منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 20-11-2017, 03:44 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

شبه جزيرة الغياب

07-07-2006, 11:34 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


شبه جزيرة الغياب

    شبه جزيرة الغياب

    1-Applebee's

    أيهذا المطعم,
    الممجّد بتلاوين أصنافه،
    وطنافسه المسهوكة بفعل العناق،
    ها أنا في شبه جزيرة الغياب،
    "أقدل" مرفوداً بتعاويذ الغيب،
    أرى:
    معاطف مركونة في اقصى النشيح,
    قمصانأً تتحدث بلغة الريب عن مشكاة الحضور،
    غرباء بذكريات اللازورد عن الخضرة الضائعة,
    ربطات عنق موشومة بالسراب,
    "أناي"، وهي "....."،
    في اقصى ركن الهذيان,
    نتأبط حسنا من بقايا عذوبتنا،
    و نتأمل الغياب المرصوص على طاولات الحنين

    2-مونتري:

    بحّارة النعاس يشربون ,
    ويرقصون،
    ويغنون,
    على ايقاع الأرق,
    بملابسهم المتسخة من كثرة الغياب,
    يرقصون من فرط الذبح,
    ويعلقون هديلهم على سارية النسيان،
    البحارة الذين سموا شوارع المدينة باسماء عشيقاتهم،
    اللواتي ينتظرن الذين لن يصلوا ابدا الى الميناء،
    البحّارة الذين كانت تحييهم الدلافين في طريقهم للخمّارات،
    الذين كانوا يستمعون الى قرامافون "شتاينبك" ،
    يصدح بموسيقى "تشايكوفسكي،
    حين كان يكتب "عناقيد الغضب"،
    قبل ان يذهب الى فيتنام ،
    ويدعو الجنود الامريكان من حوامته،
    الى قتال الفيتناميين,
    البحارة الذين تخلدهم عشيقة شتاينبك،
    في ناديها للرقص الشرقي:
    رقص شرقي،
    وسحاقيات ،
    ولواطيون،
    و عجائز راقصات بكروش مترهلة،
    وذكريات غير متبوعة بنشيج محموم,
    ودموع لا تحتاج الى مناديل,
    وعرب يعزفون على الدربكة,
    بسرحان قصير،
    تتخلله آهة مكتومة,
    ومستشرقون يعزفون على الطبلة,
    ومستشرقات مترهلات,
    يقرأن النوتة الموسيقية العربية ,
    بحس السحاقيات الذاهلات ,
    الباحثات عن معنى "للشرق" الماسي اللمعان,
    الشرق الذي تبحث عنه السحاقيات ،
    بعين المحيط الهائج والهادئ معا,
    الشرق بعينين سحاقيتين مسحوقتين,
    في غمار موجة من المحيط الهادئ ،
    الشرق الذي يبدو ولا يكون،
    من فرج الغياب

    3-الاسكندرية الفرجينية أو لمعان الغياب:

    ماذا سأفعل باللمعان الخفيف الذي تركه غيابك على ردهات روحي؟
    اللمعان الكسير كشكّة ابرةٍ في بطين وردةٍ،
    اللمعان المتلجلج كتأتأة الوردة في غابة المعنى,
    المرتاب كعصا الأعمى في متاهة الوجود
    .............................................،
    .....................................،
    .......................................،
    .....................................،
    .............................................،
    في "داون تاون" مدينة العشاق –القديمة-
    تنزهنا،
    وبعد كل نزهة،
    كنت تضعين مشاعرك في "رُبطة"،
    تودعينها خزانة الدموع،
    وكنت أضع مشاعري في "رُبطة"،
    أودعها قعدات " العزّابة":

    "العزّابة" الذين يكتبون بكاءهم على حافة الكؤوس،
    و "يكسرون " كأس الغربة بثلج "القعدة",
    و يرقصون مع ذئاب الحنين,
    و يبكون خيباتهم مع "حكّامات" الألم,
    و يستبدلون قصر قاماتهم،
    بدوبيت حزين على ساحل المحيط الهادئ,
    و يكسرون عزلة "الغيتو" ،
    بقيثار الولد الموسيقي الهارب من الخدمة العسكرية,
    الذين يترهل حنينهم كل يوم ،
    و على ايقاع لعب الورق،
    يدخنون غلايين حرقتهم في الفضاء المكبرت بالصمت,
    و يحلبون الأمل من ضرع الغياب
    **

    الاسكندرية اكتوبر 2005-مونتري يوليو 2006

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 08-07-2006, 09:59 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-07-2006, 02:09 AM

حاتم الياس
<aحاتم الياس
تاريخ التسجيل: 25-08-2004
مجموع المشاركات: 1976

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    هذا شعر حقيقى
    خلق متكامل وبهى

    لكن ياحواض هل مازال شرقنا مدفون فى أخيلتهم منذ أن ترجموا الف ليلة وليله..بهذا الفدر من الأسطره البالية!!!

    نفتقد لمتل هذه الكتاية..فالمشهد الأن مويؤ بكتابات ماسخه ومستنسخه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-07-2006, 03:15 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: حاتم الياس)

    شكرا صديقنا حاتم على كلامك الجميل المشجع حقا
    قلت:
    Quote: لكن ياخواض هل مازال شرقنا مدفون فى أخيلتهم منذ أن ترجموا الف ليلة وليله..بهذا الفدر من الأسطره البالية!!!
    هكذا يبدو الامر في النص الشعري كما تفضلت
    تحياتي لخلدون والاصدقاء المشتركين
    ارقد عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-07-2006, 04:10 PM

Emad Abdulla
<aEmad Abdulla
تاريخ التسجيل: 18-09-2005
مجموع المشاركات: 6751

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    Quote: "أناي"، وهي "....."،
    في اقصى ركن الهذيان,
    نتأبط حسنا من بقايا عذوبتنا،
    و نتأمل الغياب المرصوص على طاولات الحنين
    يا مشاء ..
    .. عذرا :
    قاتلك الله .. كما تشتهي .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-07-2006, 05:20 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: Emad Abdulla)


    صديقنا عماد:
    مرحبا بك في متاهة الغياب
    ارقد عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 01:45 AM

أبوذر بابكر
<aأبوذر بابكر
تاريخ التسجيل: 15-07-2005
مجموع المشاركات: 5922

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    صباح الشعر يا خواض
    بتوقيت الغائبين

    الخايضين ملح سرمدية المسافات التى لا تنتهى

    Quote: ها أنا في شبه جزيرة الغياب،
    "أقدل" مرفوداً بتعاويذ الغيب،


    وقميص البحر يا مشاء
    قُدّ من جهاته الثلاث، وليس ثمة أرض تجود بموطئ قلب
    إذن فل "تقدل" فى سربال الشعر فوق براح الهواء
    أو، وفى قول آخر
    فلتسرى بك وبنا

    لا أدرى يا اسامة
    لِمَ عنّ لى وجه "جيمس جويس" متخفيا تحت بردة "أوليس" وسط رائحة هذا الغياب
    متابطا حلم العودة الذى لا يعود

    وأرقد سماحة وشعر يا مشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 01:51 AM

newbie

تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 797

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: أبوذر بابكر)

    وقميص حبك قد من قبل
    ومن دبر
    فأي شفاعة في الناس ترتق ما تفتق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 04:17 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: newbie)

    شاعرنا اباذر ،
    مساء الخير بتوقيت البنفسج

    مرحبا بعودتك معافي ومبدعا كعادتك
    قلت في ما قلت من كلام معطون بالدهشة:
    Quote: لا أدرى يا اسامة
    لِمَ عنّ لى وجه "جيمس جويس" متخفيا تحت بردة "أوليس" وسط رائحة هذا الغياب
    متابطا حلم العودة الذى لا يعود

    ربما هي تجل من تجليات الغياب والسفر والمتاهة الوجودية للكائن الانساني في مازقه
    مرحبا بصديقنا نيوباي ،بعد غياب طويل،
    نرجو ان تكون دائما بخير يا صديقنا الجميل
    ولكما عاطر الحب
    وارقدا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 05:43 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    "عناقيد الغضب" لاشتاينبك
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 08:05 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    هنا صور لمطعم ابلبيز:






                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 08:23 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    وهنا صور لمونتري في ولاية كاليفورنيا ،والتي كتب عنها جون شتاينبك،
    وله منحوتات،وصور ،ومتحف شمع،و منزله تحوّل الى متحف


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 08:50 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-07-2006, 09:42 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    يبقى السؤال :
    ما العلاقة بين المكان والنص الشعري؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-07-2006, 03:34 AM

أبوذر بابكر
<aأبوذر بابكر
تاريخ التسجيل: 15-07-2005
مجموع المشاركات: 5922

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    Quote: ما العلاقة بين المكان والنص الشعري؟


    عوافى يا مشاء

    هل يخلق المكانُ النصَ؟

    أم العكس صحيح

    هل يمجد النصُ المكانَ؟

    أم العكس صحيح

    أظن يا اسامة أن اليقين بحتمية الإجابة، إيجاباأو نفيا، فى كلا السؤالين، وكذلك فى "عكسيهما" لا تطاق هنا
    إذ طالما كانت جميعها، أعنى الإجابات، هناك
    والإجابة ب "نعم" فى أى منها تأتى دائما من تجسيد صريح، وفقا للشواهد والشهود
    وكذلك هو الحال فى "لا"

    بمعنى أن كثيرا من النصوص الشعرية قد قامت بوظيفة "إعادة خلق" العديد من الأمكنة
    فى خاطرى الآن "جيكور" السياب، فقد أعاد بدر تشكيل المكان وفق ما رأه وتشابكت عظام النص بلحم المكان وقال لها السياب كونى فكانت شيئا واحدا
    تقرأ النص السيابى فلا تكاد تميز ما يفصل بين النص والمكان

    إذن، يظل السؤال كما هو

    أيهما خلق الآخر عند السياب، النص أم المكان؟

    وأصدقك القراءة والقول يا خواض، أنا شخصيا لا استطيع الإجابة

    اخترت بدر شاكر السياب تحديدا، ربما لإرتباط معظم شعره، إن لم نقل جميعه، بالمكان
    المكان فى مطلقه، ظاهرا وخفيا

    ثم هل بالإمكان هنا ومن وحى تجربة السياب، هل يمكن لنا الظفر بجزء من إجابة السؤال

    Quote: ما العلاقة بين المكان والنص الشعري؟


    ربما إذا جزمنا بإحتمالية تبادل دور الخلق، يمكن حينها "فكفكة" القليل من أجزاء الإجاب/ات

    أما فى حال آخرين ممن انتصبت الأمكنة وسط سهول كتابتهم، فنرى القليل من النصوص لديهم من النوع الذى يحتفى بالمكان، ومن مختلف زوايا التناول، نص هنا وآخر هناك، فى غير تماسك ظاهر بين التجربة ككل، كما هو الحال عند السياب مثلا، وحتى فى تلك النماذج من الشعراء ونصوصهم، يظل السؤال مغرقا فى إصراره على حيازة الإجابة

    أهى علاقة تكامل وتتام؟
    بمعنى أها نوع من الخلق المتبادل المتشارك فيه

    هل يقوم المكان، مجردا، بدور المبعث
    أم انه ليس سوى محفز للإحتفاء بأشياء أخرى، له فيها نصيب؟

    فى الخاطر الآن

    لوركا سنغور

    وسأعود إليهما لاحقا

    وحياك الخالق يا خواض
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-07-2006, 12:34 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: أبوذر بابكر)

    واثل يا مطر في الحديث عن العلاقةبين المكان والنص الشعري،
    وليتك تحدثت عن تجربتك في هذا الصدد المعقد كما تفضلت في ملاحظاتك النقدية الثاقبة
    ارقد عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-07-2006, 09:57 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    "جماليات المكان"




                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 00:13 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    عزيزي المطر
    يبدو انك مشغول
    فقد كنت في انتظار ان تكمل لنا ما بدأته ،
    وأن تتحدث عن علاقتك كشاعر بالمكان

    ما طرحته عن العلاقة المعقدة بين المكان والنص الشعري في محله
    ومن ذلك التعقيد يمكن ان نتساءل كيف تبدو سنار مثلا في "العودة الى سنار" وفي خطاب عبد الحي الشعري؟
    كيف تبدو "الامة" في "امتي" لمحمد المكي ابراهيم؟وخاصة في :
    قطار الغرب
    ؟
    كيف يبدو تأثير المكان في نصوص شعرية سودانية مهمة مثل:
    عشر لوحات للمدينة
    لمحمد محيي الدين
    و
    شارع في حي القبة
    لفضيلي جماع

    هنالك تساؤلات كثيرة ،يا أباذر ،مطروحة على النقد السوداني,
    لكن يبدو ان أزمة الناقد ,وأزمة المؤسسة الاكاديمية قد ساهمتا في ما نشكو منه من قلة في تبصر علاقة المكان بالنص الشعري ,و ثيمات أخرى اهملتها أو عجز ت عنها المؤسسات الاكاديمية السودانية
    وفي انتظارك
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 00:26 AM

أبوذر بابكر
<aأبوذر بابكر
تاريخ التسجيل: 15-07-2005
مجموع المشاركات: 5922

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    Quote: عزيزي المطر
    يبدو انك مشغول
    فقد كنت في انتظار ان تكمل لنا ما بدأته ،
    وأن تتحدث عن علاقتك كشاعر بالمكان


    لا والله يا مشاء
    ليس ثمة إنشغال، اللهم إلا بعض محاولات لخلق "ويك إند" فى بلاد تشكو قلة الأيام

    وحتما سوف أحاول لملمة القليل من علائق الشعراء بالأمكنة وكيفية دخولهم أو دخول المكان إليهم وإلى كتابتهم

    وأيضا سوف أحدثك عن علاقتى أنا بالمكان أو علاقته بى

    فإلى الملتقى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 02:21 AM

Adil Osman
<aAdil Osman
تاريخ التسجيل: 27-07-2002
مجموع المشاركات: 10193

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    أيهذا المطعم,
    الممجّد بتلاوين أصنافه،
    وطنافسه المسهوكة بفعل العناق،


    طنافس المطعم مسهوكة بفعل العناق. وليس بفعل الجلوس الطويل، او بكثرة تردد الزبائن على المطعم، وليس بسبب عتاقة المقاعد، وبخل اصحاب المطعم بتجديدها.
    الطنافس مسهوكة بفعل نشاط واحد معرف بالالف واللام.
    ال
    عناق.
    ولهذا السبب بالذات ترى فداحة الغياب فى النص. غياب الحبيبة. التى ربما عانقها كاتب النص فى هذا المقعد بالذات، فى هذا الركن بالذات، فى هذا المطعم بالذات، وصحون الشواءات تتناثر على المائدة والسلطة وفاتحات الشهية. والعناق فاتحة الشهوة. من طنافس المطعم يختتم العناق او يفتتح من جديد فى سرير الشهوات فى البيت حيث طنافس اخرى قد سهكها النوم الكثير او الحرمان او الاهمال او اضطراد العناق ومعافرات القرب الحميم.
    والغياب يأخذ بتلابيب الغياب. من غياب الحبيبة الى غيابات اخرى. مثل غياب الوطن، الذى يحاول الشباب اعادة اختراعه فى منافيهم ومهاجرهم باستعادة طقوس الحضور فى الوطن. القعدة والرقيص والغناء ولعب الورق و"ام فتفت" فى صباح الغد لطرد اثار الصبوح يا بهجة الروح!

    المكان والنص.
    المكان الحقيقى
    والمكان الميثولوجى.
    كاتب النص كانسان حقيقى
    وكاتب النص كاخر، منزوع عن الواقع detached from reality
    الغياب فادح
    ولكن الافدح منه الخيانة!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 12:01 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    شكرا صديقنا عادل على مداخلتك الثرية
    واعجبتني جدا المقاطع التالية في مقاربة نصي الشعري،
    ومقاربة العلاقة المعقدة بين النص والمكان:
    Quote: والغياب يأخذ بتلابيب الغياب. من غياب الحبيبة الى غيابات اخرى. مثل غياب الوطن، الذى يحاول الشباب اعادة اختراعه فى منافيهم ومهاجرهم باستعادة طقوس الحضور فى الوطن. القعدة والرقيص والغناء ولعب الورق و"ام فتفت" فى صباح الغد لطرد اثار الصبوح يا بهجة الروح!

    المكان والنص.
    المكان الحقيقى
    والمكان الميثولوجى.
    كاتب النص كانسان حقيقى
    وكاتب النص كاخر، منزوع عن الواقع detached from reality
    الغياب فادح
    ولكن الافدح منه
    Quote: الخيانة
    ! [/QUOTE]
                       |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 12:15 PM

خضر الطيب
<aخضر الطيب
تاريخ التسجيل: 24-06-2004
مجموع المشاركات: 6432

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    الاستاذ / اسامة الخواض


    لك التحيةوالتقدير


    لن نتجاوز ...حدود الصمت والتأمل ...........واصل ....لنواصل سكرنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 02:58 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: خضر الطيب)


    مرحبا بك يا أخي العزيز خضر الطيب في متاهة الغياب والمكان
    وجودك قد أضاء المكان

    وسنعود لملاحظة صديقنا وشاعرنا أبي ذر عن المكان في شعر السياب
    ارقدن\وا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2006, 10:33 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    تحدث صديقنا أبو ذر عن علاقة السياب بالمكان حين قال الآتي في مداخلته الدسمة عن علاقة المكان بالنص الشعري:

    Quote: أن كثيرا من النصوص الشعرية قد قامت بوظيفة "إعادة خلق" العديد من الأمكنة
    فى خاطرى الآن "جيكور" السياب، فقد أعاد بدر تشكيل المكان وفق ما رأه وتشابكت عظام النص بلحم المكان وقال لها السياب كونى فكانت شيئا واحدا
    تقرأ النص السيابى فلا تكاد تميز ما يفصل بين النص والمكان

    إذن، يظل السؤال كما هو

    أيهما خلق الآخر عند السياب، النص أم المكان؟

    وأصدقك القراءة والقول يا خواض، أنا شخصيا لا استطيع الإجابة

    اخترت بدر شاكر السياب تحديدا، ربما لإرتباط معظم شعره، إن لم نقل جميعه، بالمكان
    المكان فى مطلقه، ظاهرا وخفيا

    ثم هل بالإمكان هنا ومن وحى تجربة السياب، هل يمكن لنا الظفر بجزء من إجابة السؤال


    Quote: ما العلاقة بين المكان والنص الشعري؟


    ربما إذا جزمنا بإحتمالية تبادل دور الخلق، يمكن حينها "فكفكة" القليل من أجزاء الإجاب/ات

    أما فى حال آخرين ممن انتصبت الأمكنة وسط سهول كتابتهم، فنرى القليل من النصوص لديهم من النوع الذى يحتفى بالمكان، ومن مختلف زوايا التناول، نص هنا وآخر هناك، فى غير تماسك ظاهر بين التجربة ككل، كما هو الحال عند السياب مثلا، وحتى فى تلك النماذج من الشعراء ونصوصهم، يظل السؤال مغرقا فى إصراره على حيازة الإجابة

    أهى علاقة تكامل وتتام؟
    بمعنى أها نوع من الخلق المتبادل المتشارك فيه

    هل يقوم المكان، مجردا، بدور المبعث
    أم انه ليس سوى محفز للإحتفاء بأشياء أخرى، له فيها نصيب؟


    وأدناه مقاربة مهمة عن جماليات المكان في شعر السياب نشرت في موقع الحوار المتمدن
    كتبها الناقد ياسين النصير من العراق



