إذ ليس بوسعه أن يرانا فقد هبط إلى أسفل الأجمة، وجَّه حديثه لي،..
    "جُرْ الكمندان معك، أسرع، لو دخلت المدرعات إلى هناك ستعجنكم مع خرائكم".
    هذا لأنَّ قذيفتهم الأولى كانت قد أصابت مدفع البي 10 التابع لنا وطاقمه، في الوقت الذي نفدت فيه قذائف "الآربيجي". أما قذيفة إدريس فقد أصابت تمترسهم في البرج مع بارودهم ورشاشاتهم الثقيلة التي تحول بيننا وبين النهر. كدنا أن نختلط بهم لولا طول الحشائش وضخامة الأشجار. كنا نسمع صراخهم بالرطانة: "باديقو"... هذا مؤلم. "كوجاي تاقي يا". جذبت الكمندان من سترته وحملته نصف عليّ ونصف على ما أبقاه النزيف، ثم أخذنا نتراكض ونعرج ملتحمين.
    الكل كان يطلق الرصاص وبشكل عشوائي. أنت تشعر ولا بُد بالشجاعة عندما تعمل بندقيتك، حتى في أسوأ الظروف تشعر ببعض السيطرة على الأمور، مع علمك التام بطيش الظرف الذي أنت فيه. إنها أوقات هَدْر الذخيرة والمعرفة كما يسميها إدريس، التي يموت فيها الشخص دون أن يتذكّر موته.
    بلغنا النهر بعد إدريس بمدة قصيرة، ولأول مرة رأيتُ النهر يعني شيئاً غير فطور السمك. جذب إدريس قارب "بنقلو" صغير -عبارة عن جذع شجرة مُجَوَّف لا أكثر- وصاح فينا: هيَّا.
    ركبنا وناديت عليه: ناولني الرشاش واركب.
    أجابني لاعناً بعهر: أركب كيف! وهي أضيق من خُرم العروس؟ ستنقلب، جدف يا حيوان.
    دفع القارب برجله دون تردد فانطلق في عرض النهر. رغم إهانته لي نظرت إليه برجاء وتعاطف باسل بينما هو يركض على الشاطئ، حذاؤه العسكري الإثيوبي "البوت" يبتلع نصف بنطلونه، والنصف الآخر يبتلعه الوحل. لم أشفق عليه مطلقاً، نوعه هذا خُلِقَ ليغوص. وليقول نكتته البذيئة الأخيرة وهو بين فك الأرض ونشنكة المطارِدين.
    الخيزران يتبع الشاطئ في هدوء أحسست به فجاً، لَمْعَتُهُ تقع في النهر بَرَّاقة مثل نصل، والضفة قافية بالكامل. هاهو إدريس يعثر على "فلوكة" ويدفعها في الماء، رجالنا المرتبكون جميعهم تكالبوا على الزوارق. أصبحنا مكشوفين ولن تجدي أية محاولة لتأمين انسحابنا، فقط الإسراع المدروس غريزياً وليس تكتيكياً. نادى فينا إدريس عبر النهر،..
    "الأنانيا الوسخ يقترح علينا الذهاب إلى السعودية".
    ابتسم الكمندان بفم شاحب ومتيِّبس. الجانب الآخر للنهر ليس بعيداً، ولكن نهر الجور يندفع من مرتفعات قريبة، فهو يمر من هنا في جِلدة صلف الجبال التي انسلخ عنها للتو. تياره المتعجل والمدوي، صارم وأسود كسير طاحونة لعين. في الوقت الذي ترمي فيه بمجداف يشتت هو مفعول عشرة مجاديف.
    هذا نهر يا كمندا أم بول شيطان!؟، يسأل إدريس مقهقهاً ويتابع: لو صدَّقت الأنانيا يا كمندان وذهبت إلى الحجاز ستطاردك "كشة" السعوديين كالصيد، وسيرسلونك إلى "بورسودان" في برميل فسيخ. أولاد أي بَرّ نحن يا ساري الليل، "جدة" أم "سواكن"؟ هؤلاء يعتبروننا ضيوفاً بلا حياء، وأولئك يعتبروننا إما مرتزقة أو حُجَّاج نيجريين. غايته، دخلنا في طيز الوزة.
    يقهقه إدريس وحده، يترك مجدافيه للحظة يستبدل فيها خزانة رشاشه بأخرى. بعض الفلوكات لرجالنا تتخبط خلفنا. الذخيرة بدأت تحزر مكاننا من جديد، هكذا يقول العساكر. دخلنا في استغمائية الموت مرة أخرى. الرصاص أخذ يذرع النهر طولاً وعرضاً، انزلاقه بذاك الصوت العجيب على الماء يفورَّه، يجعل النهر كله كأنه موضوع على قِدْر حامية.
    تمتم الكمندان قائلاً لي بوهن وهو يتقيأ، اقصدْ غابة المهوقني، هذه تيجان كاشفة.
    كأنما كان على تخاطر مع إدريس، فقد صاح ذلك الرجل بهمجيته: إنت يا دين الحَجَر! إلى أين؟ هل ستختبئ تحت بعرك في هذا الخلاء؟
    كان قوياً ويجدف باحتراف، لا بد أن عشيرته الرعوية تصل في رعيها إلى تخوم بحر العرب، فغرب السودان هو الأرض الوحيدة التي بلا نهر من بلدنا. لم تعد تفصل فلوكته عن شجر المهوقني المتدلي في النهر إلا ضربة مجداف أو ضربتين. حاول الكمندان أن ينهض ويعاونني لولا أن ثبّتُه في مكانه بعقب المجداف وأخذت أضرب بمقدمته ذلك النهر الحَيَّة.
    أسرع إدريس خائضاً في المياه الضحلة ليعاونني في جذب القارب إلى البر. تعاونَّا في حمل النقيب معتصم ناحية الأشجار الكثيفة. تمترسنا هناك لبعض الوقت كما أشار علينا النقيب معتصم. الأحياء منَّا كانوا يصلون تباعاً. إدريس يسألهم واحداً تلو الآخر: عندك ولعة؟ ولآخر: معك كبريت؟ يجيبه: لا. "طيِّب ولا ذخيرة مضيئة؟"، يقهقه بخفوت.
    ولما سكت حس المجاديف في النهر، ولم يعد يعبر إلينا إلا صوت الطيور، وهشهشة القصب وحفيفه، صدرت التعليمات بالتوجه ناحية وحدة الكوبري التابعة لنا، فمن العار شَقُّ المدينة بهذا الفقد الذي يشي به عددنا وبؤسنا، وبمجمل هذه الكارثة.
    اقترب إدريس من ظهري بشكل مريب، لوهلة ظننت أن ذلك المصطول ربما يعاجلني بسحب السونك خاصتي ويرسله بين أضلعي، لم ألتفت ناحيته كنوع من لامبالاة رجولية تجاه حركته المستفزة، استدار بسرعة وقال لي بصوت واطئ وحاد،..
    "كَفّك يا يتيم"،...
    لم أفهم في البداية، حين لمحت يده، استدرت ناحيته بتدبير وفتحت يدي كمن يريد لقارئة الكف أن ترى له الوجهة والجوار. ناولني المفتاح، مفتاح مكاتبنا بواو، كنت قد نسيته معي تحت وطأة خروجي المتعجل والمرتبك. لقد ظَلَّ هذا الرجل صاحياً طَوال تلك الفوضى إذن! لم يهدر ذخيرته، ولا معرفته، حين يقوم الجميع بإهدار كُلَّ ما معهم. فهو لا شك عثر على المفتاح حين ألقاني انفجار طاقم الـ"بي تن" عليه.
    لربما أعطاني إدريس ذلك المفتاح كي تصدأ أبواب دنيا قديمة في مغاليقها، وتُفتح ثانية، قاسية وتشبه حياة الرجل الواحدة، المهدَّدَة والخَطِرة، المتحفزة للحظة قنص ربما يختبئ فيها موتُها.


    ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2006, 12:21 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    من رواية (قسيس الطبيعة)



    Quote:

    الموفد



    كنت عندما أفعل شيئاً يخالف ناموس القرية "لها ناموس قديم ومستمر كالنيل", يشتمني الكبار قائلين:
    "تُفو عليك يامِلّة المجانين. أمشي يا تَرَب الجن، أي نسله".
    فأكتفي بغيظي وأبقى جاهلاً لمصدر هذه الشتيمة. عندما أسأل أهل أبي يضحكون. أما أهل أمي فلا يعطونني جواباً. كنت أعرف أن جَدي لأمي "عبد الله الأنصاري" كان مفقوداً. خرج من قريتهم هذه بليل ولم يعد إليها أبداً.
    ***
    عبد الله الأنصاري كان ضابط صف في الجيش. قوة دفاع السودان. قاتل مع الإنجليز ضد الإيطاليين في واقعة "كرن" الشهيرة، على الحدود الإثيوبية. وزار مصر وبقي فيها لبعض الوقت لا أدري مدته ولا تاريخه. كان رجلاً متعلماً ووسيماً ومحبوباً في المكان. وهو لا يشبه أحداً من أحفاده مطلقاً. وهؤلاء الأحفاد ينحصرون في أخويّ من جهة أمي "الحاج والحسين" وإخوتي من خالتي عائشة. فهو لم ينجب ذكراً ولم يمتد العمر بابنته الثالثة "نورا". طردوه من الجيش بتهمة الثورية ضد الإنجليز وتحت غطاء ستعرفه بنفسك لاحقاً. فعندما عاد الرجل لقومه كان له رأي مختلف في الحياة كلها.
    جَدتي "الحرم" كانت تتفادى أسئلتي حول الرجل. بعد إلحاح وضغط مني حكت عنه:
    رجل أبيض اللون وعالٍ كالجمال. يضع ملفحته فوق كتفه ومعها تبروقة الصلاة، مصنوعة من جلد طري ومدبوغ بشكل ناعم ومرقق. وفي يده اليمنى على الدوام مسبحة وركوة لماء وضوئه. ركوة تشبه أباريق الفخار النوبية وتختلف عنها بنقوش الخط العربي التي يكتبها الأنصاري بنفسه. ويحمل في يده اليسرى كوكابه الذي رآه الناس كثيراً وهو يصرع به الجاموس البري كما ولو أنه جرو. كل القرية متأكدة من بأس الرجل وسطوة كوكابه. لأنهم شاهدوه وهو يخرج بضربة واحدة منه "بنت الأمين" التي انهد عليها بناء الساقية القديمة. ثم حبستها حبال الللّس الغليظة والتواريق بين جدار البئر وعيدان الساقية المتشابكة. قالوا بمبالغاتهم الريفية: لم يضرب بكوكابه جدار الساقية، لا، بل نخسه كأنه يخرج علقة من أذنه. سدّ الرجل بجسمه الفاره فضاء المسجد أمام المجتمعين بداخله، ثم سألهم بصوته الخشن وببحته المعروفة قائلاً:
    - أتعرفون مَن أنا؟
    ضحكوا لنكتته وأجابوه مداعبين:
    - أبداً، لا نعرف. تفضل يا ود الأنصاري.
    لم يجلس، بل أعادها عليهم:
    - أحقاً لا تعرفون مَن أنا؟
    فيهم رجل يحب المزحة، أجابه:
    - نعرف. ولكن هذا الصباح لا. مَنْ صرتَ؟
    قال لهم ود الأنصاري:
    - هذا الصباح جاءني البيان.
    سألوه:
    - أية بيان؟
    أجابهم:
    - بيان نبي الله عيسى. عيسى آخر الزمان.
    سأله أحدهم:
    - ماله عيسى؟
    أجابه ود الأنصاري:
    - أنا هو، بشراه. أنا الموفد. كتاب وبرق نبي الله عيسى.
    أخيراً عرفوا أن المسألة ليست مزحة. همهموا مع بعضهم وتعوذوا بالله. كان معهم رجلاً عرف عنه ميله للفروسية وإدعاء القوة. الآخرون شعروا بأن الرجل أصابه شيء ووجموا غير مصدقين. أما هذا الرجل الشديد فقد قال لود الأنصاري:
    - أنت لا تحترمنا كرجال. هذه فروسية منك أم ماذا؟
    تجاوزه عبد الله الأنصاري وأضاف:
    - الله غالب. إن كنتم لا تصدقوني فالله غالب.
    كررها عليه الرجل:
    - يا زول أسكت. هذه فروسية منك وعدم احترام.
    التفت ناحيته الأنصاري:
    - هي كذلك. مَنْ أفرسُ مني؟
    أجابه الرجل:
    - حواء والدة.
    ردّ عليه الأنصاري:
    - ولدتني أنا، ثمَّ مَنْ؟ ما عداي تغوَّطَت.
    واتجه ود الأنصاري ناحية المنبر بعجلة. يرتجف من الغضب. وضع ركوته ومصلاته فوق المنبر. وظل الكوكاب في يده اليسرى لأنه أعسر. أعاد عليهم من مكانه:
    - أنا نبي الله عيسى وفارس. مَن فيكم الله لينكر إرسالي؟
    كاد الغضب أن يُكَفِّر الرجل الآخر أيضاً، نهض وأجابه:
    - أنا. أبو جهل. تعرفني؟
    أجابه الأنصاري كنبي سابق وأقدم قليلاً:
    - النبي محمد غلب أبا جهل. نار الله في الدنيا قبل الآخرة.
    طبعاً باقي الحوار من هنا يقطع مسافته الكوكاب. يمشيها على ساقين، كوكاب وكوكاب. ولكن المجتمعين في المسجد أمسكوا بالرجل الآخر. حاول رجل ثانٍ غير الذي شاجر الأنصاري أن يتقدم لمناصرة الأول لأنه صديقه، ولكنهم أمسكوا به هو أيضاً. عبد الله الأنصاري أصابه مكروه ولا شك، ولا داعي لأن يأذيهم في رجلين دون قضية.
    محمد التلب صديق الأنصاري أخذ يهدئ صديقه ويبكي لما ألمّ به. ثم تمكنوا من تهدئة الأنصاري أخيراً وذهبوا به إلى بيته. جاؤوا به عند زوجته الحرم جدتي وكانت ترضع طفلتها الراحلة نورا. أدخلوه وأخبروها سراً بما حدث في المسجد. هو انصرف إلى صلاته. لا أدري على أية مِلّة. ولكنه على كل حال انشغل بصلاته ولم يكترث لجلبة الأهل الذين تدفقوا على المنزل.
    ثم قالت جدتي بأنه رفض العلاج واختفى من عندها ذات ليلة وإلى الأبد.
    وبوصفي روائياً أقول إن القصة هكذا فيها فراغ. هذه ليست نهاية تخدعني بها جدتي. ألححت عليها من جديد فتذكرت تتمة من ناحية أخرى:
    في أواخر الستينات قابل عبد الله الأنصاري رجلٌ اسمه "عثمان عبد الله". وبعث معه ود الأنصاري هدايا لابنتيه البتول أمي وخالتي عائشة. فقد أخبره عثمان عبد الله بوفاة ابنته نورا. كما أخبرهم بأن الرجل يمتهن بيع الكتب في شوارع الخرطوم. ثم لقيه بعد ذلك أخوا جدتي الحرم "المبارك وفضل المولى". بالمصادفة وحدها، فهما لم يقصدانه لأنه كان يتنقل من مكان لآخر. طبعاً ود الأنصاري لن يتعرف على فضل المولى لأنه كان صغيراً حينما غادر هو البلد. عرف المبارك الشهير بلقب "الكير" ِوتجاهلهما معاً. أخبر الكير أخاه بأن الرجل ذاك هو عبد الله الأنصاري زوج أختهم المفقود. وانطلقا ناحيته بتعجل وشكك. سأله الكير محيياً:
    - كيف الحال يا ابن العم؟
    تأمله الرجل طويلاً ثم أجابه:
    - طَيِّب.
    يتمادى معه الكير بحذر. فهو يعرف طبع الرجل وهو مَن زوجه لأخته الحرم. يسأله الكير:
    - كأنني رأيتك من قبل!؟
    أجابه الرجل:
    - من قبل؟ لا، لم ترني. لم أكن موجوداً. من قبل كان المنتهى ومن قبل كان الماء ثم العرش.
    الكير خلط هذه العبارة، يحفظ كلماتها جيداً، ولكنه قدّم فيها وأخَّر. تحققت من ترتيبها هذا من فضل المولى، فهو أصغر وأدهى قليلاً. طبعاً أنا مثلك، أريد حقيقة ذلك الرجل المدعي. ولكن الكير ليس بوسعه أن يدير لنا حوراً يكشف شيئاً. لن يفاوضه في مسألة كهذه، سأله مباشرة:
    - ألست عبد الله الأنصاري؟
    - لست عبد الله ولست شيطاناً. أنا الموفد. ما الذي تريده مني؟
    - أريدك أن تأتي معنا.
    - لن آتي. الذي يمشي منا لا يأتي.
    أجابه الكير بكلام غامض:
    - كلهم ماتوا إلا واحد.
    ردّ الأنصاري:
    - وإن يكن.
    لا زال الرجل حَيَّاً إذن، ولا زال رأيه معه بعد كل هذه السنين. تركه الرجلان وأسرعا مبتعدين. لقد قَرَّرا استدعاء الأشخاص الذين جاءوا معهم للخرطوم. سيحضرون الرجال وعربتهم ويأخذونه بالقوة. عندما عادوا وجدوا أن الرجل قد جمع كتبه واختفى كآخر مرة يراه فيها أحد.
    فَكَّرت أن ذلك الرجل كان مستهبلاً كبيراً. يبتز البسطاء والمساكين أمثال فضل المولى والكير بعبارات طلسمية وغامضة. سألت جدتي الحرم ثم فضل المولى:
    ما الذي يعنيه الكير من قوله: كلهم ماتوا إلا واحد؟
    جدتي هزت رأسها بالنفي، وفضل المولى استهبلني قائلاً:
    - لماذا تسأل؟ كلنا لا نعرف.
    هذه العبارة هي لا تعني شيئاً، ويمكنني أن أكشفها لك الآن. لست محتاجاً لابتزازك وتشويقك. ولكن رائحة الجريمة فيها قادتني إلى كنز كنت أجهله تماماً.
    قلت سأسأل الكير صاحبها عن تفسيرها إذن. ذهبت إليه في بيته مساءً. أجابني بعد مراوغات كثيرة ابتكرتها للدخول في الموضوع. سألني مستنكراً:
    - هل أنا قلت ذلك!؟
    نعم قلت.
    - هل كنت معنا أنت؟
    - أبداً، ولكنك قلت ولا تريد إخباري، لماذا؟
    - لا أُريد إخبارك إذن، أتطلبني شيئاً؟ ولماذا أخبرك؟ ما الذي يهمك أنت؟
    - لن تتهرب مني هكذا؟
    قام بتطوير طريقة تهربه. كان يحلب بقرته، ولا تنسى أنه جَدي خال أمي. يعني في لغة الريف هو ولي أمر. وهكذا هي ولايتهم للأمر، لم أتعرف عليها إلا في مواقف كهذه. طَبَقَ الحبل في يده ولوَّح لي بصريمته التي تستخدم في وثاق وتثبيت الجواميس للحلب. ثم أجابني:
    - ستتركني أحلب عشاء أولادي أم لا؟
    تركته فوراً. لو أرسل ذلك الحبل ناحيتي فلن يتوقف بعدها. هو معروف بإتقانه لهذه المسألة. عدت لجدتي المسكينة وجَدَّدت التفاوض معها. ولكنها رفضت مطلق الرفض أن تشرح لي ما قاله أخوها. ربما سئمتهم وسئمت سرهم التافه ذلك الذي يخبئونه بإجماع كعوراتهم. سألت جدتي هكذا، عرضاً وعن طريق الملل والمصادفة البحتة:
    - ألم تكن له كتب يقرأ فيها؟
    - كانت له، يقرأ ليلاً ونهاراً بلا توقف.
    شعرت بالضجر يغادرني دفعة واحدة. سألتها بلهفة المدمن ونهيته:
    - لم يخبرني أحد من قبل، لماذا؟ كلكم دين حجر، وأين هي الآن؟
    - عند أخته عائشة.
    وانطلقت ناحية منزل عائشة عدواً. الوقت مساء أقرب للّيل. منزلها كقلاع المماليك القديمة. يقع على ربوة عالية وتحيط بها الأشجار قريباً من النهر. لماذا لم تخطر أخته عائشة على بالي من قبل!؟ انتبهت لأول مرة أن خالتي عائشة تحمل اسم أخته عائشة. دلالة مودة وعلاقة خاصة بينهما ولا بد. ولكن بعد كل هذه العقود من الزمان؟ لا أظن أنني سأجد شيئاً. وجدتها تلف تبغها وتدخن تحت أشجارها بهدوء وعدم اهتمام. رفعت صوتي بالسلام. لأنَّ صياح الطيور ورفيفها على الشجر عند المساء يفرض ذلك. التفتت نحوي ورحَّبت بي من ناحية نسبها هي:
    - أهلاً يا ولدي، حبابك، حباب ود البتول بنت عبد الله أخوي. آسفة يا ولدي، السجائر هذه لأن معي "أولاد ماما".
    وهذا قبيل من الجن، "أولاد ماما". معروف أنها غاوية "زار" وعَرَّافة لها شأن. قلت لنفسي: إن لم تخبرني عائشة هذه فلن يخبرني بعدها أحد. ولكن الكتب أهم لي من كشف لغز الواحد الذي لم يمت ذلك. الكتب ستخبرني بالذي يجهلونه جميعاً. سنرى الكتب أولاً وبعدها سأثير حماستها كي تتدفق في الحديث عن أخيها. فهو أخوها بأي حال ولن تتحدث عنه بحياد أصهاره. ناورتها وناورتها حتى بلغنا مسألة الكتب. تعنتت جداً في البداية ووافقت بعد تحجج وطول بال. صبرت عليها حتى امتزج التعاطف في عينيها بالصرامة ثم قالت لي بشكل قاطع:
    - أنت فقط. لأنك حنين وتسأل عن جدك.
    الليل ترامى أكثر. وصياح الطيور أخذ يتباعد وينطمس. قلت لها بخفوت:
    - شكراً، أنت أيضاً حنينة يا جدتي. ألم يكن يشبهك؟
    لم تجبني، بل اشترطت عليّ أيضاً فوق شرط "أنت فقط"، قائلة:
    - ولن تأخذ شيئاً.
    - طبعاً. مفروض كل حاجاته تكون معك أنت وحدك.
    لم أكن أبتزها. امرأة حفظت هذه الأشياء لأربعينات السنين تستحق بالفعل تمثالاً. حتى لو كانت أشياء تافهة وخراء. هذه بقية وأثارة مما تركوا وأرشفة تاريخ. فلو أنه بقي مع جدتي الحرم لأشعلت به نار الكسرة. الرجل كان يعرف هذا جيداً. الكتب لعائشة وبناته للحرم. الحرم ستكفيها غريزة الأم للحفاظ على مسألة كهذه. ولا بد أنه اكتشف في عائشة مواهب أخرى.
    قادتني لمخزن كالدهليز. أطلال من الحجر ولا تصله الكهرباء مع باقي المنزل. دخلناه بفانوس كيروسين قديم. عيدان السقف أصبحت بُنِّية اللون من أثر المطر والسوس. تسندها انثناءات الصخر المقوسة بمهارة. لولاها لسقط المخزن على الأرض. فتحت بمفتاح تعلقه في عنقها سحارة تسد المخزن من أوله وحتى قريب آخره. وأنا مدمن، فلا بد أن يخونني الصبر. أسرعت أعاونها في إزاحة الغطاء الخشبي الثقيل. الرجل غطى أشياءه بشرائح شجر السرهيت وألياف غريبة. تابوت فراعنة. أبعدت محروقات الفخار التي حشرها بين الكتب والخشب. قالت لي عندما رأت تهافتي الشهواني:
    - تعوَّذ بالله يا ولدي. كتبه هذه "عِلِم مفارقين". يا حليلو أخوي.
    بدت لي كلمة "مفارقين" رهيبة ومؤثرة تحت ضغط ذلك الجو. خصوصاً أن أول مخطوطة سللتها وقَرَّبتها من ضوء الفانوس كانت عبارة عن مُستلات ومرويات من بطون كتب لـ"الزمرة"، الكتاب المفقود، لابن الراوندي. ثم "هياكل الأنوار" للسهروردي. "الآجرومية". "اللزوميات ورسالة الغفران" للمعري. "فضيلة المعتزلة" لأبي عمرو الجاحظ. "تهذيب الأخلاق" لمسكويه. "كتاب النفس والروح وقواهما" فخر الدين الرازي. "فصل في مرض القلوب وشفائها" مخطوطة زاهية منقولة باليد من مجموعة فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" لابن حزم الظاهري، وله أيضاً "طوق الحمامة"، فالعشق هو موضوع المتصوفة الأساسي في الحياة. "الطواسين" للحلاج. نقولات عن "الفتوحات المكية" لمحي الدين بن عربي. الأشعري، الطحاوي، المفسر أبو السعود، ابن عطاء السكندري. "فضيحة المعتزلة" رَدْ ابن الراوندي على الجاحظ في "فضيلة المعتزلة". "العواصم من القواصم" في نقاش الفتنة بين علي ومعاوية لأبي بكر بن العربي. "إحياء علوم الدين" للغزالي. هيا لن نستمر في مثل هذا التعديد، قلت لك مخزناً بكامله. ذاك وكذا وكذا، يم من المعرفة. القاموس. أردتك أن تعرف الخط الذي ستسير فيه اهتمامات الرجل وكتبه فحسب.
    المخطوطات مبهرة لحد الجنون وأكثر من الكتب. وأكثر محافظة منها. لأنه نقلها على جلود وحوش دبغها وعالجها بنفسه. أما من أين نقلها؟ فلا أعرف. ولكنه عمل مع الجيش الإنجليزي كما أسلفت وكانت له جولات في مصر كما أسلفت. خط عربي مذهل ومُبَقَّع بأحبار ملونة. لن يبزه في الخط العربي إلا التشكيلي "شبرين". لأنَّ تعاليم ابن مقلة وابن البوَّاب موجودة بداخل مكتبته والرجل تجاوزها بالفعل. بحثه عن طريق سماوي جديد واضح حتى في تناوله للخط العربي في ذلكم الزمن.
    انفعلت وغَطَّاني الجلال. جلال المعرفة ورهبتها المحيرة والشيطانية. "عِلِم مفارقين" أخذت تتمشى بداخل رأسي كسيقان العناكب. تساءلت: هل كنت سأكتفي بكون الرجل مجنوناً وانتهى الأمر؟ آهٍ لو فعلتها أنا بالذات! هذا الكلام كله لمن كان يدخره؟ لمن كان يحرق يديه بنار الفخار ويدميهما بالنقل ولعنته؟ لجدتي الحرم!؟ لاخوتها حفظة الأسرار!؟ لي أنا طبعاً ولا أحد غيري. مجنون وانتهى الأمر؟ يا للأسف. ربما هو مجنون، ولكن لماذا؟ وكيف؟
    أخذت أقهقه. تذكرت الرجل الذي أجاب جدي قائلاً:
    - أنا. أبو جهل. تعرفني؟
    كان الرجل أُمياً لو تعرف. هذا كل ما أخبروني به عن مشاجر الأنصاري، أما اسمه فلا أعرفه. قتلوه إذن كما قتلوا "محمود محمد طه" و"التيجاني يوسف بشير" و "معاوية نور" و "أبو ذكرى" و "مايكوفسكي". وبددوه بطريقة غامضة كما بَدَّد الجهل المتآمر "غارسيا لوركا" من قبل.
    عشقت الموفد. أعجبني فيه الرجل المتوحد مع الكتب. والمشحون بالمعرفة لحد المروق من الجهة الأخرى. أثَّرت فيَّ كتبه وفكرة ما تمنحه المعرفة من طاقة جنونية. أظن أنَّ "بيان" الأنصاري بداخل ذلك المسجد الذي لا يدخله إلا الشتاء والصيف، كان أهم حدث يدخل تاريخ التفكير في ذلك الريف القاحل. لا خوف ولا خجل. الحياة مخاضة واحدة، والرجل أيضاً. قلت لجدتي عائشة:
    - هذا الرجل أهلي وحده. عداه لا أهل لي.
    وجَدَتها عائشة فرصة كي تصفي مشاحنات قديمة، دارت بينها وبين جدتي الحرم أيام كان ذلك الرجل يعاني. قالت لي:
    - حبوبتك الحرم كانت تظنه مجنوناً.
    - ومن هي الحرم هذه لتظن أو لا تظن!؟ أكانت لها مكتبة كهذه تقرأ فيها كي نناقش آراءها بخصوص العقل وعدمه؟ هنا الحديث للمعارف وليس لجمع البامية واللوبيا كي نقبل لها شهادة.
    أكَّدتُ لها وفي بالي أشياء أخرى:
    - قلت لك هذا الرجل أهلي وحده.
    تَبَسَّمتْ، سألتني:
    - كيف؟ وجدك خالد ود عمر؛ جدودك أهل العلم؟
    - هذا قَبَّاض سمك. أريد هذا النبي وحده.
    ضحكت وهي تتمايل. أعجبها تنصلي عن أهل جدتي الحرم ثم عن أهل أبي. جَعلتُها تنال منهم. فهم أهل سؤدد أكثر من أهلها. بقي معي أخوها وحده. أرادت أن أشتم لها أهل أبي ثانية. لم تسمع. أضافت:
    - ولكن الناس ينادونك بالأنصاري أم بالعمرابي؟
    - الناس لا يعرفون اسمي. ولكن أبو صلاح شيخ الحيران كان ينادينني بود خالد.
    قالت وهي مبسوطة:
    - مَخيَّر.
    - نعم مَخيَّر.
    في الحقيقة لو كانوا ينادونني بأبي "محمد" لقبلت. فقد كان هو أيضاً رجلاً عالماً ومتيناً. ولكنه كان سلفياً. فلا بد أنه كانت تنقصه دينامية التفكير الفني. على عكس التصوف. ولو نادوني بجدي "عمر" فهذا أيضاً عالم كبير وسأقبل. وحتى لو نادوني بأبيه أحمد فهو أيضاً معرفي وسأُقِرَّهم. كلهم باسلون وعلماء قرآن وفقه وإعراب وسيشرفوني. أما أبوهم الكبير الفكي "الحسين" والفكي سودنة لكلمة الفقيه، فهذا جبل يراه القاصي والداني. السودان كله يعرفه. وهو مدفون في "المسيكتاب جنوب" جوار الشلال السادس. حيث عَلَّموا القرآن والفقه واللغة ونقشوا أنسابهم العربية على صخور الشلال ورقدوا. اسمي الكامل هكذا: عبد المحسن محمد خالد عمر أحمد الحسين. والناس لم يختاروا لي من هذا الاسم الطويل كله إلا "خالد". الذي تعلم الكتابة والقراءة فقط ثم هرب من خلوة أبيه. هذا الفاشل الذي سيرافقني في كتبي الفاشلة. ليكن يا قَبَّاض السمك، لو فشلت أنا أيضاً فسيكون مصيرنا مركب وريح.
    وأنا أيضاً كنت أريد حماسة عائشة، وهاهي تَحَمَّست. أضفت مراوغاً:
    - أظنهم ظلموه؟
    - ظُلم الحسن والحسين يا ولدي.
    - هنالك قصة يخبئها جدي الكير الأسود، لا أعرف ما هي.
    - ألم يخبرك بها؟
    - لم يخبرني.
    - هؤلاء لن يهمهم إلا انقطاع المصاريف عن أختهم وبناتها.
    قامت بإشعال سيجارة جديدة ثم أخذت بيدي قائلة:
    - تعال. أنت يا ولدي حنين وسأخبرك بالقصة كلها.
    كانت حكاية فارغة كموضوع يتكتمون عليه. ولكن تَذَكَّر أنها تمسهم وما هي من ابتكار الراديو. وإن كانت لا تخلو من دلالات بالنسبة لروائي سخيف مثلي. هم أرادوا جميعاً وحتى عائشة أخته أن أظل جاهلاً بأسماء الأشخاص الذين تضمهم القصة. وحتى هذا اليوم أنا لا أعرفهم. كأنما عرفوا أنني سأصبح مهووساً ذات يوم بنوع من الكتابة لا يعترف بالتكتم. وخيراً فعلوا. كنت سأكتب لك أسماءهم هنا واحداً واحداً. وليمت حفدتهم ضغينة/ جراء ذلك. ماذا سنفعل بتَرَب أبي جهل، الذين شَرَّدوا من يحفظ السهروردي؟ مَن يخط مخزناً من المعرفة بيديه؟
    قالت إن الرجل الذي شاجر أخاها في المسجد وصاحبه. جلبا رجلين آخرين وقصدوا جدي حيث يتعبد. كان يتعبد تحت شجرة حراز ضخمة مجاورة للنهر وقريبة من مكان تُلقى فيه الأوساخ. الرجل كان قد حسم أمره مع الناس واختار مكاناً منعزلاً وقصياً. وهم قصدوه هناك بدافع تأديبه على وقاحته في المسجد والانتقام منه. نادى فيه الرجل الذي شاجره من بعيد:
    - استعد يا ود الأنصاري. الرجال قاصداك.
    أجابه جدي:
    - الرجال بتقصد الرجال. أنا واحد لكن موفد. حبابكم.
    ثم وضع الكتاب والمسبحة من يديه واخترط كوكابه. ها.. هيح، ها.. هيح، كما تُلَخِّص جدتي المعركة.
    ثلاثة منهم أصيبوا وفروا من وجهه قبل أن يُعطبهم. أمَّا الرابع صاحب المشكلة الأساسي فقد امتاز عليهم بعاهة دائمة. وفوق ذلك لامهم الناس ووبخوهم على فعلتهم ولم يعودوهم في مصابهم كما تقول جدتي. ولذلك رَوَّجوا أنه كان مقعياً على الأوساخ يلتهم جيفة مرمية هناك. وهم حاولوا منعه وكان كوكابه معه ولم يكن معهم شيء. فهاج الرجل لكرامته والتقط كوكابه وقطع المسافة لبيت مشاجره الأساسي عدواً. قالت إنَّه كان يضج ويُرَدِّد مع نفسه: أنا الموفد أضرب أعزلاً من غير سلاح؟ أنا الطاهر آكل الجيف؟ وبصفعة واحدة جعل الباب الخارجي لبيت خصمه يَتَلَّفت من دون حيطان. كان الوقت ليلاً. وصاح ود الأنصاري من الخارج:
    - يا فلان، يا فلان، أنا لا أقاتل وسط النساء والأطفال. خذ كوكابك وأمشي نادي رفاقتك. أجلبوا حرابكم وخيلكم. الحقيقة غير وعدالة الله غير. إما أنتم وإما أنا. وإلا سأتركها لكم ولا أعود إليها أبداً ما دمتم أحياء.
    سألتها أنا مشاكساً وجاهلاً:
    - الحقيقة غير وماذا؟
    أجابتني بضجر وتعالٍ:
    - يعني الحقيقة شيء وعدالة الله شيء.
    - وماذا يعني بهذا الكلام؟
    أنا سأعرف لا حقاً من كتبه. أما هي فتركتها عند إجابتها:
    - شِنْ خبرني يا ولدي؟ المهم إنهم أبوا يطالعوه واندسوا في صَلَبَة نسوانن.
    ونَفَّذ الرجل وعده أو عقابه لنفسه. أنا توقفت عند روحه الثورية رغم تصوفها. الشق الخفي والمجهول من الفكر الصوفي. لم يكن أبداً الصوفي المسكين من نوع: "العفو عافية والكون مُنَظَّم". كان متصوفاً أكثر من الشق المستخدم من التصوف. وحتى مفاهيمه للفروسية كانت خاصة به. أنا لا أعرف أصلاً في عادات "الجعليين" لكون الشخص يهج من دياره لو رفض خصمه منازلته. أو ربما هنالك أشخاص أكبر وأدرى مني بهذه المسألة. على كل حال لست متأكداً. أُرَجِّح أن يكون قد تَوَصَّل للجانب الثوري المغمد في طيات الفكر الصوفي. لأنني قرأت له بعض التعليقات على كتاب الطواسين يذهب الرجل فيها إلى أن الحلاج قاتل أعداءه بتقديم نفسه للقتل كما فعل سقراط، وكما تبعهما محمود محمد طه.
    في ذات تاريخ متقدم. خرج المصلون من المسجد بعد صلاة العصر. أحدهم له عاهة معتبرة. كنت أراه يجر نفسه جَرَّاً. قلت مع نفسي: أهذا الزمن يا ربي أم كوكاب أجدادي؟ كلاهما قاهر وباسل ويطبع نفسه في البني آدم بعجنه عجناً. هذا الرجل لا بد حَطَّمه كوكاب الموفد. كنا في محل الخياطة التابع لجدي فضل المولى. وكان هو يراقب تأملي للرجل. استطاع أن يحدس تفكيري كما هو. سألني:
    - ما الذي تبحث عنه في العجوز؟
    - أريد أن أرى درب كوكاب جدي.
    - لن تعثر عليه.
    - لم أطلب منك أن تخبرني.
    تأملني بشماتة ثم أضاف:
    - أقسم لك أن الرجل الذي تقصده كان أول من مات منهم.
    سأعيد عليك أبيات قديمة دون أي تدخل حالي من قبلي. فما عادت تهمني ولا عدت أعتقدها. ما يهمني أنها كانت الفترة التي أمدتني مطالعاتها بكتابات من هذا النوع:
    يا ربي ماذا أُسْمِـــعُك وفيك مني مسامــع
    ينحو لخلقي بعضُ أمرك فالله بيني وبينك ضائع
    الله بيني وبينك ما انوجد الله عندي وعندك ساطع
    الله واحد فوق قسمتــه وفيـها قبلاً شائــع
    الله مـا كان وما يكون فالروح فكرٌ، صانـع


