(حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع )

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 17-12-2018, 04:08 AM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف النصف الأول للعام 2005م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
20-02-2005, 03:05 PM

ثروت سوار الدهب
<aثروت سوار الدهب
تاريخ التسجيل: 22-07-2003
مجموع المشاركات: 7533

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) (Re: ثروت سوار الدهب)

    فتتابعت الردود
    فكان هذا المقال المطول المنسوب لمحمد سليمان(اجهل التاريخ و الجريدة الخرطومية).



    كلمة (حق) في مؤتمر القوى الحديثة
    مقامة في سيرة النكوص والردة
    محمد سليمان
    "كيف تخطو على جثة ابن أبيك..؟
    وكيف تصير المليك.. على أوجه البهجة المستعارة
    كيف تنظر في أيدي من صافحوك..
    فلا تبصر الدم .. في كل كف؟
    إن سهماً أتاني من الخلف .. سوف يجيئك من ألف خلف."
    أمل دنقل

    صباح الأحد 6 فبراير الجاري 2000 أعلن الحاج وراق سيد احمد في مؤتمر، حشد له ثلة لا تتعدى بضعاً وعشرين من الاتباع والحواريين وأضعاف ذلك من الضيوف، عن تغيير اسم الحركة التي كان هو حتى ذلك الوقت أمينها العام في الداخل، حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) إلى "حركة القوى الحديثة السودانية". وتبنى خطاً سياسياً يتناقض جذريا مع مواثيق ومنطلقات برنامج حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حـق)، ويتجه إلى التسوية السياسية مع السلطة. كما أعلن عن تحالف حركته الجديدة مع الصادق المهدي.

    رداً على ذلك الإعلان، أصدرت اللجنة التنفيذية لـ(حق) بياناً نشر داخل السودان وخارجه، شرحت فيه بإيجاز مفارقة برنامج السيد وراق وجماعته لكل المنطلقات الفكرية وركائز البرنامج السياسي الذي تأسست عليه حركة (حق) والتزم به السيد وراق ومجموعته في المؤتمر العام الأول للحركة. وأوضحت أن ما قاموا به يعني خروجهم الكامل والنهائي من (حق)، وبالتالي فإن (حق) تعلن براءتها منهم.

    عقب ذلك البيان، عقد السيد وراق مؤتمراً صحافياً أعلن فيه أن البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية أصدره الخاتم عدلان ومحمد سليمان، ضد الاتجاه العام لقيادات وقواعد الحركة في الخارج الذي يقف مع خطه. وأنه محاولة استباقية لقطع الطريق على اجتماع مشترك بين الداخل والخارج لحسم الخلاف، وانقلاب على آليات الحوار الديمقراطي والشرعية الديمقراطية وعلى مؤسسات الحركة وقياداتها المنتخبة. وأنه، وراق، لولا "اللامركزية التنظيمية" المعتمدة داخل الحركة لأتخذ بحقنا إجراءات "انضباطية" صارمة وألحق بنا حساباً عسيراً. وذكر أن الاتهامات التي وجهها البيان له ولجماعته بنكوصهم عن هدف إسقاط السلطة، وبإدانة العمل المسلح، والتخلي عن فصل الدين عن الدولة وعن حق تقرير المصير، وبانحيازهم للجيش باعتباره حامي الوطن ورافع البندقية الوطنية، وبأنهم دشنوا تحالفاً سياسياً مع الصادق المهدي وتيار التوبة داخل الجبهة الإسلامية، وأنهم قاموا بمجازر تنظيمية في بنية الحركة في الداخل، ما هي إلا محض افتراءات وأكاذيب وتضليل متعمد.

    الخلاف إذن، وكما يبدو من الفقرات السابقة، ذو شقين. شق سياسي يتعلق بخط الحركة السياسي ورؤيتها وبرنامجها وأهدافها وموقفها من السلطة الراهنة واستراتيجية مواجهتها. وشق تنظيمي يتصل بالعلاقة بين طرفي الحركة وقيادتيهما في الداخل والخارج ووسائل إدارة الخلافات والصراع داخل الحركة. ولكن الأمر ليس على هذا النحو، فما أوردناه حتى الآن ليس سوى قمة جبل الجليد. لو كان الفتق مقتصراً على الجوانب السياسية والتنظيمية فقط لكان من الممكن، ولا نقول من السهل، معالجته ورتقه. ولو كان كذلك فقط، لحق علينا فعلاً نعي المراقبين والمشفقين أننا فشلنا في إدارة وحسم خلافاتنا بأسلوب ديمقراطي وأخفقنا في بناء التنظيم الرحب الذي يتسع لتعدد الآراء واختلافها ويسمح بحرية النقاش. ولكن للخلاف طابع أخلاقي عميق يتخلل كل مسامه وخلاياه، وذلك هو ما يجعل الخسارة فادحة حقاً.

    قبل أن نتطرق إلى جذور الخلافات وتفاصيلها، وقبل أن نتناول بيان السيد وراق، ثمة نقاط أساسية لابد من توضيحها:

    • أولاً، لقد ولدت (حق) في خضم الصراع مع السلطة الحالية ووضعت أمر مواجهتها وإسقاطها على قمة أهدافها وأولوياتها السياسية. وإذا كان ذلك الهدف هدفاً عابراً أو ثانوياً في حياة الأحزاب السياسية الأخرى بحكم مسيرتها الطويلة وتاريخها المعروف، فإنه ليس كذلك بالنسبة ل(حق). إنه هدف مرتبط بميلاد الحركة، لذا فإن حياتها أو موتها متعلقان به. إنه يشكل امتحانها الأول أمام الشعب، وإن أخفقت فيه ونكصت عن المساهمة فيه بجدارة وبسالة فسيكون امتحانها الأخير. لذلك قرر المؤتمر العام الأول للحركة، والذي كان السيد وراق من حضوره والمساهمين الرئيسيين فيه، "أن الأولوية السيـاسية المطلقة للحركة هي مقاومة سلطة الجبهة الإسلامية، وإسقاطها، وأن مكانتها السياسية لا تنفصل عن أدائها لواجبها في هذا الصـدد."

    • ثانياً، (حق) لم تنشأ فقط كرصاصة مصوبة تجاه السلطة الراهنة، لا ترى شيئاً سواها وينتهي مفعولها باستقرارها في جثتها. لقد ولدت وفتحت عينيها على حقيقة لم يكن من الممكن غض النظر عنها، وهي إخفاق النخب الوطنية الحاكمة منذ الاستقلال، مدنية وعسكرية، بأحزابها وزعاماتها الطائفية والعشائرية والأيديولوجية، بقادتها العسكريين، وبمثقفيها وعناصرها البيروقراطية، في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة المتراكمة منذ الاستقلال والتي تفاقمت بدرجة وضعت الشعب على حافة الهلاك والوطن على حافة الضياع. لقد ردت وثائق الحركة وأدبياتها ذلك الإخفاق إلى افتقار تلك النخب لمشروع وطني للنهضة، وإلى ممارساتها السياسية السيئة المطبوعة بالكذب والفساد والتنصل من الالتزامات والتنكر للعهود. ومن ثم آلت (حق) على نفسها أن تساهم في صياغة ذلك المشروع الغائب، وأن تضرب بسلوكها وأدائها مثلاً للممارسة السياسية القويمة التي تتمثل القيم الفاضلة والخيرة في الإنسان وتتسم بالشفافية والصدق والوضوح والاستقامة والالتزام الصارم بالمواثيق والعهود.

    • ثالثاً، ولدت (حق) في مؤتمر بالمملكة المتحدة تم فيه توحيد تنظيمي الحركة السودانية للديمقراطية والتقدم والمنبر الديمقراطي مع بعض الشخصيات المستقلة تحت اسم (حركة القوى الجديدة السودانية). ووضعت نصب عينيها منذ ميلادها، قضية انتقالها من الشتات إلى الوطن. لذلك لم يمض طويل وقت حتى بنت تنظيمها في الداخل تحت اسم (حركة القوى الجديدة الديمقراطية). والتقى ممثلو رافدي الحركة في اسمرا في يناير 1997م في المؤتمر العام الأول، والذي أقر بالإجماع توحيد الحركة تحت اسم (حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق)، وأجاز وثيقتها التأسيسية متضمنة خطها السياسي وتحليلها لطبيعة سلطة الإنقاذ، وأمن على استراتيجية المواجهة المسلحة الشاملة وسيلة لمواجهتها وإسقاطها، ورفض دعوات المصالحة والوفاق معها من أي مصدر جاءت. كما اقر المؤتمر، ولاعتبارات واقعية، وجود الحركة تنظيمياً في رافدين، رافد الداخل ورافد الخارج ، لكل منهما قيادته المنفصلة وباختصاصات واضحة على أن تعملا في تشاور متصل وبتنسيق وثيق وفق قواعد الديمقراطية وفي إطار الخط السياسي المجاز.

    • رابعاً، الوحدة بين الداخل والخارج، و كما يتضح من الفقرة السابقة، هشة على المستوى التنظيمي. وكان اعتقادنا أن ذلك الضعف سيعوض بقوة الالتفاف حول الخط السياسي للحركة والمنطلقات الأساسية لبرنامجها، وموقفها من السلطة وأسلوب مواجهتها، وبمتانة الرفقة النضالية التي تعظم التضحيات والعطاء المستمر وتترفع عن المناصب والمراكز، وبالقاعدة الأخلاقية البسيطة التي تفترض الالتزام التام بالمواثيق والقرارات التي تم الاتفاق عليها.

    على ضؤ تلك المقدمات نشرع الآن في تناول جذور وتفاصيل القضايا والخلافات التي يحاول السيد وراق أن يخفيها ويدفنها تحت حطام صورته القديمة، مستعرضين في ثنايا ذلك بيانه الأخير، ونبدأ من حيث انتهى، تاركين للناس أن يحكموا ويقرروا من أشاع الافتراءات والأكاذيب والتضليل المتعمد.

