فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقالات

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 19-08-2018, 06:10 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
18-01-2012, 10:01 PM

الكيك
<aالكيك
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 20748

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقالات


    رحم الله الفقيد الكبير الاستاذ ابو القاسم حاج حمد المفكر السودانى الذكى الرجل صاحب التفكير المختلف .. وصاحب المؤلفات المتعددة الرجل المثابر والباحث النشط الذى كان يقدم العون لكل الدارسين من مختلف الدول دون مقابل مادى ..رايت معه طلاب من اماكن شتى داخل الوطن العربي يقدم لهم النصائح ويعلمهم اسس البحث العلمى ونال على يديه الكثيرين درجات الماجستير والدكتوراة مقدما لهم فكره دون مقابل ودون من ولا اذى .


    فى معرض ابوظبي للكتاب الاخير كان معنا وكان مهتما جدا بموقف مؤلفاته المتعددة وبعد انتهاء المعرض طلب منى مساعدته فى الحصول علي بعض مؤلفاته القيمة وكلفنى بهذه المهمة وامل ان ا انجح فيها خاصة وان الشخص الذى اخذ منه بحثا قيما غادر الدولة الى السودان ..


    اجريت معه حوارا قيما عن المثقف السودانى لم ينشر حتى الان وامل فى نشره قريبا ودعنى قبل مغادرته لابوظبي وقال لى سوف اصوم رمضان معكم ولكثرة مشغولياته لم ياتنا فى رمضان وتوقعناه ان ياتى بين لحظة واخرى دون سابق ميعاد كعادته ولكن جاءنا الخبر الحزين اللعين خبر فراقه لهذه الدنيا الفانية ..
    انا لله وانا اليه راجعون

    انقر على هذا الرابط وتواصل

    ابو القاسم حاج حمد فى الخالدين




    ------------------



    محمد ابو القاسم حاج حمد

    عبد العزيز حسين الصاوى


    سيرة الشخصيات التي تنتزع لنفسها مكانة ما في الحياة السودانية العامه يجدر ان تبقي مفتوحة للاستكمال دوما اذا كان للحاضر والمستقبل ان يستفيدا منها إستفادة كاملة. وهذه محاولة لتغطية بعض ثغرات سيرة فقيد السياسة والفكر محمد ابو القاسم حاج حمد في ذكري وفاته يوم 20 ديسمبر 2004. هي عبارة عن شهادة نابعة من علاقة شخصية وسياسية- فكرية خلال فترة شباب الستينيات.

    السِير ليست محض تسجيل لان ذاكرة الانسان مهما قويت وتعددت مصادر إسنادها تبقي انتقائية الي حد او آخر شعوريا او لاشعوريا، فهي بذلك تفسير يتلون بذاتية المؤرخ وقدراته. وفهمي الخاص لشخصية حاج حمد الغنية من تجربة تلازم شبه- يومي خلال الستينيات يقول بأن مفتاحها هو حبه للحياة بجوانبها كافة ويقينه بدور شخصي محوري فيها .. مجلة “الخرطوم الجديده ” نشرت في عدد خلال مارس 2003 صوراً نادرة لحاج حمد الشاب يبدو في إحداها مرتديا بنطالا وقميصا غير تقليديين بمقاييس تلك الحقبه، فارقا شعره علي اليسار ممسكا بسيجاره بينما ينضح وجهه بأبتسامة ملونة توحي بصفات الزي نفسها. هذه لقطة مجمدة في الزمن من الجانب الاخر لشخصية ابو القاسم المتكاملة والمنسجمة مع ذلك، فقد كانت صحبته متعة مرهقة للغاية علي الصعيدين الجاد وغيرالجاد .. والكلمة الاخيرة مسحوبة اذا كانت تُدخل في روع القارئ انه لم يكن يأخذ امور اللهو البرئ، وغيرالبرئ بمعايير سودان مابعد الثمانينيات، بخفة.. كان يدير رؤوسنا، الأخف كثيراً من رأسه ثقافياً، بمناقشاته التي لاتفتر في المسائل النظرية والعمليه .. يعتكف في منزلهم بالعمارات أياما واسابيع يقرأ قراءة استيعاب وهضم في موضوع معين بنهم لامزيد عليه حتي يصيبنا الضجر والرهق من ثقل صحبته التي لاتتحملها طاقاتنا الاضعف في هذا المجال المشترك بيننا .. ولكن أنفاسنا كانت تنقطع ايضا في ملاحقته عندما يخرج من عزلته الي مرابع اللهو والترفيه البرئ و ( غير البرئ ) في خرطوم الاختيارات الحرة وقتها والاقرب، مع ذلك، الي السماء من خرطوم اليوم. فكانت سيارته الفيات المتهالكة التي كنا نطلق عليها لقب ” الزميلة المناضلة ” تعرف مسالك العاصمة في كافة الاتجاهات مهما كانت متعاكسة آناء الليل واطراف النهار. وفي طاقة ذهنية وجسدية غريبه كان محمد ابو القاسم يجد فسحة كافية وسط كل هذه النشاطات لمساعدة والده الذي كان مقاولا معماريا، ومشرفا كليا علي اعماله اثناء غيابه، متنقلا بين مواقع البناء ومصنع صغير للبلاط.

    تعودنا في تجربة بدايات حزب البعث ان نصل إلى، بل ونطارد، من نتوسم فيهم امكانية التجاوب .. مع حاج حمد كانت المسألة عكسية، هو الذي وصلنا، أو اقتحمنا علي الاصح .. رحبنا به غير مصدقين انضمام طاقة الكاريزما والثقافة والحيوية غير الاعتيادية هذه الي صفوفنا غير ان مشكلتنا بعد فتره اصبحت كيف ( نتخلص ) منه. لم يكن من النوع الذي يمكنك التأثير عليه ناهيك عن استيعابه في اطر الحزبية الحديثة التي كانت تهتم بالفكر، وهو أحد جواذبنا له، قدر اهتمامها بالانضباط التنظيمي الحديدي وهو احد منّفراتنا له… إنشغاله الجدي والمستمر بالعمل العام ذو العمق الفكري المستند الي قناعة مستقرة خالية من الاصطناع والتكبر بخصوصية دوره، أنبت له قرون استشعار مرهفة مثل رادار من أحدث طراز لاي فرصة تتوافق مع توجهاته وقناعاته في المرحلة المعينة ..


    التيار الغالب في اوساط المشتغلين بالعمل العام وقتها كان التحرر الوطني والاشتراكية بتنوعاتها المختلفه ولكن قاطرتها الماركسية القيادية ممثلة في الحزب الشيوعي، لم تكن خياراً لحاج حمد الممتلئ برؤية نقدية لها .. بعضها من قراءاته المتعمقة منذ الثانوي وبعضها، ربما، من بيئته العائلية المحافظة الرباطابية الختمية. وتزعمه لمجموعة من القوميين الاشتراكيين السودانيين ( مقابل العرب ) ضمت ثلة من ابرز المثقفين والادباء الشباب لم تكن ترضي طموحه المتوثب. طموحٌ كان متقداً استثنائيا في تلك الاوقات التي كانت تعج بأحلام ونظريات وحركات الثورة حارقة المراحل التي ستقلب الدنيا رأسا علي عقب، كما انشقت عنها أرض العمل العام السوداني اثر الاطاحة بالدكتاتورية الاولي في ثورة اكتوبر 1964 . ضالته وجدها في ” الاشتراكيون العرب ” : انتقال طلابي الي الفضاء العام لمجموعة اشتراكيين قوميين عرب نشطة أغلبيتهم متأثرة بالتجربة الناصرية بدرجات متفاوته تقودها سراً بضع خلايا بعثية. اعضاء المجموعة كانوا عموما أبناء أجواء الختميه والاتحاديين، كما ان التيار علي نفحته العقائدية لم يكن متكامل البنيان مثل الماركسيه بما يبقي فسحة زعامية مفتوحة علي الصعيدين الفكري والسياسي لم تغب عن فطنة حاج حمد وثقته في استعدادته الطبيعية والمكتسبة.

    وهو ماتحقق له فعلا اذ اصبح بسرعة نجما ساطعاً في سماء حركة ” الاشتراكيين العرب ” خطيبا في الندوات العامة ومجادلا فكريا لقامات سامقة مثل عبد الخالق محجوب (مناقشة في جريدة صوت السودان التابعه لحزب الشعب الديموقراطي حول استراتيجية الحزب الشيوعي بعد اكتوبر ودور الوسط ). الامر الوحيد الذي استعصي عليه هو اختراق النواة البعثية التي كانت لولب الحركة. هذه كانت صلبة إستثناءً لكونها كحزب حديث تقوم علي الانتقاء الدقيق للعضوية ولكونها كانت سرية حتي علي ” الاشتراكيين العرب ” انفسهم. بعكس علاقة الجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي تعين علي البعثيين وقتها التمويه علي وجودهم بل وإنكاره تماما امام اعضاء الحركة صيانة لوحدتها في أتون الخلاف المستعر حينذاك بين حزب البعث العربي الاشتراكي والناصرية حول المسئولية عن انهيار أهم انجازات الحركة القوميه العريية وهو الوحدة المصرية -السوريه ( 1958-1961 ). والحال ان هذه الزاوية بالذات شكلت الجاذب الثاني لمحمد ابو القاسم نحو الحركة منبثقا عن ارتباطه المبكر بالثورة الارترية وارتباط البعث السوداني بالمنبع السوري للحزب، فكان الامر بالنسبة له لقاء سعيدا بين أفق مكانة مميزة علي مسارين يتبادلان الدعم.

    البعث السوداني كان عند بواكيره اواخر الخمسينيات عفلقياً بأمتياز، نسبة الي ميشيل يوسف عفلق المسيحي السوري المؤسس الاول للحزب. مدخلُ المجموعة الصغيرة من الطلاب وقتها الي الحزب كان كتابات ميشيل عفلق التي تختلط فيها ملكته الادبية الشاعرية ( هناك اجماع علي هذا في اكثر من مؤلف حول انتاجه القصصي خاصة) بحس انساني مرهف لعله فيض من تربيته المسيحية، التي لايحب التفكير البعثي المتحول إسلامياً الان الاعتراف بها، وآخر اجتماعي فيض يسارية مبكرة تشربها إبان دراسته في فرنسا، مع انفتاح غير متحرج علي الاسلام.

    قبل ثورة اكتوبر بعام ونصف كان البعث السوري قد قفز الي السلطة بأنقلاب. ولم يستغرق الامر طويلا لذكاء محمد ابو القاسم وقوة ملاحظته لكي يكتشف ان الموتور المحرك ل ” الاشتراكيين العرب “ هو مجموعة بعثية صغيرة كان يسميها ممازحاً ” الاقلية المنظمه “، لها منافذ علي النظام الجديد في سوريا وذلك رغم السرية المطلقة التي كانت المجموعة تفرضها علي هذه المنافذ بالذات. وبما ان النظام السوري الجديد كان مهتما بتثبيت أركان شرعية جاذبة شعبيا مثله في ذلك مثل كافة الانظمة الانقلابية، فقد استجاب لطلب مساعدات عسكرية وغير عسكريه للثورة الارتريه ( وثوار الكونغو ) بدافع إضافي ايضا هو السباق الثوري مع شقيقه- غريمه القومي النظام الناصري شمل دعم حركة فتح في بداياتها، بعكس الموقف المصري. ويذكر مجايلو تلك الحقبة ماهو موثق في صحفها، الزوبعة التي ثارت حين اُكتشف امر السلاح السوري للارتريين ووصلت حد اتهام الرشيد الطاهر وزير العدل وقتها بالضلوع فيها. والمؤكد علي كل حال ان محمد ابو القاسم والبعثيين والاشتراكيين العرب كانوا ضالعين في هذه العملية حتي ذؤابة الرأس ويسجل بفخر لشخصيات مثل المحاميين الان عبد الباسط احمد يوسف واحمد ابو جبه والمحاسب ماهر شنوده وغيرهم من من تخونني الذاكرة بشأنهم، انهم شاركوا في نقل السلاح من الخرطوم الي كسلا وغيرها.

    علي قوتها ومتانتها كان الوهن قدراً مكتوبا لعلاقة ابو القاسم الفكرية والسياسية بالبعث السوداني. الرجل كان بطبيعته مستعصيا علي التنظيم والاندراج في هرمية حزبية سر فاعليتها هو في انضباطها حتي علي الصعيد الفكري. هو حجم ضخم من حيث مواهبه ولادة وجهدا ذاتيا، ومن حيث إحساسه هو بهذه الحقيقة وبحثه الدائم عن دور عام يضاهيها حجما مما لاتتحمله حركة ناشئه حتي لو كان استعداد الالتزام موجودا. علي ان ماعجل بنهاية العلاقة هو نفسه العامل الذي بلغ بها اوج قوتها، أي العلاقة السوريه. ففي 23 فبراير 1966 وقع انقلاب بعثي داخلي ضد قيادة الحزب المؤسسة تاريخيا لم يتردد البعثيون السودانيون في الوقوف الحازم ضده بحكم ولائنا لركنها العفلقي. وتصدرت المجموعة الاولي من مبعوثي الحزب للدراسة الجامعية في سوريا النشاط البعثي المعارض بقيادة محمد سليمان الخليفه عبد الله التعايشي مختفياً في حي المزرعة الدمشقي وأستضاف سجن المزة السوري الشهير بعضهم وقُتل أحدهم ( حسني ابراهيم ابوزيد ) في ملابسات أوحت بصلة ما بالصراع الدائر. أدي هذا بطبيعة الحال الي قطع حّدي للصلة مع القيادة البعثية السورية الحاكمة ووجد ابو القاسم نفسه مضطرا للاختيار بين روابطه المزدوجة البعثية السودانية والارتريه. كان اختيارا صعبا ولكن ليس شديد الصعوبه علي ماأتصور لانه كان وقتها قد اقتنع بأن النواة البعثية المهيمنة سودانيا لاتتسع له، وكنا من جهتنا نتعامل معه اصلا بمزيج من الاعجاب والتخوف بعكس المجال الارتري الذي كان مفتوحا امامه علي مد البصر.


    أما وجه احساسه بالصعوبه فقد تمثل في محاولته المخلصة لتغيير قناعاتنا بشأن القيادة السورية الجديدة بعد ان تمكن بسرعته المعتادة من إقامة علاقة معها عبر الجسر الارتري ( كان زعيمها في المرحلة الاولي 66-70 ضابط اسمه صلاح جديد عرف بدهائه قبل ان يبعده عنها حافظ الاسد الاكثر دهاء ). من سوريا جاء ابو القاسم الي براغ حيث كنت في بعثة دراسية قصيرة من وزارة الماليه عام 1968 ليحاول فتح ابواب اوروبا الشرقيه الموصدة امام الثورة الارتريه المسلحة ويحاول اقناعي بأعطاء القيادة البعثية السورية فرصة لشرح دوافعها للانقلاب، علي الاقل. فشل في الاولي لتتجه الثورة الارترية بعدها الي الصين ونجح في الثانيه جزئيا لان الاستماع لم يكن بالضرورة صنوا للاقتناع. عندما اصطحبني الي دمشق لم أفاجأ كثيرا بدرجة تغلغله في الحياة السورية العامة وغير العامه طولا وعرضا، وهو الذي لم يكن قد اقام فيها وقتئذ سوي عام وبعضه. ملكاته الإبهاريه كانت قد مهدت الطريق امامي سلسا ورحباً .. من اول الجلسات المطولة مع كافة القيادات البعثية السورية الحاكمة الي آخر الحصول علي تسجيلات نادرة لفيروز في بدايات حياتها الفنية واخري لاغنية جزائريه بربرية علي إيقاع الدلوكة، مرورا بمسامرات مع كوادر بعثية سوريه بعضها اكيدا من عالم المخابرات.

    افترقنا بعد ذلك جغرافيا وسياسيا. وحينما استولت المايوية علي مصائر البلاد وعبادها لتعمل فيها تقطيعا وتشويها أصبح الافتراق فراقا لكثيرين لم ينج منه الا من رحم ربك. أبحر ابو القاسم بين لبنان والخليج وبعيدا في عوالم الصوفية والفلسفة الاسلامية ولكنني رأيته لم يتغير جوهريا عندما تصادفنا في المانيا ( الغربية وقتها ) بعد نيف وعشرة اعوام. كان قد التحي واصبح أباً لبنات وبنين ولمؤلفه الفلسفي الاساسي ” العالمية الاسلامية الثانيه : جدل الغيب والانسان والطبيعه ” : نفس الحيوية الذهنية الخارقه، نفس التوق الي الفتوحات الفكريه والتطلع الي دور قيادي عام .. وايضا مناقشة ساخنة مع صديق اسلامي تصادف وجوده معي حول مفهوم حرمة الخمر في الاسلام. عن طريق سفارة الامارات في بون أعاد لي من ابوظبي حيث كان يعمل في الخارجية الاماراتيه مجموعة كتب حول السودان كان قد استلفها مني ضمن تحضيراته لكتابه الاشهر ” السودان : المأزق التاريخي وافاق المستقبل ” ومعها مشروع مجلة لحوار بين المثقفين السودانيين بعنوان اوراق سودانية. لم تر المجلة النور ولكنها، مع الكتاب، كانت إشارة قوية الي ان انهماكه في الفكر النظري لم يطفئ جذوة التوق الي دور سياسي قيادي، توقٌ شكل بالتأكيد دوما قيداً علي تفرغه الكامل للمجال الذي كان يمكن ان يعطي فيه اكثر مما اعطي فعلا، علي كثرته وعلو قيمته. لذلك فقد كان من الاخبار السارة للحركة الفكرية السودانية والعربية فشل محاولته انشاء حزب سياسي بأسم ” الحركة السودانية المركزيه ” او ” حسم ” خلال التسعينيات. ومن فرجة إرتخاء قبضة نظام الشمولية الشاملة تحت الضغط الخارجي تسني لنا ان نري ابو القاسم يتحول مؤسسة ثقافية بحثية موسوعية متحركه قائمة ومكتفية بنفسها. مؤسسة لم تهدأ الا غداة جولة له في المغرب العربي عرف عندها قلبه المعني الحقيقي للتوقف للمرة الاولي والاخيره، بيد ان ذهنه سيظل ينبض بيننا لاجال طويلة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2012, 10:21 PM

الكيك
<aالكيك
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 20748

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقا (Re: الكيك)

    كلمة الإمام الصادق المهدي في الذكرى السابعة للسيد أبو القاسم حاج حمد
    12/01/2012 18:43:00
    :
    الإمام الصادق المهدي بسم الله الرحمن الرحيم
    في الذكرى السابعة للسيد محمد أبو القاسم الحاج حمد
    كلمة الإمام الصادق المهدي
    يناير 2012
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
    أخواني وأخواتي أبنائي وبناتي
    السلام عليكم وعليكن ورحمة الله، وبعد



    هذه هي المرة الثانية التي أدعى فيها للمشاركة في تخليد ذكرى الأخ الراحل محمد أبو القاسم الحاج حمد، هذه المرة بتنظيم مركز التنوير المعرفي مشكورا على قيامه بهذا العمل، ولا غرو فقد كان الفقيد الراحل من أعلام الفكر السوداني ومن أكثر الناس اهتماما بالمعرفة وبالتنوير، وكان إضافة لذلك من أعلام السياسة والدبلوماسية الشعبية، وقد ساهم بأعمال تخلده في ذاكرة الوطن والأجيال القادمة.