    محسن خالد
    مدينة السوكي 1992م
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2006, 12:19 PM

نجلاء التوم

تاريخ التسجيل: 02-12-2003
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    العزيز محسن خالد
    جينا نسلم سلام الله والرسول
    والبوست ده عيني باردة عليك
    بقي حكاية
    محسن
    انا متلومة
    عارفة
    لكين انتا ذاااتك ما بتسأل
    المهم انا جيت يا عمنا
    وشوف البفكك
    نجلاء التوم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2006, 12:31 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: نجلاء التوم)

    ..

    نجلاء التوم،

    إزيك يا أميرة، والله متوحشك، يا ستي ما بيناتنا اللوم، بس أي واحد مننا يلقى
    فرقة ما يتلوم حقو يستغلها، وإنت مشكورة علي قدومك بالسلام والسؤال،..
    مشتاقيين، وعني ما انفكيت أبداً من حلاوة زيك،
    ياليتك تجاوري فينا علي قول المتصوفة،..

    مشتاقيين، وكوني بخير،
    أبداً بخير

    ..

    (عدل بواسطة محسن خالد on 30-06-2006, 12:34 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2006, 01:00 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ..

    رواية تيموليلت لآخر حَلْقَة


    Quote:

    تيموليلت: (سيرة وحَجَر)





    الكتاب ماعونٌ للمحو، مثلما هو ماعونٌ للكتابة،...
    هاهنا، سنمحو ونكتب سيرة تيموليلت، في رهان مع محو وكتابة سيرتي، وسأكف وإيّاكم عن الخوض في حالها وحالي،...
    ما ضرّ الشجر لو جلس حين أحبّ، ولكني لم أجلس،...
    - كي داير لاباس؟
    لم أتوقع طولها تحديداً، فقد رسمتها في خيالي بعلو "الروضة" السحاقية السودانية وبائعة البروش، المرأة التي كتبتُ عنها في روايتي: (إحداثيات الإنسان) –الكتاب الثاني، تداعي الفليل.
    "لاباس، هانية؟"، تساءلت من ناحيتي، صوتها مخشوشن قليلاً، ليكون شبه بحّة ساحرة، قريباً من التي تميّز صوت المغنية عابدة الشيخ.
    تلفّتُ بمحركة مقصودة، حتى خُيّل للجالسين في البار أنني لن أجد كُرسياً، (بوحردة) صديقي كاد أن يهرب.
    - را إنت آلسي خالد، بغيتِ تضيعنا، آويلي آويلي؟
    بوحردة يظنني مجنوناً، كنّا نجلس في مبنى خارجي حينما مرّت هي لأول مرة رأيتها فيها، صحبة فتاة أخرى فاتكة الجمال. بوحردة وأخته منى وأنا وزوجتي حسناء، جذبني بعيداً عن أخته وزوجتي،..
    - تشوف آلسي خالد؟
    "آ ويلي آ ويلي، آلغزال، آلزوين، آلفسر، صحت أنا خافضاً صوتي كي لا تطالنا عقوبة حُرّاسنا".
    - راها بغيت تحويها آلسي خالد؟ يقهقه بوحردة، كانت قانوناً للجمال في حدّ ذاتها من نوعية القوانين التي لا يطالها الدهر بشيء، ولم أكن أعرف أنها سحاقية، وأنّ تلك الفتاة التي تتطأبطها بإلحاح يشارف على أن يكون عناقاً، صيدها.
    قلت له، تعرفها؟
    - آشنو بغيتِ منها؟ يقهقه من جديد.
    قلت له لا أُريد منها شيئاً، را أنا سيد مزيان، ومعقول، ومجوج! أسبقه على الضحك، فيضحك بوحردة أيضاً، بوحردة لا شيء معه من كل هذه الحياة سوى الضحك، والآن هو يظنني سأتماكر ولا بد أنني أُخبئ نوايا ما.
    - را السيد المزيان ما يهتم بالقحاب واللي بحال هدي الشيطان. را هدي السيدة تحوي البنات، والله ما تطال منها شيء آلسي خالد.
    سألته أنا: سحاقية؟
    - طبعاً.
    ضحكت أنا، من فتنتها، وفتنة بلد فيها مثل هذه الفاتنة (بتطبق كمان)، آويلي آويلي.
    قلت له: قد ندورو معاها. بمعنى سأمنحها مالاً.
    - لالا، هدي نفسها تدوّر. بمعنى أنها من حالي، تدفع للبنات المال أيضاً كي تُغريهن بمزايا الرجل.
    كل ما أرغب فيه هو صحبتها، أُريد أن أعرف عن هذا العالم، فالموضوع مغيّم في رأسي منذ زمن بعيد، حين كنت في 3 متوسط، وذهبت لقرية بعيدة من ريف سنار لزيارة أختي، التي كان زوجها يعمل مفتشاً زراعياً بتلك المناطق. وتعوّدتُ دائماً على حب الحقول، كانت تثيرني جنسياً لدرجة السقوط على ظهري، متمرّغاً كجحش، أو كجمل استفحلت عليه الصحراء.
    وفي مرة بعينها ذهبت وابتعدت في قلب الحواشات الواسعة، فبدا لي كأنني أسمع نهيتاً خافتاً ينبعث من بين الحشائش والشجيرات، نهنهة يافعة ومراهقة بحقل القصب، هذا شعر يا ربي. أول ما يخطر على البال صبي وصبية بالطبع، وإن تشوّش قلبي لحظتها، وجاءني خاطر غامض غير مفسّر.
    وأخذت أسحب تراكم القصب خلسة خلسة، بينما أتقدّم بحذر تجاه الصوت، والولولة التي تستغيث باللّذة وتحت وطأتها،...
    الجميلة منهما كانت في الأعلى، بُهتُّ وراعني ما رأيت، لم أكن أعرف شيئاً عن الليسبيان وعالمهم الوردي، المصنوع من ردف وردف، والخافي بين حاشية وحاشية. دائماً تكون الجميلة في الأعلى، كما سنعرّج على حادثة أخرى من جامعة الجزيرة، لماذا وما الحكمة؟ ستجيب تيموليلت بأجوبة لن تخطر على بال إبليس.
    اضطربت قليلاً، مع أنني كنت شيطاناً جداً كما يصفني أولاد الحلّة، صحت فيهما،..
    "هووي أنا داير أتصارع معاكم!".
    انتفضت الفتاتان كلمح البرق، إحداهما تفتش سفنجتها، الثانية تريد خداعي وشغلي: شفتَ طرحة البت دي، تزيل اللعاب عن فمها، تواصل تلاعبها،..
    - قصدي هنا في (كركية)، ونحن جينا ماشين،..
    طبعاً تريد أن تقول إنهما كانتا تسيران في أمان الله وسقطتا، حسمتها على الفور: هووي ما تعملي لي فيها كركية وما كركية، حشرتُ يدي في ملابسها، ياها الكركية دي بس.
    يخصي عليك، ووب لان، ناس القش بجوا بشوفونا،..
    - هووي أوع توريني جنك، نهرتُها.
    في ذلك الزمن لم أهتم بالأمر، بل انشغلت بما كان يمكن أن أحصل عليه من غنيمة لحظتها، وللغرابة لم أهتم بالتي كانت في الأعلى، بل بالتي كانت عند دورها الطبيعي، وحتى جامعة الجزيرة كنت غبياناً وأفلتت مني "الفحلاية"، وربما هذا كله ما ركّز توقي لسبر الموضوع، خصوصاً وأنّ تيموليلت كانت مثقفة بارعة وتكتب الشعر، ولنا مع شعرها وقفات دونها صديقي الصادق الرضي وعاطف خيري.
    تيموليلت تعني "الأبيض" بلغة الأمازيغ، مازحتني في مرّة:
    "نحن نحبك يا الدراوي/ الأسود".
    قلت لها سأكتب عنك علناً يا تموليلت،...
    كانت تدخّن/ القارو، طفأت سيجارتها قريباً من يدي كنوع من التحدي:
    - ننيكك، ونيك كل الرجال. قالتها ورمت بيدها البضَّة في درب.

    تيموليلت: (ريحانة الشوك)




    تمشّينا يومها، أربعتنا، وعرفت اسم البار الذي تديره تيموليلت من بوحردة، البار تمتلكه امرأة يونانية وسيمة هي الأخرى، تيموليلت أخبرتني بأنها شريكة اليونانية في البار، واليونانية لا تُرَوِّج لذلك جهاراً ولا تُنكر، تبقى هذه النقطة معلّقة وغامضة كحال العلاقة بينهما.
    أنا لم أمكث في الرباط طويلاً، بعد زيارتي القصيرة لها مع زوجتي، فقد أخذتها ورحلت إلى سهوب تادلا،..
    كنت أحب منطقة الفقيه بن صالح جداً، وكانت لي فيها صديقات وأحباب جميلين،.. عندما بلغنا "بني ملال" مدينة حسناء زوجتي، شعرت بالضيق، فأمها امرأة مزعجة ومملّة، تحدّق فيّ أحياناً وبعد تَلَمُّظ بالعيون كتلمُّظ الشفاه للويسكي تقول،..
    "ديرتيها آلدراوي"، بمعني: سوّيتها يا الأسود! كانت تعتبرني على الدوام قد أخذتُ منها شيئاً ما كان يجب أن آخذه،..
    أما ما يغيظها أكثر فهو أنّ ابنتها قد تسودنت مائة بالمائة، الذين عرفوها يحتارون في كونها سودانية بعيون بنيّة وبيضاء كأنها "نصرانية". لأنها تتحدث عامّيتنا مثلي مثلك وأكثر، وطبخنا وثوبها ويا حليل وسجمي وكُر.
    لقد أحبطتْ فرحتي بعنصر الغرابة فيها، الآخرون كانوا يحسدونني عليها، أما أنا فلم أنخدع لهم، هذه المرأة تُخَرِّب الجغرافيا، وتجعلني أدفع ثمن تذاكر طيران غالية دون جديد، ما الجميل والمُغوي في الأمر، إن تحوّلت جبال الأطلسي لجبل (جاري) متنكّر.
    دخلت عليها يوماً، بعد يوم لئيم في العمل، فقابلتني مهرولة عند الباب،.
    "أقيف أقيف".
    "في شنو؟ مالك؟".
    "في واحدة صاحبتي بندّخَّن".
    استغربت، أهذا وقتٌ تزورنا فيه سودانية، فأوضحت لي بأنها جارتنا اليمنية في الشقة المواجهة لنا،..
    وكمان!؟ أصبحت النبي بوليس لتبشّر بالطلح والكليت والشاف ومثل هذه التقاليد.
    تسودنت، أو كما يقول ود المكي مع بعض التحريف إنّا طلّقناها وكنا مذنبين.
    أمّا أعجب الأعاجيب منها، فهي صداقة لي كانت مع رجل دانمركي وحرمه،...
    قابلني صدفة في المصعد، وظنّني هندياً لشُبهة شَعَري، فقال لي،..
    - هالو غاندي،..
    "بل قُل هالو الأزهري".
    ضحكنا وشرحت له من هو الأزهري، وكان يعرف "الطيب صالح" و"علي المك" كما توقعت الأوّل وفاجأني هو بالثاني،..
    استفزّني بمقطع من فيلم، كنت لحسن الحظ قد شاهدته،..
    الفيلم يتحدث عن ابن لملك الدانمارك يتخفّى في شخصية طالب عادي يذهب للدراسة في أمريكا ويقع في حب طالبة أمريكية، باختصار يزور الأمير أهل الفتاة فيستفزّه إخوتها بـ:
    "أنت وبلدك مجهولان، عرّف عن نفسك"،.. فيهزمهما الأمير في مشهد عميق ومؤثّر بذكره لـ: سورين كير كيغارد مبتدع الوجودية، ونيلز بور الفيزيائي المعروف،... وووو
    لأنني شاهدت الفيلم طبعاً، ذكرتُ له "الطيب صالح" على الفور،... وأضاف هو علي المك، فلاحقتُه باسمي الشخصي من بعد، ضاحكاً، ففهم النكتة وكان ميلاد صداقتنا.
    العجيبة أنني دخلت إلى البيت في مرّة ثانية، فكادت زوجة صديقي الدانمركي تصدمني عند الباب، متلفلفة بالشملة الـ"مابتغباني"، لا حول ولا قوّة،..
    كان منظراً عجيباً، ودُرامياً بشكل لا يُوصف، الخُمرة والدلكة يقطران من شعر أشقر هذه المرّة، ومعاها ظرافة الخواجية، لا خجل ولا يحزنون،..
    Hi Mr. Muhsin It's so nice, my husband admire this and so so
    دخلت إلى الصالون والضحك يفج جنباتي ليفقعني، تذكرت قول ابن عمي لي:
    "ها زول ما أحسن ليك الناس الغُلف ديل تختاهن".
    (هووي يا مَرَة إنت جنيتِ، كل يوم ما سكاليك مرَة مدخناها ومدلكاها، ما تشوفي شغلتك،..).
    فتضحك هي وتُمعن في السودانية بسؤالها لجارتها التي تحادثها على التلفون،..
    - لو دايرة أعمل ليك حاجة حلوة تعالي بكرة؟ تغريها بزجاجة خُمرتنا اللعينة، لتغيظني.
    تقول لها جارتها اللبنانية،..
    - صرتِ سودانية يا حسنا؟
    ترد حسناء: عليك الله؟ بحسبانها تحليفتنا الشهيرة.
    تُنهي مكالمتها لتقول لي ضاحكة،..
    - نوزّع الفرح نحن، ياك؟
    وبحق لم تستطب لا الغناء السوداني، ولا الموسيقى السودانية، سوى أغنية واحدة، كانت ترددها النهار بطوله حتى تُضجرني،..
    يا عازّة الفراق بي طال، وسال سال مني الدمع وشّال،.. مع لكنة،..
    إذ لديّ تسجيل للأغنية بصوت فرفور ومحمود وآخرين لا أعرفهم،..
    وكنتُ أقول لها مكاوياً، لو اطلّقنا تمشي تطلعي جبل عين أسردون، حيث نبع أو "عين أسردون" التي تعني البغل في لغة الأمازيغ، والتي كنّا نجلس عندها معاً كل يوم تقريباً، ثم تذّكري يا حسناء "الدراوي" فتبكين حتّى ينسى الناس الأسردون ويقولوا "عين حسناء"، فتصدّقني وتبكي بجِدّها -مقدّماً، كانت "حنينة"، وكنت قد ابتكرت لنفسي ولمعارفي أن نناديها بذلك.
    ما زلت أذكر انعكاس الشخص الدراوي والحزين، أنا، في عينيها البنيّتين، لا أدري كيف طلّقتها، كانت بنيّة رائعة لي، فعمرها لم يعتّب الـ19 بعد، ولم تكن تتحدّث عن الناس بسوء أبداً،.. هيّا، أنا ذنوبي كثيرة يا ربي، ومَلَكا التدوين خاصتي، أسلما يديهما لتُوضعا على رأسيهما تمحّناً، وسقط قلماهما منذ زمن بعيد، ليخلو الجو لقلمي وحده،..
    أنا رجل خرجت في الكتابة، فالله وأهلي ومعارفي ومن تتزوجني، عليهم أن يعرفوا ذلك،.. فلا فائدة مني إلا بصدد كتاب.

    يتسلسل: تيموليلت




    حينما ذهبت لبار تيموليلت لأول مرّة، ومعي بوحردة، وحين خُيّل للجميع أنني لن أجد كُرسياً أجلس عليه، لعدم رغبتي في الانصراف من أمام عيني تيموليلت، بادرتني:
    "زِيد آسيدي زِيد"،.. خُش،...

    خلا إن مشيت عَلِي القِدَّام
    والخليتو وراك حق الرجعة لما تلوح
    كان اتخافى كان انفزع هدَّام
    فرداني وطشاش القاصدو لحقو الفوت
    وبراك لمَّا القبور شابت عليك مجروح
    والموت اتلبش في موت

    وجدَتْني ما أزال حيث لا يمكن لصوت أن يبلغني ليناديني، وحيث الصمت مطبقٌ ومخيف كما هو في حقيقته بقلب المجرّات،..
    - كاتب ياك؟
    "نعم، ياني".
    المغاربة يتصوّرون أنّ كل غريب يزور بلادهم هو كاتب، لأنّ هذا التصوّر فيه قدر كبير من الحقيقة، فمعظم كتّاب الدنيا يذهبون إلى هناك، بل الفنانون بشكل عام وخصوصاً صانعو الأفلام بأفلامهم وكوادرها.
    قلت لها: محسن خالد،.........
    – عزيزة، أجابت هي،.. وهذا اسمها الحقيقي، أمّا تيموليلت فهو اسمها المنحوت من شكلها الأبيض جداً، والشِبْه أشقر.
    أنا لا أستطيع فرز تاريخ هذه الحادثة بالضبط، عن حوادث وتواريخ كثيرة تتشابك في ذكرياتٍ مثقلة بأحزانها وبظلال بشر وأشياء كثيرة، عبرتُ من خلال عيشهم، وعيشها،...
    فمثلاً ما زلت أذكر لقائي المهم بـ"عبد الواحد كمبال"، الذي التقيته أوّل مرة بالمحفل الخاص بتوزيع جائزة "ابن بطوطة" لأدب الرحلة، التي يقدّمها المركز الذي أعمل فيه،...
    كنتُ صحبة كاتب يمني وآخر سوري وثالث عمّاني، فلمحت الشخص الطويل والدراوي، العمّاني منا "الشاعر محمد الحارثي"، والذي كان قد حصل في نفس العام على جائزة أدب الرحلة الحديث، وكنتُ أحد أعضاء لجنة تحكيم منح الجائزة، لكوني روائياً غالباً. نادى محمد الحارث برنّة صوت محظوظ،..
    - وحدة يا وحدة، فتلفّتُ ووجدتُه يقصد الرجل الدراوي،..
    فعبد الواحد كمبال هو علم السودان في المغرب، وهو القصة التي "حندَكت" كل كاتب ذهب إلى هناك بكتابتها المستحيلة.
    فكان تعرّفي به، والرجل يحفظ صحافة العالم كلّها، مؤسسيها، أعلامها، صعاليكها، زبانيتها،...وووو فهو مثقف فذ وصندوق كتب صلد، ورجل كريم.
    تزوارنا بعدها، وجاءني في فندق "سوفيتل ديوان" كذا مرّة، ثم دعاني لتناول وجبة الإفطار الرمضاني في بيتهم، رجل يُعتّقُ أُنْسُه الجلسات.
    في مرّة أخرى –من عمري المُرَكَّز مغربئذ، شغله عني شاغل، فتأخر في قدومه إليّ، كنّا نجلس في بهو الفندق، نُنصت لفرقة العزف الموريسكي، والبهو ممتلئ بكتّاب من جميع أنحاء ما يُعرف بالبلاد العربية ومن بلاد أجنبية. قَدِم عليّ صديقي كريم الجويطي الكاتب المغربي، وقال لي (آجي آجي آلسي خالد) لأُعرّفك بإدمون المليح، الذي كنتُ قد قرأته حميماً دون أن أراه، الكاتب الشهير واليهودي (المتمغرب). وهو رجل طاعن في السن استقبلني بترحاب جميل، وإن بدا متعباً ويُحزنه إعياء،..
    ثم اقترح علينا أن نذهب لبيته، كريم الجويطي، وحسّان بورقية "وهما صديقاه الأقربان"، وبنيّة مشحوذة الفتنة ترافق حسّان وأنا.
    انطلقنا في سيارتين، واحدة لصديقي كريم، والأخرى للبنيّة ياها.
    عندما بلغنا بيته لم يكن بوسع إدمون أن يصعد السلّم، فانتظر هو المصعد يسانده حسّان، وارتقينا الدرج أنا وكريم والبنيّة وانتظرناهم بجوار الباب، هو يعيش وحده، تأملت هذه المسألة وتوقعتها بنسبة 80% تحدث لي، هذا مصير السالكين هذا الطريق ولا بُد.
    جاء إدمون ودخلنا ومضت مراسم مثل هذه الحالات، وانتقلنا لمرحلة العفوية والاستئناس، جال الحوار هنا وهناك، ثم سألني إدمون:
    لا أظنك قد رأيت عبد الخالق محجوب؟
    ضحكت وقلت له لماذا؟..
    "تبدو صغيراً،..".
    يتدخل كريم الجويطي ضاحكاً: السي خالد كاتب كبير ومزيان.
    ضحك إدمون وأضاف: مع هذه السن قد يكون كاتباً، ولكني لن أسمح له بأن يكون كبيراً، هو يعرف ذلك، صحيح آلسي خالد؟
    ضحكتُ وقلت له صحيح، حتى إنهم في هذا المؤتمر احتاروا مع أي مجموعة محاضرين يضعوني، فقد كان الحد الأدنى للأعمار 47 سنة، وضحكت..
    ضحك الرجل بكرم: آويلي آويلي وإيش درت آلسي خالد،... بمعنى وماذا فعلت؟
    طالبتُهم بوضعي في قائمة د. حسام العبادي، فهو النشاز الوحيد مثلي لأنّه مزداد 1970م وأنا مزداد 1973م؟
    سألني: وإيشكون السي حسام؟
    قلت له: ابن مختار العبادي.
    آه آه، ابن العالم المصري الكبير،.. تدارك هو. وأضاف كريم:
    "العبّادي نفسه كان موجوداً وقدّم محاضرة".
    المضحك أنّهم وضعوني مع قائمة العلماء التي تتآلف من "الحسن بن شاهد" و"عبد العزيز بنعبد الله"، و"محمد ولد عبدي"، وأدار الندوة "قاسم وهب". كنت محرجاً لأنني لا آخذ الأمور مع نفسي بهذا القدر من الجدية، فكل ما أريده هو أن أكتب لي قصة قصتين لأموت بعدها "في بلداً دامشيقو مُرّاً يشق"، كما يجب أن يكون الحال مع "منطلق وسعلوق" مثلي.
    ضحكنا ودعاني للجلوس قريباً منه كنوع من المودّة والحفاوة، فأصبحتْ مدعوّة حسّان بذلك في مواجهتي،.. أنا أسميتها كذلك "مدعوّة حسّان" لأنه لا يعرفها جيداً، وليس في حاجة لذلك، هو كل الناس أصدقاء له. كانت متحرّرة في لبسها ولا غبار على ذلك، أمّا مع تحرّر حركة رجليها فيصبح الموضوع "يا ديني"،.. فخذاها متورّدان كخد ملاك، النوع المستدير في إحكام وامتلاء، وموزون في منتهى الوزنة والهندسة،.. (قلت في سري، ماله لو تركني في مكاني؟ كنت مؤدباً).
    عاد إدمون ليقول:
    "لقد أعدمتوه لتفتقر سياستكم؟"، يعني عبد الخالق محجوب.
    سألته أنا ضاحكاً: ألم تقل بأنني لم أره، أنا إذن لم أعدمه.
    لم يهتم بإجابتي، بل واصل قائلاً بنقمة،..
    "أنا لم أرَ مثلكم في العالم، مَنْ يقتل مثل عبد الخالق لا بدّ أنّه يعيش خارج العالم،...".
    قلت له، نميري كان يخطّط لمجازر كثيرة على كل حال.
    "لا لا، لا تقل لي أنا مثل هذا الكلام. عبد الخالق يعرف ما كان يفعله، ولكن منكم من أفسد كل شيء".
    زعمه- يعني، أما كان يجب مقاومة النميري؟ سألته أنا،..
    نميري يُقاوم، لا أحد يقول بغير ذلك. ولكن لا يُضحّى برجل مثل عبد الخالق مقابل علج تافه مثل نميري،.. أنتم السودانيون فوضويون ولذلك قتلتم عبد الخالق، كلكم وليس النميري وحده، عبد الخالق كان يجب أن لا يموت هذا هو قولي جملةً وتفصيلاً.
    سَكَت قليلاً، كان متعباً،..
    قلت له: النميري وجدها فرصة ليقتل الكثيرين معه، الشفيع أحمد الشيخ،..
    قاطعني: نعم نعم ذاك رجل فَقْد هو الآخر. وإن كان عبد الخالق المفكّر،..
    أضاف بتعجّل مع نبرة هادئة: هذا طبيعي، هذا طبيعي، مثل ذلك الخطأ لا بد أن تنجم عنه كارثة بذلك الحجم،..
    أضفت أنا لعامل التشبيع التاريخي وليس المأساوي، فالرجل يبدو أنه محب كبير لعبد الخالق ولفكره،..
    "ولا تنسَ الشهداء هاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمد الله".
    "هاشم هذا أعرفه أمّا الأخيران فلا بد أنني نسيتهما، كنت أعرف القضية كاملة في حينها".
    قلت له هؤلاء عسكر، أجاب: هممم، لم يتحمّس للموضوع، همهم بفتور.
    "أصحاب الانقلاب؟"، سألني.
    قلت له نعم.
    "الآن تذكرت، واحد منهم سلّمه القذافي"،... – نعم، حمد الله.
    سألني: أنت شيوعي؟
    "أنا؟ لا لا، أنا محب للروح الثورية والاشتراكية عندهم فحسب". فأخذ الرجل راحته أكثر في الحديث.
    قال لي لقد حزنتُ على هؤلاء العسكر بنوازع الإنسانية وتعاطفها، لا بد أنّ لديهم أُسَر، ولأنّ بواعثهم كانت وطنية. ولكنهم قتلوا عبد الخالق بانقلابهم الغبي ذلك.
    لم يعطني فرصة للحديث، أضاف: الرجل لم يكن موافقاً على الانقلاب، صحيح أم أنا مخطئ؟
    قلت له صحيح، ضحك بلطف وثقة: هذا لأنه مفكّر وليس بعسكري، الفكر هدفه هو تحجيم هؤلاء جميعاً، النميري وحميد الله-هكذا قالها- على حد السواء. الانقلاب يجر إلى ثأر انقلاب آخر، ومن يُعطه الناس السلطة برضاهم، يعيدها هو مرة أخرى كي لا يخسر رضاهم.
    قال حسّان بورقية: لو كان الرجل عائشاً لتحوّل الحزب الشيوعي السوداني لشيء آخر، يناسب هذه الأيام.
    يُثَنِّي كريم الجويطي: صحيح، ورفيقة حسّان التي لا أظنّها تستطيب تحوّل الحوار لمناقشة أمور السودانيين السياسية. قمت بتبديل مكاني فالحوار أصبح لا يحتمل إجابات مشتتة من قِبَلي "عشان خاطر" فَخْذَيْ تلك الفتاة. كانا يأخذان سَمعَ الزول من أضنينو، وشوفو من عيونو.
    إدمون المليح هو ما هو، وكريم كاتب معروف وحائز على جائزتهم الوطنية في الكتابة، وحسّان بورقية رسّام "عالمي" كما نقول، ومترجم متمكّن نقل أعمالاً كثيرة للعربية من ضمنها كذا مؤلَّف لفريدريك نيتشه أبرزها "العلم المرح"، محسن خالد كاتب شاب وإنْ معه سمعة لا بأس بها عند العرب، تريد أن نعزمها ونهدر معها حول كَتَب يكتب هذه الدريّة، لعامل يفاعتها طبعاً. ربما تتخيّل أنّ الكُتّاب أنسهم يدور من "سُرَّة الكتابة ولتحت".
    واضح طبعاً، أنّه بالنسبة لمفكر مثل إدمون المليح، أنّ الموقف الفكري فوق الموقف السياسي، بل ربما فوق الموقف الأخلاقي نفسه، كما أتمدّد أنا على نحو شخصي بالموضوع.
    على كل حال، ندمت على تغيير مكاني، فالحوار انصرف من عند السودانيين وانتقل للحديث عن "خوان غوتسلو" و"محمد شكري"،.. وما تشتهي الصبيّة.
    سألني إدمون: هل زرتهما آلسي خالد؟
    يقصد "خوان" و"شكري"، قلت له لا، ولكنني أُخطّط لذلك، أضاف كريم:
    "سنذهب لهناك، لقد اتفقت مع "خوان غوتسلو" على ذلك، سنزوره قبل أن يسافر إلى إسبانيا".
    "مزيان مزيان"، أجاب إدمون،...
    كنتُ أعرف، أنّ طلحة جبريل، قد قام بكتابة سيرة محمد شكري، أو أنّ شكري خصّه بذلك، وغالباً أنني رغبت في رؤية ما قام به طلحة جبريل، وربما رغبت أيضاً في مقارنته بما كتبه "البيير ديشي" في حق سيرة "جان جونيه" وآخرين، ولكنني لم ألتقِ بطلحة حتّى تاريخ اليوم.
    بعد ذلك جلسنا طويلاً ودارت الحوارات هنا وهناك حتى استأذنا في الخروج، وتفرّقنا، فخلوتُ لنفسي ودارت أفكار كثيرة في رأسي بينا أنا في طريقي إلى بار تيموليلت.