    من أصدر بيان اللجنة التنفيذية؟

    هذا الاتهام الذي ألقاه السيد وراق هكذا، دون سند أو دليل أو برهان، هو من نوع الدوائر المفرغة التي يجيد رسمها. سأقول أن البيان أصدرته اللجنة التنفيذية، وسيقول كلا. ستصدر اللجنة التنفيذية بياناً يؤكد أنها أصدرت البيان الأول، سيصدر بياناً ثانياً ينفي ذلك مؤكداً أنني والخاتم أصدرنا البيان الأول و الثاني، وهكذا …إلى ما لا نهاية، فقد أسأم أنا المسألة، ويكسب هو بالمثابرة. ولكني لست مطالباً بنفي هذا الاتهام. إن وراق هو المطالب بإثباته، وإلى ذلك الحين يظل اتهامه مجرد لغو.

    إن بقية أعضاء اللجنة التنفيذية ليسوا أغراراً أو تبعاً حتى نستطيع أن نصدر بياناً مثل ذلك أو أي بيان آخر دون علمهم أو موافقتهم. إنهم موجودون ومعروفون، بل ومن بينهم المسئول الإعلامي للحركة، ولو صدق ادعاء السيد وراق، فإن الحيلة والوسيلة اللتان تمكناهم من إبداء آرائهم في ما فعلنا لم تكونا لتعجزاهم قطعاً. الذي لا يعرفه، أو يحاول أن يتجاهله السيد وراق هو أن ذلك البيان لم يصدر فقط بموافقة اللجنة التنفيذية، وإنما صدر بعد تشاور واسع مع وبموافقة كل قيادات الحركة في الخارج. إننا واثقون تماماً من أن كل فروع ووحدات الحركة بالخارج تقف بحزم مع مواثيق الحركة ومنطلقاتها الأساسية وبرنامجها وخطها السياسي الواضح. بل إن معظم هذه الفروع والوحدات بادرت بالتعبير عن استغرابها ودهشتها من مواقف السيد وراق وتصريحاته طيلة الفترة السابقة ومن صمت اللجنة التنفيذية إزاء ذلك، وانتقدتنا عليه. هذا غير الأغلبية الساحقة من عضوية الحركة في الداخل والتي نكل بها وراق وألصق بها التهم الجائرة وأبعدها أو فصلها وطردها من الحركة، لمعارضتها خطه السياسي الجديد أو محاولاته فرض ذلك الخط قسراً متجاوزاً قواعد الديمقراطية، ودون تنسيق أو تشاور مع قيادة الخارج.

    والسيد وراق، في ادعائه هذا، يمارس هوايته المفضلة في التنقل كالفراشة بين قيادات الحركة و قواعدها، واللسع كالنحلة، باذلاً "اجتهاده" في زرع الفرقة ونفث الشكوك وضرب الثقة بينها، وإيهام كل فرد على حدة أنه الوحيد الذي يحظى بثقة الداخل، معطياً بذلك ل"اللامركزية التنظيمية" بعداً إضافياً. ولقد كنا في اللجنة التنفيذية نعلم نشاطه ذلك بحذافيره، ولكننا لم نتدخل قط. بل تركنا الأمر لكل عضو في الحركة يعالجه بما يمليه عليه ضميره وبما تفرضه عليه مسئوليته. وإن كانت مثابرة السيد وراق قد أفلحت في حالات قلائل تحسب على أصابع اليد الواحدة، يبدو أنها هي التي يعنيها ب "الاتجاه العام وسط قيادات وقواعد الحركة في الخارج" المؤيد لخطه، فإنها قد أخفقت لدى الأكثرية الساحقة التي لم تنطل عليها الخدع الساذجة فصدته وردته على أعقابه.

    وراق والسباق نحو الانشقاق:

    يتهمنا السيد وراق بأننا أصدرنا البيان في محاولة استباقية لقطع الطريق على الاجتماع المشترك بين الداخل والخارج والمفوض لحسم اختلافات التقدير السياسي. في البداية نسأل، هل الذي قطع الطريق هو البيان، والذي لا يعبر إلا عن شخصين فقط كما قال وراق، أم المؤتمر الذي حشدت له "الجمعية العمومية" للحركة بالداخل و الإعلاميين والضيوف ؟ إذا كان السيد وراق يرى أن لبيان أصدره شخصان فقط وزناً أثقل من قرارات مؤتمره، وقوة أكبر من إجماع الحركة برافديها، فتلك مشكلته هو، وليست مشكلتنا نحن.

    قبل أن نتعرض إلى ذلك الاجتماع و كيف تمت الدعوة له، ومن دعا له، والترتيبات التي كان من المفترض أن تتم، نستعرض المشاكل التي استدعت عقده أصلاً، فذلك وحده كاف لتحديد الطرف الذي لم تكن له مصلحة في عقده وكان له، بالتالي، دافع قوي لإجهاضه وقطع الطريق أمامه. بدأت المشاكل في العلاقة بين الداخل والخارج تطفو على السطح بعد أشهر قلائل من انفضاض المؤتمر العام الأول في يناير 1997 ، و لكنها كانت في البداية مشاكل ذات طابع ثانوي، وكنا نعزيها إلى تعقيدات وضعف وسائل وأدوات الصلة، وضغوط البناء والعمل السري في الداخل، ومشاكل التمويل، ليس إلا.

    • ظللنا نطرح على قيادة الداخل، شفاهة وكتابة، ضرورة تحسين وتائر و تطوير وسائل الاتصال لأهميتها الحاسمة في خلق علاقة صحية بين طرفي الحركة وتوحيد الرؤى وتنسيق المواقف. واقترحنا ترقيتها بكتابة التقارير الدورية، ومعالجة القضايا كتابة وبصورة مؤسسية موثقة حتى تكون في متناول جميع الأعضاء . ولكن قيادة الداخل تمسكت بإبقاء الصلة في حدودها الدنيا، الهاتفية المتقطعة، وتجاهلت الرد على كل رسائلنا المكتوبة، وتفادت من جانبها تقديم أي وثائق مكتوبة. وحتى حينما زودناها بأحدث وأفضل أجهزة وتقنيات الاتصال، رفضت استخدامها بتاتاً معنا، ولكنها استخدمتها في صلاتها المتنامية مع الآخرين.

    • ضربت قيادة الداخل بكل محاولاتنا تطوير العلاقات التنظيمية عرض الحائط، وتجاهلت كل مقترحاتنا في هذا الصدد. طلبنا تعارفاً بين قادة الحركة في الداخل والخارج يعزز من فرص التفاهم والتعارف، فأهمل ذلك. رشحنا بعض الأسماء لضمها للحركة، ولكنها إما أهملت أو ألصقت بها التهم غير المؤسسة، بل إن تلك القيادة فصلت أو جمدت أو أبعدت كل من تظن أن له علاقة بقيادة الخارج. ثم ضربت سياجاً حديدياً حول رافد الداخل و حجبت عنا أي معلومات عن ما يدور فيه.

    • تجاهلت قيادة الداخل دعوتنا للمساهمة في أي من أعمالها أو مؤتمراتها. وقد يكون ذلك مفهوماً حينما يتعلق الأمر بقضاياها الداخلية. أما عند ما يتعلق الأمر بخط الحركة السياسي وبرنامجها وأولوياتها، فأن التشاور والتنسيق وتبادل الآراء يصبح واجباً لا منحة. لقد وصلتنا وثيقة "قضايا وأسبقيات ما بعد المؤتمر"، وهي تحمل بين دفتيها مفارقات عديدة لخط الحركة وبرنامجها، في يناير 1999، دون أن ندعى للمساهمة في المؤتمر ذاته، بل ودون أن تصلنا أي من الأوراق التي قدمت له.

    • بدأت المشاكل تأخذ الطابع العلني والحاد عقب لقاء الصادق بالترابي في جنيف. أصدرنا من جانبنا بياناً لم يرفض اللقاء أو يدينه، وإنما يطالب الصادق أن يعلن تفاصيل ما دار في اللقاء حتى يؤيده الناس أو يعارضوه. وإذا بنا نفاجأ بالسيد وراق يطلق تصريحات تؤيد اللقاء تأييداً غير مشروط، وتطنب في مديح الصادق شخصياً.

    • عقب ذلك، وانطلاقاً من إستراتيجية الحركة المتفق عليها، عبرنا عن تأييدنا لعملية تفجير خط أنابيب البترول الأولى. نحن كنا ومازلنا على قناعة بأن موقفنا كان صائبا، ولكننا لم ولن نرفض النقاش والتصحيح حول هذا الأمر. وبدلاً من ذلك، عاجلنا السيد وراق ببيان لم يكتف بإدانة تلك العملية وإنما أعلن رفضه القاطع لأي تغيير بالقوة سواء أن أتى من الخارج أو الداخل.

    • في نوفمبر 1999 علمنا، مصادفة، أن قيادة الداخل بصدد جمع توقيعات “مليون" شخص على مذكرة للسلطة تطالبها بالاستجـابة لمساعي الحل السلمي. ثم علمنا بعد ذلك أن السيد وراق قد رفع تلك المذكرة للصادق المهدي، والذي أعاد بناءها فخفض من سقفها المنخفض أصلاً وصب على لغتها المهادنة ذلاً و استجداء إضافيين. قد نعود إلى مضمون تلك المذكرة فيما بعد، ولكن ما يهمنا هنا هو مقارنة هذا المستوى الرفيع من الاتصال والتنسيق بين السيد وراق والسيد الصادق المهدي، بمستوى الاتصال مع قيادة الحركة في الخارج .

    • رفضنا إعلان "نداء الوطن" الصادر عن لقاء البشير والصـادق في جيبوتي، وعبرنا بوضوح عن الأسس التي استندنا إليها في رفضنا ذلك الإعلان واللقاء الذي تم من خلف ظهور الجميع. ومرة أخرى فوجئنا ببيان من قيادة الداخل يؤيد الإعلان وما قام به الصادق تأييداً غير مشروط.

    • ذلك غير التصريحات و المقابلات الصحفية التي لم توفر بنداً في خط الحركة السياسي، أو في وثيقتها التأسيسية، أو في قرارات مؤتمرها الأول، لم تنحرف عنه تصريحاً أو تلميحاً. بالإضافة إلى الأنباء التي أخذت تتواتر عن حملات الإبعاد والفصل الجماعي بمختلف التهم وسط قواعد الحركة بالداخل.