    1- بين المومس العمياء وحفار القبور اكثر من وشيجة فكرية وفنية فهي القصيدة التي تطورت عنها وعمقت مجرى الحياة للكائن المفرد المعزول وجعلتها حياة مليئة بالحس التراجيدي العام، وبالموقف السياسي المشبع بالعراقية اذا فهي قصيدة عن العراق وعن العالم، عن الكائن المفرد وعن الكيان الاجتماعي.
    وفى ضوء هذه المداخلة المربكة تمكن السياب من ان يحسم موقفه الفكري نهائيا وذلك بالانتقال من الصور الشعرية الكبيرة والموضوعة تحت اللافتة السياسية الى الصور الشعرية الاكثر تغلغلا فى الحس الاجتماعي الثقافى مع الابقاء على الطابع السياسي غير المباشر ومثل هذا الحس مكنه من الانتقال نهائيا الى الموقع القريب جدا من العتبة حيث تبرز الذات الشاعرة بروزا متميزا دونما نافذة اكثر سعة على العتبة " الذات " تحسم مرحلة التردد بين الانتماء الى القبر - الام او البقاء فى الساحة - المجتمع ، انها تجعل من هذه المواقف كلا متجانسا فى صياغة شعورية تنقل القصيدة الحديثة الى مراتب الملحمة المعاصرة .
    1-2 فى المومس العمياء يصبح الاغتراب مشكلة جماعية فالمومس العمياء ليست فردا امتهنت البغاء رغبة بل هي كيان اجتماعي مستلب اختلطت في ابعاده المأساة الفردية بالمأساة الاجتماعية وتحول جسدها الى جسد من طين ومياه ونفط يطؤه المحتلون باحذيتهم كما يطؤها عابروا الليل وطالبو المتعة ، لعلها صورة الام وقد خرجت عمياه تنشد ابناءها، ولعلها الارض وقد منحت منها لكل الواطئين عليها ولعلها الصورة المغبشة لمرأة السياب الاجتماعية .
    2- تفصح قصيدة المومس العمياء عن مستويين فكريين الاول هو المستوى الفردي للمومس ككائن وجد العيش يمر عبر بوابة البغاء، وهو مستوى مأساوى لكنه فى الوقت ذاته لا يتعدى حدود الحال المحبطة بفعل الضغط الحياتي العام ، اما المستوى الثاني، فهو المستوى الذاتي . الرمزي حيث يختلط فى المومس الوضع السياسي للعراق وقد تمثل بالوضع الذاتي لامرأة ذات جسد جميل ولكنها مطفأة العينين لاتبصر من هو المحتل ، هي الكيان الانساني الذي حمل فى احشائه ابعادا سياسية واجتماعية ، تداخلت قيم الذات بقيم المجتمع ومتطلبات الفن الشعري بمتطلبات القصيدة السياسية ، ونحن اميل الى اعتماد المستوى الثاني للتعامل مع القصيدة دونما الاغفال للمستوى الاول.
    2- 1 فى ضوء هذا الفهم نجد القصيدة ترسو بكليتها على الارض مكانا وزمانا وتتجسد عبر كل معطياتها بفرد معزول وعاجز مستلب بمعنى ان المكانية فى هذه القصيدة لاتناشد العلو ولا الما تحت كما قي قصيدة حفار القبور، بل ترسو على مشارف البيت - القبر، والجسد - الانسان، مع شمولها - رمزيا وواقعيا - للمحيط الاجتماعي لها هي اذا قصيدة لا تأويل مكاني فيها بقدر ما تفصح عن هوية المكان المألوف والكائن فى البيت وفى الجسد وعن الانسان المستلب المعبر عنه بالمومس والشعب .
    2- 2وتبعا لذلك نجد القصيدة تتمحور حول :
    2- 2- 1- البيت ويشمل فى ابعاده البيت المحدود الذي تسكنه المومس وتزاول فيه البغاء والبيت الشامل الذي يعبر به السياب عن العراق احساسا وتأويلا.
    2- 2- 2-الجسد ويشمل فى ابعاده الجسد المحدود للمومس ، الذي هو هويتها هو مكانتها - البضاعة - والجسد الشامل الذي يرمز به السياب للشعب.
    2- 2- 3- وكما يتوحد الجسد المحدود بالبيت -الدار المومس -يتوحد كذلك الشعب بالبيت الشامل - العراق وشعبه - اتحادا يعكس جانبا من حساسية الثقافة الشعبية الملتزمة ابان فترة الخمسينيات المعقدة ، مما جعلت السياب يشمل جميع أمكنة القصيدة بـ " العمى " فالمومس العمياء والمدينة مغطاة بليل آت من كهوف الازمنة الغابرة والطرق مطفأة
    إلا من عيون ميدوزا، والناس تهرب من القبور الى القبور يقودها عراف ضرير.
    هذا العمى المطبق على الواقع جعل القصيدة ترسو فوق ارض موحلة الحركة فيها موضعه، والكلام لا يقال إلا همسا - استرجاع الاسطورة والاحداث الماضية هو شىء من الهمس الفكري فى اذن الحاضر- اما الامكنة فمطفأة إلا من فانوس فنار، اما المومس فليست إلا زهرة فى هذه المستنقعات تعب من وحلها وطينها .. كل شىء فى امكنة السياب مستلب ومغيب ومغطى بالعمى والظلمة ولعل هذا المناخ الملتبس المتجهم هو الذي حمل بعض التقدميين على رفض هذه القصيدة فى حين ان المومس ليست إلا مثالا لشعب مقهور ومستلب يمتلك من الخيرات والثروات ما يجعله شعبا متميزا وحرا، السياب فى هذه القصيدة يركب صورا قاتمة افصحت عن رغبة دفينة فى ذاته اولا وعن ان الحداثة فى الشعر لم تجد طريقها عبر الاضواء والهتافات واللافتات - وهى حداثة فى أولى عهدها.
    ثانيا: بل تجد طريقها عبر المآسى المشبعة بالحس الجماعي والمحا كية للحزن الموروث جماعية .
    فى ضوء هذه الارضية استعار السياب فيها الاساطير باسماء ذات دلالة وليست استعارة تمثل لمناخ هذه الاساطير، كما انشأ صرحا من الرمز الواقعي الذي يتأسس على مشكلات واقعية ثم يشب عنها الى المطلق والحداثة الثانية بعد -هل كان حبا - تبتدىء بهذه القصيدة وهى حداثة تنأى بالشكل الى الفكر والمعنى والمبنى، بعدما كانت الحداثة وزنا وانطلاقة شعور وتعمل فى الروى.
    3-1 المستوى الواقعي: فى هذا المستوى نجد ظاهرة التوحد بين -البيت بمعنييه والعراق وقد تمثلا جميعا بصورة المدينة والليل ، وثمة توحد اخر بين المومس والشعب ، وقد تمثل هذا التوحد بالاستلاب وقد عكستهما القصيدة بالجسد المستلب والشعب المقهور - وقد كان الاب والطفل والمومسات الاخريات وتجار الليل هم ممثلو هذا الشعب .
    3- 2-المستوى الرمزي: وينطلق من التوحد بين المومس والشعب عبر تتالي صور الاحباط والقهر والظلم والاسطورة وهو المستوى الاكثر تغلغلا فى الفن والاكثر اشباعا لحاجات الحداثة فى الشعر، لذلك لا نفصله ضمن المستوى الواقعي، ولكننا سنشير الى واقعيته من خلال تنوعه الرمزي، ممثلو الشعب الذين اشرنا اليهم فى النقطة السابقة ليسوا إلا تنوعا للمومس وقد غطوا بحيراتهم المضطهدة جوانب من الحياة الواقعية .
    لذلك فأية اشارة الى جانب واحد منهم تعني بالضرورة اشارة للكل .
    المستوى الواقعي
    3-البيت - العراق
    الليل يطبق مرة اخري، فتشربه المدينة والعابرون الى القرارة مثل اغنية حزينة وتفتحت ، كازاهر الدفلى ، مصابيح الطريق كعيون " ميدوزا " تحجر كل قلب بالضغينة ، وكأنها نذر تبشر اهل " بابل " بالحريق من اي غاب جاء هذا الليل ؟ من اي الكهوف من اي وجر للذئاب؟
    من اي عش فى المقاب دف اسفع كالغراب ؟ قابيل اخف دم الجريمة بالازاهر والشغوف ربما تشاء من العطور او ابتسامات النساء ومن المتاجر والمقاهي وهى تنبض بالضياء عمياه كالخفاش فى وضح النهار، هي المدينة والليل . زاد لها عماها.
    والعابرون:
    موتى تخاف من النشور.
    قالوا سنهرب ، ثم لاذوا بالقبور من القبور: 509- 510
    3- 3-1 الليل والمدينة هما العنصران الفاعلان فى مخيلة الشاعر فالليل مطبق على المقطع كله .
    المقطع يفصح عن تدرج مكاني - تأريخي مهم .
    فالليل آت من ماض مثقل بالظلمة والماضي هنا محدد بأمكنة هي:
    الغاب - الكهوف - الوجر - العش - ا لمقابر - وكلها اماكن مولدة للموت، الليل فيها تكوين تراثي متقادم ، والمصابيح المضيئة فى الطرقات ليست إلا عيون ميدوزا القاتلة .
    فهي نذير لبابل - المدينة - بالحرق ، وهي نذير للعابرين - الناس بتحويلهم الى حجر او مسخ.
    اما المدينة فهي: المتاجر - المقاهي، الامكنة التي تعشعش بالضياء ا لمخمور بالظلمة ويمثل هذه الامكنة يفترض حضور الناس .
    أزقة المدينة وشوارعها مضاءة بمصابيح - ميدوزا - القاتلة .
    أما الناس فى مجتمع الليل والمدينة ، فليسوا إلا عابرين وجلين يمرون فى طرقاتها كي يختفوا بالمقابر انهم يخشون الضياء كخفافيش الليل ويلوذون بالصمت عندما يتكلم احد ملجؤهم الماخور والخمرة .
    المدينة فى عرف السياب شىء مطلق وليست محدودا مكانيا فأمست فيه عمياه المدينة هي العراق ، والليل الجاثم فوقها هو الواقع ا لملتبس به اولئك الذين لا يرون ملجأ لها منها إلا المأخوم وقد انيرت طرقاتها بمصابيح قاتلة بينما تخفى حجراتها دم هابيل القتيل المدينة فى عرف السياب هي مجمع ا لمتناقضات القاتلة .
    هذه الصورة البانورامية هي ا لمفتتح الاستهلال للقصيدة لذلك نجدها قد القت بظلها القاتم على كامل اجزائها فواقعية السياب تنطلق من رؤية حسية عيانية لترسو فى خيال مولد، ومن النظر المعاشة المشبعة سياسة الى التأويل، عندئذ يصح القول ان هذه القصيدة قد وطنت السياسة فيها مواطن خفية ، واستعارت المومس للتكلم عن الطبقات الاجتماعية الكادحة وقد اشار السياب إلى هذه الطبقات المستلبة القوت والجسد - " الاب المقتول ".
    3- 4- المستوى الرمزي
    المومس - الشعب
    7- 4- 1..... وتتوزع امثلة هذا المستوى على مواقع عدة منها الذاتية ، ومنها الموضوعية الخاصة والعامة ، الحسية والمجردة وفيها ومن خلالها تمكن السياب من ان يستوعب ابعاد موضوعه الاساسي بطريقة فنية تجمع بين تراكم الصور والترابط الشعوري ولعل سمة الطول فى هذه القصيدة - التي لا تعتمد التقابل بين قضيتين كما فى فجر السلام والاسلحة والاطفال -يأتى من الحس الدرامي الفاجع المتنامى بموقف مأساوي متصاعد النبرات وبامكانية فنية تجعل من الكلام العادى شعرا، ومن الجمل الاعتراضية شرطا نفسيا للامساك بكل ما يختلج فى النفس ساعة الابداع، هي اذا لملمة غير مترهلة لموضوع شعري شخصيته مستلبة العرض والبصر وفي واقع لا يختلف عنها سياسيا ولو كان السياب مسرحي البناء، لما تقاعس عن ان يظهر صوت الجوقة اليونانية وهى تسرد حال الشعب وتهيىء المشهد التالى فالمومس العمياء صوت للجماعة المقهورة المستلبة ، التي تساوى فيه النغمة المفردة الفاجعة ، بالمعزوفة الحزينة الهادئة .
    صوت مشبع بمليودرامية ربما اتت من قراءاته للروايات الجنسية او العاطفية . 3- 4- 2فيما يلى النماذج الدالة على المواقع المختلفة فيها.
    1- يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
    لا تمهليها، العذاب بأن تعرى فى اتئاد.
    قصى عليها كيف مات وقد تضرج بالدهاء
    هو والسنابل والمساء.
    وعيون فلاحين ترتجف المذلة في كواها
    والغمغمات : " داراه يسرق ..." واختلاجات الشفاءه
    بخزين ميتها فتصرخ : " ياآلهى، ياآلهى.. لو ان غير "الشيخ "! وانكفأت تشد على القتيل .
    شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
    حيث البيادر تقصد الموتى فتزداد اتساعا!!
    ص 520
    ب - وتحس بالاسف الكظيم لنفسها: لم تستباح ؟
    الهر نام على الاريكة قربها لم تستباح ؟
    شعبان أغفى، وهى جائعة تلم من الرياح
    اصداء قهقهة السكارى من الازقة ، والنباح
    وتعد وقع خطي هنا وهناك : هاهو ذا زبون
    هو ذا يجىء - وتشرئب ، وكاد يلمس ... ثم راح .
    وتدق من احد المنازل ساعة .. لم تستباح ؟
    الوقت اذن بانتهاء والزبائن يرحلون
    لم تستباح وتستباح على الطوى؟ لم تستباح كالدرب تزرعه القوافل والكلاب الى الصباح ؟
    ص 526
    ج - ...... فامضي عنها يا أساها!
    ستجوع عاما او يزيد، ولا تموت ففي حشاها
    حقد يورث من قواها
    ستعيش للثأر الرهيب
    والداء فى دمها وفى فمها ستنفث من رداها
    من كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللهيب
    شبحا تخطف مقلتيها امس ، من رجل آتاها
    سترده هي للرجال ، بأنهم قتلوا آباها
    وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها.
    ص 527
    د - وتحس فى دمها، كآبة كل امطار الشتاء
    من خفق اقدام السكارى، كالاسير وراء سور
    يصغى الى قرع الطبول يموت فى الشفق المضاء.
    هي والبقايا خلف سور، والسكارى خلف سور
    يبحثن هن عن الرجال ، ويبحثون عن النساء
    دميت اصابعهن تحفر والحجارة لاتلين
    والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين :
    نصبا يخلد عار ادم واندحار الانبياء،
    وطلول مقبرة تضم رفات "هابيل " الجنين
    سور كهذا: حدثوها عنه فى قصص الطفولة
    "يأجوج " يغرز فيه من حنق ، اظافره الطويلة
    وبعض جندله الاصم ، وكف "مأجوج " الثقيلة
    تهوى كأعنف ما تكون على جلامده الضخام ،
    والسور باق لايثل ... وسوف يبقى الف عام ،
    لكن " ان - شاء - الاله - "
    طفلا كذلك سمياه -
    سيهب ذات ضحى ويقلع ذلك السور الكبير
    لاتتركونى يا سكارى
    هـ - فى موضع الارجاس من جسدي، ومن الثدي المذال
    تجى دماء الفاتحين لوثوها بالرجال
    آواه من جنس الرجال .. فأمس عاث بها الجنود
    الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
    انا يا سكارى لا أرد من الزبائن اجمعين إلا العفاة المفلسين
    انا زهرة المستنقعات اغب من ماء وطين
    واشع لون ضحى.."
    ص 525- ص 538
    و - ها هو ذا يضىء فأي شىء تملكين ؟
    ويح العراق !أكان عدلا فيه أنك تدفعين
    سهاد مقلتك الضريرة
    ثمنا لملء يديك زيتا، من منابعه الغزيرة ؟
    كي يثمر المصباح بالنور الذي لاتبصرين ؟
    عشرون عاما قد مضين وانت غرثى تأكلين
    بنيك من سغب ، وظمأي تشربين
    حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين !
    وكزارع لهم البذور
    وراح يقتلع الجذور
    من جوعه ، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
    ولا تنفست السنابل فيه
    ليس سوى الصخور
    ص 539
    ى - والجوع والادواء والتشريد حظ الكادحين
    وانت بنت الكادحين
    فأت الضجيج ، وانت بعد، على انتظارك للزناة ،
    تتنصتين فتسمعين
    رنين اقفال الحديد يموت فى سأم صداه :
    الباب اوصد
    ذاك ليل مر...
    فانتظري سواه
    ص 542
    3- 4-3 النظرة الأولى الى المحتوى الظاهري للمقاطع الشعرية تفصح عن تدرج فكرى فالمقطع " أ " يتكلم عن موت الاب بعد ان اتهمه الشيخ واعوانه بالسرقة فقتل ، وهى قصة طالما اعتاش عليها الادب القصصي فى العراق وطالما كانت لشدة واقعيتها اعتيادية لكن السياب لايجعل من موت الاب إلا احباطا لابنته .
    اما المقطع " ب " فتتحدث هي عن نفسها واستلابها المزدوج من قبل الناس ومن قبل الحاجة الى الحياة هنا تشبه المومس حفار القبور، حيث مناجاة النفس طريقا الى الصراخ العلني المصور.
    فى المقطع " ح " تنبىء عن النقيض الذي سيلد من أحشائها ليس بالطبع فيها فهي مومس، ولكنه دلالة لكل ام فهي الارض النقيض ذو مهمة محدودة عليه ان يدفع العابثين عنها وغاية ما تطلبه سلامة لذاتها.
    فى المقطع " د " توسع المومس الراوي - مدار الحدث ، ها هي تجد المأساة قد تشربت فى المجتمع فكما هي خلف سور، كذلك العابثون ، فالسور هو ما يجعل الناس من الجهتين فى عزلة لذلك لن يزاح فالاستلاب عام والوباء شديد الوطىء وعبثا تنفع كل الدعوات ، فما زال الماضي حاضرا وفى ذاكرة الزمن شىء من الاسطورة التي تقول بعبث ازاحة الاسرار بين الخاطئين فالسور باق لا يثل ... ولكن ربما استطاع النقيض الطفل بعدما يفض العابثين عن امه من ان يقلع ذلك السور الكبير لكن هذا الامل معلق " بسوف ".
    فى المقطع " هـ " ترسو المومس على ذاتها فتتحسس جسدها فاذا به ارض ومياه وطين ، واذا بها هي زهرة عمياء فى مستنقعات الفاتحين هاهي المومس تتحول الى عراق ، وهاهو جسدها المستباح يتحول الى دلالة لايرا من الزبائن سواء أعانوا فاتحين ام من اهل البلد فالكل يطأ الجسد والكل بوطأته سوطا.
    فى المقطعين " و،ى " تنفرد المومس كشىء أزل مداوم البقاء، منكرا ما حدث وبانتظار ان يستمر كل شىء كما كان ، فما حدث سوى ليل مر على المدينة واوصد كل باب وعليها ان تنظر ليلا اخر النهاية هي بداية استهلال القصيدة ، ثم يتركنا السياب نعيد قراءتها ثانية فسنجد ان قصة المومس " سليمة " هي قصة ياسمين وحسنة وهيلين هي قصة العراق والفاتحين، هي قصة الفانوس الذي لايجد - بفعل الاحتلال - زيتا يداوم الاشتعال به : هي قصة الاستلاب الذي يتعدى الفرد الى الجماعة والحالة الى الاحوال ، والبيت - الجسد، الى البيت، الشعب، ثم لاتضع القصيدة حلا كأية دراما معاصرة ، بل تترك الباب مفتوحا ليأتي ليل آخر على المدينة ، وسوف تقف المومس فى عتبة دارها بانتظار الزبون العابر، او الزبون المحتل.
    3- 4- 4 ألا ان هذا التحليل الشديد الفقر لمقاطع القصيدة يوقعنا بما تعارف عليه نقدنا العقل السلفي فالمقاطع تفصح عن ارضية غاية فى التعقيد لتقول لما اشرنا اليه .
    وحسبنا أن نلجأ الى القصيدة ذاتها كنص يقول فكرة فهو وحده الذي يفصح عن المحتوى.
    ولكن قبل الدخول فى التفاصيل ، او ايضاح نقطة مهمة ، تلك هي ما يتصل بالله والسماء ففي هذه القصيدة ثمة سخرية من مشيئة الله - حسب ما تقوله المومس - فالله كان غائبا عن كل شىء عن موت ابيها وعن استباحتها وعن استباحته بلدها، وعن ان يأتي لها برزق وهو كفيل الارزاق ولذلك تجىء سخريتها من قدرة الله متساغة اجتماعيا لانها مومس والمومس لاتخشى احدا فكيف الله ، والناس فى بلادنا يسمعون السخرية من الله من السنة لا يقال عنها إلا السنة المومس ... عندئذ تأتى منافحة السياب للحس الديني على لسان غير متزن طبيعية ، رغم ان القارىء يشعر بأن السياب يخفى هذه السخرية متقصدا وبذلك يخرج السياب على الحس الديني الذي اشبعت به بطولاته السابقة .
    وهذا ما يهمنا هنا فالسياب يتناول موضوعا شديد الفنى غائرا فى المجتمع متكامل الابعاد ينتمى اليه كليا، ولكنه عندما يتناول موضوعا يشربه النقص يلجأ الى سده بموضوعات عاطفية عدة وهذا ما فعل سابقا، اما فى هذه القصيدة فقد قطع صلته بها نهائيا مهيئا نفسه للدخول الى منطقة العتبة لذلك استعان بالله فسماه الاله تارة واله تارة أخرى والله ثالثة تمشيا مع الاستعارة الاسطورية ومع تشاؤمية الدين وفقدان المومس لكل امل .
    فالليل يكرر ذاته على المدينة وباستمرار.
    3- 4-4 النظرة التحليلية الاخرى للنماذج تكشف عن العلاقة بين مكونات المشهد -المكان المختلفة والموضع النفسي والاجتماعي للمومس .
    فالمقطع " أ " تتمحور الصور فيه حول الاماكن التالية .
    العمى - الدم - السنابل - الكوى - المساء - القتيل - الشفة - الجدول - الحقل -البيدر.
    وبتوزيع مكونات المشهد نجد أن :
    1- الرائى - وهو المومس العمياء والرؤية هنا ذكرى من الماضي مستحضرة بوعيها المحبط.
    2- المكان - وهو الارض بحقلها وسنابلها وبيادرها ومسائها ودمائها.
    3- الحدث - وهو القتل - قتل الاب .
    العلاقة المشهدية هنا علاقة مفارقة : الحقول - الدماء.
    الحقول بكل ما تملكه من خضرة وبهاء وسنابل والدماء وبكل ما تملكه من بشاعة وموت وامحاء فاستحضار المومس لهذه المفارقة هي بمثابة رسالة مقترنة بحدث موجهة الى الحاضر واقع المومس اليومى وعماها - وتحمل تفسيرا لوضع المومس فالقتلى لابيها كان قتلا لها والدماء التي لطخت الارض هي دماؤها، وان المساء الذي قتل فيه ابوها هو نفسه الليل المخيم - الضحى - عليها وعلى بيتها والمدينة والكوى فى اعين الفلاحين ، هي الكوى فى عينيها وفى وضعها.
    فى المقطع " ب " تتمحور الصور حول الاماكن التالية .
    الاريكة - الازقة - المنازل - الدرب .
    والنظرة الأولى لها نجدها تتدرج فى المعنى والدلالة من الغرفة - الاريكة - الى المجتمع - الدرب إلا ان هذه الاماكن لاتجىء هنا إلا بمعناها المنتهك ، المحبط فالأريكة مكان فارغ الا من الهر دلالة على فوات اوان الزبائن .
    والازقة مكان فارغ ايضا إلا من سكارى عابرين خائفين ، وا لمنازل مكان فارغ كذلك تعلن الساعة وحدها عن حضورها الليلى والدروب مكان فارغة هي الاخرى بحكم اعتيادية من يسير فوقها، وهى هنا تشبيه بالمومس التي يمر عبرها كل عابر وقاصد وكلب .
    الفراغ ، او الاماكن المنتهكة هي دلالة المقطع الثاني، ويمثل هذه الاماكن وحدها اوضح لنا الشاعر سعة الفراغ المحيط بالمومس والذي يبتدىء من غرفتها وينتهى بالمجتمع وعبثا تبحث هي او غيرها عمن يملأ هذا الفراغ القاتل لذلك تجىء صرختها " لم تستباح " على لسان الراوي كتكملة مأساوية لها وللمجتمع .
    ويرتبط المقطع " ب " بالمقطع " أ " بدلالة الظلم العام والشامل الذي امتد منذ طفولتها حتى سيرورتها امرأة ، ومن استغلال الارض الى استغلال الجسد، ومن زمن موت الاب الى احتمال موتها جوعا.
    فى المقطع " ج " تتمحور الصور حول الاماكن التالية :
    الاحشاء - الدم -الفم المقلة.
    والنظرة الأولى لها نجدها اماكن ملتصقة بالجسد، ويوضع داخل هاهي المومس تستقر على ذاتها تبحث عن مأساتها ضمن جسدها.
    ففي الاحشاء حقد.
    وفى الدم والفم داء.
    وفى المقلة أسى ولده شبح آتاها.
    وسوف تجمع الحقد والداء والاسى لتقذفه بوجه الذين قتلوا آباها وبوجه من استباحها وما رحم صباها.
    المقطع " ح " انتفاضة بوجه الاماكن المحبطة فى المقطعين السابقين ورفض للماضى وللحاضر معا ودفعة قوية باتجاه ان تعيد المومس انسانيتها ولكنها تفطن بعد حين ان مثل هذا الرفض لا يتعدى حدود المباهاة بالقدرة الذاتية لها وانها مهما حاولت لن تستطيع اكثر من اعلان سبة على اللسان ولكن صوت المومس هنا يتعدى فرديتها ليصبح حدود الجماعة المستلبة المقهورة فالحقد الذي يورث القوة والدم الذي يصنع الثأر والداء الذي ينشد القدر كل هذه ليست إلا صوت الجماعة المغمورة من انها ستفوض ذات يوم لتأخذ بثأرها وتعيد كرامتها وشرفها، فمهما تجوع ومهما تأسس ففي الاحشاء يولد الثائر.
    في المقطع " د " تتمحور الصور فيه حول " السور " الفاصل بين البغايا والسكارى وبين نوعين من الناس متشابيهن فيصبح كلا وجهي السور " خلف " حيث لا " امام " فيه واللعبة المأساوية تتم بين فئتين رجال يبحثون عن النساء ونساء يبحثن عن الرجال وكلاهما مغيبان محبطان .
    والسور فى هذه القصيدة يوجد بعض المغنيين ويستعيره السياب من اسطورة قرآنية . شعبية هي اسطورة الملكين يأجوج ومأجوج وسعيهما المستمر منذ الازل لازاحة السور بالسنتهما حيث يلعقانه اثناء الليل، وعندما يوشكان على الالتقاء يتركانه عند الصباح املا - ان شاء الله- سوف ينفذان اليه وهكذا يعود السور كما كان حاجزا ثم يعاودان لحسه فى المساء انهما ككثيرين يحملان قدرهما الى ما لانهاية ، وعندما يتوسلان بابنهما -ان شاء - الاله - ان يهدم السور، يكون الامل المعلق ، هو غاية الذين حكم عليهم باستمرار الحياة دونما نتيجة .
    فى ابعاد هذه الاسطورة تكمن حقيقة المومس العمياء والسكارى الزائرين فكلاهما يبحث عن ملجأ يصل اليه، لكنهما سوف يبقيان مستمرين بالبحث وبتهديم السور الفاصل بينهما وعبثا يحاولان فقد حكم القدر عليها بأن تبقى المومس مومسا.
    اذا ما هو السور؟ فى عرف السياب ؟ هل هو الواقع الشائك المعقد؟ ام القدر الذي شد اليه الطرفان ؟ فى القصيدة يتضح ثقل الواقع وعنفه ، الموت الذي احاط بها وهى طفلة ، العمر الذي شبت عليه ، الدنس الذي اصاب شخصيتها وها هي تنشد عابرا من اجل لقمة خبز تسد بها جوعها القصيدة تفصح عن اجتماعية السور، وغياب اساس الهادمين له وبقاء العجلة الدوارة فى مجتمع تسود فيه لغة الغاب لعل هذه التشاؤمية ، هي التي دفعت بعض التقدميين الى ادانة هذه القصيدة إلا ان السور سوف يرد فى العديد من قصائد السياب اللاحقة وقد اكتسب معانى شتى مما يعنى ان الاسطورة التي اختارها السياب هنا تكتفي بالدلالة الخاصة لوجهي القصيدة المومس والناس ، فما زال الحاجز بينهما - لانهما متشابهان - قائما وسوف يزول بفعل " وليد " اخر سيأتي من العمل - الاضطهاد - المستمر ومن ذلك تخرج القصيدة من مثالية الاسطورة الى واقعية الحياة المعاشة .
    فى المقطع " هـ " تتمحور الصورة فيه حول - الجسد - المستنقع - البحر.. فالمومس فيه تستصرخ السكارى " من خلف السور" بأنها ليست إلا " بلدا " تجرى فيه الدماء، دماء الفاتحين وهى " عراقا " عاث جنود الاحتلال فيه فسادا وهى " زهرة المستنقعات " هاهي المومس تستحيل الى صوت مكلوم وجسد محتل 0.