    كثير من المفكرين السودانيين لا يشتغلون بالسياسة وكثير من الساسة لا يشتغلون بالفكر. ولكن فقيدنا جمع بين الهمين والحقيقة أن الفكر بلا سياسة مُقعد والسياسة بلا فكر عمياء.
    وكثير من الساسة محصورون فى الواقع الداخلي غير معنيين بما يحيط بالسودان إقليمياً ودولياً. والحقيقة لا سيما في عالم اليوم فإن أحداث السودان لا يمكن فهمها معزولة من محيطه الإقليمي في حوض النيل وحوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأفريقيا الوسطى والغربية والإقليم المحيط بنا، بل قارتنا الأفريقية وجوارنا جنوب وغرب آسيا جزء من كلٍّ دولي يؤثر فيه ويتأثر به. كان فقيدنا الراحل ملما بالسياسة السودانية مهتما بمحيطها الأدنى الإقليمي ومحيطها الأوسع الدولي بصورة نادرة.
    عرفت الراحل مؤخراً وسبقته لدي مؤلفاته وآراؤه المنشورة لا سيما كتابه السودان "المأزق التاريخي وآفاق المستقبل". ومهما فرقت بيننا الرؤى والآراء فقد جمعت بيننا مودة واحترام متبادلين وحرص على الحوار الهادف وتبادل الآراء بصورة قاربت بيننا فى بعض القضايا وجعلتني في بعض أسفاري أحرص على مقابلته والاستفادة من معلوماته وتحليلاته. فكل عاقل يدرك: نصف رأيك عند أخيك.
    اختلف مع كثير مما ورد فى كتابه الأشهر عن المأزق التاريخي، ولكنني اتفق معه فى أمرين مهمين هما: وجود جاذب تاريخي يستلب إرادة الشتات السوداني إلى وحدة فعلية على حد تعبيره، وأن السودان حسبما تقرره جدليته موقفا وتاريخاً وطبيعة يعرف نفسه ويتعرف عليها حين يتدافع عبر مساره أهله من عرب، وبجة، وزنوج ونوبة، ونوباويين. هذا الذى أسميه السودان العريض المقابل الجدلي للسودان الإقصائي البغيض والسودان الاحتجاجي النقيض. أوافقه أيضاً أن كوش بفرعيها الشمالى فى نبتة والجنوبي في مروي لم يدركها المحو التام بل غذت الخصوصية السودانية. ولكنه لم يشأ أن يعتبر المهدية تعبيراً لاحقا عن نبتة ومروي بمرجعية إسلامية كانت هى الأخرى تعبيراً سودانيا عن الصدر الإسلامي الأول. واعتبر المهدية من أصل غرب سوداني لم يلحق به سودان النيل إلا بعد أن صار المهدي منتصراً. هكذا أغفل التجربة الذاتية للمهدي نفسه فلولا أنه نتيجة لرياضاته الروحية أيقن بما سماه "هجمت علي الولاية الكبرى: المهدية" لما كان لدعوته ذلك الأثر القوي على نفسه وعلى المباشرين حوله. الفكر الوضعي لا يحفل بالتجارب الروحية مع أن التجارب الروحية هى التى تفسر إخلاص أصحابها فى دعواتهم. هذا هو المعنى الذى صاغه الصوفي:
    قلوب العاشقين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرونا
    إن فكرة المهدية أعم مما تصور الكاتب فهي محل إجماع فى التراث الإسلامي السني، والشيعي والصوفي وفى واقع الحال راجت فى السودان الغربي من أقوال الشيخ عثمان دان فوديو، وراجت فى سودان وادي النيل، فأكثرية الطرق الصوفية النيلية تطلعت للمهدية وقد ذكرها السيد محمد عثمان الختم، والشيخ إسماعيل الولي، وكثر ذكرها لدى أعلام السمانية خاصة الشيخ الطيب والشيخ القرشي ود الزين.


    كانت المهدية تجربة روحية لصاحبها أحاطت بها أصداء مهدوية فى سودان الغرب وسودان وادي النيل وخاطبت واقعاً سياسياً اجتماعياً محملاً بدواعي الثورة. لقد كان دور خليفة المهدي في المهدية كبيراً وهو مؤسس الدولة التى واجهت كل التحديات. الحقيقة التاريخية أن المهدي اتجه غرباً بعد واقعة الجزيرة أبا لضرورات أمنية وأن المهدية وجدت تجاوباً واسعاً فى غرب السودان. ولكن هذا لا يقلل من تجاوب سودان وادي النيل فالجزيرة، والشرق والشمال تحركوا قبل تحرير الخرطوم وكان غالبية ######## المهدية فى المرحلة الأولى من سودان وادي النيل. والمهدي نفسه تجول في كافة مساجد سودان وادي النيل وتتلمذ على كثير من شيوخها وصادق كثيرا من أعلامها وكانوا بعد ذلك زملاؤه وأعوانه في الثورة ومنهم الشيخ علي الحلو الذي صار خليفة الفاروق في الهيكل المهدوي، والشيخ العبيد ود بدر الذي قاد جحافل حصار الخرطوم، والشيخ محمد الخير صاحب خلاوى الغبش ببربر الذي صار عاملا على بربر في المهدية، وهلم جرا.


    الحقيقة هي أن المهدية تمثل أول تجربة حديثة مشتركة بين غرب السودان وسودان وادي النيل. هذه حقيقة مازالت قائمة فكيان الأنصار الحديث وحزب الأمة يمثلان "مسمار النص" بين سودان الفاشر وسودان سنار. وإرث المهدية يشكل أحد مصدات رياح التمزيق التي تهب علينا الآن بقوة بعد انفصال الجنوب وحديث المسلحين الحالي عن تقرير المصير للجهات المحتجة. فدور الغرب المحوري فيها يحسب لها وللوحدة السودانية لا خصما عليها.


    نعم كانت الحركة الاستقلالية كما قال فقيدنا تعبيرا عن خصوصية سودانية ولكن الحركة الاتحادية كذلك، ولذلك تحولت نحو الاستقلال بسهولة مدهشة عندما أخفقت حكومة الثورة المصرية في إدارة التعامل مع الخصوصية السودانية.
    ليس صحيحاً كما قال فقيدنا إن مروي كانت متخلفة عن نبتة بل كانت أكثر حيوية حتى من الناحية المادية فأفران صهر الحديد فى مروي تروى أنها كانت شفيلد زمانها. واستطاعت أن تدافع عن هويتها الثقافية والدينية لمدة أطول من كافة الحضارات المعاصرة. وشهدت مروي الأبجدية الأولى في التاريخ، كما شهدت استقلالا ثقافيا في عبادة الأسد أبادماك بدلا عن الكبش آمون، وكانت مروي هي بنت الأرض السودانية على نحو أبلغ، وفيها ظهر التقدير الأسمى للأنثى وشهدت الكنداكات.


    المشكلة التاريخية الكبيرة هى محاولة تأسيس علاقة السودان بمصر على فتوحات محمد علي باشا إنها محطة يرفضها كل وطني غيور استقلاليا كان ام اتحاديا. السودان الحديث سوف يرسم معالم علاقة مصيرية بمصر مشدودة لمصالح مشتركة ومصير مشترك بصورة تأخذ فى الحسبان الخصوصية السودانية والحاجة للوحدة الوطنية السودانية كما تأخذ فى الحسبان روابط السودان الأخرى بشرقي وغربي أفريقيا وحوض النيل، وحوض البحر الأحمر، والمغرب العربي.


    ومثلما قال فقيدنا رحمه الله عن تطلع لسودان عريض مرآة للتنوع فإن علاقة السودان الإقليمية بمصر المتوسطية حتمية ومصيرية ولكنها لن تكون زواجاً كاثوليكيا بل تعدديا. إن التحدي الذي يواجه الفكر والسياسة فى السودان هو استيعاب التنوع الداخلي فى ديباجته الوطنية، واستيعاب التعددية فى محيطه الإقليمي بما يخلط حوض النيل بحوض البحر الأحمر وحوض الأبيض المتوسط. إنه من فضل صاحب الذكرى أنه وضع هذه القضايا فى أجندتنا الفكرية السياسية ليجد فى تناولها العقل السياسى السوداني الذي يواجه اليوم تحديا قويا لا سيما من أولئك الذين لا يدركون وجود جاذب تاريخي يستلب إرادة الشتات السوداني إلى وحدة فعلية، وأولئك الذين يركزون على السودان شمال الصحرائي أو الآخرين الذين يركزون على السودان جنوب الصحرائي والحقيقة أن قدر السودان أن يكون واصلا لدفتي الصحراء مثلما هو كذلك فى حوض النيل وحوض البحر الأحمر.


    التطلع للعلاقة الخاصة بين مصر والسودان صار أقرب الآن بعد حلول الربيع العربي وثورة مصر الميمونة التي نرجو أن تتجاوز حالة الاستقطاب الراهن متخذة من الحالة التونسية قدوة حسنة في التأصيل الإسلامي المراعي لظروف العصر والمدرك للتحديات والمستمسك بالوحدة الوطنية. لقد فصّلت في كتابي (معالم الفجر الجديد) الصادر في العام المنصرم ما ينبغي عمله في مصر وبلاد الثورة المتحققة، وما ينبغي عمله في بلاد الثورة المحرية ناصحا بالتحول الاستباقي لتجنب الاستقطاب والسير الآمن نحو التحول الديمقراطي الكامل. وهي دروس موجهة للحالة السودانية الراهنة بشكل مضخّم فالبلاد لا زالت تنزف من بتر جزئها الجنوبي، وتؤرقها الحروب القائمة في دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان. وحينما يحقق السودان التغيير الديمقراطي المنشود ويثبّت أركان السلام في أرجائه والتوأمة مع دولة الجنوب الجارة، فإن العلاقة بين السودان الديمقراطي ومصر الديمقراطية واعدة بخير كثير للشعبين وللعالمين العربي والإسلامي ولحوض النيل وحوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأفريقيا على العموم.


    لقد ترك الحاج حمد آثارا معرفية في الكتب والدراسات والمقالات والحوارات المنشور منها وغير المنشور، يرجى أن يتصدى المهتمون في المجال المعرفي بجمعها ونشرها، لأنها تشكل علامة مهمة في تيار الفكر السوداني المعاصر الذي يشكو من علل كثيرة منها قلة الإنتاج الفكري الجاد، ومشاكل النشر، والإفراط في المحلية والمحدودية وفقر الدم المعرفي في كثير من المنشور، وسوف يعمل نشر الاجتهادات التي تقدم بها الفقيد وغيره من قادة الفكر السوداني المعاصر على إثراء حلبة الفكر وتأكيد تراكم العملية المعرفية وصعودها للأعلى ببنائها على أساس الآخر أو تنقيحه جدليا. كما أن نشر مؤلفات الراحل وإتاحتها مثلما يثري الفكر يثقل من ميزان حسناته إذ من العمل الباقي لابن آدم بعد موته العلم الذي ينتفع به.


    ألا رحم الله فقيدنا أبا القاسم الحاج حمد وأحسن نزله (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) وأحسن عزاء أسرته المباشرة، وأسرته الفكرية، وسائر أهل السودان فالسودان في أزمته الراهنة أحوج ما يكون لقرون استشعار تدله على حقائق تاريخه وحاضره وترسم له معالم مستقبل واعد.
    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،،،
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2012, 10:40 PM

الكيك
<aالكيك
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 20748

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقا (Re: الكيك)

    هنا تجدون اخر محاضرة قدمها الاستاذ ابو القاسم حاج حمد قبل وفاته بالمجمع الثقافى ابوظبى عن التدخل الامريكى وكنت احد الحضور وانزلت المحاضرة كاملة هنا فى هذا الموقع وسوف تجدون الرابط وتعليقات الزملاء هنا حينها فالى المحاضرة كاملة ..

    نص محاضرة الاستاذ ابو القاسم حاج حمد ....
    التدخل الامريكى امر حتمى



    القى الاستاذ ابو القاسم حاج حمد محاضرة بالمجمع الثقافى بابوظبي اهمها عدد كبير من افراد الجالية السودانية الاحد الموافق 4 ابريل 2004..ويكشف الحضور المكثف اشفاق السودانيين علي وطنهم وهو يمر بمازق كبير بعد فشل الجبهة الاسلامية فى السلطة والنفق المظلم الذى تمر به الاحداث والمصير المجهول لمصير الوطن فى ظل التدخلات الاجنبية ..المحاضر استطاع جذب وانتباه الحاضرين بالمعلومات الجديدة التى استطاع تحليلها وربطها بشكل محكم بما يدور الان .. والى القراء نص المحاضرة التى بلا شك تفيد الكثير من المهتمين بالشان السودانى ... والشان السياسي اليومى .

    معالى ابوشريف




    محمد أبوالقاسم حاج حمد – لبنان – الشويفات – جوّال 727833 / 009613
    منزل: 433519 / 009615 – ص . ب: 30062
    ا
    Email: [email protected]


    محاضرة
    آفاق السلام في السودان
    رؤية ميدانية وتحليلية

    تاريخ : الأحد 4 أبريل (نيسان) 2004م.
    الموافق: 14 صفر 1425هـ

    المقدمة :
    إنها (رؤية ميدانية) بحكم اتصالاتي المباشرة بالمعنيين السودانيين كافة بقضايا السلام ومباحثاتي في الخرطوم وأسمرا وأرجاء أخرى على حد سواء، وبحكم تتبعي لهذا المسار منذ وقت طويل وتدخلي فيه بأشكال مختلفة، منها ما يندرج في إطار الوساطات وتقديم المشاريع والمحاورات والمؤلفات والكتابات الصحفية والمحاضرات. فبعمق واتساع كل هذا تأتي هذه المحاضرة (ميدانية) معجونة بحقائق الواقع لا فضاء التنظيرات.
    ثم إنها (تحليلية) لأن هذا منهجي، يأخذ بالنقائض الجدلية (تفكيكاً) للموضوع ثم (تركيباً) وعلى أرضية (استراتيجية) وكذلك (اجتماعية) تأخذ بمسارات التركيب الاجتماعي والتاريخي والسياسي عبر تحليلي لجدلية التجزئة ومقابلها جدلية الوحدة في تكوين السودان المعاصر(1).
    بعد توضيحي أنها رؤية ميدانية، ومنهجية واستراتيجية أدلف إلى موضوع المحاضرة.
    بعد عشرين سنة من اندلاع القتال في الجنوب (1983) يدخل السودان مرحلة التوقيع على الاتفاق الثنائي للسلام بين (أكبر فاعلين) في المواجهة المسلحة هما (حكومة الانقاذ) و(الحركة الشعبية لتحرير السودان).
    يتضمن الاتفاق الثنائي النقاط التالية:
    أولاً): وقف إطلاق النار وإعادة نشر قوات الطرفين.
    ثانياً): تأطير نظامين في دولة وطنية بسيادة موحدة أقله لمدة ست سنوات.
    ثالثاً): التسوية الثنائية لأوضاع مناطق التماس بين الشمال والجنوب على امتداد (جنوب النيل الأزرق) و(جبال النوبا) و(آبيي).
    رابعاً): نشر قوات حفظ السلام الدولية في الشمال والجنوب بهدف الفصل بين قوات الطرفين وعودة النازحين.
    لا يخرج الاتفاق الثنائي عن هذه النقاط الأربع، وما تبقى يندرج في (قائمة التفاصيل).

    في التفاصيل يكمن عمل الشيطان:
    هذا مثل انجليزي ولكنه يتجسد دفعة واحدة حين البدء بتنفيذ هذه النقاط، حيث تطفح كافة سلبيات وثغرات التركيبة السودانية دفعة واحدة أيضاً، وهي ذات التركيبة التي أدت إلى الحرب في الجنوب منذ عام 1955 ثم تجددت عام 1962 ثم 1967 وأخيراً 1983.
    وهي ذات التركيبة التي جعلت الاتفاق الثنائي الآن يتجاوز الحدود الإدارية للجنوب عام 1956 ليمتد إلى الاقاليم الثلاثة شمال خط 1956، شاملة مع الجنوب حوالي ثلث السودان، في حين يشكل الجنوب الربع من مساحة السودان البالغة واحد مليون ميل مربع. فحركة الجنوب قد تمكنت من ممارسة الامتداد الجغرافي والديمغرافي باستقطاب (إثني) واضح مخترقة هذه المناطق، وتم إقرار هذه الحيثية كأمر واقع على مستوى حكومة الانقاذ منذ توقيعها لاتفاق (جبال النوبا) في سويسرا باشراف أمريكي بتاريخ 19 يناير (كانون ثاني) 2002 بين (الانقاذ) و(الحركة) والفصل بين قواتهما، ثم تكرست هذه الحيثية بموجب اتفاق وقف العدائيات الموقع بين الانقاذ والحركة بتاريخ 25 أكتوبر (تشرين أول) 2002، وفي اليوم التالي (26 / 10) باشراف الامم المتحدة لادراج هذه المناطق كونها (متأثرة بالحرب) ووضع آلية لايصال المساعدات إليها، ثم دخلت الانقاذ (في مفاوضات مع الحركة الشعبية حول مناطق جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وأبيي بكينيا) (2) جنباً إلى جنب مع تجديد اتفاق وقف العدائيات في مارس (آذار) 2003.
    وبموازاة هذا التفاهم الثنائي بين الانقاذ والحركة حول الجنوب والمناطق الثلاث تم تكوين فريق المراقبة الدولي والاقليمي (VMT) والمؤلف من أمريكا وبريطانيا والنرويج وإيطاليا ومنظومة الايقاد والاتحاد الأفريقي تم عهد للجنرال الكيني (لازاراس سيمبويا) برئاسة الفريق بتاريخ 21 مايو (آيار) 2003 ومقره نايروبي مع عضوية الانقاذ والحركة.