    لم يعد من الممكن بعد كل ذلك تبرير ما يحدث بضعف الصلة أو اختلاف التكتيكات وما إلى ذلك، وأصبح واضحاً وجلياً لنا في اللجنة التنفيذية ولغيرها من قيادات الحركة، أن "التكتيكات" الحقيقة هي ما يمارسه السيد وراق معنا لا مع السلطة، وأن ما يجري من أمور في الداخل، والتجاهل المتعمد لرسائلنا وإهمال الرد عليها، ليس سوى مخطط مدروس لشراء الوقت اللازم لإبعاد المعارضين، وفرض خط سياسي جديد عبر إجراءات عملية، ومن ثم تصفية الحركة تماماً. ولم يعد السكوت ممكناً.

    وكان رأي أغلبية أعضاء اللجنة التنفيذية وقيادات الحركة هو ضرورة التصدي العلني والفوري وفضح المؤامرة من أجل الحفاظ على كيان الحركة موحداً حول خطها وبرنامجها الأصلي، وأن الأضرار التي ستلحق بكيان الحركة في الداخل والخارج وبصورتها ومصداقيتها لدى الجماهير من جراء خط السيد وراق، هي اكبر وأكثر فداحة من أي أضرار قد تنجم عن التصدي له وفضحه. ولكن كانت هناك أقلية، وكنت من بينها، ترى في التصدي العلني والفوري خدمة لمخطط السيد وراق تعطيه الفرصة لاتهامنا بأننا نحن، وليس هو، الذين نسعى لقسمة الحركة وشقها. وأنه من الأفضل التريث ومحاصرة الأمر ريثما يوثق كل طرف موقفه من الخلاف ورؤيته لأسس وكيفية حله، ثم بعد ذلك الالتقاء بممثلين لقيادة الداخل في محاولة للوصول إلى حل يكفل وحدة الحركة. ورغم قناعة الأغلبية بأن محاولة مثل هذه لن تصادف من قيادة الداخل إلا آذاناً صماء، إلا أنهم وافقوا على منح المحاولة فرصتها دون استباق للنتائج.

    اتصلت عقب ذلك ب "نزار أيوب" عضو قيادة الداخل وشرحت له الفكرة، فأخطرني بموافقته الشخصية وأنه سيشاور الآخرين ويعود لي برأيهم. مر أكثر من شهر دون خبر، وفي خلال هذه الفترة التقيت أحد أصدقاء الحركة من دولة أخرى ورداً على أسئلته المشفقة شرحت له ما جرى، فتطوع وصاغ الأفكار الرئيسية لاقتراحنا كتابة وبعثها بالفاكس إلى السيد وراق طالباً رداً مكتوباً، لا زال ينتظره حتى الآن! في منتصف ديسمبر المنصرم ابلغني أحد الأصدقاء المشتركين أن "نزار" طلب منه إبلاغي بموافقة قيادة الداخل على الاجتماع. اتصلت ب "نزار" مجدداً فأكد لي ذلك مشيراً إلى أنهم لا يرون داعياً لصياغة المواقف كتابة. فذكرته أولاً، بأن مبادرة مكتوبة في اتجاه الاقتراح الذي ناقشناه قد سبق إرسالها لهم وأننا كنا نتوقع رداً كتابياً عليها. كما أوضحت له أن توثيق المواقف ضروري جداً لتحديد نقاط الخلاف والاتفاق، وضروري لوضع أجندة الاجتماع ذاتها.

    بعد ذلك مباشرة، وبتاريخ 16/12/1999 قمت بصياغة رسالة إلى قيادة الداخل تضمنت اقتراح عقد الاجتماع مفصلاً، ومربوطاً بجدول زمني لتبادل الوثائق وتداولها، وعدد ممثلي كل طرف، وتفويضهم اتخاذ القرارات، وكيفية اتخاذها، وأنها ملزمة للطرفين، وتعهد قيادة الخارج بتحمل تكاليف انعقاد المؤتمر بما في ذلك نفقات سفر وإقامة ممثلي الداخل. وبعد محاولات ماراثونية، إزاء إصرار العنوان الذي أعطوني إياه التهرب من استقبالها، تم إرسال الرسالة. بعد ذلك بعشرة أيام تقريباً تسلمت رد القيادة الوطنية للداخل يعلن موافقتها على الاقتراح مع تعديلات غير جوهرية، مؤكدين أن وثيقتهم ستصلنا بتاريخ 22 يناير 2000م.

    في انتظار تلك الوثيقة، قمنا بإعداد وثيقتنا ووزعناها لفروع الخارج لمناقشتها تمهيداً لإرسالها لقيادة الداخل، وشرعنا في الإعداد للمؤتمر وتم تكليف مجموعة بمتابعة إجراءات التحضير. انتهى كل ذلك، وأتى 22 يناير 2000م ومضى، ولم يصلنا شيء. حاولت الاتصال عدة مرات للاستفسار عن أسباب التأخير، ولكني فشلت في الوصول لمسئول يوضح لي الأمر، إلى أن فاجأتنا الأنباء بأن قيادة الداخل تعد لعقد مؤتمر لإقرار خط سياسي جديد وعلاقة تنظيمية مختلفة مع كيان الحركة في الخارج. فسارعت من جديد للاتصال، وبعد إلحاح تمكنت من الوصول إلى "نزار أيوب" الذي أكد لي ما سمعت، وأن المؤتمر سيعقد في صبيحة اليوم التالي و قد تم توجيه الدعوة سلفاً للضيوف والإعلاميين لحضوره، وأنه سيجيز خطاً سياسياً مختلفاً وبنية تنظيمية جديدة تمنح صلاحيات قيادة الحركة بكاملها للداخل.

    استغرقت المحادثة أكثر من ساعة، حاولت فيها إقناعه بضرورة تأجيل المؤتمر، إذ أن عقده، بأجندته التي أوضحها، لي لا يعني سوى قطع الطريق وإغلاق الأبواب، قبل الأوان، أمام أي محاولة للحوار ويجهض الاجتماع المزمع عقده، ولم أفلح. في النهاية، طلبت منه أن يسجل مناشدة مني تضمنت نفس المعاني التي ذكرتها، وأمليتها عليه ليقرأها على المؤتمرين لدى افتتاح أعمالهم، ووعدني الرجل بأن يقرأ نص تلك المناشدة ليقرر أعضاء المؤتمر بشأنها ما يرونه مناسباً. بعد ذلك علمنا من الصحف بما كان، فاتصلت ب "نزار" وسألته إن كان قد قرأ مناشدتي للمؤتمرين، فأجابني بأنه لم يفعل، لأنه انشغل بإجراءات المؤتمر واستقبال الضيوف !!! تلك هي وعود القادة على مستوى المكتب التنفيذي في الداخل!

    حقيقة، لم تكن تساورني أي أوهام بأن مؤتمراً على تلك الشاكلة، يعقد في ظل التنكيل الذي حاق بعضوية الحركة في الداخل ولم يسلم منه إلا الاتباع، ويستدعي للبصم على خط سياسي مختلف تم تطبيقه عملياً منذ عام و نيف، لن تكون فيه حياة كي تنادى. ولكنني رأيت أن أضعهم أمام مسئولياتهم. لقد حجب السيد وراق المناشدة عن المؤتمر لا خوفاً من تأثيرها علي المؤتمرين، فنتيجتها معروفة ومقررة سلفاً. ولكنه لم يعرضها، حتى لا تدرج في أجندة ومحاضر المؤتمر، تفادياً للتوثيق، وحتى يتمكن هو من التهرب من المسئولية، فهو يحرص دائماً على إخفاء آثاره .. ولكنه إن كان لا يريد أن يترك أثراً يحسب عليه، فلن يترك أثراً يحسب له… ويذهب الزبد جفاءً.

    ذلك فيما يتعلق باتهامنا بقطع الطريق أمام المؤتمر، أما اتهامي بالتسبب في الخراب الذي حل ببنية الحركة في الداخل والتشويه الذي تم لصورتها في الخارج والداخل معاً، فإنني أعترف به تماماً. لقد نسيت القول المنسوب للإمام علي، كرم الله وجهه، "الوفاء لأهل الغدر غدر"، ووقفت ضد أغلبية قيادات وأعضاء الحركة، رغم علمي التام بحقيقة توجهات وأغراض السيد وراق، وساهمت بفعالية في تمهيد الطريق أمامه وتوفير الزمن المطلوب والفرصة الكافية له لتخريب الحركة. لكن واجب السيد وراق هنا هو أن يشكرني على ذلك، لا أن يهددني بإجراءات "انضباطية".

    اللامركزية التنظيمية والمركزية الأخلاقية:

    يقول السيد وراق أن "نظم اللامركزية المعتمدة في العلاقة بين رافدي الحركة تعيقنا من اتخاذ أية إجراءات "انضباطية" في حق الخاتم عدلان ومحمد سليمان". إذا كان ذلك هو العائق الوحيد أمام السيد وراق، فإنني أبعده وأزيحه عن طريقه تماماً. فأنا لم أرى نفسي يوماً أرفع أو أعلى من المحاسبة سواء جاءت ممن هم دوني أو من أقراني، ولم ولن أتفاداها بحجة فنية أو إجرائية أو غير ذلك، لأن الامتثال للمحاسبة والخضوع لها أمر أخلاقي بالدرجة الأولى في عرف الناس العاديين من أمثالي، وهو قاعدة أساسية من قواعد الديمقراطية. ما يتجاهله السيد وراق هو أن الذي كان يربط بيننا لم يكن علاقة تنظيمية بحتة، بل كان أسمى وأرفع من ذلك بكثير. ما كان يوحدنا هو "المركزية الأخلاقية" التي تضمن الالتزام التام بالبرنامج والخط السياسي الذي أجزناه معاً، والعمل بصدق وأمانة لتنفيذ تعهداتنا والتزاماتنا تجاهه. وهو بحديثه عن "اللامركزية التنظيمية" يريد أن يتفادى تلك القواعد الأخلاقية، لأن موازينه فيها أخف من العهن المنفوش.

    أنني اطلب من السيد وراق أن يحاسبني وفقاً لتلك "المركزية الأخلاقية". وهاأنذا، أعلن استعدادي للمثول للمحاسبة العلنية أمام أي هيئة يختارها هو، وطالما أكد هو في بيانه أن موقفنا "لا يعبر عن الاتجاه العام وسط قيادات وقواعد الحركة في الخارج"، فلن تواجهه أي صعوبة في تشكيل تلك الهيئة. طلبي الوحيد من السيد وراق لقاء هذا العرض المغري، هو أن يقبل المعاملة بالمثل. فليشرع في تكوين هيئته وليعلن صحيفة اتهاماته.