    فى المقطع " و " يصفى مناخ القصيدة من الالتباس بين الواقع والرمز فالمومس هنا عراق فقط والعراق الملء بالزيت يجوع والعراق الملء ينابيع يجف ، كما جفت عيناها من الضياء اما الصورة فى هذه المقطع فتتمحور حول : المقلة الضريرة - المصباح المطفأ - السغب - الظمأ - البذور المقتلعة - الجذور - السنابل - الصخور - وكلها صور ارضية يتزاوج عليها الربيع والصيف ، المنح والجفاف ، المومس والعراق ، السكارى والشعب البيت الصغير والبيت الكبير.
    فى المقطع " ي " لا تتمحور الصور فيه حول " الباب الموصدة - والليل الذي مر والضجيج الميت - والصدى اما الكادحون فليسوا إلا هى المنتظرة ابدا املا معلقا بعيون ميدوزا - السيف والحجارة - فالجوع والتشريد من حظ الكادحين اما الليل الذي مر على المدينة وسكانها قد اقفلت ابوابها سلاسل الحديد والناس مازا لوا معقدين لا يسمعون الا صدى الاقفال ، الليل مر، والمدينة نائمة ، وغدا سوف لن يكون فيا إلا صباح ، وعندئذ سيعود - السور - من جديد الى وضعه السابق حاجزا يحتاج الى يأجوج ومأجوج ، اما المومس فسوف تعاود وضع المساحيق، وسوف يخرج شعبان لاصطياد الزبائن الجدد، ويعود الجميع ، المومس والشعب ، بيتها والعراق يلوكون حكايات الامس . .. وما على القارىء الا ان يبتدىء بقراءة القصيدة من جديد.
    قصيدة
    انشودة المطر
    1 - المحطة الاخيرة فى رحلة السياب ، قبل الوقوف كليا فى العتبة كانت قصيدة
    " انشودة المطر" فقراؤها يشعرون ان كثافتها وتركيزها يوحيان بالرحيل من المطولات الى القصائد المشبعة بالغنائية ومن الموضوع الانساني المتمثل بشخصية ، او حادثة الى الموضوع الشعري المرتبط بحيرات مجموعة من الناس ومن اللمسة الواخزة والدعوة الدينية المبطنة الى حقائق الواقع ورموزه هي اذن محطة اخيرة وقف السياب فيها ململما افكاره وعدة سفره ليقول من خلال ما يجمع بين ماض له خصوصيته وحاضر مغترب عنه ، فعل يتصل بالذات والطفولة وواقع يربض فيه الجوع والقحط رغم خصوبة الارض ونزول المطر.
    والقصيدة سياسية بحت ، كما هي عاطفية مما حدا بها لان ترخى اسبابها لرياح جديدة بدأ السياب يتشممها، تلك هي الريح التي تفش الصيف والذاكرة ونقصد بها ريح التحول الايديولوجي المبطن ، كما هي قصيدة لوع وندب وحزن حتى لتحسبها مقدمة لاسطورة يحاول السياب خلقها، وهى قصيدة مكتنزة الحياة موشومة بعذاب الجسد العراقي موسومة بملكية الناس البسطاء كحاجتهم للريح والمطر والوطن مرهونة كخلاص الام ، مربوطة بجذع نخلة تدلى حملها على شواطىء الخليج وبويب ، قصيدة ليس فيها إلا ذلك الانين الاتى من اعماق الغربة والمحلى بصوت عرائس البحر ومشاعل الطناطل الليلة واصوات القبور المنقوعة وعندما تكون القصيدة هذا كله فهي النقلة الاخيرة الى العتبة حيث يتربع السياب بعدها موطئا طينيا ليرى الناس والحياة الماضي والحاضر وهو جالس - مقعد - بعدما كان يجوب الساحة والكهف وهو راكب - متنقل - ويشهد تاريخه الشعري، ان السنوات التي اعقبت كتابته لانشودة المطر لم تشهد مطولة أخرى -عدا ايوب - ولا موضوعا عراقيا صرفا آخر-عدا ما اتصل بذاته ولا تركيبة ذهنية وحسية كتركيبة هذه القصيدة ، ان السنوات التي سبقت ثورة تموز 1958 كانت سنوات مراجعة وتمحص ، حتى تأتى الثورة فيضيع السياب ، كما تضيع الثورة فى موضوعات الساعة ومشكلاتها وعندما تشرف على السقوط يسهم السياب بمعوله فيها، وكأنها يحطم السور الذي لم يستطع يأجوج ومأجوج تحطيمه ثم لا يدرى ان احدى ضربات المعول كانت بساقية ، لقد تحطم بقلمه حتى أمسى القلم تجارة لكاسدي الكتابة، ثم واذا به يصبح سلعة لمثل هذه الاقلام بعد موته .
    ان محنة السياب هي محنة شعره .
    2- فى هذه القصيدة تأكيد لدور المشهد الاستهلال الذي ابتدأه فى حفار القبور وهو مشهد يستوعب مناخ القصيدة كلها ويتشرب فى مفاصلها وحتى لتجده متكررا بصور مختلفة اللفظ موحدة المعنى فى كل جزئياتها.
    والمشهد الاستهلال هنا تكثيف شعوري لحالة ملتبسة بالمناخ الشعري للمنظر ومتغلغلة فى الحس فى المكان والزمان ثم تأتى التشبيهات مؤكدة لمناخ القصيدة ومعبرة عنه .
    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    او شرفتان راح ينأى عنهما المطر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الاضواء... كالأقمار في نهر
    يرجه المجداف وهنا ساعة السحر
    كانما تنبض فى غرريهما النجوم
    2- 1- يتمحور المشهد الاستهلال حول : العينان - الغور والمخاطب فى القصيدة مجهول ، فهو اما الحبيبة التي يتذكر السياب عينيها الان وهى فى شرفة بيتها، او الام التي ترد كقطعة من الماضي وقد تركت وليدها رخوا فى المهد وفى اللسان أوهى الارض التي ترد فى القصيدة وكأنها : العراق الملء بالريح وبسماء ممطرة يمنح لها كل ما هو كائن فى المجهول .
    ولما تختلط صور المخاطبة فى ذهن السياب تصبح كلها في بوتقة الارض - الام : المانحة الجائعة - والحاضرة الغائبة وضمن فهمنا هذا للقى يخاطبها السياب يصبح موضوع غربته فى الكويت هاربا من شرطة ومباحث نوري السعيد اطارا عاما للقصيدة فى حين يصبح مركز القصيدة هو العراق - جيكور لاحقا - اي الواقع والرمز، البلد والارض متحولا عن الغابة -المطر.
    ضمن هذا الفهم يصبح المكانان : العينان - الغور محورا المشهد الاستهلال وقيمته .
    2- 2-2 فى " العينان " تكمن حال الاستقبال الانتقائي لصور العالم وقد استحضر برؤية حركية ضاجة ومنسربة فأصبح غابة النخيل - الشرفتان - الكروم - الاقمار . المجداف - السحر - النجوم ، ويمثل هذه السعة المكانية - الزمانية تشمل فى ابعادها الارض والمياه متجمعة دونما تداخل مشوش - انها - غابة الاشياء المرئية - اما فى " الغور" فيكمن العمق - النجوم النابضة - الماضي الآتى من سماء الذكرى والاحلام - وكأنما الغور - النجوم هو الذى يعطى للينين - الغابة ديمومتها وحضورها اما المسافة التي تمتد بين الغابة والنجوم فقد ملئت بالشجر والماء والنهر والشرفة والضوء والقمر والسحر بمثل هذه المسافة البانورامية الحية ، نجد الصور الشعرية تنساب رخية فيها من الثراء والعمق ما تجعل السياب يكررها كينبوع ماء دافق .
    2- 2- 3- وكأمكنة نوعية نجد " الغابة " هي تجميع لاشياء متفارقة ومتباعدة لكنها مشتركة الحياة ، لذلك جاءت افعال هذه الغابة نابضة ، حية منها " ينأى - تسم - ترتص - يرج - تورق - تنبض - افعال كلها مضارعة مليئة بالحركة ، حياتها متوثبة ، ليست لفعلها حدود مكانية ، فهي على الارض وفى الحياة ، وفي السماء تشترك كلها بالنبض والرقص والابتسامة والترجرج ، لذلك يفصح المشهد الاستهلال عن امكانية احتوائية لكل الموضوعات التي يعالجها السياب لاحقا بهذه القصيدة .
    1-2- 4- فى توزيع الامكنة نجد شمولية البصر الرأى فهناك امكنة كائنة فوق الارض "الشرفات - الكروم " وامكنة كائنة فى السماء " النجوم والسحر" وامكنة
    رأسية فى الاعماق " الماء -النهر-السحر ".
    واختلاط الامكنة ينتج اختلاطا فى الرؤية وامتزاجا ماديا متداخلا هي اذن دلالة على انبثاقية كونية مليئة بلحظات التوثب وبلحظات معتمة يعود بها الشاعر الى تكوينها البدائي " ساعة السحر" وخلق الشعر كخلق العالم ، وما الشاعر إلا اله صغير مادته كونيات الحياة المعيشية وما لغته إلا الصور المنعكسة من الاشياء هكذا تولدت الصورة الكلية لدى السياب جامعة جدليتها " صورة الموت والميلاد الظلمة والضوء، الشتاء، والخريف " ويمثل هذه الجدلية الثنائية التكوين راح الشاعر يجسد لحظة خلق الصورة -الفعل .
    1- 2-5 وتبعا لما جرت عليه هذه الدراسة ، نتقصى عن هيات المكان فنجد الساحة الخضراء المنبسطة السائدة فى المقطع الاستهلال وهى كما راينا فإنها تعبير عن الوطن الاخضر، الارض العراقية المنبسطة ولكنها الجائعة للمطر، وتكمن خلف هذه الانبساطية صورة الماضي "الغور" وصور الحاضر المتألق "العينان " وقد اجتمعا فى هيئة " العمق " ليلتقى فيها النجم بالغابة ليشكلا مشهدا بانوراميا حيا ويقظا.
    يفتح المشهد الاستهلال على جسد القصيدة فاذا بها تحمل نغماته ومناخه ولغته المكانية .
    فيما يلى نماذج من توسيع معنى الاستهلال فى جسد القصيدة
    النماذج
    ا- وتفرقان فى ضباب من أسى شفيق
    كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
    دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف
    والموت والميلاد والظلام والضياء
    فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
    ونشوة وحشية تعانق السماء
    كنشوة الطفل اذا خاف من القمر
    كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
    وقطرة فقطرة تذوب فى المطر
    وكركر الاطفال فى عرائس الكروم
    ودغدغت صمت العصافير على الشجر
    أنشودة المطر
    مطر...
    مطر...
    ص 475
    ب - اتعلمين اي حزن يبعث المطر؟
    وكيف تنشج المزاريب اذا انهمر؟
    وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟
    كالحب ، كالأطفال ، كالموتى - هو المطر!
    ص 476
    ج - ومقلتاك بي تطفيان مع المطر
    وعبر اعواج الخليج تمسح البروق
    سواحل العراق بالنجوم والمحار،
    كأنها تهيم بالشروق
    فيسحب الليل علها من دم وثار
    اصيح بالخليج " ياخليج
    يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى "
    فيرجع الصدى
    كأنه النشيج
    " ياخليج
    يا واهب المحار والردى "
    ص 477
    د - اكاد اسمع العراق يذخر الرعود
    ويخزن البروق فى السهول والجبال
    اكاد اسمع النخيل يشرب المطر
    واسمع القرى تثن والمهاجرين
    يصارعون بالمجاديف وبالقلوع
    عواطف الخليج والرعود، منشدين
    " مطر...
    مطر...
    مطر...
    وفى العراق جوع ...."
    ص 478
    5- ومنذ ان كنا صغارا كانت السماء
    تغيم فى الشتاء
    ويهطل المطر
    وكل عام -حين يعشب الثرى- نجوع
    مامر عام - والعراق ليس فيه جوع
    مطر...
    مطر...
    مطر...
    ص 479
    و- وكل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام فى انتظار مبسم جديد
    او حكمة توردت على فم الوليد
    فى عالم الغد الاتى واهب الحياة
    مطر...
    مطر...
    مطر...
    سيعشب العراق بالمطر
    ص 480
    ز- ويهطل المطر
    ص 481
    2- 1- بدءا لاتمثل هذه النماذج إلا
    العينات المراد فحصها هنا وما عداها فهو تعليق شعري عليها.
    وبدءا يمكننا القول ان السياب يخفى في مناخ القصيدة النغمة الشعبية المستحبة لدى سكنة القرى الجنوبية المطر اولئك الذين تمتد جذور قراهم فى المياه ، بينما تغطى الامطار رؤوسهم النغمة الشعبية المضمرة موزعة على القصيدة كسدي يشد اوصالها من دون ان تظهر مغناه كما فى المومس العمياء - او شناشيل ابنة الجلبي او سواهما فى هذه القصيدة يحمل السياب النغمة ايقاعا شعبيا متساوقا مع الحزن الدفين المولد، من هنا يتأكد لنا القول بأن السياب شاعر بدائي بالتقاطه لحيثيات الروح الشعبية وهى تنتشر احيانا من اشياء ومواد القرية والمحيط دونما الانسياق وراءها فى اشعاره ومن شعبيته يوازن السياب بين بدائية المادة المصورة والموقف الانساني من الحياة وعندي ان التوازن هذا مرجعه الى تلك الاصالة والى تلك النفسة الحزينة المعجونة مع الكلام .
    2- 2- تتمحور الصورة الشعرية فى المقطع " أ " حول الامكنة التالية :
    ضباب - البحر -المسا. الشتاء - الخريف - الموت - الميلاد - الظلام - الضياء - الروح - السماء - القمر - السحاب - الغيوم - القطرة - المطر - عرائس الكروم -الشجر.
    1- اول ما يلاحظ على هذه الامثلة الامكنة هو هلاميتها او عدم ثبوتها على هيئة واحدة كما لا يحدها زمان ، وفيها انسيابية متنامية وامكانية تحويلها المستمر من حال الى حال ، ان عدم الثبات على هيئة او صورة واحدة يعنى ان السياب فى حالة نشوة شبه مأخوذ بطبيعة ما تزال غير مستقرة انه يستقرىء الحلم عن طريق الواقع ويحول صور الواقع الى نغمة غنائية مشبعة برومانسية ، بغيمة تحلق اما فى القمر والسحاب واما تستقر فى البحر والمطر.
    الان السياب يجعل من الخيط الرابط بين العلو حيث السماء -روح -الضباب - القمر - السحاب - الغيوم ، وبين الاسفل حيث البحر-الكروم -الشجر هو المطر، فالمطر كما يسميه " انغام السماء" هو الحال المادي المجسد لوضع اللاثبات فى الامكنة ولعل المطر الساقط هنا هو المحصلة لصراع القوى الطبيعية التي اورثتها ثنائية الموت - الميلاد، الظلام - الضياء، الشتاء -الخريف وهى ثنائية انبثاقية ، تحل التناقض فى احشائها وتولد عبر صراعها الداخل بديلها المطر.
    اذا فالمطر فى هذا المقطع هو النص الدلال للامكنة الدكناء اللامحدودة وهو الصلة بين العالم العلوي والعالم السفلي صلة تحيى وتميت ، تولد وتتولد وفق هذا التصور الكلى لفعل المخيلة الشعرية المستمدة عادتها من بيئة وحياة ريفية فينهض الشاعر قصيدة هي الترديدات الخفية لروح المادة الكائن بالطبيعة فى الانسان .
    ب - ويكون المقطع " أ " مع المشهد الاستهلال وحده عضوية لعل الفعل " تفرقان " الذي يبتدىء به المقطع يعود على " العينان " ولعل المناخ الملتبس فى ذهنية الشاعر يمتد ليشمل مساحات اخري، وعموما فافعال المقطع تدل على مثل هذا الترابط : العينان -الغور فى الاستهلال والضباب -المطر فى المقطع الثاني وما بين الاثنين مساحات وازمنة متداخلة يحيا فيها الطفل -العصفور، الفرح -البكاء، الموت -الحياة وكد لالة على هذه الحيوات المتداخلة تنوع افعال المقطع : افعال فى الماضي: سرح ، خاف ، شهد، الى جانب افعال المضارع الكثيرة : تفرق ، تستفيق ، تشرب ، تذوب ، وكلها افعال سيولة وتحول تعايش مرحلة الى أخرى وتؤكد تبدل تركيبة الى أخرى وهو ما يؤكده المقطع ككل فى نتائجه ، المطر، -فانشودة الحياة المتيقظة المتحولة من الضباب الى المطر: من العدم الملء بالاسي الى المطر المانح الارض صبوتها وتكمن فى فاعلية هذه الصورة الشعرية فى احساس السياب بمستقبل العراق حيث الغربة ضباب "غور" وحيث العينان رؤية تستشرف المستقبل وحيث المطر الامل وتستمر هذه الصورة - الرؤية فتتبع فى القصيدة لتشملها كلها موضحة عبر نغماتها وتردداتها غنى الموضوع السياسي عندما ينبثق من احاسيس الذات ، وهو ما يجعل السياب يقف فى مشارف العتبة دون ان يكون للمجتمع او للكهف الام - ذلك الفعل المؤشر السابق .
    2- 3- فى المقطع " ب " تتمحور الصور الشعرية حول فاعلية ا لمطر وتأثيره : المطر الباعث للحزن - والمزاريب الناشجة - وشعور الوحيد بالضياع - والدم المراق - والموتى - المطر.
    والمطر النتيجة من المشهد الاستهلال والمقطع " أ " تصبح هنا تساؤلات تفصح اول الامر عن ارتباك في مخيلة الشاعر قد ساقته اليه الاسئلة لكن فحص المقطع مجددا يؤكد ان المطر فى عرف السياب المغترب ليس المانح بل المميت ايضا وهذا ما يؤكده فى مقاطع أخرى عندما يصبح تهديدا بالفرق وضياعا فى الزورق الذي استقله هربا من ايران الى الكويت ، المطر في مخيلة السياب الشعرية ، موت وميلاد، طفل وقبر، دم وضياع ، كركة ونشيج وتؤكد هذا كثرة التشبيهات وسعة المشبه به ، كما ان كثرة افعال المضارع فيه: تعلمين - تنشج - يشعر - دلالة على فاعلية ا لمطر الاتى من 0 الغور . الضباب ، ان ا لمطر فى المقطع لايحيا إلا ضمن جدلية مولده هي جدلية : الموت والميلاد.
    2- 4- فى المقطع " جـ " يدخل الشاعر والقصيدة ميدان الصورة الفعلية ليجسد الرؤية والواقع معا وضمن هذا المدخل نجد صورا لمقطع تتمحور حول الامكنة التالية : مقلتاك المطر - اعواج - بروق - سواحل ، نجوم - محار - شروق - الليل - الدثار - الخليج .
    1- المقطع مقطع استغاثة وندب وطلب لذلك فامكنته كلها من تلك الامكنة الرأسية على ارض والمحتواة بالنظر وا لمعايشة با لممارسة والحياة ومن تلك التي يسامرها المريض فى خلوته انها اما لحن النغمة الشعبية المضمرة فى القصيدة .
    ينقسم المقطع "جـ" الى اربعة اقسام - صور
    الصورة الأولى : هي البيت الاول منه
    الصورة الثانية : هي الابيات الثلاثة المنتهية - " كأنها تهيم بالشروق ".
    الصورة الثالثة : هي البيت الخامس منه .
    الصورة الرابعة : هي بقية المقطع .
    فى الصورة الأولى يستحضر السياب من المشهد الاستهلال صورة " المقلتان - الغور" ويجمعها مع صورة المقطع " ب " المتمثلة - " المطر " ليكون منهما رؤية تطوف بالشاعر المغترب لقد امسك السياب بمفتتح جيد لرؤيته بحيث لاتحجب عنه - الصورة الثانية - رؤية الاعواج الصاخبة وهى البروق المانحة وهى تمسح سواحل العراق الجائع "النجوم والمحار" الشيئان المتناقضان مكانيا - فى العلو النجوم النابضة الحية فى العينين - الاستهلال - وفى العمق -المحار التكوين لكل حي سيولد - والمجتمعان سوية لاستقبال الشروق الاتى من داخل المقلة والمطر، إلا ان هذه الصورة التأملية المستحضرة والمستوحاة من قصص السندباد المغترب فى السفر-تمحى فالليل -الصورة التالية -مازال يجثو على السواحل العراقية مغطيا البروق والشروق - خلق العالم فى الاساطير. بدثار من الدم المراق ، فلا "النجوم تنبض ولا المحار يولد فالعراق منقوع بالليل وعبثا تنفعا الاقوال والكتب فليجرب - الصيحة "حيث تنهض البشرية يوم القيامة اثر صيحة آتية من السماء" الصورة الرابعة - لكن الصيحة نفسها - اصيح بالخليج الواهب المحار واللؤلؤ والردى -تذهب سدي وتصبح نشيجا منكسرا وترديدا لطلب مغترب لا يمتلك اي فعل تغيير حاسم.
    ب - ولو تأملنا افعال المقطع "حـ" نجدها كلها افعال مضارعة - تطيف - تمسح -تهيم -يسحب -اصبح -يرجع - وافعال من هذا النوع تجمع بين حالتين متناقضتين ، فالأفعال ليست من تلك الافعال الضاجة بالحركة والصاخبة فى الصوت ، بل هي افعال هادئة شبه مغمى عليها، او قصيدة بحالة توازن بين نقيضين لذلك لم تنفع ،" لصيحة " رغم صخب الفعل "اصيح" وحتى فعل الصياح هذا يعود منكسرا مسحوبا، مشوبا بصوت داخل حزين هو "النشيج " الذي يضيع فيه حتى صوت البيت الاخير من المقطع فيمحى " اللؤلؤ " ويبقى على " المحار والردى" .. متبوعين بنقاط ثلاث دلالة على تلاشى الصيحة وخفرتها.
    لكن السياب لايستسلم فالمغترب يمتلك الف سبيل ، واذا خانت الصورة المتأملة تحقيق مطلبه يمتطى غيرها، فالطريق الى استحضار العراق الجائع والممطر مازالت سالكه والشعر فى زمن نهوضه فتح له نوافذ اسلوبية وفكرية عديدة لذلك لا تنتهى القصيدة - تلك اللحظة اليائسة ولا عند مشارف الخليج المغطى بالموج والدم الدثار.
    5- هكذا نجده فى المقطع «د» ينهض حاسة "السمع " بعدما تلاشت الرؤية فى اعماق المقلتين وتحولت الى صدى نشيج يعود ليتسمع ما كان قد عاشه ورآه فالعراق لايستعيد فعل تغييره بل يخزنه ، يدخره وينمو من خلاله ويبعث القوة فى سواعد الملاحين ليصارعوا عواصف الخليج ولينشدوا اغنية "المطر النازل كأنغام السماء".
    1- من أمكنة المقطع يكمن فعل السماع فالأمكنة هي:
    السهول - الجبال - النخيل - القرى - المجاد يف - القلوع - العواصف - وكلها امكنة نامية حية ليست فيها سكونية متطلعة الى أعلى وضاجه بالنمو والحركة والحيوية ، ويمثل هذه الامكنة يخزن الامل ويذخر ليوم آت ، فالصيحة التي اطلقها الشاعر وتحولت الى نشيج فى المقطع السابق تصبح هنا رعودا مذخرة فى سهول العراق وجباله صوره انبثاقها للمياة فيها "فالرعد" فى العراق الشعبي ينبت الاجنة . الكمأة ، ويخزنها للجياع والنخل فى العراق الشعبي يخزن ماء المطر اذا ما جفت الانهار والمهاجرون يصارعون ماء عواصف الخليج من الوصول بعيدا مغتربين عن العراق ومن اجل العراق .
    ب -ازمنة المقطع كلها فى المضارع وفى الحالة المتسمعة لما يخزن ويدخر ويسمع
    ويثن ويصارع وينشد افعال مؤجلة الفعل مستوفرة فى الامل متهيأة لما سيأتي مقتدرة على الولادة فهي الرعد الواعد، والمطر الساقي والانين الفردي وصراع المجاديف والقلوع - والنشيد المنغم بـ "مطر... مطر... مطر" كل ما فى المقطع مهيأ لميلاد جديد ومتساوق مع شعور شاعر مغترب لايملك مالا ومهاجر سياسي متأمل ومنشد اشعار فى جوقة اسرا فيل الابدية ان فى العراق جوعا لكل ذلك وجوعا من النوع المؤجل الحمل ، جوعه للرعد وجوعه للمطر وجوعه لمغن لا يفسد" الصوت النشاز.
    2-6 ويوضح السياب جذور هذا الجوع فى المقطع "هـ" مذ كان طفلا كانت السماء ترسل المطر، وكانت الارض تشب وتفرح ومع ذلك كان العراق حاملا للجوع وللجوعي... انها لمفارقة .... هذا ما يؤكده المكان فى هذا المقطع ، حيث تمحورت الصورة الشعرية على مكانين مهمين هما: السماء - الثرى المكانان المتباعدان موقعا والمقتربان زمنيا يوصل ما بينهما المطر ويدلان باجتماعهما على العراق مكانا متسعا ويوضح السياب "فى كل عام " استمرارية الدورة السماء تمطر والارض تعشب ومع ذلك فا لجوع باق .. هذه الاستمرارية جعلت مكاني الصورة الشعرية السماء - الثرى عقيمين " ما مر عام والعراق ليس فى جوع ".
    اما زمنية المكان فتتراوح بين الماضي والمضارع ، ديمومة الجوع ، واستمراره هكذا جاءت صورة بافعال ماضية ناقصة كان - ليس وافعال ماضية دالة على استمرارية الماضي " مر" اما افعال المضارع - تغيم -يهطل -يعشب -نجوع -فهي افعال احياء ونمو وتغيير لكنها محكومة بماض متكرر ولذلك لاتستطيع مثل هذه الافعال احداث نقلة ما لم يتوافر لها فاعل انساني يجعل الارض المعشبة مليئة بالزرع والعمل .
    2- 7- فى المقطع "و" يوفر الشاعر هذا الفاعل المغير الذي يستطيع المبسم الجديد انه "الدم" الذي يصنع الابتسامة والحكمة والفد والمطر والعشب و" فاعل ".
    السياب خلاصة التاريخ وتجسيد الفكر وممارسة المواقف - انه الثورة التي ستنهض من بين ربوع العراق بعدما يهطل عليه المطر وتعشب ارضه وتزال كل الاحزان وتوضح امكنة المقطع مثل هذا الامل - الدم - المبسم - الفم - الحياة - العراق .
    ونظرة أولى على طبيعة هذه الامكنة نجدها بشرية - دم - فم - مبسم - وهى زمنية مستقبلة - الغد الواهب للحياة - وهى مكانية سياسية - العراق - ولاول مرة في طبيعة امكنة القصيدة يصبح الانسان ميتا كان - دم - ام حيا - الوليد - هما محورا الصورة الشعرية ومثل هذا التناقض المولد - الدم - يولد - الوليد - هو القيمة الفكرية للمطر حيث ينتهى المقطع "سيعشب العراق بالمطر" اي اتحاد دائم ومستمر بين مكاني الصورة السابقة - السماء الثرى وكأنهما ماكانا ليظهر هكذا دونما تضحية فالدم -الوليد - فى المقطع "و" هما اللذان بعثا الحياة مجددا فى اوصال القصيدة ولذلك بالامكان قرادة القصيدة من اخرها صعودا الى اولها عندئذ نرى كم هي العينان مليئتان بالامل النخل -وكم هو المطر مهم كي يعطى الواقع صيغة الرمز السياسي وتؤكد افعال المقطع "و" مبدأ التناقض المولد "الدم يولد الوليد" فالأفعال .تراق .. توردت -يعشب أفعال نضارة وخلق وانماء، وافعال تجسد الميلاد وترسم خطوطا واضحة لعالم الحياة الانية ...افعال كلها في الفعل "يراق " فالدم الذي اريق فى مساحات العراق ومدنه سوف يجعل من العراق معشوشبا بالمطر.
    ضمن هذا السياق يؤكد المقطع الاخير "ز" استمرارية النمو "ويهطل المطر" ديمومة حياتية وصلة ابدية بين السماء والثرى - وتحقيقا زمنيا للماضى وللحاضر وتوقا لمغترب يريد العودة وسعيا لشاعر ينبىء عن طريقا الجديد فى الحداثة الشعرية .
    ياسين النصير: ناقد من العراق .
    إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ذا أبعاد هندسية فحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي، بل بكل ما في الخيال من تحيز، إننا ننجذب نحون لأنه يكثف الوجود في حدود الحماية.