    وفي هذا المناخ من التفاهم الثنائي الذي يربط بين الجنوب والمناطق الثلاث أجاز المجلس الوطني التابع لحكومة الانقاذ في الجلسة رقم (16 / 2002) بتاريخ 14 مايو (آيار) 2002 إنشاء صندوق (إعمار الجنوب والمناطق التي امتدت إليها الحرب).
    وإثر ذلك عقد المانحون الدوليون وتحت نفس العنوان اجتماعهم الأول في (أوسلو) لفترة يومين 9 و 10 يناير (كانون ثاني) 2003، ثم اجتماعهم الثاني في (لاهاي) في الفترة 1 وإلى 3 أبريل (نيسان) 2003 وتم فيه بحث رؤية كل طرف (الانقاذ والحركة) حول مشروعات التنمية للمرحلة الأولى للأشهر الست التي تلي توقيع الاتفاق.
    وامتد التفاهم الثنائي للبحث في تكييف أوضاع السودان الدستورية لفترة الست سنوات وذلك عبر ورشة عمل معهد (ماكس بلانك) الألماني بمدينة (هايدلبرج) بتاريخ 18 نوفمبر/تشرين ثاني 2002.
    وتتميز المؤسسات الألمانية وبنسبة موازية للمؤسسات الأمريكية والنرويجية والسويدية باهتمام بالغ تجاه مشكلات المنازعات السودانية، ومن بين ذلك ما عقدته مؤسسة (فريدرش إيبرت) بالتعاون مع معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في الفترة من 12 وإلى 13 مايو (آيار) 1998.
    وقد قيض لي أن أكلف من قبل (مركز الدراسات الاستراتيجية) في الخرطوم باعداد بحث حول طبيعة المنازعات الأثنية في غرب السودان بالذات، أنجزته عام 1998 في أربعين صفحة نشرت لاحقاً في صحيفة (الخليج) في الشارقة وبعض الصحف السودانية، وكانت آخر فقرة في البحث تحذيرية من تحول الغرب السوداني إلى جنوب آخر، وذلك في عام 1998، وهاهو قد تحوّل إلى نفس مسار الجنوب منذ مطلع 2003.



    أما على مستوى (التجمع الوطني الديمقراطي) فقد أقر وبكامل طوائفه ومكوناته السياسية والنقابية وفق نصوص بيان مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية والصادر في 23 يونيو (حزيران) 1995 وفي المادة الأولى التي تلي الديباجة المادة أ- حق تقرير المصير وفي الفقرات من (1 وإلى 7) حق المناطق الثلاث في تقرير مصيرها وتحت (إشراف إقليمي ودولي) وذلك مع الجنوب بدعوى أن المناطق المتأثرة بالحرب بموجب الفقرة (4) هي جنوب السودان ومنطقة آبيي وجبال النوبة وجبال الانقسنا.
    فهناك إذن (إجماع) من (التجمع الوطني الديمقراطي) و(الانقاذ) و(الحركة) والايقاد والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج وإيطاليا على أن المطروح للتسوية ليس هو الجنوب فقط أو ربع السودان ولكن ثلثه فيما يلي الشمال نفسه.
    والتساؤلات هنا: لماذا الاتفاق ثنائي؟
    طالما أنه شمل الثلث من السودان وليس الجنوب فقط؟
    وطالما أنه ينال اجماعاً من كل قوى السودان؟
    وطالما أنه ينال أرضية وتأييداً إقليمياً أفريقياً ودولياً؟
    في (لب) الثنائية هذه التي تطرح مصير السودان كله تكمن إشكالية التركيبة السودانية برمتها. وتكمن بالتالي التعقيدات القادمة في آفاق السلام، فهنا (امتداد جنوبي) باتجاه الشمال، على نحو (إثني) يقابله (تقلص شمالي) باتجاه (المركز الوسط التقليدي).
    إذا درسنا خلفيات التركيب الاثني والثقافي والسياسي لهذه المناطق وعلاقات بعض أبناء هذه المناطق بالحركة الشعبية لتحرير السودان نجد أن هذه المناطق قد اختارت تقرير وضعها لا بالتفاوض المباشر مع الخرطوم ولكن عبر الحركة الشعبية لتحرير السودان، بداية مع الاتفاق الثنائي بين الانقاذ والحركة حول جبال النوبا في سويسرا.


    وهكذا يفتح الطريق لأمرين

    الأمر الأول: أن تنتمي كل المناطق الأخرى تحت دعوى التأثر (بالحرب) أو تحت دعوى (التهميش) إلى الحركة الشعبية إما بالاندماج فيها أو التنسيق معها لتصبح الحركة الشعبية هي المفاوض الرئيسي في مقابل الخرطوم وفي كل الحالات.
    الأمر الثاني : أن الامتداد الجنوبي نحو المناطق الثلاث لتقليص الشمال ودفعه نحو المركز التقليدي تضاف إليه (ثورة الأطراف) في غرب السودان، وفي شرقه بدعوى أنها (مهمشة) والذي همشها ضمن الدعوى هو الوسط التقليدي ما بين النيلين وامتداداً إلى الشمال.
    فبالجمع ما بين دعاوى المناطق الثلاث (المتأثرة) بالحرب (الانقسنا / آبيي / جبال النوبا) والمناطق (المهمشة) وهي (الغرب والشرق) يتم تقليص الشمال باتجاه الوسط التقليدي.
    فيلوذ الشمال ممثلاً بسلطة الانقاذ (بالعمق العربي) ليوازي به ضغط الجنوب والمناطق الثلاث والأطراف والضغط الاقليمي (الايقاد) وشركائها الدوليين، وبموجب ذلك قررت القمة العربية عبر الجامعة العربية إنشاء لجنة وزارية تدعم السودان وإنشاء صندوق لاعمار الجنوب وتعيين مبعوث خاص للجامعة العربية لمتابعة مباحثات كينيا وهي السيدة الدكتورة (نادية مكرم عبيد).
    وعقدت اللجنة اجتماعها الأول في القاهرة (أكتوبر/ تشرين أول 2002) والثاني في الخرطوم (يناير / كانون ثاني 2003) ثم اجتماع صناديق التمويل العربية الأول في القاهرة (ديسمبر / كانون أول 2002) والثاني في القاهرة أيضاً (فبراير/ شباط 2003) والثالث في (مايو/آيار 2003) وإلى ذلك اجتماع ستين منظمة إغاثية عربية أهلية في الخرطوم في مارس/ آذار 2003 علهم يوازون اجتماعات (أوسلو) و(لاهاي) للمانحين الدوليين.
    وكمحاولة لكسر الضغط الأمريكي/البريطاني ضمن مجموعة شركاء الايقاد قام الرئيس السوداني بزيارة فرنسا أبريل/ نيسان 2003 ونتج عن ذلك تعيين مبعوث رئاسي فرنسي للسودان هو السفير السيد (هنري بنواد كوانياك) الذي زار الخرطوم فعلاً في الفترة ما بين 12 إلى 15 يوليو/ تموز 2003.


    غير أن فرنسا هذه والتي أراد الانقاذ وضعها في ميزان المقابلة مع شركاء الايقاد سرعان ما وجدت نفسها في خضم أحداث دارفور التي تؤثر على محيطها الاستراتيجي الفرانكفوني في غرب أفريقيا بداية من تشاد المجاورة لغرب السودان والتي تستضيف آلاف اللاجئين مما دفع بفرنسا لطرح (تدويل) صراعات غرب السودان بشكل واضح أثناء زيارة وزير الخارجية الفرنسية للخرطوم السيد (دومينيك دوفيلبان) في شهر مارس/ آذار 2004.


    هذا بالنسبة للغرب الآخذ بالتدويل بحيث ستتماثل حالته مع ما وصل إليه الجنوب، وهذا ما عنيته عام 1998 بقولي أن الغرب يتجه ليكون جنوباً آخر، ويمكن أن نقدر أن التمدد الذي اخترق به الجنوب الشمال شكل حافزاً مساعداً لتصعيد مطالب الغرب السوداني والذي يشكل بدوره حوالي 14% من مساحة السودان الجغرافية (140.000 ميل مربع).
    وحيث تبلغ حدوده مع تشاد (1300 كم) ومع أفريقيا الاستوائية الوسطى (1070 كلم) ومع ليبيا (380كلم) فلا تشاد ولا أفريقيا الاستوائية الوسطى تستطيعان حصر الصراع داخل حدوده السودانية، ليس بسبب اتساع الرقعتين الحدوديتين فقط ولكن بالنظر للتداخل القبلي نفسه بينهما وبين غرب السودان، وهناك ليبيا التي لا زالت تتراوح في مواقفها بين ضغوط قبلية داخلية عليها وبين نظرتها لأوضاع تشاد نفسها.
    أما الشرق وبالرغم من التداخل الديمغرافي والاثني بين(البجا) ومن تفاعل بهم من أبناء الشمال والوسط في بورتسودان وكسلا والقضارف إلا أن المطالب المتعلقة بالتهميش قائمة وفاعلة تنظيمياً وسياسياً وعسكرياً، خصوصاً وأن الشرق يشكل المعبر الاستراتيجي البحري للسودان كله.


    تذكرنا هذه الوضعية بما انتهت إليه جغرافية السودان من تقلص وانكماش في العهد المهدوي بعد تكالب القوى الأوربية على الجنوب وعزله عن الشمال في الفترة ما بين 1885 إلى 1898 حيث تكوَن حلف فرنسا مع امبراطور أثيوبيا (منليك الثاني) لغزو الجنوب وكذلك تقدم القوات البلجيكية التي اخترقته واحتلال إيطاليا لكسلا في شرق السودان واستقلال دارفور على يد على دينار في الفترة من 1898 وإلى 1916 بعد أن كان هذا الإقليم قد ضُم إلى السودان عام 1874. ولم يستعد وحدته إلا بعد التدخل الأجنبي عبر الغزو الثنائي البريطاني المصري عام 1898. وتوقيع اتفاق (فاشودة) مع فرنسا وتوقيع اتفاق مماثل مع إيطاليا (3).
    الموقف المصري والأرتري:
    أما مصر في الشمال وإرتريا في الشرق فهما أكبر متضررين من تمزيق السودان وتصاعد صراعات الأطراف سواء بمنطق (التهميش) أو منطق (التأثر بالحرب).
    فمصر ترى أن علاج الموقف يتطلب انفتاحاً من الانقاذ على مجمل مشاكل السودان بشكل وفاقي ومع كافة الأطراف ولا تريد لعب دور منحاز للانقاذ مما يعرض مصالحها الاقليمية والدولية للخطر وبالذات مع الدول الأفريقية الدافعة لمياه النيل.
    وذلك كان مضمون تصريحات رئيس الوزراء المصري السيد/ عاطف عبيد حين وقع على بروتوكولات التعاون مع السودان في الخرطوم بتاريخ 15 / 20 يوليو (تموز) 2003. (4).


    أما إرتريا. فبالرغم من خلافاتها مع نظام الانقاذ وتبنيها للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض فإنها أكثر حرصاً من منطلقين (أمني) و(استراتيجي) على تماسك ووحدة وسط السودان وشرقه، فإرتريا هي (شريك) ديمغرافي وثقافي وإستراتيجي لشمال السودان وشرقه ووسطه بالذات، فمن نطلق عليهم (اللاجئين) الارتريين قد تحولوا ـ في واقع الأمر ـ إلى مواطنين سودانيين يتجاوز عددهم على أقل تقدير ثلاثة أرباع المليون، بدأوا(باللجوء) عام 1966م، ثم تحول اللجوء البادئ بالمعسكرات إلى (مساكنة) ممتدة ومنتشرة، وبالذات في ولايات السودان الشرقية الثلاث (البحر الأحمر وكسلا والقضارف) ثم تحولت المساكنة الممتدة والمنتشرة إلى (تدامج شمل التمثلات الثقافية السوسيولوجية والأنثربولوجية وحتى الإثنية و الدينية. فهذا(الشعب المشترك .. الأرتري/السوداني)، لايقبل بصراع ارتري/سوداني مهما كانت مبرراته، تماماً كما لم يقبل الشعب الارتري منذ إنعقاد مؤتمر التجمع الوطني للقضايا المصيرية بأسمرا أن تكون ارتريا المستقلة مرتكزاً للمعارضة السودانية، أي معارضة كانت ومهما كانت المبررات. لذلك عاشت المعارضة السودانية في أسمرا (ضيفاً ثقيلاً ومفروضاً) على الشعب الارتري.

    كذلك لم يقبل الشعب المشترك (السوداني/الأرتري) في شرق السودان وشماله ووسطه أن يكون قاعدة لإنطلاق المعارضة الأرترية ضد (أسمرا)، ولو قبل لكانت قد إلتهبت الأرجاء من دلتا القاش إلى دلتا طوكر وكذلك سواحل ارتريا الشمالية كما التهبت منذ بداية الثورة الأرترية في منخفضات ارتريا الغربية ضد نظامي الأمبراطور هيلاسلاسي(1961 ـ 1974) والجنرال منقستو(1975 ـ 1991).
    فأي اضطراب في الوضع السوداني سرعان ما ينعكس على وضعية الشعب المشترك وعلى طول حدود إرتريا الغربية، فكما أن يوغندا وكينيا معنيتان بشؤون الجنوب السوداني ومنعكسات الاضطرابات فيه عليهما فإن إرتريا معنية مباشرة بما يدور في شمال السودان، وتقديراً لهذا الوضع الحساس كان رفضي القاطع لتبني إرتريا المعارضة السودانية وهذا ما أعلنته داخل اجتماعات مؤتمر القضايا المصيرية المنعقد في أسمرا بتاريخ 15 إلى 23 يونيو (حزيران) 1995 وتحت الحاح الدكتور جون قرنق لطرح موقفي صراحة داخل المؤتمر (5)
    قد أطلقت على مؤتمر أسمرا (المتاهة الكبرى) وقلت أن السودان قد بدا لي في ذلك المؤتمر (يتيما بلا أب) فلما تبين للرئيس أسياس فشل المعارضة (الشمالية) المنطلقة من أسمرا طوال الفترة من 1995 إلى 1997 شرعت في جولاتي المكوكية بين العاصمتين (الخرطوم وأسمرا) بداية من مارس (آذار) 1997 وإلى يونيو 1998 ولكن ثمة ضغوط داخل النظامين الإرتري والسوداني حالت دون انجاح مخططاتي للوفاق بين البلدين ثم جاءت منعكسات الحربين الأثيوبيتين على إرتريا وما بينهما من جولات في الفترة من 1998/2000 فتصاعدت حدة الخلافات الإرترية مع السودان الذي اندرج في حلف ثلاثي لاسقاط النظام الإرتري بمشاركة أثيوبيا واليمن بداية من الإعلان عن ذلك الحلف في صنعاء أكتوبر/تشرين أول 2002 ثم القمة الثلاثية الثانية في أديس أبابا (28 وإلى 29 ديسمبر/كانون أول 2003) (6)
    إذن:
    فمصر تريد وحدة السودان وتماسكه بدافع استراتيجي يرتبط أساساً بمياه النيل، وبدافع أمني أيضاً لتأمين حدودها الجنوبية ضد ما يمس بأمنها القومي.
    وفي هذا الإطار تريد مصر تفاهماً مع كل القوى السودانية الفاعلة من الحركة إلى الانقاذ وباتجاه الآخرين وهذا ما تختلف فيه مع ثنائية الانقاذ وقرنق. هذا من جهة.
    ثم تجد مصر نفسها مضطرة للتعامل مع الانقاذ حفاظاَ على تماسك بنية الوسط والشمال والشرق ولكنها تختلف مع الانقاذ حول أسلوب هذا التماسك لتطرح من جديد مفهومها للوفاق الوطني على الأقل بين أبناء هذا الوسط والشمال من جهة أخرى.
    ثم تمضي مصر لأبعد من ذلك حين تشير إلى ضرورة اختراق الضغط الأمريكي والأوروبي على نظام الانقاذ في مباحثات كينيا بمد جسور الانقاذ إلى إسرائيل في مقابل ضغط إسرائيل على أمريكا وأوربا لصالح المفاوض عن الخرطوم، وهذا ما طرحه السيد رئيس الوزراء المصري عاطف عبيد على النائب الأول للرئيس السوداني في زيارته المشار إليها إلى السودان (15 / 20 – 7 – 2003) وكاد أن يتضمن البيان الختامي فقرة تشير إلى إمكانية اعتراف الانقاذ بإسرائيل إلا أنها سحبت من البيان في اللحظات الأخيرة وهذا ما أشرت إليه في مقالي حول علاقات التكامل المصرية –السودانية في صحيفة البيان وقتها (7).