    إن التزامنا بالقرارات والوثائق التي أجزناها معاً هو أمر تنظيمي وأخلاقي معاً. تنظيمياً تظل تلك القرارات والوثائق ملزمة تماماً وتمثل المرجعية للجميع إلى أن تعدلها أو تغيرها الهيئة التي أجازتها من قبل، أو هيئة ذات سلطات أعلى منها وبذات الوسائل التي تم إقرارها بها أولاً. على هذا الصعيد تظل الوثيقة التأسيسية وقرارات المؤتمر العام الأول للحركة ملزمة تنظيميا للسيد وراق وللداخل، تماماً كما هي ملزمة لنا وللخارج، إلى أن نعدلها أو نغيرها معاً.

    أما أخلاقياً، فإن التزام المرء بما يختاره أو يوافق عليه طوعاً ووفائه بتعهداته يظل أحد أهم أسس وأركان العلاقة بين البشر الأسوياء، وبدون ذلك تنفرط المجتمعات. إن التزامات و اتفاقات وعقود وتحالفات سياسية واقتصادية مالية كفيلة بتغيير وجه البسيطة، تتم اليوم شفاهة دون عقود مكتوبة أو مواثيق ممهورة، وفقط بناءً على التزام الناس بكلمتهم. أما في السودان فقد ظلت أقدار الناس، وإلى ما قبل سيادة أخلاق "المشروع الحضاري"، تقاس بكلمتهم، وقد ظل السيد وراق يتهمنا بأننا، بحكم وجودنا في الخارج، فقدنا العلاقة بواقع الأشياء في السودان، وقد يكون صادقاً في اتهامه ذلك، إذا كان ما رأيناه من أفعاله يعبر عن واقع الأشياء في السودان الآن.

    إن إفراغ العلاقة التنظيمية من مضامينها السياسية والأخلاقية، يحيلها إلى حزمة من الإجراءات والوسائل الميكانيكية والبيروقراطية التي لا تستخدم، كما برهن التاريخ والتجارب كلها، إلا لإخراس أصوات المعارضين وطردهم ثم تحويل الباقي من العضوية إلى تبع منعدمي الإرادة. وذلك بالتحديد هو ما فعله السيد وراق بالحركة في الداخل، واستطاع من خلاله فصل الغالبية العظمى من قواعد حركة (حق) داخل السودان وطرد وإبعاد وتهميش وتجميد هيئات ومدن وفروع طلابية بأكملها.

    ولكن ترى على ماذا سيحاسبنا السيد وراق ؟ أعلى الالتزام الصارم ببرنامج الحركة وخطها السياسي وأدواتها وأساليبها في العمل، والتي شارك هو شخصياً ليس فقط في إجازتها وإقرارها، وإنما في إعدادها وصياغتها ؟ أم على السعي الجاد لنشرها وتوطيدها ووضعها موضع التنفيذ ؟ هل يحاسبنا على التمسك بمواجهة السلطة بهدف إسقاطها ؟ ولكن السيد وراق ينفي في بيانه الأخير أنه تخلى عن ذلك التوجه وذلك الهدف، ويستنكر اتهامنا له بذلك ويسميه إدعاءً. هل يحاسبنا على الالتزام بالمواجهة الشاملة المسلحة ؟ ولكنه نظم فيها شعراً في بيانه المذكور، وذكر أنه "لا يدين العمل المسلح"، أ حرام على بلابله الدوح .. حلال على الطير من كل جنس. هل يحاسبنا على التمسك بفصل الدين عن الدولة ؟ كيف وهو، كما ذكر في بيانه، قد طور العلمانية، بل واكتشف لها صيغاً جديدة. هل يحاسبنا على استبعادنا ورفضنا لمفهوم الانتفاضة المحمية بواسطة القوات المسلحة وعلى رأينا في الجيش أنه أصبح تابعاً لميليشيات الجبهة الإسلامية وذراعاً عقائدياً لها ؟ هل وهل… ذلك ينقلنا للشق الآخر من الخلاف.
    عملية اختطاف الحركة:

    يتمحور الشق السياسي من الخلاف، وكما ذكرنا سابقاً، في قراءة الوضع السياسي في السودان والتطورات التي طرأت عليه منذ مجيء السلطة الراهنة وتحديد وسائل مواجهتها والتصدي لها سلماً وعنفاً. والأسئلة المطروحة هنا هي بالتحديد، هل تجاوزت الأحداث الوثيقة التأسيسية ل(حق) وهل تحتاج هي بالتالي إلى صياغة وثيقة جديدة تعبر عن هذه المواقف المستجدة ؟ وهل حدثت على صعيد السلطة تطورات جوهرية تقتضي منا تغيير موقفنا منها واستراتيجيتنا و تكتيكاتنا إزاءها ؟ إننا نرى أن الدولة التي أقامتها الجبهة الإسلامية منذ عشر سنوات ووطدتها ما زالت قائمة بثوابتها وركائزها وقوانينها و مؤسساتها وأهدافها. نعم، حدثت بعض التطورات والمتغيرات، ولكنها في رأينا تغيرات ثانوية وعابرة ولا يمكن اعتبارها تحولات جذرية في طبيعة النظام.

    بالتالي فإن استنتاجاتنا الرئيسية التي تضمنتها الوثيقة التأسيسية، وأقرها وأكد عليها المؤتمر الأول العام للحركة، والتي تنص على أن الجبهة اِلإسلامية قد خططت ونفذت برنامجاً متكاملاً للحيلولة دون إسقاطها بالوسائل السلمية وحدها، وعلى أن المواجهة المسلحة ليست أمراً اختيارياً، بل واقع اختارته وفرضته فرضاً الجبهة الإسلامية القومية، تظل استنتاجات سليمة وصائبة. الجبهة الإسلامية القومية لن تتنازل سلماً إلا عما توقن بأنه سيؤخذ منها بالقوة. ولذلك فإن للحل السلمي الحقيقي الذي يحقق مطالب المعارضة كافة، سواءً عن طريق الانتفاضة أو التفاوض، له فرصة واحدة للنجاح، وهي أن يتم في سياق المواجهة المسلحة الشاملة، مستنداً إليها ومرتبطاً بها.

    رأينا هذا ليس منزلاً، بل ولا أي من وثائقنا أو قراراتنا. إنها بمجملها خاضعة للنقاش والتعديل والحذف والإضافة والإلغاء، كما تقتضي التطورات، ولكن وفق القواعد التنظيمية الديمقراطية. وأمام من يرى ضرورة تعديل خط الحركة، أن يسعى داخل الحركة وبكل السبل الديمقراطية، بما في ذلك تكوين التكتلات والتيارات، لإقناع العضوية بصواب وجهة نظره. وأن يستخدم كل منابر الحركة الداخلية لنشر رأيه وحشد الآخرين حوله. ولكن إلى يتمكن من ذلك، و يستطيع من خلال مؤتمر عام للحركة تغيير مواثيقها ومنطلقاتها الأساسية، فعليه الالتزام جماهيرياً بها. بل إن أراد التعبير عن وجهة نظره خارج الأطر التنظيمية، فيمكنه ذلك، شريطة أن يوضح أنه يعبر عن وجهة نظره هو أو عن وجهة نظر تيار داخل الحركة، لا عن الحركة ككل. أما بالنسبة للقياديين على مستوى العمل الجماهيري، والذين يصعب على "ضميرهم الحي" أن يجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن رؤية سياسية لم يعودوا يؤمنون بها، فإن واجبهم، إن اختاروا البقاء داخل الحركة، هو التخلي عن مواقعهم تلك والتحول إلى مواقع أخرى يستطيعون من خلالها العمل لنشر أفكارهم. ذلك هو التقليد السائد في كل التنظيمات الديمقراطية.

    لقد تخلى السيد وراق و نكص على أعقابه عن كل منطلقات الحركة وخطها. لقد تخلى عن هدف إسقاط السلطة عبر أي وسيلة، وقبل بالتسوية السياسية معها وقبل بتنازلات تقدمها كما تشاء ومتى تشاء، وأدبر عن المواجهة المسلحة و أدانها. واستخدم موقعه القيادي لتزييف موقف الحركة ورؤيتها، وتلك ممارسة لا علاقة لها بالديمقراطية ولا بالأخلاق، إنها عملية اختطاف في وضح النهار، لا أكثر ولا أقل.

    يصر السيد وراق في بيانه الأخير على أن ما نقوله محض افتراءات وأكاذيب وتضليل متعمد، و يستند في ذلك إلى فقرات منتقاة من وثيقته الجديدة. نحن لم نطلع على النص الكامل لوثيقته التي أجازها مؤتمره الأخير، ولكن ذلك ليس مهماً، لسبب واضح وبسيط، وهو معرفتنا التامة بمدى احترام والتزام السيد وراق بالوثائق، لا وثائق الآخرين فقط، وإنما وثائقه التي يخطها بيده أيضاً. ولذلك سنعتمد في تناولنا تلك الوثيقة على ما استند إليه هو من فقرات، وهي فقرات، رغم أنه انتقاها بدقة لتعبر بأوضح وأفضل ما يكون التعبير عن موقفه، إلا أن المرء يحتاج إلى بوصلة ومايكروسكوب حتى يهتدي إلى ذلك الموقف.

    منهج المقاومة أم اجتهاد المساومة؟

    يقول السيد وراق أن وثيقته تنص على أن "تسعى (حق) كأولوية سياسية مطلقة إلي استعادة الديمقراطية التعددية كاملة غير منقوصة وفق المعايير الدولية المعتمدة لحقوق الإنسان والتي تشمل ضمن ما تشمل ضرورة حل سلمي ديمقراطي عادل لقضايا القوميات في البلاد، ويتحقق ذلك باحتمالين، إما بإسقاط سلطة الإنقاذ، أو عبر تسوية سياسية شاملة." ثم يقفز مباشرة إلى فقرة أخرى تتحدث عن وسائل إسقاط النظام، و يقول أنه "من بين حزمة هذه الوسائل فإن (حق) تتبنى المقاومة المدنية." وفي النهاية يورد السيد وراق هذه الفقرة ليدحض نهائياً اتهامنا له بإدانة المواجهة المسلحة، "وما لم تتوفر آليات وضمانات التداول السلمي الديمقراطي للسلطة فإن العنف المعارض يظل مشروعاً، وإذ تفضل (حق) آليات المقاومة المدنية كاجتهاد سياسي، فإنها لا تنسخ اجتهادات الآخرين، ولا تدين العمل المسلح المعارض."