    يتسلسل: تيموليلت




    في الطريق رأيتُ الغمام، السماء المغبّشة بعيداً، في منحنيات وفي أُلفة، لونها الكابي والمُقَرْمَز،.. البنّي الخفيف وتداخلات الأزرق الشفيفة،...
    سيقتلني هذا الحنين، فكّرت بأنني يجب أن أعيش هنا، تذكرت الصديق "نزار عثمان" الذي تعارفت معه في دعوة الإفطار التي أقامها لي "عبد الواحد كمبال"، نزار متزوج من هنا ويعيش في بلد هذا الغمام، يتاجر ويقرأ الكتب ويحب عيشه ما أمكن، ياله من رجل! وغيره الكثير ممّن نَقَل حياته كلها إلى هنا.
    ما هو الوطن؟
    أهوَ سلام العيش أم أرض لذكريات قديمة؟
    أنا لا أخوض في مثل هذه الأسئلة، أنا لا أسأل عن الحال،...
    أخطأتُ طريقي إلى البار عدّة مرّات، مع كونها الزيارة الثالثة للمكان، وتلفنت لصديقي "بوحردة" ليصحّح لي وجهتي،.. أعمل في مركز للبحث الجغرافي الحديث، ولكن البوصلة لم تدخل إلى دماغي بعد، أنا مبحر ومبحر، وهاهنا حيث الاسم القديم للمحيط الأطلسي، "بحر الظُلمات"، فلا أسطرلاب ولا مزولة تُعين في حلكته، بموجبات رجل بدائي مثلي.
    فلم أعِ نفسي إلا وقد توقّفت لدى بنطال الجينز مباشرة، بالانشحاذ نفسه وفي تمام مواعيد الأنوثة والفتنة، كانت تصرف توجيهاتها لصبية خارج البار:
    لمحتني وضحكتْ: زِيد آسيدي زِيد،.. اتوحشّناك،..
    خاصرتني وخاصرتُها، في طريقنا إلى الداخل، نهبتنا العيون، فهي إمراة شرسة ونادراً ما ينزُّ عنها مثل ذلك الاستلطاف والتوادد،..
    وإيش تشرب؟
    البيرّة المغربية نفسها،.. قلتُ مشدّداً حرف الراء كما ينطقون هم الكلمة،..
    علاش؟ تسألني، وتُكمل:
    "ما الذي يعجبك فيها؟"،..
    يعجبني فيها انعكاسكم،.. هكذا تقول أسطورتي القديمة والتي أخترعها الآن،..
    حين تنظر في كأس الشراب ترى انعكاس أهله، وتغيب صورتك، مرايا الشراب الناس يقصدونها للتفاهم مع الذاكرة وأساس الصور في قضايا كهذه،... جلستْ لجواري والزجاج بيديها، ما أجمل انعكاس صورة النديم في كأسك، حين يكون هي،..
    تذوّقت البيرة المنكّهة والراقية وقلت لها،..
    لم يصادفني طعمٌ كهذا، إلا مع نبيذ امرأة أخرى، وكنتُ عابراً من خلال مطار "ميلانو"، فاضطررت للانتظار يومين بصالة المطار، المقلب الذي وقعت فيه هو نفس المقلب الذي أنا واقع فيه منذ ميلادي، كنت بلا مال.
    تحمّلت جوع الليلة الأولى واليوم الثاني بجَلد باسل، ولكن مع الليلة الثانية والبرد، قلت أنا "سانتينو" الجنوبي الذي تحدّثت عنه في روايتي "إحداثيات الإنسان"، ولن أُبالي بمصير "روبرت" الشخصية التي تحدّثت عنها في روايتي "الحياة السرية للأشياء" وكلاهما واجَه الجوع ببسالة، لن أموت لهم في قلب أوروبا جوعاً، البرد بلغ حَدّاً رهيباً يتجمّد معه البول في مثانته.
    ذهبت إلى كاونتر الكافتيريا الخاص بالمطار، فوجدتُ رومانية بدينة جداً، تسوّلتها بلغة راقية فهشّتني كالذباب،..
    ألححت عليها، فزادت صرامتها ولؤمها: go away fucker
    تلفّتُ فوجدتها تقصدني، تلك المترهّلة من الشبع،...
    لا بدّ أنها حفيدة النساء اللائي أخذن ما بداخل جيوب "سبارتاكوس" حين صلبه، سالبات الموتى ذكرياتهم وآخر ما معهم،...
    طَرّقتُ إنجليزيتي تمام، وقلت سأعيد أيام الجامعة هنا، سأقوم بركن نقاش، في قلب أوروباهم البخيلة والقاسية هذه،... وبدأت الكولينغ،... شيء بالنثر الإنجليزي، وآخر بما أحفظه من مقاطع شعر إنجليزي، وانطلق صوتي يلعلع، أحياناً بالدوبيت، "ود ضحوية" تحديداً:
    بالك فاضي في رُوبة الغصون بتقلّم
    وأنا متملّي يا الساحر عليك متكلّم
    الزول العلي كمش النقود متعلّم
    نهجم ديرتو في الكُبسة الضياها مضلّم
    وانذهل الخواجات،... أي مجنون هذا؟ مع كونهم فهموا، إذ شرحت قصتي من خلال سباب فاحش ومقذع لأوربا ولحضارتها وديموقراطيتها وكل ما صادف لساني حششتُه حشّاً، بلسان من الحَلْفا،...
    فتقدّم نحوي المتبرعون، فيما يشبه منظمات إغاثاتهم وما لا يشبهها،..
    جذبتني إمراة رائعة نحوها بقوة، ولفحتني رائحة المرأة الباحثة عمّا هو استثنائي وليس جديداً، لقد كنتُ بطلاً دون شك، ولم تفلح معي كلّ محاولات رجال الأمن والمنظمون بداخل المطار،...
    ح يودّوني وين يعني؟ جوّه إيطاليا! يا سلام، هذا ما أريده بالضبط،.. مامعاي شينغينغ فيزا ولا دين، وجعان، أموت ليهم يعني؟ أولاد الحايلة!
    يا ألله، يا آمين أفلحت الخواجية في جعلي أتوقف، تضمّني بقوة، وأنا أتفلّت، حتى انتبهتُ إلى حيث تضمني، فسكنت ليتسلّقني العطر الفاتر كاللويس، بعضهم قام بشتم رجال الأمن أو بتهدئتهم، لقد غسلتُ أرواح ذلك الصباح من الوجوم والأتيكيت والخنوع التافه الذي تسير به، ومن روتينها البغيض.
    صفّت المرأة أمامي ما لذّ وطاب، وبدأ خنوعي يعود لأخجل من كرمها،...
    قالت بأنها لم تستطع تخمين البلد الذي ربما أكون منه. سألتها،..
    "ومن أي بلد تظنينني؟".
    قالت، لا أعرف. لونك إفريقي، وشعرك يضللني بنكهة آسيوية،.. سيريلانكي؟
    ابتسمتْ وأضافت: تشبه من يعرضونهم في نشرات الأخبار.
    قلت لها متماكراً: يعرضونهم في نشرات الأخبار هذه وصفة غامضة وساخرة، تقصدين المتمردين؟ أم خَرَج المفقود والمدعو فلان وهذه صورته.
    ضحكتْ، كانت ذكية وإبليسة،..
    قلت لها شكراً،..
    قالت ببساطة: لا لا، أنت المشكور، لقد أحييتني وكل هذا المطار،..
    قلت لها أنا سوداني.
    قالت: أنت مثقف، أو شاعر ربما، قرأتَ شعراً لديريك والكوت على ما أظن،...
    قلت لها ضاحكاً، ولكي أدفع فاتورة مثقف هذه ما أمكن،..
    "الشعراء التأصيليون من أمثال وليم بليك وطاغور ووليم باتلر ييتس وبابلو نيرودا، لن يخدموا قضيتي".
    "شاعر أنت إذن؟".
    لا، أنا كاتب، روائي تحديداً.
    "أتشرب؟".
    نعم.
    وأخرجت المرأة زجاجة معتّقة وقديمة من النبيذ، رائحتها تخرج وهي تتلوّى في بخار: وأخوك مريوق وناشف ريق.
    تُعَلِّق هي: "أنت ستشربه اليوم، في عصر الكمبيوتر، ولكنه ربما يكون من أيام مونتسكيو ويحمل عبقه".
    ضحكنا،...
    وكان النبيذ الأشهى في حياة حلقي الشريّبة تمام.
    لسوء حظي كانت طائرتها المتجهة لأمريكا اللاتينية ستقلع بعد ساعة، وإلا لكنتُ مع استعدادها ذلك قد فعلت بها ما لم يفعله وحشي بهند بنت عتبة.
    أعطتني عنوانها وكذا وكذا، ولكنني لا أهتم بمثل هذه الأمور، فالحياة الحقيقية عندي هي مصادفة هذه الواقعة فحسب، أمّا أي استتباع أو استطراد لاحق فهو يتم في خانة التمثيل والتخطيط، ولا حاجة بي للأمرين.
    على كلٍّ، فقد ذهب نصف الليل دون أن يسأل الليل عن حالنا، الليل متصوّف كبير ولا يسأل عن الحال،..
    قالت تيموليلت: أعرف أنّك تريدنا أن نتحدث، ولكن ليس الليلة، ستحتفل صديقاتي معي، ويمكنني دعوتك لو رغبت،... ستكون الرجل الوحيد، وضحكتْ،..
    قلت لها: لماذا؟
    "ما هو اللماذا؟"، ترواغني هي.
    الضحك لماذا؟
    "إمكن تحشم،.."،...
    لا، لن أحشم ولن أخجل، بل سأعتبر ذلك تحقق ربع أمنية تعيش بداخلي، منذ لمحت من طرف الباب في "داخلية مدرسة شندي الثانوية للبنات"، ما يمكن أن يحدث لمحب جمال مثلي، لو قدّر له أن يعيش بداخل هذه الجنّة المتقدّمة يوم قيامتها بثقة.
    خاصرتني وخاصرتُها، ودخلتْ بي إلى حيث (لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب دراوي)،...
    أكثر من 15 بنت، بكل صفة عصيّة على البال والتوقّع، عيد ميلاد تيموليلت،..
    انذهلوا، وتوقّفوا عن التعابث والرقص لفترة،..
    حييتهن، وبعد تحديقة من تيموليلت تقاطرن لمصافحتي،..
    بعدها انتحت بي جانباً، وجاءتني بنبيذ أحمر، لتقول ضاحكة،..
    "اغتسل من ذكرى الرومانية وحضن سيدة المطار"،.. هي شخصية كريمة جداً، وودودة حين تشاء،..
    وبدأ التصفيق المتغنّج، وأخذت الصبيات "تشطح" كما يُسَمّون الرقص، الصفقة والصوت الأنثوي المتوحّد:
    ماجولي ماجولي، حبيبتي ماجولي
    وإيش حال نغير عليها،..
    وأجسادهن المُبهرة، أخذت تتلاوع مع صوت "الداؤودي" وتتملّص من عظامها، وبدأت كل واحدة منهن في التشكّل من جديد، تبني جسدها هذه المرة، من الجنس كله، ومن الغواية كلها،...
    لا أفهمهن مع كل كلمة، ولكن فارغتي جاهزة:
    وسوووحي، تريلل لا، وبالجنبة موحي، تريرل لا،..
    أتحزّم آزول، والنيّة تتراوح مراقد القلبو ني،....
    والقزاز يطّقش، الدنيا حلوة وبهيجة، لمّا تشوفها من فَرَق القزاز المسروف، ومن فَرَق أجساد البنات الشفّافة، غايتو، يا حليلنا منها، الفارغة بت الفارغة، أم عجيناً فطير،..
    وأقوم أدودر الدريّات يمين وشمال دودير القمري علي القلابة،..
    أهو دي السفاهة البعدها نار الله بتبقه نيشان،.. مادام عمري كلو عدّيتو مدني مسروقة حيكومتو، ناركم دي يا ناس جبريل أجدعوني فيها جنرال، إمكن أسرق حيكومتكم،...
    غايتو، أستغفر الغفران، أستغفر الله،.. أستغفر الناس،.. أستغفر أُمي،.. وأستغفر الفيافي، هذا عواءُ قلبٍ خالٍ وفي الخلاء،..

    تيموليلت (الجمال غول الجمال)





    وكما ينادي صوتٌ عربي في فيلم الـgladiator، وسط إنجليزية القرون الأولى: يا ابن الحرااام.
    نادى صوت، بالخارج، في الشارع:
    "الاتحاد الاشتراكي،... الاتحاد الاشتراكي،..".
    ها قد عدنا لعالم الصحف من جديد، بدؤوا يوماً آخر، كلّما أسمع بائع صحف ينادي، وكالعادة يبدؤون منذ الـساعة 12 ليلاً/ أمس، أسمع في دماغي، "فِرْيك،، فِرْيك"،،...
    صوت الفُلّة عندما تطير من فم الزجاجة، فتحوا يوماً جديداً، اللعناء، يلا، كُبّوا صباحكم دا في داهية، يلا، لنمسك بتلابيب يوم غبي جديد وندخله في قبر.
    شعرت بالرهق العميق، الذي يغازل الراحة في نخاعها، جسدي يبوّخ صبايا البارحة مثل جنيّات تطير في سوتيانات مزركشة، يتّرّع، عااااع، لولا أنّ الجنس جشاؤه توسيعٌ للمزيد.
    لمحتُ تيموليلت، تقف في النافذة، تدخّن،...
    رداؤها القصير، مثل صِبْية المدارس، والأفخاذ الممتلئة ومحكمة الاستدارة، في تمام مواعيد عقدتي،...
    الأرداف النافرة بهدوء، هدوء حكيم مثل سقراط،...
    ويحلف صوت "مغني شعبي من مناطق شندي" له بحّة قاسية مثل صوت "النعام" بالتقطّعوا كل بحور الدنيا، فيأتي ويدندن في كل خلجة مني:
    "جااااهل، ومقسّم هِيِن فوق هِيِن، يااااخي عليّ ضنين؟".
    هذا ليس الجمال، هذا ما لا يغفر ولا يرحم،...
    "مقسّم هِيِن فوق هِيِن" هذا أبلغ تعبير يمكن إيراده، ولو أنّه استُخدم أي تركيب آخر، لفارق الشعر ترميز لوعته ووقع في القصدية الناجزة، ولاستحال عليه أن يُشابه تيموليلت "ولو حشر اللغة كلها في حَنَكاتو".
    منذ زمن، وأنا لا أؤمن بوصف الإنسان من الخارج، ولكن مع هذه المرأة هذا ليس الخارج، بل أصعب امتحان إلهي يمكن توجيهه لأخيلة الداخل، لصُنع أندر توليفة فتنة عميقة، عصيّة على العرض، تستخدم الخارج كرفوف فحسب،...
    هذا هو الحال، الحال في حِسْبَة المغزى، ولن يكون أبداً في حِسْبة القاعدة والقانون، من يخالف القوانين ومن يتّبع،.. كلاهما مجلى لنَفْس دوامّة المغزى،...
    أستغفر الله عن قولي:
    والصور مجاهل ما تبدَّى
    الصور نحو الحق وكل الإشارة
    لفراغها المتكوّن اشتهاء
    ولوجهها الفاغر سية القوس
    وجنون ذهابه في طُلْبَةِ الأمل

    لكم أنا مخطئ، فالذَّهابُ في الأمل، هو الذَّهابُ في الله،...
    فما من أكفرَ من شخص بلا رغائب وبلا أمل،...
    "علاش تطالعيني؟ ما شبعتِ ياك؟"، تسأل تيموليلت ضاحكة، ومؤنِّثة للّغة والأشياء من حولها.
    أنا لا أذكر شيئاً من ليلة الأمس، إلا عيوناً وسيمة بنزواتها تلمع في كل اتجاه، أفواه وأصابع تذرع جسدي، تأكلني، والتنميل بهار اللّذة، دوريات شرسة وكثيرة، لحارة فيها قتيل، أسفلاً وأعاليا، رؤوس الشوارع، الأزقة والصهريج،... (يبتّقن) البنات نحوه من كل جهة عطش، وهو باسلٌ في وقفته، يُحَمِّم الصبيّات بـ"المح"،...
    سنعرف من رائحة الخيل، أيُّ يومٍ كان لرايتنا، وأيُّ يومٍ رنّ في خُرج دنانيرهن،...
    تلك هي الأسباب وليست الأحوال،...
    "لم تجبني!؟"، تُلح بسؤالها تيموليلت، وتركّز عينيها في مدى عينيّ،..
    هي تسعى في مقاربات لغوية كي أفهمها، وأنا أسعى في مقارباتي بزحزحة كرسيّ لتفهمني، والرجل منها ومني، يقف ضد المقاربات كلها.
    تُؤشر لها صبيّة قريباً من الباب: بالإذن آلشريف! وتتجه نحوها بتعجّل باش.
    آآه، الآن أذكر هذه الصبيّة، هي الأحلى بإخراج تيموليلت خارج الحسبة، ولكنها أكثرهن أنوثة وميوعة متدلّلة بدون منازعة، تذكّرتها لكونها تحاشتني ليلة البارحة كذا مرة،...
    أكبر كمّية من حشد التأنيث- أعراضه الميوعة والدلع، لتتزن نقطة هناااك و(ما) بعمق تيموليلت،..
    لماذا أنا متحسّر؟ هذا الإنسان عجيب، أوَ كنتُ لا أعلم، لماذا لا أُريد إلا هذه المرأة التي وجدت لحياتها المجرى الذي يطرّز زهوها على مقاييس وجودها الإنساني البسيط،...
    ربما لتتزن نقطة بعيييدة و(ما) في عمق السي خالد.
    أراهما من مكاني، بينما تيموليلت تتحرك قليلاً ليسترها ظهرها مني،...
    حديثهما لا يبلغني، اليد البضّة لتيموليلت، ترفع للصبيّة حامل سوتيانها، تنفض شيئاً بحنان، بدفع كلّ نهد في اتجاه، وبعفوية حبيب يتشاغل أثناء الحديث، يفتح زراراً أو يُغلقه، تزيح لها خصلاتٍ تتطاير على وجهها، أو ما يشبه أن تنظّف لها شيئاً عالقاً على خَدّها،...
    أجن أنا وأحجّ الجن، من الشامة (الفُل ستوب) الماهرة –والإلهية- على خد تيموليلت، بعد اكتمال فرادتها بالطبع، وضع الله نقطته الخاتمة هنا، فتيموليلت من مكانها ذلك تُعطيني صفحة وجهها،...
    هذه شَرْبكة صاعقة لا حلّ لها،...
    شيء ما يتحدّى رجولتي، أطفّر من مكاني دا يا ربي وألوحن اللتنين؟،...
    أتذكر قول جَدّي لي:
    "والله الليلة أخليك تترّع بصطونة آلمسخوت"، لا حول ولا قوة، دي جلدة طيري دي. وأضحك.
    "أقوم أخلّيهن، اللتنين، يتّرّعن شنبورة يا ربي؟ وبرضك "جَلْدة" طيري، فالشاعر الجاهلي، يوصي بممارسة الجنس مع الذات، بجلد الأخيلة:
    إذا حللت بوادٍ لا أنيس له .............. فاجلد عُميرة لا عارٌ ولا حرجُ
    "عُميرة" في أيامهم كانت كُنية لعضو الرجل، لكن برضك ألعن الشيطان، والجاهلي -مهماً كان- يظلُّ جاهلياً واسمه "أبوجهل وأبو لهب وعكرمة، ومهما عاصر الإسلام"، للمرأة في ذمتي الكثير من النبيذ والمبيت مع صويحباتها،...
    تغادر الصبية، وتصنع تيموليلت حركة حلوة لقفاها، ضربة نَخْس دافعة ومستبقية في آن، بلطف من هو متأكد كيف يجب أن تكون، تشبه ضربة لعيبة الكرة لبعضهم بعد الهدف -في إطار بعيد،...
    تبلغني تيموليلت فأضحك، أصبحتْ تأخذ راحتها معي، نظام (ولّفناك، فردة) وكدا،..
    "فقط، أردت أن...."، أبدأُ جملةً تبترها لي ضحكةُ تيموليلت الممزوجة بخَفَر، خَفَر؟... يا الله،.. واللاوصف يبدأ يرصُّ أرادبه، أرطاله، أواقيه ووزناته،..
    "تحب الكعوات ياك؟"، "الكعوات" ترادف "الجعبات" عندنا،... وتضحك حتى تختفي الفُل ستوب من وجهها ليتخلّق لحظتها الوجه من جديد، مِن الذي غاب عن البال وغاب عن الإدراك، نظام مُهلة للاستيعاب، فأيّما إنسان ليس بوسعه إدراك كل جمال تلك المرأة، من أوّل لقاء أو أوّل تعارف أو أوّل نظرة،.... أو باختصار من كل فكرة الأوّل التلخيصية/ المبتزة/ والمُفْلسة هذه،...
    سألتها: وأنت؟ أي شيء تحبينه أكثر؟
    تضحك، يعود الخَفَر والتورّد من جديد، شفتاها تقتلعان نفسيهما –تصبحان عنوان الوجه- في ارتجافة بسمة ناضجة وتطفح باللوعة القانية،...
    كنتُ أتصوّر أن تكون وقحة، ولكن هكذا هو حالها،...
    بدأتُ أحترمها، هذا الشيء في نفسها ما هو بتهتّك، وإنما قدَر يجب تقبّله من جملة (مُرَاح) الأقدار، القدر الأبرق، والقدر المحُومر، وأب غُرّة، وكيت وكيت،...
    رنّ تليفوني، الحاسد، والمشّاء بنميم،...
    فينك آلسي خالد، من البارحة نحن ندورو عليك!
    ضحكت متلمّساً الخفوت ما وسعتني الحيلة: إنتو بس البتدورو؟ عليكم الله كان لقيتوني قولوا عووك!
    "دابا الهدرة احلوّت"، تحندكني اللعينة،...
    فتّشتُ الأشياء التي يمكن تفتيشها، الأوراق، السيجار، النعلات، السروال،... "بس لو راجل أعرف قلبك ملصتو وين!"،...
    استعددتُ بسرعة، ينتظرني مشوار المخطوطات والمكتبة الوطنية "الخزانة الحسنية"، التفتيش اللعين والآخر،... هو أحمد، ولكن "الهَمْداني"، بسكون الميم، لقبيلة يمنية، "الهَمَداني"، بفتح الميم، لقرى بفارس، "نكوس نكوس، "الأصوات في اكتمالها، ومع انحرافات النَبْر"، لمتين؟ زهجت أنا من الكواسة دي!... فيما له قِوام، وما هو انحراف،..
    "ولّفناك آسيدي"،... تشترط عليّ تيموليلت العودة بسرعة، بالزربة بالزربة،...
    "أرجيني في حموك، ويا نار ما تغلّطي علي البليلة"،...
    أقترب منها لتقبيلها، لا تصدّني، ولكن ترتبك، ترتبك بدافع غريزي، يمانع تذَكّر حكمتها الثانية،...
    "أحتضنها بمودّة غاصبة، آويلي آويلي،.. تصيح متفلّتة، كأنها ستُحرج من دخول امرأتها في تلك الساعة،.. تتملّص من حضني بصدق، ولكن تتلاقطها كم بوسة ودغدغة مني، خطفاً، ذاك فم بمهارة محجان الجن"،...
    "تضحك ويتشتت تدبيرها، تتصدّى بيديها، وتحشم".
    "أزقا يا –روق ياخ،... را نقول عليك مزيان"،...
    "وأدروك-الآن؟، إيش وجدتيني يا؟"،.. أتضاحك،..
    تدفعني وهي تكزّ على أسنانها، بما يطلق العبث والزعل الخفيف في وجهة صرير واحدة،..
    "باللاتي،.. باللاتي"، لحظة لحظة،... أتفكّك عن رائحتها وتتفكّك عن رائحتي، لأودّعها لدى الباب،...
    ورائحتي هذه، هي الشيء الوحيد الذي كافأني به الله على صعيد المحسوس، بشهادة ألسنة نساء كثيرة مضغتُها،... وهرّبت الأغاني من فوقها لفوق لساني،..
    لم تأتي تيموليلت بذلك التملّص تمثيلاً، صِدْقاً فقد شعرتُ بنهنة احتجاجها وتمتماتها ذات عمق، وإن لم تود إحراجي،..
    قلت في نفسي: لا بد أنّه لا تُوجد في كل تلك المكتبات التي "سأكوسها"، وريثة الأندلس العريضة أيّامها، كُتبٌ تعلّم الناس كيف لا يخسرون كنزاً،...
    ولكن أنا مؤلّف وعلي أن أُؤلِّف ذلك، إذ لا بدّ من لجم نفسي، نفسي هذه غنماية ويجب لجمها، وإلا خسرتُ هذا العالم "المفارِق" بتمام حضوره الفاره،...
    حزنت،... فحرمان ما كان وما سيأتي يُولّد الحزن، وإن لم يُطَبَّق بحذافيره ووَفْق نظرية صارمة، فلا بدّ أنّه سيسبّب حرمان الحرمان،...
    وما لَذَّةُ الوجود سوى تحاشي حرمان الحرمان؟
    خرجت، والدنيا ما يزال بفمها طعم قهوة صباحها، الوقت في تحضّره للضحى، والظلال تغزل حنانها لصق الحيطان.
    عندما بلغتُ فندق سوفتيل ديوان، واستعددت لمهمتي، النهار كان يتهافت، الاتحاد الاشتراكي،... الاتحاد الاشتراكي،... تتهافت هي الأخرى، ولا يكترث لها أحد،..
    اليوم أصبح أكيداً، والناس انشغلت في أخبارها الخاصّة/ الحميمة، وإن كانت، للأسف، الظرفية،...
    عمر بأكمله انصرم وتبعزق مني، وما زلت لا أستطيع النظر إلى العيش إلا كمسألة ظرفية،... الدواب وحدها التي تنظر إلى العيش كمسألة حاسمة ومصيرية،... أنا مصيري برغم تفاهته إلا أنني أستكثره على رغيفة، صابونة، لباس داخلي، فرشاة أسنان، وبنطلون ليس له زيق، وآخر فنّيته تتجلّى تحديداً في التفافة هذا الزيق،.. أنا رجل جرّبت نفسي في غاية المَحَل والاختصار، وانعدام هذه الأشياء لن يجدّفَ نهرَ وجودي محتّلاً، لن يغزوني من قِبَله أي دفتردار أو كتشنر، عاطل، ليس لديه ما يفعله في بلاده،...
    لاتهتم بي، أنا واحد وهم، أصارع منذ أمد بعيد "كتاب التوهّم" لـ" الحارث بن أسد المحاسبي" من مواليد 782م، وانظر إلى جنون عبقري كهذا وسَبْق في تسمية الكتاب، أمّا مضامينه فمشيخة قاهرة، أوّل الجالسين في ظلها "الجنيد".
    أنا واحد وهم، لا أستطيع أن أتداخل وأتقاطع مع هذا الوجود إلا من خلال نظريتي: حياة الشخص لن تكون الخرافة التي يموت بها، إلا على حسب نوعية الشخص، فأيضاً يمكنها أن تكون الخرافة التي يعيش بها.