    أما إرتريا والتي تريد وحدة وسط وشمال وشرق السودان فإن الباب مغلق تماماً أمامها وذلك بحكم تحالف السودان مع أثيوبيا واليمن – رغم محاولات اليمن الفكاك من هذا الحلف مؤخراً – وبحكم تبني الطرفان السوداني والإرتري للمعارضة المتبادلة، إضافة إلى التعقيدات الأمنية المستمرة والمتبادلة أيضاً.
    فبالرغم من أن الموقف الأرتري يماثل الموقف المصري من زاوية تماسك الوسط والشمال والشرق، وزاوية الوفاق الوطني السوداني الجماعي، إلا أن المسافة بين الانقاذ وإرتريا كبيرة جداً خلافاً لمقاربات الموقف المصري.
    هذا ما يجعل إرتريا رصيداً لعمل جذري معارض وبشكل حاسم ضمن المخططات الدولية لاسقاط نظام الانقاذ عبر تدخل عسكري مباشر فيما إذا فشلت مباحثات نيفاشا، فنظام الانقاذ لا يسقط عسكرياً من الجنوب أو الغرب ولكنه يسقط حتماً من الشرق، ولأرتريا أن تبرر ذلك لا باندراجها في مخطط دولي ولكن بدافع الحفاظ على أمنها القومي على امتداد حدودها الغربية مع السودان.
    إن احتمال إسقاط الشرق السوداني عبرالتدخل الأمريكي من خلال إرتريا وارد في حال فشل مباحثات نيفاشا، وقد طرحت أفكار بشأن هذا التدخل منذ محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995 حين وصوله للمشاركة في اجتماعات القمة الأفريقية ووجه الاتهام إلى (عناصر نافذة) داخل نظام الانقاذ.


    يومها تمت مشاورات في البيت الأبيض حول ضرورات التدخل وباستصحاب خلفيات أخرى منها نشاطات أسامة بن لادن في السودان وتحركات عناصر أصولية مصرية داخل السودان وامدادها لتنظيماتها في مصر بالمال والسلاح. وشملت المشاورات اتخاذ حلايب (قاعدة مساندة) لهذا التدخل الذي يتم عبر إرتريا مع تزويد قاعدة حلايب بمحطة إذاعية موجهة للسودان باسم المعارضة وعلى أن يتولى المرحوم الفريق (فتحي أحمد علي) الإعداد لذلك.
    وقتها حذرت بوضوح من مغبة هذا الأمر بعد رفضي لنشاطات التجمع في أسمرا ومن داخل قاعة المؤتمر ووجها لوجه أمام قادة التجمع عام 1995 كما سبق لي قبل عامين من ذلك في 1993 أن كشفت محاولة تحرك انقلابي داخل صفوف الجيش السوداني بما فيها محاولة اغتيال الشيخ حسن الترابي، وقد كانت اتصالاتي بالخرطوم تجري عبر سفير السودان في واشنطن وقتها الأستاذ (أحمد سليمان) وهو لا يزال حيّاً. ولكن رغم كل ذلك لم أكن على وفاق مع الانقاذ فحذرت بوضوح على صفحات جريدة (الحياة) اللندنية بتاريخ 1 فبراير/شباط 1997 من إمكانية سقوط الشرق إذا لم يراجع الانقاذ حساباته الداخلية والاقليمية والدولية ثم ذهبت إلى الخرطوم مطلع مارس (آذار) في نفس العام 1997 طارحاً ضرورة (الوفاق الوطني) وتكوين (الجبهة الوطنية المتحدة) من كل الأطراف داخل السودان بما فيها المجموعات الجنوبية التي وقعت على اتفاقات السلام من الداخل في 21 و29 أبريل (نيسان) 1997 وعلى رأسها دكتور (رياك مشار) ودكتور (لام أكول) وكذلك القيادات النوبية التي فاوضت الانقاذ وعلى رأسها دكتور (هارون كافي) وآخرون، وقد عزز هؤلاء مواقفي فاتجهت لاستقطاب القوى الشمالية عبر مؤتمر دمشق بتاريخ 17 مايو (أيار) 1997 فلم يستجب لي وقتها سوى الشريف زين العابدين الهندي ونفر من أصحابه.


    وطرحت ضرورة (التفاوض الجماعي) بين (الجبهة الوطنية المتحدة) التي تتشكل في الداخل من كل هذه الأقسام الوطنية و(التجمع الوطني) المعارض في أسمرا، غير أن مجموعة الضغط داخل النظام السوداني والمعارضة في أسمرا على حد سواء (أجهضوا) كل ذلك، ثم عاد بعضهم للتفاوض على نحو ثنائي كما يحدث في نيفاشا الآن وكما حدث في (جيبوتي) بين السيدين الصادق المهدي ورئيس الجمهورية عمر البشير من قبل.
    وقد تم اجهاض ذلك وعاد الدكتوران (رياك مشار) و(لام أكول) إلى التحالفات مجدداً مع (قرنق) وتسلم أنصار الشريف الهندي بعض الوزارات الهامشية كما انقسم حزب الأمة وتسلم أنصار السيد مبارك الفاضل المهدي وزارات هامشية أخرى.
    ويمكن مراجعة كافة هذه الموضوعات في كتابي الصادر في الخرطوم نفسها عن (مركز الدراسات الاستراتيجية) تحت عنوان: (نحو وفاق وطني سوداني – رؤية استراتيجية) عام 1998.
    أما مصر فإنها لن تستطيع التدخل المعاكس في السودان فيما إذا تم التدخل الدولي بدافع أمريكي وبقرار من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة لأن مصر غير متوافقة مع نهج الانقاذ في عدم قدرته على إحداث الوفاق الوطني وتطويق المشكلات الداخلية من ناحية، ومقيّدة في علاقاتها مع أمريكا بعدة وشائج. وذلك بالرغم من محاولات الانقاذ الاستنجاد بمصر وتوقيع اتفاقات التكامل والزيارات المتكررة لسؤلي البلدين للعاصمتين وأخيراً دعوة وزير الخارجية السودانية لوزير الدفاع المصري وليس دعوة وزير الدفاع السوداني له.

    أبعاد التدخل العسكري والتدويل:

    لا تخفي أمريكا قط نواياها للتدخل العسكري المباشر في الحالتين:


    الحالة الأولى: إذا تم التوقيع على اتفاق نيفاشا وذلك عبر نشر قوات حفظ السلام الدولية والبالغة خمسة عشر ألف جندي يتوزعون في كل أنحاء السودان بما في ذلك العاصمة والشرق والغرب، ويحاول الانقاذ جهده – بعد إعلاناته السابقة رفض نشر هذه القوات أو تطعيم هذه القوات بقوات مصرية وعربية توازن الوجود العسكري الأمريكي والأوروبي وحتى الأفريقي المحتمل.
    الحالة الثانية: إذا فشلت مباحثات نيفاشا وهذا ما يرغبه بالحاح الصقور في الإدارة الأمريكية الذين يتمنون فشل المفاوضات ولقرنق أن يلعب على هذه الورقة بتصعيد مطالبه ومن بينها مشاركة كافة القوى السياسية في المباحثات بما فيها قوى غرب السودان وشرقه، والإصرار على علمانية العاصمة وضم (آبيي) للجنوب وفق المقترح الأمريكي نفسه.


    وهناك ستة عشر نقطة خلافية من بينها قضية الرئاسة حيث لا يقبل قرنق بأن يكون نائباً للرئيس موازياً لنائب شمالي آخر فيكرر حالة الدكتور (رياك مشار) مع الخلاف حول نسب التمثيل في البرلمان القومي والحكومة المركزية وحكومة وبرلمان الجنوب وتمثيل أبناء مناطق جنوب النيل الأزرق وجبال النوبا وآبيي في حكومة وبرلمان المركز وإعادة بناء الاجهزة الأمنية وتمثيل كافة القوى السياسية (.
    هذا يعني بوضوح (تفكيك الانقاذ برمته) أو الاحتفاظ لجزء من الانقاذ – وليس كله – ببعض الثقل كأداة للتفاوض خصوصاً بعد أن دعا منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان (موكيش كابيلا) إلى تشكيل محاكم لنظر جرائم الحرب لمحاكمة المسؤولين عن حالات الاغتصاب والنهب والقتل في القرى الأفريقية في منطقة دارفور بغرب السودان، متهما الدولة بالتواطؤ في هذه الجرائم. وقال موكيش كابيلا منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان "لا توجد أسرار.. الأفراد الذين يفعلون هذا معروفون. لدينا أسماؤهم". وأضاف في مقابلة مع وكالة رويترز "الأفراد الضالعون في هذه الجرائم يشغلون مناصب رفيعة".
    ووصف أعمال العنف بأنها "تطهير عرقي"، وقال إن أغلبها ترتكبه ميليشيات العرب الرحل المعروفين باسم الجنجاويد، وإن هذه المليشيات تحظى بدعم القوات الحكومية. وأضاف "ولا يسع المرء في ظل هذه الملابسات سوى أن يستنتج أن هذه الأعمال تتم بموافقة الدولة". وقال كابيلا أن الوضع الأمثل هو أن تحاكم الخرطوم المسؤولين عن العنف بنفسها لكنها لم تفعل ذلك، ومن ثم فمن واجب المجتمع الدولي أن يقوم بهذه المهمة.
    وكان كابيلا قد شبه الصراع في دارفور في الأونة الأخيرة بحملة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 مما أثار غضب الحكومة السودانية في الخرطوم. وقال في المقابلة "لا أرى ما يمنع المجتمع الدولي من النظر في إنشاء محكمة أو آلية دولية ما لتقديم الأفراد الذين يدبرون جرائم الحرب ويرتكبونها للمحاكمة.
    وأعلن الانقاذ أنه سيقدم شكوى رسمية للأمين العام للأمم المحدة، كوفي أنان، بخصوص تشبيه كابيلا للعنف في دارفور بحملة الإبادة الجماعية في رواندا، حيث قتل متطرفو الهوتو 800 ألف من التوتسى، والهوتو المعتدلين في مائة يوم. لكن كابيلا دافع عن موقفه قائلاً: "الفارق الوحيد بين رواندا والسودان في الأعداد.. فلدينا مثل رواندا محاولات منظمة ودؤوبة للقضاء التام على فئة بأكملها من السكان، وهي في الحالة عدة قبائل ذات أصل أفريقي في أغلبها.


    وقال كابيلا أنه يرحب بالاهتمام الذي حظيت به تصريحاته بخصوص السودان. وأضاف "في رواندا تقاعس العالم عن الإنصات. وجادل فيما يحدث وما لا يحدث وتحول الرعب إلى إبادة جماعية. لم نصل بعد إلى حد الإبادة الجماعية في دارفور لكن أخشى أن ننزلق إلى أمر أسوأ".
    بانتظار 21 أبريل (نيسان) 2004:
    لم يشن منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية هجومه عن فراغ فارهاصات التدخل العسكري آخذة بموجهات الأحداث، سواء نجحت نيفاشا أو فشلت.
    فأمريكا نفسها قد اتهمت معظم العناصر المتنفذة في نظام الأنقاذ بأنها إرهابية ومطلوبة للمحاكمة الدولية وبما يماثل حالات المطلوبين في كوسوفو، وحددت اثني عشر مسؤولاً. وقد سبق لي أن أشرت بوضوح محذراً في عام 1996 بأن هناك ازدواجية داخل الانقاذ وأن هناك (منظمة) تتشكل من هؤلاء المشار إليهم يتجاوزون حتى قرارات الرئيس التي تدفع نحو المصالحة والوفاق، ونشر المقال بتاريخ 27 ديسمبر/كانون أول 1996 تحت عنوان (هل النظام في السودان دولة أم منظمة؟) (9) ثم كنت أكثر وضوحاً حين نشرت بتاريخ 23 أغسطس 2003 مقالي بعنوان (البشير بين حصاني هرقل وأحد عشر عملاً) (10). حاولت فيه التمييز الواضح بين مصداقية الرئيس البشير ومن حوله وبين من يعرقلون قراراته من مجموعة المنظمة داخل النظام. وقد خبرت ذلك عن قرب لدى زيارتي للخرطوم والتي تمت بدعوة من سيادة الرئيس نفسه في 10 ديسمبر/كانون ثاني 2003 وامتدت إلى 21، ثم زيارة أخرى من 1فبراير/شباط 2004 وإلى 15 مارس(آذار 2004) وما بين الزيارتين للسودان زيارة لإرتريا (21 / 12 / 2003 – 1 / 2 / 2004)، بمعنى أني قضيت حوالي ثلاثة أشهر بين السودان وإرتريا والتقيت فيها بالكثيرين وشاركت في ندوات والقيت العديد من المحاضرات بحيث أصبحت الأوضاع مكشوفة تماماً أمامي.


    إن السودان الآن بانتظار ما سيصدر من قرارات عن الإدارة الأمريكية في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 2004، وهذا هو الموعد الأخير الذي حدده المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى السودان السيد (جون دان فورث) للقطع بالشأن السوداني سواء نجحت مفاوضات نيفاشا أو فشلت ، وينتظر الرئيس الأمريكي ذلك الموعد لإعلان قراره النهائي، إما ينشر قوات السلام في حال ونجاح المفاوضات وإما بالغزو العسكري في حال فشلها، فيصبح السودان رهين القبضة الأمريكية في الحالتين.
    الأهداف والبرنامج الأمريكيين:
    بالطبع سيفسح المجال لمشاركة قوات غير أمريكية لحفظ السلام ومنها بريطانية وأفريقية غير أن القوات الأمريكية دون سائر هذه القوات سيكون لها الحظ الأوفر.
    والمهم جداً أن أمريكا – من بين كل هذه القوى- تملك (برنامجا محددا) وفق (رؤية استراتيجية محددة) لما تخطط لفعله في السودان، وقد كتبت (ملفا متكاملا) حول هذه الرؤية والبرنامج اجتزأت بعضاً منه للنشر في جريدة (الصحافة) السودانية وهو بعنوان (الوجود الأمريكي في أفريقيا وموقف السودان منه) (11). وألقيت محاضرة بهذا المعنى في (مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا) في الخرطوم بتاريخ 24 فبراير/ شباط 2004.
    إن أهم ما في الرؤية والبرنامج أن أمريكا تخطط للسودان على ضوء المرتكزات التالية:
    أولاً): سحب مبدأ الشراكة الأمريكي مع أفريقيا على السودان وهو المبدأ المقرر بعد العديد من الخلفيات والحيثيات التي أوضحتها (12) والمسمى (قانون النمو والفرص لأفريقيا)
    The African Growth and opportunity – AGOA
    وقد أجازه الكونغرس الأمريكي بالإجماع بالرقم (1433) وبتاريخ 12 مارس (آذار) 1997.

    ثانياً): الاندراج في مشاريع العولمة الأمريكية كما أعلنها الرئيس بوش الأب في خطابه أمام الكونغرس بتاريخ الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 1990 وقبل عشر سنوات من التفجيرات ولكن بذات تاريخها، يوماً وشهراً. وأهم ما في الإعلان الحرية الاقتصادية وأنظمة السوق الحرة إلى جانب الحريات الليبرالية بأشكالها المختلفة ثم طرح الاصلاحات التربوية والثقافية والإعلامية (13).

    ثالثاً) الانطلاق من موقع السودان (الجغرافي الاستراتيجي الحاكم) (14) وبالتالي المؤثر في الدول من حوله باتجاه القرن الأفريقي شرقاً والمحيط الاستوائي السواحيلي جنوباً إلى البحيرات العظمى والحزام الأفريقي غرباً وذلك ما سبق أن حددته أمريكا منذ عام 1984 حين وضع البنتاغون باشراف المحلل الاستراتيجي (أنتوني كوردسمان) تقرير (منعكسات عدم الاستقرار في السودان على دول الجوار) وقد حمل بوش الأب حين كان نائباً للرئيس الأمريكي هذا التقرير لمناقشته في السودان (وضع التقرير بتاريخ 11 ديسمبر / كانون أول 1984). وكان توطئة لاسقاط نميري.
    رابعاً): إدراج السودان ضمن كنفدرالية القرن الأفريقي والتي تشمل إرتريا وأثيوبيا وجيبوتي والصومال، مع ربط هذه الكنفدرالية بمنظومة البحر الأحمر التي تشمل اليمن والسعودية والأردن وإسرائيل ومصر. وذلك طبقاً لتوصيات الجامعات الأمريكية والصادرة عن مؤتمرها المنعقد تحت إشراف جامعة جنوب فلوريدا بتاريخ 14 ديسمبر /كانون أول 2002.
    ثم ربط هذه الكنفدرالية والمنظومة البحر أحمرية بمقترحات أمريكا لمشروع (الشرق الأوسط الكبير) والذي ستناقشه أمريكا مع دول الاتحاد الأوروبي في مؤتمر قادم في واشنطن في يونيو (حزيران) 2004، أي بعد شهرين تقريباً (15).

    آفاق التدخل الأمريكي:
    بانتهاء المفهوم التقليدي للجغرافية السياسية والجيوبوليتيك تسعى امريكا الان للسيطرة على العالم كله، ليس عن طريق وكالة الاستخبارات الامريكية (CIA) التي ستوضع قريباً في متحف التاريخ، ولا عن طريق الدبلوماسيين البيروقراطيين او مجموعات ورش عمل الادمغة "Tink Tank" التي كادت ان تحل بديلاً عن الجامعات، ولكن عن طريق اجهزة الـ(ISR) وهي اختصار لاجهزة جمع المعلومات والاشراف والمراقبة والاستطلاع "Intelligence Collection, Surveillance and Reconnaissance"
    امريكا هـذه تتطلع الان لايجـاد الشعوب البديلة "Alternative N." (16) والانظمة البديلة Alterantive S. وذلك باحتواء الشعوب ثقافياً على حساب ما هو سائد ايدلوجياً ودينياً وقومياً وحضارياً، وقد تم التعبير عن هذا الاحتواء بلغة صدام الحضارات لصموئيل (17) هنتنغتون ومنطق الليبرالية نهاية التاريخ لفوكوياما (1 والذي يحتوي الانظمة جنباً الى جنب مع شروط منظمة التجارة الحرة والمنظمات الدولية الاخرى كحقوق الانسان وغيرها كثير وكثير.
    حتى يتم التخطيط الامريكي في عصر التكنيترونيك (19) واداته الجديد الـ(I.S.R) تبذل القيادات الاكاديمية جهدها لتصنيف ما هو قائم في العالم الان من شعوب وانظمة، فهناك الدول المارقة على النظام الدولي الجديد وهي دول (محور الشر) التي تتضمن –حتى الان- ايران وكوريا الشمالية وكان من بينها العراق قبل غزوه، وهي دول توصم بالارهاب ويبلغ عددها في تقدير نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني حوالي خمسين دولة.
    وبالاضافة الى الدول المارقة هناك الدول الانتقالية، لا هي مارقة ولا هي (مطيعة) وهناك الدول (الفاشلة) ثم في اخر القائمة الدول (المنهارة) وقد خصصت (فصلية) واشنطن The Washington Quarterly الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ملفاً خاصاً في عددها الصادر صيف 2002م لهذه التصنيفات (20).
    صفات الدولة الفاشلة:
    يحدد (روبرت روتبرج) (21)، مدير برنامج الصراع بين الدول في (اكاديمية كينيدي) ورئيس مؤسسة السلام الدولي في مقالته المنشورة في فصلية واشنطن بعنوان (الطبيعة الجديدة لفشل الدولة القومية) ان الدولة القومية تفشل لانها لم تعد قادرة على توصيل سلع سياسية ايجابية لشعوبها، ويقصد بالسلع السياسية خدمات الامن والتعليم والصحة والفرص الاقتصادية والرقابة البيئية واطار قانوني للنظام العام، ونظام قضائي لادارتها ومتطلبات البنية الاساسية الضرورية من طرق واتصالات، ويعد الامن اكثر السلع السياسية اهمية لحياة الناس واشهرها. ويضيف (روتبرج) ان الدول الفاشلة متوترة، وتشهد صراعاً شديداً، وتخوض الفصائل المتحاربة فيها حروباً خطيرة ومريرة، وفي معظم الدول الفاشلة تحارب القوات الحكومية متمردين مسلحين واحياناً تواجه السلطات الرسمية في تلك الدول اكثر من تمرد مسلح في وقت واحد، ومجموعة من الاضطرابات المدنية، ودرجات متفاوتة من السخط الاجتماعي، وطائفة كبيرة من اشكال المعارضة الموجهة للدولة او لجماعات داخل الدولة.
    ويشير (روتبرج) ان ما يحدد ما اذا كانت الدولة فاشلة ليس شدة العنف وانما الطبيعة المستمرة لذلك العنف كما هو الحال في دول مثل أنغولا وبوروندي والسودان.