    نلاحظ أولاً، أن السيد وراق لم يذكر في الفقرة الأولى أي الاحتمالين لاستعادة الديمقراطية، إسقاط النظام أم التسوية السياسية، هو الأرجح. ثانياً، هو يريدنا أن نفهم من سياق الفقرة الثانية، ومن السياق فقط، أن (حق) تتبنى إسقاط السلطة. قد يكون الأمر كذلك، ولكن طالما أن إسقاط السلطة مطروح كاحتمال فقط، كما ورد في الفقرة الأولى، فإنه يمكن للسيد وراق ولأي شخص آخر، بل وللنظام نفسه، أن يتحدث عن إسقاط النظام كما يشاء، وأن يختار ما يريد من العدة والأدوات المناسبة "تحسباً له"، فليس هناك من جهة يمكنها أن تحاسب أو تسائل الناس عن "الاحتمالات". أما في الفقرة الثالثة، فهو يربط مشروعية العنف المعارض ب "افتراض" عدم توفر آليات وضمانات التداول السلمي للسلطة. ولكن الأمر لا يتعلق بسلطة في رحم الغيب أو في بلاد واق الواق، وإنما بسلطة موجودة وماثلة أمام ناظرينا بسياساتها وممارساتها التي تطبقها علينا آناء الليل وأطراف النهار. لذلك فإن مشروعية العمل المسلح لا تتحدد بالهروب إلى افتراضات نظرية والاختباء خلفها، وإنما بناءً على واقع محدد معروف ومعلوم، وراهن. هل آليات وضمانات التداول السلمي والديمقراطي في ظل هذه السلطة الراهنة، موجـودة أو حتى واردة أم لا ؟ ذلك هو السؤال . وعلى ذلك الأساس يتخذ الناس موقفهم من العمل المسلح. إن كان مشروعاً، فدور (حق) لن يكون الاكتفاء بعدم إدانته. وإن كان غير ذلك فإن واجبنا لن يكون الاكتفاء بإدانته، وإنما محاربته وهزيمته. لسنا متفرجين، والقضية ليست "اجتهادات" ينسخ بعضها بعضا.

    إن الفقرات التي أوردهما السيد وراق تثير أسئلة تحير المرء وتؤرقه. إذا كان من الممكن فعلاً استعادة الديمقراطية، بشروطها تلك التي نص عليها السيد وراق، عبر التسوية السياسية الشاملة، فلماذا يقول في وثيقته الجديدة أنه "لا يدين العمل المسلح"؟ لماذا كل هذا الحياد "السويسري" ؟ أليس من الواجب عليه كقائد مسئول أن يجنب الناس والبلاد شرور الحروب وويلات المواجهات طالما أنه من الممكن تحقيق نفس الأهداف سلماً؟ وإذا كان من الممكن، حقيقة، استعادة الديمقراطية كاملة غير منقوصة وحل كل قضايا الوطن عبر التسوية، فلا بد أن الذين يطرحون احتمال إسقاط النظام هم مجموعة من الاقصائيين والاستئصاليين. ولو اختار السيد وراق ذلك الموقف لكان اختياراً مفهوماً، لكنه لا يفعل ذلك وإنما يختار ل (حق) المقاومة المدنية الواردة ضمن أدوات المواجهة الشاملة لإسقاط نظام الإنقاذ! هل يهوى إسقاط الأنظمة "لله فالله" ؟ هل يحب المواجهات وإشعال الحروب دون سبب ؟

    من الملحوظ أن السيد وراق عدد آليات استعادة الديمقراطية "الكاملة غير المنقوصة" عبر احتمال إسقاط النظام وحدد الآلية التي يفضلها ل(حق) في إطار ذلك الاحتمال. ولكنه لم يوضح الآليات الواردة ضمن احتمال "التسوية السياسية الشاملة"، كما لم يحدد الطبق الذي يفضله ل (حق) من ضمن "قائمة الأطعمة" التي يعدها ويقدمها طهاة هذه التسوية السياسية الشاملة. ذلك من جانب، أما من الجانب الآخر، فهو لم يشرح ماهية هذه التسوية وقواعدها وأركانها. إن الحل المسمى ب "التسوية السياسية الشاملة" هو من قبيل الغول والعنقاء والخل الوفي، فالعبارة في حد ذاتها، وابتداءً، تحوي تناقضاً ينفيها ويلغيها من الوجود تماماً. إن "التسوية" في القاموس السياسي تعني التنازلات المتبادلة، وبهذا المعني فهي لا يمكن أن تكون "شاملة" وأي حلول تأتي عبرها لن تكون شاملة، بل ناقصة وجزئية. تلك التنازلات، لا تقدمها الأطراف، أي أطراف دع عنك الجبهة الإسلامية، بمحض اختيارها، وإنما تحددها وتفرضها موازين القوى. هذه الموازين ليست في مصلحة المعارضة حالياً، ولكن حتى إذا افترضنا جدلاً تعادل ميزان القوى بين الطرفين أو رجحانه لصالح المعارضة، فإن مبدأ التسوية سيفرض على المعارضة أن تتنازل عن قدر ما من "الديمقراطية الكاملة غير المنقوصة".

    لا نعتقد أنه يمكن لحركة سياسية جادة "ترى في نفسها مستقبل السودان"، أن تطرح مسائل التصدي للسلطة واستعادة النظام الديمقراطي التعددي القائم على فصل الدين عن الدولة واحترام حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون، وحل قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، في شكل احتمالات. فمستقبل السودان وشعبه ليس مطروحاً للرهان. بوضوح، ودون لف أو دوران، ليس هناك احتمالان لاستعادة النظام الديمقراطي وحل القضايا التي أشرنا إليها حلاً حاسماً وجذرياً يفتح الباب أمام الشعب السوداني للتقدم و اللحاق بركب العصر. هناك احتمال واحد فقط، وهو إسقاط النظام الحالي. أما "التسـوية السياسية الشاملة" و "الحـل السياسي الشامل" و " تفكيك النظام أو دولة الحزب لصالح دولة الوطن" فهي أسماء شتي لشيطان واحد هو التصالح مع الجبهة القومية الإسلامية وإعفاؤها من المساءلة عما ارتكبت في حـق الوطن والشعب من جرائم وآثام منذ 30 يونيو 1989 ، واقتسام السلطة معها وفق شروط متفق عليها، وهي شروط لن تكون إلا لمصلحتها في ظل توازن القوى الحالي. وذلك ليس حلاً، وإنما أزمة جديدة.

    يتحدث السيد وراق عن "اجتهاد" المقاومة المدنية. لا اعتراض لدينا على ذلك، وإن كنت شخصياً أتحفظ على منهج "الاجتهاد" هذا وما ينطوي عليه من إيحاءات، وأرى أن المسائل السياسية يجب أن تحسم وفقاً للدراسة العلمية المنهجية القابلة للتمحيص والفحص، لا اجتهادات الشيوخ والسادة بمنطقها الباطني غير المتاح للعامة من أمثالنا. ولكن وراق لا يذكر ماهية تلك المقاومة المدنية ولا يحدد أشكالها وأهدافها الآنية أو البعيدة. عموماً، نحن لا نحتاج أن يطلعنا على ذلك أحد، فجملة ممارساته قبل وبعد المذكرة المليونية تفضح تماماً ما يعنيه هو بالمقاومة المدنية.
    بصورة عامة، هناك منهجان، وليس احتمالان، للتعامل مع السلطة الراهنة، منهج المقاومة ويستهدف إسقاط السلطة، ومنهج المساومة ويستهدف مصالحتها، وتندرج تحت كل منهما درزينة من الآليات والوسائل. الأمر المهم، والذي يميز بين المنهجين، هو الهدف النهائي ثم الهدف المباشر والمحدد للوسيلة أو الآلية المستخدمة. العمل المسلح حينما يكون هدفه إسقاط النظام يندرج تحت المنهج الأول، وحينما يكون هدفه الضغط على النظام للحصول على بعض التنازلات يندرج تحت منهج المساومة. المقاومة المدنية حينما ترد ضمن منهج المقاومة، تمارس في تعاضد مع المواجهة المسلحة وأشكال المقاومة الأخرى وفي ترادف معها ويكون هدفها تحريض الجماهير ولفها حول شعار إسقاط النظام، أما حينما تمارس باللجوء إلى محافظ أم درمان أو إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان في المجلس الوطني المنحل فإنها تندرج تحت منهج المساومة. وعلى ذلك النهج تعجم أعواد بقية الآليات بما فيها الانتفاضة الشعبية والتفاوض.

    التوزيع العادل (للثورة) وأدوات المواجهة:

    إذا كان السيد وراق قد فضح في عبارة واحدة من ثلاث كلمات هي "التسوية السياسية الشاملة"، مدى التلفيق الذي يتميز به خطه الجديد، فإنه في فقرة واحدة من وثيقته الجديدة يزيف، لا خط الحركة وحده وإنما طبيعتها ككل. يقول وهو يوزع مهام المواجهة الشاملة على القوى السياسية والاجتماعية ويعطي كل ذي حق حقه "إسقاط الإنقاذ يتم عبر آلية المواجهة الشاملة وهي جماع المقاومة العسكرية لجميع الأقليات المهمشة والأحزاب المعارضة، والمقاومة المدنية للجماهير خصوصاً تنظيمات وتكوينات القوى الحديثة. إضافة إلى الضغط الديبلوماسي السياسي والمعنوي للمجتمع الدولي. وتتكامل هذه الوسائل وتتصاعد حتى تصل ذروتها وتتوج بالانتفاضة الشعبية والإزاحة النهائية للسلطة. ومن بين حزمة هذه الوسائل فإن (حق) تتبنى المقاومة المدنية."