    تيموليلت (الوردة في دور شوك)




    الكِتَاب ماعونٌ للمحو، مثلما هو ماعونٌ للكتابة،...
    أقول لتيموليلت،..
    يا إيد القوي قلمي،..
    الكُتّاب الطوب لقوالب غيرهم،... الكتّاب محلولات الكُتّاب
    الكُتّاب وإنْ كانوا وبتمامهم،..
    والكتّاب محلولات الكُتّاب، بجركاناتهم،...
    من يتوتي في ضُلّ الحيط الدواش، وقُبْلَة خشيمو علي الرمل،..
    يا فراش توتي الحريق، وبَصِّم الفم الجمر،..
    ما قرأتُكم إلا وواطأتني الرغبة..
    لأكتبكم بنفسي من جديد،...
    جوطتكم تتوالد، وتُفَاقَد السماء في جوطتها، ما يهمّني،...
    أنا أُفتّش لكم عن عِيّالٍ من رَوّاق القلب لا من شِبَاك السروال،..
    فالجسد ليس بوسعه احتباس الظل أكثر، إن عصرت مثانته الشمس،..
    لترفع رأسك، نحو تكاليف الشمس،...
    فالسماء هباءٌ فوق هباء،...
    والأرض مهما ترفع حجراً من حجارتها لتختبئ
    يسبقك "فاشي" ويلدغك،...
    انتظروا حتّى ينبت شجر السُّموم،..
    فالكيزان شوكاتهم في جذر الحجارة كلها،..
    انتظروا، فإنّ الحجارة في منام الأرض لا يضمنها أحد،...
    قد تنام، فتهلوس، فترجم نفسها،..
    وتهدئني تيموليلت أيضاً، بعد أوجاع رجال التنقيب، من يظنّون أنّ "الشخص في الوجود" عناصرَ يُدْخَل إليها من باب اللحام، زول خارصين وزول صافي ذهب الخزانة وزول رملة ساي، عناصرَ، يُفكّكونها ليعرفوا أسعار جدودهم بعيداً عن مضاربات العقل والروح،.. أأخ يا تيموليلت من النخّاسين الجُدد، والمتدينين الجُدد، والبلاد البدد، يااا تيموليلت لو تجنّسيني حضنك فأنجو من بلاد تتقصّفها حركات الازدوال اليوم، كأنّ الزول يصحو توّاً في بلاد لا يعرف اسمها،..
    لو تجنّسيني حضنك، ويبقى شمالي نهد وجنوبي نهد! وارضع شمال وجنوب،..
    تهدئني تيموليلت، من أوجاع الرجال القرمصيص،..
    عيناها تشتغلان بروفين عندي، ولكل وجعة منّي، إلا أم الوجعات،..
    لا يسعني مثل هذا الكلام البجَرِّم يا تيموليلت، وليس بوسعي التودّد إليك،..
    "أأخ يا تيموليلت، بس لو ما كانوا قُباح ودقونن سِدْرَاً ترعى فيهو الجُمال، كان أشتريلك تذكرة يا تيموليلت، وأخليك تضوقي مُوديَّة سودانير، المخيّرة زي ربها، البِتْرِك علي كيفها وبرضو ما بتطير إلا إذا حَكَمت معاها زهْجَة الطيور، أودّيك السودان يا تيموليلت، وتِّمي مزاجك الغريب دا فيهم"،..
    فالرجال هناك يا تيموليلت، عجزوا عن نيكهم،...
    آآآخ، يا جبل الهُرار الما بنطلع، وبحر الزُراق الما بنقطع.
    يقفز نداءٌ في الليل، مجرد صوت منفلت، لا مغزى له إلا حيث انطلق، إن لم يصادف شيئاً من ذاكرة نداء لديّ ولدى المكان،..
    "الله يرحم الوالدين، آآآلشريفة،.."،..
    فيشتد الحال بي، مع البرد الذي أخذ يرصّع النوافذ، ندف الثلج الصغيرة.. صغيرة.. صُغر، تصبح كلمعٍ لعيون نمور وفهود تترصَّد بالناس والمكان، فينادي الشعر ويُغلظ في عوائه:
    الليل برد وكلّو زول طَبَق بُرِّيبتو
    وخلو المتلي راقد في السَقَط.. وا صيبتو،..
    الشعر إن لم ينادِ،.. سابع سماء وسابع أرض فيك،.. فدعه وتكلّم بالموبايل، فقد استوى الحال إذن،...
    القدماء كانوا بدائيين، وضاعوا بين أعالي السماوات كلها، وأسافل الأراضين كلها، وبين أعالي وأسافل خرافاتهم الخاصة، لذلك نادوا ونادوا، أو تساكنوا هم والنداء، الجوّة بالجوّة،..
    وبما أنّ المرأة أقدم كائن من بلد الخرافة والضرورة، فغناؤها بالنداء الأكثر عمقاً، بئرُ عَنَجٍ لا تَقَط،..
    شَلْ شَلْ كُب لي جالون
    ولا لا لا، أنا ما بديك،..
    وهَيْ هَيْ المحطة قريب،..
    ولا لا لا، المحطة هديك،..
    بالطبع، لن يفرح أي بائع بنزين في محطة أو متجوّل، بميلاد فتاة إعلانات لهم،..
    المحطة هديك، توصيف يقيس بُعد اللّمس،..
    وإن لم تفرز الحال وسرتَ في جهة "المحطة قريب"،.. فكُب بنزين عربيتك ودوِّر،..
    وإن قمتَ بمماحكات لتعيين جهة "أنا ما بديك" عن جهة الطلمبة، فهذا عين ترقية التوصيف إلى رتبة،...
    وشَلْ شَلْ شَلْ، كب لي جالون.. ولا لا لا أنا ما بديك،...
    الهجيج يحمى، والناس تنملص منها شباطتتها وشيء طِرَح وشيء خجل، الغناء عيونو حُمر،...
    المفطومون في الوراء ينادون أيضاً، بينما الأصابع المعلومة منهم وغير المعلومة بصَلَبة البنات، تجتهد في العِبَار: اللبن اللبن أبوا لي بي، اللبن اللبن الرسول كُبّي،..
    وهكذا يعود بي الحال، مع كلّ النداءات، كنّا صغاراً، نكتب ونمحو على ألواح الخلوة، وما زلنا، وفي المساءات نُحضّر أرواحنا وأجسادنا، لنتساكن نحن والخرافة وذاكرة النداء، فلا نغيب عن جيرة الجوّة بالجوّة،..
    وكان "بعاتي" النداء، يناسب عمرنا، بتنكّره في اللعب،..
    هولبلب،.. ويا الحارس، كم في الخط،... 17، كضباً كاضب،..
    هولبلب، ويا الحارس، كم في الخط،... 15، كضباً كاضب،.. هولبلب،..
    "هولبلب" تركيبة لنداء يتبنّى (هو لبَّ لبَّاً) أمّا تفصيلته فهي "فاعلٌ ما احتضن مفعولاً به من الخلف احتضاناً يسمح بطرب النتوءات في النتوءات". ننادي "هولبلب" وإن وقع نِردُ اللسان، على رقم النداء المطلوب، يكون النداء –الآخر- المُطْلَق من الحارس: شِدْ واركب،...
    نحن وتوأماة الأيام، كنّا ندق الباب، نُراهق تُراهق، تبلغ نبلغ، نحاذيها العورة بالعورة، حتى نصطّف أمام سامية الفاتنة والشرسة، لنلقّبها "الحلو مر" لموجب مساختها، كانت من حلاتها، تصل إلى بيتهم فتتحمّم من النداءات قبل أن تنام،...
    بين الطاحونة والصهريج، فضاء ومَقْنَصَة، ألحق بها لأُشاغل وعمري المستهبل قريباً من شنبات النداء،..
    ويا قصب السكر، كم في القلب؟
    فتلتفت إليّ بالحاجب المقرون وعنجاوي: واااحد وغيرك، ولو قلت كضباً كاضب، بجي بأكّلك السفنجة دي"،...
    فأُحبط وأنال: قاه قاه قاه، ثم ينادي الأولاد فيّ: أفرشْ وصَدِّقْ،..
    وإن لم تتذكّر معي كل ذلك، فذنبك وذنبي يكفياني، الشخص في الوجود وفي السيئات يُكَفِّر عنه وعن أخيه، وينادي ويذنب عنه وعن مطمورين فيه بلا عدد،..
    "فتح السيد"، موظّف البلدية، كلما تمر من باب مكتبه تسمعه في نداء، هذا قبل "كَفْ" سهام المهندسة المدنية طبعاً،..
    فآخر نداء له كان: إنتِ أوّوول حاجة مهندسة حلاوة بس، وترووقي علي كدا، للخريف الجاي الحيط ملحوقة،..
    يرن جرس الباب، تفتح تيموليلت،.. آه، آويلي آويلي المتغنّجة جاءت، عيناها من الباب تسألان عمّا أفعله في تلك الساعة من سكون الوجود، مع تَرِكَتِها بالطبع وأوسم رجل يمكن الحصول عليه في الدنيا، تُقبّلها تيموليلت "بتفوحل" على فمها، وتجذبها بتحريك دائري، فيما يمسح الحضن أب لارنجة بالحضن أب قريد،..
    يقفز صوت جدّي، شاشة العرض المحايدة، فقد خلط ذلك الرجل كسرته بالماء وبالحكمة والتقبّل، تُعينني شاشته من جانب اللغة،.. فأي نوع فكرة له نوع لغة،..
    "دامَراً" لا جدوة لا عنجاوي! تتبطّح الجُمَال في سوقها،.. وهو لا ينتقد الناس، بل المدينة،.. أو المدنيّة كما يمكن التمدّد على نحو شخصي بالموضوع،..
    ود الحرتي "الرجل المتخلّف، بمعنى غير المتقبّل للجديد بداخلي"، وهذا لقبي الوهمي لشخصه الوهمي بداخلي، أُعيّنه كي أستطيع محاربته،.. تراني في الشارع، وفي سيري الوحيد أقول: قلت لك يا ود الحرتي ما تكاجرني، يا ود الحرتي صياعة شنو بالله، أها قلت كيف؟ لا دي تهمة يا ود الحرتي"، يقول لي وأقول له مدوِّرة طول النهار،..
    تعرّفني تيموليت بالدريّة لأول مرّة،.. "سيمو"، اسمها سميرة ندلّعها هكذا،...
    فيقفز نداء آخر في ليلي، "هناكَ: في ضياء وظلمة النفس والآخر"، يا لجنون الأقدار معي، دائماً سعيت لأن يكون قدَري ومصيري لا يطابقان أحد، المصادفات تخدمني،..
    "سيمو" + حرف واحد من نداء مطمور بداخلي "نون"، تصبح "سيمون"، وما أربَط تلك السيرة بما نحن فيه من عصائد العذاب،..
    سيمون إمرأة الشاعرة السورية الشهيرة، والفحلة، "إيتل عدنان" رفيقة تيموليلت في درب الموت عُذريةً، وكلتاهما من سوريا، "إيتل عدنان" الفحلة، و"سيمون" المتمددة تحتها،..
    إيتل عدنان، صاحبة الإيعاز بـ"دامر" أخرى، لا يسوسونها بالجدوة والعنجاوي:
    مدينة ثُمانيَّة الأضلاع
    فقاعة تحمل ذكورة الجسد
    وأنوثة الدلالة
    ......... (قصائد الزيزفون – إيتل عدنان، ترجمة فايز ملص)

    أُكرّر، جدّي لا يقصد الناس بل المدينة، لذا لن يستدل بالأنثى هكذا فحسب، جدّي خلط كسرته بالماء وحكمة خصوصيته، بتقبّله للرقيق والحلب والبدو والخمسي ضكر وكل شخص في الوجود، وكان مَكّاً كبيراً،..
    البلاد التي تُبنى من مسيرة الجوَّة بالجوَّة، ومن تقسيمها لشوراع "ود حرتي" وشوارع أخرى غير ذلك، فلتتحاور:
    إيتل عدنان:
    ها عذابي يُفعمني في فجرِ ولادتِه
    ولا يبحثُ أن يُشْبِعَ رغباتِه
    إنّ حبي كنه وجودي،
    وأنتِ النبع الحقيقي للضوء
    أنا العنصرُ السيولة
    والمرايا وماءُ المرايا،
    أنا الموضعُ الذي من خلاله تُعْجَبُ بوجهك
    وتتكاثر،
    لأنّ الحب هو النظام الأقصى،
    تتقدم أمواجُ اليم، حركةً بلا توقف
    حركة تجرؤ أن تُسَمِّيَ الاياب ولا التروّي
    لكنها تمضي نحو المستقبل، شيئاً مجرّداً
    إن الواقع الخفي كله يكمن في هذه الأنهار
    ("كتاب البحر، كتاب الليل، كتاب الموت، كتاب النهاية" -إيتل عدنان، ترجمة عابد عازريه)
    "ود الحرتي" لا قِبَل له بمحاججة هذا الكلام الهواوي والفوقاني كله،..
    تتكاثر، يخطُّ "ود الحرتي" تحتها خَطّاً، ليقول: رُبَط برسيم إنتِ بتتكاثري من أختك وألا زرّيعة!؟ جَمَل فوق جَمَل بمشوا وكمان بصلوا! عاد بصلوا وين؟
    إيتل عدنان، لن تسعى لجعل أحد يُدرك، هذا غباء، الإدراك إمّا أن يتمّ بآلية نفسه، وإلا فلن يتم، تقول:
    أين نحن؟ أين؟ هناك ثمَّة أين
    لأننا بكلّ عناد، موجودون
    وكان لنا وجود،
    فمن نحن إن لم نكن أنا وأنتِ
    أين نحن؟ خارج التاريخ، خارج قصته أو قصتها
    وعوْداً إليها، خارجاً في الفضاء، وعوداً إلى الأرض
    خارج الرحم وبعدها إلى التراب، من نحن؟
    أين الأنين، أين الرعب، الحب، الألم؟
    أين الكراهية؟
    أين حياتِك، وحياتي؟
    ... .. (هناكَ: في ضياء وظلمة النفس والآخر – إيتل عدنان... ترجمة سركون بولص)

    طغيان الخطاب الأعمق في استولاد الوجود يستظلُّ إصراره، ومشاغبته مع حركة أهداب تيموليلت:
    رحى الطاحون مخيّلتي
    تواجه هذا الزيغ
    الآتي من وراء الحدود.. ليحرق الكون
    بحيث لا يبقى منه شيء
    سوى ذرة وحيدة
    تساوي الكون كله

    *

    "كل إمرأة عذراء إلى الأبد"،..

    ... (قصائد الزيزفون – إيتل عدنان، ترجمة فايز ملص)

    محسن خالد، نصف "ود الحرتي" الآخر، الأظرف قليلاً: الأبد دا يا ربي أتوبيسو واقف وين؟ العذراء زجاجة نبيذ بفلّتها،..
    ولكنني أنقلبُ لهامش كبير، ونافلة تُولم للجعليين كلهم، تجلس "سيمو" حيث موقعها، وترجع تيموليلت ندّاً لي، تتمرعف،..
    (العُشَر قام ليهو شوك)،..
    يا نور يا نور، تتبدّى تيموليلت، (الوردة في دور شوك)، وما زلتُ باسلاً، فنيازكها في قصفها لي، شموسٌ أحصل عليها، تتبدّى تيموليلت، شرسة ووقحة، كحال الفحل في حضرة حوضه، جلافة الأنهار تحطتب الدربْ،...
    هلكت مفاحة الياسمين، هلكت،.. هاهي الجنس تحت الطبيعي، الجنس بخصيتين من عالم الشيطان، يا نور يا نور، يا اللولية يا اللولية،..
    بنات حبش، بنات أمازيغ، بنات باريا، بنات حَمَر، بنات مورسكيين،... ودَقْ دَقْ دَقْ، اللول اللووول اللولية..
    وخُشّي الدارة أخمجيّا – يتكرّر النداء،...
    ... تتمَّة...
    يا بت يا ضابطة وحربية
    تتمَّة ثانية، تترَجَّل عن ظهورنا الكائنات كلها بساق الصلف،...
    رَجُلان، تركيبتهما "حلومر"، وإمرأة واحدة وبيننا الشراب وعلب القارو،.. فتصبح رغبتي حينها في تيموليلت الرجل، وتيموليلت المرأة بعامل التذكّر فقط ترغب في "سيمو" المرأة الوحيدة والمتوفّرة حالياً، يغرقنا بحر الجسد بتمامنا، يأخذنا التيار بين موج وموج، ونطفّح كلنا في جزيرة شواذ،..
    أزيح لتيموليلت وسادة المقعد لتجلس بعد قُبلة فحل جديدة وأكثر تفنّناً، تأخذها تيموليلت من المتغنّجة بعد أن تناولها علبة القارو، والجنس يتقطّع تُرَع، الحُفَر في وجه الحُفَر، استفذّتهما حركة دفعي للوسادة، انحشار الكوريق، فحنبّكت الأرداف من كليهما، الحارس ومن يحزر الرقم،..
    أمّا أنا فحسدي وحرماني يُقَوِّلان قلبي:
    أيَّما أنثى سَقَتْ ردفها كيما يطول
    تخون النبات،..
    أيَّما أنثى لا تنفلت لمواعيدي من حبال قوس..
    تتأخَّر،..
    ولسّاك في دور الحبيب!؟.. "الحريم ديل بصحّهن؟"،...
    دا صِح الصِّح العميق، ها وليد ما تشوفلك أريكة تطفر بين شخوطها! هنا الشخوط سماء وقوس قزح.
    نجلس، وتنقلب تيموليلت لشبه مذيعة سودانية بلهاء، لولا مغفرة حلاتها، تسألني،..
    "حدّثنا عن السودان،... الفنّانون والثقافة، والكُتّاب"،..
    فيقفز نداء جديد، لا أذكر رقم كم، فقد جُرِّدت ليلتها من امتيازات "هولبلب" كلها، حسن ود حلتنا الكضّاب، وهو ليس بكذاب غريب ولا أجنبي، بل نفس حسن ود حلّتكم الكضاب، نفسه نفسه، فالدنيا مخلوقة بتكرار شديد كي لا تعاني من نقص في أي جهة من جهات غبائها، الحكمة وما هو ضد الحكمة واحد، لا تنوُّع ولا ضراط،..
    عوير حلتنا/ عويركم، وهسّه شكلة النسوان الفي خشم الباب دي، ما سببها فاطمة القوّالة بتاعة حلّتكم؟ ونفيسة البوبارة دي، البقدر عليها منو غير نفيستكم،..
    أليس حسنكم الكضّاب أوصافه: يلقى بنائين يتشعبط في سلّمن هواء، أقول ليك كم درجة بتاعة معلّمين مَهَرَة، إلا ينزلوهو ببرشوت،..
    ناس الكهرباء يحاحوهو بالشديد القوي، "يا زول ما تسوينا في رَقَبَة!"، ناس اللجان والجمعيات، شيوخ عجائز بالطبع والتكرار ينجزون أعمالهم كلّها بالشفاهة والمغالَطَة، وما تيسّر ممّا يحتاج الكتابة يعودون به لبناتهم في البيوت فيكتبنه،.. حسن الكضّاب جاءهم بنظرية "فيلهلم" للتعاونيات، شرحتها له أنا عصراً وأراد هو تطبيقها مع "الكينزيين الشيوخ" أولئك مساءً، غايتو ضارباه جنس عَجَلة وشفقة،..
    أمّا ناس الثقافة ديل فهو متخصّص فيهم،...
    كنتُ ضحيته على الدوام، فقط لأنّني امتلكت مكتبة مُرهبة بوسط ذلك الريف الميّت والخانع،..
    يأتيني بشعره لأُصحّحه بسبب –كوني لميض في اللغات، يصف هو-، التصحيح الذي ينقلب في النهاية إلى نهزرة بحتة لي من قِبَله،..
    نقصد صاحباً لنا، في قرية ثانية، فيستوقفني هو في الطريق لقضاء حاجته، ويؤخّرها قليلاً لينقل حالة وجوده لحالة وجودي، أنا لا أكذب ولا أُزيِّف أبداً، ولا حتّى أتجمّل الأكثر غباءً، بل أنا أتفنَّن، ولكم أصابتني الغَيْرَة من الباسل "نصير الدين الطوسي" لأنّ البحّاثة المكين "أبو الفدا إسماعيل بن علي" قد نعته بـ"المُتَفَنِّن"،...
    ياخي ياخي يا محسن، قصيدتي دي ما فيها كلام، ما تقول لي فكرة وبناء ونحو ووجهة وتشيل فوقنا النهار دا كضب ساي!
    أسكت أنا ولا أُخاصمه دفعاً عن صدقي ولا علمي، إذ لا فائدة،...
    يتعورب في لغته ليهين آرائي أشطَر:
    يا زول أنا أمور الجَهَلة المتفلهمين دي چـت عليها خابرها، إنت قايلها هادي برّيكَة ناقتي من الخَلا وألا شنو؟
    أغضب أنا، هذه ليست قصيدة يورّط الشخص فيها نفسه، كما يسعى لتوريط آخرين،...
    خليهو الكضب المشيّلو ضهري زمان، هسّه تعال، جيب القصيدة،... أتخلَّى عن حكمتي لخاطر حكمة الشعر،...
    يُعَلِّي هو صوته قليلاً، بطولته إن لم يسمعها أحد، فما هي؟ فأعرف أنا الذي أُعطي ظهري لبداية الشارع، أنّ رأس الشارع قد غُوزِل ولا بُد، بمرور بنات يقصدن جهة، أو حبيبته سمر تحديداً، التي يتشعبطها غصباً عنها، فما هي إلا سُلّمٌ لبنّائين آخرين يصادفونه، "حنانه" نزولاً عند لغته،...
    تُشارف قامة صوته البيوت، فأكاد أجزم أنّها سمر،...
    يطير صوته قمرية من فوق البيوت، فأتأكد أنا من كونهنّ "حنانه" فحسب،...
    أتوقّف له عند أوّل بيت في القصيدة لأُحاججه، مساعداً له، كي يثبت بطولته في حيث يجب أن يذهب به الحال وينتهي عند حسمه بيد مارزبّة مُشْ شاكوش،...
    يجرُّ هو الورقة من أسفلها، ويدفع بأصبعي إلى جوّة القصيدة، وعيني وإن كانت بالفعل كعين العنكبوت، ولكن لا يمكن الاستفادة من ملكاتها المعروفة، إلا حين صيد حقيقي، كما تخلو من أي نتوء أو حفرة فارغة، تُمَكِّنه من حَشْر إصبعه فيها لأجل جرّها إلى جوّه القصيدة التابوت، يتمحّن وينحك،...
    يستوي "حنانه"، متجاوزاً، فيما يقصدنا من طريق، فيعود مرّة ثانية لبطولة الكلام المرتفع بأعراض أخرى، جدري البقر سُعار الرتيلة، لا أعرف، ولكن الشعر من أعراضه تلك مسافة نمشي دنيا تانية ونغيب:
    يا محسن الفكرة في البيت الأوّل دا خليها، عااارف إنّها قريبة وهينة خالص، وبدون باكورد بجيبها، شوف كلامي التحت دا كيف، أنا داقي فيهو تمانيات جنس ربّك،...
    أقول له أنا لعامل الملل وليس الغضب: دينك ياخ، قصيدتك المخوزقة دي قلنالك ملصتها من جعباتك، ولو داير تكتب قصيدة بالجد، واصل من "تمانيات جنس ربي دي" تحديداً، وقصيدتك البتتوحّم فيها من سنة للتانية وفي زمن الولادة تحسى منّك "خور عنجة" الناشف داك! بتجرّها بمشيمتها من العبارة الناشفة دي، بس لو خَلّيت حَكْ رأسك البرّاني دا، لأنّو سمر فاتت، وُبِقيت تحك رأسك دا من جوّة، ياخي النادي دا... بأدبخانتو، شُور رأيك، تقضى غرضك وألا نمشي؟
    يحدجني بشراسة، فسمر بقلب الراهن تُلهم كذّابين شوارع أخرى، فتنالني أنا مكافأة انفشاشته، يصيح في الشارع:
    خلااااص يا بطل، يا ناس هوووي محسن بطل،..
    محسن ليس "الباقات ولا الخيش ولا الحبال" ليصبح بطلاً هكذا، هو لا يعترف بك ولا بهم، ولا بأبطالكم القدماء والمكرورين أولئكم،..
    المنتخبون لعامل جبنهم، ومن تنجزونهم أبطالاً بمجرد تهديد، كونوا أبطالاً في أعيننا وبمواصفات بطولاتنا، وإلا فأنتم أبطالٌ في نظر من؟
    أنا البطل الذي ينتخب ذاته وفي نظر الخلاء، أنا البطل الساقي والحاصد نفسه في حقل شجاع، ونفسي كلها أبطالٌ، تنازلهم نفسي، في بطولة المرايا..
    وعلى صفحة النهر،..
    يلعنك ويلعن طاريك، أعُد للمذيعة تيموليلت، بعيون تطلب استكناه السؤال وليس إعادته،..
    فين إمشيتِ يا؟ تسألني، والضحك منها مخشوشن قليلاً، لا بُد أنّ دور الرجل الملعوب هذا، وبدون ثعبان يفح في السروال، إن لم تتحرفن فيه جيداً، فسيثبت لها كم من أواقي الحال تساوي في الميزان، بينما الكَفّة الأخرى يصنقر فيها حسن الكضّاب،...
    "نتسولوا عن السودان ودرياته ودراري يا؟ تقول هي، نسأل عن أبناء وبنات تلك البلاد القديمة،..
    "الله ينعل دين السودان الكضّاب زي حسنو دا!"،...
    "الفنّانون والثقافة، والكتّاب"،..
    يُفَلِّي سؤالُها رأسي بالتُهم،..
    كان لنا أفراد يا تيموليلت،..
    أفراد فحسب، حلويييين، فمضغناهم ومضغناهم ومضغناهم،...
    حتّى تركوا حالهم، ودخلوا حال اللبان،..
    تضحك المسخوطة،..
    "علاش، را شفت هاديك التصويرة حلوة بزّاف، ديال.. ديال،.. اللـ..."،..
    تقصد حضورها لمعرض تشكيلي، لفنّان سوداني، وأعجبها، وإن لم تعد تذكر اسم الفنّان، سألتُ عنه الشاعر "أحمد بالمسيح"، فاتضح أنّه "راشد دياب"، ورووا لي أنه تفلهم عليهم كثيراً أوان معرضه، وأنا انبسطتُ لذلك، فبعض منّا يذهبون للخارج مجرورين بحبل الدونيّة والمعيز، عفارم عليك يا راشد،...
    أنا مثلك بالخارج كلّه، أتفلهم علي من يتفلهم عليّ، وأركبهم بكل ما أمتلك، بقلمي ورأسي وشيتي ولغير المهذّبين كَفّي قريييب، ومع الطيّب طَيْبة الرسول بمآذنها وقِبَابها،..
    أنا لستُ الفنّان المسكين، المتروك للجراثيم تتعيّش عليه، المضايَق ومضايَر في أطيَز ركن بالخارج، يا إيد القوي قلمي، ويا إيد القوي إيدي، وعمري سطر واحد، ودغري، يمرق من كتاب ويدخل في التاني،...
    يحكى أنّ رجلاً ذهب محزوناً ويتعثّر في أحزانه إلى القيامة،..
    قيل له مالك يا مالك الحزين؟
    قال يا ربي أحزنني البشر.
    قال له ربّه ولماذا حزنت لهم!؟ كان بوسعك أنّ لا تفعل، أنت خوزقت نفسك،..
    فحزن الرجل الذاهب بحزنه إلى القيامة من جديد.
    وإيّاك أن تسألني، من أين أتيتَ بقصتك هذه؟ إنها قصة، فمن أين يأتون بالقصص!؟
    تتكوّر تيموليلت في جلستها الإذاعية،.. تقول:
    غير الطيب صالح، لا أعرف أي كاتب آخر؟
    نعم الطيب صالح، الطيب صالح،.. أقول أنا هارباً من إزعااااج هذا الرجل، فقط الإزعاج،..
    وغيره، ألم يتبقّ أحد؟ تسألني،..
    أُتمتم في سري، غيره!؟ ومتى سأل الآخرون ليعرفوا غيره، هم فقط يسألون ليثبتوا معرفتهم له هو، ثم توصيفنا، أنتم كُسالى، لم تبلغونا بعد،... ولكني أُجيبها:
    غيره؟ سآتيكم بالصور لغيره، فقد قتلوا وما أبقوا إلا الصور، منها ما يهم، ومنها ما هو لألبومات الصور في المَلَمَّات والمُلِمَّات، الأعراس، والبكيات، ابتداء ديموقراطية، إلغاء ديموقراطية، اتفاق على حرب، إلغاء حرب، انقسام حزب، ترتيق حزب، الألبوم الذي أصبح نيلاً في طوله وجريانه وأبديته،..
    ومن ناحية أخرى للحقيقة ومُعَاكِسَة، الألبوم الذي "يجك" في مكانه،..
    ثم نخوض في سيرة العارف "محمود محمد طه"،...
    الشيخ الذي يهشّ الموت بمسبحته، ليدرس، طَرَقْ طَرَقْ فوق راسو، أقعد آلمبروك، والموت يِمِلّ داير اللعب، طَرَقْ طَرَقْ كَمّل شَرَافَة لوحك آلمبروك،..
    الموت سقفُ البيوتِ الواطئة والرجال الواطئين
    الشوقُ قيامة الموت، هيّا فقُمْ، والغروب عودة مَنْ بالحقل تأخّروا
    ونحن العيال، أبخُرجِك الرحيم فينا "دِفِّيق التمور"؟،..
    ها إنِّي أنتظر لا باب لي، ها إنِّي أنتظر وعِرْقي في الأصيص
    مثلك لن يرميَ عليه جبلٌ ظِلَّه ولن تطأه ريح،...
    أبداً، ضد شلل الجبال المقعدة، ولجة بحر محفوظ الخطو والحافر
    لولا الإنترنت لما صدّقت تيموليلت أنّ البورتريه، للعارف محمود، هو لمفَكِّر حقيقي قُتِل في الثمانينات، فقد ظنّته في البداية نظام "أتفلا –أهظّر" معها، وأخيراً سأقول لها، هييييه، غشّيتك،... هذا أبي،.. وسيأتي لزيارتكم،..
    أهديتُه لها، وما يزال يُزَيِّن صالة شقّتها حتّى بيان هذا الراديو المضاد،..
    الثمانينات،.. كيف؟ كأنها تسأل، أوَ في زمن فيه الدنيا حاضرة!؟ هي مثقّفة طبعاً، وتتوقّع أن يكون تموين القرون الوسطى حينها قد انقطع عن السودان أيضاً،..
    لا أعرف كيف، كنتُ في الابتدائي،..
    الابتدائي "ديالي -تبعي" والقرون الوسطى، يا تيموليلت، كانا يأكلان بفمٍ واحد، ويتغوّطان بدبر واحد، و"أدروك – الآن"، شحموا المغول،..
    عينا سيمو، زرقاوان بمزاجية الحبيبة ونهنهة، لم تصالحاني حتّى هذه اللحظة، متخّصصتان في الدلع على تيموليلت، وتيموليلت لا تبخل على "حنانها" بالتدليع،..
    اصبري يا سيمو عليّ، هنا رواية فحسب، وأنا في النهاية روائي ومنصرف،..
    الصبر الصبر، يُعطي النساء أولادهن، ويُعطي الأرض والأنهار والجبال معانٍ تجعلها شهيرة في الوجود بشيء،..
    يقفز نداءٌ آخر في أطول ليل للنداءات، شقة تيموليلت المكان الأكثر قرباً لمنجم النداءات من باقي الأرض كلها، شقّة المُخْتلِف مُحِبّ المُخْتلِف،..
    ندائي بالصبر في عينيّ "سيمو"، يُدخلني في نداء "الصبر وعلي كنعان والقواميس"،..
    علي كنعان الشاعر السوري، لا يمكن إعرابه في الوجود إلا كحالٍ بين الصبر والقواميس،..
    يقول: يا لعين، عامان ولا تعثر لي على عنوان محي الدين فارس!
    أنا وهو شيخان من زمن المحنّة، وأنت وأمثالك الجفاء في زمن الجفاء،..
    لطالما وقفت معه ضد نزار،..
    لماذا تناصره على نزار قبّاني؟، أسأله أنا،..
    "لأنّ محي الدين فارس الشاعر، ونزار قبّاني العاشق"،..
    أُهدّده مبتزاً، انتظر حتّى أشيل حالك لفاطمة، يسمّي ديوانه الأخير "نخلة اسمها فاطمة"، زوجته. لا أقول له أنت مثل سليمة بائعة اللبن، تَغِشُ كرمك يا رجل، تُهدي العناوين إلى فاطمة، بينما القلب في إهدائه الأبدي إلى الشعر.
    يعرّفني على محي الدين كفارس، بالفعل لا بالاسم، أجهله أنا من زمنه هو، ويمنحني فرصة التعرّف على أصدقائه "عبد الكريم قاصد" الشاعر المتلندن، و"فائز خضّور" الشاعر المجذوب، الذي إذا ما قُرئ الشعر يتحمّم بالشراب، والراحل "ممدوح عَدوان"، الشعر، والدراما، والترجمة، خصوصاً كتاب "تقرير إلى الإغريق"، لنيكوس كازانتزاكيس،... فذاك كتاب من فارط الكتابة،..
    كما هو بصبره أيضاً مساهم في الوجود، على نحو عائلي،..
    بنيّتان، والبنون حدود شخصية، بين حدودنا وجيرة الوطن،..
    شاميّتان من معمار حلوتهم النابغة،..
    يدس فوتوغرافين لهما على الدوام في جيب قلبه،..
    كوداك تغازل غزلها وتنصرف، يحلُّ سفيه،..
    من هذه يا علي كنعان؟
    "هذه رؤى".
    والأخرى؟
    تتلكأ عيناي غمزتين، وتتأخر إجابته في الرد عليّ ثلاث بسمات،..
    أقول: لا لا انتظر، هذه الحسناء أعرفها، أستغرق، وأستغرق أكثر، حتّى ينمو فوق عينيّ قوسا قزح إثر غمامها، وأنا صعيق الغمام إلى الأبد، والشارد من برق السماء في فراغ،..
    يضحك هو ببشاشته، وكان يتّهِمني دائماً بأنّه بلقائي إن لم يكن قد قابل "الفليل" شخصياً، فلا بدّ أنّه قابل الناطق الرسمي باسم "الفليل"،..
    تعرف من؟ يا زنبور خجل السيدات، يسألني هاشّاً لي،..
    هذه،.. أتكون هي؟ أنا رأيتها في مسلسل مع أيمن زيدان،.. لا أذكر اسمه،..
    يستغرق أعمق في الشاعر الصبوح،..
    "يا محسن شو بدّك، هذه الأماني من عمّك كنعان، هذا النشيد"،.. رُبى كنعان،..
    لا حولالااا، يا غتيت، ما كان تقول لينا زمان، عشان نتوصّى فيك أكتر، وما نتغابى العرفة في وسامتك.
    "يا شيخ روح، شو بدّك من ها الصبية؟".
    ما بدّي شيء وحياتك، سلامة الجمال،..
    لتأتيه في زيارات له، تُرتِّق بها صدع القلوب، لأقسمها معه بحنكة فَقَير في جيبه "فتّاحة" قَسْم النبقة بين المتصوفين، بـ"فتّاحة" القلوب مُش البيبسي،..
    رُبى كنعان، النظرية المناهضة لتيموليلت، والدليل مسلسل "جميل وهناء"، فقد لعبت (الوردة في دور "وردة")،...
    لا أدري أيهما الأقدم والأعرق، "الوردة في دور شوك" أم "الوردة في دور وردة"،..
    وفي الأحوال كلها النيل أبلغ من مطر قديم.