    وكذلك توجيه هذا العنف نحو الحكومة او النظام القائم، والطبيعة النشطة للمطالب السياسية او الجغرافية بتقاسم السلطة او الاستقلال التي تضفي عقلانية او تبرر ذلك العنف الى حرب داخلية شاملة، وعندما تتدهور مستويات المعيشة بشدة، وعندما تنحل البنية التحتية للحياة العادية، وعندما يطغى جشع الحكام على مسئولياتهم عن توفير شروط الحياة على نحو افضل لمواطنيهم.
    وان الحروب الاهلية التي تميز الدول الفاشلة تنجم عادة عن حالة عداء عرقي او ديني او لغوي او غيره من اشكال العداء فيما بين الجماعات او ان جذور هذه الحروب تنبت في حالات العداء هذه . ولا توجد دولة فاشلة لم تعرف شكلاً من اشكال عدم الانسجام بين الجماعات داخل الدولة كسمة ملازمة للدولة الفاشلة.


    واحد المؤشرات التي تقيس مدى فشل الدولة، هو مقدار المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها الحكومة سيطرة حقيقية والى أي مدى تحكم الحكومة المركزية قبضتها على القرى والمناطق الريفية والطرق والممرات المائية ومن الذي يسيطر بالفعل على المناطق النائية في الدولة.
    وفي معظم الحالات التي يحكمها العداء العرقي او الاشكال الاخرى من العداء او احساس النظام بعدم الامن وتنامي العنف المرتبط بالجريمة حيث تضعف سلطة الدولة وتعجز وحيث ترتكب الدولة جرائم في قهرها لمواطنيها، وتصبح الحالة العامة لغياب القانون سائدة، ويتحول المواطنون الى امراء للحرب على اساس من التضامن العرقي.


    كما تحتوي الدول الفاشلة على مؤسسات ضعيفة او معيبة وغالباً فان المؤسسات التنفيذية فقط هي المؤسسات العاملة، والمؤسسات التشريعية –ان وجدت- فانها تبصم على قرارات المؤسسات التنفيذية، والنظام القضائي تابع للسلطة التنفيذية ويعرف المواطنون انهم لا يستطيعون الاعتماد على المحاكم لانصافهم خاصة امام الدولة، والجهاز البيروقراطي في هذه الدول الفاشلة فقد –ومنذ امد بعيد- احساسه بالمسئولية المهنية وهو موجود فقط لتنفيذ اوامر المؤسسة التنفيذية ولقهر المواطنين وربما يكون الجيش في الدول الفاشلة هو المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بقدر من السلامة لكنه (مسيس بشدة) ومعنويات افراده لم تعد مرتفعة.
    ويتابع (روتبرج) وكما هو الحال في السودان –مثلاً- فان البنى الاساسية اما انها متدهورة او انها دمرت بالفعل كما ان الخدمات التعليمية والصحية اما جرت خصخصتها او انها تدهورت الى مستويات لم يعد بالامكان اصلاحها، ويزدهر الفساد ويصل الى مستويات غير عادية ومدمرة، كما تعاني من كوارث بيئية ومجاعات.
    هكذا يصبح المواطنون اقل ولاءً لدولة، وينظرون الى الحكام على انهم يعملون لانفسهم وذويهم، ساعتها تتآكل شرعيتهم وشرعية الدولة حيث تصبح حكراً على جماعة او طبقة فيصبح المواطنون اكثر ولاء للجماعات العرقية او العشائرية.
    ويؤكد (روتبرج) ان هذه المواصفات تنطبق –الان- على سبع دول هي: السودان وسيراليون وليبيريا والكنغو وبورندي وانغولا وافغانستان.
    التدخل الخارجي:
    ولان اوضاع هذه الدول الفاشلة ينعكس سلباً على مسارات العولمة يرى استراتيجيو امريكا ان التدخل العسكري هو الحل الو حيد لاعادة تركيب وصياغة هذه الدول بالمنطق البديل.
    ولكن: على من ستعتمد امريكا في داخل الدولة الفاشلة؟
    في حال الدولة (المارقة) كالعراق فقد تم التدخل العسكري المباشر، ولا ندري بعد ما سيفعل بدولتين مارقتين اخرتين (كايران وكوريا الشمالية).
    وفي حال الدول (المنهارة تماماً) كالصومال فان القوات الامريكية تحضر نفسها في جيبوتي التي تحولت الى معسكر كبير، وبعد اسناد العمليات البحرية لالمانيا فيما تنتظر فرنسا بوصفها (المضيف) دورها. اما افغانستان فقد تم غزوها كالعراق.
    اما في حال الدول (الفاشلة) كتصنيف حالة السودان، فإن منطق (الاحتواء والعزل – Isolation and Containment) لازال سائداً. قد وتم اختيار هذا النهج في جلسة الكنغرس بتاريخ 15 مايو (آيار)1997م، وذلك بعد الاعلان الامريكي في اغسطس (آب) عام 1993م ان السودان دولة (ارهابية) بمعنى (مارقة) غير ان منطق 1997م يرتبط بمفهوم (فاشلة) وليس (مارقة) وما بين مارقة وفاشلة 93/1997م صدرت عدة قرارات منها قرار مجلس الامن رقم (1044) بتاريخ 31 يناير (كانون ثاني) 1996م والقرارين (1054) و (1070) في اغسطس (آب) 1996م وبالتزامن مع قرار مجلس النواب الامريكي رقم (70) والشيوخ رقم (106) ورقم (1453).
    ان المعالجة الامريكية سواء بمنطق الدولة (المارقة) او (الفاشلة) او (المنهارة) يرتبط باشكالية كبيرة جداً هي (القوى البديلة) و(اسلوب) السيطرة الامريكية.
    فامريكا –وهي عالمة بذلك- تعتمد حتى الان على (نصف الحلول) وهي:
    اولاً: التدخل العسكري.
    ثانياً: السيطرة الامنية.
    ثالثاً: الاحتواء السياسي لما هو قائم في الارض.
    ولكن ماذا بشان النصف الاخر من الحلول، أي (الانظمة البديلة)؟
    هنا تعاني واشنطن اضطراباً شديداً فتلجأ لطرح البدائل التالية المستمدة من مشروع (اعادة بناء سودان ما بعد الحرب) والصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بعد ان قام فريقه بزيارة ميدانية للسودان في اغسطس (آب) من السنة المنصرمة 2003م.
    يقول النص (ترجمة سيف الدين عبد الحميد – الصحافة السودانية 18/2/2004م):
    (يجب ان يفتح مجال العمليات السياسية في الشمال والجنوب لتهيئة فرص للاعبين سياسيين سودانيين ابعدوا لفترة طويلة عن المسرح السياسي وذلك ليشاركوا في صياغة مستقبل السودان.
    وتحتاج الولايات المتحدة والمساهمون الآخرون ايضاً لبرامج مكثفة من الدعم لتطوير المجتمع المدني في الشمال والجنوب، مشتملة على دعم مجموعات الحراسة المتخصصة في اعداد تقارير حقوق الانسان ومحاربة الفساد، والاخبار المستقلة التي من شأنها خلق مجتمع مدني مفتوح في السودان.
    كما ان تطوير الادب السياسي من شأنه ان يعين السودانيين على تبني طرق غير العنف لاحداث التغيير. اما جنوب السودان فلم يكن لديه بديل قابل للتطور والبقاء خلاف الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي نفسها تتطلب (تحولاً سياسياً).
    ومن ناحية فان احزاب المعارضة السياسية في شمال السودان قد (فشلت تاريخياً) في ايجاد تصور لسودان موحد يستوعب التنوع الديني والعرقي.
    فتقديم نوع من الدعم لتجديد وتسهيل امر (الجيل الثاني) من القادة السياسيين في السودان يعتبر ضرورياً لعملية التحول القادمة في البلاد).
    خلاصة البديل الامريكي هو: (الجيل الثاني) و(تطوير الادب السياسي) و(تطوير المجتمع المدني) و(مؤسسات الرأي المستقل).
    ووقف حمار الشيخ في العقبـة:
    هنا بالتحديد وقف حمار الشيخ في العقبة، فحين تعرض مختلف مراكز البحوث الامريكية حصيلتها هذه على اجهزة (ISR) لجمع المعلومات والمراقبة والاستشراف والاستطلاع سيأتي التساؤل: من يكون هؤلاء؟!
    فالجيل الثاني المشار اليه والذي خلف جيل ما بعد الاستقلال بداية بحكم جعفر نميري سنة 1969م هو الجيل نفسه الذي (ادمن الفشل) كما كتب الدكتور منصور خالد وكما حللت ظاهرته في مقالي (السودان: ازمة فكر وقيادة – فشل الجيل الثاني والقوى الاجتماعية الحديثة – الصحافة 10 و 11 يوليو (تموز) 2003م).
    وفي هذا المقال اوضحت ليس فشل الجيل الثاني فقط ولكن فشل قوى ومؤسسات المجتمع المدني نفسه.
    ثم حين تتبنى امريكا تطوير (الادب السياسي) في السودان، فانها لا تفعل في هذا المجال المغرق في الخصوصية السودانية اكثر مما اراد ان يفعل السيد (كولن باول) وزير الخارجية الامريكي حين بشر في محاضرته التي القاها في مؤسسة Heritage Foundation بواشنطن بتاريخ 11 ديسمبر (كانون اول) 2002م باصلاح وتغيير مناهج التربية كما بشر بالاصلاح السياسي وقتها تساءلت على صفحات (الوسط/ البحرينية – 17/12/2002م من المتحدث المحاضر، هل هو كولن باول او الفيلسوف الفرنسي فولتير)؟!.
    فالبدائل الامريكية لقيادة السودان تجعل امريكا في وضع من يبحث عن ابرة في كومة قش.. ويكمن مصدر ذلك في عدم قدرة امريكا على التعامل مع (جدل الواقع السوداني من داخله) وهو جدل أعيا الماركسيين السودانيين وهم اصحاب الجدل نفسه ولكن بمنحاه (المادي).
    ان مشكلة مراكز البحوث الامريكية هي عدم القدرة على التعامل مع جدل الواقع في العالم الثالث عموماً، لان منظور التحليل الاجتماعي والثقافي والفكري والذي ترتاده المدرسة الفرنسية (الانسية) المعاصرة بالذات ينقص كوادرها الباحثة الى حد كبير.
    وقد مارست امريكا من قبل هذا النوع من الدراسات والابحاث ولكن لفرض الهيمنة والسيطرة السيكولوجية على الشخصية اليابانية اثناء الحرب العالمية الثانية حيث اوكلت تطويع الشخصية اليابانية لعلماء الاجتماع كالعالمة (روث باتديكيت) وتقاريرها التي ضمنتها لاحقاً كتابها (الاقحوان والسيف). غير ان مشكلة امريكا في السيطرة على الشعوب من داخلها في عصر العولمة وليس عصر الحرب العالمية الثانية يتطلب (التفاعل) وليس (الهيمنة) ولهذا تبحث عن (الجيل الثاني) والبنود الاخرى.
    ان الاتجاه الحقيقي هو ما يجب ان يكون باتجاه (الجيل الثالث) في السودان الذي ولد في مرحلة (الفراغ الأيديولوجي) على عهد نميري في السبعينات، أي اثناء ادمان الجيل الثاني للفشل فهو (الجيل المستبعد) والذي يجب البحث عنه وليس (اللاعبين السياسيين الذين ابعدوا) كما يشير التقرير الامريكي.
    فجيل السودان الثالث هو الذي يجب ان توجه له اهتمامات التطوير لان عقليته التي نشأت في ظل الفراغ الايديولوجي من السبعينات والى اليوم هي عقلية تقوم بطبيعتها على التمرد والرفض والنزعة النقدية والتفكيكية لاي مقولة ايديولوجية او سياسية، ولاي انتماء طائفي او اثني او اقليمي او عشائري، فهو يعيش حالة انصرافية ذات منحى ايجابي تصل الى مشارف (العدمية) وبالكاد ان يتخذ (رموزاً) من الجيل الثاني.
    هذا الجيل الثالث هو صنو العولمة الان لانها تفتح امامه افاق الحرية الليبرالية وتحمي نزعته التفكيكية بانحسار الظل الآحادي للدولة باتجاه العلمانية التي (تحيّد) الدين في السلطة ولا تلغيه في المجتمع.
    هذا الجيل الثالث هو ضالة امريكا، ولكنه ضالتنا نحن ايضاً لا لمواجهة نزعته النقدية التفكيكية المميزة ولكن لتوظيفها ضمن نهج (تركيب معرفي) يعيد فهم (جذوره) و(اصالته) وذلك مساق اخر.

    حتى لا ترتكب امريكا الخطأ الثاني.
    قد سبق وان اخطأت امريكا حين بحثت اوضاع السودان في التقرير الذي اصدرته وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) باشراف خبيرها الاستراتيجي (انتوني كوردسمان) بتاريخ 11 ديسمبر (كانون اول) 1984م، فبما انها كانت تحضر لايجاد البديل السوداني لنظام نميري، فقد جاء (بوش) نفسه الى السودان حين كان نائباً للرئيس الامريكي واستقر امرهم على بناء تحالف ثلاثي يشمل (الانصار وحزبهم الامة، والختمية وحزبهم الاتحادي الديمقراطي والاخوان المسلمين) ولم يتطلعوا للقوى البديلة او (الجديدة) فكانت النتيجة الحصاد المر للفترة البرلمانية –وليس الديمقراطية- والتي امتدت من 1986م والى 1989م. ويقيني أن أمريكا لن تكرر ذلك الان.
    الجيل الثالث وبناء الشراكة الامريكية في افريقيا والسودان:
    قد طرحت امريكا مبدأ المشاركة مع كل افريقيا حين طرح الرئيس (بيل كلينتون) ما اسماه وقتها (المبادرة الامريكية تجاه افريقيا) ثم حددها اكثر لدى حضوره قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في مدينة (دينفر) بتاريخ 24 يونيو (حريزان) 1997م واطلق عليها (المشاركة الامريكية الافريقية للتنمية) بهدف العمل من اجل استقرار افريقيا وازدهارها الاقتصادي وتحررها السياسي.
    وقد اجاز الكونغرس الامريكي وبالاجماع مشروع القانون رقم (1433) بتاريخ 12 مارس (آذار) 1997م باسم (قانون النماء والفرص African Growth and Opportunity- agoa) ثم قضت امريكا في مؤتمر واشنطن بتاريخ 16 مارس (آذار) 1999م باسقاط ديون على افريقيا بلغت (70) مليار دولار ثم بعد شهرين فقط، وبتاريخ 17 مايو (ايار) 1999م عقدت قمة امريكية – افريقية في (غانا) شارك فيها (5500) مسؤول من بينهم (14) رئيس دولة، ثم على هامش القمة الاقتصادية التاسعة لدول افريقيا الجنوبية والتي عقدت في (ديربان) بتاريخ 5 يوليو (تموز) 1999م اعلنت امريكا انشاء صندوق برأسمال قدره (350) مليون دولار لمشاريع البنية التحتية التي يتولى تنفيذها القطاع الخاص.
    مصالح امريكا في افريقيا وجولتا كلينتون وبوش:
    ان افريقيا هي القارة الوحيدة في عالم اليوم التي لازالت بكراً بمواردها وبالذات النفطية وانسانها بعد استهلاك قارات العالم الاخرى، وهي الجار عبر الاطلسي لامريكا بعد اوروبا.


    وها هي امريكا تعود الى افريقيا في عصر العولمة بعد ان فهمت جيداً فشل المنطق التقليدي الذي حكم علاقاتها السابقة بالتجربة الليبرالية منذ عام 1882م حيث ضخت مجموعة من زنوجها المحررين من الرق ليكونوا وكلاء عنها في ذلك البلد، فلم يفعلوا بمنطق (الوكالة) سوى تأسيس نظام (عنصري اسود) ضد المواطنين السود من اهل البلاد، وبمنطق الوكالة نهبوا الثروات.
    تعود امريكا في عصر العولمة بمنطق (الشراكة) وليس (الوكالة الليبرالية)، وتعود بغير منطق الانقلابات العسكرية الذي ساد اجهزة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (CIA) والخارجية الامريكية على نهج الاخوين (آلان) و(جون فوستر دالاس).
    فالتحدي الان هو كيفية تفصيل (منطق الشراكة) وكيفية التفاعل مع (القوى البديلة) وهذا جهد يلقي بنصفه على مفكري العام الثالث والافريقي منه بالذات جنباً الى جنب مع التطلعات الامريكية نفسها لاداء النصف الاول والذي لخصته في (التدخل العسكري) و(السيطرة الامنية) و(الاحتواء السياسي).