    أولاً، هكذا وفجأة يطرد السيد وراق (حق) من زمرة (الأحزاب المعارضة) مرة واحدة، ليضمها إلى مجموعة (عدم الانحياز) هذه المسماة بتنظيمات وتكوينات القوى الحديثة. ثانياً، إذا لم يكن مفهوم "القوى الحديثة" هذا قد عفا عليه الزمن، فقد هجرناه نحن عند إنشـاء الحركة، ولم يكن اختيار اسم "حركة القوى الجديدة" بدلاً من "الحديثة" اعتباطاً، وإنما كان تعبيراً واضحاً عن تلك الهجرة، أو على الأقل عن الرغبة فيها. وتأكيداً لذلك، حدد المؤتمر العام الأول في صياغته لاستراتيجية نمو الحركة أن "تترافق مع بناء الحركة في الداخل، مهمة لا تقل عنها أهمية، وهي الانتقال من الصفوية إلى الشعبية، ومن مواقع الفئات المثقفة والمتعلمة، إلى صفوف الشعب بكل طبقاته وفئاته وثقافاته وأعراقه، ومن المدينة إلى الريف." ولكن لنترك وثائق الحركة ومؤتمراتها، فالسيد وراق لا يعير ذلك اهتماماً، ولنرجع إلى وثائق قيادة الداخل التي خطها هو بيده، لنقرأ في وثيقة "قضايا وأسبقيات ما بعد المؤتمر" هذا التعريف ل(حق) "إنها حركة ترى في نفسها مستقبل السودان ونهضته وحداثته على أساس ديمقراطي اجتماعي واسع وجارف وغالب. وسيظل ذلك هو الهدف الأساسي للحركة في مستقبلها المنظور، وذلك هو ما يحدد قضاياها وأسبقياتها." كيف يتسنى لحركة تصنف نفسها ضمن "القوى الحديثة" أن تتحول إلى تيار اجتماعي جارف في مجتمع تبلغ نسبة الأمية فيه أكتر من 85% ؟

    حينما تحدد (حق) أن أسبقيتها الأولى هي المواجهة المسلحة مع السلطة والعمل لإسقاطها، يهرب السيد وراق من ذلك قائلاً أن الأسبقية الأولى هي البناء والتحول إلى تيار اجتماعي جارف. وحينما يواجه بمتطلبات البناء وفق الأهداف التي وضعها هو بنفسه، ينتقل ب (حق) من صفوف الفئات الشعبية والجماهير الواسعة إلى صالونات القوى الحديثة، وهكذا… السيد وراق في حقيقة الأمر لا يريد ل (حق) أن تواجه ولا يريد لها أن تبني ( هذا بافتراض أن هناك تناقضاً بين الاثنين، وذلك في منظورنا غير وارد)، وهو لا يريدها وسط القوى الجديدة، أو بين القوى الحديثة، بل ولا أينما كان "النفير". إنه يريدها فقط حيثما كان هو، بتناقضاته كلها، "قدم في الماء وقدم في السماء"، وحيثما كان هو تشرق الشمس!

    نعود الآن إلى ذلك التوزيع العادل "للثورة"، والذي قسم فيه السيد وراق الأدوار بين "الأقليات المهمشة"، والتي يأبى حظها التعيس دائماً إلا أن يرميها في المحظورات، فيبتليها بالمقاومة العسكرية، و بين "الجماهير" و تكوينات وتنظيمات القوى الحديثة "بنت الناس" التي ينعم عليها بالمقاومة المدنية. لقد تطرقت الوثيقة التأسيسية ل (حق) لتفاوت أساليب وأدوات النضال بين جماهير المدن وجماهير المناطق المهمشة باعتباره أمراً سلبياً، وانطلقت من ذلك لتستشف فرص الوحدة الكاملة للشعب في كل بقاع الوطن بقولها "وفرت الجبهة الإسلامية لهذه القوى فرصة تاريخية لتضيف إلى وحدة برنامجها السياسي، ورؤيتها للسودان الجديد، وحدة أساليبها النضالية وأدواتها القتالية". ولكن الناس بالنسبة للسيد وراق ، ورغم كل ما يقال، ليسوا سواسية. وطالما أن الحرب وأهوالها تدور بعيداً فلتدر، وطالما أن وقودها المهمشون والحجارة فلتستعر. و الغريب أن السيد وراق، في وثيقته التي أجازها مؤتمره الأخير، ينتقد الحركة الشعبية لتحرير السودان لأنها "تختزل الثقافة إلى الجينات العرقية". إنه هنا لا يختزل الثقـافة فقط وإنما حق الحياة ذاته في الجينات العرقية. وبعد، فإلى أي قاع سحيق، بل إلى أي هاوية بلا قرار يدفعنا السيد وراق؟

    إدانة المواجهة والمراهنة على التيار الإسلامي:

    تخلي السيد وراق عن المواجهة المسلحة أكده بنفسه، وفي هذا لا نحتاج إلى قول الكثير. أما إدانته لها، وتبنيه المساومة مع النظام فهي ليست قصراً على وثيقته الجديدة فحسب، وإنما وردت في مواقع ومواقف شتى، وما نورده هنا ليس إلا غيضاً من فيض.

    في بيانه عن عملية تفجير خط أنابيب البترول أكد السيد وراق رفضه واستنكاره لأي تغيير عن طريق القوة سواء من الداخل أو الخارج. هل هناك من إدانة أوضح من ذلك ؟ وفي رسالته إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان بالمجلس الوطني المنحل، عقب إهانته وإذلاله خلال حملة "المليون" توقيع، يصف السيد وراق العمل المسلح "بالتطرف والعبط السياسي" ويصف جيوش المقاومة المسلحة بالبربرية والجهل وعـدم التمدن. أنظر قوله في رسالته تلك "وبكل صدق، إننا لو لم نكن قد تخيرنا أسـاليب الاحتجـاج المدني عن بينة وبصيرة، وبعد طول تأمل، فإن تلك المعاملة الهمجية كانت ستدفعنا حتماً إلى الخروج من المعتقل للالتحاق بالعمل المسلح، لكننا كنا وسنظل أناسـاً متمدنين في مواجهة أوباش وهمجيين."

    أما عن قبوله التسوية السياسية واعتماده على تنازلات النظام وعلاقته بتياراته المتصارعة، فالبيان الجماهيري عن نظام "التوالي" ثم كلمة السيد وراق عند خروجه"المعلن" للعلن يتحدثان عن "تنازلات .. ولكنها تنازلات غير كافية وغير مأمونة" . إذن هناك تنازلات كافية ومأمونة يمكن أن يقدمها النظام وتحقق مطالب الشعب! وفي كلمة الخروج العلني للعلن يطرح السيد وراق احتمال "أن تنجح ضغوط المطالب الديمقراطية في تجاوز سقف التوالي فتؤسس لانفراج سياسي حقيقي، وتطلق ديناميات التحول الديمقراطي السليم" . بمعنى أن النظام، ونتيجة لضغوط غير محددة الأداة ومبهمة القوة، يمكن أن يتحول سلمياً نحو الديمقراطية .

    في بيان جماهيري بعنوان "تحول هام في تركيبة السلطة"في أغسطس 1997 ، رأى السيد وراق أن هناك "عدداً من الإسلاميين الذين استخلصوا الدروس الصحيحة من تجربة الإنقاذ فقطعوا بهذا القدر أو ذاك مع التفكير الشمولي .. ولم يشكلوا تياراً واضحاً بعد" ، وطالبهم "بالتكفير عن خطاياهم السابقة، وتبرئة ذمتهم أمام الشعب بالانتظام وتخطي حالة الترقب والنصح والاستجداء، إلى الإسـهام الفاعل في كفاح الشعب لأجل الحرية ." على علاقة بهذا الأمر، محاولة السيد وراق تفنيد اتهامنا له بالتحالف مع (تيار التوبة) حيث يذكر أن الحديث عن التوبة ورد في وثيقته الجديدة في إطار تناول تنازلات الإنقاذ وأنها لم تشكل (توبة نصوحة) بعد. نحن لم نكن نتحدث عن نظام الإنقاذ بل عن تحالف معين يجمعه بذلك التيار وبالصادق المهدي، وهو تحالف تدل عليه شواهد واضحة أوردنا ونورد بعضها في هذا المقال. أما مسألة التوبة فهي نفسها تحتاج لبعض التوضيح، ترى هل هي "الاجتهاد" الذي يقدمه السيد وراق كبديل للمحاسبة والمساءلة عن جرائم هذا التيار؟

    في مقابلة مع مجلة "الشـاهد الدولي" يصف السيد وراق المصالحة المبنية على لقاء جنيف بين الصادق والترابي، بأنها إيجابية جداً وأنها وضعت إطار التسوية على الخط. ليس ذلك فحسب، بل يرى ضرورة أن تجري الحركة الإسلامية تسوية داخلها بأن يتصالح الترابي، الذي يصفه بأنه "بلور هموم الانفتاح المحلي سواء في صياغة الدستور أو إيمانه بحرية الضمير" وأنه "مؤسس لحرية الضمير"، مع تيار القصر أو مذكرة العشرة والذي بلور تيار الانفتاح الخارجي. ذلك إذن هو موقفه من صراعات وانقسامات الجبهة الإسلامية. ويؤكد ذلك الموقف في تصريح آخر لصحيفة "الوفاق" فيقول في شأن صراعات الجبهة الإسلامية محذراً إياها من الاستمرار في سياسة الإقصاء والإقصاء المضاد (المقصود إقصاء الجبهويين بعضهم بعضا) "إنني ما زلت حريصاً على وحدة قوى التسوية السياسية داخل الحركة (الإسلامية) ولابد من إزاحة التيار الانغلاقي والإنكفائي أو تهميشه لأننا لا يمكن أن نتسامح مع عدم التسامح."