    تيموليلت (الجمال غول الجمال)




    لا أذكر في أي بحر تكسّرت مجاديف ذاك اليوم كمُجْمَل الحال مع عمري،...
    ولكن مساءً نزل مطرٌ حنين راقت له أدمغة الأرض والناس، ووجدتْ به الطواقي المثبّتة لقفا جلاليب المغاربة مبرّراً لوجودها في كل الفصول والأحوال،...
    طواقيهم التي أزعجتني تلك "أُتيحت لها الفرصة، أخيراً، وفي تلك السانحة" كما يقول أغبياء التلفزيون السوداني، وإن كانوا عباقرة وأنا كذّاب، فليتيحوا فرصة أو يجدوا سانحة، للجيب المثبّت في قفا جلاليب السودانيين،...
    هذه هي نوعية التأملات التي تستعمر عقل البشري حينما تجعله تيموليلت يُفلس مثلي ويخوض في سيرة الحال،...
    "فمنذ زمن وأنا مرهق منّي ومن حنين، لا أعيش أيامي، بل "أُضايرها"، يوم فوق رف، يوم فوق شوّال بذرة، ويوم لا أجد له مكاناً،... أتأمّله طويلاً ثم أعضّه بأسناني، يومي لا يصرخ ولا يتألم، فقط يفرقع كبالون"،..
    جلست أُراقب الناس ببهو الهوتيل، العزف الموريسكي الملتاع يعتبر الجالسين في ذلك المكان أخيلته، فيجلدها، يمارس معهم عادته السرية، في إبكائهم وإقصائهم، ويقودني أنا على وجه الخصوص من خلال ذكرياتي فحسب، إلى عمق لعبة "مضايرة" الأيام تلك، لتصطف أيامي "المضايرة" كلُّها، في موجز عُمُر واحد، عُمُر أعضه بضجري هذا كلّه، فأخسره بفرقعة واحدة وخاتمة،...
    "يا ربي هذه النادلة مالها؟"،...
    يضحك صديقي كريم، "شرموطة آسي خالد بغيت تحويها؟"،...
    أضحك ولا أقول له:
    "أنا ذاتي خليتو النيك، وداير في رقبتي دي، تنيكني تيموليلت، لا حول ولا قوّة"،...
    أقول في نفسي، متمادياً في السفاهة، لماذا لا أصيدها بلعبة كهذه، أنا ما حلو صحيح، لكن هي حلاتها بتكفّينا اللتنين، أقوليها عندي ليك سر يا تيموليلت، أنا شاذ ومغروض فيك شديد،...
    أضحك، أفو آلجعلي،.. وتراودني نفسي من جديد، ياخ هو بصّح ما شَرَك وبس، وبعدين حديد يلاقي حديد، العندو برمندي يغزو في التاني، أها الخسران منو آلجعلي؟
    أضحك، برضك ما لَفَقَت معاك، المرأة النادرة هذه، فتّش دكان قطّيعها في الحشا وين، وأشتريلك منّو لوريين قَرَض، قرض عَيْنَة المرارة طعمو تخلي حَلْقَك أحوَل، ولمّن تجي تبزقوا تبزق عينك بدلو، كلام زي دا تاني ما تجيبو فوق خشمك تب، لأنو هو ذاتو نتيجته ما مضمونة، وحتّىً كان مضمونة برضك ما بتقولو ولو رغبتك فيها بدل المني منّك اتشتّتتْ رصاص.
    وكونك تفكّر كدا بس، إنتَ مليان محبّة للجمال والرجالة لود عين النيل،...
    بس برضك غَرِّق مراقدك في جَبّانة القَرَض،..
    الله ينعل دينك، ودين شياطين سماحتك يا تيموليلت،..
    نهضتُ أقصرَ من قامة قَرَفي بكتييير، فلكي تنتهي أسطورة تيموليلت هذه، فلا بد أن تبدأ أسطورة الكأس، أسطورة الأعالي والأسافل، الأفعى والنّسر، كما لخّص الموضوع نيتشه،...
    نظرتُ هنا وهناك فلم أجد أحداً، كريم الجويطي لا يشرب،...
    قال لي هو لنذهب إلى "حسن نجمي" في بيته، أُريد أنّ أُسلّمه غرضاً،...
    قلت له أنا عروقي نعست شديييد، وهسي دي شايفك جررر.. جررر.. شلشيل كأس وراء التاني،...
    ولكنه أصرّ عليّ، فذهبنا لـ"حسن نجمي"، وأنا قبلاً أعرفه، ولكن ضجري خَرَّب ما كان يمكن أن ينتج من أُنس جميل –ساعتها- مع شاعر بحجمه ورئيس اتحاد كتّاب المغرب "الحر".
    اعتذرت له كثيراً، وأخذ مني وعداً بأن أزوره في مكتبه أوّلاً، وأن لا أنقطع عنه ما دمت بالمغرب، قال لي تعال، أنت رجل رائع، ابقَ هنا وستعمل معي في الصحيفة، وأنا ندمتُ لاحقاً، كما ندمتُ من قبل مع عرض ضاحك لي من "طلال سلمان" بالذهاب للعمل معه في بيروت، من أنا يا ربي؟ طَوال عمري ندمان، سكران، جَنّان في جَنّان،...
    على كل حال سنعود لفصول "حسن نجمي" وسفير السودان بالمغرب، "حسن نجمي" ووالي أزيلال، وكلّ ذلك لمعاونتي في إجراءات التزوُّج بحسناء التي طلّقناها وكنّا مذنبين، فيا لني من رجل وقح ولا يدري أين وقع منه حياؤه!
    رجعنا إلى الفندق، ولحسن حظي، وجدتُ الشَّرْبَ مجتمعين،...
    في غرفة "جهاد قبّاني" ومع عوده الفهيم،...
    دخلت، ضاحكاً، فالمحفل كان سيركّز شِراكه نحو لهجتي وسحنتي، كما يبدو، وأنا بي توق لتحدّي غريزة الاستغراب لدى الناس،...
    د. لطفي اليوسفي، بصفائه المناضل والمرحاب،..
    "أتمنّى أن أسمعك تتكلّم بدارجة السودان القحّة آخالد!"،... تونسي هو، وواضع جوهرة النقد الحديث، كتابه "فتنة المُتَخيَّل"،...
    يشاكسني "نوري الجرّاح"، ياله من موحّد هذا النوري، إنّه –مُوَطِّن عقله وقلبه وشعره- يقع اختياره على الإله في مثل هذه الأمور وليس العكس، مفَارق دنيا الأوثان منذ زمن طويل، يا نديمي أوّلاً في "كأس سوداء" من سِمّ الشعر،...
    يقول نوري الجرّاح، أكرم "حَلَبي" –كما أُناديه حُبّاً، قابلني في حياتي، مبتدع مجلة الكاتبة والقصيدة:
    "محسن خالد بدّو يقنعنا إنو هيك بحكوا في شوارع الخرطوم"،... يعني شبه الفصيح، أو لغة أوانطة المثقفاتية، الهجين،...
    لا أتلاعَن أنا، ولكن محسن خالد لسانو كأس، شيء شراب، ونتمّو موية،...
    "لا هو يتحدّث مثل المصريين"، يضيف اليوسفي ضاحكاً،...
    "أنت لا تصدّق أنني أتحدّث معك بلساننا، ها؟"، أسأله،...
    "لا أصدّقك يا خالد"،.. يقول وهو يضرب على كتفي ضاحكاً،...
    أندمج معهم، فهم فنّانون وأشخاصٌ في الوجود،...
    نجلس ونتآنس وينفض الشَّرْبُ،...
    ولا تنفض تيموليلت أبداً، مشاجرتها ما تزال تقع وتتقاذف لها الأشياء بداخل رأسي،...
    موبايلي،.. هاهو "أضرب وألا ما أضرب؟".
    يدي تذهب وترتد،..
    يصبح الموبايل، كشيء حي، كحشرة تتحرك لقربك في الظلام، يدي تذهب وترتد: ياخي يا تلفن يا نوم، موبايل هو وألا عقرب؟".
    عقرب "الكَسْفَة"،...
    لا أعي جيداً، ولكنّها السلالم التي تجرّ الكراع صعوداً ونزولاً على أقدَارها وليس على الدرَج،...
    "ألو،.. لا باس؟ ما زال ما نعستِ،.. ياك؟"،...
    هم يستخدمون كلمة النعاس بدل النوم، وأنا أستخدم بدلهما الاثنين الشراب، وحتّى هو أصبح عاجزاً عن إغلاق عينيّ، عن رؤى، وفي الصحو، لتيموليلت،...
    تجيبني بشبه فصيح: أنا مساهرة اليوم، أكتب آلسي خالد، بغيت تجي؟
    تكتبين ماذا؟
    اللّي تكتبو إنت دا،.. يا! تضحك وتضيف: وأفضل شوية،... بإمالة ياء شوية هذه لأعلى قليلاً، مثل لسان المغاربة عموماً، وبمثل لكنة تيموليلت الشهيّة خاصةً،..
    بالأصل كنت لابساً، لم أنتظر المصعد، في طريقي للأسفل، وقريباً من الردهة العامة، قابلني د. شاكر لعيبي، فزحمتُه إلى أضيق الطريق كموقع يليق بالعنصري، د. شاكر لعيبي هذا، مع حذف أن يُكنّى شاعراً، فتلك كنية يُنجزها من هو فقط شخصٌ في الوجود،...
    المتأخر حين فهمت على الشط جيادُ الركب أنّها نابتة من لسان البحر للبحر،...
    المفارَقة العرجاء لتتأخّر عن جيلها من الشاعرين،...
    "نوري الجرّاح"، "سوركن بولص"، "عباس بيضون"، "أمجد ناصر"، "بسّام حجّار" "وديع سعادة"، "هاشم شفيق"،...
    وأنا أعتذر لهم، أصدقائي، عن ذكر أسمائهم في مصادفة هذا الرجل، لتغفروا لله أوّلاً وللصحافة ثانياً ولي ثالثاً، ما كان علينا جميعاً، أن نخلط مصير أيام ذلك الرجل مع مصير أيامكم،...
    كان علينا أن نبحث في سجلات المواليد وخلاصات القيد، بأحكم ممّا فعلنا، لنُجَيّلكم فيمن هو من نبوغكم وحالكم، ولكي نُجيّله في حيث لا نعرف أين يسقط،...
    ذلكم الرجل عنصري كحال زمرةٍ منّا في السودان،..
    الفنان هو الشخص حين لا يعد يذكر حاله، الفنان أنظف من أن يتسخ قلبه بالخوض في الحال،..
    الفنان من هو في شاغل عن التبسيط، التبسيط سقفٌ لرؤوس الأغبياء ولرؤوس نلمحها من فوق سياج الحظيرة،...
    التبسيط إن كان نرداً، لما وقع على طاولته أبداً في مظهر الكُتَّاب،...
    التبسيط للبسطاء أقرب إليهم من ملجة الخضار،...
    أعرف أنّي هكذا أجعله شهيراً، ولكن في أي خُرجٍ جِلْف يرنّ اسمه،...
    ذاك أمر مهم، لمن يعرف أحوال الحال،...
    الرجل رغم ودّي له، ولأيام خلت في أبو ظبي، كانت تضيق أمامه كتب الشعر كلها كما ضاقت منابعه القحط بداخله، فلا يجدني إلا ويجد لي:
    (إنّ "العبد" كالدخان وإن علا ..... لمنحطٌّ إلى الأرض سافل)
    ولأنّ الموضوع لا يعني أحداً على الأرض، خصوصاً أنا، أعف ولا أخبز له في حاله من نفس العجين،... لا أقول له،.. أليس رجلك هو المادح:
    (أتيتُ إنسانَ عين زمانه ..... وتركتُ خلفي بياضاً ومآقيا) لنار نَفْس الدخّان،...
    ولا أنّ سيف عنترة مقابل كلّ السيوف التي تخرج من دُكّانة الحدّاد، لأيادي من تظنّهم مفخّروك في الوجود لمجرد أن تلدك نساؤهم،...
    لا أقول له إنّ آل ياسر كفروا، بينما بلال ساكتٌ في إيمانه أحداً،.. أحداً، أحد،...
    أنا لا أقول ذلك، لأني أؤمن بالحظ لا بالقَدَر الظالم والطائش،...
    لندع الجاهلية، فصاحب القَدَر نَفْسه من نصّب الكافرين من آل ياسر أبطالاً، في كتابه، ولم يأمر لبلال في رمضائه حتّى بجُرعة ماء،...
    الشجاعة كبيرة ولا بدّ لقتلها من خيانة كبيرة،...
    أنا قلّة الأدب نفسها وليس قليلاً للأدب حين أُريد، ولكني أعف،...
    لا أفتح معه باباً حول المفردات "أسود" أو "عبد"، ولا أفتح معه باباً حول موقف المتنبي من الوجود كفنّان،....
    فالمتنبي عندي كفنّان وكموقف من الوجود، عاش عبداً رخيصاً وليس شحّاذاً، الشحاذ رجلٌ شريفٌ لأنّه يشحذ وكفى، ولا يخوض في حال الشعر،...
    أنا سأترك متنبيه هذا، في حركات بهلوانياته تلك، لتلقّي دنانير في طريق إذلالها له بتمريغه على التراب، منافساً أيدي العيال، فرجلك يا شاكر "صبّ" الدنانير من أحرار ذلك الزمن المعني بـ"أسود" و"عبد"، ومن كافور،....
    كافور، المكروه في مصر "بلاده" وتاريخ السود آلهة النيل،...
    كافور، الباسل والمتفوّق رغم عنصرياتٍ ثلاث، لكونه من الشيعة، ولكونه أسودَ، ولكونه من النابغين،...
    كافور هذا بِكري لصبوح رجال أنت لن تستطيع شرابهم،...
    رجال يُقَطّعون القَدَر في الطريق بسيوفهم، ويمشون قَدَراً يفتلونه من حبال لجم الراحلة،...
    يا طريق يا طريق وليس يا دم، يا طريق:
    "عبد الخالق محجوب"، "الرفيق فهد"، "غيفارا"، "مانديلا"، "باتريس لوممبا"، "إستيف بيكو"، "مارتن لوثر"، "ماتيلدا نيوبور"، "فرج الله الحلو"، "الياس مرقص"،... يا طريق المدركين وليس الثوّار،...
    وأأأخ، يا تيموليلت، "الجمال غول الجمال"، الناس تخالف، كما خالفتِ أنت عادة أن يكون الجمال غول القبح،....
    كنّا في أبو ظبي يا تيموليلت، وهذه الواقعة ليست مهمّة بالنسبة لي مطلقاً،...
    تقاطعني تيموليلت بتأثّر:
    "تكون اتقلّقت من دراوي ياك؟"،...
    أعرفُ قلبك يا تيموليلت، أنت فنّانة وشخص في الوجود، أنت تخوضين في الهظار وليس سيرة الحال،...
    قلتُ لك إنّ هذه الواقعة ليست مهمّة بالنسبة لي مطلقاً، و"أسود" و"عبد" هذه، لا دخل لها في حال الموضوع إلا بأقل أواقي الحال، فلو كان يجيئك شخص كل مرّة، وبدون أي فرز لحالة مزاجك، ليكرّر "يا برتعول لول لول"، وهذا صوت بدون معنى، مختلَق،...
    ويتكرّر الصوت، ونَفْس الشخص في صحبته، تخرج "يا برتعول لول لول"، تدخل "يا برتعول لول لول"، تنيكه في محدودية ثقافته "يا برتعول لول لول"، يقارن وَفْق أمراضه الخاصة موهبتك إزاء موهبته "يا برتعول لول لول"،...
    وبأكل الأيام لبعضها ولك، وفي شح المزاج الحسن، سيتخلّق لهذا الصوت معنى، ألا وهو الازعااااااج،.. سيترقّى الصوت من خانة عدم لخانة وجود،...
    وستتواجَه لغة وجود مع لغة وجود آخر،....
    هنا يا شاكر، شخص من وجود جِدّي وباسل، وأمّه ولدته ليكون زريبة حوشها بدل الشوك،...
    هاهو يأتيك، الوجود النائم الذي هززتَه طويلاً، أفاقَ هاويةً ولحد، في عالم اللغة الجديدة الذي ابتكرته له في التوّ:
    غِرتُ فيه صفعاً وركلاً مختصراً للبلاغة، جَلْدة طيري، خلّيتو يترّع ناس شَمالية وجنوبيين وغَرّابة وناس شَرق وهوي وحَلَبة، خلّيتو يترّع سودان،...
    ولم تُفلح محاولات نوري الجراح كلُّها لإنقاذ جُبنِه الخسيس منّي،...
    فتعال وخذ حقك مني كما تشاء:
    إن كنتَ من بيت النبي محمدِ... فأنا من البيت الحرام الأسود
    وجدي "أبرهة" الما بحبسو إلا عكاز الله، وعكاكيز الرجال يقشها من وشيهو زي العَرَق، والمافي راجمات تقدرو إلا مدافع السماء والطير الأبابيل، وما جدّ القرشيين إلا قرداً فيمن تسلقوا الجبال يومها؟ خوف الأبرهة وعربات تجرها الأفيال والزند الحديد، وخوف رماة الحدق ولات حين مناص، فما فراسة عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، حين تركت يداه تلمُّس طريقها لسيفه، وشرع في تلمس حقوه خوفاً على دراهمه ولجاجةً في خاطر الماعز والنياق، كما يجب للبدوي الجلف أن يفعل بإيمانه، فمن لك اليوم مني بطيرٍ أبابيل -وأنا ابن الأبرهة-،..
    هاناس إنتو بتعقلوا متين؟ وديمة عليكم متكاتلين في سيرة الحال ليه؟،...
    أهو الجهل؟ أم عقدة القصور، لجسمٍ كان متحرّكاً وسَكَن، للانتماء إلى مكان وناس، لا تنتمي إلا للخلاء وما أجملك نمراً،....
    ألم تسمعوا قول الأُحيمر السعدي:
    عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ..... وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطير
    الحنين هو الموطن،...
    مالكَ وحال المكان والناس،..
    يا شخصاً في الوجود، كُن عادلاً أبداً، مهما ظُلمت، فأنت ضد الظلم لا ضد أن تكون أنت المظلوم، وأنت مع العدل لا مع حقوق بسيطة لك، بأي حال لستَ في طريقك لوقوع مظلمة ثانية،... لم أشتم أحداً لشاكر ذلكم مطلقاً، لا والديه ولا قبيلته ولا الأشخاص الآخرين في بلد العراق، ولا ميّزتُ حالي عن حال الأكثر سواداً مني في بلاد السودان، أهل العراق وأهل السودان، قوم في حالهم، وأنا رجل في حالي ولن أدخل حالَه،...
    العنصري يجب تركيز سَحْلِه بنتائج العنصرية، وليس بعنصرية مضادة،...
    حتّى ولو لم تكن لي صحبة نبيلة و"فنّانة" مع عراقيين أمثال المخرج "جوّاد الأسدي" ومع مثقّف وفنّان كبير مثل "منذر العكيلي" مبتدع "الموسوعة الشعرية"، لما تجاوزت عدالتي، ولبقيت في إطار "منهجي الكتابي".
    أوَ لستُ أنا الطالب أعمقاً منك بين يدي مدارس الكوفة والبصرة؟ أوَ لستُ أنا الابن الأكثر نجابةً لأنسبائي في النبوغ وليس الدم والحال "بدر شاكر السيّاب"، "سُعدي يوسف"، "صلاح فائق"، "فاضل العزاوي"، "مؤيد الراوي"، "جليل القيسي"، "يوسف الحيدري"، "جان دمو"،...
    فأنا عبدُ الفن ولستُ عبدَ حالِ شاكر السراب،...
    هناك أشخاص يلجؤون في مثل هذه الحالات إلى شتم الدين، هؤلاء ضعفاء فحسب، أنت تدفع عن نفسك الأذى، ولا تنتظر حتّى الله ليدفع عنك العنصريين وعابدي الجهات والدماء،...
    الذي يظن أنّ الإنسان يطابق دينه، هذا أبلد شخص في الوجود،...
    الإنسان هو الإنسان، وليس الدين، وسيظل على الدوام شخصاً في الوجود، وليس بمقدوره أن يكون الدين، مهما خصّمه الله، وخصّمته نصوص الدين،... افهم، الإنسان شخص في الوجود،...
    وحين يعتدي عليك شخصٌ في الوجود، يجب أن تعتدي/ أو تُربّي شخصاً في الوجود، وليس من المنطقي ولا من المقدرة أن تعتدي على الوجود أو أن تُربيه،...
    فما أنت إلا شخصٌ في الوجود، شخصٌ واحد، من الوجود كله في الوجود كله،...
    ينعل دينكم ودين الوجود،...
    لا تجبروني على الخوض في أحاديث الحال،..
    لولا أنّ ذلك الشخص يدّعي فِرية قرابة لعالَمي، أنا الشخص الكاتب "منهج" الكاتب، ابن "منهج" الكاتبين، لولا ذلك، لما خاض لساني بلاد غربة، وأسَفَّ في عالم ذاك الشقي،...
    تهدئني تيموليلت،...
    "ما تتقلّق آلسي خالد، تضحك،... وتكمل: نحن نحبّك آلدراوي، تعرف علاش؟ لأنك ما شيء بحالنا،... بمعنى فأنت مختلف.
    ليحكم الله بيني وبينك يا تيموليلت، لأنك أخطأتِ أن تكوني زوجتي ولكنّا قارّين في دارنا بجذورٍ للجبال، أنت منّي ومن القلب الذي غرامه المختلف والمبتدَع لتوّه،...
    تنهض لتأتيني بنبيذ، في بيجاما هذه المرّة، والأرداف منها لا تزن حالتي إلا بحال، الحركة المُلْغَزَة والفي كل اتّجاه دون أن تُرى، حركة الكدايس بداخل جوّال مكموم الفم والشفاه،...
    الأرداف منها لا تزن حالتي إلا بحال،...
    أقول ذلك وطعم تحاشي حرمان الحرمان، يفرقع كم بالونة يوم جديد، أُغنّي يائساً منّي أو مفتّتاً حموضتي في حموضة الدهر والشعر،...
    (جاااهل، ومقسّم هِيِن فوق هِيِِن، ياااخي عليّ ضنين،...
    وبابورو مشى التن تن ياااخي، وين في وين،...)
    "التن تن" هذه، تشرح –لحرماني- قوانين السرعة والمسافة معاً، بحنكة لسان الشعر الذي لا يمتلكه "ود إنشتاين"، أمّا "وين في وين" فهي مقادير الجاذبية الغامضة بين نجم ونجم، بين كوكب وكوكب،... وإيّاك أن تقول "وين لي وين"،...
    البرت إنشتاين لكي يُغَنّي هذا البيت، غنّاه بمجلدات نظريتين ضخمتين، (النسبية الخاصة: Special Relativity،.. والنسبية العامة: General Relativity)،...
    ود إنشتاين تربال كبير ولا شك، وهو حاله من حال الشاعر، متتربل في حِسّه ووجدانه وفي الأرض، ود إنشتاين والتربال من بلادي يرويان حقولهما بالأفلاك، ويخطّطان لمواسمها البعيدة بمراقبة السماء والأجرام، كما يحدّقان في الأرض كثيراً، والأرض من الإنسان والإنسان من الأرض، فلا بدّ أنّهما يحوزان الكثير من غموض السماء وحكمة الإنسان ومعرفة بَذْر الوجود،...
    أمّا تيموليلت فمطلق جمال متفرِّد "Singularity"، لا نسبية منه. فهو حالة البدء نَفْسها،...
    يُحكى أنّ الشجر بنات كُنّ مشرورات في مواعيد،...
    لذا تيموليلت ليست في انتظار أحد، ولا حتّى النيل،...
    تضع تيموليلت النبيذ على الطاولة وتتحرّك من حولي، بقلق وبين غبار القارو، مع كونها معتذرة عن حال المواعيد،...
    هاهنا ينتظر شخص كتابةً يكتبها ويقلق،...
    تُغريني عبقرية أغنيتي، بالحالين، بما هو تيموليلت النادرة هذه -ولا بد أنّ ذلك الشاعر من ناحيتنا قد حلم بها بطريقة ما- وبما هو عبقريته هو الفذّة التي خلّدها بها كما لا تعرف ميكانيكا الكم Quantum،...
    أضحك فيُطبخ بيننا السؤال،...
    "لا أبدا أبدا، لا شيء، هذه مأساة خاصة"،.. أقول لها.
    مأساتي هي أنّ متوارث تلك الأغنية حالياً، يغنيها ويحرّفها متظارفاً أو متعبقراً، لا أعرف وجهة نظره،...
    يقول بلسان أخضر ومتطحلب، ولا بدّ أنّه في هذه اللحظة يعبر في خاطره حقل برسيم،...
    وبابورو مشى التن تن، ياااخي بِرا الوزين،...
    يفسد الأمر، يفسد الأمر، النيّات المقطوفة من الشجرة الخطأ على الدوام تُفسد الأمور،...
    كانت هناك حفلة قريبة من بيتنا، وكنتُ مخموراً أقوقي، جاءتني بنت مَحَنّة سالفة تركض، تعرف مودّتي مع الأغنية:
    "يا محسن ألحق ألحق، أغنيتك بغنوا فيها".
    فلحقت بالرجل ووزّينه يرعى ساقية ود إنشتاين وساقيتي على حد السواء، لم أتردّد مطلقاً، كما هو الحال، أنا رجل يلتقي بالحياة من ناحية إيمانه دون تردّد، أو لأكن متهوراً وأروشَ، بلغتُه من مكاني ذلك وشياطيني تركض أمامي، عاجلتُه، لم يشعر إلا والميكروفون في يدي، وليده فراغ "العويش"، كما هو الحال مع خيال المآتة "الهنبول" الطارد للعصافير بتلويح الجنائز، يضج الساوند سيستم، طبقات طبقات، تتعالى، بينما أقول به:
    الوزين إن شاء الله اللّي يقلّع بيضاتك من عروقن، يا عنبلوق، الغنا بغنوهو زي ما قالوا الشاعر، والمريسة بشربوها بعبّار ستّها، والله تاني أسمع لي بوزينة منّك في الغُنية دي إلا تبقه أشتر مني!
    الصعاليك الذين يعرفون سكرتي من جركانتهم ومن جنس هذه الأمور،.. يكاونني من بعيد، من الظلام، وبـ"تن تن" لسان الخَمْر...
    "طيّب مااا تم الفاصل مرّة واحدة، تُعوولِم فوقنا ساي".
    بنتمّوا الفاصل، لمّا الشجر يدّلّى من شجرو، والطير يصن،...
    ولمّا تخرجوا من "رسمة" الحياة تلك، إلى فارط الحياة والعُمُر،...
    تحدّوا كلّ شيء،...
    جوع المطارات، الغناء الخمج،..
    وعوج البلد،..
    فكيف سيُخرج أحد زكاته للكيزان؟ وغالب طعام أهل البلدة مبيت القوى،...
    كيف سيغني مغني كما يجب؟ وغالب طعام أهل البلدة قَطْع الجِرّة،...
    كيف سيرشُد أحد؟ وغالب دماء أهل البلدة الجنون،...
    من رائحة الخيل سنعرف، أيُّ يومٍ كان لرايتنا، وأي يوم يرنّ على الأرض من حلق صريعهم،...
    بقلب تلك العاصمة الجاهلة، التي تعدّ قناعها لتتنكّر عاصمةً للثقافة في عام الرمادة،...
    القناع،.. القناع،.. لها ولهم،....
    فالقناع لا يُخفي وجه القاتل من الشرطة، بل وجه القاتل من أن يكون بداية لذكريات الأموات،..
    بداية السكّة إلى.... الخرطوم،...
    المدينة الطرماج، تسير إلى قفاها بأسرع من سيرها في الأمام،....
    عيناها في طيزها، وبصيرتها الفساء،...
    إلى أي خرطوم ذهبتَ يا "ويلفرد ثيسجر"، يا ابن أمي وابن أم منوت،...
    يا من جئت لتراضعنا همجية الحياة وشعلة كهف، يا من قاسمتنا بردف واحد بنبر حبالٍ في الظلام،...
    يا من جئتنا "ويلفرد ثيسجر"، وعدت لقومك زائغ الاسم والقلب، لتُنادى فيهم "مبارك بن لندن"،...
    يا كاتباً بالتوهّم والخطأ "الرمال العربية"، وخائضاً في سيرة البلاد النمل، والناس النمل،...
    أما راجعتَ ابن أمّك "شِنَوا أشيبي" في تحري سيرة البلاد النمل، والناس النمل؟...
    شنوا أشيبي يدلّل اسمه، أو اسم كتابه، لا فرق: "كثبان النمل في السافنا"، والناس من ناحيته، بنيجيريا، يُعدَمون لتسلية مارّة السوق المتبطّلين،...
    ذاك كان يا "شنوا أشيبي" بينما ابن أمّك "المبارك" يكتب عن المدينة الطرماج:
    (ذهبت إلى الخرطوم في مطلع العام 1935م، وكنت يومها في الرابعة والعشرين. لقد قضيت نصف عمري تقريباً في إفريقيا، لكن إفريقيا التي أعرفها تختلف عن هذه. فالخرطوم تبدو كما لو كانت ضاحية في شمال أوكسفورد، مرمية في وسط السودان. كنت أكره الزيارات والبطاقات، وأشعر بالنفور من رؤية الفيلات المنسّقة والطرق المعبّدة والشوارع المرتّبة بدقة في أم درمان، وإشارات المرور ووسائل الراحة العامة، واشتقت إلى الفوضى والروائح والحياة العشوائية في أسواق أديس أبابا. كنت أريد التنوّع والتوحّش والمشقّة والمغامرات، وهو ما كان ممكناً لو كنت توظّفت في واحدة من المدن الصغيرة. لكني بدأت أتذمّر وقرّرت أن أترك السودان في غضون أشهر قليلة)- Quotation of (Arabic Sands) Book
    اليوم، ودون أن نزايد على التاريخ، فأيّما Outsider –لامنتمٍ، يبحث عن الفوضى والروائح والحياة العشوائية، ليلحق بالمدينة الطرماج، سيناله الكثير من الفساء بنكهة اللوبيا والفجل المحلومان بهما،...
    ويا "شنوا" لا تغالطني طويلاً كالنيل، لأني ما فاضي أروِّح عمري معاك رحيح،..
    لأني مشغول يا "شنوا أشيبي"، مشغول جداً، بالعمل على خلق جسم مبتكر في كيان الرواية، بالله يا شنوا كروائي قديم، أنقر معانا صاحبك "ويلفرد ثيسجر" شاف خرطوم المحن ديك وين؟
    خمّن بحدسك الروائي، شاور ستّات الودع، ناس الأرصاد، والطير الخلقو الله عشان يكوس،.. آآخ، مَدَنْكَلة العذاب، يا تيموليلت،...
    سأفرط هذا الوريد عن طريقه، فتبلغك الروح منّي، فجسدي الدراوي هذا شامةٌ من ذاك الحريق، وغُرّةٌ سوداء تصدّ الصلوات عن جبيني كلاعب "الضَقَل"،..
    أنا الهارب من المعركة، كما ليس هو "الهارب" عند فالنتين راسبوتين، أنا ما تكسّر غَرَيناً على صفحة النهر، شائكاً كالنهر، من "صورة الفنان شابّاً" إذ لم تملأ بالجبخانة كما يجب مقبرة "جيمس جويس"، من قال إنّ "عطيل أكذوبة؟"،...
    أنا ألف عُطيل غير خفيف العقل،...
    عطيل رجل فارط القلب والحنان، يخرج على الناس من العشش أو أقرب "عَشَرَة بيوت"،...
    الكتاب ماعونٌ للمحو، مثلما هو ماعونٌ للكتابة،...
    هاهنا، سنمحو ونكتب سيرة تيموليلت، في رهان مع محو وكتابة سيرتي، وسأكف وإيّاكم عن الخوض في حالها وحالي،...
    سرحت لزمن طويل، حتّى تكرّفست البيجاما على جسد تيموليلت، لعامل اللدونة، ولعامل أن تزيد النتوءات منها وفي قلبي،...
    قلت لا بد أن أفسد هذه الأسطورة لكي أعيش،...
    إنّها فاتنة من الدنيا بأي حال، وحتّى لو كانت من الخيال، فالخيال نفسه كالرؤى موضوعة دنيوية، ما الذي يمكنك أن تأتي به في خيالك وأساسه ليس من الدنيا، البنت الخيالية جداً مثلاً، أو بنت الخيال، هي ليست فتاة مبتكرة في أساسها، وإنما فتاة سوبر بمقارنتها مع فتيات من فَريق حِلّة فوق وطبيعيات،...
    فاطمة بنت الجيران –في طريقها إلى المدرسة، حلوة، لولا آفة القِصر،....
    سميرة تمدّ يديها فوق طاولة دكّان منصور لتتناول الدقيق، فارعة وحلوة، إن لم يكن صدرها يكاد يسقي منصور بطول تبهُّله،....
    سلمى يا الله، "أتجمّع أنا لها من كل ناحية مني ومعي أولاد المدرسة"، مكمَّلة، لو ما كانت فيها حبّة عوارة "خفيفة العقل"، وتُكثر في استخدامها لكلمة "هناي"،...
    وما بنت الخيال؟ الطول الغائب عن حال فاطمة + التكوّر الغائب عن حال سميرة + سلمى + رأس لسلمى،....
    ونحن لا نخوض في معيارية الجمال، وكذا باقي الحال،...
    أنا نبي جاهز، فافهموني، افهموني، واملؤوا قِرَاب الماء والسيف، وكونوا جاهزين،...
    فما خلعنا بيضتيّ ذلك المغني السخيف، إلا لإخصاء الجهل والتكرار،...