    وقد كان يمكن لامريكا ان تستثمر على نحو افضل جولتي كلينتون ثم بوش، حيث بدأ الاول جولته بتاريخ 23 مارس (آذار) 1998م، ثم بدأ الثاني جولته بتاريخ 8 يوليو (تموز) 2003م، اذ لا يكفي التفاؤل بمجرد اطلاق تعبير (القادة الافارقة الجدد) اذا لم يتحول قانون النماء والفرص (AGOA) ومفهوم (المشاركة) الى فهم (من الداخل) للواقع الافريقي بما فيه السوداني، والا وجدت امريكا نفسها ازاء حوت (ارنست همنجواي) الذي اصطاده صياده في روايته العجوز والبحر فنهشته كلاب البحر وهي كثيرة في داخل افريقيا وخارجها.

    وأبدأ الآن (بالمفقود) وهو سيادة الروح الوفاقية.
    فالسودان الآن يعيش حالات (عدم التوازن الأثني) والمطلوب هو عبور عدم التوازن الاثني إلى (التوازن الوطني) بداية من دعوة الحركة الشعبية لتحرير السودان للعودة إلى (أصول) برنامج المنافستو عام 1983.


    فقد أصبح تعبير "المناطق المهمشة" مصطلحاً دارجاً في القاموس السياسي السوداني منذ أن استخدمته حركة تحرير شعب السودان بقيادة العقيد جون قرنق في بيانها "المانفستو" الصادر بتاريخ 31 يوليو (تموز) 1983 حيث حددت المناطق المهمشة في (الفصل الثاني/فقرة 6) بأنها كل السودان ما عدا وسطه (مديرية الخرطوم ومديرية النيل الأزرق القديمة) حيث تتموضع العاصمة وأهم مشروع إنتاجي للقطن في الجزيرة.
    وحمّلَ البيان الاستعمار (الحكم الثنائي البريطاني/ المصري 1898/1956) مسؤولية تهميش هذه المناطق، ثم حملّ المسؤولية- من بعد الاستعمار – لما أطلق عليه "أنظمة شلل الأقلية" في الوسط، بداية من عام 1956 (الفقرة 7).
    إن أي تحليل سياسي اجتماعي لا يستطيع في النهاية إلاّ أن يعطى المانفستو "قيمة وطنية" مع تقدير "الحل الجذري" الذي تبنى مفهوم "السودان الموحد" باتجاه "إشتراكي" و"حل ديمقراطي" لكل القضايا القومية والدينية (الفصل السابع/فقرة 23).
    وللتأكيد على هذا النهج الوطني أدان المانفستو الحركات الانفصالية في جنوب وغرب وشرق السودان (الفصل السابع/فقرة 23) باعتبار أنها ستقود إلى "تفتيت السودان". مع النص على أن "الضرورة فقط" هي التي أملت قيام الحركة في جنوب السودان إلاّ أنها تستهدف تحويل السودان كله (الفصل السابع/فقرة 21).

    فشل الوسط السوداني:
    إذا قرأنا النص قراءة تحليلية باستخدام نظرية "جدل الواقع" التي تبحث عن "محركات" التغيير "وقوى" التغيير في الواقع السوداني سنأخذ بعين الاعتبار "فشل" كافة القوى التي تعاقبت على حكم السودان منذ عام 1956 وإلى اليوم (نصف قرن تقريباً) وتناوبها الحكم ما بين قوى عسكرية وأخرى سياسية حزبية وطائفية، وما بين قوى تقليدية وأخرى اجتماعية حديثة طبقاً للجدول الذي أعده "الدكتور التجاني عبدالقادر حامد" (22).
    سجل عن الحكومات المتعاقبة على السودان في فترة 1954 – 1989
    فترة حكمها نوعها الحكومة م
    يناير 1954 – نوفمبر 1955 أغلبية برلمانية حكومة الأزهري الأولى 1
    نوفمبر 1955 – فبراير1956 تحولات برلمانية حكومة الأزهري الثانية 2
    فبراير 1956 – يوليو 1956 الإئتلاف الأول بين الختمية والأنصار حكومة الأزهري الثالثة 3
    يوليو 1956 – أبريل 1958 الإئتلاف الثاني حكومة عبدالله خليل 4
    أبريل 1958 – نوفمبر 1958 الإئتلاف الثالث حكومة عبدالله خليل الثانية 5
    نوفمبر 1958 – أكتوبر 1964 عسكرية (أولى) حكومة الفريق عبود 6
    أكتوبر 1964 – فبراير 1965 قومية (انتقالية أولى) حكومة سر الختم الخليفة 7
    يوليو 1965 – أبريل 1966 الإئتلاف الرابع حكومة المحجوب الأولى 8
    أبريل 1966 – يوليو 1966 الإئتلاف الخامس حكومة المحجوب الثانية 9
    يوليو 1966 – مايو 1967 الإئتلاف السادس حكومة الصادق المهدي الأولى 10
    مايو 1967 – إبريل 1968 الإئتلاف السابع حكومة المحجوب الثالثة 11
    أبريل 1968 – مايو 1969 الإئتلاف الثامن حكومة المحجوب الرابعة 12
    مايو 1969 – إبريل 1985 عسكرية ثانية حكومة جعفر نميري 13
    إبريل 1985 – أبريل 1986 قومية (انتقالية ثانية) حكومة سوار الذهب 14
    إبريل 1986 – يونيو 1989 الإئتلاف التاسع حكومة الصادق المهدي الثانية 15
    وإلى حكومة الانقاذ عام 1989/2004..!

    يعكس هذا الجدول – لدى تحليله – مسار جيلين في حياة السودان السياسية، الجيل الأول وهو الذي حكم الفترتين النيابية والعسكرية الأوليتين، من 1954 وإلى نهاية 1964 (أزهري – عبدالله خليل – عبود) والجيل الثاني من (1969 وإلى اليوم 2004). (نميري- الصادق المهدي – الترابي – البشير).
    قد عايش الجيل الأول وطناً سودانياً "موروثاً" في تركيبته الجغرافية – السياسية عن مصر (1821 – 1874)، وعايش اقتصاداً حديثاً موروثاً عن بريطانيا (1905)، ثم مارس الجيل الأول سيادته الوطنية بعد الاستقلال في إطار (المجتمع المصغر) الذي خلفه الحكم الثنائي و(القبضة الفوقية) بمرجعياتها التاريخية (كالسيدين علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي) والاجتماعية والسياسية (كالسيد الأزهري) والصفوف الوظيفية العليا من كبار العسكريين ورجال الخدمة المدنية، مستنداً إلى نظم الدولة الحديثة التي زرعها الاستعمار في قلب المجتمع التقليدي وعزَّز مؤسساتها وفق روح دستور السودان المؤقَّت لعام 1956 والذي اسْتُمِدَّ من اتفاق الحكم الذاتي الانتقالي بين بريطانيا ومصر لإدارة شؤون السودان في الفترة (1953 – 1954).


    الجيل الثاني بلا موروث:

    لم يرث الجيل الثاني- الذي وُلِد معظمه ما بين نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات – عن الجيل الأول تلك المقومات التي ذكرناها، فهذا الجيل الثاني الذي بدأ صعوده مع ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964 وانقلاب نميري في 1969 وجد نفسه في "حالة فراغ" بعد أن تجاوز دستور 1956 بداية من عام 1966 وإن توافر له التواصل مع الإرث التعليمي لأكاديميات (بخت الرضا) وهي الأكاديمية (الأم) و(خورطقت) و(حنتوب) و(وادي سيدنا).
    ظل "عبء السودان" ومنذ استقلاله في الأول من يناير (كانون ثاني) 1956 "أكبر" من طاقة أبناء الشمال والوسط، وأكبر من طاقة قواهم الاجتماعية الحديثة التي لا تتجاوز نسبتها أكثر من 17% من قوى المجتمع السوداني وقواعده "الحضرية" التي لم تتجاوز في العاصمة نسبة 21% من مجموع السكان عام 1983، ثم أعقب ذلك تغيرات جذرية بسبب النزوح المتعاظم طوال حقبة التسعينات ومطلع الألفية الثالثة لا بسبب الحروب وحدها (حرب الجنوب الرابعة 1983) ولكن حتى بدوافع التصحر والجفاف والأوبئة والجوع، فعبء السودان يظل أكبر وسيظل كذلك من الشمالين كلهم.
    فالكيان السوداني كوطن إنما يرجع في تحديد معالمه للتوسع المصري جنوباً باتجاه وادي النيل والبحر الأحمر، بداية من محمد علي باشا في عام 1921 ثم بلوغ الأوج في مرحلة الخديوي إسماعيل باشا (1863 – 1879) حيث ضمت مصر إلى وسط السودان كلاً من شرقه (سواكن) وغربه (الفور) و(جنوبه)، بل واتسعت حكمدارية السودان الخديوية لتشمل شمال يوغندة والبحيرات الاستوائية جنوباً، وكذلك كامل أرتريا، ولم ينحسر هذا الاتساع إلا حين حكم المهدويون الأنصار فتقلصت رقعة الكيان السوداني جنوباً وشرقاً وغرباً(23).
    فالسودانيون لم يسهموا في صناعة (الوطن) أو (الكيان الجغرافي- السياسي) للسودان المعاصر وإنما صُنع في مصر وفق توجهاتها الجيوبوليتيكة، فوجد (وسط) السودان نفسه – وتحت الإدارة المركزية الخديوية – في دائرة التفاعل مع الشرق (البجاوي) والغرب (الفوراوي) والجنوب (النيلي). وقد استمر هذا التفاعل إيجابياً حين تُفعّل القواسم المشتركة، ديناً وصوفية، مع الفور والبجا، في حين يستمر التفاعل سلبياً مع الجنوب دون قواسم مشتركة.

    الصناعة البريطانية للاقتصاد:


    وكما أسست مصر الكيان والوطن السوداني المعاصر، كذلك أسست بريطانيا مشاريع الري الحديثة بداية من مشاريع (الزيداب) و(العاليات) و(البرقيق) في 1904 ثم مشروع الجزيرة – مصدر الأقطان في السودان – عام 1925، ومد السكك الحديدية منذ بدايات التوسع في عام 1896، وافتتاح كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم لاحقاً) في عام 1902، وافتتاح المدرسة الحربية (الكلية الحربية لاحقاً) عام 1905 وتأسست البنية التحتية من أكاديميات (وادي سيدنا – قرب أم درمان) و(حنتوب – وادي مدني) و(خور طقت – الأبيض) وكذلك شيخ الثانويات والمعلمين (بخت الرضا –الدويم).
    فالشماليون لم يصنعوا جغرافية السودان السياسية بهذا الاتساع البالغ مليون ميل مربع وبما يتجاوز جغرافيتهم المحدودة في الوسط والشمال وإنما صنعتها مصر وحافظت عليها بقوة تتكافأ مع إمكانياتها العسكرية والإدارية القهرية ثم ورث الشماليون ذلك وهم أضعف من قدرات مصر.
    وكذلك لم يصنعوا اقتصاد السودان الحديث الذي صنعته بريطانيا وإنما ورثوه وهم أضعف من بريطانيا تقنيا وإدارياً، فإذا كان الشماليون قد صعدوا إلى سدة السلطة والمراكز العليا – بحكم الأمر الواقع- بوصفهم قاعدة القوى الاجتماعية الحديثة التي تأهلت بحكم المصالح الاستثمارية الاستعمارية فإنهم لا يملكون قدرات بريطانيا وقدرات مصر.
    فعوضاً عن مناقشة سلبيات الوسط والشمال (العربية/ الإسلامية) واستئثار الشماليين بما لغيرهم – دون أن نحدد ما كان بحوزة هذا الغير قبل أن يستولي عليه الشماليون – فمن الأصوب مناقشة لماذا "عجز" الشماليون عن إدارة السودان وبنائه اقتصادياً ودمجه في بعضه وطنياً؟ وذلك باعتبار "منطق المسؤولية المكافئة لحجم العبء من جهة" والتي توزن بالقدرات الذاتية والموضوعية للوارث الشمالي عن بريطانيا ومصر.
    فبريطانيا لم تضع مخططات النمو الاقتصادي في السودان لحل مشكلات التخلف مستهدية بكتابات "بول باران" و"ايف لاكوست" و"منتدى روما"، وإنما بقائمة طلبات مصانع لانكشير.


    ويخوض هذا السودان منذ ما قبل استقلاله ومنذ مرحلة حكمه الذاتي الانتقالي (54 – 1956) حروباً دامية في الجنوب اشتعلت أولاها في أغسطس (آب) 1955 ثم توارثت أنظمة الحكم السودانية وإلى اليوم (2004) مشكلات الصراعات القبلية وما فوق القبلية (الإثنية)، وبالذات في غرب السودان. الأمر الذي حال ويحول دون تحقيق الوحدة الوطنية وتدامج أقسام المجتمع، إضافة إلى إهدار موارد الدولة المحدودة لكبح جماح هذه الصراعات التي اتخذت مسارات عسكرية مسلَّحة مخلِّفة العديد من القتلى والجرحى والمعاقين جنباً إلى جنب مع إبادة المواشي وإحراق المزروعات. وهكذا غدا السودان وهو الغني بمصادره الطبيعية وكثافته السكانية أحد رموز الفقر والمديونية في العالم الثالث.
    وطوال النصف قرن تقريباً، من الحكم الذاتي (1954 وإلى اليوم 2004) لم تستقر أوضاع السلطة وأنظمة الحكم في السودان نتيجة الافتقار إلى بنية مؤسسية دستورية يلتزم بها "الورثة" عن بريطانيا ومصر إذ اغتالوا في وقت مبكر حتى أساسيات الأبنية الدستورية التي ورثوها وأعني من بينها "مجلس الشيوخ الرقيب على البرلمان"، وكذلك روح ونصوص دستور السودان المؤقت لعام 1956 وأبنية المؤسسية من قضاء مستقل ومحكمة دستورية وخدمة مدنية، فساد الاضطراب الحياة السياسية السودانية بما يمثله الجدول من تعاقب الحكومات، مؤتلفة وغير مؤتلفة في المراحل "النيابية" أو تعاقب التغييرات داخل فترات الحكم العسكري.

    اضطربت خيارات الجيل الثاني وتلاشى في عهده (المجتمع المصغَّر) كما تلاشت (القبضة الفوقية) وقيم وتقاليد المؤسسات، في حين انزوى الكبار من الجيل الأول.
    وكذلك لم يرث الجيل الثاني لا عن الاستعمار ولا عن الجيل الأول مناهج التخطيط الاقتصادي المبرمَج على مستويات الخطط القصيرة المدى (السنوية) أو متوسطة المدى (الخمسية) أو طويلة المدى (العشرية). فكل ما ورث هو (عقلية الميزانية) التي تعتمد على مضاهاة الانفاق بالدخل وتوسعة ما هو قائم من مشروعات موروثة عن الاستعمار – باستثناءات تمت في عهدي نميري وعبود – وهي استثناءات محدودة.
    صحيح أن الإدارة البريطانية قد اضطرت بعد الحرب العالمية الثانية لوضع خطتين للتنمية الاقتصادية، وكلتاهما خماسيتان، الأولى للأعوام (1946 – 1951) والثانية للأعوام (1951 – 1956) وقد تزامنت نهاية الأخيرة مع بداية الاستقلال في عام 1956. ولم تكن تستهدف تلك الخطط سوى "زيادة انتاجية ما هو قائم" وبالذات في مجال الأقطان. ولم يعرف السودانيون طوال الفترة من 1956 وإلى 1961 أي خطط جديدة باستثناء توسعة مشاريع المناقل والزراعة الآلية وغيرها.
    وحتى حين بدأ نظام عبود العسكري في وضع خطة (عشرية) للتنمية القومية الاقتصادية الاجتماعية في عام 1962 فإن هذه الخطة لم تستمر لأكثر من ثلاث سنوات ولكنها بقيت مرشداً للنظام النيابي الذي تلا حكم الفريق عبود فيما عرف بالنيابة الثانية (1965 – 1969). ثم جاء نميري ليضع خطة خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ولكنها تقلّصت إلى ثلاث سنوات فقط ولم تكن قد أتت أكلها. ثم استيقظ نميري في عام 1977 على شعارات (السودان سلة غذاء العالم)، فوضع خطة (سداسية السنوات) يمتد تنفيذها إلى عام 1983 ولكن سرعان ما انهار الجنيه السوداني وتقلّصت الاستثمارات وكان لحرب الجنوب التي اندلعت في مرحلتها الرابعة (1983) الأثر السلبي الكبير وانتهت الدولة حتى تنقذ نفسها لسحب الدعم من السلع.


    كان واضحاً افتقار الجيل الثاني لذلك النوع من الاستراتيجيات القومية الشاملة لوطن غني في موارده إذ تبلغ حصته من مياه النيل ضمن اتفاقية 8 نوفمبر/تشرين ثاني 1959 مع مصر (5/1 مليار متر مكعب من المياه لا يستغل منها سوى 8 مليار إضافة إلى أمطار السودان ومياهه الجوفية. وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية الصالحة فيه (300) مليون فدان تبعاً لتقديرات (الفاو) عام 1973، ويمتلك من الثروة الحيوانية الكثير إضافة إلى مصائد الأسماك النهرية والحيوانات البرية والغابات؟!
    إن أدنى الاحصاءات توضح ما لدينا من أبقار وجمال وماعز وخراف بما يتجاوز (160) مليون رأس؟ وعدا ما يملكه من نفط وثروات معدنية؟ وعدا عن ثروات ساحلة على البحر الأحمر بطول (640) كيلومتر وما بقاع هذا البحر من رسوبيات المعادن؟ وقد كانت هذه الرسوبيات المعدنية محل اتفاق استثماري بين السعودية والسودان وقع بين البلدين في 6 مايو (آيار) 1974 ولم ينفذ بعد.
    وتقدر ثروات "قاع وما تحت قاع البحر الأحمر" بمليارات الدولارات وقد استكملت كافة دراسات الجدوى.