    أليس مدهشاً كل ذلك الحرص على وحدة قوى التسوية داخل الحركة الإسلامية، مقارنة بحرص السيد وراق على وحدة حركة أخرى كان، حينما أدلي بذلك التصريح، أمينها العام. قد يكون مدهشاً أيضاً أن المتحدث أعلاه ليس عضواً في الجبهة الإسلامية! ولكن الأكثر إثارة للدهشة بالطبع هو تسامح الجبهة الإسلامية مع هذا التدخل السافر في شئونها الداخلية. ولكن انتساب السيد وراق للجبهة الإسلامية ليس بالضرورة انتساباً تنظيمياً، والجبهة نفسها وبثوبها الفضفاض الذي فصله دكتور الترابي "بذكائه الخارق وبرؤيته الاستراتيجية" (هذا الغزل ليس منا وإنما ورد على لسان السيد وراق) لا تطلب ذلك، وإنما تقبل في معظم الأحيان، وخاصة من المثقفين "…بالذي لو رآه الواشي لقرت بلابله…بلا، وبلا أستطيع وبالمنى… وبالأمل المرجو قد خاب آمله"! إن انتسابه السياسي والذي يؤكده، ضمن المواقف التي تعرضنا أو سنتعرض لها، هذا الموقف من انقساماتها يكفي الجبهة، وكذلك يكفيها انتماؤه الفكري والآيديولوجي الذي تفضحه، ضمن ظواهر أخرى، هذه التناقضات التي يحتشد بها خطابه.

    أجرت صحيفة "الراية" القطرية حواراً مع عدد من السياسيين السودانيين من بينهم السيد وراق، وكان وقتها لا يزال أميناً عاماً لحركة (حق) بالسودان، والأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد زعيم الإخوان المسلمين، والأستاذ سيد أحمد الحسين القطب الاتحادي المعارض المعروف. دار الحوار حول الدور المصري في السودان بعد أحداث رمضان ونشرته الصحيفة بتاريخ 19/2/2000 ، ونحن ننقل هنا فقرات من آراء القادة الثلاثة دون تعليق منا، وليقارن القارئ ويحدد بنفسه موقف كل من القادة الثلاثة من الحركة الإسلامية، انتماءً أو عداءً، ومدى التطابق أو الاختلاف بين المنطلقات والآراء:
    • يقول السيد وراق "أرى أن التصور الذي رسمته مصر للمستقبل السياسي القريب في السودان والذي يمكن استنتاجه من الاندفاع في تأييدها للرئيس البشير بعد خلافه مع دكتور الترابي – هو تصور مشغول ومهموم بالتخلص من التيار الإسلامي لدرجة انصرفت معها عن التحسب للنتائج الجديدة وشغلتها عن عوامل وقوى أخرى غير التيار الإسلامي."
    • بينما يقول الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد أنه "لا يرحب بالدور المصري الذي نشط بعد هذه القرارات" ويرى أن هدف مصر الأساسي هو إقصاء الإسلام السياسي."
    • أما الأستاذ سيد أحمد الحسين فيقول "مصر تسعى لإجبار المعارضة على الدخول في مصالحة مع نظام الإنقاذ وبالتالي تنقذه من سقوط مؤكد ومن المحاسبة التي تنتظره والمعارضة بمصالحتها الإنقاذ تدخل في نظام أصولي متطرف عذب الناس وسجنهم وقتلهم وألغى مكتسباتهم وبذلك تتلوث المعارضة بممارسات هذا النظام."
    لا تعليق.

    تقرير المصير وصحوة الضميرالثقافي:

    يدعي السيد وراق أننا كذبنا في اتهامنا له بالتخلي عن حق تقرير المصير الذي أجمعت عليه القوى السودانية، وبأنه صدر في تحليلاته عن مفهوم قديم هو الهوية الإسلامية والعربية للسودان التي يجب حمايتها أمام الطوفان الزنجي بكل الوسائل السبل، ويحيلنا إلى فقرة في وثيقته تنص على أنه في أسس "التسوية"! "في نهاية فترة الانتقال يستفتى جنوب البلاد بحدود 1956 ليختار بين وحدة طوعية بسلطات لامركزية يتفق عليها أو الاستقلال"، وهي فقرة دامغة حقاً. ولكن السيد وراق يفصل الاتهام الذي يريده لنفسه حسب قدرته على الدفاع عنها. إنه لا يكتفي بتزييف مواقف الحركة، وإنما يريد أن يزيف اتهاماتنا ذاتها.

    نحن لم نتهم وراق بأنه "تخلى عن حق تقرير المصير الذي أجمعت عليه القوى السودانية"، كما ذكر هو في بيانه، ولكننا اتهمـناه بأنه " تخلى عن حق تقرير المصير الذي أجمعت عليه القوى السودانية، باعتباره فرصة أخيرة للوحدة الطوعية للشعب والبلاد". بقية الجملة لم تسقط سهواً، ولم يحذفها السيد وراق لدواعي الاختصار فقد نقل الاتهام الثاني الوارد في نفس الفقرة "بضبانته". ولكنه أسقطها عمداً لأنها تمثل جوهر الاتهام الذي لا يستطيع أن ينكره أو يفنده. السيد وراق لا يرغب في تقرير مصير يفضي إلى الوحدة الطوعية، لأن مثل هذه الوحدة تنسف مشروعه القائم على السيادة العربية والإسلامية على السودان، من أساسه. إن ما يريده هو، مثله في ذلك مثل الجبهة الإسلامية وبقية قوى المشروع المشترك التي يسعى للتحالف معها الآن، وهذا ما سيؤكده السيد وراق بنفسه كما سنورد لاحقاً، أولاً، فترة (انتقال) ترسخ فيها سيادة المشروع العربي الإسلامي، ثم بعد ذلك إما وحدة قهرية مفروضة بقوة السلاح، كما تدل على ذلك وثائقه بما فيها وثيقة مؤتمره الأخير، أو تقرير مصير يفضي لانفصال الجنوب.

    كيف يتأتى لمدافع عن أو راغب في الوحدة الطوعية أن يقول عن القوات المسلحة أنها "تظل الضامن الضروري لعدم انزلاق البلاد إلى الفوضى والتفتت الأهلي." كما ورد في وثيقته الأخيرة، أو كما جاء في أعمال القيادة الوطنية في أبريل 1997 والتي تنوه "وإذ يشكل انفراط القوات النظامية خسارة شخصية لكل فرد من أفرادها، فإنه وفي المقام الأول يشكل خسارة ماحقة للوطن الذي تمثل القوات النظامية صمام أمان وحدته واستقراره وضامن عدم انزلاقه إلى الفوضى والاقتتال العرقي والطائفي." لا يمكن اعتبار القوات المسلحة صمام أمان وحـدة البلاد، إلا إذا كانت تلك الوحدة قائمة على القهر وقوة السلاح. أما الوحدة الطوعية فتحميها الإرادة الحرة والخيار الحر لشعب السودان في الشمال والجنوب معاً.

    أما عن اتهامنا له بأنه انطلق من مفهوم بال للهوية العربية الإسلامية للسودان، فهو لا ينفيه و لكنه يذكر انه "ورد في مجرى نقد رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان". ثم يورد فقرة مطولة يطالب فيها الحركة الشعبية باتخاذ موقف فكري وسياسي من وحدة السودان، ويتهمها بأن الوزن الانفصالي قد زاد داخلها وينزلق بها إلى تبني مركزية أفريقانية وإنكار عروبة السودان وهو موقف يصادم حقوق الإنسان، ثم يعطيها درساً في كفاح الضحايا الحق ضد الجلاد، وأنه لا يتم بالتماهي مع الجلاد واستلاف نماذجه في التفكير والممارسة.

    أولاً، قد يكون من المفيد للسيد وراق أن يتواضع قليلاً قبل أن يلقن الآخرين دروساً عن كفاح الضحايا ضد الجلاد وعن التماهي مع الجلاد واستلاف نماذجه في التفكير والممارسة، كان أولى به أن يوجهها لنفسه. إن خير مثال للتماهى، وليس التماهي المضاد كما يتهم هو الحركة الشعبية، وإنما التماهي "الإنصياعي والإلتحاقي" الكامل، مع الجلاد، واستلاف، ليس نماذج تفكيره وممارسته فحسب، وإنما مضامينها ومشاريعها أيضاً، هو السيد وراق ذاته. وإذا كان ما ذكرناه حتى الآن عن علاقته بالنظام وموقفه منه لا يكفي كدليل، فهذه الفقرات المنقولة من حديثه إلى صحيفة "الراية" الذي أشرنا إليه من قبل، أفصح من جهيزة التي قطعت قول كل خطيب:

    "هذا الاندفاع أوقع مصر في مشكلة القراءة الخاطئة للتطورات السياسية الأخيرة في السودان وبدا لها أن الحل الأمثل هو فرض مصالحة بين البشير الذي تخلص من الإسلاميين وقوى المعارضة بما فيها الجيش الشعبي لتحرير السودان، هذا الحل في رأيي يستبق خطوة ضرورية تتيح لقوى الثقافة العربية الإسلامية في الشمال التنسيق ووضع برنامج مشترك يحمي القاعدة الثقافية التي تستند إليها هذه القوى. وفي حالة الإقصاء القسري للحركة الإسلامية وإلغاء خطوة التنسيق بين قوى الثقافة العربية والإسلامية في الشمال فإن حركة التمرد سوف تملأ هذا الفراغ وتهز قاعدة راسخة لاستقرار قوى سياسية في الشمال."

    لا نحتاج أن نضيف شيئاً لما قال السيد وراق، ولكن فقط نشير إلى أن "الخطوة الضرورية" أو "خطوة التنسيق بين قوى الثقافة العربية والإسلامية" والتي ستمنع "حركة التمرد" من ملء الفراغ، هي "الفترة الانتقالية" التي سيصوت أهل الجنوب بعدها على الوحدة أو الانفصال!

    لسـنا بصدد الدفاع عن الحركة الشعبية لتحرير السودان، أو توضيح رؤيتها للوحدة أو مناهجها في تربية مقاتليها أو غير ذلك مما يهرف به وراق دون علم، فهي أقدر على ذلك، وبوسع السيد وراق أن يسأل حلفاءه الجدد عن ذلك. ولكن الذي سيؤدي إلى زيادة وزن الانفصاليين سواء داخل الحركة الشعبية، إن كانوا موجودين، أو خارجها، هو هذا النمط من "التفكير" والطرح السياسي، إذ يصدر ليس من النظام أو الأحزاب التقليدية، بل من أدعياء الحداثة المحدثين من "المثقفين". وهو أيضاً ذلك الخط الداعي لتركها وحيـدة في ميـدان المعركة، والذي يريد للجنوب وحده أن يكون مسرح الحرب والأرض المحروقة، وللجنوبيين والأقليات المهمشة وحدهم أن يكونوا ضحايا القتل والمعارك، وسيكون مناسباً هنا للسيد وراق أن يعيد قراءة تقسيمه "الاجتماعي" لمهام المواجهة المسلحة، والذي تطرقنا إليه من قبل. إن معالجة مسائل المركزية الثقافية "أفريقانية أم عربسلامية" تتم من خلال التواصل والحوار الذي يبدد الشكوك التاريخية، لا من خلال القطيعة والتجني الذي يرسخ المظالم والأحقاد. أما الحوار الديمقراطي بين مكونات الهوية السودانية الذي يشير إليه السيد وراق، فهو لا يتم بعد تقرير المصير "الانفصالي"، وبعد أن تتفتت تلك المكونات وتذروها الرياح، وإنما يتم الآن من خلال النضال المشترك لكل مكونات هذه الهوية ضد عدو واحد.