    سيمو: (تمسح الأُمومة وتكتب تيموليلت)




    أنا المرفعين،..
    أشيل رجولي علي حُجار الجبل، هوب هوب هوب
    والعواء يَنْسَنُّ وينشحذ على حواف الصخر، يُطَرِّق المرفعين صوته في جُملة أصوات المؤذنين،...
    هنا مدينة من "المح"، شفائف مخلّلة بالشري والنبيذ، نمص السَّكَر من عروقو، والفتنة من تُرَعها الراكدة بالدم، الشفاه،...
    يا مدائن "ألن غينسبرغ"، يا مدائن زعيم البتنكس حي الله قُومي،...
    أشيل رجولي علي المدن الطاعون، هوب هوب هوب
    وأوصل مبيتي ومعاي حق المبيت،...
    حيَّ يا لَبَّ الشجر للشجر وقَّافي
    وحيَّ يا شوق الطيور تحت الرفيف متخافي
    الليلة الكلام أجرح من كلامو
    البنات ويقود،
    والمرايس رايبه روب،
    ويا ليلنا الطويل، عوّافي

    وأوصل بيتي قرقور المرفعين، الليل الأملس وممسَّح بالزيت، أنا لن أعيش حياتي كَعَرَض للحياة، ولن يبلغ شَقَّتي شبحٌ ليتأسرن في الأُسرة بدلاً عني،...
    الليل نادل كبير،..
    يقسمنا مننا وفينا في فت كاس، نصف وَنَسْ ونصف شلهتة،..
    تدير تيموليلت كاسيتة أو شريط لـ"ناس الغيوان" والغناء يتلخم فينا وفي الوجيب الفيهو يدخلنا سريح سريح،...
    والغُربة بمَصْرها لنا، لو كانت تشرّنا على درابزين السياج كنّا سنقفز من بلكونتها إلى الطريق، أبداً، كنّا منديل قبضتها،..
    ناس الغيوان: آآآه وا ندامتي، مَالْ كأسي حزين ما بين الكيسان
    الكورس:
    آآآه آآآآلصينية، وآآآه يااا الغربة،....
    نَسْمُوا و نَسْمُوا، نترك بهو الشقّة، أرضيّتها المُرَبّعات مُرَبّعات، أريكة تنطّط فوقها أشباحنا، الشبح قالب لطوب إنسان ما انضرب لسّه، أو قالب لطوب إنسان آخر، ما عجبتو ملامحو على بوخ الحصى، ونصعد نصعد، نخرج من جفيرنا ونصعد، نتعنقل التلاتة في بورتريه تاني يكون قريب من ناصية بورتريه العارف محمود،..
    ملائكة ملائكة، سريح سريح، صينية صينية،..
    وكل كلام في تلك الساعة مدفوع بنسخة ثانية منه، وبنسخة من ملامحٍ لنا أخفت من وظائف للوجه مشرورة على العظام، وأثرى من تفرّعات اللحم،...
    الآن حفريات على الوجه، لا تخص وسيم وحلوة بأي نظرة، لا يهمّها شيء، ولا حتّى إنجاز مرحلة في الاستدلال والتعارف ناهيك عن التوصيف،..
    آآآه آآآآلصينية، وآآآه يااا الغربة،.... الكورس: آآآلصينية...
    يصيح "ناس الغيوان" كلهم، ممكونين،.. (آآآلصينية)... حينما يغشاهم عَبّار الليل،...
    الصينية بمعنى اللّمة للأكل، مع الأسرة بتمامها، الطبلية في مصر، وفي حالة السودان يخذلني قاموس عون الشريف قاسم لأعثر لكم على مرادف، فما بين -الديوان- وبين عورة مخازن النساء يركن أصغر فتى في البيت درّاجته لوردية الخدمة،..
    يخذلني عون، ولكني لا أخذل فتى الدرّاجة، الفتى تفوّزه حَيْرتي في سباق، فمع شُح صحونه يعثر على رديف،..
    الليل نادل كبير، يلمّنا فاضيين، وفي بالو يقفِّل من التعب،..
    ونَحْنُ لَسْنَا منكتّين أغبياء، لنطالبه بواحد طلب من شطّبنا،.. كلا،..
    نحن نُشَطِّب معه، وندّخر النهايات لعروق نهاياتها،..
    ما نعستِ ياك؟ تسألني تيمو.
    وقولي نعست! يعني أنا منك لسيمو ناقصني النوم؟
    ربما ترثي لحالي:
    "أكلّم مُنى تجيك؟ تُعزّك هي، صارت تحبك، ماذا فعلت لها؟"، تهشني تيموليلت بعيداً،...
    من بُعدي ذلك أفلقها بحجر: نكتها من وراء،...
    آويلي آويلي، ما تحشمش، مريض ياك؟ تسألني هي، ثم تضحك فيتسمكر الشغف، عيناها تضيئان بلمعة ندى بديع وباقي السَّكَر، ضحكتها تلف هالات هالات، ترفرف على وجهها كله كالفقاعة، ثم تذهب لتغطس في عينيها وتستحم بنداهما، تغرف تغرف ويتطاير الندى، يا ديني هذه الضحكة-البسمة، "جناح عصفور" راعشة ومبتلة ومتشظية ألوان، ملكها، ملكها وحدها، لكم هذه الفتاة ثرية، ولن تخوض يدي في جيب حالي بحثاً عن ثمن تذكرة لرهان ما،...
    أضحك أنا، فيتسمكر حرمان الحرمان،...
    الحرمان يتشتّح مطروحاً على الأرض، ليضاجعه نمل الغُربة اللحوح بتقاطراته كلها، يتناك نملة نملة، فيحمل بي منوي في ضنب منوي،.. ليلدني قويم كائنٍ واحد، خمّنوا ماذا يكون؟
    أقول لها، من منا المريض؟ برضو أنا جُوَّة الخط، الآوت وفاول كمان الله عالمبو!
    الرجال كلهم يتزحزحون الليل بطوله، ليؤبِّروا المرأة من الخلف، أضيف أنا،...
    "ليسوا كلهم"، تحتج تيموليلت،..
    أتحداك، الكذب وحده من يضعهم في نظرية كلهم وبعضهم هذه، لو كانوا بلا أقنعة مثلي لعرفتِ مزاجهم على حقيقته،..
    خيَّبتيييها يا، خيَّبتي الهَدْرَة؟ تقول تيموليلت، بينما تنخفض نحو الأرض لتغرف سيمو من جواري،...
    أضحك بدوري، ولا أسألها: هسي البتعتِّلي فيها دي مودّياها الكَشِف؟
    سيمو من اللين تدفّق وتسيل مثل مولاص السُّكَّر، الشراب كافر يدفّق النسوان مني على الطاولات هَدْر هَدْر، تَبَخُّر تَبَخُّر، وعِبِّي فضاء فوق الكائن الصاحي وممكون،...
    تخمخم تيموليلت البنيّة اللادنة جقمة جقمة،...
    ترفع تيموليلت رأسها وتقول: بغيتِ "مُنى" نعيطلها ياك؟
    لا، شُكراً،..
    بغيتِ شيء واحدة لوخرا؟... أي أُخرى،...
    لا يا تيموليلت،... أُعابثها... أنا إن شاء الله أموت ذاتو، مُش مهم، أهو قاعد هنا يونِّسني النبيذ وأونّسو، والليل يقول لينا نكتة، بس إنتِ وسيمو لو انغرضتو في النيك أب ولادة، والبِقد السدادة، ويأكِّل الواحدة منكن الوسادة، ويحميها تقلب الشهادة، قولوا عووك،..
    والسجع على وزنة عصر ابن العميد هذه، نكاية في إيتل عدنان،..
    تضحك المسخوطة،...
    تغمغم بمرح لا أفهمها معه جيداً، وتأخذ مفتاحين من طبلون المفاتيح المعلَّقة. هناك مفاتيح كثيرة لفتيات الخدمة في البار، تحتفظ بمفتاح وتناولني الآخر -تُلقي نظرة في المرآة الواقفة لجوار طبلون المفاتيح- هي تحتفظ إذن بمفتاح دربها إلى المرآة الثانية، المرآة الآدمية –سيمو، ثم تُسَرِّح شعرها في مرآة الزجاج بأصابعها فحسب، وتذهب لتتبادل الانعكاسات العميقة مع ذاتها الأنثى-سيمو،..
    أنهضُ قليلاً لأتناول المفتاح من يدها، يبرز وجهي في المرآة الزجاجية، أُسَرِّح مصيري وقَدَري، ليس في المقابل، ولا في الموازي للحركة التي قامت بها تيموليلت، بل في غارق جهة لا تبين،...
    أتذكر فتيات الخدمة، بار تيموليلت، الفنادق، الطيران، المؤسسات،...
    الجِدّية المعطونة في الحلاوة واللباقة، المساخة الخفيفة والمحنَّكة لزوم لجم الجامحين من الزبائن،..
    فتيات خدمة البار يُقِمْن في الشقة المواجهة لشقتها، الباب مفتوح، تلمح إحداهن تيموليلت بجوار طبلون المفاتيح فتبدأ استفتاءً ما:
    ... آلشريفة؟،... بغينا؟،..
    تُؤشر لها تيموليلت بالانصراف دون أن تدعها تُكمل،..
    الليل انمحق خلاص، ولم تعد تيموليلت تُميِّز طيزو عن طيز سيمو،..
    خُطا فتاة الخدمة المنكسفة قليلاً تبتعد في الليل، خُطَا ثانية ومسرعة لأُخريات تتوزّع الممر، طَقْ طَق طَقْ، الكعب العالي، القفا العالي ومزاج ومنتهى الشهادات العالية، أعرف من وقع خُطاهن زنة الردف من كل عابرة فيهن، يا لني من مرفعين عاطل،...
    تمضيان ناحية غرفتهما، وكُلُّ واحدة منهما، تشتل جسدها في الأخرى، وأبقى وحيداً، لا بَرَم ولا عُلّيف لي، ولا يُشاتلُني إلا الشراب،...
    أتظاهر بالصلابة والحسرة تطلع من منابعي إلى أقرب باب شارع جُوَّاي، تضع كُرسيها وتصنقر في درب الروح، نداء أهلنا الشوايقة يزيدني من اللؤم المفلس:
    العُمُر لا حَدُّو
    والمَسير لا مَقَدُّو
    البريدنا نريدو
    واليابانا قَدُّو
    الحسرة تصنقر في درب الروح، تُكَفِّر المارَّة بسرحان مشيها:
    معاك سَفَّة،... ولعة يا حبيب،...
    جِنّي يبقه قِبلة ومشهاد صلاة، وعليهو جنس وضوء من الهيمان، لا تشطبه المؤخرات مهما ترنَّمت وزمبرت، لأُكافح في أعماقي النداء الآخر:
    الليل برد وكلو زول طَبَق بُرِّيبتو
    وخَلُّوا المتلي راقد في السَّقَط.. وا صيبتو
    أسمع مشية تيموليلت المستأنسة من جديد، بداخل الغرفة، وَضْع الفينشينغ لتلك الليلة، زلقات الشبط الخفيف، الشبط المخصّص كسمسار بين سرير شخص نعسان، وبين مفاوضات دولابه وتفاصيل آخر الليل، اللمسات الصغيرة والأشياء القريبة، في حدود أن تستبدل لسيمو قميصها بقناع قميص، ستيان متهاون وغير جاد، يبتسم في جهة ويشرد منه الحليب في جهة، تسليم حَلَقهما للدولاب، الغوايش والسلاسل الرفيعة والرقيقة، ما يؤكّد قيمة العنق والزند وليس قيمة الذهب كما هو الحال مع نساء السودان والخليج. شبط خفيف، سمسار، يادوب بووم بووم يسوق قِطار تيموليلت وسيمو للحمام، لأجل كريم أو لتفصيلة نسائية –خاصة بالليسبيان- ليس بوسعي توقعها مهما خمّنت، بووم بووم يجوا راجعين، ترلّة وراء ترلّة،..
    تخت الخمسة وبرضو معاك الخمسة، ينزلق الشبط مختصراً هذا القطار لدى صنفور، زَلْقة مَنْ رفع رجيله على السرير، ليضرع بهما من بعد في دعاء الجسد،..
    فيهلوس بي الشراب، في أسئلة الرجل الأميبي، وليس الشفقة على وجودي ولا الرثاء على المآل،..
    إيه الخلاني ضيعتك يا روح
    وعَمّدك في ريفي الحزين؟
    لو فكرة جابوك من وجود
    ذي حداشر بُعُد
    الباقي من أبعادي وين؟
    ومن قبلك كيف كان طقس الكلام
    وآدم صانِّي طين

    مخلوق صغير وفانٍ هاهنا يا رب، حكمة صغيرة وهالكة لا محالة، تنقر أيامها كعلبة التمباك وتستمخ،..
    هذا أنا يا ربي، محسن خالد، أنت دائماً تقول أيها الناس، وأيها المؤمنون، ويا بني آدم، أو باختصار (أيها المبهمون – أيها الـ"س")،.. ولكن هذا التعميم، أو وجودك الذي خلقته بكامله، هو في الحقيقة الشخص فحسب، أنا محسن خالد، لستُ الناس ولستُ "س" ولا "ص"،..
    زول "محسن خالد" له اسم وليس رقم، كي يتحدّد مصيره وتوابعه بدقة، وكي يجنح به الحال نحو أقدار مُتَعَيِّنة، وكي لا تُسقطه مشغولياتك مع العباد الكثيرين في الرمز وحال الرياضيات، زول بعضَ روحٍ منك، خلقتو سمبرية وسُقدة في فت رقبة ومنقار، تنقد النهار كلو، وتتلفت الليل بطولو، وبعد دا لا حايقة في دنياها لا حايقة في التوهان عليك ومنك،...
    جسدي مزنَّد نار تمددو في كل اتجاه، دبيب غربة وسندالة حلب يطيّعوا عليها شفاف الروح، وتندق عليها الأحزان،..
    روحي تتشقَّق من وجيبها أرواح في تصاريف أرواح
    ليلي أليَل من ليلو، ونهاري أشرَق من إملاء تديها الشمس،..
    وكل حاجة مني داشرَة فوق ما عونها، وأبعاضها تشتر أبعاضها عن قصد وبواقع التكوين،..
    أنا لستُ منحطَّاً كسقراط، إذ يصفه نيتشه، لأعتمد على العقل وحده كمُنجَز لي،..
    أنا فنَّان وأعرف ألعاباً أكثر استكناهاً للوجود ولك من العقل،..
    أنا المفكِّر من النوع الذي يُرصّص الأشياء بفأسه، كما تُحفر القبور وتُشَق الترع وتُزرع الأشجار،..
    يغور المُفَكِّر أب مسطرينة، يملِّس يملِّس، حيط لا تحتمل حجاوي المطر،..
    البيني بينك يا ألله أكثر من طاولة المحاسبين وكُرسي استجواب،...
    وبرضي بعَقَاب الخوف الفيني مستغفرك،..
    وبرضي لا أنجو من عذاب التفكير هنا، لعلّ أقوى عبارة كتبتها في "إحداثيات الإنسان" وفي مجمل حياتي: جهنم ليست حَلَّ الله الوحيد،...
    أمَّا حل الإنسان الوحيد لكي يواجه العذابات الكثيرة وأصناف هذه، فهو استئناس هذه العذابات والاستمتاع بها بدل الهرب منها، إذ لا يُجدي، فما معك سوى أن تجنح لاستئناسها بتحويلها إلى عذابات أليفة وداجنة، مثل "الكُرّكاب –صغير الدجاج"، ككووك كووك، كككوووك، ويا أذّانات السماء ضوقي طعم أذّان الأرض،...
    بغيتِ شيء حاجة آلشريف؟ يُوقظني صوت تيموليلت من ورائي،..
    ما زلتُ أتمدّد على الكنبة، فألمح الرداء القصير لصبية المدارس من جديد،..
    مفَاحة الغواية للأفخاذ المستديرة وبندق، مفَاحة تيموليلت طاخ طاخ طاخ، لآكلها ظرف بارود وراء ظرف بارود، فعلاً بت رصاص، مندفعة، حامية ومولّعة، صدر دوائر محكمة، وكذا الأرداف، الأفخاذ، الوجنات، والرصاص بمشي كيف؟ حلزوني، دوائر دوائر، وفي خط مستقيم وقاتل الوصول،..
    الآخرة التي شاءت أن تنبت تلك، تَحَتِل من جديد، أريتها ما قَلَّعت، أنا ذاتي أحتل أحسن من أقلِّع جنازة بحر، تحتل بمفاهيم ادَّخاراتها وكونها بائتة كلها، هاهي الحياة طازجة، وكاش داون،..
    وكمان، مدعومة بعُطب بنيوي لآلة اسمها البشري، من أعلى درجات الارتباط بالحياة المصمّم بداخلها ذلك، وحتى انفلات اليأس،..
    إيش بغيتِ إنت يا تيمو؟
    أغمغم بمرح لن تفهمه هي: أنا قلت لا دربي ودرب قزازتي دي، سيمو كرعيها يكونو بين أب ريا والتريا، في أعرض دعاء للجسد،..
    تضحك، إيش إتقول إنت يا؟ شيء هدرة خايبة ياك؟
    تأخذ قنينة ماء من الثلاجة، وتمر قريباً مني، أديها رصعة، علي الكدايس،..
    القطط التي لم يُؤذن لي بفتح الجوال حتى الآن، لأعرف عددهن،..
    وهولبلب، يا كعوات تيموليلت كم في الميس؟ وهو-وَيْ وَيْ،..
    (أزقا يا- روق ياخ)،.. وتلتفت مبتسمة مع الرصعة، لتصب عليّ شيئاً من ماء قنينتها،..
    يتمرجح بندول الرجل بين فخذي، كينغ كينغ كينغ، تصحو كنائس الجسد مرتِّلة، يترجل المسائح كلهم من فوق الصليب، ويا كنائس المسبّحنو بالمسام، حي الله قومي،...
    التراتيل،...
    قدوُّسٌ هو واهب الإنسان لأجراس العدم،..
    جنس بنيَّة زي دي، وسريرها سيمو، خدّها ينوم فوق خد المولاص، أنا ما أشوف لي حَلَّة فوق نار أبيت فيها لان، شكيتك علي الله يا تَمْلِي موت،..
    تبتلعها الغرفة السايحة في مولاص سيمو من جديد، من حلاتها لحلاة السَّكَر وكلّ اللوادن وموائع، تغار المياه المصبوبة ناحيتي، التي لا طعم ولا لون ولا رائحة لها كما في درس العلوم، تنزل عليّ قطرة بنزين وراء التانية، وأنا أصلاً كبريت،..
    يطير قلبي من حرائق الروح ويقع على أرض جُوّاي في تشظياته، يقع صَدَفة الودع الكبرى، فيجد أنّ تيموليلت هي "الجودلة". إذ ذاك يعم الرمز طريق الحِلّة والبيوت، وعيون نسوة تنتظر تموين الغيب... الودّاعية/ الربَّالية/ الشُّوفَة... ويقع النداء بكامله في حارة الأغنية، الرمز المختزل،...
    الرمز ماعون ما لا ماعون له،..
    البدولة حبيبتي البدولة، هَيْ يا شامة وشامة شامة، شامَة لا..
    وكان المُغَنّي يزيد من عند رأسه، كما كنتُ أظن:
    هووي البدولة، وهَييي الجُودلة، أموووت الجودلة،..
    وهَي يا شامَة، وشامة أوعَ تقولي لا...
    فيمتلئ طريق الحلّة الضيّق، في رأسي، باستبصاراته المختلفة، إلى النهر، إلى السواقي، إلى السوق، وحتَّى المقبرة، ناس يمشوا ويمشوا، لا يكمل عليهم الدرب لا ينولد ليهم المكان القاصدنو،..
    وأقعد أنا في ضُلي وضُل الشراب، مدنقر –متوحّد- وغير مدعو، والله يفوت مع ناس الشمس وناس تانيين، كشكيش كرعيهن البَشُوش علي الرمل، ريحة ريحتن وقرقرابن، العازمن منو يا ربي؟
    أزمان تمتطي ظهور أزمان أخرى، وتقطعان مخاضة الدهر، الحياة مخاضَة واحدة، وكذلك الإنسان،..
    عَرَضاً، تمرُّ تيموليلت لأفهم أنا نقطة ما وقديمة، كتاب "تشحيذ الأذهان، بسيرة بلاد العرب والسودان" لابن عمر التونسي، مُواطِن أعزّ أصدقائي الروائي التونسي والمترجم القاطع عن الألمانية "علي مصباح"، المتخصِّص في فريدريك نيتشه، وفي حب السودانيين على وجه الخصوص، لدرجة تجعله يهاتفني دوماً –ومن برلين- بآخر نكتة سودانية قبل أن تصدر في الخُرطوم، أحببتُ منه "هذا هو الإنسان" ليس لأنَّه كتاب نيتشه، وليس لأنَّه ترجمة صديقي، ولكن لأنه أشجع سيرة حياة مُفَكّرة ومصادمة، الذي يُريد أن يكتب والذي يُريد أن يهندس على نحو جديد، وحتَّى الذي يُريد أن يُعَرِّس ويعثر على عروسة له بالفعل، وينجو من مجرّد التحالف مع إمرأة لإنشاء (ميز سكني) وليس بيت مُحِبِّين، أو الذي يُريد أن يتعرَّف على الـ(CNS) ليُطَبِّب بأسس فاهمة وتضع الجنون في اعتبارها، فلا بُدّ له أن يقرأ نيتشه لدى هذا الكتاب،..
    أزمان تمتطي ظهور أزمان أخرى، وتقطعان مخاضة الدهر، الحياة مخاضَة واحدة، وكذلك أنا،..
    أكون بالجزائر العاصمة، دون مواقيت، أنا حياتي كلها، ورواياتي كلها، تزهد في الزمكانية، أريد لها أن تكون متوحّدة، بَريّة ومُرضعة وحش، وشريدة أبداً، لأجل أن تبحث عليك لهفة ما، اللهفة نَقَّاع الوحشة،..
    - أين هو؟ أين هو؟
    يُسلِّم علي مصباح على الناس دون أن يعيهم،..
    يسأل زميلنا "علاء البيوك -فلسطيني"، أين عُطيل؟
    بدّك الأزرق؟ الأزرق بمعناها الفصيح والسوداني هذا يُعَلِّمها لعلاء التشكيلي السوداني "ناصر بخيت"،..
    علي مصباح وجَوَّاد الأسدي، لا يعرفان لي اسم عدا عُطيل،..
    ولكي تتراكم الصُدَف جيداً لدرجة تُضَرِّي الوهم والحقيقة في جِهَة محاصيل واحدة،..
    أمرُّ أنا مع فتاة جزائرية صغيرة، 16 سنة وغاية الفتنة الطفولية، الصورة والتكوين بالضبط لسلوى، فتاة قصتي "الوجود والوجود الآخر"، الربشة الخفيفة مع ذكاء خام وفطري لبصيرة متقدة، الدروشة، كنتُ أراجع مهاراتي أو إخفاقاتي بمذاكرة البنيَّة مع قصتي، ولَمَّا أحسست بلاوعيها وصِغَر سنّها يكادان التعلّق بي، أخذتُ أتهرّب منها كي لا تُضارّ،..
    تآلفتْ هي أيضاً مع صديقي الكاتب والباحث د. عبد النبي ذاكر -مغربي، استبدلت به أباها المُتَوفى، ولكم هو ذاكر عزاء جميل وهكتارات من الآباء، وربما هو من عَزّز لها فكرة تطوير علاقتها معي، إذ لم يلاحظها جيداً في البداية،..
    نزوجك أحلى روائي، إيش قلتِ يا؟
    وبنفس سُهوم وعفوية رَبْط قيطان الحذاء، تُجيب: كحلوش؟ حلو كحلوش، بس أنا بخاف من الطيّارات،..
    أنزل أنا من الضحك تحت الطاولة،..
    هسي دي يعرّسوها من وين؟ غرقانة كأجمل ما يكون، دايرة تعرّسني! وألا تعرّس رقبتها المسافرة! وألا زول تاني! شِنْ خَبَّرها،..
    بوقاره الشديد يضحك ذاكر هامساً لي: ود الكلب، ما قلت بتكتب الاندراوة وعاجباك، أمشي أمسح القصة الأسمح وأرجل منك دي،..
    عَرَضاً، من العَرَض العميق كوجودنا نفسه، نمرُّ أنا وهي، تتعلّق هي بشنطة أوراقي الصغيرة إذ تخجل من مَسْك يدي،..
    لدى المدخل، يلمحني الروائي التونسي "حَسّونة المصباحي"، يصيح من مكانه، فين رايح بالطفلة آذبي؟.. ثم يقهقه،..
    الظنون السيئة هنا مشروعة طبعاً، لأنَّ مسرح الأحداث، الهول العريض بفندق الأوراسي،..
    آجي آجي آخالد، ينادي هو، وأتطارش أنا،..
    حَسّونة المصباحي لا يتفوّه بمفردة مطلقاً إلا ومسبوقة أو متبوعة بمفردة "ذِبي"، هي عادة تونسية في المزاح،..
    ألفُّ بعيداً عن طاولتهم، فينادي صوتان بتوقيت أمكر ما يكون،..
    "ينعل عَرْضك، يا ملعون، عُطيل"، ينادي بها جَوَّاد الأسدي، الذي جاء لإقامة أحد عروضه المسرحية هناك، الرجل عبقري والمغرب الكبير كله يحبّه،..
    "عُطيل آشقي، من الصباح ندورو عليك نحن آذبي"، علي مصباح،..
    يلتفت الممثّل المصري "محمد رياض"، لدى الكاونتر، يضحك بروحه الحلوة،.. الله! إيه الحكاية يا جماعة؟ دا أنا كنت فاكر عطيل دا حدوتة،..
    يطير قلبي من حرائق الروح، قلنا، ويقع على أرض جُوّاي في تشظياته، يقع صَدَفة الودع الكبرى، فيستلهم تيموليلت كلعبة عميقة في أقيام "الجودلة".
    كتاب "محمد بن عمر التونسي"، الذي يُقَدَّر لي مراجعته وتحريره ووضع كَشَّاف حضاري له، يخوض في سيرة "علم الرَّمل السوداني"، كما يُسميه ابن عمر. فتنشرح لي تلك الأغنية القديمة،..
    هووي البدولة، وهَييي الجُودلة، أموووت الجودلة،..
    وهاهي رسمة الجودلة –الرمز، في الكتاب:





    ويشرحها ابن عمر: (الجودلة، وهو شكلٌ سعيد، يدلُّ على الفرح والسرور، وأنَّ الحامل تلد أنثى، وأنَّ الأمر يأتي على أحسن حال).
    يعني الجودلة، هي الطوطم أو الفيتيش –للكُس،...
    رموز "الرمل" كلها 53 رمزاً، أها آذبي! لو صدقت قراءتي للجودلة، فأين تلبد أنت؟ منذ افترعكما ربي وأنتما توأم، لا تفترقان أبداً، سكّين وجفيرها،..

    وهذا اسمه "العتبة الداخلة"،.. عتبة وداخلة،




    ومحسن خالد ما بفسِّر وإنت ما تقصِّر، يقول ابن عمر: (وهو شكلٌ سعيد في جميع الأحوال. فمن كان أوَّل خَطِّه هذا الشكل أو ثانيه، إن كان مغموماً زال غَمُّه، وإن كان مُتَرَقِّباً لمجيء غائب، قَدِم عليه سريعاً، وإن كان مُعْسِراً زال عُسْرُه).
    ولاحظ أنّها أشكال سعيدة فحسب، دون أن يستثني منها كما هو الحال مع بعض الأشكال السعيدة الأخرى، إذ يحذف من سعادتها كأن يقول، إلا في حالة المرض، المريض يموت، أو إلا في قبض الدراهم، يطلع شيك طائر، وهكذا،...
    أجي يا يمّة، أريد الله، محمّداني العتبة،..
    محمّداك، أمشي ولِّعي حُفرة دخانك ساي وأنبسطي وأبسطي رفيقك، تقول علوية الربَّالية والوداعية في آن، فتجيبها المُحمَّدة بالعتبة مقرقرة:
    عاد يا يُمَّة إنت لسانك لسان حَلَبة وفالت، ..
    من ناحية أخرى، ومحزنة، تدافع علوية "البائرة" عن قصة وحدتها،..
    "عاد يا يُمّة إخير أنا، اللساني وحيدو فالت، إنتن هووي، أسمعن يا نسوان،.."،..
    تخفت الرجَّة قليلاً، والمنتكية منهن تزيح فنجان قهوتها من أمامها بظهر يدها، وتُمَيِّل ناحية علوية الضحّاكة ومضحكة، تواصل هي:
    هووي آنسوان، بركة أنا الفالت لساني وحيدو، نعمنكن كلكن، القاعدات هنا ديل، جُملاتكن فالتات،..
    وينطلق القرقراب والمَقَارَصَة،..
    "شكيت محنك، أم سبيع دِقَق،.."،..
    "عاد علوية اللّيلا جنسو برا"،..
    آمنة إمرأة مؤدّبة وتقية، ذهب بها ابنها العشريني إلى الحج، تعارض النميمة والفُحش منذ رأت قبر الساكن أم صيني:
    كدي آبت أفتحي الشي دا، -الراديو-، إمكن تجينا مدحة، علوية شدّاها عاد،..
    مافيهو حُجار آخالتي آمنة، تزوّر البنت، فهي شابة ومراهقة، طاعم لسان علوية الفالت وألا المديح؟
    حاجة آمنة إبليسة: عاد إنت آلممحوقة! عاجباك طمسة المطموسة دي، تمدح آمنة، للشيخ علي المبارك "الصوت الجارف والوحشي"، فَذّ الجمال:
    شوووقك شاويني
    طاااهِا يا الساكن أم صيني
    وشوووقك شاويني
    ***
    آآهييي...
    لاحن لي بروقاً من جيهة البلد الفيهو يقيني
    ويا ألله تحلحل قيدي توديني
    وشووقك شاويني،..