    (عدل بواسطة osama elkhawad on 14-07-2006, 10:38 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 00:39 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)


    أسهمت ترجمة الروائي الاردني :
    غالب هلسا
    لكتاب الفرنسي :
    باشلار
    جماليات المكان
    في ان يقارب الخطاب النقدي العربي جماليات المكان

    وأدناه سيرة غالب هلسا الذاتية "نقلا" عن "كتاب في جريدة"

    ولد غالب هلسا في إحدى قرى (ماعين) قرب (مأدبا) في الأردن، يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول 1932، وتوفي في اليوم ذاته من عام 1989 في دمشق عن سبعة وخمسين عاماً.
    وعلى طول هذا العمر، تقلب غالب في شتى البلاد العربية، من لبنان، إلى مصر، إلى العراق، إلى سورية، بالإضافة إلى وطنه الأردن، وكان قد تركه في سن الثامنة عشرة إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية بها. لكن الشاب - الذي كان قد بدأ محاولة الكتابة في الرابعة عشرة من عمره - أُجبر على قطع إقامته في لبنان وعلى العودة إلى وطنه، ثم على مغادرته مرة أخرى إلى بغداد، ثم على ترك بغداد إلى القاهرة، حيث أنهى دراسته للصحافة في الجامعة الأمريكية. وأقام غالب في القاهرة لثلاثة وعشرين عاماً متصلة، يعمل في الترجمة الصحفية، ويكتب قصصاً وروايات، ويترجم الأدب والنقد، ويؤثر ـ بشخصه وبأعماله وبثقافته ـ في جيل الروائيين والقصاصين والشعراء الذي أُطلق عليه ـ فيما بعد ـ : (جيل الستينيات).
    وفي عام 1976، أُجبر غالب هلسا على ترك القاهرة إلى بغداد، التي غادرها بعد ثلاث سنوات إلى بيروت، حيث أقام إلى أن اجتاحت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية، فحمل السلاح، وظل في خنادق القتال الأمامية، وكتب عن هذه الفترة الهامة نصوصاً تجمع بين التحقيق الصحفي والقصة.
    ثم رَحَل مع المقاتلين الفلسطينيين على ظهر إحدى البواخر إلى عدن، ومنها إلى إثيوبيا، ثم إلى برلين. وأخيراً حطّ به الرحال في دمشق التي أقام بها إلى أن توفي بعد سبع سنوات من وصوله إليها.
    والعالم الروائي عند غالب هلسا عالم واحد، متنوع المناحي وعميق، لكنه محدد ومتواتر القسمات، يدور أساساً حول شخصية الراوي التي تأتينا أحياناً بضمير المتكلم، وأحياناً أخرى بضمير المفرد الغائب الذي ينبثق العالم الروائي منه. وفي أحيان كثيرة تبدو شخصية الكاتب سافرة، بملامحها المعروفة من حياة الكاتب. وفي أحيان أخرى يتخذ اسمه صريحاً.
    غالب كاتباً وشخصيةً روائية، سواء، هو ابن وفيّ وقادر على الإفصاح، لتلك الحقبة التي زلزلت البلاد العربية جميعها تقريباً، من أواخر الأربعينيات حتى أواخر الثمانينيات: بآمالها وآفاقها وخياراتها وشعاراتها ووعودها وتطلعاتها، ثم بالضربة الساحقة في 1967 والانهيار الذي تلاها.
    والشهوة الحسية في كتابات غالب هلسا ليست بهيجة ولا فرحة، بل هي ليست تحققاً، إذ يستخدمها الكاتب في التعبير عن الخذلان والفشل والسقوط.
    نشر غالب في حياته سبع روايات: (الضحك)، 1971. (الخماسين)، 1975. (السؤال)، 1979. (البكاء على الأطلال)، 1980. (ثلاثة وجوه لبغداد)، 1984. (نجمة)، 1992 (طبعة ثانية). (سلطانة)، 1987. (الروائيون)، 1988. كما نشر غالب مجموعتين من القصص: (وديع والقديسة ميلادة)، 1969 و(زنوج وبدو وفلاحون)، 1976. هذا فضلاً عما ترجمه من أعمال نظرية لجاستون باشلار، وأعمال أدبية لسالنجر وفوكنر وغيرهم.
    http://thaqafa.sakhr.com/ketab/pages.asp?Lnk=halsa/a001.xml
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 00:46 AM

AnwarKing
<aAnwarKing
تاريخ التسجيل: 04-02-2003
مجموع المشاركات: 11481

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    سلامات ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 01:47 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: AnwarKing)

    عزيزي أنور
    سلامات كثيرة
    مرحبا بك في متاهة المكان والغياب
    ارقد عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 09:03 AM

عبدالله الشقليني
<aعبدالله الشقليني
تاريخ التسجيل: 01-03-2005
مجموع المشاركات: 11650

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)



    صاحب الكلِم الرحيب ، والقص الشِعري :
    الكاتب الرائع :

    أسامة الخواض .

    قرأت ما قرأت ، وشغلني ما يشغل دُنيانا هذه الأيام .
    صور مُكثفة اللغة ، رأسياً تعملقت ،
    و أُفقياً امتدت ببساط المدى .
    مشروع كتاب تكثف في لغة شعرية باهرة .
    أتمنى أن أرجع ...
    قلت لنفسي لا يُعقل أن أستطعِم رغم مشاغلي ولا أقول شيئاً :
    نِعم الطعام ما قرأت عيناي ،
    ونِعم الضياء يلتف حولك عندما تُفسِح لتُبدع في كتابة شاعِرة .
    كل يوم أنت تُجدد قلمك ، تمُرّ على السحنات وتتصفح الملامِح والأمكنة

    تصفُح العابد .
    شكراً لك
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2006, 12:00 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: عبدالله الشقليني)

    صديقنا صاحب القلم المعجون بالايراق:
    عبد الله الشقليني
    يسعدني كثيرا ان يحظى نصي هذا بمثل هذا الدفق اللغوي الأخّاذ,
    وفي انتظار عودتك بعد زوال سحب المشاغل

    ولك محبتي بلا سواحل
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 00:40 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)



    قلنا ان ترجمة غالب هلسا ل"جماليات المكان" قد ساهمت في الاهتمام العربي النقدي بموضوعة المكان
    وهنا دراسة عن جماليات المكان في الرواية بقلم الدكتور أحمد زياد محبك

    تمهيــد
    ما تزال دراسة المكان فى الرواية نادرة فى النقد العربى، والكتب التى صدرت فى هذا السياق ما تزال دون عدد أصابع اليد، وما تسعى إليه هذه المقالة هو وضع مقدمة نظرية لدراسة المكان فى الرواية.
    وهذه المقدمة تستند إلى أهم ما صدر فى العربية من دراسات فى المكان الروائى، وهى دراسات سيزا قاسم (1985) وحسن بحراوى (1990) وسمر روحى الفيصل (1995)، كما تستند إلى بعض الدراسات فى الرواية الغربية.
    وغاية ما تسعى إليه هذه المقدمة أن تكون حافزاً إلى درس المكان، وعوناً على الوعى به جمالياً، ولذلك تمّ توخى الإيجاز، والبعد عن الأمثلة التطبيقية، حتى تترك المجال للقارئ كى يستحضر فى ذهنه ما قرأ من روايات.
    أهمية المكان
    يكتسب المكان فى الرواية أهمية كبيرة، لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه المكان الذى تجرى فيه الحوادث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول فى بعض الأعمال المتميزة إلى فضاء يحتوى كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها المناخ الذى تفعل فيه، وتعبر عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء الرواية، والحامل لرؤية البطل، والممثل لمنظور المؤلف، وبهذه الحالة لا يكون المكان كقطعة القماش بالنسبة إلى اللوحة، بل يكون الفضاء الذى تصنعه اللوحة.
    إن المكان "ليس عنصراً زائداً فى الرواية، فهو يتخذ أشكالاً ويتضمن معانى عديدة، بل إنه قد يكون فى بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله" (بحراوى ص 33 ).
    المكان والواقع
    وبداية لابد من الاتفاق على أن المكان فى الرواية أياً كان شكله ليس هو المكان فى الواقع الخارجى، ولو أشارت إليه الرواية، أو عنته، أو سمته بالاسم، إذ يظل المكان فى الرواية عنصراً من عناصرها الفنية.
    إن المكان فى الرواية هو "المكان اللفظى المتخيل، أى المكان الذى صنعته اللغة انصياعاً لأغراض التخييل الروائى وحاجاته " (الفيصل 251)، "فالنص الروائى يخلق عن طريق الكلمات مكاناً خيالياً له مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة" (سيزا ص 74).
    إن المكان فى الرواية قائم فى خيال المتلقى، وليس فى العالم الخارجى، وهو مكان تستثيره اللغة، من خلال قدرتها على الإيحاء، ولذلك كان لابد من التمييز بين المكان فى العالم الخارجى والمكان فى العالم الروائى.
    "وإذا كانت نقطة انطلاق الروائى فى التقاليد الواقعية هى الواقع، فإن نقطة الوصول ليست هى العودة إلى عالم الواقع، إنها خلق عالم مستقل، له خصائصه الفنية التى تميزه عن غيره". (سيزا 785).
    وعندما يستعين الروائى بوصف المكان أو تسميته، فهو لا يسعى إلى تصوير المكان الخارجى، وإنما يسعى إلى تصوير المكان الروائى، وأى مطابقة بينهما، هى مطابقة غير صحيحة، وما استعانة الروائى بالتسمية أو الوصف إلا لإثارة خيال المتلقى.
    وظيفة المكان فى الرواية
    فى الرواية التقليدية يظهر المكان مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات أو تقع فيها الحوادث، ولا تلقى من الروائى اهتماماً أو عناية، وهو محض مكان هندسى.
    وفى الرواية الرومانتيكية يظهر المكان معبراً عن نفسية الشخصيات، ومنسجماً مع رؤيتها للكون والحياة وحاملاً لبعض الأفكار.
    وفى هذه الحالة" يبدو المكان كما لو كان خزاناً حقيقياً للأفكار والمشاعر والحدوس، حيث تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر " ( بحراوى 31 ) .
    وفى كلتا الحالتين يظل المكان فى إطار المعنى التقليدى للمكان فى الرواية، ويمكن أن يعد هذا المعنى البنية التحتية، على حين يمكن أن يحقق المكان بنية فوقية، يغدو فيها المكان فضاء، وذلك عندما يسهم المكان فى بناء الرواية وعندما تخترقه الشخصيات "فيتسع ليشمل العلاقات بين الأمكنة والشخصيات والحوادث، وهى فوقها كلها ليصبح نوعاً من الإيقاع المنظم لها" (الفيصل 253).
    "إن الوضع المكانى فى الرواية يمكنه أن يصبح محدداً أساسياً للمادة الحكائية ولتلاحق الأحداث والحوافز، أى إنه سيتحول فى النهاية إلى مكوّن روائى جوهرى ويحدث قطيعة مع مفهومه كديكور" (بحراوى 33).
    وهكذا يدخل المكان فى الرواية عنصراً فاعلاً، فى تطورها، وبنائها، وفى طبيعة الشخصيات التى تتفاعل معه، وفى علاقات بعضها ببعضها الآخر.
    وإذن "يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤيات ووجهات النظر التى تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائى، فالمكان يكون منظماً بنفس الدقة التى نظمت فيها العناصر الأخرى فى الرواية، لذلك فهو يؤثر بعضها، ويقوّى من نفوذها، كما يعبر عن مقاصد المؤلف" (بحراوى 32).
    وهكذا، "فالفضاء الروائى أكثر شمولاً واتساعاً من المكان" (الفيصل 256)، فهو أمكنة الرواية كلها، إضافة إلى علاقاتها بالحوادث ومنظورات الشخصيات" (الفيصل 256) " وهو ينشأ من خلال وجهات نظر متعددة، لأنه يعاش على عدة مستويات، من طرف الراوى، بوصفه كائناً مشخصاً، وتخيلياً ، أساساً، ومن خلال اللغة، ثم من طرف الشخصيات الأخرى التى يحتويها المكان، وفى المقام الأخير من طرف القارئ، الذى يدرج بدوره وجهة نظر غاية فى الدقة" (بحراوى 32).
    وهكذا يتجاوز المكان وظيفته الأولية المحددة، بوصفه مكاناً لوقوع الأحداث، إلى فضاء يتسع لبنية الرواية، ويؤثر فيها، من خلال زاوية أساسية، هى زاوية الإنسان الذى ينظر إليه.
    إن المكان الهندسى البحت لا يمتلك قيمة فنية، ومن هنا كان اختلاف المكان فى الرواية عن المكان فى الواقع الخارجى، لأنّ المكان فى الرواية هو المكان معروضاً من زاوية الراوى والشخصيات والحوادث والأفكار ومن خلال تفاعلها جميعاً معه.
    "إن المكان الروائى لا يتشكّل إلا باختراق الأبطال له، وليس هناك أى مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التى يقوم بها الأبطال ومن المميزات التى تخصّهم" (بحراوى 29).
    ولذلك ميّز غالب هلسا بين ثلاثة أنواع للمكان بحسب علاقة الرواية به، وهى:
    1- المكان المجازى: وهو الذى نجده فى رواية الأحداث وهو محض ساحة لوقوع الأحداث لا يتجاوز دوره التوضيح ولا يعبر عن تفاعل الشخصيات والحوادث.
    2- المكان الهندسى: وهو الذى تصوره الرواية بدقة محايدة، تنقل أبعاده البصرية، فتعيش مسافاته، وتنقل جزئياته، من غير أن تعيش فيه.
    3- المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة الشخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان وتثير خيال المتلقى فيستحضره بوصفه مكاناً خاصاً متميزاً. (هلسا 8 - 9).
    ولذلك، فإن وصف المكان وحده لا يساعد على خلق الفضاء الروائى، ولا بد من اختراق الإنسان للمكان، والتفاعل معه، والعيش فيه، وتقديمه من خلال زاوية محدودة، تخدم الإطار العام للرواية، بحيث يتحول المكان نفسه إلى عنصر فاعل.
    إن المكان فى الرواية من غير تلك الآفاق يغدو محض زخرف أو زينة، وفى أفضل الحالات يساعد على فهم الشخصيات وتفسيرها، ولكنه لا يتحول إلى فضاء، إن الوصف هو الأرض التى يمكن أن يبنى عليها الفضاء، ولكن الوصف وحده لا يصنعه.
    "المعيار إذن، هو بناء الفضاء الروائى، فإذا نجح الروائى فى هذا البناء منح المكان الحقيقى والمكان المبتدع خصوصية الخلق الفنى، وإلا، فلا" (الفيصل261).
    تسمية المكان الروائى
    ولعل تسمية المكان هى أول السبل إلى بناء المكان، فتسمية المكان فى الرواية تحيل القارئ على المكان الذى يحمل الاسم نفسه فى الواقع، وإن كان المكان فى الرواية ليس هو المكان نفسه فى الواقع، ومن هنا تنشأ المفارقة، لأن التسمية محض وسيلة أولية باهتة، لايمكن أن تقوم وحدها ببناء المكان الروائى.
    "إن المكان الروائى لفظى متخيل، يحيل إلى نفسه، ولا يتأثر بمحاولات الروائيين تسميته باسم حقيقى بغية إيهام القارئ بمصداقية الحوادث وواقعية المجتمع الروائى" (الفيصل 283).
    المكان والواقع
    ولذلك يبدو الوصف الوسيلة الأساسية فى تصوير المكان، و "هو محاولة لتجسيد مشهد من العالم الخارجى فى لوحة مصنوعة من الكلمات، والكاتب عندما يصف لا يصف واقعاً مجرداً، ولكنه واقع مشكّل تشكيلاً فنياً، إن الوصف فى الرواية هو وصف لوحة مرسومة، أكثر منه وصف واقع موضوعى (سيزا 110).
    إن الوصف يتناول الأشياء، فيرسمها بوساطة اللغة، وهو عنصر أساسى فى الرواية، فإذا كان السرد يروى الأحداث فى الزمان، فإن الوصف يصور الأشياء فى المكان، ولكنه ليس غاية فى ذاته، وإنما هو لأجل صنع المكان الروائى، أو بالأحرى لخلق الفضاء الروائى، فما هو بالتصوير الموضوعى، إنما هو تصوير فنى.
    وفى الرواية يظهر الوصف إلى جانب السرد والحوار، بل لعله من الممكن استخراج أسطر أو مقاطع خالصة للوصف، ولكن مما لاشك فيه أن هذا الوصف ليس للزخرف أو الزينة، إلا فى الأعمال الضعيفة.
    إن للوصف وظائف متعددة، منها التصوير الفنى الجميل للمكان، ومنها التمجيد للشخصية التى ستخترق المكان، فمن خلال وصف المكان يتم التمهيد لمزاج الشخصية وطبعها، فيصبح المكان "تعبيرات مجازية عن الشخصية، لأن بيت الإنسان امتداد له، فإذا وصفت البيت، فقد وصفت الإنسان" (ويليك 28.
    و "الوظيفة الثالثة التى يؤديها الوصف، وخاصة عندما يقف عند التفاصيل الصغيرة، هى وظيفة إيهامية، إذ يدخل العالم الخارجى بتفاصيله الصغيرة فى عالم الرواية التخييلى، فيشعر القارئ أنه يعيش فى عالم الواقع لا عالم الخيال، ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو تأثيراً مباشراً بالواقع" (سيزا 81).
    وهو مما لاشك تأثير إيهامى، للمتلقى دور كبير فى صنعه، إذ لا يمكن للغة أن تنقل تفاصيل الواقع، وإذا فعلت ذلك سكنت الحركة فى الرواية، وما على اللغة إلا أن تشير إلى الواقع بالتقاط جزئيات منه، وعلى المخيلة لدى المتلقى أن تقوم ببناء المكان الروائى من خلال الجزئيات التى تقدمها له اللغة.
    "إن الرواية هى أولاً مجرد شيء، كتاب، موضوع على مكتبتنا، وعندما نفتحه وتنتقل نظراتنا بين الصفحات، تعلق فى الفخ، فتنقلب الغرفة التى نحن فيها إلى مكان آخر يخلقه ديكور الرواية (بوتور 59).
    ولعل من المهم القول إن الوصف لا ينقل الأشكال والألوان كما تراها العين، بل ينقلها وفق منظور نفسى فنى جمالى، يخدم الرواية، ومن خلال اللغة، وبشكل يساعد على خلق فضاء تتحرك فيه الشخصيات، وتعبر عن طبعها ومزاجها وأفكارها، ويكون المكان جزءاً من بنيتها الكلية.
    "والوصف يقوم على مبدأين متناقضين، هما الاستقصاء والانتقاء، وقد قامت الخلافات بين الكتاب على أيهما أكثر واقعية، وأيهما أكثر تعبيراً، أما بلزاك فقد كان من أنصار الاستقصاء ولم يترك تفصيلاً من تفاصيل المشهد إلا ذكره، ويرى ستندال أن الوصف القائم على التفصيل يحد خيال القارئ ويقتله، فكان يفضل الخطوط العريضة" (سيزا 8.
    ولقد وضع جان ريكاردو شجرة للوصف، وضّح فيها عناصره، وفيما يلى بيان بها : ( سيزا 8.
    الشىء
    الوضع الصفات العناصر
    الزمان الحجم أ- 1- الوضع
    المكان اللـون 2- الصفات
    العـدد 3- العناصر
    الشكـل ب- العناصـر
    ج - العناصـر
    ومما لاشك فيه أن لكل روائى منهجه، ونجاح منهج عند كاتب، لا يقتضى بالضرورة نجاح المنهج نفسه لدى كاتب آخر.
    ومهما يكن من أمر، فإن الوصف عنصر أساسى فى بناء المكان، وما الروائى إلا "رسام ديكور ورسام أشخاص" (بوتور 46).
    وما الوصف فى الحقيقة إلا "صورة ذهنية متباينة بين الروائيين سواء أكانت محاكاة لمكان حقيقى أم كانت متخيلة، وهى مرتبطة بمنظور الراوى، أى وجهة نظره فى علاقة المكان بالحوادث والشخصيات، ومرتبطة بقدرة الروائى التعبيرية، وبالأهداف التى يريد تحقيقها" (الفيصل 262).
    "والوصف الجيد قد يساعد على الترشيح لظهور الشخصية، أو الارتباط بمزاجها وطبعها، ولكنه لا يقتضى بالضرورة خلق فضاء روائى. وإن صورة المكان الجيدة تعد منطلقاً لبناء الفضاء الروائى إذا كان المكان أساسياً، وتتضامن مع الصور الجيدة الأخرى لتشييد هذا الفضاء إذا كان المكان فرعياً، وحين تخسر هذه العلاقة لانفصالها عن الأمكنة الأخرى فى الرواية فإنها تكتفى بوظيفتها التفسيرية" (الفيصل 269).
    "أما الصورة الضعيفة فتجعل المكان الأساسى مجرداً لا يقع فيه حدث ولا تخترقه شخصية، وتبقى الصورة الضعيفة فى أفضل حالاتها زخرفاً أو تعييناً عاماً لمسرح الحوادث، كما تعجز عن الكشف عن أى جانب من جوانب الشخصيات، سواء أكانت تحمل اسماً يوهم بأنها حقيقية فى الواقع الخارجى، أم لم تكن" (الفيصل269).
    وهكذا يظهر واضحاً أن الوصف للمكان ليس غاية فى ذاته، إنما هو وسيلة لخلق الفضاء الروائى، وهذا الفضاء الروائى لا يتحقق إلا من خلال حركة الشخصيات فى المكان، وتفاعلها معه، كما لا يتحقق إلا من خلال تعدد الأمكنة، وقيام علاقات متواشجة فيما بينها، وذلك كله من خلال منظور ورؤية تلتحم ببنية العمل الروائى.
    وإذن لابد من "اختراق الشخصيات الروائية المكان، وإحياء العلاقات المكانية، وجعلها نابضة بالحركة والفعل"، (الفيصل 257) لكى ينتقل المكان من محض مكان إلى فضاء روائى، لأن "الفضاء أكثر شمولاً واتساعاً من المكان، فهو أمكنة الرواية كلها، إضافة إلى علاقاتها بالحوادث ومنظورات الشخصيات، حتى إن الروائى الذى يقصر حدثه على مكان واحد مغلق لابد أن يخلق فى ذهن القارئ امتدادات مكانية أخرى، ومن ثم يصعب القول إن الفضاء الروائى يتشكل من مكان واحد، وإن بدا ظاهره مغلقاً عليه وحده". (الفيصل 256).
    ولعل ذلك كله يؤكد ثانية أن المكان فى الرواية "ليس مكاناً معتاداً كالذى نعيش فيه أو نخترقه يومياً، ولكنه يتشكل كعنصر من بين العناصر المكونة للحدث الروائى، وسواء أجاء فى صورة مشهد وصفى أو مجرد إطار للأحداث، فإن مهمته الأساسية هى التنظيم الدرامى للأحداث" (بحراوى 30).
    وفى الخلاصة يمكننا القول إن "مصطلح الفضاء الروائى يتسع ليشمل العلاقات المكانية أو العلاقات بين الأمكنة والشخصيات والحوادث، ويعلو فوقها كلها ليصبح نوعاً من الإيقاع المنظم لها" ( الفيصل 253).
    المكان بين رواية الشخصية ورواية الحدث
    ومن الممكن أن نقف هنا عند تمييز إدوين موير بين رواية الشخصية ورواية الحدث، لنرى انعكاس هذا التمييز على المكان، وهو يؤكد منذ البدء أنه "لا توجد روايات من الشخصيات البحتة، ولا روايات من الصاع البحت، وإنما هى روايات يغلب عليها هذا الطابع أو ذاك، غلبة بارزة وكافية دائماً" (موير 61).
    ثم يرى أن "العالم الخيالى للرواية الدرامية يقع فى الزمان، وأن العالم الخيالى لرواية الشخصية يقع فى المكان، ففى الأولى يقدم لنا الكاتب تحديداً عابراً للمكان، ويبنى حدثه فى نطاق الزمان، وفى الثانية يفترض الزمان، فيكون الحدث إطاراً زمنياً ثابتاً، يوزع دائماً، ويعدل مرة بعد أخرى فى نطاق المكان، فالثبات والخط الدائرى فى حبكة رواية الشخصية، هما اللذان يكسبان الأجزاء تناسبها ومعناها، أما فى الرواية الدرامية فتسلسل الحدث وحلّه هما اللذان يصنعان ذلك" (موير 62).
    "إن رواية الشخصية تقدم لنا شخصيات تعيش فى مجتمع، ورواية الحدث تقدم لنا أفراداً يتحركون من بداية إلى نهاية، فالرواية الدرامية عادة يكون معنى المكان فيها باهتاً وتحكيمياً" (موير 62)، ولذلك نحسّ "بامتلاء المكان امتلاء بالغاً غير عادى فى الأعمال الكبيرة من روايات الشخصية، كما نحس بازدحام الزمان فى الرواية الدرامية" (موير 84).
    وفى كل مرة يتحدث فيها موير عن المكان فى رواية الشخصية أو فى رواية الحدث يؤكد أن الأمر ليس مطلقاً، وإنما هو على سبيل التغليب، وهو يؤكد ذلك فيقول: "إن القول بمكانية الحبكة لا ينكر الحركة الزمانية فيها، كما أن القول بزمانيتها لا يعنى أنه ليس لها وضع فى المكان، وهنا نرى مرة أخرى أن الأمر يتصل بالعنصر الغالب" (موير 63).
    وعلى كل حال، فإن كلام موير لا ينقص البتة أهمية المكان فى الرواية، ولا ينفى الفارق الفنى الأكيد بين ماهو مكان وما هو فضاء، فى أى نوع من أنواع الرواية، سواء بسواء.
    إذ يمكن أن تنجح رواية الدراما فى خلق الفضاء الروائى على الرغم من القول العام باعتمادها على الزمان وتسلسل الحدث أكثر من اعتمادها على المكان.
    مستويات المكان
    ومن الممكن النظر بعد ذلك إلى المكان من وجهة نظر فكرية، لأن المكان ليس محض مكان موضوعى، محايد، وإنما هو مكان روائى فنى، يتم تصويره من وجهة نظر، ومن خلال زاوية رؤية، وعبر التفاعل مع الشخصيات والحوادث، وهو بذلك يحمل قيمة، أو يمثلها، أو يرمز إليها.
    ففى الرواية "لا نواجه فضاءً خاصاً، وإنما أجزاء وعناصر منظور إليها بطريقة خاصة، فالرؤية هى التى ستمدنا بالمعرفة الموضوعية أو الذاتية التى تحملها الشخصيات عن المكان" (بحراوى 42).
    والإنسان كما يرى لوتمان "يخضع العلاقات الإنسانية والنظم لإحداثيات المكان، ويلجأ إلى اللغة لإضفاء إحداثيات مكانية على المنظومات الذهنية" (سيزا75).
    فهو يرى المقابلات التالية بين القيم والأماكن:
    عالى × واطئ = قـيّـم × رخيـص يمين × يسار = حسن × سيّـئ قريب × بعيد = الأهل × الغرباء مفتوح × مغلق = مفهوم × غامض
    "إن إضفاء صفات مكانية على الأفكار المجردة يساعد على تجسيدها، وتستخدم التعبيرات المكانية بالتبادل مع المجرد مما يقربه إلى الأفهام، وينطبق هذا التجسيد المكانى على العديد من المنظومات الاجتماعية والدينية والسياسية والأخلاقية والزمانية " ( سيزا 75).
    ويتجسد فى هذا المكان الروائى من خلال التمثيل للقيمة بالمكان، والتقابل بين القيم من خلال التقابل بين الأمكنة، فالقصر العالى الواسع الكبير للغنى القوى القادر على الفعل، والبيت الصغير الضيق الحقير للفقير.
    وانطلاقاً من هذا التقابل والتمثيل "يرى لوتمان أنه توجد صفة طوبولوجية هامة هى الحدّ، فالحدّ هو الذى يعهد إليه تقسيم فضاء النص إلى فضاءين غير متقاطعين، وفق مبدأ أساسى هو انعدام قابلية الاختراق" (بحراوى 37).
    وهذا الحدّ سيجعل هناك أماكن مباحة، وأماكن محظورة، فالقصر محظور على الفقير، وبيت الفقير مباح للغنى، ومن الصعب على الفقير اختراق القصر.
    ومما لا شك فيه أن هذا الحدّ الذى يقيمه لوتمان ليس حداً مكانياً جغرافياً، إنما هو "حد اجتماعى اقتصادى يفصل بين فضاءين روائيين" ( الفيصل 272).
    ومثل هذه التصنيفية إلى فضاءين تؤكد انطلاق الفضاء من رؤية الإنسان كما تؤكد أن الفضاء الروائى يحيل إلى البناء الفنى للرواية ولا يحيل إلى الواقع.
    وثمة رؤية تصنيفية أخرى قدمها غاستون باشلار فى "جماليات المكان"، فتحدث عن مكان أليف، وهو البيت الذى يوجد فيه الإنسان، ثم تحدث عن المكان المتناهى فى الصغر والمكان المتناهى فى الكبر، وأكد أنهما " ليسا متضادين كما يظن البعض، ففى الحالتين يجب ألا نناقش الصغير والكبير بما هو عليه موضوعياً، … بل على أساس كونهما قطبين لإسقاط الصور (باشلار 33) كما أكد أن الإحساس بهما يوجد فى داخلنا وليس بالضرورة بشيء فى الخارج.
    ثم يلح على "أننا حين نقرأ مثلاً وصفاً لحجرة، نتوقف عن القراءة لنتذكر حجرتنا، أى إن قراءة المكان فى الأدب تجعلنا نعاود تذكر بيت الطفولة" (باشلار 7).
    "ومن هنا يقدم اعتراضه على الفكرة الوجودية التى تقول: حين نولد نلقى فى عالم معاد، نولد منفيين، فهو يرى أننا نلقى فى البداية فى هناءة بيت الطفولة" ( باشلار 7).
    وانطلاقاً من لوتمان أسس حسن بحراوى منهجاً لتصنيف المكان وفق ثلاثة مفاهيم، وهى التقاطب وتعنى وجود قطبين متعارضين فى المكان وفق "تقابلات ضدية" كالإقامة والانتقال (بحراوى 40)، ومفهوم التراتب الذى يتوزع فيه الفضاء "إلى عدة طبقات أو فئات مكانية وفق مبدأ تراتبى معقد" (بحراوى 41) وقد درس من خلال هذا المفهوم "طبقات الفضاء السجنى بناءً على أهميتها من حيث الدرجة والرتبة (بحراوى 41)، والمفهوم الأخير الذى اعتمده هو الرؤية و "هى التى ستمدّنا بالمعرفة الموضوعية أو الذاتية التى تحملها الشخصية عن المكان وتحيطنا علماً بالكيفية التى ندرك بها أبعاده وصفاته.. ولهذا المفهوم فائدة كبرى عند تصنيف وتحليل أنواع الرؤيات السائدة فى إدراك وعرض مكونات الفضاء الروائى.. وستقوم الرؤية كمعيار حاسم لقياس المدى الذى تطاله قدرة الروائى على طويق أجزاء المكان وإلغاء المسافة بين عناصره وتقديمه على نحو يلبى الحاجة إلى الائتلاف والانسجام" (بحراوى 42).
    وما هذه التصنيفات أو النماذج أو المفاهيم إلا دليل آخر على أهمية المكان فى العمل الروائى، وعلى ما يمتلك من أبعاد ودلالات.
    المكان فى رواية تيار الوعى
    ولا بد بعد ذلك كله من الإشارة إلى الوضع الخاص الذى يمتلكه المكان فى رواية تيار الوعى، فهو لا يظهر فيها بشكل وصف مستقل.
    إن تيار الوعى "هو التكنيك الذى يستخدمه الروائى القديم لتقديم المحتوى الذهنى والعمليات الذهنية للشخصية عن طريق وصف المؤلف الواسع المعرفة لهذا العالم الذهنى" (همفرى 54).
    وتيار الوعى مصطلح ابتدعه وليم جيمس (1840 - 1910) "ويشمل كل منطقة العمليات العقلية بما فيها مستويات ما قبل الكلام على وجه الخصوص" (همفرى 17)، "ولا يوجد تكنيك خاص لتيار الوعى، إنما يوجد بدلاً من ذلك عدة ألوان من التكنيك جد متباينة تستخدم لتقديم تيار الوعى". (همفرى 21).
    ومن تقنيات تيار الوعى المونتاج، "ويشير إلى مجموعة الوسائل التى تستخدم لتوضيح تداخل الأفكار أو تداعيها، وذلك كالتوالى السريع للصور، أو وضع صورة فوق صورة، أو إحاطة صورة مركزية بصور أخرى تنتمى إليها" (همفرى 72).
    وقد أشار ديفيد داتشز إلى طريقتين فى تقديم هذا المونتاج فى القصص، الأولى تلك التى يمكن للشخص فيها أن يظل ثابتاً فى المكان على حين يتحرك وعيه فى الزمان، ونتيجة ذلك هى المونتاج الزمنى، أى وضع صور أو أفكار من زمن معين على صور أو أفكار من زمن آخر، والطريقة الأخرى بالطبع أن يبقى الزمن ثابتاً، ويتغير العنصر المكانى، والأمر الذى ينتج عنه المونتاج المكانى" (همفرى 75).
    الفضاء الموضوعى للكتاب
    ولا بد أخيراً من الإشارة إلى الفضاء الموضوعى للكتاب، "أى فضاء الصفحة والكتاب بمجمله، والذى يعتبر المكان المادى الوحيد الموجود فى الرواية، حيث يجرى اللقاء بين وعى الكاتب ووعى القارئ. وفى هذا الاتجاه برزت عدة دراسات حول فضاء النص من خلال تحليل العنوان أو الغلاف أو المقدمات وبدايات واختتام الفصول والتنويعات المختلفة وفهارس الموضوعات، ولقد عارض كثيرٌ من النقاد هذا الاتجاه فور ظهوره لأنهم رأوا فيه ميلاً مبالغاً نحو الشكلنة والتجريد" بحراوى (2.
    وفى الواقع إذا كان من المفيد دراسة الفضاء الروائى من خلال تسمية الأشخاص والأماكن ومن خلال عنوان الرواية، فإن الفائدة تبدو أقل فى دراسة الغلاف وشكل الحروف ونظام الفصول.
    خاتمة
    وبعد، فتلك هى بعض الآفاق التى تفتحها دراسة المكان فى الرواية، وهى آفاق خصبة غنية واسعة، وبإمكان القارئ من خلالها تحقيق متعة أكبر فى التعامل مع المكان الروائى، وبإمكان الدارس الانطلاق من غير شك إلى آفاق وأبعاد أغنى وأوسع.
    ولعل ذلك كله يؤكد أهمية المكان فى الرواية، وما هو جدير به من عناية ودرس.
    المراجع:
    1- بحراوى، حسن، بنية الشكل الروائى، المركز الثقافى العربى، بيروت، الدار البيضاء، 1990. 2- الفيصل، د. سمر روحى الفيصل، بناء الرواية العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1995. 3- قاسم، د. سيزا أحمد، بناء الرواية ، دار التنوير، بيروت، 1985. 4- هلسا، غالب، المكان فى الرواية العربية، دار ابن هانئ، دمشق، 1989.
    المراجع المترجمــة
    1- باشلار، غاستون، جماليات المكان، تر. غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، ط. ثانية، 1984. 2- بوتور، ميشال، بحوث فى الرواية الجديدة، تر. فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، 1971 . 3- موير، إدوين، بناء الروايـة، تر. إبراهيم الصيرفى، مر. الدكتور عبد القادر القط، الدار المصرية، القاهرة، لاتـا . 4- همفرى، روبرت، تيار الوعى فى الرواية الحديثـة ، تر، د. محمود الربيعى، دار المعارف بمصر ، القاهرة، ط. ثانية، 1975. 5- ويليك، رينيه ، وارين ، أوستن، نظرية الأدب ، تر. محيى الدين صبحى، مر. د. حسام الخطيب، المجلس الأعلى لرعاية العلوم والفنون والآداب، دمشق، 1
    http://www.diwanalarab.com/article.php3?id_article=2220
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 03:28 AM