    حينما نقول أن السيد وراق ينطلق من مفهوم الاستعلاء العروبوي الإسلامي الذي لا يرى في الجنوب إلا أرضا قابلة للفتح و الضم، لا مواطنين لهم حقوق في الحياة وفي السلام، فأننا لا نتجنى عليه. و حينما قلنا ذلك الكلام لم نكن قد قرأنا وثيقته الأخيرة، ولكننا كنا قد توصلنا إلى تلك الحقيقة من مجمل مواقفه وتصريحاته قبل ذلك. في كلمة خروجه العلني للعلن، عدد السيد وراق أسماء أكثر من عشرين شخصاً باعتبارهم معالم بارزة في جغرافية البلاد السياسية. وكان ملفتاً تماماً للنظر أن تلك القائمة التي شملت حتى النكرات من أمثالي، غاب عنها أي وجه جنوبي. كان وراق آنذاك يقدم أوراق اعتماده لحلفائه الجدد ويثبت لهم أنه أكثر جرأة وشجاعة من الأحزاب التقليدية والجبهة الإسلامية ذاتها التي تعودت إضافة بعض الأسماء الجنوبية لهيئاتها وحكوماتها "لزوم التحلية"!

    وكم كان قاسياً على الضمير أن يطالب السيد وراق في كلمته تلك، ضمن ثمانية مطالب، بالصراع لأجل السلم الأهلي في البلاد رابطاً ذلك مباشرة "بأحداث غرب دارفور الأخيـرة التي راح ضحيتها عشرات الأرواح" و"بالصدامات القبليـة"، متجاهلاً تماماً مئات الآلاف من القتلى و ملايين الجوعى والمشردين، وعشرات المدن التي دمرت ومئات القرى التي أحرقت، وأبيد أهلها عن بكرة أبيهم في الحرب البشعة التي تدور ليس بعيداً عن دارفور، في الجنوب. لكن السيد وراق الذي يستطيع أن يغمض عينيه عن كل تلك الأهوال، لا يستطيع بضميره الثقافي الحي أن يسمح حتى لطرفه أن يرف خوفاً من هجمة المركزية الأفريقانية القادمة.

    تحالف السيدين الحديث:

    ذكرنا أن مقررات مؤتمر وراق دشنت تحالفاً عملياً مع السيد الصادق المهدي. وقد وصف السيد وراق ذلك بأنه ادعاء، قائلاً أن الحديث عن الصادق المهدي ورد في "مجرى التقويم النقدي للرؤى السياسية المختلفة". لقد تهنا في متابعة السيد وراق ووثيقة مؤتمره. كل ما ذكرنا له موقفاً، يدعي هو أن الحديث عن ذلك الموضوع ورد في سياق كذا أو إطار كذا أو مجرى كذا، فأي موقف إذن حددت وثيقة (الجن) هذه! المهم يذكر وراق بعد ذلك عدداً من نقاط الالتقاء مع حزب الأمة والتي تجعله "حليفاً موضوعياً" ل (حق) السيد وراق، ثم عدداً آخر من التبريرات لتحالف السيدين وراق والصادق المهدي.

    لم نكن نحن مصدر خبر التحالف، أو التحالف المزمع، بين السيدين وراق والصادق المهدي. كل الصحف التي تناولت مؤتمر السيد وراق نشرت ذلك، وقبل أن نصدر نحن بياننا نفسه. فإن كانت كل تلك الصحف قرأت وثيقة مؤتمره قراءة خاطئة، فلابد أن هناك مشكلة في الوصول إلى قراءة صحيحة لوثائق السيد وراق. وفي هذه الحالة فإن الأولى بالتصحيح هم إما مراسلو الصحف التي نشرت الخبر، أو وثائق السيد وراق، لا نحن.

    إن تحالف السيدين الجديد قد بلغ من العمق حد دعوة السيد الصادق لصياغة المذكرة "المليونية" التي لم تطلع عليها قيادة (حق) ذاتها في الخارج إلا من خلال الصحف. إنه التحالف الذي قصده السيد وراق ب "نقطة المسـاومة بين القوى الحديثة والقوى التقليدية" ! في حديثه المشار إليه آنفاً لمجلة "الشاهد الدولي". إنه المظلة التي من تحتها يواصل السيد وراق علاقته الحميمة مع تيار التوبة وغيره من تيارات الجبهة الإسلامية، ومجهوداته واجتهاداته القيمة في سبيل توحيدها والتوحد معها. ذلك التحالف قائم، ولكنه لا يقوم على أي قناعات راسخة أو غير ذلك بالديمقراطية التعددية ولا على أي من قسمات الحداثة أو تطلعاتها وهمومها كما يدعي وراق. إنما يقوم على أعمدة مشروع الاستعلاء العربي الإسلامي، ويؤسس على قاعدة الممارسات السياسية المرذولة للقوى التقليدية التي وضعت الشعب على حافة الهلاك والبلاد على حافة الهاوية، بالتنصل عن الاتفاقات، والنكوص عن الالتـزامات، والتنكر للعهود، وغير ذلك مما برهن السيد وراق للجميع أن لا أحد يبزه فيه.

    مؤتمر التوصيات

    هناك نقاط أخرى أشار إليها بيان اللجنة التنفيذية، وكذبها السيد وراق في بيانه، مثل تخلي السيد وراق عن فصل الدين عن الدولة، أو انحيازه للجيش رافع البندقية (الوطنية)، أو مهزلة المذكرة المليونية التي انتهت باستجداء رئيس لجنة حقوق الإنسان بالمجلس الوطني المنحل أن يسعى لتعيين وزير للأمن (ليكون مسئولاً عن شئون المناضلين)، ولكننا إما تصدينا لها ضمناً فيما أوردناه سلفاً، أو وجدنا في بيان السيد وراق عنها ما يكفينا شر القتال. فقط، هناك نقطتان "تنظيميتان" صغيرتان لابد من التعرض إليهما قبل مغادرة هذا المقام وأود لو يعطيني السيد وراق تفسيراً لهما:

    • ذكر السيد وراق أن العدد المفترض لحضور المؤتمر كان 45 مندوباً حضر منهم 27 وتغيب الباقون لأسباب مختلفة. ذلك يعني أن أكثر من ثلث المندوبين (خمسي المندوبين على وجه الدقة) لم يحضروا. سؤالنا هو كم النصاب القانوني المطلوب لانعقاد مؤتمر يغير طبيعة الحركة من أولها إلى آخرها؟

    • كما ذكر أنهم أرجأوا التوصيات التي كان من المقرر عرضها على الاجتماع المشترك بين الداخل والخارج، ومن بينها تغيير اسم الحركة، إلى التشاور والتنسيق مع فروع الحركة في الخارج وإلى الأشكال المؤسسية والديمقراطية التي تعززها. سؤالنا هو هل يتخذ المؤتمر، وهو السلطة العليا في كل التنظيمات الديمقراطية، توصيات أم قرارات ملزمة؟ وإن اتخذ توصيات فما هي هذه الأشكال المؤسسية الديمقراطية الأعلى سلطة من المؤتمر والتي ستجيز توصياته أو ترفضها؟ على كل، طالما أن تغيير اسم الحركة الخاصة بالسيد وراق مطروح ضمن تلك التوصيات، فأنا أؤيده وأشد من أزره وسأصوت بنعم من أي موقع كنت فيه، حتى ولو كان ذلك وسط العلامات البارزة في جغرافية السودان السياسية التي "حشرني" فيها السيد وراق ذات يوم دون سبب، لو لم يكن قد شطب اسمي من تلك القائمة بعد، كما أظنه قد فعل بالكثيرين.

    انتهى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
(حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم20-02-05, 04:29 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 12:01 PM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 02:31 PM
      Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 02:43 PM
        Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 03:05 PM
          Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 03:22 PM
            Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب20-02-05, 03:36 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى20-02-05, 12:13 PM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى21-02-05, 01:37 PM
      Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى21-02-05, 03:27 PM
        Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى22-02-05, 02:22 PM
          Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى22-02-05, 03:00 PM
            Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى22-02-05, 05:14 PM
              Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى22-02-05, 05:37 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم21-02-05, 02:16 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم22-02-05, 02:00 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ثروت سوار الدهب22-02-05, 05:10 AM
      Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) yumna guta22-02-05, 12:25 PM
        Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Marouf Sanad22-02-05, 12:40 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Salwa Seyam22-02-05, 12:35 PM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) yumna guta23-02-05, 10:33 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم24-02-05, 10:06 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى24-02-05, 10:26 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم24-02-05, 10:35 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم27-02-05, 02:41 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى05-03-05, 03:48 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Hani Abuelgasim06-03-05, 04:52 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) ناذر محمد الخليفة06-03-05, 06:43 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم23-03-05, 01:41 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى23-03-05, 11:02 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم24-03-05, 06:18 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Amjad ibrahim24-03-05, 03:03 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) بهاء بكري24-03-05, 03:46 PM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم26-03-05, 00:42 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم26-03-05, 00:47 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى08-05-05, 12:21 PM
      Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى09-05-05, 07:04 PM
        Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) نصار10-05-05, 03:39 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قصي مجدي سليم10-05-05, 02:28 AM
    Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Elmoiz Abunura10-05-05, 02:35 PM
      Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) صلاح شعيب10-05-05, 02:51 PM
        Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) قاسم المهداوى11-05-05, 08:03 AM
  Re: (حركة حق كيف نشأت ومن السبب في إنشقاقهاحوار بين أطراف النزاع ) Elmoiz Abunura19-05-05, 04:10 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de