    مدحة آمنة تحمّسها، تُغبِّش لها جيداً غواية علوية، فتقول: هووي آعلوية، كان كدي قولينّا قوموا ساي، خربتيهو الكلام يا بت أمي،..
    (خيبتيييها الهدرة!)
    تطالبها النعمة، صَرفاً للغلاط، هَيْ يا يمّة ختّلينا الودع، والله (الربل) المسيخ وأب ريحةً رجال دا بمرق لي الجبنة من نفسي،..
    لا عَجَب، فالغيب ضرب من ضروب أمزجة الناس،...
    تدلق علوية جُراب الودع الصغير، على خطوط الرمل في ضارب الأرض والقَدَر، ثم تستعدل كَشَرها، تُضايره، كي تتكلم، أصابع يدها المعروقة تنغرز بين خطوط وحَبَّات مصيرها، صَدَف الودع، وظيفتها أن تُفَلِّي مصيرها ومصائر الآخرين إلى الأبد، إذن لن تجامل أحداً مهماً كان في الطريقة التي تقضي بها يومها، أو تُعَبِّر بها عن حالها، والوحدة تساعد الإنسان على استنباط السخرية، وملاحظة الوجود بمشرط. الذي بوسط القطيع لا يلتمس من وجوده سوى أذناب من معه وجشاءهم، والتفاته مع ضراط كل من ضرط،..
    "هووي يا آمنة، أملي بطاطيرك ساي، وخلينا من علم أبو جليقة الليلك دا، الساكن أم صيني فوق عديلو، سمع أضاني دي، قالوا راجلك محمود سروال صلاة الجمعة ما عندو ليهو طَبَيق"،..
    "التاية" قرقارة وكاواية هي الأخرى، كدي يا يُمَّة، عافية منو محمود ود عمتي، باقي الأسبوع أم ميطي ساااي مع حاجّة أمونة، وصارعِني وأنصارعَك؟،..
    النسوان ملاعين، وأفحش وأشطن من الرجال حين خلوتهن، حاجّة أمونة إمّا أن تحرد حجّها، وإمّا أن تحرد تتبع أخبار ولدها المغترب، حيازة علوية،..
    (أملي بطاطيرك ساي) هنا الريف تيكنيكس، الحُلُم،.. الحب،.. الأخبار،.. السينما،.. أفلام البورنو،.. الفياغرا،.. ومجمل حياتهم ينجزونها بتحلّقهم حول صَدَفة الودع الشيطانة هذه، والمأمول لها أن تنفذ عبر السرمد والعوالَم الخبيئة كلها وصيرورتهم القاسية،..
    كنتُ سأجن إن لم أعثر على رواية (شيفرة دافنشي: The Davinci Code) للكاتب (دان براون: Dan Brown)، ولكم خذلني الرجل وكتابه، وهكذا هو الحال معي دوماً، مع مثل كُتب الدعاية والإعلانات هذه، كُتب يؤلّفها الشخص ليكرّس فكرة واحدة ولا يهم إن كانت غبية أو ذكية، لأنها بالأساس تدلُّ على محدودية كاتبها وركاكته، الركاكة نتيجة حتمية لضعف الخيال وغياب بصيرة الإدراك وبطء الدماغ، مثل هذه الكتب تقبلها كمقال عمومي مزعج، أمّا لو خضت معها في البناء الفكري والفني والتفاصيل، إلا تدفع ليها حق المبيت في رأسك من جيبك،..
    خلاصة الرواية، صفحتها الأخيرة، ينتهي المؤلِّف بالعمل كله إلى الرمز،..
    السيف رمز الرجل، بشكله الأقل شيوعاً كما يقول "براون" ليرسمه هكذا:




    وإذا رسمنا الشكل نفسه على نحو مقلوب، نحصل على رمز "القدح"، مُمَثِّل الأنثى:






    وباستدخال الرمز الأول على الثاني عمودياً، الناتج:




    نجمة داؤود، الاتحاد الكامل بين الذكر والأنثى كما تثرثر شخوص المؤلِّف،..
    مجمل الكِتاب (هنا اليهود)، انظر بنفسك خِفَّة العقل والضحالة، الكاتب أو الفنّان بحق لن يُكَرِّس نفسه لقبيلة ولا لدين ولا لأي أحد أو جهة سوى الفنّان فيه، ليس الفن للفن المستهلكة والتافهة هي الأخرى، بل الحرية كميزة أساسية للفنان الحقيقي،..
    في دينكم وذمتكم، رمل علوية الفوق دا، ما مدروج ومكرّب أكتر من الشكل الأقل شيوعاً والكأس، لأنّ رموز علوية نبتت من الطبيعة –الحُرَّة- وليست من فكر انحيازي مُهَرِّج وصغير،..
    أسمع الهمهمة المعزولة لمخلوقين يصطرعان والعدم، صوصوة الأنثى ومنقار الحنان، عَجْن الرائحة برائحة من تدرّجاتها،..
    أنا يا ربي أغمس ريحتي دي وين الليلة، أشرّها في رأس ياتو شجر، كان يشيلها غُراب ويشيلني نوم،..
    وبرضو الشجر يكلكل في كرعيهو الجدول، الضحك ما شَرَطَك عاد،..
    من غرفة تيموليلت، أسمع الهمهمة الخافتة لموسيقى "تريستان"، يوزّعها شاب مغربي كاسر العبقرية، يا راقية وبراك إنتِ يا تيموليلت،..
    فأرى وجه نيتشه، الذي يجلس في الظلام، هذا أنا يا نيتشه، يا عدوَّ سقراط وشكسبير والفلاسفة الألمان إجمالاً، يا عدوّ الأيقونة المجتمعية ومُقَلِّب القيم، ويا صديق ستاندال والموسيقى مثلي، ويا صديق ريتشارد فاغنر بـ"مولد التراجيديا" كلها،..
    اليوم ليس بمقدور الموسيقي أن يصادق كاتباً أو مفكّراً، لقد انتهى زمانكم، زمان العباقرة في كل شيء، الموسيقي الذي بوسعه مجاراة الفيلسوف، ذاك انقرض، اليوم مزيكاتية يجارون الراقصات هَزَّة جعبة تلو ترويب نَهَد،..
    أعرف أنَّ الأرض ستُقَشِّرني ذات يوم لدود مَعَجَّن، طبعو شين، وبتاع ملاين،..
    ورغم ذلك، أُفتَن، وينملص الدين مني بخوفو وكلام ربطيهو زي شبط،...
    حين أسمع الوحوحة وقِرْقِر الخافتة ومتقلِّبة، مرّة أسمعها من جهة فوق، وتانية من جهة تحت، أتلفَّت، الشَّقّة بنكهة طراز الأندلس القديم، هناك فتحات عُلوية للطابوق قريبة من السقف، بتتباصر، بس أتطفل يا ربي وألا بتصبح أتجسس؟..
    يا خوي بتصبح الدنيا، إن لم تطابق دربك ومصيرك كروائي ومفكّر شرس،..
    آه، تذكرت، الممر يتدلى بعيداً في سرداب، السلّم الرشيق مساهر هناك، فتيات الخدمة ينزلن به زجاج الشراب وعلب البيرة من الرفوف،..
    سَكَر الجنائن وشجر الفواكه ناسو خلاص ناموا، أها يا محجان الكنوز دَلّي لينا سَكَر الناس، ناس تيموليلت وسيمو البرمو في الشوك،..
    الليل يحدّثو قلبو معاي، أها.. أها.. عديلة يا ود أبوي، ونجيب سلّمنا، يطقني علي كتفي وأطقو علي كتفو، الخائن الله يخونو، والبنشوفو ندفنو في محلّنا دا،..
    يشاغلني الليل، لكن أنا دفني ما قالوا كراعو برَّه،..
    إخير إنت، أنا كمان جَبّانتي نص الكتب، أقوليهو وتشيل حِسَّنا ضحكة أظرف اتنين قَوّالين،..
    الليلة يا ود الحرتي تشوف الزرّيعة ورُبط البرسيم ببتّقن من براهن كيف!
    الليل يتاوق معاي من جسم مبناه الأساسي، شُرَف وبلكونات، نجلس في همبريبها، نقرمش تسالي الوجيب، ونكتح قُنَّانة المُر والعذاب،...
    قلوبنا البندق،..
    قلوبنا الكرباج،..
    صج صج، جبتك جبتك، يطيع ضهر العذاب نستأنسو، نسكّنو زرائب الطيور ونوّلفو طعم عَليقة الكُرّكاب،...
    ككووك كووك، كككوووك، ويا أذّانات السماء ضوقي طعم أذّان الأرض،...


    يتسلسل: تيموليلت




    أخذتُ....
    من اليم... لا عنوان المياه،
    ومن الليل... ما غاب عن نهاري





    تارتا.. تاتاتا.. تارتا أووووه، أوووووه، تارتا... هاك لون حُزني...
    تارتا.. تاتاتا.. تارتا أووووه، أوووووه، هاك شتول من عُمري،..

    تيموليلت، الكائن المبلول بالموسيقى، يمشي و(تارتا.. تاتاتا.. تارتا أووووه، أوووووه، تارتا) تنقِّط وتنقِّط،..
    الجمال لدى منتهاه الحزين، والحرمان خارج حدود الرحمة، حينما يُصِيغان نفسيهما في خلفية موسيقى حزينة تركض من وراء كواليس العمر والروح كلها،..
    أنا هنا في فَرَقَة كبيرة من الوجود، مجقِّماني الغياب ضفة ضفة،..
    فَرَق الأرداف، فَرَق التبُّون، فَرَق النهود، فَرَق أحبار الجسد ونُخالة الرهبنة،..
    الفَرَق يكون حين يغلُب على المفروق حنانُه، فيتصدّع، لينسى للآخر مقاعدَ ومجارٍ لسبك الذات بأختها، سُكنى تكافح تصدّعها بردم التشظي بتشظٍّ مضاد،..
    وآه يا فَرَقة ما بين السقف والجدار، وما بين قامتي مشتولة بين فَرَق السُلَّم للبصيص والفُرْجَة،..
    كي نبلغ الأعالي.. فنرى.. الأجساد من تيمو وسيمو تقفزان في امتلائهما وفراغهما اللامحدود، في بحيرتهما الأزليّة والآبدة،..
    يا نادي الغمام، بلياردو النجوم، تح تح نهدّف بعصي الضو فجاج المجرّات،.. هناك على الأرض، شفت بحيرة نور الشافعة تيموليلت، من نَقَّاع السماء طَقْ طَقْ اتصفَّت شمس فوق شمس،..
    أردافها البيضاء والمصقولة لدرجة الحزن،..
    يا تيموليلت،..
    أوَرِّث عيوني الطير، يطيرك شوف بعد ما أموت،..
    بَعِّدي.. حبيبتي، تقول تيموليلت لسيمو، ممسكة بقدميها البديعتين، ثم تسند لسيمو حوضها بالمخدة،..
    أنا أنط كلي عيون كان أشوف أكتر،..
    توحوح سيمو،..
    أوحوح أنا، وفوقي يوحوح عرش البيت،..
    أنا يا بنقو أسأل مني البنقو،..
    الليلة مراحي النجوم، أدودرها من هَوْ لي هَوْ، وتوووت يا سكّة أطول من بال حدّافات القطار والأجنحة،..
    زول زي محسن خالد من زمن زمان جداً، يطلع فوق رأس قَطَر زي دا، مسافر من هنا لما بعد العُمُر،..
    يلف سيجارتو الخضراء فَتْلَة مزاج بعد التانية، وتبقه المسافة بين الحاجات وبين أعماق روحها تتمشي كَدّاري، وماشيها ماشيها حتى لو ادَّلت روحو من عمرها، أو ادّلى بدنو من بدن القَطَر. بعد كلو ساعة والتانية يعاين في سيجارة البنقو ويقول ليها، أنا يا بنقو أسأل مني البنقو...
    الليلة يا بنقو أسأل مني البنقو،..
    ويا تيموليلت، يا أسلم أمطار الضياء أسلمي،..
    شبابيك السماء مفتوحة.. تاوقي وأرمي منديلك علي التربة، تنكسي الأرض درويش، وحَيْ قيوم،.. حَيْ قُدّوس،.. تبتّق الأرض مساجد وكنائس ومعابد من كلِّ لون،..
    أنا هسي اتكايتَّ كلي في وَكَر الألم، يلقاني جرح كيف؟
    كل محلات جرّيح الحرمان فيني جيوبها ملانة لخشمها، والألم ما باقيلو أي حتة أبعد من هنا يركّبني قَطَر كريمتها،..
    زول أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة في مشاعرو زيي كدا، يمشي وين؟
    ما من بلاد في المستقبل ستغسل عنه صباه وطفولته،..
    أما بلادنا القديمة فعصبنا معقور كيفما تسلّلنا إليها، ورائحتنا معضوضة كلما شاقتنا حوامة بيوتها،..
    لم يتبقَّ سوى الذكريات،...
    كمؤشِّر محطات الراديو، يتوقّع عشوائياً على المحطات:
    "صرّح رئيس وزراء.........."،..
    "كيفك إنت؟... ومالك إنت؟ كيفك؟ قالوا عم بقولوا صار عندك ولاد...."،..
    "وفيه أنَّ الرسول الكريم... كومبارس متديّنين: صلّى الله عليه وسلّم.. عليه الصلاة والسلام،... الصلاة علي الحبيب"،..
    البحث عبر العواصم عن جُملة كونية في الثلث الأخير من الليل، عن ذكرى كونية، عن حضن واسع تنهصر فيه أضلاع الوجود،..
    كمؤشِّر لمحطات القلب، تبدأ ذاكرتي تتوقّع على الماضي،..
    (المحطة س)
    "جارتنا "نعمة" أوَّل من خَوَّض لي طفولتي في لجة الرجل، ولمَّا أبلغ بعد. تعال يا ود البتولا، أريدك أبوي، أجرِ جيب لي زيت من الدكّان، أمسك الجركانة سمح، وجيبلك حلاوة.. ما تتأخَّر، كويس؟ أعود بالزيت، وتكون شقيقة زوجها قد غادرت، وأنا في سن كانت فيها شهوتي بقامة مكافأتها بالحلوى، رغم ذلك لمحت حركةً بين فخذيها أصعب من أن يأتي بها اللحم الخمري وحده، القُنيلا المنقّطة أحياناً والمخرَّمة في أتمم الأحايين، استيقظتْ في أعماقي فرحة لاهية، نبوغ مُبَكِّر لمصاص دماء صغير، مددت لها الجركانة من عند العتبة، فتناولتني بجركانتي، الرائحة، الرائحة المفرطة للأنثى الناضجة، اغتصبتني، دعكتني برائحتها، أكثر ما ضايقني حشرها لفمها داخل فمي، تقزّزت، حشرها ليدها بداخل الرداء، خجلت،..
    لم يفرحني منها إلا دعكها لي برائحتها، واحتضانها القاسي، لو كان طفلاً آخر لانكسر ظهره، ما جعلني أصمد هو متعتي اللاهية والغريرة بذلك ولكوني كنت سبَّاحاً ماهراً في تلك الطفولة"،..

    (المحطة ص)
    لو تزيأنا بخبرة المراكبية، فهم قبل أن تلامس مركبهم القيف يشكّوا هِلِبن، يصيدون اليابسة صيداً،..
    في أعراف حياتهم المكرَّسة للصيد، الهلب شرك ليابسة ما قبل الوصول، مرسى المستقبل. يطير هِلِب ونذهب أنا وصديقي هاشم حبيب الله للقاء صديقنا المستشرق دينيس جونسون ديفيدز،..
    يقول لي الخواجة العجوز، أتعرف يا مستر خالد؟ أنا لا أؤمن بالله ولم أُحاننه بصلاة قط،..
    نضحك أنا وهاشم،..
    ولكنني يا مستر خالد كسرتُ هذه القاعدة مرَّة واحدة فقط، تنازلت لأُصلِّي وأطلبُ طلباً،..
    سألناه متى وما هو الطلب،..
    قال، حين نوى النميري قتل محمود محمد طه، صلّيت لرب يسوع ومحمد، وقلت له تدخّل، لو كان بوسعك إنقاذ هذا الرجل النادر والعجوز مثلي فافعل، صلاةٌ واحدة ومطلبٌ واحد في حياة رجل تتعثَّر فوق الثمانين عاماً،..
    قلتُ لهاشم أتشهد؟ قال نعم،..
    يسألني دينيس، يشهد لأجل ماذا؟
    أتضاحك أنا، لأجل تيموليلت، هناك قصة مصادفاتها تريدُ قليل جرأة مني لا أكثر لكي أخرج إلى الناس كموفَد كتابة، أو كغول كتابة مَجَبَّر بالقَدَر،..
    فرحتُ بالمصادفة، فالحديث لم تكن له علاقة بمحمود أبداً، بل كما يقطع العنجاوي ظهر الراكز، قَطَعَتْ عبارة دينيس حديثنا، هاتفتُ صديقي بدري اليأس فوراً، ليُعَلِّق هو: والله لو أنا كنت في محل الله، كان أوّل شيء أخدت لي تبَّة فوق الخواجة دا، وبَشْرية، وتاني الدايرو كلو أسويهو ليهو، أفو،..
    أنا استغفرتُ الله، ولم أقل لبدري الياس الله اتلوَّم،..

    (المحطة ع)
    كانت مهنتي قطع جريد النخل وتأبيره،...
    من عُلوِّي ذلك أفضح ثياب البنات وهن يجمعن التمر،..
    يا بت زِحِّي، هسي برمي فيك ذب النخلة دا بتحملي بركاوي،..
    ويصرخن، مع تراكض مبتهج، بالخجل المكّار والمستزيد نفسه، ووب، بِدَع بِدَع، عاد ما بسألك،.. يا بايخ،.. وتصيح فيهن مُفْتية: هووي يا بنات لو ضحكتن ليهو رأسو بكبر،..
    أعابثها أنا من رأس النخلة: رأسي مهما كِبِر، ماشي يفوت رأسك دا؟ وحالي دا قلت لامن أشوفك من رأس النخلة يصغر شوية، الناس البقرقروا شدر التبلدي ديك، عشان يخزّنوا فيهو الموية، لو لمّوا في رأسك دا بخزّن ليهم كم خريف،..
    سد خشمك دا يا أهبل، وأخجل لك خجلة، تجيبني هي -ناظرة إلى أعلى النخلة وبحرقة،..
    أنظر أنا ناحية الأرض لأُكايدها، فأرى قَوَام السُّرَّة ينحني وينهض تلفّعه البسمة الرقراقة والخافتة، متى جاءت حَتُّوتة؟
    بالله! هو السُّرّة معاكن؟ معروفٌ أنَّ لها صدراً لو وُضِع مكان الحجر الأسعد لحجَّت الدنيا كلها لتتلمّس بركته بدون فرز بين مسلم ومسيحي وبوزي، أما خصرها فحجّيتكم ما بجّيتكم، أنّ بنتاً اسمها السُّرة كانت تنام على ظهرها، بينما إخوتها الصغار يلعبون عند جانبيها بدحرجة بطيخة كبيرة -جاء بها والدهم من الحقل- من ميمنة جنبتها إلى ميسرتها، وهي ناااائمة،..
    جريد النخلة الكثيف يحجبني بعض الشيء، يا السريرة هووي، يا بت، زِحِّي من مكانك دا شوية، ح أدلِّي الشوال من جيهتك دي،..
    وررر يفقعنَّها ضحكة. تضحكن مش كدي؟ وأضحك أنا أيضاً، حركة استدراجي للسُّرّة لتكون في مرمى بصري طلعت بايظ،..
    أم رأس كبير تقتص مني،..
    يا أخوي بلبصتك دي عارفنّها، دايرة تجي عَدَلك عشان تتمنظر،..
    أبداً يا أم قادوس، دايرة تزح عشان ممكن الحبل دا ينقطع والشوال دا ما أتقل منو إلا لُقَمك الكبّرتيبها رأسك وجعباتك الما بجرّهن هينو ديل،..
    تتلامض أم قادوس: رأسك بالتكسّرو، بلبصة منك وسلبطة بس، نحن مالنا يعني! محوَّطين؟ وألا الشوال من باقي عَقَابنا الفي العيكورة؟
    إنتن ما أصلكن مخفّجات ومكعوجات، والبقع فوقها الشوَّال التقيل دا بلخَّها من جديد، يا ماتت وفَكّت بورتها.. يا كمان لقت ليها أسطى أحرف شوية،..
    تقول السريرة بخجلها الحلو، لتصرف الكلام عن جهتها، هووي أشتغلوا ساي لكن إنتو، الشمس دي ما غابت،..
    مع عبارتها بالضبط يصل صديقي عامر المسخوط، قبل أن يربط حمارته يتناول الكلام، الشمس غابت؟ ودا اسمو كلام يا السريرة، طوالي نناولك لمحسن فوق رأس النخلة دي يختك بدلها،..
    أصفّق له أنا، بمسك جريدتين غليظتين وصفعهما ببعضهما بعضاً، كَرَش كَرَش كَرَش، تهب نسمة ريح، وتصفّق معاي كل مدارس النخيل،...


    عصفور عادي، يقفز إلى الفضاء من ذلك الغصن فوق الشجرة. هو لم يقفز في الفضاء، بل قفز في استعمال يومه. الآن هو يستعمل يوماً طازجاً وبروح طازجة. تماماً مثل الرجل المضغوط بروتين حياته وبظروف عمله، يأخذ إجازة ويذهب إلى بحيرة بعيدة، يشم المكان بخلجات وروده وضَوْع أنحائه ويتمسرح كمادة أصيلة من ديكور خشبته، يخلع ثيابه، خَدَر جسمه السابق، وكلّ ما يرتديه من معرقلات، وروتين، قطعة قطعة، ثم يقفز في إجازته، يقفز في إجازته وليس في البحيرة.
    وكذلك المرأة الباهية، ومشتَغَلٌ عليها، المصوبنة ومعطّرة حتى باطن عينيها والفؤدين، من بوسعها أن تحشي سندوتش ليلٍ كامل، ونزع وحشية فارطة عن مجمل تفاصيل غابتها وجوعها عبر مكاتبة،..
    تقفز تلك المرأة في استعمال ليلها، وكحال كل الأشياء التي تعمل لكونها وجدت نفسها بداخل مهمة وقدر، تعمل وتدور،...
    وكيفاش حال الصحيحة؟ والدراري...
    يا زول كيفها صحّتك؟ وكيفنّو حال الوليدات،..
    هكذا الأسئلة، تؤسِّس على الدوام لحقبة قادمة من هَرْش الجلد تمحّناً فحسب،..
    المرأة التي بوسعها حشو سندوتش ليلٍ كامل، الخارجة لقفز حواجز الليل، في رهان نساءٍ أخريات، على خمسين درهم مغربي لا غير،....
    ورجال وسوّاح دبغون، عائر ليها ذب في روسينها،...
    من استحالت نوافيخهم لمجرّد دباشك في آخر رشاشات المني،..
    وطاخ طاخ، يكوركوا العوين في كل اتجاه من دون والدين، وبوسط ملاجئ من برد الليل وريحة البارود في العطن، ومن كرتة المطاعم ونفايات الهدوم، تُعلَف وتُكسى –تلك الملاجئ- في مبادرة حنان غير مكلّفة،..
    آلزوينة ما نشفكش؟
    وإيش بغيتِ إنتِ يا؟
    واشنو بغيت، زعمه نهدرو وبروحك تقولي ليا...
    ثم يضحكان خارج حدود المجتمع، داخل حدود بعض، في محاولة جديدة لترسيم حدود عذراء وبِكْرَة،...
    فتبدأ المكاتبة بالعيش والذل ومُضي الحياة بأي حال،..
    ويا دَرَبكّة بنات السماح في الدم، وسواقي القلب مربوبة حليب،..
    شوارع من خُطا مُذَهَّبَة، خَطْ.. خَطْ من دم الرجال، وتك تك تك مموسقة، من كعب عالي البنات، أورغ، أكورديون، أو فلوت رخيم الحنان،..
    كيف يعود الرجال هنا إلى بيوتهم مرة ثانية، أسأل صديقي كريم، فيضحك ويدفعني بعيداً،..
    واشنو بغيتنا ندير آلسي خالد؟
    تمشوا ساي وتمشوا وتمشوا وراء الجمال دا، إلى أن تسبقوا الجنّة بميل،...
    هنا جمال! آآآخ، كل رجل يخرج إلى الشارع فهو مفقود،...
    وحتى إن عاد، واستلمته زوجته لدى المغارب فهو في أكفان المفقودين،..
    يا الله خالق هذه الشوارع، يا ليتك خلقتني مساماً للبيوت، بدل هذا المفقود،...
    أنا المفقود كلّه والفقد بتمامه،...
    يتلخم من دَقَّات القلب ضُلّي
    يبرالو زول تاني
    مَرّ من جنبي

    من مدى لمدى، ندخل الحياة، ومن لدى حواف العمر نعبر دون أن تتبعنا ظلالنا،..
    الذي يعبر منّا هو ما لم يكن، والظلال التي كانت تبقى،..
    وشَلْ شَلْ كُب لي جالون،..
    ولا لا لا أنا ما بدّيك،...
    وشل شل المحطة قريب
    ولا لا لا المحطّة هديك،..
    المحطة ظلال،..
    في مجمّع "الرازي" فخر الدين، ما يحوي كلية الطب والصيدلة والحاسوب، وما كان يُسمّى سالفاً بمُجمّع الإعدادية، أمر ليلاً من هناك، وأرطال من لبن الشجر في رأسي، مخلياني أشوف الناس تمشي وتجيء في حالها، وأنا أمشي وأتتعتع في حالي،...
    رائحة شجر الحناء، طاغية وعجاجة شجر متسابق، متشاعلة قُرب منتصف الليل نَدْ، والليل رااائق خد صبيّة،..
    شارفتُ في مشيي آخر مبنى يطل على الظلام الخاتم للمشهد، من هنا وأدخل "اللُّقُد"، الشجر الحرشي الذي يفترع المسافة من آخر الجامعة وحتى أوّل حي عووضة، لا أدري وأنا بعمق ذلك الهدوء وتلك الخصوصية كيف لمحت ظلين يرتميان خارج تلتوار المبنى، كانت ظلالاً كبيرة تتقاطع وتتداخل في حركة مضطربة، لم يكن بوسعي رؤية الشخصين، إذ يغطيهما الجدار، وأنا أسير بزاوية غير مستقيمة مع موضعهما، فقط ظلالهما كانت تمتد عملاقةً إلى أمام المبني، وتقع في حصيلة رؤيتي،...
    الظلال التي ينتجها اقتراب منتصف الليل تكون كبيرة ومتطاولة، ظل الشخص يساوي ظل شخصٍ يحقّق أسطورة عماليق "العنج"، وظل شجيرة الحناء يساوي ظل شجرة اللبخ، وظل عصفور الجنّة يساوي ظل الرخ الخرافي،...
    قُرب منتصف الليل، وقبل انقضاء مواعيد الليتLate Permission هل ترجع حينها أجسام الكائنات إلى حقيقتها، أم تستورد أقنعةً لها من الخارج تناسب تلك المواعيد الفاتحة على "إمكان" الإنسان الخرافي،..
    يلا.. "سير في حالاتك"، كما يقول المغاربة، شاب وشابة، عارفين الله عارفهم هنا، يخافان النار بالتأكيد، ويرجوان الجنّة ما من شك، لكن نار الجسد هنا وجنّتو برضك ليها أحكام، الله يعرف غيابهما النائي هذا ولم يكسره، فكن جميلاً كربّك وسير في حالاتك، كنتُ بوسط الأشجار وفي القطاع المظلم من ذلك الواقع المخروطي،..
    وأنا أُشارف لحظة أن أعبر، تنهض المواعيد الثانية والغائبة، الغائبة في مكانٍ أبعد من الجامعة، وأبعد من الدنيا كلها، تنهض الفتاة وتتمطى تحجّجاً كي تلاحظ الطريق من بين كوعيها المرفوعين بشكل مائل، ومن فوق علو تلّة الحليب، التي تنفر إلى أمامها كثيراً، مع حركة فَتْل الساعدين ودفعهما إلى الأمام بقوة،..
    يطفّر نداء:
    أبوا لَيْ بي.. أبوا لَيْ بي.. يا اللبن،..
    أهلو في العُشَرَة
    نسيرلوا في المطره
    ندهوا لي الصُلّاح ولمّوا لي الفقراء
    أبوا لَيْ بي.. أبوا لَيْ بي.. يا اللبن،..