أبوذر بابكر
<aأبوذر بابكر
تاريخ التسجيل: 15-07-2005
مجموع المشاركات: 5922

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    كيف الحال يا خواض

    هل رأيت حجم ومقدار وكمية الثراء الموجود فى كتابة العراقى ياسين النصير، ومدى العمق لدى غالب هلسا
    هو ذا تحديدا ما نحن فى حاجة إليه فى مستويات النقد السودانى، أو نقد الأعمال السودانية إذا شئنا الدقة
    فالأدب السودانى عامة، وأخص بشكل أكثر تأطيرا، حقبة الستينات والسبعينات، لما أنتجته وقدمته من أعمال ينبغى التوقف عندها طويلا، فى كل ضروب الفعل الإبداعى وليس فى مجال الشعر فقط، وأثمن ايضا على الأمثلة التى سقتها أنت
    فقطار الغرب مثلا لمحمد المكى، تستحق الجلوس عندها وبإنتباه شديد، ففيها كما أرى يحتل المكان كل حيز متوفر لتوليد المعنى ويمثل منطلق الشاعر فى رسم كل صورة أرادها، وبإختصار هو الأساس الذى قام عليه بنيان النص فى مجمله
    أما عند عبد الحى فى العودة إلى سنار، فالدلالة فى رأئى كانت "عاصرة" اكثر على الميتافيزيقيا منها إلى المباشرة، فهو يحتفى بالمكان من منطلق أنه، أى المكان، هو الباعث الأصيل أو العنوان الكبير لكثير من المعانى التى أرادها الشاعر، فسنار كقيمة مادية ملموسة أو كمكان مجسد، ينتهى دورها فى ما ورائها من قيم وبواعث وأشياء تجسد ما يراد الوصول اليه، هذا طبعا يا مشاء حسب قراءاتى العديدة للنص

    ثم ماذا عن محمد الواثق فى "امدرمان تحتضر" وعلى المك فى "مدينة من تراب"، أو أفريقيا مكانا ومعنى عند الفيتورى
    وفى الرواية، كيف هو حال المكان فى عمل مثل "حدث فى القرية" لإبراهيم إسحق
    أما إذا جئنا، وطالما أننا قد ذكرنا الرواية، إذا جئنا للطيب صالح، فالحديث يطول ويشتد غزارة، ففى كل الأعمال تقريبا يكون المكان هو البطل

    كنت أتمنى يا مشاء لو أننى أمتلك كامل "العدة" والأدوات التى تمكننى من الخوض ، بطريقة لا أقول علمية، بل صحيحة فى مجال النقد وما إليه، واللهم إن هى إلا محض إنطباعات أو "آوت بت" خارجة من خضم التذوق

    ولا يزال فى البال كما قلت لك من قبل، بعض الحديث عن فيدريكو غارسيا لوركا وآخرين

    (عدل بواسطة أبوذر بابكر on 16-07-2006, 11:02 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 05:33 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: أبوذر بابكر)


    صديقنا المطر
    اعجبتني استبصاراتك النقدية الحاذقة والمتمعنة في آن
    واصلْ تداعياتك
    وقد نبهتني الى مدينة من تراب لعلي المك،وليس لمحمد الواثق،وهي تندرج ضمن مشروع علي المك لرصد امدرمان كمكان يعيد انتاجه ابداعا
    المكان ايضا ثيمة اساسية في خطاب الطيب صالح،
    ومن ضمن ذلك موضوعة الغرباء والاجانب واهل البلد في علاقتهم بالمكان،
    وقد اشرنا الى بعض من ذلك في:
    "القراءة الخاطئة"

    شكرا جميلا لك
    احساس مصطفى سعيد الجبلي البعيري بالمكان
    وفي انتظارك
    ارقد عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 06:53 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    أدناه مقال عن "جماليات المكان"
    جماليات المكان في شعر محمد عدنان قيطاز ((حماة نموذجاً)) ـــ د.عبد الفتاح محمّد- سورية
    مقدمة:
    يلاحظ الدارس لنتاج الشاعر محمد عدنان قيطاز أنّ للمكان عامة، ولحماةَ خاصة حضوراً طيباً فيه، تجلى ذلك في دواوينه الأربعة دون استثناء، وهي: "اللهب الأخضر" و"في ملكوت الحب" و"أسفار ابن أيوب" و"وجهك المستبد" وتفسير هذا الحضور الطيب هو أن الشاعر يألف الأمكنة التي يحيا فيها أو يزورها، ويرتبط معها بكل وشائج القربى، ويحرص على إبراز عناصر الجمال فيها.
    والحق أن الشاعر استطاع أن يجعل من نفسه، وهي ذات مبدعة شاعرة، طاقةً تتفاعل مع المكان، وتتحد به، وتحبه، وتقدسه، وتحس جمالياته، وتتذوقها، ومن ثم تصوغ ذلك كله إبداعاً مترفاً، يعتقد أنه سوف يرن في أذن الزمان.
    وأدنى تأمل في أعماله الشعرية يدل على أن حماة، وهي بلد الشاعر، تسكن في عينيه، وقلبه، ووجدانه، وأحاسيسه، ورؤاه، فحماةُ:
    بلدٌ طغى فيه الجمالُ مُعْربِدا
    مُتحلِّلاً حيناً وحيناً مُحْرِما(1)

    وحماه هي دارةُ الجمال، يقول:
    لكَ في دارةِ الجمالِ أغاريدُ
    فُتونٍ كذائعِ الطيبِ نَشْرا(2)

    وإذا كانت حماة جمالاً معربداً، ودارة جمال لدى الشاعر فإن السبيل إلى تجلية هذا الجمال لا يخلو من مغامرة ورهان لأسبابٍ كثيرة، منها:
    1 ـ أن العناصر المكانية يتم تقديمها من خلال جعل المتلقي يستعيد تجربة المكان الأليف، والذكريات المستعادة ليست معطيات ذاتَ أبعاد هندسية، وإنما هي مصاغة بخيال المتلقي، وأحلام يقظته(3).
    2 ـ أنّ الخيال الشعري المبدع تكون فيه وظيفتا الواقع واللاواقع متعاونتين، فالخيال يمنح إضافاتٍ حقيقية لقيم الواقع.
    3 ـ أنّ الخيال مبدع صورة، والصورة الشعرية بروز مفاجئ على سطح النفس، وكل ما تحتاجه الصورة ومضة من الروح، لذلك كان الشعر روح تَفْتَتِحُ شكلاً(4). من ههنا كان الفن إثراء لخصوبة الحياة، وكان الحديث عن ثروة الوجود المتخيل.
    4 ـ أن الشعراء يعاونوننا في اكتشاف الفرح الذي في داخلنا عند مشاهدة الأشياء، فنستطيع أن نرى في أشياء مألوفة للغاية امتداداً لمكاننا الحميم(5).
    5 ـ أن الشاعر قد يغوص بعمق أكثر حتى يجعل المكان قيمة كقيمة الإلفة، والمكان الشعري لكونه قد تمّ التعبير عنه، فإنه يصبح له خصائص تكبيريه، ويصبح له امتداد.
    لهذا كله، ولأمور أخرى يغدو الحديث عن جماليات المكان مغامرة، ورهاناً أرجو ألا أكون خاسراً فيهما
    الجمال لغة واصطلاحاً:
    الجمال لغةً هو الحسن، وهو مصدر فِعْلُه جَمُلَ، ويعتقد أن أصله الحسيَّ من الجميل، وهو دَكُ الشحم المذاب، يُراد به أن ماء السِّمن يجري في وجهه(6). ويقع الجمال على الصور والمعاني، ويكون في الفعل والخَلْق(7).
    والجمال في اصطلاح أهل الفلسفة صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضى(. وعلم الجمال أحد فروع الفلسفة، ويبحث في الجمال ومقاييسه، ونظرياته، وفي الذوق الفني، وتقويم الأعمال الفنية(9) ، وقد وردت مفردة الجمال في قوله تعالى: ولكم فيها جمالٌ حين تُريحون وحين تَسْرحون(10)، وهي بمعنى البهاء والحسن. وورد في الخبر:
    "أنّ اللهَ جميل يحب الجمال"، أي حسن الأفعال، كامل الصفات(11) ، وقد ذكر المعريّ أن الجمال الإنساني زائل، ومآله كمآل نقيضه، يقول:
    فلا يُعجب بصورته جميل
    فإنّ القُبحَ يُطوى كالجمال(12)

    وإذا كان الخيال ينتج جمالاً، فإن أهل الفلسفة يفرقون بين جمال الخيال الشكلي، وجمال الخيال المادي، ويذكرون أن الخيال الشكلي يخلق كلَّ الجمالِ غير الضروري، من مثل الأزهار، وأن الخيال الشكلي في داخل الفعل الإنساني يكون مغرماً بالطرافة، والجمال الفاتن، والتنوع، والمفاجأة في الأحداث... في حين يهدف الخيالُ المادي إلى إنتاج ما هو بدائي وخالد في الوجود من الجمال، إنه يفرز بذوراً وفي تلك البذور يكمن الشكل بعمق في المادة(13).
    جماليات المكان عند شاعرنا:
    ما كان لي أن ألج إلى البحث في جماليات المكان عند شاعرنا من غير تلك المقدمة التي تشير إلى كثرة قضايا الموضوع وعمقها وخفائها وتشعبها، وصعوبة الإحاطة بها.. فإدراك جمال المكان مرتهن بالتقرب من الذات المبدعة الشاعرة الحالمة اليقظة، الخيالية الواقعية، الفرحة الحزينة، الراضية الغاضبة، الذاهلة المتفكرة، الأليفة الوحشية...
    ومرتهن بإدراك الوسائل التي اعتمدها الشاعر في جعل المكان يسكن في عبير الكلمة، وجناح الخيال..، ومرتهن بقدرة المتلقي على تذوق العمل الفني، والتفاعل معه، والتأثير به.
    ولعل أبرز ما يواجهنا عند الحديث عن الذات الشاعرة المبدعة هو أن إدراك جمال المكان يتطلب منها يقظةً على درجة من الحدة والقوة، والحقّ أن الخيال يزيد حدةَ حواسنا، كما أنّ اليقظة الخيالية تهيئ انتباهنا للاستجابات الفورية(14).
    وشاعرنا يعي هذه الحقيقة، ها هو يعلن أنه أعمل حواسه سمعاً وبصراً وتذوقاُ بطاقة جعلته ينماز من الآخرين في إدراك بعض خصائص المكان، يقول:
    إني سمعتُ بها.. إني رأيتُ بها
    ما لا ترون.. وما صاد كمن وردا(15)

    ومع أن الشاعر يُعْملُ حواسه بطاقتها القصوى، فإنه يعلن أن عينيه لا تلبيان حاجة نفسه في النهل من جمال المكان، يقول:
    عينايَ ما ارتوتا من سحر آيته
    يا ليتَ لي ألفَ عينٍ ترصد البلدا(16)

    وإذا كانت الحواس يعتريها ما يجعلها ساهية أو لاهية أو معرضة أو غافلة، فإنّ الشاعر يشحذ النفس، ويدعوها إلى التنبيه واليقظة كي تقوم بمهمتها وقت الحاجة، يقول:
    قلتُ لما نزل العاصي أَفِقْ
    أيّها القلبُ فهذا وَطَريْ(17)

    وهو إذ يوقظ حواسه وينبهها، إنما يفعل ذلك ليجعل من نفسه عواطف وقيماً على النحو الذي يريد، فلا نستغرب وقتها من أن نراه ينشد:
    أنا كلي حبٌّ... كلي وَفَاءٌ
    ومن الحبِّ لاهِبٌ ودُخان(1

    ولا ننكر عليه أن يرى في تراب الوطن وحجارته شفاء يُطلب وحيلةً تُصان، يقول:
    أني لأستافُ الترابَ تعلةً
    وأُقَبِّلُ الحصباءَ دُرَّ مَحَارِها(19)