    النيابة البرلمانية والأنظمة العسكرية والقصور عن طرح البدائل:
    فالنيابية البرلمانية كيفما تطبَّق في السودان وفي العديد من دول العالم الثالث ما دون مرحلة الصناعة والسوق الحر، والتوجهات العلمانية والليبرالية، لا تعني سوى (التداول السلمي للسلطة) واستخدام (آليات الانتخاب)في مجتمع غير مؤسس ديمقراطياً كما أن النظام النيابي لا يتضمّن في ذاته (مبادئ موجهة) لمشكلات البلاد، فطرح هذه المبادئ الموجهة هي من مهمات – افتراضاً- من يأتي به الناخب إلى المجلس النيابي.
    غير أن الناخب في السودان، وبحكم التركيبة التقليدية المتخلفة، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، لا يأتي إلا بمن يمثلون مركبات واقعه السائد، على "أسس طائفية وعشائرية"، ثم يمارس هؤلاء سلطتهم البرلمانية "كامتياز ليس إلا". فقلة قليلة منهم – تكاد تصل درجة العدم – يهتمون بالثقافة العامة ولا يلجون حقل الدراسات السياسية والاستراتيجية ولا حتى الاجتماعية، ولا نلمس لهم إسهامات في جمعيات فكرية أو ثقافية. وقد تميّز جيل الآباء المؤسسين (الجيل الأول) بارتياد بعضهم لهذه المجالات وإنشائهم لجمعيات ثقافية وفكرية جادّة. أما الجيل الثاني فهو خلو من ذلك إلى حد كبير وما أنشأه من مراكز الآن (إبتدائية للغاية).
    أما في حال الأنظمة العسكرية فإن مسيرة الجيل الثاني وقواه الاجتماعية الحديثة هي كمسيرته السلبية تماماً وكحاله في إطار الأنظمة النيابية الطائفية. فالأنظمة العسكرية طغت بفرديتها حتى على تفكير (النخب) أو (الصفوة) الموالية لها، واستأسدت بمزاجيتها وضحالتها الثقافية والسياسية على الجميع.


    ثم إن الجيل الثاني وقواه الاجتماعية لم يتواصل ويتفاعل مع أهم مصدرين كان الجيل الأول يتعاطى من خلالهما (الاستنارة): المصدر المصري منذ بواكير مرحلة فكر النهضة في مصر (بدايات فكر النهضة في مصر 1798 وإلى 1939). والمصدر البريطاني منذ إنشاء كلية غوردن في السودان عام 1902. فالجيل الأول كان يستشعر عظم المسؤولية التي ستُلقى على كاهله لإخراج الاستعمار من جهة، ولقيادة السودان المستقل من جهة أخرى، فكرَّس جهده لتأهيل نفسه. أما الجيل الثاني فقد افتقر لشحنات حماس مماثلة نتيجة عدم وجود تحدي مباشر كالتحدي الاستعماري.
    فبانقطاع الجيل الثاني وقواه الاجتماعية الحديثة عن مصدري فكر النهضة والذي كان من خلال مصر، والثقافة البريطانية من خلال التواصل مع الجامعات ومراكز التأهيل البريطاني، وغياب (المجتمع المصغَّر) و(القبضة الفوقية)، وقيام نظام عسكري لا يحترم حتى آراء نخبته، ويراوح بين اليسار واليمين والوسط، وقيام نظام برلماني عبر مرحلتين (1965 – 1969) و(1986 – 1989) احتلّت فيه الطائفية موقع الصدارة، وفي مواجهة مشكلات مجتمع مفكك في بنيته الإقليمية والقبلية، وغائص في وحل المنازعات، وتجدُّد الحرب المأساوية في الجنوب، وانهيارات الوضع الاقتصادي.
    كل ذلك عزَّز سلبية الجيل الثاني وأضعف دور قواه الاجتماعية الحديثة والتي لا تشكل قوتها سوى 17% من المجتمع.
    التحدي هنا "أخلاقي وفلسفي وسياسي" كبير لأن الأمر يتطلَّب تفكيراً منهجيّاً واستراتيجياً لا لمعالجة مشكلات السودان فحسب ولكن (لإعادة التأسيس) لتعزيز جدلية الوحدة في مقابل جدلية التجزئة الإقليمية والطائفية والقبلية، وتعزيز استراتيجية النمو في مقابل التخلف الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وبما أن الدور السوداني عبر تاريخه المعاصر لم يكن طرفاً صانعاً ومؤثراً في تحديد الكيان السوداني واقتصاده الحديث، وإنما كان وريثاً ومستثمراً فقط لما أحدثته مصر وما أحدثته بريطانيا، فقد طغت السلبية من بعد الاستقلال ولم يتسنَّ للبديل الجذري المطلوب أن يظهر. علماً بأن الجيل الأول نفسه قد عايش ما هو موروث ولم يضف عليه سوى الاستقلال.
    أما العقائديون خاصة من القوى الاجتماعية الحديثة والذين ظهرت أدوارهم في فترتي نميري اليسارية الأولى (1969 – 1971) واللاهوتية الأخيرة (1983 – 1985) ثم الانقاذ (1989 وإلى اليوم) فقد ظلّوا جميعاً "أسرى السلفيات الماضوية التقليدية" للفكر الإسلامي والماركسي والقومي وهكذا نجد أن كثافة التحديات التي واجهها الجيل الثاني وقواه الاجتماعية الحديثة، عميقة ومتجذرة، متنوعة ومتعددة، وبلا استعداد وتأهيل. ثم أنه قد أتيحت الفرص بشكل يكاد يكون مطلقاً أمام معظم قطاعات القوى الاجتماعية الحديثة والمتعلمين منهم خاصة من ذوي الخبرات والشهادات العلمية ما فوق الجامعية أثناء فترة حكم نميري (69 – 1985) بالرغم من كافة سلبيات النظام فاندرج فيه (285) وزيراً من ذوي المؤهلات العلمية والأكاديمية(24).
    فمع إندراج هؤلاء المتعلمين في حقبة نميري إلاّ أن أثرهم التنموي إقتصادياً واجتماعياً وفكرياً لم يكن إيجابياً على الإطلاق، بل أن بعضهم لتبرئة ذاته قد أدان عدم فهم الجماهير للتجربة وليس النظام نفسه كالدكتور منصور خالد في مقالاته المنشورة "لا خير فينا إن لم نقلها"(25).

    المانفستو: من التوجه الوطني إلى الممارسات العنصرية:


    "أقر" تماماً مع المانفستو فشل الوسط "وأقارب" بعض الأطروحات الواردة فيه، غير أن بحث الدكتور جون قرنق عن حلفاء في الشمال قاده لنقيض نوعية التحالفات التقدمية اللازمة لبناء "سودان جديد" وفق منهج المانفستو.
    فقد تحالف مع نفس القوى الطائفية التي أدان ممارساتها (التجمع الوطني الديمقراطي) كما تعامل مع قضايا الأطراف في الأرجاء الشرقية والغربية وجنوب الوسط السوداني تعاملاً (اثنياً/عرقيا) "ليطابق بين "التهميش والمكونات "الأثنية" بما يعني "تفتيت السودان" وبما يتناقض جذرياً مع (الفصل السابع/فقرة 21) من المانفستو.


    وحين أتوقف "بتحفظ" لدى هذه "المفارقة" بالذات يتهمني صديقي العزيز د. منصور خالد بنظرة غير موضوعية لهوية السودان الثقافية (26)، وكنت أود أن يزن دكتور منصور كتاباتي بميزان التناول السلبي للوسط والشمال وأهله الوارد في كتابات مجلة "مسارات جديدة" (27) الصادرة عن "لواء السودان الجديد" والتي جعلت من الشماليين نموذجاً للعنصريين البيض في جنوب إفريقيا. فقد قرأت بتركيز ما ورد في (مسارات جديدة) وذلك أثناء إقامتي في (أسمرا) وأدركت المعضلة الكبرى بوجه قرنق الذي أصبح شمالياً، والمعضلة الأكبر بوجه الصديق (ياسر عرمان) الذي أصبح جنوبياً وكمثله الصديق الآخر (محمد سعيد بازرعة)، فما أتوا عليه جميعاً في مقالاتهم يحتاج إلى (تفكيك تاريخي واجتماعي وسياسي) فأنا كمثلهم من أنصار (السودان الجديد) ولكن ليس بطريقتهم، إذ لا أمرر المصطلحات عفوا، ولا أعالج قضية الهوية والفوارق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية (بعقدة الذنب) التي يراد افتعالها بمنطق تهميش الشمال للجنوب أو أبناء الغرب والشرق. وكان لينصفني الدكتور منصور خالد في كتابه (جنوب السودان في المخيلة العربية) لو كان كتبه بالطريقة التي حقق بها (المجيديات) فأنا أنتمي للمجيديات وليس "للمخيلة". فأنا أقرب إلى "الدباغ" و"عبدالماجد" (2.
    إن أمام قرنق أن يكون جنوبياً فيكون ما بيننا وبينه خيار الوحدة الكنفدرالية(29)، ومن حقه أن يكون شمالياً فيكون خياره (برنامج السودان الجديد) دون (جنوبه للشمال) ومن غير أن يلعب على الحبلين مستغلاً توجهات النظام السلبية في الشمال من جهة ومجاراة بعض القيادات الشمالية له دون وعي استراتيجي وحضاري من جهة أخرى.
    إذا اختار قرنق طريق (السودان الجديد) حتى في إطار ما عبر عنه (برنامج العمل) المنشور في (مسارات) فسيجد حتماً الآذان الصاغية، وربما في الشمال بأكثر من الجنوب، فمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري في شمال السودان يقارب روح (برنامج العمل) بأكثر من قاعدة قرنق نفسها في الجنوب. ويمكن أن تؤدي مناقشة برنامج العمل في الشمال إلى توضيح معالمه وإزالة (شوائبه) التي تضع عرب الشمال موضع (البيض) في مواجهة (السود) فيما كان من تمييز عنصري في جنوب إفريقيا.
    يعلم أخي منصور أني مسلم ضد "الدولة الثيوقراطية" وأطرح "حاكمية الكتاب" بأفق معرفي إبستمولوجي ضد ما تمثله "سيد قطب" و"أبوالأعلى المودودي" للحاكمية الإلهية أو "حاكمية الاستخلاف" وذلك مضمون محاضرتي في جامعة أم درمان الأهلية" بتاريخ 28 يونيو/ حزيران 2000 (30).
    ويعلم أني ضد "اللاهوت" الذي يعجن الدين في مستنقع الأيديولوجيا بفكرها الماضوي السائد. ويعلم أشياء كثيرة أخرى.
    فذلك كله لا يجعلني خصما شماليا متعصبا للجنوب والجنوبيين، غير أني لا أكيل بمكيالين، فنقدي العنيف لحركة قرنق في الجنوب يتسق تماماً مع نقدي الأعنف للقوى الطائفية والحزبية في الشمال، وللإنقاذ بصفة خاصة وللذين يمارسون "الأحادية والفردية على وجه الخصوص داخل هذا الإنقاذ" (31)


    هل يمكن أن يعيد قرنق حساباته:
    كم أتمنى أن يعيد الدكتور جون قرنق حساباته الاجتماعية والسياسية والثقافية فيرجع إلى "أصول" المانفستو ويستبدل تحالفاته الراهنة مع الاثنيات العنصرية في الشمال سواء أكانوا من "النوبة" أو "البجا" أو "الفور" أو "الانقسنا" أو "النوبيين" أو غيرهم بتحالفات مع القوى الاجتماعية الحديثة ذات التطلعات الوحدوية والديمقراطية، فهكذا يبني "السودان الجديد" رغما عن أن النخب قد "أدمنت الفشل" كما كتب دكتور منصور.
    في حين أن الفشل راجع إلى مسألة "تكوينية" خاصة بالشمال كله وليس بنخبه، فالشمال والوسط مثلهما مثل "الرجل العجوز والبحر" في روائية الكاتب المبدع "أرنست همنغواي" فقد اصطاد ذلك العجوز بمركبه الصغير جداً حوتاً أكبر منه ومن مركبه ومع ذلك أصر على شد الحوت الكبير إلى المركب الصغير، فتناوشت كلاب البحر الحوت حتى أبقته هيكلاً عظمياً، وهكذا حال قوى الوسط مع السودان رغماً عن سلبياتها التي أوافق كثيرين عليها.

    وهناك الكتاب الأسود في الغرب:
    قد كان مانفستو قرنق أكثر رحمة بالوسط والشمال من "الكتاب الأسود" الذي لم ينتسب حتى الآن لواضعيه في غرب السودان، فهذا الكتاب بعنوانه الرئيسي "اختلال ميزان تقسيم السلطة والثروة في السودان" والصادر بتداول "سري" في الخرطوم حوالي منتصف العام 2000 فهو "شحنة متفجرة" من الاحصاءات الدقيقة التي توجه الاتهام إلى أبناء الاقليم الشمالي (ولايتي النيل والشمالية).



    استهل الكتاب الأسود مقدمته بالتالي:
    "يعكس هذا السفر بشاعة الظلم الذي مارسته الأنظمة السياسية المتعاقبة على البلاد منذ الاستقلال إلى اليوم، بصرف النظر عن توجهاتها وألوانها.. علمانية كانت أم إسلامية ديمقراطية مزعومة كانت أم ديكتاتورية. هذا الظلم البشع المتمثل في "محاباة جهة واحدة" من السودان على حساب باقي جهاته. مؤثرة إياها بالعناية والرعاية والاهتمام والتنمية. لقد جعلت الحكومات المختلفة، من الحكم أداة لتكريس سلطة الإقليم الشمالي (ولايتي نهر النيل الشمالية) على باقي أقاليم السودان الأخرى".
    ثم تظهر الاحصائيات سيطرة أبناء "ألشمال" بما نسبته 60 إلى 80 بالمائة على المناصب الدستورية والتنفيذية والسياسية منذ استقلال السودان في عام 1956 وإلى موعد صدور "السفر"- "الكتاب الأسود" في عام 2000.
    "وعندما استقر الأمر بالانقاذ، وتوطدت لها أركان الدولة، وبدأت في تكوين وزارتها، لم تجد ما يدفعها للخروج على نهج السابقين في تعزيز وجود ممثلي الأقليم الشمالي في حكوماتها المختلفة، والمحافظة على غلبتهم، مشيحين عن الشعارات التي رفعتها الانقاذ باسم المشروع الحضاري، أسلمة الحياة بالقدوة الحسنة، وتحقيق العدالة والمساواة وجعل المواطنة هي الأساس، فهزمت تلك الشعارات وداست عليها على أبواب التمكين، فكان تمكينا لعنصر جهوي، لا تمكيناً لمبادئ وشعارات".
    والجدول أدناه خير ناطق وهو يشمل المناصب الدستورية في عهد الانقاذ منذ الحكومة الأولى إلى ما قبل قرارات الثاني عشر من ديسمبر 1999م حيث بلغت جملة المناصب 202 (مئتنان واثنين منصباً) توزعت كما يلي:-

    3% بنسبة 6 مناصب الاقليم الشرقي
    59.4% بنسبة 120 (منصبا) الاقليم الشمالي
    8.9% بنسبة 18 (منصبا) الاقليم الأوسط
    14.9% بنسبة 30 (ثلاثين منصبا) الاقليم الجنوبي
    13.8% بنسبة 28 (منصبا) الاقليم الغربي