    ولكن.. هذا ما لم يأتِ به نردك، شوف حظك نزيل ياتو طاولة، لا بُدّ أنّ في صحبتها ولد طب، ربما صيدلة، أو حاسوب، وسيم، أطول من قِصَرك بكثير، ومعه مستقبل، وفوق ذلك أمه د. فلانة وأبوه د. فلان، مجتهد وبستحمّ كل يوم، ولد خرطوم متمكيج أكتر من أي عروس يسيرون إليها في ناحيتكم، تنتظره السيارة دائماً لدى الباب، إذا ما فرغ الأستاذ الخصوصي من دروسه،..
    قاه قاه قاه، كج كج كج،...
    أتوضأ حنانك يا عربي المسيكتاب المبشتن، وغيب، أو وجّه صلاتك حيث طريق القبلة يسلكه الحجّاج وليس تُجّار الحرير،..
    وبين أغيب وبين تغيب ذكرى، يطفّح قَدَر زي دولفين، ينفخ الملح من شدقيه، ويضرب بطن اللجّة من جديد، رأسي اصطفّ مجراتٍ من التساؤل، فقد خرجتْ فتاة أخرى، لتتمَطَّى معها، أو كما يقول الخليجيون: شو السالفة؟
    يعني الظلال التي كانت تعبث بظلال، ما هي إلا انعكاس الذات في بئرها، إيييك... وألا كيف يا بنقو؟
    لم يكن بوسعهما أن ترياني، لذا عادتا بعد تمطّي الاستطلاع ذلك، فيما يشبه نفض الجسم من خدر المذاكرة، لأجل نشاط مذاكرة ثانية، ثم عادت الظلال لتتداخل وتتقاطع في مكانها النائي والمنعزل من جديد، بما يرصد عفريتة لصورة حياة غامضة، ستتحمّض غداً وسط الزملاء والزميلات صوراً مختلفة وواضحة من نواحٍ أخرى،..
    هنا مقلوب للسينما البشرية، فالسينما الآلية تدفع بظلالٍ تتخلّق إثرها الحياة على بقعة وسط حشود، صياح، جمهرة، ظلال السينما تنتج الحياة والصور في بقعة منبريّة تتقاطع وتتداخل أمام الجماهير ناسجةً للقُبَل والحنان،..
    ولكنني كنتُ المتفرّج الوحيد، كحال كل شخص من الوجود، أيمّا شخص في الوجود هو متفرّج وحيد على الوجود من خلال عمره كله، وحين يُدفن الشخص تُدفن معه "فُرجة" لا يمكن أن تسعها شاشة عرض، ولا تكفي أي كمية من العمر ولا قدرات من اللغة أو الرسم، لروايتها أو حكيها لفرد مهما بلغ قُرْبَه،..
    ولذلك أنا لا أتعامل مع اللغة إلا بوصفها نوعاً من أنواع التاريخ المُمَارس. أما بوصفها مُسْتَكْشِفَاً ونبوءات، فذلك ما أنا ناذرٌ عمري له،...
    هنا إذن مسرح عرائس في وضعه الصحيح، كنتُ أرى حركة أصابع المسرحي المدرَّبة في العَلَن، الأرنب يشاكس البطّة، يطوّح برأسه الذئب ويتحرّك الثعلب بمكر، بينما المسرحي هناك –في العماء- متعته سريّة وغامضة، ومختبئة معه، ومع أوراق النص،...
    ويوم قامن القطرين... الليلة يا حليلو..
    وخشّن علي الجبلين.... حبيبي يا حليلو...
    يا كوستي والجبلين.... الليلة يا حليلو..
    وأنا ليلي انطبق ليلين... حبيبي يا حليلو،...
    قطر الخميس الفات، الليلة يا حليلو
    الفرّق الأحباب، حبيبي يا حليلو
    "حبيبي –دَوْري، يا حليلو" أنا في عرض دورٍ عاطل وعلى مقعد خائب، بينما آخرون يخدمون الما خدمتن ولا نصيبهم، ريحة الحناء، عجاجة شجر متسابق نص الليل، وريحتي سَكَر سَكَر، لبن الشجر عاد إلى ضروعه، وقطيعه، ليتسابق أكثر، في رأس منتصف الليل، ذاك رأسٌ للوحي،..
    يستطيل الظل الأطول وينعرج، على الأقصر منه قليلاً ويلتف عليه، يقضمه،..
    لم أكن أراهما، فقط الظلال، أندروس الأنثى فائراً في ماء الأنثى،...
    لقد استعارني حزن، من ذلك النوع الذي ينكت القلب بخنجر، كأنَّ تتذكر خيانة حبيب لك، أو فقدك له، موت صديق غالٍ، غياب أحد الوالدين، "الخريف شيءٌ لا يُرى"، لذا تذكرتُ مقطع الرجل الذي استطاع أن يرى الخريف ميّتاً ومصوَّحاً في البحر، الخريف غريقاً ويتلاعب به زبدُ المحيط، الخريف الشيء المعنوي، والوصفة الغامضة لتحديد الفصول الأعلى منه في مراتب الغموض، ورؤية الشمس -الفتاة، تنفض وحل رجليها لدى المدخل وتغيب في منزلها البعيد والغارق:
    أرى الخريف نافقاً في زبد البحر
    بأوراقه ونوّار الشجر
    والشمس تمسح خُطاها على مصطبة الغروب
    هكذا حشرتُ نفسي في لقطة فوتوغراف مع امرأة ما عدتُ أذكر منها.. سوى أنني ما نسيتها، ولم يعد يجمعني بها إلا هذا الفوتوغراف،...
    بظلال الفتاتين، وهي تتقاطع وتضطرب وتتحاضن، بينما رائحة شجر الحناء عجاجة شجر متسابق منتصف الليل، رأيتُ الخريف من جديد بجثته المخضوضة في الماء والملح، ولا أدري في أي نوعٍ من أنواع الفوتوغراف ستتحمّض صورتي هذه المرّة!
    آآآه و"الخريف شيءٌ لا يُرى" أنا رجل راديو تتقاطع موجاتي في أوهام وتفاهات ما كان يُعرف سابقاً بالأثير، الفكرة المضحكة قبل تطور الفيزياء، بل لنقل تتقاطع في روح الوجود، الوجود كائن منفصل عن كينونتنا وله روح مثلنا،..
    كادت رجلي أن تنزلق من على السلّم، انتبهتُ لظلال تيموليلت من تحتي وهي تتقاطع وتتماوج مع ظلال سيمو، الأباجورة الصغيرة لم تكن كافية بالنسبة لي، مع ضعف بصري وكل تلك الفناطيز من لبن الشجر في رأسي،...
    ترجّلتُ عن السلّم، تطوُّر الأحداث من هنا ليس بقضيتي، أو قضية يمكن متابعتها حتى النهاية من أي فيلم بورنوغرافي تمّ تصويره بمراعاة كافّة زوايا الظلال وهي تتقاطع وتندغم وتتماهى،..
    الجسد لا يعنيني، المهم هو نهر الحنان الذي يركض في غير مجراه هذا،...
    منذ نهار القصب البعيد ذلك، ونهنهة الإنسان بوسط الظهيرة والقيظ، مروراً بظلال فتاتين جامعيتين، قُرب منتصف الليل، وحتى المساكنة الرسمية بين إيتل عدنان وسيمون، وبين تيموليلت وسميرة،...
    أو بالإجمال فكرة الكائن حينما يطلب حقّ لجوء لدى كائن آخر من تركيبته وجنسه، أهو رُعب النوع من النوع الموازي له، أم مجرّد عادة الكائن في تقبّل صورته التي ألِفها؟
    وهذا التصوّر يمكن النظر إليه بحياد، من جانب أنَّ كل طرق الحياة لا يمضي فيها الإنسان إلا حسب التشويه الذي ألمَّ به.
    أُعيد السلّم إلى مكانه، إلى القبو، ومن فرط الإعياء أعود وأتمدّد على الأريكة،..
    لأسمع الديكة تستبشر بالصباح، من سقوف منازل بعيدة، ومن حارات خُصِّصت بكاملها للحمام، وطيور عابرة تزعق ثم يبتلعها الغبش المعلّق بين خواتيم الليل، وقريباً من فِرْك فِرْك كي تطير فُلّة يوم جديد،..
    أشعر بنفسي تنسحب عميقاً، في البرزخ الطامي والموحل، تحت وطأة خدر الشراب، والتعب البدني، تعب الأفكار والرأس الذي يخدم دون توقّف كما الشمس، إما أن يخدم في هذه الناحية من الأرض، وإما أن يتركها تنام قليلاً بينما هو يذهب ليضيء دنيا شعوب أخرى،..
    أدخل في وساوس وصور ما قبل الغرق الكلي في النوم، تلك الهنيهة التي تتكرّر يومياً، وبرغم ذلك تظل لحظة مبهمة وغامضة وغير مكتشفة بالنسبة لنا، لحظة انسراقك من وجود صاحٍ لوجود نائم، حين تتداخل الأصوات في رأسك وتتقاطع وتتشوّش مثل سماء بعيدة يصطرع فيها النجم والغيم، تتقاطع مع أماكن إدراك بعيدة مطمورة بداخلك، وتَصِرُّ بوضوح صريراً متنقلاً، ثم تتشوّش مرة ثانية كما الإذاعات بدماغ الراديو الخَرِب أواخر الليل والنعاس، أسمع صوت أصدقائي من ماضٍ سحيق ومن مدارس بعيدة ومقفرة،..
    يا محسن، يا دين، ما تباصي الكورة معاك لعادل يا "أناني"، إلا تجيب خمسين قون براك يعني،..
    ويخزُّ جسدي وينتفض بعدما ينوف عن العشرين عاماً، من اليد التي أيقظتني بين الفجر وانقشاعه: قوم يا ولد، أمّك ماتت الله يرحمها، أجري لفضل الكريم جيب الحاجات عشان يبرّدوها،..
    شعوري بسقوط القيمة دفعة واحدة، وأنا بصدد يوم جديد، خروجي لتتلقفني النساء بالعويل ولأعوم ويجدّف ساعداي بين أضلعٍ وأحضان من تُرَع الدمع، رؤيتك للكفن يُسحب من الدولاب كالطبنجة، خطاك الطائشة بجانب بص ترحيلها والجسمان بوسطه ينتظر غيابه التام، الغطاء الأبيض تهفهف به الريح، وتتكرّر العبارة: الغطاء الأبيض تهفهف به الريح، تتكرّر بشكل أبدي حتى يحلّ الشِّعْر بكل أحزانه النزيهة والطاهرة لأجل كائن سامٍ، ويُطرد ذلك الحزن الرخيص والشحّاذ كله، أو يُترك حتى يجفّ على أحضان نسائه السطحيات، من يبكين دابّةً نفقت، وليس أمي، فقد ماتت ابنة الموفَد كأفتن ما يكون، وبباقي ضحكتها تملأ غمازتي خدّيها، ولدى أجمل طقس يمكن أن يتوفّر في السودان، المرأة المتدينة، الواثقة طوفان وحلوة جنّية، من خبأتْ أكفانها بدولابها لمدى سنواتٍ سبع، وأنت تضحك من هذا التخزين للموت وهذه الملاطفة والصحوبية، ولطالما قلت إنها امرأة كما البحر، لا تحصدها الرياح،..
    خناجر ما قبل النوم كلها تنقلب إلى قطيع جائعٍ وضارٍ، وأنت أخضر يترامى في المدى وينزلق نحو بلاد الماروتيين البعيدة، "ليميريا"، بلادك الحقّة والمخبأة في دولابك الخاص، لكم هو مؤلم هذا الانزلاق المتدرّج نهنهة فنهنهة، للكائن المستوحد في طمي المنام، بصيرة تغزو بصيرة، وأقدار تعري أقدار، مصائر تركبُ ظهور مصائر، باصي الكورة يا أناني، وصوت فضل الكريم يهمهم: لا حول ولا قوّة إلا بالله، أو فرح مبتور، محسن خالد الفائز الأول في القصة على نطاق ولاية الجزيرة، الثاني في الشعر، كاظم الزعيم الفائز الأول في الشعر، ولا يكتب القصة، ويُستبعدان في الخرطوم لمجرّد أنهما يتابعان الشيوعيين، وعلى طول انغلاق جفن على جفن، ترتقي سُلّم الحسد الشرس والدامي من بيروت ودمشق والقاهرة وعواصم المغاربة وعواصم الخليج إجمالاً، مبتعداً نحو قرارة نومٍ وحيد وطامٍ، وتَبْرَعُ عيناك في الحفر والحياكة، عيناك دودتان في تطاريز اللحد،..

    لكِ ناذراً أيامي كالمنام
    لا أحلُمُ بل تجازف رغبتي
    في نوم خبأتُه عن تَيَقُّظٍ وعن منام
    بعيداً تنفيك عن المنام منافٍ كالمنام

    مرايا الأطلسي







    الأناناس، الموز، الكولا، اللارنج، القرنفل، الصندل، الجميز،....
    تحيات كل الأشجار سيدة الطعم والرائحة والظل.
    حياة كهذه... تبدأ بتمنِّي الاشجرار، منافية للطريق الآخر، طريق الذي بنى الكون سماءً سماء، وأرضاً فأرض. حيث بدأ هو بالمجرات ثم البحار.
    أنا تمنيت لو أبدأ من مرحلة إثمار ما، إذ لا أُريد تأسيساً ولا أرشفة، وكل ما أُريده أن أستفيد دغري، على طول، على عرض وارتفاع،... وعلى بلاطة.
    "قلبك حنيِّن يا تيموليلت، يا ريتك كنت بنت حقّتي، حقّتي براي، من أوَّل قرن في بهيمة النهار، وإلى آخر ذيل من جاموس الليل اللكحل"،..
    وأدروك إيش أكون؟ ثم تغمز بعينها، ونضحك ملعلعين كالموج، الأطلسي كان مسالماً ويعرف أنّ في ذمته طيوراً لدى تلك الساعة تقتفي رزقها عند مخاضاته وضحضاح مياهه. أصبح بحر الظلمات يقتني ضميراً بعرضه وشساعته، بدا لي وكأنّ كل شيء في تلك اللحظة أخذ يبحث عن كفّارة لتاريخه، وفي عرض اعتراف،..
    بعض الدلافين تُمسرح ظهر اللُّجة بحركات أوكروبات مغمورة، لا متفرّجين إلا وجهين فقط. وجهان فحسب، من دون بقيّة أبدان ولا تكملة لها،..
    السماء قريبة.. قريبة قرب، أزرقها يلوِّن المياه في زهو، لو كان في مدانا أي طاولات كان ملائكة كثيرين في تلك الساعة جاؤوا وشربنا شاياً أخضر.
    أقول لها، والأزرق في عينيها سماء خالفة رجلها فوق سماء:
    أريدُ امرأة آخذها لكوني خلعتُ سيفي وأحذيتي أمام بابها، أدخل إليها مُصلياً، وأبلغها غير مقتولة الحُرَّاس، لتكن معبدي وليست في عِداد سباياي،..
    لأول مرّة تحشر تيموليلت يدها بين ساعدي وصدري، وتتكئ برأسها على كتفي، شعرت ببدنينا بدأا ينبتان في تلك الساعة، وجهانا اكتسيا بأبدان، شعرتُ بنا نحتاج لقطع تذكرة للخروج من عالم التشكيل ذلك، العودة إلى الحياة دوماً تحتاج لتذاكر ذات ثمن، عالم المتصوفة والروح وحده المجان،..
    عدنا أكيدين ومدينيْن للحياة بالكثير من الشمس، شعرتُ بلسعة ضيائها، غمرني إحساسٌ ليس بانتشال نفسي من وهدتها فحسب، بل بانتشال كل أرواح المغامرين والبحارة وجوابي الآفاق، وأبدانهم، التي غرقت منذ أن ارتدى بحر الظلمات هذا بالطو التشريح والملح.
    قالت لي: أنا اخترتُ طريقي، ولا أظنني سأكمل حياتي عبر طريق غيره، لولا ذلك لكنتَ أنت ولا غيرك،..
    "وعلاش لا غيري؟".
    قالت: أنا أحببتك أنت آلدرواي، تبتسم، بالنور كلّه وبالمسرات العظيمة،...
    ما زلتُ لا أفهم يا تيموليلت،.. أقول ذلك وأدغدغها في نهدها الموزون، ياه حتى هو اللعين حكمته جمالية فحسب، لم ألمس أية احتياطات أو حسابات –في خَلْقه وتكويره- تتوقّع قدوم طفل،.. ألا تشعرين بشيء، هذه الفاين تتش fine touch أتحتِّينها مثلها ومثل أي غصن شجرة انشبك في ستيانتك؟
    تزوغ هي بجنبتها عن جنبي، تنخض، فيتروّب حليبها في سعن بعيد وأعلى من تطلعات الكدايس كلها،..
    ينهنه قلبي، ود حرام يا حرمان الحرمان، تَكْمَلُ النهنهات كلها، وقلبي يطقطق زي جِلد ناشف ومشرور في الملح، ما ملكتُ في حياتي سوى أحلام، كلُّ ما أُغمضُ عليه عينيّ يصير لي،..
    أقول من خيبتي...
    يعني شنو نقسّم الأيام في مواعين الرزق، يوم ود حلال بالربح، ويوم لا تعرف نسبةَ أبيه الجيوب. ما ياهو نفس النهار البقدّمك لعيون بت حلوة وحبيبة، بعزمكن معاً علي المقبرة،..
    أزقا يا، روق ياخ، تنتفض تيموليلت ضاحكة، وتنهض من جواري مع قبضة طين ترمي بها في مياه الأطلسي، تتراكض في ضحك وبهجة فوّارة، كطفلة من سبيط النخل،..
    الصُلب النافر بهدوء، هدوء حكيم كسقراط،...
    صلبٌ يُلْهم الأنثى خصرها فحسب، ولا يتأخّر في الطريق،..
    البنطلون القماشي ينصل قليلاً فترفعه بُرقي يخلو من الحرص، من كلفة الحرج، وموحان الغنج، يلمع زيق خيط البكيني على جلدها الأبيض كقيطان رتينة، هذا هو "الصلب الوردي" الذي لم تعرف يا هنري ميلر، فحينما كانت قرطاج تغزو حضارة أجدادكم بوجوه المحاربين الكالحة، البرابرة الشُعث، لطالما قاتلتموها بضياء هذه القياطين، الجمال جيشٌ إن كنّا لا نعرف.
    آجي آجي آمحسن، انتبهت لكونها المرة الأولى ربما التي تناديني فيها باسمي الأول مع تركيز، نداؤها المفضّل هو "خالد"، قَدِمتُ عليها، رِجْلي الثالثة كادت أن تبلغ الأرض أيضاً وتدعمنا في مشي هاشٍّ ووثّاب نحو تيموليلت، شعرتُ بالحرج، التفتت هي ناحية الأطلسي، كأنها لم ترَ شيئاً ولا منهكين في الطريق إليها.
    عيناي تَنْقَعان بارتباك حلو وشحّاذ، تصيران حَبَّتَيْ فاصوليا في ماعون أيتام،...
    أمضي نحوها في بسالة لئيمة، تذكّرني بالنباتات المتسلّقة لحيطان ناس ليسوا من عشيرتها، من فوق تتسلّق، وبجذورها تثقب الأرض وتمتد، لا حيطان ولا جُدُر بوسعها قمعي،..
    ما الذي يعجبك فيّ آخالد؟
    لا أعرف،..
    كانت ودودة معي بقرب الأطلسي كما لم تكن في أي لحظة ماضية أو لاحقة،..
    وضعتْ يدها على كتفي، قالت: حتى لو كنت حبيبتك فستملّني غداً، أنت مَصْنَعٌ ينتج الملل من كل شيء، هذه طبيعتك،..
    ابتسمتُ، أهذا عذر لكونك لن تكوني حبيبتي أم ماذا؟
    شعرتُ بيدي تمدّ "كورة مزلَّطة" أمام الأطلسي بدل الجامع الكبير، ليُلقي فيها الناس بقلوبهم، فعلاً فاحت مني رائحة شحاذ لئيم وملحاح، حتى شعرتُ بالقرف من نفسي،..
    في تلك اللحظة خطر عليّ سؤال عجيب، كيف ترين نفسك يا تيموليلت؟ دوماً تمنيتُ أن أسمع إجابة من بنت كاملة الجمال مثلك، يا تُرى كيف تنظر لنفسها؟ كيف تشعر؟ وكم تدّخر من أسرار في مرآتها؟
    كأنها قالت تلك المفردة الإنجليزية العميقة بصورة أكثر حَفْرَاً: Well، لم تتنهّد كما يفعل ممثلو هوليود بعد قول هذه المفردة، لم تتمشَّ بعيداً عني، أو تتشاغل يداها بشيء يشعشع عُصارة تلك اللحظة ويفكّ تركيزها،...
    بل بعُصارة تلك النظرة من شاهق، بينما الجناحان مضمومان للجسم في استبسال: "حياة" أو "موت"، المخالب في دورها الطليعي، والمنقار مستقيلاً عن أمباشية القُبَل ومتعيّناً جنرال حرب، رمقتني تيموليلت،..
    تفاديتُ عينيها برفع رأسي إلى سماء المحيط، فرأيتُ نظرتها تملأ رحابة السماء كلها، وبكل حجم ولون.
    لم أرَ إلا سماء جائعة من فوقي، ويدي مبسوطة إلى أرض تنسحب رويداً رويداً نحو ظلمة المحيط وشساعة غيابه، ليرتدي قلبي ذُعر طرائد المحيط كلها، سمكاً، أعشاباً، دوابّاً من النبات، ونباتاً يحيض، مخلوقاتٍ تبعُد عن تراب خلقها الجاف.. بمسافة طولها مرحلة "الغرينية" فحسب، وأخرى ابتعدت عن صخور اكتمالها لدرجة اللمعان والتوهّج وبمسافة شفاف الضوء،..
    أجابتني: الطمأنينة هي العُمْلة التي نشتري بها العدم، ياك؟
    رافقتُها ناحية فكرتها: هذا المحيط إن كان مجرّد ماء لا يحتوي حرباً، لكان عدماً...
    وبما أنّ الماء هنا مجرّد قشرة، لحيتانٍ تأكل أخرى، ومشمّع جَرّوه على بحر الدماء –اللُّب- فهو عَالَمٌ حي وموجود، يمور، يفضح بعضُه بعضاً، وتُنَكِّر أجزاءٌ منه بقيّتها...
    خاصرتني وخاصرتُها من لدى هذه الفكرة، لتضيف:
    لا أشعرُ بشيء تجاه جمالي، ويمكنك أن تقول بأنني دَرّبتُ نفسي على ذلك؟
    على ماذا؟ أسألها بينما أُطالِع تلك النظرة من شاهق وهي تُورق،..
    على أن أكون تيموليلت التي يمكنك أن تشرب معها شاياً أخضر، أو تشكو لها حزنك، لم تعجبني قصة هاديك السيدة أفروديت ذات يوم،..
    لا ترغبين في التمثلَة إذن ووجوم التماثيل البليد، الملمح الغبي الذي يحمله التمثال طَوَال عمره،..
    صافي، صافي... توافقني تيموليلت وتضحك،...
    أتذكّر أنا "أروى"، الفتاة التي اكتفت بدهشة الخالق المعلّبة والجاهزة على وجهها،..
    كنت أقول لصديقي الروائي موسى حسن، ياخي الدلمة دي جميلة بس بتصبح عذبة متين وكيف؟ ليس بوسعها إنتاج أي حركة، غمزة، نهنهة، نأمة، يملأها تعبيرٌ استاطيقي، ناهيك عن أن تكون عذبةً،...
    هذه البنت لن تكون جميلة إلا في فوتوغراف متجَهِّم، وشّها دا ما ينفع إلا دعاية لشركة شَلْ، بدل الحيوان الغبي أبو ألف كراع داك، يشحدوا البت أم ألف تَبَوُّم دي تتربّع ليهم في اللافتة الكبيرة ديك،...
    الحركة التي يتحرك بها وجهها في الابتسام، تبدو كمن يبصق البسمة سَفَّةً نافدة،..
    الضحك يصطك لولبياً لدى عنقها كقادم من المعدة، فإن قرقع صوته في حارة الضحك، يقرقع صداه الخشن في حارة الجشاء،...
    الناس يربطون بين الجمال والغباء، والفكرة بسيطة، إن كانت الفتاة جميلة فهي تكتفي بالدهشة الجاهزّة والمعلّبة على وجهها التي يمنحها لها الله، فيتكاسل وجهها من بعد ويتحنَّط، حركتها، شفاف روحها، وحتى عطرها الفيزيكي يتكاسل، فهي اعتادت منذ طفولتها:
    حلالالاتها يا يمّة، دي بت منو؟ فتكتفي الطفلة بلوي بوزها وبتحديقات النساء المندهشة بفعل شيء يخص الخالق وليس المخلوق،..
    منذ مراهقتها: ديشااااك، دي أخت عاصم داك مش؟ دينااااك، دي جارة ناس خالتك هناية،..
    أبداً لا يقولون إنها البنت التي كانت ترسم أو تمحو، التي قرأت شعراً ليلة كذا أوغنّت، أبداً ما هي بالتي فعلت أو تركت أي فعل آخر، مطلقاًً، دوماً يوصفونها كما لو كانت طوباً من طوب الحوش الفلاني، بالمربّع العلاني،...
    لأنها ما تزال في تكنيكات لوي بوزها. غباؤها يكون قد فجّ أعماقها شوارعاً،..
    نعم، ربما هم لم يمنحوها فرصة لأن تسعى هي لإدهاشهم، بذكائها، بلفتتها الفاتنة دون أن ينجزها عنقٌ طويل، بدلعها، بغنجها عبر نهوضها الخلاق وليس حركة ردفيها الطبيعية، أو بمجمل المهارات الخاصة التي يحققها الفرد، كي ينقلب من شخص جميل يمكن أن يُرفض أو يُقبل، إلى شخص آخر عذب، ساحر، ومريود، وليس بالوسع إلا دسّه في جيب قلب،...
    تيموليلت رفضت هذا الشارع منذ يفاعتها الذكية،...
    فهي اليوم قبل أن تكون إلهة جمال، أولومبٌ كامل من آلهة السحر، الفتنة، والعذوبة،...
    وإنّما الشديدة شديدة بالعذوبة أولاً، ولا يعوّل على الساقين إلا بقدر الحاجة والضرورة،...
    العذوبة هي امتلاك آليات وقدرة لإبراز ملامح جمال الروح،...

    (عدل بواسطة محسن خالد on 06-02-2007, 11:03 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-08-2006, 02:34 PM

منوت
<aمنوت
تاريخ التسجيل: 18-03-2002
مجموع المشاركات: 2637

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    و ماذا ..
    ماذا بعْدُ ،
    أيها المطرُ (الرجلُ ) الصّبيُّ ( الهاطلُ ) على منارات بلادِ الضباب ؟
    ماذا ، بَعْدُ ،
    ماذا ،
    يا ايها المُجالدُ Gladitor ؟


    النهرُ أمامَكَ ،
    والسماءُ تظللك ..
    و لا مفرَّ سوى الانتماء !!!

    (عدل بواسطة منوت on 18-08-2006, 02:46 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 10:18 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    سلام لك محسن


    نشتاق لسحر تيمو فاتنة المغرب اللهلوبة

    المنبر من من تطول منه تيمو تدخلو الشواطين
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-07-2006, 11:03 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    وين يا محسن خالد
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-07-2006, 11:59 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ان تغيب محسن خالد فساعلي تيموليت دائما

    الي ان يعود هذا الاديب الاريب وسودانا حبال وولاد


    ومحسن ورفيقاته ورفقائه الكتاب الشباب يسنون


    اقلامهن واقلامهم من حبر لا ينضب معينه ونحمد الله


    علي هذا النص الذي جلب الغاشي والماشي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-07-2006, 09:43 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    ********
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-08-2006, 06:12 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    محسن مع زيارة الاحباب اديني طله وانا في الانتظار تيمو لا تستحمل

    الزعل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-08-2006, 05:25 AM

الصادق اسماعيل
<aالصادق اسماعيل
تاريخ التسجيل: 14-01-2005
مجموع المشاركات: 8595

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: Sabri Elshareef)

    كلنا في الانتظار ياصبري
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-10-2006, 07:48 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    فوق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-11-2006, 10:44 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    في انتظار الاخ محسن خالد

    هل يا تري يعد الان في الرواية وننتظر ان نشتري النسخة ممهورة بتوقيعه

    يا ريت توقف الحداد عن الكتابة معنا نحتاج الي قلمك فهل تجيب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-11-2006, 10:47 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    كانت ودودة معي بقرب الأطلسي كما لم تكن في أي لحظة ماضية أو لاحقة،..


    كانت ودودة معي بقرب الأطلسي كما لم تكن في أي لحظة ماضية أو لاحقة،..
    وضعتْ يدها على كتفي، قالت: حتى لو كنت حبيبتك فستملّني غداً، أنت مَصْنَعٌ ينتج الملل من كل شيء، هذه طبيعتك،..
    ابتسمتُ، أهذا عذر لكونك لن تكوني حبيبتي أم ماذا؟
    شعرتُ بيدي تمدّ "كورة مزلَّطة" أمام الأطلسي بدل الجامع الكبير، ليُلقي فيها الناس بقلوبهم، فعلاً فاحت مني رائحة شحاذ لئيم وملحاح، حتى شعرتُ بالقرف من نفسي،..
    في تلك اللحظة خطر عليّ سؤال عجيب، كيف ترين نفسك يا تيموليلت؟ دوماً تمنيتُ أن أسمع إجابة من بنت كاملة الجمال مثلك، يا تُرى كيف تنظر لنفسها؟ كيف تشعر؟ وكم تدّخر من أسرار في مرآتها؟
    كأنها قالت تلك المفردة الإنجليزية العميقة بصورة أكثر حَفْرَاً: Well، لم تتنهّد كما يفعل ممثلو هوليود بعد قول هذه المفردة، لم تتمشَّ بعيداً عني، أو تتشاغل يداها بشيء يشعشع عُصارة تلك اللحظة ويفكّ تركيزها،...
    بل بعُصارة تلك النظرة من شاهق، بينما الجناحان مضمومان للجسم في استبسال: "حياة" أو "موت"، المخالب في دورها الطليعي، والمنقار مستقيلاً عن أمباشية القُبَل ومتعيّناً جنرال حرب، رمقتني تيموليلت،..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-11-2006, 11:38 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 03:39 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: Sabri Elshareef)

    لحظة بس أجربو، كان ينفع فيهو
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 03:54 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    يا صبري الشريف تحية ليك في الخُلد
    من أيام كنتُ في الهداهد الغائبة
    والبوست دا بيناتنا النص بالنص
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 03:55 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    يا صبري الشريف تحية ليك في الخُلد
    من أيام كنتُ في الهداهد الغائبة
    والبوست دا بيناتنا النص بالنص
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 04:27 PM

صديق الموج
<aصديق الموج
تاريخ التسجيل: 17-03-2004
مجموع المشاركات: 19433

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    محسن العزيز تحيات مكان....مررنا للتبرك من هذا الضريح
    اقول من دون ان اغمض طرفى ..والله انا ازداد طولا كلما احنيت لك هامتى
    حفظك الله من مشوطن مسكون،،،،
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 04:43 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: محسن خالد)

    والله قابل القسمه في هذا الشتاء والصيف القادم

    سعيد بطلتك وبيننا حاجات لا تكتب في الفضاء عايزة قعده
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-01-2007, 03:03 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تيموليلت: المغربية السحاقية، الفاتنة وصيّادة الفتيات (Re: Sabri Elshareef)

    صديق الموج،...
    آلزوين كيفنّك، ليك وحشة
    علي بالحلال دا أنا اللي اتبرّكْ، أبقه عافية
    وارقد لليوم بالكالود تحت أضانو
    وإنت ما بوصّوك
    كن بخير

    صبري الشريف يا نمر،
    خلاص عديلة تب we have got a deal
    أرجاني بس أحلحل حبال الشِّبَك دي وأطبق جركانتي ونسيح
    كن بخير آضراعي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2007, 04:27 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تموليلت: سيرة وحَجَر (Re: محسن خالد)

    الاديب محسن

    غاية السعادة للعوده واكتب بس

    قلمك مسنون وحبره لا يجف

    جمال صورة وحس ومعاني تدهش الغاشي والمقيم

    لا تشغل بالك بالحوارات الجانبية الرواية والشعر تحتاج اليك

    دعنا نحن لذلك وانت اكتب لنا وحاجزين تيمو من الان
    تلك البت المغربية التي فغرت الافواه
    وجعلت كتار يضايروا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-02-2007, 09:59 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تموليلت: سيرة وحَجَر (Re: Sabri Elshareef)

    مشكور يا صبري، يا صديقي في الغار، وبطن البحر
    ولك هذا المقطع هدية إلى حين آتيك بالمطر
    تماسيح أم رهو مَرَقن قَبََل سيدون
    والموت في أم هَبَج زاتُّن سماحة ولون
    جيد أولاد أبوي ما دارو فزعة وعون
    سيوفُّن والبنادق في المحاصة درون
    (الصادق ود آمنة)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-02-2007, 10:10 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4895

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تموليلت: سيرة وحَجَر (Re: محسن خالد)

    يا صديقي بشرى الفاضل،
    في حديثنا السابق ببوست الحسن، قلت بأنني لم أتقبل نصحك بخصوص العنوان، وهذا غير صحيح، فقد لاججتك في البداية ولكنني رضيت بعد ذلك، بوسعك مراجعة حديثي إن رغبت، وقلت لك بأنني سأجعله (تموليلت: سيرة وحَجَر)، وها هو العنوان أمامك، وقد بدّلته منذ زمن طويل سابق لكلامنا الأخير، ربما لم تلحظه وحسب، إني شاكر لك ولكل من نصحني باتّجاه هذا العنوان.
    أتمنى عليك أن تعيد قراءة هذا النص الأخير، فقد أدخلت عليه الكثير من التعديلات مستفيداً من ملاحظاتك وملاحظات الأصدقاء هنا، لقد قلتَ أيضاً بأنّ (الجنس) لم يكن ضرورياً للعمل، فإن كانت لك رغبة في مناقشة هذا الأمر، أنا أرحب بذلك.
    وكن بخير