    وهو إذا يتعهد على كبر نفسَه بالتنبه واليقظة لا ينسى أن المدينة صاغته طفلاً ذا مواصفات خاصة، يقول:
    درجتُ فوق رباها
    طفلاً غريرَ السماتِ
    طلقَ الجبين مُدِلاً
    على المُدلِّ العاتي(20)

    وواضح أنه يتخير (الربى) دون (الوادي) لأنّ (الربى) تناسب تساميه وافتخاره بنفسه. ثم إنّ المدينة رَعَتْه، وَنَمتْهُ، يقول:
    حتى استطالتْ غُصوني
    وأَيْنَعَتْ ثمراتي(21)

    وأسرته حباً وعشقاً:
    أسرتني أمُّ النواعير
    وما زلْتُ مولعاً بإساري(22)

    وبعد، فحديثي عن جماليات المكان عند شاعرنا ينقسم إلى أقسام ثلاثة هي:
    أ ـ وسائل الشاعر في إظهار جماليات المكان على صعيد المضمون.
    ب ـ وسائل الشاعر في إظهار جماليات المكان على صعيد الشكل.
    ج ـ جماليات الناعورة، نموذج تطبيقي.
    أ ـ وسائله على صعيد المضمون:
    يمكن أن نقول باطمئنان: إن الشاعر في سعيه لإظهار جمال المكان على صعيد المضمون أو المحتوى اعتمد وسائل كثيرة متنوعة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على غنى في الأدوات، وقوة في معمارية القصيدة، وعمق في التأثير، وللتدليل على هذا نعرض للوسائل التالية:
    1 ـ جمالية الإلفة.
    2 ـ استعادة سمات المكان.
    3 ـ القدرة على التأليف بين عناصر الجمال.
    4 ـ المكان المفتوح.
    5 ـ تكثيف الزمان.
    6 ـ جمالية الحركة.
    7 ـ الإفادة من الموروث.
    8 ـ جماليات أخرى.
    وفيما يلي بيان القول في هذه الوسائل:
    1 ـ جمالية الإلفة:
    يعتمد الشاعر في إظهاره لجماليات المكان على تقديم مشاهدَ عنوانُها الإلفة، الإلفة بين الإنسان والإنسان الذي يشاركه سُكْنى المكان، وبين الإنسان من جهة، والمكان من جهة ثانية، ومن المشاهد التي يتجلى فيها هذا الأمر واضحاً قول الشاعر:
    ولكم سرينا والضفافُ سواهرُ
    والنهر يجري طائعاً سَلْسالا
    نمضي إلى حَرَمِ الجمالِ وظِلِّهِ
    فنريحُ أشجاناً هناك ثِقالا
    ونشاركُ الأنسامَ بعضَ حديثها
    ونسامرُ الناعورةَ المكسالا

    ونعودُ نحتضنُ المفاتنَ والرؤى
    لنصوغَ منها للورى أمثالا(23)

    إنني لأعتقد أن هذا النص نموذج طيب لقدرة الشاعر على إظهار جمال الإلفة، أما إلفة الإنسان للإنسان، فدليله شيوع ضمائر الجموع في النص (سرينا، نمضي، نشارك، نسامر، نعود، نصوغ)، ولا ريب في أن اجتماع الأخدان والأصحاب يجعل الإلفة ذات وقع أشدَّ، لأنّ المرء يُطَمئِن رغبته في الاجتماع، والإنسان اجتماعي بطبعه.
    وأما إلفة الإنسان للمكان فقد دلت عليها إشارات الشاعر من أنه وصحبَهُ ذاقوا جمال المكان عبر غير حاسة فهم سروا، وسهروا وسَمَروا، وشاهدوا، وتحدثوا، واحتضنوا، وصاغوا.. وهنا يغدوا الإحساس بإلفة المكان جَمْعيّاً مما يجعلها ذات طعم بيِّن، يعززها تفاعل معظم حواس الإنسان مع المكان.
    وأما إلفة المكان للإنسان، وهي تحتاج إلى تقنية أشدّ لإبرازها، فما أعتقده أن الشاعر كان موفقاً إلى حد بعيد فيها، ذلك أن عناصر المكان قد أطلت برأسها، وهي تظهر إلفة فائقة نحو الشاعر وصحبه، فالضفاف سواهر، ويقظتها جميلة، والنهر استبدل بعصيانه طاعةً ورقةً، والأنسام تُغري بالتحدث، والناعورة مسامرة محببة، والمفاتن طوع البنان. ومكانٌ هذه عناصره، وهذه يقظته، وهذه استجاباته له أكبر الأثر في تطهير الإنسان من السأم والمَلالة، لتحلّ الهناءة والراحة في النفوس والأبدان، وحُق للشاعر أن يقول:
    نمضي إلى حرم الجمالِ وظلّه
    فنريحُ أشجاناً هناكَ ثِقالا

    ومكان هذه صفاته يحرّض على الإبداع والخَلْق مما يجعل الشاعر يقول:
    ونعودُ نحتضنُ المفاتنَ والرؤى
    لنصوغَ منها للورى أمثالا

    وهكذا نرى أن النص يمور بالإلفة، ومعلوم أن كلَّ مناطق الإلفة موسومة بالجاذبية، ووجودها هو الوجود الهني(24) ، وتلك الجاذبية هي التي تجعل المتلقي يتوقف عن قراءة المكان لأنه يرى أمكنته التي يألفها هو، وإذا كان الشاعر قد أضفى صفات إنسانية على المكان، فإن ذلك يحدث على الفور عندما تكون العناصر المكانية الموصوفة مكاناً للفرح والإلفة، مكاناً يستقطب الإلفة ويكثفها، ويدافع عنها.
    خلاصة القول: إن الشاعر جعل عناصر المكان تمتلك صفة الإلفة مثلنا، وعبرنا، ولأجلنا.
    2 ـ استعادة سمات المكان:
    إنّ العناصر المكانية قد تُقَدَّمُ من خلال جعل المتلقي يستعيد تجربة المكان الأليف(25) ، ذلك أن سمات المكان قد تبلغ حداً من البساطة والتجذر العميق في اللاوعي، وهذا التجذر يجعلها تستعاد بمجرد ذكرها، أكثر مما تستعاد من خلال الوصف الدقيق لها ومن النصوص التي اعتمد فيها الشاعر هذه التقنية قوله مخاطباً رفيقاً له، ومستعيداً ذكرياتٍ طيبةً تتجلى فيها سماتُ المكان على نحو بيّن:
    أبا موسى أتذكرُ يوم كُنَّا
    بلا وزنٍ وقافيةٍ نُغَنِّي
    وبابُ النهر ملعبُنا كأنّا
    ببابِ النهر في جناتِ عَدْنِ
    وعاصي الحبِّ يخطر مطمئناً
    على نَهْجِ الوفا حُلوَ التثني
    تطارحُنا النواعيرُ الشوادي
    فَتَشْرَقُ بالسرور وبالتمني
    ونبحُ تارةً ونلوذ أخرى
    بظلِّ معاطفِ الشجرِ الأغنِّ(26)

    فهذا النص ينطوي على أمور كثيرة، منها:
    أنّ كلمة (أتذكر) هي نافذة لاستعادة ذاكرة زمان ومكان، أما الزمان فهو أيام الصبا الأولى، وأما المكان فهو منطقة جميلة تسمّى "بابَ النهر"، حيث كان الشاعر ورفاقه يجدون ما يسرُّ العين، ويلذ النفس، ويبهج الخاطر، وكلّ عناصر المكان تسهم في ذلك، فباب النهر ملعب، واللعب حاجة في تلك السن، والنهر مسبح، والنواعير شوادٍ، والنهر محبٌّ مطمئن، وفيٌّ آمن.
    ـ ومنها أن الشاعر يُعنى بما يحققه المكان من سمات متجذرة، كاللعب والغناء والأمان والاطمئنان والراحة والسرور والهناء، أكثر مما يحرص على الوصف الدقيق له، بعبارة أخرى إنه يحرص على إبراز جماليات المكان المتجذرة فهو مكان ماتع، آمن يحقق الراحة، ويؤمن المأوى الظليل الحاني.
    ـ ومنها أن زمان الذكرى ومكانها كانا يشهدان ولادة مشاعر الحب في نفوس هؤلاء الفتية، دليل ذلك أن الشاعر أضفى هذه المشاعر على عناصر المكان، ولاسيما في قوله:
    وعاصي الحبِّ يخطرُ مطمئناً
    وقوله:
    تطارحُنا النواعيرُ الشوادي
    وقد تسللت هاتان المفردتان الدالتان على (الحب) و(الغرام) إلى ساحة الشعور لتعلن ميلاد هذه العواطف في نفوس هؤلاء الفتية.
    3 ـ القدرة على التأليف بين عناصر الجمال:
    ومما يتوسل به الشاعر إلى إظهار جمال المكان تأليفه بين عناصر متعددة للمكان، ووصفه لها وصفاً يتجه إلى الجمال فيها، من ذلك مقطع من قصيدة يذكر فيها أن حماة بلد عيشه طيب، ومجالس سمره حلوة، وعاصيه ساحر، ونواعيره مطربة، وأنواره زاهية، وأزهاره مبصرة، ومعاطيره جارية، وطيوره مستبشرة، يقول:
    ويطيب الزمان في ظلها الهاني
    وتحلو مجالسُ السُّمارِ
    يالَسحرِ العاصي ورَجْعِ سواقيه
    وزهو الضياء والبدرُ سارِ
    والأزاهيرُ كالعيون روانٍ
    والمعاطيرُ كالشموس جوارِ
    وطيورُ الضفاف ترقُصُ بشراً
    من هزارٍ شادٍ وغيرِ هزار
    أسرتني حماةُ أمُّ النواعير
    وما زلتُ مولعاً بإساري(27)

    ما يلاحظه الدارس لهذا النص أن الشاعر لم يؤلف بين عناصر كثيرة من عناصر المكان المادية فحسب، بل إنه أبرزها على نحو بدت فيه مشحونةً بطاقة عالية من (شِحْنات) الجمال، واستعان لذلك بمفردات وثيقةِ الصلة بالجمال منها الأفعال (يطيب، تحلو، ترقص)، والفعلان (يطيب، وتحلو) جاءا بصيغة المضارع، ومعلوم أن هذه الصيغة تدل على التجدد والاستمرار، وقد جعل (الزمان) يجد في ظل المكان ما يجعله طيباً، وإذا طاب المكان، وطاب الزمان فذلك غاية المنى.
    وأما الفعل (ترقص) فهو لا يدل على الحركة فحسب، بل يدل أيضاً على الاتساق، والتوافق مع الإيقاع، فكذلك هي حال الرقص. ويُلاحظ أن الشاعر نقل الإحساس بالجمال إلى طيور المكان (وطيور الضفاف ترقص بشراً)، وفي هذا ما يعزز إحساس المتلقي بالجمال.
    وللأسماء الواردة في النص إسهام في توليد الشِحنة الجمالية تلك، منها ما نجده في كلمة (الهاني) من قوله:
    ويَطيبُ الزمان في ظلها الهاني
    فهذا الاسم في هذا السياق يدل على الثبات بمعنى أن الهناءة دائمة متجذرة، وفوق هذا نجد أن النص حامل للمفردات التي تنتمي إلى خيال الطمأنينة يدخل في ذلك حتى كلمةُ (الأسر) فهو أَسْر مختلف فالشاعر راض به، بل راغب فيه. ولا ريب في أن هذا الخيالَ سيبعث إحساساً بالهدوء والراحة في الجسد والنفس.
    وإذا كان الشاعر قد مال إلى استخدام صيغ الجموع في هذا النص، من مثل (مجالس السمار) و(الأزاهير) و(العيون) و(المعاطير) و(الشموس) و(طيور الضفاف) فإن هذا الاستخدام يكاد يكون ظاهرةً أسلوبية لها أثرها في إثراء النص جمالياً، ومع أنه لا توجد في مجرتنا إلا شمسٌ واحدةٌ، فإن الشاعر جاء بكلمة (الشموس) مجموعةً في صفة (النساء المعاطير) ليعزز في نفس المتلقي الإحساس بالجمال من جهة، ولتتناسبَ مع صيغ الجموع التي شاعت في النص.
    ولأن الشاعر مؤمن بأن جمال المعنى ينبغي أن يشاكله جمال في الألفاظ، أدركنا حرصه على تقديم معانيه بألفاظ متناسقة متآخية متقابلة، ويتجلى ذلك على نحو صارخ في قوله:
    والأزاهيرُ كالعيونِ روانٍ
    والمعاطيرُ كالشموسِ جوارِ

    وأدنى تأمل يدل على ما بين الشطرين من إيقاع متقارب، وبنى متوازنة قُدِّرت تقديراً.
    وما كان جمال الشكل على حساب جمال المعنى، بل إنّ المعاني الموحية ليست بخافية، كما هي الحال في كلمة "روان" من قوله:
    والأزاهيرُ كالعيونِ روانٍ
    فيقظة الأزاهير. وإبصارها:، كل ذلك يُحيل إلى جمال متجذر، ويذكّر بقول أهل الفلسفة: "كلُّ ما يضيء يَرَى" وقولهم: "اللؤلؤة الكبيرة ترى"، ويذكر بيقظة المصباح(2. وللأزاهير صلة باللون الأبيض، فقد جاءت من الزُّهرة، هي نَوْرُ كلِّ نبات، وخصَّ بعضهم به الأبيض(29).
    4 ـ جمال المكان المفتوح:
    ومما يتوسل به الشاعر إلى إظهار جمال المكان تقديمه المكان الذي يحبه وكأنه يتجه إلى جميع الأماكن دون صعوبة، ويتحرك نحو أزمنة أخرى وعلى مختلف مستويات الحلم والذاكرة، كالمكان الذي وصفه بقوله:
    يا نازلين بقلبي روضةً أنفاً
    بالسحر والشعر ضمختم حواشيها(30)

    وجمال المكان يصلح لكي يتزودَ منه الشاعر في ترحاله، يقول:
    حملتُ من جنة العاصي ومن بردى
    شوقَ المحبِّ فهل وفّى بما وعدا(31)

    5 ـ تكثيف الزمان:
    وثمة مواضعُ من شعر الشاعر توحي بأنّ المكان يحوي الزمان مكثفاً، وهذه هي وظيفة المكان(32)، وقد تبدى هذا التكثيف في وصفه للناعورة، يقول:
    بنتَ الزمانِ وأنتِ آية صُنْعِهِ
    مَنْ ذا الذي أغراكِ بالدوران(33)

    ويتبدى هذا التكثيف في وصفه لليالي العاصي، يقول:
    وليالي العاصي حِسانٌ قِصارٌ
    كُلُّ لذاتِهِ بلا أَعْمَارِ(34)

    6 ـ جمالية الحركة:
    إذا كان المكان الحيُّ ليس ساكناً في حقيقته، إنه يدمج الحركةَ من خلال الوسائل التي يسير الإنسان بها نحو المكان، فإننا نلمح آثار هذه الوسيلة في نتاج الشاعر، من ذلك قوله:
    أطيارُ عاصيها تُصَفِّقُ للضُّحى
    ومياهُ عاصيها تَهُزُّ الأَنْجُما(35)

    وقوله:
    وفوقَ القلعةِ العصماءِ طارتْ
    عذارى لا تكدرُها الشكوك(36)

    ولا ريبَ في أن الأفعال (تصفِّق) و(تهزُّ) و(طارتْ) تجعل المكانَ يمورُ بالحركة،
    والفعل (طارت) المسند إلى (العذارى) يتناسب مع سُموِّ القلعة، وهذه الحركة لا تزيل عن المكان صفتي الأَمْنِ والحماية، بقرينة وجود كلمة "العصماء" التي توحي بالأمن والحماية.
    7 ـ الإفادة من الموروث جمالياً:
    ومما توسل به الشاعر إلى إظهار جمال المكان الإفادة من الموروث، هاهو يفيد من وصف النعيم المقيم من اليوم الآخر في وصف الناعورة فيستعير مفرداتٍ موحيةً، يقول على لسان الناعورة:
    وأنا التي تسقي الربوعَ دموعُها
    فأعيدُها مسحورةَ الألوان
    حَفِلتْ بأنواع الثمار جنانُكم
    من كلِّ فاكهةٍ بها زوجان(37)

    ومن هذا قوله:
    الحُور والولدانُ حولكِ رُتَّعٌ
    والطيرُ فوقَك دائمُ الطيران(3

    ففي قوله: "الحور والولدان" و"منِ،ْ كل فاكهة زوجانِ" ظلال من وصف جناتِ النعيم أضفاها الشاعر على مشهده في موضوع وصفه.
    8 ـ وسائل أخرى:
    إنّ المتتبع لنتاج الشاعر يجد أنه يسلك سبلاً كثيرة لإضفاء الجمال على المكان، من ذلك إضفاؤه جمال السمو، كقوله:
    يا بلادي وأنتِ شمخةُ عزٍّ
    سَكِرَتْ من رحيقها الألوانُ(39)

    وجمالَ المجد والشرف، كقوله:
    لنا.. لحماةَ للشعرِ المُدمّى
    سماءُ المجدِ والشرفُ الأبيدُ(40)

    وجمالَ المقدس، كقوله:
    جناتُ وادينا مُنىً لشجٍ
    ومياه عاصينا طِلًى لصد
    والحسنُ ألوانٌ وأعجبُهُ
    ما كان صنعَ الواحد الصمدِ(41)

    وجمال اللحن، كقوله:
    وحنيني إليكِ ترنيمة القلب
    وشعري تسبيحةٌ أو أذانُ(42)

    وجمالَ الحضارات والمروءات، كقوله في بلاده:
    الحضارات وهجُها وهُداها
    والمروءاتُ ظلُّها الفَيْنانُ(43)

    وجمالَ المرأة، كقوله:
    في باب نهرِك كم نَهَدْتُ لكي أرى
    زمر الحسان أقارباً وأباعادا
    وعلى الشريعةِ حيثُ تزدحم الخطى
    كم أبصرتْ عيناي ظبياً شاردا(44)

    وبعد، كانت تلك إشارات عجلى أردتُ التدليلَ على غنى الوسائل التي أفاد منها الشاعر على صعيد المضمون لإظهار جمال المكان وجعله أليفاً، حانياً، حياً، آمناً، هادئاً.. وبهذا وبغيره يعيد الشاعر.. اعتباراً جديداً إلى القصيدة العمودية المتمَكنة الواثقة في وقت واحد(45).
    ب ـ على صعد الشكل:
    وللشاعر وسائله على صعيد الشكل لإبراز جمال المكان، يأتي هذا من الإطلاع الواسع الواعي على الموروث اللغوي والبلاغي، وتحسس دقائق العربية، وتخير الصيغ الموحية التي تناسب المقام، ولعل مما يسهم في الكشف عن ذلك، الوقوف على وسائله التالية:
    1 ـ استخدامه للجموع.
    2 ـ استخدامه للاسم والفعل.
    3 ـ الإفادة من القيمة الصوتية.
    4 ـ إكساب المفردة قيمة تعبيرية منزاحة.
    5 ـ الإفادة من علم البديع.
    1 ـ استخدامه للمجموع:
    سبقت الإشارة إلى أن الشاعر يكثر من استخدام الجموع في مشاهد الجمال، وأن ذلك يشكل ظاهرة أسلوبية، وحسبنا في هذا المقام أن نقف على بيت له يصف مدينته، ومعالمها، يقول فيه:
    رَفارِفُ عبقرياتٌ حِسانٌ
    مؤنقةٌ كما شاءَ المليكُ(46)

    فقد تكون الشطر الأول من ثلاث صفات جاء بها الشاعر مجموعة، هي: رفارف: جمع رفيف، وهو الشجر الناعم المسترسل، أو النبات الذي يهتز خضرةً وتلألؤاً.
    وحسان: جمع حسن، أو حسناء.
    وعبقريات: جمع عبقرية، وهي تنسب إلى كلّ شيء تعجبوا من حذقه، أو جودة صنعه(47) ، ما أودّ قوله هو أن هذه الصفات وثيقة الصلة بالجمال، ومَجِيْئها مجموعة يوحي بأن الجمال أكبر.
    2 ـ استخدامه للاسم والفعل:
    إنّ غنى الحصيلة اللغوية لدى شاعرنا تجعله يصطفي من محفوظاته ما يلبي حاجته التعبيرية، وتوافق مع المقام، هاهو يتخير اسماً ليصف مكاناً أثيراً، فيقول:
    ولي في بابِ نهركِ مُسْترادٌ(4
    فالاسم (مستراد) تم اختياره بعناية واضحة ليدل على المكان الذي يطلب لنفاسته(49) ، وليدلَّ على أن هذه الصفة ثابتة فيه متجذرة، فكذلك هي الحال عند التعبير بالاسم.
    كذلك فإنّ غنى حصيلته اللغوية تجعله يتخير الفعل الموحي المعبر، كما في قوله:
    وفي واديك تصطفق الأماني(50)
    فقد جاء الفعل (تصطفق) ليدل على أن الأمانيَّ صارخة حيّة كثيرة موارة بالحركة، كل هذا دلّ عليه الفعل ببنيته المزيدة، وإيقاع أصواته الصاخب، ولا سيما الصاد والطاء فهما صوتان مستعليان مفخمان، وجاء الفعل بصيغة المضارع ليدلَّ على تجدد الحدث.
    3 ـ استخدامه الصيغ الصرفية المناسبة:
    إذا كانت اللغة العربية من اللغات الغنية بصيغها الصرفية، فإنّ هذا الغنى يؤثر إيجابياً في غنى الدلالات وتنوعها، ولا ريب في أن الأديب الذي يدرك هذا الغنى، ويسعى إلى امتلاكه، والإفادة منه هو أقدر على التعبير ممن أعرض عنه، ومَنْ يطلع على نتاج شاعرنا يجد أنّ له القدح المعلى في هذا المضمار، هاهو يريد أن يعلن انتماءه للمدينة، وأنه من مريديها يهوى ما تهوى، ويرغب عما ترغب عنه، فنهجها في الحسن أخذاً وتركاً هو نهجه، فيقول:
    وإني وَفق مَذْهَبِها أخيذٌ
    وإني وَفْقَ مذهبها تَرُوكُ(51)

    فهذا البيت يدلّ على أن الشاعر يدري ما القيمةُ التعبيرية في (أخيذ) و(تروك)، فعلم الصرف يذكر أن هاتين الصيغتين تدلان على الكثرة والمبالغة في الحدث، وذلك بتحويل صيغة الفاعل، فـ (أخيذ) من (آخِذ) و(تروك)، (تارِك)، وعلى هذا فإن الشاعر اختار الصيغة الصرفية التي تحمل (شحنة) تلبي حاجته التعبيرية في الكشف عن عميق انتمائه إلى مذاهب المدينة في الحسن والجمال.
    4 ـ الإفادة من القيمة الصوتية:
    إن القيمة الصوتية لها إسهامها الطيب في نقل الإحساس بالشيء إلى المتلقي، وشاعرنا يفيد من القيمة الصوتية في نقل ما يريد، من ذلك مثلاً أنه يستخدم مفردة غير تقليدية في وصف صوت النواعير، يقول:
    وللنواعير صوتٌ
    مُعرْبِدٌ في الجهاتِ
    مخلّدٌ سرمديٌّ
    إلى مماتِ المماتِ(52)

    فكلمة "معربد" توحي بشدة الصوت، وتمكنه وانتشاره، وصوتُ الناعورة أقرب ما يكون إلى هذه الحال عند اشتداد تدفق النهر، فيثقُلُ حملُها، وتزداد مغالبتُها للماء، وما من شك في أن حروف كلمة "معربد" فيها محاكاة ليست قليلة لصوت الناعورة، ولاسيما أن حروفَ الكلمة كلَّها جاءت مجهورة.
    5 ـ إكساب المفردة قيمة تعبيرية منزاحة:
    قد نجد الشاعر يستخدم المفردة في سياق يكسبها قيمة تعبيرية منزاحة، ويفيد من ذلك في إظهار جمال المكان، ففي قصيدة "وجهُك المستبد" المهداة إلى حماةَ نجد أن الشاعر يستخدم "المستبدَّ" في صفة الوجه، وأكثر ما ترد هذه المفردة في سياقها سلبية انطلاقاً من مدلولها المعجمي، يُقال: استبدَّ بالأمرَ إذا انفرد به دون غيره. غير أن الشاعر يفرّغ هذه المفردة من مدلولها السلبي، ويطلقها في سياق يكسبها انزياحاً واضحاً، فوجه حماةَ مستبدٌّ جمالاً، بدليل أنه يستدعي صوراً جميلة في مخيلة الشاعر، كما في قوله:
    يذكرني وجهُكِ المستبدُّ هزيعاً من الليل
    سمحاً أنيقاً(53)
    ويستدعي صورة القمر الذي يوصف به الوجه الجميل عادة:
    يذكرني وجهُكِ المستبدُّ القَمَرْ(54)
    ويستدعي العزيز من عناصر الزينة:
    ومن أجل عينيكَ يا وجهها المستبدَّ
    سأعبرُ نهرَ المجرهْ
    وأقطف نجماً جميلا(55)
    6 ـ الإفادة من علم البديع:
    ويفيد شاعرنا من إتقانه لعلم البديع في إظهار جمال المكان، فهو مولع بما يسمى بالمزاوجة، أو تجنيس التصريف، كما في قوله:
    وعندَ الجسر كم مَغْنى ومَجْنى
    يُهَدْهِدُني مشجرُةُ الشبيكُ(56)