    وانتهى الكتاب الأسود إلى القول:" بلغت نسبة تمثيل الاقليم الشمالي في الحكم 59.4%، وهم بنسبة 12.2% من جملة مجموع سكان السودان. فيكون مصير السودان 87.8% من سكان السودان، معلق بإرادة 12.2% فقط من جملة سكانه (وهذه النسبة السكانية الضئيلة في داخلها مجموعات اثنية تعاني من التهميش مثل "المناصير والمحس"، أولهم يمثل المهمشين من العناصر العربية والأخر يمثل المهمشين من العناصر النوبية وبهيمنة ثلاث مجموعات اثنية فقط في إطار الاقليم الشمالي هم "الشايقية والجعليين والدناقلة").
    لا ريب أن هذه الاحصائيات والنسب المستخلصة منها صحيحة. غير أن الفارق هو في "التحليل" الذي ينتهي بارجاع تفوق النسبة الشمالية قياساً إلى باقي مناطق السودان إلى عامل "الهيمنة" العنصرية أو "الجهوية" في حين أن الفارق يعود "اجتماعياً" وليس "عنصرياً" إلى نسبة قوة وعددية القوى الاجتماعية الحديثة في السودان إلى نسبة قوة وعددية القوى الاجتماعية التقليدية والريفية فيه. وهي القوى الحديثة التي أنشأها الاستعمار لخدمة استثماراته.
    فثقل القوى الاجتماعية الحديثة لا يتجاوز 17% من مجموع السكان، وتتركز هذه النسب الضئيلة في "المدن" الرئيسية وعلى رأسها "العاصمة" – الخرطوم- ومدينة "واد مدني" مركز مشروع الجزيرة الزراعي وبورتسودان (الميناء على البحر الأحمر) وإلى حد ما "عطبرة" مركز تجميع وإدارة ورش السكك الحديدية وهي مدن "معاصرة" ولا يرجع الفضل في نشأتها أو تكوينها إلى أبناء الشمالية وإنما إلى حقبة الاستعمار "البريطاني" وشريكه الأضعف "المصري". فقد اختار هؤلاء أن تكون العاصمة في هذا المكان حيث يقترن النيلان "الأبيض والأزرق" وأتوا بعمال البناء المهرة من مصر، ولم يختاروا أن تكون العاصمة في أقصى الجنوب باتجاه "توريت" أو في أقصى الغرب باتجاه "الفاشر"، لا حباً في الشماليين ولا تحيزاً ضد الجنوبيين وأبناء الغرب ولكن لاعتبارات إدارية وعملية.
    ونفس الأمر حين اختاروا منطقة الجزيرة ما بين النيلين لزراعة القطن وتخيروا "مدني" مركزاً لها، فذلك مرتبط بمصانع لانكشير في انجلترا وليس أبناء الشمالية. وبنفس الكيفية شيدوا مدينة "عطبرة" لتكون ورشة كبيرة للسكك الحديدية وصيانتها في منتصف الطريق بين مناطق الانتاج وميناء "بورتسودان". وهذا الميناء شُيد أيضاً على البحر الأحمر لأنه "ميناء يرتبط بخطوط المواصلات البحرية باتجاه العالم.
    أما الشماليون فقد أنشأوا "أم درمان" بأزقتها المتربة حتى الآن وليس الخرطوم وشوارعها المسلفتة (سابقاً)، وأنشأوا "دامر المجذوب" وليس "عطبرة" وكذلك مع الأتراك أنشأوا سواكن وليس بورتسودان وأرصفتها البحرية، أما علاقتهم بالسكك الحديدية فهي علاقة "دراسة" وتعني (العمال الاجراء).
    فالاستعمار قد كوّن من أبناء الشمال والوسط كادراً إدارياً وفنياً ومحاسبياً "بقدرات مهنية متوسطة" "بحكم وجودهم الجغرافي" في الوسط والشمال، ولم يؤهلهم قط لإدارة مليون ميل مربع تسكنه (570) قبيلة، تتوزع بين ثماني مجموعات لغوية.
    فالذين حكموا السودان هم مجموعة من الكتبة والإداريين والمحاسبين ومعلمي المراحل الوسطى في الأغلب، ولا علاقة لكل هؤلاء بالأصول الفلسفية للحكم وأنظمته أو مناهج التربية أو استراتيجيات التنمية، وقد عانى منهم الوسط والشمال بأكثر مما عانت منهم الأطراف.
    كما أن "عروبة" أبناء الوسط والشمال هي عروبه ترتكز إلى مجرد "اللغة والثقافة" وليست عروبة "حضارية" فقد نشأ الكيان العربي في السودان ممثلاً في تحالف "الفونج" و"العبدلاب" في مرحلة الانحسار العربي الحضاري منذ سقوط الأندلس عام 1492م، وكانت مصر في شمالهم تحت هيمنة المماليك، فلم يكن لديهم رافد حضاري عربي فركنوا لثقافتهم الشفهية ولم يعرف عن انتاجهم الفكري سوى "طبقات ود ضيف الله" و"كاتب الشونه".
    ولا زالت الثقافة الشفهية تسيطر على المثقفين وعلى انتاجهم وعدم مواكبتهم بالنقد والتحليل للابداع العربي أو الأجنبي من حولهم.
    وبالطبع هناك استثناءات ولكنها ليست القاعدة.
    ثم أن وسط السودان وشماله هو خليط أعراق واثنيات يغلب عليها المزيج "البجاوي" و"النوبي" بما في ذلك أهلي "الرباطاب" أنفسهم الذين يدعون نسباً خالصاً للعباس بن عبدالمطلب!.
    إن المطلوب هو وقف التوجهات الاثنية والجهوية، والكف عن استخدام شعارات غير منطقية وغير واقعية ضد أبناء الوسط والشمال، وعودة الجميع إلى "إعادة بناء السودان" تأسيساً على موروثه الجغرافي – السياسي المصري للتحوّل به إلى "وطن" وإلى "تدامج وطني"، وتأسيساً على موروثه الاقتصادي البريطاني للتحول به إلى نمو وتنمية فالشمال ليس مسؤولاً عن تهميش الأطراف إلاّ بقدر مسؤولية الشماليين عن تهميش أنفسهم ومناطقهم.
    ثم أني أحذر!!
    أنه إذا استمر الحال على هذا المنوال في خضم الاتهامات العنصرية المتبادلة فلن يجد قرنق نفسه سوداناً يحكمه أو يشارك بحكمه.
    كما أن أهل الوسط والشمال سيتحولون برد الفعل إلى قوة ترى في دعاوى التهميش من الأطراف "إبتزازاً" لها فيطالب أبناء الوسط والشمال بالانفصال عن الجنوب والغرب معاً ولا يبقى لديهم سوى "الشرق" الذي لم يعد "بجاوياً" إلاّ في جباله. لا تقليلاً من شأن (البجا) فقد نشأت بين ظهرانيهم ويمتزج دمهم بأبناء النيل نفسه وليس (لأن الحواضر قد خلت منهم) ولكن لأن نسبتهم العددية لا تتجاوز 5% من سكان السودان، حوالي المليون ونصف، غير أن النزوح باتجاه مدن الشرق وبورتسودان خاصة قد غمر هذه النسبة واحتواها فأصبحت مطالبهم ذات خصوصية يجب احترامها وبالذات للتوطين وهذا ما أوليته اهتماماً في كتابي – قيد الصدور – كنفدرالية القرن الأفريقي ومنظومة البحر الأحمر.
    بين السودان (الجديد) والسودان (التليد):
    قد شغلت تماماً بمحاولة تجاوز عدم التوازن الأثني باتجاه (التوازن الوطني) بعد إبداء ملاحظاتي التي طرحتها، وفي هذا الإطار كان لقائي بمجموعة الصحفيين السودانيين في دار (الصحافة) بالخرطوم بتاريخ 10 مارس (آذار) 2004.
    حيث تم التركيز على (دور الجيل الثالث) والقوى الاجتماعية الحديثة.

    فالمطلوب باتجاه السودان الجديد تجاوز الأطر الاثنية في الشمال والجنوب والشرق والغرب وبإعادة هيكلة كافة التنظيمات وتوجهاتها على نحو وطني ديمقراطي جامع. ذلك لا يعني تجاوز الاثنيات (بالسلب) أي القفز فوق مكوناتها ومقوماتها الاجتماعية التي ترتبط بمرحلة تطور السودان، ولكن تجاوزها (بالإيجاب) أي توظيفها ضمن البناء الوطني الجامع وليس توظيفها في الصراع السياسي وفق (جدل التجزئة) والسيطرة.

    باتجاه مؤتمر الفعاليات:
    قد تعددت وتنوعت المبادرات لتسوية الأوضاع السودانية، غير أنها كانت مبادرات بمنطق الوساطات لاسترضاء ما هو قائم، وليس بمنطق الرؤيتين (المنهجية) في الفكر لفهم جدل الواقع السوداني، و(الاستراتيجية) في (البناء).
    لهذا أقدر أن المطلوب ليس هو المزيد من مبادرات الوساطة التي تتعامل مع (الأجندة المتناقضة) ولكن المطلوب هو طرح مشروع منهجي واستراتيجي يكون محور نقاش وتوافق بين (الفعاليات) السودانية التي تمسك فعلاً بنواصي القرارات المصيرية وعددهم في كل السودان، انقاذاً ومعارضين، لا يتجاوز الثلاثين، لهم بالطبع امتداداتهم التنظيمية السياسية والطائفية والاثنية.
    الثلاثون هؤلاء، فيما إذا توافقوا يستطيعون وضع حد لأزمات السودان من جهة ولاعادة بناء السودان من جهة أخرى ومهما كانت دعاوى التدخلات الخارجية.
    مركزية الدولة وديمقراطية المجتمع:
    إن أهم ما لديّ لطرحه على الفعاليات هذه هو ضرورة التمييز بين واقع الدولة السودانية ومؤسساتها من جهة حيث يتطلب الأمر إعادة تأسيس جديد في كافة المجالات وبين ضرورات الديمقراطية للمجتمع. ويمكن طرح صيغ دستورية عديدة لضمان هذا التمييز بما فيها إعادة إحياء مجلس يكون مراقباً للتجربة البرلمانية وبما يماثل (مجلس الشيوخ) الذي حلته القيادات السودانية فور الاستقلال عام 1956.

    وأخلص في هذه المحاضرة لطرح النقاط التالية:
    أولاً): علينا الاعتراف بأن الأمور قد خرجت من أيدينا، حكومة ومعارضة، وأن الجميع مسؤولون عن ذلك، وإن تفاوتت درجات المسؤولية، وأن هناك طرف ثالث في معادلة الأزمة السودانية هو (الطرف الدولي) بقيادة (قطبه الآحادي) وهو الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سيكون لها الدور الفاعل عبر تدخلها العسكري المباشر سواء تم التوقيع على الاتفاق الثنائي بين الانقاذ والحركة في نيفاشا أم فشلت المفاوضات.
    السؤال الذي يطرح نفسه علينا: كيف نتعامل مع هذا الواقع الجديد الذي يفرض نفسه نتيجة (عجزنا الذاتي) واندراجنا في ممارسات (الدولة الفاشلة).
    ثانياً): علينا أن ندرك أن أمريكا تدخل الأزمة السودانية من زاوية فهمها (لمركزيتها) الدولية في إطار (العولمة المعاصرة) ومشاريعها المعلنة للشرق الأوسط الكبير والذي يضم منظومتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر وهي مشاريع متداخلة قفزت فوق الجيوبوليتيك القديم وتفترض (إعادة صياغة) لعلاقاتنا الاقليمية وبالذات مع دول الجوار.
    ثالثاً): أن أمريكا قد حددت مبدأ (الشراكة) في علاقتها بنا وبأفريقيا، ولكنها لا زالت (مضطربة) في تحديد نوعية هذه القوى المشاركة لأنها لم تدرس (جدل الواقع) السوداني والأفريقي بمستوى اجتماعي علمي لتكتشف أطر القوى القابلة لهذه المشاركة، مع فهم هذه القوى وطريقة تفكيرها، فهذا الاضطراب الأمريكي سيؤدي للمراوحة بين جزء من الانقاذ وجزء من قوى قرنق نفسها وجسور متقطعة وممدودة في آن واحد مع القوى السودانية الأخرى، ولهذا اقترحت (مؤتمر الفعاليات) و(التركيز على الجيل الثالث) وتهيئته لقيادة السودان وتحويل ميزانيات التأهيل والمساندة إليه، ويقتضي ذلك الشروع الفوري في تغيير مناهج التربية والتعليم في كل الجامعات السودانية.
    فإذا لم تفهم هذه المسألة بشكل جدّي فسيقود برنامج الشراكة الأمريكي إلى (برنامج إحتلال عسكري) كما يحدث في العراق وأفغانستان، وستتناقض الخيارات السياسية والأمنية بين الاختيارات الأمريكية واختيارات سودانية أخرى فتعم الفوضى أرجاء السودان، وهو بلد مكدس بالأسلحة. خصوصاً في ظل استمرار دعاوى التهميش وتراجع الروح الوطنية الوفاقية وصعود التوجهات الأثنية ومطالبة كل طرف لأمريكا أن تنحاز إليه، بل ومحاولة كل طرف أن يستعين بأطراف إقليمية، عربية أو أفريقية مجاورة لدعمه ومساندته.
    ولا أعتقد أن الأطر السياسية القائمة حالياً في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب قد صاغت أجندتها بشكل ملائم تجاه هذه المتغيرات مما يجعل مؤتمر الفعاليات أكثر الحاحاً لتحديد التعامل مع الطرف الدولي.
    رابعاً): إن الذين يراهنون على جدل التجزئة الاثني سيفشلون حتماً بما في ذلك من يتبنى الانفصال، فالرؤية الاستراتيجية لعصر العولمة هي نقيض التفتيت والتجزئة بل إن الشرق الأوسط الصغير سيصبح شرقاً أوسطاً كبيراً، كما أن أمريكا وهي تلج باب الأزمة السودانية قد حمّلت الفشل في تقاريرها لرموز الحياة السياسية السودانية السابقة، من كبريات الأحزاب والطوائف كما دمغت نظام الانقاذ بمفهوم (الدولة الفاشلة).
    هذا كله سيدفع أمريكا نحو حتمية التوجه إلى (الجيل الثالث) والفعاليات السودانية ذات التأثير، فهؤلاء وحدهم هم من يستطيع إعادة تأسيس الدولة السودانية الجديدة. وعلى أسس (مركزية) في السلطة، وديمقراطية في (المجتمع)، وذلك بعد أن فشلت تجاربنا السابقة، عسكرية ونيابية، وشاخت القيادات واصبحت حلولها للمشاكل كلها تمر عبر رؤاها الذاتية ومصالحها الضيقة.
    إن هذا الجيل الثالث قد تحرر تماماً من الانتماءات الطائفية والحزبية والأثنية التي أدت إلى فشل (السودان القديم) ويتطلع إلى (سودان جديد) خال من هذه السلبيات الموروثة.
    كما أنه قد تحرر من الأحاديات الدغمائية الشمولية بنزعته الأكثر قبولاً للآخر في عصر العولمة وتدفق المعرفة التي كسرت عصبويات الذات، فالجيل الثالث لا يقارن بين برامج أحزابه المحلية ودعاوى زعمائها وإنما يقارن بين واقع السودان وواقع العالم المتطور في عصر الفضاء.
    ويبقى على المفكرين وضع (حداثة) هذا الجيل ورؤيته (النقدية) في إطار (تركيبي) ينقل إيجابيات الموروث من حضارات الإنسانية ويتجاوز سلبياتها، وبما في ذلك (التمييز) بين سلبيات العولمة وإيجابياتها، وبذلك يقوم بدوره التاريخي المأمول.
    أحذر ثم اختتم:
    قد حذرت الانقاذ كثيراً، ولم اتخذ طريق المعارضة السودانية في أسمرا، رغم أني الأقرب لأسمرا منهم جميعاً، فالجيش الأرتري والحزب هم أبنائي بما فيهم الرئيس أسياس أفورقي نفسه، وعلاقتي بهم تمتد لأربعين عاماً، وها أنا بعد الاستقلال أحمل الهوية الأرترية والسمة الدبلوماسية.
    وحذرت المعارضة كثيراً، جنوبية كانت أو شمالية، ولم (يسمع) لي أحد بقلبه وإن (استمع) بإذنه، فالانقاذ لا يتقبل رأي إلاّ من كان (منه) ولا يكفي حتى أن يكون (معه)، ثم يزايدون على أنفسهم أمام كل طرح من خارجهم بمنطق من هو أخلص للانقاذ؟ فيهوون بالانقاذ والوطن معاً. وما ذلك إلاّ نتيجة للتربية العقائدية التنظيمية الشمولية الآحادية والاستغراق في لحظة الذات المتفردة. فلا يتقبلون إلاّ ما يفرض عليهم (بتعقل مفروض) وليس بعقلانية، وقد أكثرت من ترديد هذه العبارة وأنا أطرح عليهم (الكنفدرالية المعدلة) كأساس للعلاقة بين الشمال والجنوب عام 1995 فرفضوا، ثم ها هي أمريكا تفرضها عليهم بما يماثلها فرضاً في مباحثات نيفاشا وبعد أن امتد الجنوب لأبعد من حدود 1956 الإدارية.
    ورفضوا منطق الجبهة الوطنية المتحدة منذ عام 1997 وهاهم يسعون الآن للسيد الميرغني في جدة كما سعوا للسيد المهدي في جيبوتي، وبعد أن خسروا الموقعين على اتفاق السلام من الداخل وعلى رأسهم (د. رياك مشار) و(د. لام أكول) وآخرين فتوحدت قبائل الجنوب الرئيسية ضدهم، من دينكا (قرنق) وإلى نوير (مشار) وإلى (شلك) أكول. إضافة إلى أبناء الانقسنا والنوبا وآبيى ثم الفور والبجا. ودون أن نهمل معارضة الشماليين أنفسهم من أبناء الوسط والشمال.
    وقلنا لهم قولاً ثقيلاً حول المشروع الإسلاموي الحضاروي ليستقيموا به مع (القرآن) و(الإنسان) فلم يستقيموا.
    وأردنا منع الضرر عنهم وعن السودان فأوصلونا مكرهين إلى التدخلات الأجنبية والتدويل.
    وقوى المعارضة السودانية أيضاً كمثلهم، تحول التربية الطائفية بينها وبين السماع للآخرين، إذ تحولت الأحزاب إلى (شيخ) يطاع و(مريد) يستجيب، وكذلك شظايا الأحزاب الكبرى التي تنعى نفسها وتلعن سابق قياداتها.
    فهل يتكرر في تاريخ السودان المعاصر ما كان في تاريخه عام 1898 فيكون الغزو الأجنبي ضمانة لوحدته الجغرافية. السياسية بعد أن تفككت في عهد (الانقاذ) كما تفككت في عهد (التعايشي)؟ وهل هي أمريكا في عام 2004 تؤدي دور بريطانيا في عام 1898؟! فيرجع الجنوب من جديد وكذلك الغرب ويتم الحفاظ على الشرق؟
    وهل ستتأسس دولة حديثة جديدة كما تأسست في العهد الثنائي (البريطاني/المصري) ولكن بمواصفات العولمة الأمريكية؟!
    قد دعوت الله – سبحانه – في الخرطوم. ((اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه)).
    وعلى أمل أن يستجيب الله – سبحانه – لهذا الدعاء ناظراً إلى الأموات من المتصوفة داخل قبابهم المنتشرة في طول وعرض السودان، ومسابح (اللالوب) ذات الألف حبة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2012, 01:26 AM

عبد الواحد أبراهيم
<aعبد الواحد أبراهيم
تاريخ التسجيل: 14-08-2006
مجموع المشاركات: 2690

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقا (Re: الكيك)

    له الرحمة والمغفرة من لدن عزيز مقتدر

    لقد كنت من المحظوظين بحضور ثلاث ندوات للراحل اخرها كانت بكلية الطب جامعة الخرطوم

    قبيل رحيله بفترة قليلة وقد استمرت الى الى منصف الليل لما طرحه الراحل من افكار

    تشخص الازمة السودانية المستفحلة وآفاق حلولها، لم يكن دعى يقول انه يملك الحل السحرى

    لقضايانا كان مدرراً فى طرق وطرح قضايا آنية ملحة وقضايا(متوقعة) حزر من تحركها كما السحاب

    فى مواجهة واقعنا الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والثقافى والمعرفى .


    له الرحمة والمغفرة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2012, 08:09 PM

الكيك
<aالكيك
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 20748

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقا (Re: عبد الواحد أبراهيم)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2012, 01:51 AM

هيثم طه
<aهيثم طه
تاريخ التسجيل: 30-08-2011
مجموع المشاركات: 1140

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: فى ذكرى المفكر السودانى ..الراحل ...ابوالقاسم حاج حمد ..اراء ومقا (Re: الكيك)

    شكرا عزيزنا الكيك

    و في بالي أننا لم نعرف الفضْل فما قدرنا فضل هذا الرجل و فكره و شقائه الإنساني




    تحياتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de