    فَجَمْعُهُ بين (مَغْنَى ومَجْنى) هو من المزاوجة.
    ومن استخدامه لتجنيس التماثل قوله في وصف الناعورة:
    ولِمَ الأنينُ.. وأنتِ في وادي حَمَا
    محفوفةٌ بالرَّوْح والريحان(57)

    فجمعه بين "الروح والريحان" هو من تجنيس التماثل.
    وإني لأعتقد أن تتبع ما جاء من علم البديع في شعر شاعرنا يحتاج إلى بحث مستقل، لكنّ أقلَّ ما يقال: إنّ الإفادة من الزخرفات اللغوية كالطباق والجناس والتقابل كانت إفادة غنى واقتدار نتج عنها قصائد "متعمقة في معماريتها الفنية الأخاذة"(5.
    جماليات الناعورة:
    ما أعتقد أنّ دارساً لجمال المكان في شعر محمد عدنان قيطاز يمكن أن يتجاهل الحديث عن النواعير لأنها عنده ليست عنصراً يهب المكان جمالاً فحسب، بل إنها عنده أكثر من ذلك بكثير.
    صحيح أن القارئ لشعره يجد قواسم مشتركة بين الناعورة بوصفها واقعاً منظوراً، وبينها بوصفها مقروءاً متخيلاً، لكن الصحيح أيضاً أنّ الشاعر في وصفه لناعورته نجده قد أضفى عليها من ذاته المبدعة ما يجعلها تسكن شغاف قلبه، أو تخالط وميض أحداقه، وتتحد بالعميق من أحلامه، وتعزف على أوتار أفراحه وأحزانه، وتنطق بالمستور من رغائبه، وتشدو وإياه لحناً خالداً.
    نواعير الشاعر تطير في عبير الكلمة، وتحيا في صهوات الأزمنة، وتنتقل في فضاءات الأمكنة، ويعتريها ما يعتري النفس الإنسانية فقد نراها ضاحكة باكية، فرحة حزينة، غريبة مستوحشة، متماسكة مشتتة، معطرة مُسْكِرة، حانية هانية، خاشعة خاضعة، ساهرة مسامرة، نادبة مستبشرة، منشدةً مطربة..
    إنه الشعر يخلق من حلم المنام حلم يقظة، والشاعر حالم بالكلمات، ونحن نحتاج إلى كثير من الأحلام، وحين يعيد الحالم بناء العالم من شيء ويحوله إلى شيء سحريِّ عبر عنايته به، فإننا نقتنع بأنّ كل شيء في حياة الشاعر مادة للخلق(59).
    وأول ما يمكن الحديث عنه هو أن الناعورة تنتمي إلى الدائرة، وهذا الشكل متجذر في الوجود، وفي كلام أهل الفلسفة ما يدل على هذا التجذر؛ يقول كارل ياسبرز: "كل وجود يبدو في ذاته مدوراً"(60) ، وقيل لجوبو سكوي: "إنّ الحياة جميلة، فقال: لا، الحياة مدورة"(61).
    ويبدو أن الشكل الدائري له تأثير معين في الإنسان، ذلك أن "صورة الاستدارة الكاملة تساعدنا على التماس، وتسمح لنا أن نضفي مزاجاًُ مبدئياً على ذواتنا، وأن نؤكد وجودنا بحميمية في الداخل، لأن الوجود حين تعاش تجربته من الداخل ويصبح خالياً من الملامح الخارجية يكون مدوراً"(62).
    والحق أن صورة الناعورة بوصفها دائرة لم تغب عن ذهن الشاعر، فهو يُعنى بدائريتها ودورانها في بضعة مواضع من شعره، من ذلك قوله في قصيدة: "مناجاة" وهي من وحي ناعورة العاصي بنت الدهور، ومطربة العصور على حَدّ تعبير الشاعر:
    لي دورةٌ عندكَ يا دائرهْ
    ما أشبه الشاعرَ بالشاعرهْ(63)

    ويقول في موضع آخر:
    كم ذا تدور وتلغو
    مشبوبةَ الزفراتِ(64)

    وهو حين يبحث عن هدية يقدمها لوجه مدينته المستبد جمالاً، نجده يتحدث عن ناعورة ذاتِ أبعادٍ كونية عجيبة، يقول:
    ومِنْ أجلِ عينيكَ يا وجهَها المستبدَّ
    أنصبُ ناعورةً في فضاء الزمانْ
    أدور.. تدورْ
    ويشدد كلانا نشيدَ العصور(65)
    فهذا يدل على أن الناعورة الدائرة حاضرة في ذهن الشاعر، لكن دائريتها ودورانها ليسا منفصلين عن ذات الشاعر، بل إنه يذكر أنّ دورانه قبل دورانها، وإذا علمنا هذا أدركنا أن الناعورة في نتاج شاعرنا ليست شكلاً خارجياً، بل هي شكل داخلي بثت فيه النفس المبدعة الشاعرة ما يجعله حياً، ولمّا كان الأمر كذلك، فلا بد من أن تكون مولدات الاستدارة في النفس أشدَّ، ولا غرابة عندها أن يكون التماسك على أشدّه وتكون المبدئيةُ بينةً، وتكون الحميمية ظاهرة، وهذه خصال يعرفها في الشاعر أهله وأصحابه وأصدقاؤه.
    وعندما تعيش الناعورة في داخله، وتصبح جزءاً منه، فلا نستغرب حين نَرَاهُ يأمرها فتطيع، هاهو يدعوها كي تستقبل ضيفاً عزيزاً جاء حماة زائراً فيقول:
    وانشري عطرَك في مقدمه
    يا نو اعيرُ وغني واسحري
    واسكبي شدوَكِ لحناً خالداً
    إنه يُسْكِرُ مَنْ لم يَسْكِر(66)

    إنّ ما في نفس الشاعر من استعداد لاستقبال الضيف الزائر، ومن سعي لإكرامه غاية الإكرام، ومن حرص على إظهار الجمال في عطر مسفوح، وصوت طروب، وسحر آخاذ، وشدو خالد، وسكر حلال.. كل ذلك فاضت به نفس الشاعر، فملأ منه خزانات ناعورته التي يدعوها ويدرك أنها تستجيب، كيف لا تستجيب والشاعر في غير موضع يخبرنا عن توحد صوفي بينه وبينها، يقول:
    كأنما قلبُك قلبي.. أنا
    ومقلتي مقلتُك الساهرهْ(67)

    ويقول أيضاً:
    إني قبستُ غنائي
    منها ورَجْعَ شكاتي
    فقلبها هو قلبي
    وماؤها عَبَراتي
    مستوحشان كلانا
    في غربة وشتات(6

    ويبدو أن الأيام كانت تنمي هذا التوحد بدليل أنه لم يستعمل (كأنَّ) في الموضع الثاني، عندما قرر أن قلبها هو قلبه، وأن الغناء واحد، والعبرات واحدة، والمشاعر كذلك.
    والشاعر في حديثه عن الناعورة يُعنى بصوتها، والأصوات تمنح لوناً للفراغ(69) ، كقوله:
    تتملى الأسماعُ نغمتَها البكرَ
    ولا تشتكي ملالاً ووقرا(70)

    وفي مواضع كثرة من شعره يرى في صوتها غناءً خالداً، وشدواً آسراً، ويرى فيه ـ وهذا هو المهم ـ غناءه وشدوه، ومنها قوله:
    شعري صداها سلافٌ
    مسكيةُ النفحات
    تلألأ النورُ فيه
    وسال من مشكاتي
    باقٍ على الدهر زاهٍ
    على شفاه الرواة(71)

    إنها الناعورة الداخلية التي ذاق الشاعر لذة طعمها، وانتشى بضوع عبيرها، وأبصر لألاءَ نورها، وسمع رجع قوافيها..
    صحيح أن الشاعر في أيام شبابه كان يشعر بأن الناعورة تخفي أسراراً كثيرة ما استطاع أن يفكَّ طلاسمها، وفي إشارة إلى ذلك يقول:
    في حنايا ضلوعها ألفُ سرٍّ
    غير أني ما اسطعت أكشف سرا(72)

    لكن الصحيح أيضاً انه في قصائدَ تاليةٍ يذكر أنه يعرف ناعورته حقَّ المعرفة، ومعرفته لا تقتصر على الظاهر منها، بل وعلى ما خفي من تكوينها وأسرارها، وأكثر ما بدا ذلك في قصيدته: "بنت الزمان"، والقصيدة مقطعان حواريان، في الأول منهما، وهو على لسان الشاعر يُطلق أسئلة تشير إلى كونيتها فهي بنت الزمان، وإلى تماسكها فهي آية.. ومنه قوله:
    بنتَ الزمان.. وأنتِ آية صنعه
    من ذا الذي أغراكِ بالدوران؟
    .. ولِمَ الأنينُ.. وأنت في وادي حما
    محفوفةٌ بالروح والريحان؟
    .. فعلامَ تذرين الدموع.. وأنتِ مِنْ
    ريبِ الزمان وصرفه بأمان؟(73)

    وفي المقطع الثاني، وهو على لسان الناعورة، تجيب عما أُثير من أسئلة..
    فأما الدموع فهي ليست دموع حزن، بل إنها دموع خير تخالط الأرض والنبات فيكون الجمال، وتكون النعمى:
    وأنا التي تسقي الربوعَ دموعُها
    فأعيدُها مسحورةَ الألوان
    حَفِلت بأنواع الثمار جنانكم
    من كل فاكهةٍ بها زوجان(74)

    وأما الأنين، فهو ليس كأنين البشر، إنه غناء يولد الهدوء والطمأنينة في روع الأطفال، فقد ألفوا صوتها، واعتادوا أن يناموا على إيقاعه:
    غنيتُ في الليلِ الطويلِ فنام مِنْ
    طَرَبٍ وليدكمو على ألحاني(75)

    وفوق هذا فهي أم رؤوم:
    أنا أمكم أوليكمو من نعمتي
    وأُعلُّ ظامئكم بحلو لباني(76)

    وهي أيضاً عين ساهرة، وحارس يقظ يهب الأمان:
    وسهرتُ أرعاكم، وأحرس ظلكم
    وأردّ عنكم طارقَ الحدثان(77)

    أية ناعورة هذه التي اجتمع إليها ما اجتمع، فكانت أذناً مصغية، ولساناً فصيحاً، وعيناً ساهرة، وحارساً يقظاً، تبعث الحياة، وتهب الألوان سحرها، والثمار ينعها.. إنها في نتاج الشاعر تفرض وجودها وكأنها شخص إنساني، ومعلوم أن إضفاء صفات إنسانية على الناعورة يحدث على الفور حين تكون الناعورة مكاناً يستقطب الألفة ويكثفها ويدافع عنها، ولعل هذا ما دعا الشاعر إلى قوله:
    مَنْ قال إنَّ الصادحات جوامدٌ
    لم تختلج قلباً ولم تنطق فما

    مِن عهد آدمَ لم تزلْ أنغامها
    تشجي خلياً أو تسامر مغرما(7

    وأكثر ما تتبدى الناعورة في نتاج الشاعر أنثى، وفي قصيدة (بنت الزمان) نجد أنوثة صارخة، دليل ذلك أن الشاعر أكثر من مخاطبة الناعورة بالضمائر الدالة على المؤنث في نحو: "أنت آية صنعه" و(أغراكِ) و(حولكِ) و(تذرين الدموع)، ومن المواضع التي أضفى الشاعر على الناعورة أنوثة الجمال قوله:
    "ونسامر الناعورة المكسالا"(79).
    (فالمكسال) صفة لصيقة بالمترفات من النساء، جاء في لسان العرب: "والمكسالُ والكسول التي لا تكاد تبرح مجلسها، وهو مدح لها مثل نؤوم الضحى"(80).
    وثمة صفات للناعورة في نتاج شاعرنا تنماز فيها من البشر، فهي تملك قوى خارقة، وفي إشارة إلى ذلك يقال:
    لستُ أدري أتلكَ جنيةُ الليل
    استحالت خنساءَ تندب صخرا(81)

    وهي مُعَلِّمةٌ من نوع خاص:
    سَلْ "دهشة" الوادي وسلْ أخواتها
    مَنْ علَّم الأطيارَ أن تترنما(82)

    وهي لا تعرف للنوم طعماً:
    لو تستطيع سباتاً
    لأغرقت في السبات(83)

    ولأنها كذلك فإنها تؤدي مهمتين، الأولى أن عملها يستغرق الوقت كله نهاره وليله. والثانية أن الناعورة عنوان على يقظة المكان بل هي حارسة يقظة، وحركتها الدائمة دليل يقظتها، وتكتسب اليقظة أهمية خاصة ليلاً، وهو وقت ترقد فيه الأجسام، وتغفو فيه العيون وتندر فيه حركة الناس، وتزداد فيه الوحشة. وقد أشار الشاعر إلى المقلة الساهرة، وهو يشاركها في ذلك، عندما قال:
    كأنما قلبُك قلبي.. أنا
    ومقلتي مقلتُكِ الساهرهْ(84)

    وعندما قال على لسان الناعورة:
    وسَهِرْتُ أرعاكم وأحرس ظلكم
    وأردُّ عنكم طارقَ الحدثانِ(85)

    هنا يبرز دور جديد للناعورة الأنثى، وهي أن تكون حارسة مدافعة، وعهدنا أن توكل هذه المهمة إلى الذكر.
    هذه الناعورة اليقظة الساهرة، الشادية، النادبة، الواهبة، بنتُ العصور.. قد تبدو على هيئة مَنْ عُمِّرَ ونُكِّسَ في الخلق أحياناً، فهي:
    تبكي وتضحك والعيون شواخصٌ
    ويدُ الزمانِ تقدُّمها الأعظما(86)

    خاتمة:
    كانت تلك دراسة في نتاج الشاعر محمد عدنان قيطاز، وقد عُنيتُ بالحديث عن صعوبة تجلية جمال المكان، وعن تعريف الجمال لغةً واصطلاحاً، وبوسائل الشاعر في إظهار جمال المكان على صعيدي الشكل والمضمون، ووقفت وقفة مطولة عند أبرز عناصر المكان، وهي النواعير وأبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي:
    1 ـ إنّ الشاعر يألف الأمكنة التي يحيا بها، أو التي يزورها، ويرتبط معها بكل وشائج القربى.
    2 ـ لمدينة حماة بوصفها مكاناً حضور طيب في نتاج شاعرنا، فقد تحسس جمالات المكان، وتذوقها، ومن ثمَّ صاغ ذلك إبداعاً أصيلاً مترافاً.
    3 ـ كانت وسائل الشاعر إلى إظهار جمال المكان كثيرةً، غنيةً، متنوعةً، وقد انعكس ذلك إيجابياً على معمارية القصيدة، وفنيتها، ومعانيها، ولغتها.
    4 ـ قدّم الشاعر العناصر المكانية مصاغةً بخياله وأحلام يقظته، وتعاونت في ذلك وظيفتا الواقع، واللاواقع، فكان الحديث عن ثروة الوجود المتخيل.
    5- عُني- الشاعر- بإظهار- الجمال الظاهراتي للمكان، كما عُني بالجمال الكامن المتجذر في عناصر المكان، من مثل الإلفة، والهناءة، والراحة، واليقظة، والمأوى... فكان شعره بحق إثراءً لخصوبة الحياة.
    ***
    مصادر البحث ومراجعه:
    1 ـ القرآن الكريم.
    2 ـ أسفار ابن أيوب، شعر، محمد عدنان قيطاز، منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1998م.
    3 ـ جماليات المكان، غاستون بلاشور، ترجمة غالب هلسا، بيروت 1984م.
    4 ـ في ملكوت الحبّ، شعر، محمد عدنان قيطاز، منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1984م.
    5 ـ لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت (دون تاريخ).
    6 ـ اللهب الأخضر، شعر، محمد عدنان قيطاز ـ حماة 1978م.
    7 ـ المعجم الكبير، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ القاهرة 1980 وما بعدها.
    8 ـ مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق: 2002م.
    9 ـ وجهك المستبد، شعر، محمد عدنان قيطاز، منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1999م.
    **
    الهوامش
    (1) اللهب الأخضر 19.
    (2) اللهب الأخضر 103.
    (3) جماليات المكان 21.
    (4) جماليات المكان 21.
    (5) جماليات المكان 182.
    (6) مقاييس اللغة (1/481) (جمل).
    (7) اللسان (جمل).
    ( المعجم الكبير (4/540) (جمل).
    (9) المعجم الكبير (4/541) (جمل).
    (10) سورة النحل: 6.
    (11) اللسان (جمل).
    (12) انظر: المعجم الكبير 4/540 (جمل).
    (13) جماليات المكان: 14.
    (14) جماليات المكان 98.
    (15) وجهك المستبد 101.
    (16) وجهك المستبد: 100.
    (17) أسفار ابن أيوب: 19.
    (1 أسفار ابن أيوب: 11.
    (19) وجهك المستبد: 6.
    (20) وجهك المستبد: 6.
    (21) أسفار ابن أيوب: 43.
    (22) في ملكوت الحب (55 ـ 56).
    (23) جماليات المكان: 7.
    (24) جماليات المكان الأليف: 7.
    (25) أسفار ابن أيوب (53 ـ 54).
    (26) وجهك المستبد: 6.
    (27) انظر: جماليات المكان: (5.
    (2 اللسان: (زهر).
    (29) وجهك المستبد: 102.
    (30) وجهك المستبد: 102.
    (31) جماليات المكان: 39.
    (32) وجهك المستبد: 59.
    (33) أسفار أيوب: 40.
    (34) اللهب الأخضر: 17.
    (35) وجهك المستبد: 60.
    (36) وجهك المستبد: 60.
    (37) وجهك المستبد: 59.
    (3 أسفار ابن أيوب: 18.
    (39) أسفار ابن أيوب: 82.
    (40) أسفار ابن أيوب: 76.
    (41) أسفار ابن أيوب: 18.
    (42) أسفار ابن أيوب: 18.
    (43) اللهب الأخضر: 65.
    (44) انظر: صفحة الغلاف الأخيرة من ديوان (وجهك المستبد).
    (45) وجهك المستبد: 57.
    (46) اللسان (عبقري).
    (47) وجهك المستبد: 56.
    (4 اللسن (رود).
    (49) وجهك المستبد: 55.
    (50) وجهك المستبد: 57.
    (51) وجهك المستبد: 7.
    (52) وجهك المستبد: 47.
    (53) وجهك المستبد: 47.
    (54) وجهك المستبد: 49.
    (55) وجهك المستبد: 56.
    (56) وجهك المستبد: 59.
    (57) وجهك المستبد (صفحة الغلاف الأخير).
    (5 جماليات المكان 84.
    (59) جماليات المكان: 84.
    (60) جماليات المكان: 207.
    (61) جماليات المكان: 207.
    (62) جماليات المكان: 209.
    (63) جماليات المكان: 209.
    (64) وجهك المستبد: 7.
    (65) وجهك المستبد: 49.
    (66) وجهك المستبد: 98.
    (67) اللهب الأخضر: 129.
    (6 وجهك المستبد: 7.
    (69) جماليات المكان 65.
    (70) اللهب الأخضر: 105.
    (71) وجهك المستبد: 7.
    (72) اللهب الأخضر: 105.
    (73) وجهك المستبد: 59.
    (74) وجهك المستبد: 60.
    (75) وجهك المستبد: 60.
    (76) وجهك المستبد.
    (77) وجهك المستبد: 60.
    (7 اللهب الأخضر (18 ـ 19).
    (79) في ملكوت الحب: 56.
    (80) اللسان (كسل).
    (81) اللهب الأخضر: 105.
    (82) اللهب الأخضر: 18.
    (83) وجهك المستبد: 7.
    (84) اللهب الأخضر: 128.
    (85) وجهك المستبد: 60.
    (86) اللهب الأخضر: 18.

    http://www.awu-dam.org/mokifadaby/409/mokf409-006.htm[/B]
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 08:49 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)


    أدناه مقال عن :
    لذة المكان
    وهو يندرج في ما قلنا به عن الاهتما العربي النقدي ب:
    Quote: جماليات المكان

    لذة المكان
    للكاتب:
    أحمد حيدر
    والذي نشر في موقع الحوار المتمدن
    وهو يندرج ضمن المساهمة التي قدمها باشلار للثقافة العربية عبر ترجمته من قبل غالب هلسا

    أخذ الاهتمام بالمكان - ومضامينه الدلالية - يأخذ منحى مغايرا ، في ظل المعطيات الجديدة التي تمخضت عنها الدراسات النقدية في الفلسفة ، وعلم الاجتماع ، وعلم النفس ، والانتروبولوجيا ، ن بعد أن ظل ردحا من الزمن تابعا ، وعنصرا غائبا ، لا تتعدى وظيفته حدود التأطير ، يخضع للرؤية المنهجية المتبعة في الدراسات التحليلية في الرواية ( كما هو شأن التابعية ) واسترد هيمنته ، وبدا طاغيا في العديد من الأبحاث - المستقلة -ن تناولت المكان من جميع جوانبه ( كاننا إزاء حقيقة أولية في كل فهم يروم النزول إلى أغوار الذات الإنسانية : شخصية ، وفردا ، ووجودا ، وهوية ، وفكرة ...! ) وغدا المكان امتدادا للجسد عند المفكرين الاجتماعيين ، والنفسانيين ، فقد قارن عالم الاجتماع أ. ت. هل ( هذا الحيز بالفقاعة التي يعيش الفرد بداخلها ، ويحملها أينما ذهب ) وصارت المقابلة ( الإنسان المكان ) بديهة ، وركيزة رئيسة لأية دراسة تحاول ملا مسة المكان ( فالمكان الذي يعيش فيه البشر مكان ثقافي ، أي ان الإنسان يحول معطيات الواقع المحسوس وينظمها ، لا من خلال توظيفها المادي لسد حاجاته المعيشية فقط بل من خلال إعطائها دلالة وقيمة ) وكتاب ( جماليات المكان ) لغا ستون باشلار الذي ترجمه المرحوم غالب هلسا ، يؤكد هذه العلاقة العضوية بين المكان والإنسان ، من خلال إبراز جماليات المكان ( الجغرافي ) وجماليات المكان ( النصي ) وأكد الشاعر الفلسطيني عزا لد ين المناصرة هذه الحقيقة بقوله : (الأمكنة جزء من التجربة الحياتية سلبا أو إيجابا ، وهي أيضا جزء من النص ، والشاعر يقرأ أسرار وخفايا الأمكنة ، ويقرأ جغرافيتها ، وتاريخها ، الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، ولابد للمكان ان ينصهر ويذوب في دم النص ويعطيه صفات جديدة حيث يصبح للنص مكان خاص !!)

    الأمكنة لا تتشابه ، تبعا لسيرورة الزمان ، قد تتشابه في المظهر الخارجي ، لكنه من المستحيل ان تتشابه من الداخل ، فالبيوت التي فقدناه إلى الأبد -كما يقول باشلار - تظل حية في داخلنا ، بلدة ( حلبجة ) الوادعة ، هيروشيما الكرد ، التي قصفت بالأسلحة الكيماوية ، والبيولوجية ، من قبل النظام العفلقي المخلوع صدام حسين ستعاني من البرد والخوف طوال حياتها ، ولاشيء يعيد الطمأنينة إلى طيورها ،و أشجارها ، وغيومها ، ...!!

    وتعيد إليها وداعتها ، حتى لوشيدت في وديانها ناطحات سحاب ، وعلقت على مدخل بابها الرئيس حدائق بابل !

    نادرا ماتتكرر الأمكنة - والكرد حالة نادرة - ففي المكان الذي أعلن فيه قيام جمهورية مها باد ( جار جرا ) أعدم في المكان نفسه فالمنزل الأول لا يبرح المخيلة ، ولا الحب الأول ، ولا القبلة الأولى !! شاعر الطفولة سليمان العيسى ، كلما سأله أحد الصحفيين عن مكان ولادته ، ترقرقت الدموع من عينيه ، لاذ بالصمت !! فما زال قميصه معفرا بتراب اللواء السليب ( الاسكندرونة ) !!؟

    يقال ان ( المنفي أكثر تعلقا بالأمكنة ) يحمل المكان معه في حله ، وفي ترحاله ! ولكن كيف يكون حال ( المنفي داخل الأمكنة ) أليست أشد وطأة ! المواطن الذي جرد من جنسيته ، وحرم من ممارسة حقوقه ، وأداء واجباته ، وتبعثرت أحلامه ادراج الرياح ، العاطل عن العمل ، الخائف ، المقموع . كل هؤلاء يتبادلون الكرز ، والقبلات مع الأمكنة ، في المنعطفات الخطرة ، و الحرجة !

    للأمكنة أوجاع هائلة ، تضفي القلاقل على ( الجماليات ) التي حرضنا باشلار على اكتشافها في الوطن ، وفي النص ، كيف يمكن ان نتصور منطقة الجزيرة الخضراء ، الغنية بثرواتها الطبيعية ، والباطنية ، تندرج ضمن المناطق النامية ، أسوة بالبلدان النامية في افريقيا ، وامريكا الجنوبية ، التي تتعرض للجفاف ، والمجاعة !!؟ هل تدفع الجزيرة ضريبة التاريخ أم ضريبة الجغرافية !!؟؟ومن يؤكد ان جميع القاطنين في مدينة ( القامشلي ) يعشقونها بالعنفوان نفسه !؟ مانوع العلاقة التي تربط ( المغمورين ) بالمكان ؟؟ هل هي علاقة انتماء ؟ ام انها علاقة ( براغماتية ) تخضع لعمليات السوق العرض،الطلب الربح ، والخسارة !!؟؟

    الأمكنة لا تتساوى ، سواء في القيمة ام في الدلالة ! ؟

    واذا تعمقنا في البحث نكتشف ان القيم الاجتماعية تكتسب صفات مكانية للدلالة على مكانتها ، فلا يستوي أهل اليمين ، وأهل الشمال كما جاء في القرآن الكريم ، كذلك المعدوم و المدعوم ؟ والذين فوق - والذين تحت !!

    فلو اقيمت المباراة المشؤومة - 123 2004 - بين فريقي الفتوة والجهاد ، في ملعب دير الزور ، وراحت جماهير الجهاد - كاجراء استفزازي لا أكثر - تطوف شوارع المدينة ، وترفع اللافتات المناوئة للمخلوع صدام حسين ، وتهتف بحياة قادة الكرد ، وقبل ان يطلق الحكم صافرة البداية ، تبدأ بشن هجمة عنيفة على جماهير الفتوة

    المسالمة ، وتحيل المدرجات الى حلبة للمصارعة الحرة ، تستخدم فيها العصي ، والحجارة ، والرصاص !!

    ولنفترض ان محافظ دير الزور هو الدكتور سليم كبول ، ترى هل كان سيادته سيأمر قوات حفظ النظام باطلاق الرصاصات الحارقة- المتفجرة - بشكل عشوائي على الجماهير العزل ، اذن هل تتساوى الأمكنة سؤال برسم كل شريف ، وغيور على هذا الوطن !!؟؟؟
    http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=16683
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 09:23 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    وهنا عرض لكتاب متعة الرواية ،وفيه حديث عن جماليات المكان لأحمد زياد محبك:
    متعة الرواية

    عرض/إبراهيم غرايبة
    لماذا نقرأ الرواية؟ ما الحوافز التي تتضمنها الرواية فتجعل القارئ يتابعها؟ بماذا تختلف الرواية في طبيعة تلقيها عن غيرها من الأجناس الأدبية؟ هل المتعة وحدها هي الدافع إلى قراءتها؟ لماذا حققت الرواية هذا الانتشار الكبير في القرن العشرين؟

    يقدم هذا الكتاب دراسة نقدية للرواية العربية، وبخاصة قضية المكان وأهميته في الرواية، ومفهوم الرواية بمعناها العام، ويحلل مجموعة من الروايات العربية لنجيب محفوظ وفاضل السباعي وعبد الكريم ناصيف وآخرين.



    - العنوان: متعة الرواية
    - الكاتب: أحمد زياد محبك
    - عدد الصفحات: 348
    - الناشر: دار المعرفة، بيروت
    - الطبعة: الأولى/2005
    متعة السرد
    تتحقق متعة السرد عشرات المرات يوميا، وذلك من خلال رواية الحكايات واستماعها ومشاهدة التلفاز، ورواية الأخبار، وتتحقق بشكل أكثر عمقا وقوة من خلال قراءة الرواية، وتمنح متعة التخيل، وتعطي المتلقي خبرة، وتعرفه بعالم جديد، وتحفز مخيلته لبناء هذا العالم وتركيبه بحرية وفق هواه، فينطلق من إسار الواقع الراهن، ويحقق ذاته، ويمارس ذلك في الواقع ويشبع رغباته.

    كما يجد المتلقي في الرواية متعة التعرف على الشخصيات، وقد يتماهى مع إحداها ويستفيد من تجاربها، كما يستمتع القارئ بمتابعة الحوادث وترقب المجهول، ومحاولة استكشاف ما سيأتي، ويزداد فهما للواقع ونظامه، ولذلك فإن المرء بعد قراءة الرواية يعود إلى الحياة وهو أكثر راحة وانسجاما مع نفسه، ولعل المتعة الأكبر في هذا كله هي متعة كتابة الرواية وإبداعها ودراستها ونقدها أيضا.

    جماليات المكان
    يعد المكان من أهم عناصر الرواية، فهو الموضع الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك خلاله الشخصيات وهو فضاء يحتوي كل عناصر الرواية الأخرى، وقد يكون أحيانا هو الهدف من العمل الروائي.

    والمكان في الرواية غير المكان في الواقع، إنه مكان خيالي له مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة.

    وتتمثل أهمية المكان في الرواية في كونه عنصرا فاعلا في تطورها وبنائها وفي طبيعة الشخصيات وعلاقاتها، وهو فضاء يتسع لبنية الرواية ويؤثر فيها.

    وقد ميز غالب هلسا بين ثلاثة أنواع من المكان الروائي: المكان المجازي والهندسي والمكان بوصفه تجربة.

    أما الوصف فيرسم الأشياء بوساطة اللغة، وهو يصور الأشياء في المكان ولكنه ليس غاية في حد ذاته وإنما يأتي لخلق الفضاء الروائي، وله وظائف كثيرة مثل التصوير الفني للمكان وتمجيد الشخصية، والإيهام بالحقيقة، وخلق انطباع بها، وهو يقوم على الاستقصاء والانتقاء.

    ومن الممكن النظر بعد ذلك إلى المكان من وجهة نظر فكرية من حيث هو مكان روائي فني يتم تصويره من خلال وجهة نظر وزاوية رؤية، فهو يحمل قيمة ويمثلها أو يرمز إليها.
    الرواية التاريخية
    يرى محبك أن الاتجاه إلى الرواية التاريخية قد طغى على التأليف الروائي سواء بقصد تحويلها إلى عمل تلفزيوني، أو العمل الروائي ذاته، ويرجع سر الإقبال على التاريخ لدى المبدعين أو المتلقين إلى أن التاريخ يوفر للمبدع مادة جاهزة للتأليف يستطيع تشكيلها وفق ما يشاء.

    كما يمتلك التاريخ حوادث مفصلية وشخصيات قوية مؤثرة ويمتلك لدى الجمهور رصيدا معرفيا ووجدانيا وعاطفيا يسهل على المبدع مخاطبته والتأثير فيه، بالإضافة إلى أن التاريخ حسم الصراع بين القوى الفاعلة مما يتفق مع الرواية ويتيح للمبدع حرية العمل فكريا فيثير قضايا مهمة وهو متستر بالتاريخ.

    ومن جانب المتلقي يجد الجمهور متعة في استعراض الماضي بإحساسه بما يحس به في الواقع، وقد يساعد التاريخ المؤلف على استخدام العربية الفصيحة في السرد والحوار، ويمنح المؤلف مادة لا تنضب بتعدد القراءات.

    ولكن ألا يمل الجمهور من التاريخ؟ وهل الكتابة في التاريخ فرار إلى الماضي؟ وأين الرواية العاطفية والخيالية والاجتماعية؟

    وداعا يا أفامية
    يتجه المؤلف هنا اتجاها تطبيقيا, فيقدم في هذا المقال دراسة حول أدب الروائي السوري شكيب الجابري صاحب رواية "نهم" التي صدرت عام 1937، وتعد أول رواية سورية بالمعيار الصحيح للرواية.

    وقد صدرت له عدة روايات يخص المؤلف منها "وداعا يا أفامية" الصادرة عام 1960، وهي رواية يستلهم فيها الكاتب أسطورة بيجماليون، وتصور عالما للمعادن يرعى فتاة بريئة وساذجة يصوغها وفق هواه، ويعشقها ثم تفر منه، وتضيع إلى الأبد لتؤكد سمو الفن فوق الواقع ونقاءه وخلوده، وتصور الرواية حياة الفلاحين في سهل الغاب، وتقدم تسميات علمية دقيقة لعشرات الأشجار في سياق روائي محكم.

    وللرواية بطلان رئيسيان هما سعد الغارق في الملذات، ونجود رمز البراءة والنقاء. ينقذ سعد نجود ويحبها كما تحبه هي إلا أنهما لا يتزوجان، وتبقى نجود رمزا للنقاء والبراءة.

    وكما فارق سعد نجود إلى الأبد فارق الجابري الرواية أيضا، فقد كانت روايته هذه آخر رواية يكتبها. وله "قدر يلهو" و"قوس قزح"، وكأنه قال: وداعا للبراءة والنقاء والصفاء والبداوة، وكأن "وداعا يا أفامية" كانت إشراقة اعتزل بعدها الرواية.

    جماليات المكان في رواية ميرامار
    يمتلك المكان في رواية ميرامار لنجيب محفوظ الصادرة عام 1967 أهمية خاصة، حتى يمكن أن يعد شخصية اعتبارية، والمكان الأول في الرواية هو بنسيون ميرامار الذي يتسع ليشمل الإسكندرية والقاهرة، وفيه تتم معظم أحداث الرواية، وإليه تلجأ الشخصيات وفيه تلتقي. فيلجأ إليه عامر وجدي الشيخ العجوز، وطلبة مرزوق وكيل الوزارة السابق، ونصور باهر الشاب الهارب من القاهرة، وزهوة الهاربة من القرية، وسرحان الذي ترك شقته لعشيقته، وماريانا اليونانية التي تملك البنسيون.

    يحمل البنسيون عبق الماضي والطابع الغربي، ويتميز فيه المدخل حيث يلتقي النزلاء ويسهرون. وأبرز ما يثير الاهتمام هو الزاوية التي يُرى منها المكان، وهي رؤى نفسية في المقام الأول. وتختلف الرؤى باختلاف الشخصيات وتنوعها، فالإسكندرية بالنسبة لسرحان البحيري هي شقة لامرأة يفكر في الزواج بها، ومطعم يفكر فيه ويحيك المؤامرات، أما منصور باهر فهي لديه البنسيون الذي يلتجئ إليه.

    فالمكان محدود وثابت، إلا أن الشخصيات تغنيه وتؤثر فيه، وبالتالي تبدو الرواية متعلقة بجوهر الإنسان والمراحل التي تمر بها البشرية.

    رياح كانون
    تتكون رواية "رياح كانون" للروائي فاضل السباعي من ثلاثة أقسام، والشخصية الرئيسية فيها هي رامي حسام الدين، وهو ناقد وأديب تخلى عن أهله ليعيش خالصا للفكر والأدب، وهو من أسرة متوسطة الحال، ويعمل محاميا ويطمح إلى كتابة رواية يحقق بها ذاته.

    يلتقي رامي بشابة مثقفة (لبنى) من أسرة غنية، أنجزت رواية وتبحث عن ناقد يراجعها، ويتحابان، ثم تسافر وتنشر روايتها، وتحقق شهرة واسعة، وحين ترجع يفاتحها برغبته الزواج في بها، إلا أنها تصارحه بأنها أقامت علاقة مع شاب آخر، فيطردها رغم توسلاتها، ويحس بالخيانة فتثور في نفسه كوامن الإبداع، وتصبح ملهمته وحافزه على الكتابة، ويتخذ من صلته بها موضوع رواية.

    يقدم محبك قراءة جديدة لـ"رياح كانون" دارسا فصولها من الاستهلال والافتتاح والخصائص التعبيرية والسمات الفنية والاختتام، كما يعرض لآراء النقاد حول الشخصية الرئيسية، وأحداث الرواية ومدلولاتها، ويرى أن الرواية قدمت نموذجا لمثقف مدان، بسبب انخلاعه عن طبقته وتنكره لأسرته، وانغماسه في الملذات من أجل الكتابة واتخاذه الناس مواضيع لقصصه، وتعامله مع المرأة باعتبارها محرضا على الكتابة، مما يعني سوء فهم لدور الأدب في الدفاع عن الحياة والناس.

    ينداح الطوفان
    تؤكد رواية "ينداح الطوفان" للروائي السوري نبيل سليمان وضوح الهم الواقعي ولاسيما الاجتماعي والسياسي، وتضم نحوا من 20 شخصية من الإقطاعيين والفلاحين يدخلون في صراع مرير، ويبرز عنصر الإدهاش بشدة.

    كما تقدم الرواية سلسلة من المفاجآت لا تقوم على تحليل الدوافع وتوضيح الأسباب، بل تعرض الحوادث بسرعة، وهي حوادث مفاجئة ومدهشة، وتقود الصراع إلى نضوج في الوعي ووضوح الرؤية. والرواية بمفاجآتها المدهشة تحمل أبعادا فكرية وتلتحم مع بنية العمل الروائي وتلح على فكرة التغيير.

    أطياف العرش:
    "أطياف العرش" رواية أخرى لنبيل سليمان وهي من أكثر رواياته جرأة وحفاوة بالتقنية الفنية، وهي معنية بالفكر والحوار، وتدور أحداثها في قرية من صنع الخيال في سورية، وبطلها "الطويبي" رجل يستغل الدين ويشوهه بحثا عن السلطة ليصل إلى شكل من أشكال الحكم الفردي المتسلط قبيل الاستقلال، وتشاركه في ذلك زوجته وأعوانه، وبعد الاستقلال ترسل له الحكومة المحلية حملة فتقتل زوجته ويحكم عليه بالإعدام.

    تقدم الرواية نقدا تحليليا معمقا لهذا النوع من الحكم، وهي أمثولة من التاريخ صورت نموذجا للوعي الفردي الجامد المتحجر من خلال لغة فنية وقدرة متميزة.

    الأشجار واغتيال مرزوق
    "الأشجار واغتيال مرزوق" هي الرواية الأولى للروائي العربي عبد الرحمن منيف، وقد صدرت عام 1973 وتروي قصة رجلين شقيا في حياتهما على كافة المستويات، أحدهما أستاذ جامعي، والآخر أمي مارس أعمالا كثيرة، ولم يبق لهما إلا الحلم واسترجاع الماضي.

    يلتقيان في قطار مسافر إلى الخارج، يعمل إلياس مهربا، ويعمل منصور مترجما في بعثة أجنبية تنقب عن الآثار، كلاهما يعيش بائسا بالحب وكلاهما سلبي متخاذل يبحث عن التغيير. ولكن المكان والزمان ثابتان، لقد كانا متحركين والعالم من حولهما ثابت، وقد ضاعا في الزمن الذي يعيش فيه الإنسان بائسا محروما من الرغيف والمرأة، ويضطر إلى الخيال، ثم يصبح لا ينظر إلى الخلف، وما أحوج الإنسان إلى الحلم المستقبلي.

    الشاطئ الآخر
    "الشاطئ الآخر" للروائي محمد جبريل تقدم خبرة شاب طرده أخوه بعد وفاة أبيهما، فلجأ إلى الأجنبي ليتفتح وعيه على الشاطئ الآخر، ويعرف الحب ويمتلك المعرفة, وكل ذلك يرتبط بخيوط قد تبدو الرواية فيها تعبيرا عن حياة أمة.

    إنها تعبير عن الحب العربي العذري والحب في الحضارة الأوروبية، وفيها وصف دقيق للشخصيات والمكان, فقيمة المكان في الرواية تكمن في ملء الشخصيات له بالحياة، وقد كان البطل هو العنصر الأساسي المكون لها.

    البنية الاجتماعية والثقافية في أفراح ليلة القدر
    تقدم رواية "أفراح ليلة القدر" لمؤلفها عبد الكريم ناصيف مثالا مبدعا لاستدعاء التراث الشعبي، من أشعار وأساطير وأمثال وصيغ وتعابير تم توظيفها داخل بنية روائية معاصرة تعالج قضايا المجتمع ضمن رؤية فنية واعية للتغيرات التي طرأت على سورية من عام 1977 حتى عام 1993.

    وذلك عندما صدر قرار تحويل الأراضي الزراعية حول دمشق إلى عقارات سكنية ومنشآت سياحية سيجني منها تجار جشعون مئات الملايين، وتتحول إلى بؤر للفساد، مما أدى إلى اتساع الهوة بين قلة غنية وكثرة فقيرة، وإلى انهيار الطبقة الوسطى وما رافقه من انحدار القيم والمفاهيم وانتشار الرشوة والفساد.

    وتتمثل هذه الرؤية في عمل روائي ضخم يقع في 334 صفحة من القطع الكبير ويضم أكثر من 25 شخصية تبدو نهاياتها نابعة من طبيعة حياتها، ومن جنس الأفعال التي مارستها، كما تشير إلى التاريخ إشارات ذكية، وتهتم بالزمان أكثر من المكان لطبيعتها الاجتماعية.

    جماليات المكان في "نزيف الحجر":
    تصور رواية "نزيف الحجر" للروائي الليبي إبراهيم الكوني الصراع مع طغيان الجشع، وتمثل جزءا من عالم روائي متميز هو عالم الصحراء العربية في قلب أفريقيا، عالم يتميز بنزوعه الأسطوري نحو البراءة والجمال والنقاء, وهو حافل بالأساطير والعادات والتقاليد الصحراوية في تحديها لطغيان البشر.

    والكوني من مواليد عام 1948في غدامس بغرب ليبيا حاصل على الماجستير في الأدب والنقد من روسيا، ومن أبرز أعماله رواية "المجوس" وخماسية "الخسوف" و"التبر".

    بطل الرواية "أسوف" يموت مقتولا على يد قابيل الجشع، ثم يتمكن المستعمرون من القضاء عليه بوساطة الطائرات، والرواية شائقة ذات لغة شعرية، بناؤها حداثي يقوم على قدر كبير من الحلم والاسترجاع والاستباق والمنولوج والتقديم والتأخير والتلاعب بالزمن.
    http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3F651474-BCC7-4340-8....-B220A2925F8D.htm[/
    B]

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 16-07-2006, 09:25 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 09:47 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    هنا صورة لباشلار مؤلف:
    جماليات المكان



    هنا مقال عن فلسفة المكان الروائي نقلا عن نزوى:
    في فلسفة المكان الروائي
    - الرواية المغاربية نموذجا -
    ربيعة جلطي (شاعرة واكاديمية من الجزائر)


    1-1
    سادت في العقود الأدبية الواقعية المبسطة ولمدة طويلة، مفاهيم اختزالية عن علاقة الأدب بالواقع، وكذا علاقة انتاج الأدب بميكانيزمات انتاج التاريخ، بهذا النظور المبسط والمبسط اعتبر الأدب نتاج واقعه، ذلك الواقع الذي لا يتعدى الظاهرة العيانية، هذه النظرة التي تحيل مباشرة على نظرية الانعكاس بفهم وتأويل ميكانيكيين.
    لقد تعممت هذه الاطروحات الأحادية الجانب، في النقد العربي، انطلاقا من ان الماركسية لم تدخل الفكر العربي كفلسفة معقدة قائمة على قراءة للهيغلية، قراءة النقد والتمثل، بل انها دخلت العالم العربي "كسياسة أو على الأصح كـ "ايديولوجيا" أمام ذلك لم تتعدد الماركسية حقل التأويلات السياسية، الوطنية والقومية والطبقية حين اعتمدت كوسيلة اجرائية لقراءة الأدب.
    1-2
    اننا نعتقد ان حالة الفكر والتفكير وكذا الطرق والقنوات التي نظمت العملية، كانت خاضعة لعوامل خارجة عن الأدبية Litteralite التفكير الجمالي في خصوصيته وابعاده ظل مقصى منها، أو على الأصح غير مدوك ولا مفهوم.
    وحين نعود اليوم لقراءة سيل الكابات النقدية الأدبية عن الرواية، نلمس الفكر الماركسي الذي شكل خلفية رئيسية في المجال الثقافي بصفة عامة والمجال الأدبي ابداعا ونقدا بصف خاصة، اذ سيساهم في توضيح بعض ملامح الحركة النقدية، كهيمنة الاتجاه الواقعي في مجال نقد الرواية، والطابع السياسي الواضح الذي اكتسبته بعض المواقف النقدية من بعض الروائيين، حيث كانت الاولوية دائما للسياسي على الثقافي، حتى ان الحدود بين الخطابين السياسي والنقدى لم تعد واضحة أحيانا كثيرة، مما يدعو الى الاستخلاص بان الشروط السياسية، كانت عاملا أساسيا في توجيه النقد الروائي". (1)
    إن التدخل اللاعضوي للسياسي والايديولوجي بمفهومهما المبسط والاختزالي دفعا بالنقد الادبي الروائي الى الوقوع فيما يسمى "التأويل" والبحث عن "الأفكار" و "المضامين" أكثر منا الالتزام "القراء" في أبعادها التفكيكية المتعددة والمفتوحة.
    1-3
    وحين كان هذا هو شأن النقد الأدبي الروائي سجين الانتصارية والتأويلية لمفهوم "النص" وأيضا لمفهوم "القراء" فقد نتج عندنا متن ساذج واستهلاكي يمثل حاشية تفسيرية لخطب الأحزاب وشروحات لبرامجها السياسية.
    موازاة مع هذا المتن النقدي الاستهلاكي، تناسلت النصوص الروائية والشعرية والقصصية والمسرحية منطقة من هذا الهاجس فتجلت هي الأخرى - أي النصوص 2الابداعية - في موقع "الملحقية" للسياسي والايديولوجي، إذ انصاعت واندمجت في رؤيته الاختزالية، فكان أن وجد عندنا أدب كثير رديء بل ومتنوع الرداة.
    1-4
    ان كثيرا من الروائيين في المغرب العربي الذين كشفوا عن مواهب كبيرة وعميقة وصادقة، احتفظوا للكتابة بمسافة للنظر ومساحة للتأمل وهامش لتحرك الذات في "مفردها" و "فردانيتها" بهذا تمكنوا من مباغتة التاريخ، وكتابة "السياسة" في تجلياتها العميقة والفاعلة والمؤثرة.
    ان ضغط "السياسي" و "الواقعي" في حرفيتهما مارسا تجفيف العفوية لصالح وعي وظيفي يرهن "الابداعي للمقصدية ويجعل الكتابة تابعة لفضاء لا يملك أية علاقة "الجمالي" في ماهيته المعلقة.
    لقد كان الروائي واقعا عشى حد تعبير ج.ج جرانجي "واقعا بين اغراء استطيقي بوجهه نحو الرواية واغراء شكلاني يقربه من العلوم الاجتماعية".(2)
    كلما كان الروائي يقترب بطريقة ساذجة خالية من النقد السياسي، وجد نفسه ينسخ "الواقع" وهو في هذا "النسخ" يعيد كتابة عناصر خطاب السلطة او الحزب الذي ينخرط في رؤيته وبرنامجه.
    1-5
    ان "الاستهلاكية" في الأدب الروائي تتموضع فيما اصطلح عليه تقليديا بتسمية "اليسار" أو "اليمين"، بطموح جعل النص "بوقا" لمفردات خطاب بغض النظر عن ايماننا أو عدم ايماننا به و"الالحاقية"، السياسية الوظيفية الضاغطة على النص يمينا أو يسارا تخرج النص من أدبيته وأبعاده الجمالية المرتبطة عضويا وفلسفيا بالخلود لتدفع اللانحياز وتبني مهمة الخدمة Le service المرتبطة بأطروحة عابرة
    1-6
    ان الايديولوجية العابرة هي خطاب مؤسس على رؤية سلطة عابرة ولأجلها، تحمل قيما عابرة، وترهن تاريخها للدفاع عنها، وحين تهيمن هذه الايديولوجيا، على رؤية الكتابة وجنونها لدى روائي ما، فان هذا الاخير لا ينتج سوى أدب عابر، أو أدب للعبور، أو نصوص مفككة نافعة لتركيب خارجي لا تستطيع الثبات أمام "مغامرة" الكتابة الابداعية الطامحة إلى اكتشاف الذاتي والواقعي واعادة اختزانها انطلاقا من "داخلية" (Inicriorite) المعقدة.
    1-7
    خلال نصف القرن الاخير من تاريخ الحركة النقدية العربية عامة والمغاربية خاصة، تم الترويج وبشكل مفضوح، لمجموعة من النصوص الروائية التي انخرطت في جبهة الدفاع عن رؤية حزب معين او سلطة معينة. دون النظر على مدى قوتها الجمالية أو الفنية: (حالة الطاهر وطار في الجزائر وعبدالكريم غلاب في المغرب والعروسي المطوي في وتونس).
    اذا كانت سلطة الدعاية والترويج، المؤسسة على فكرة الدفاع عن موقع سلطوي معين، قد سهلت عملية حضور لنصوص رديئة في "الانتاج"، فانها ايضا اسست لتقاليد "القراءة الرديئة، قراءة لا تتصيد في النص الروائي سوى جانبه التأويلي الايديولوجي، اي الاختزالية والتبسيطية.
    ان هذه الظاهرة ينجز عنها شيوع فلسفة ذوقية معينة، تمارس تعطيل ابداعية الحواس الجسدية والعقلية والشعورية التي عبرها تتم عملية استقبال النص من: استقبال - قبولي او استقبال رفضي او استقبال - تحفظي او استقبال - نقدي ابداعي.
    2-1
    ولأن الارض أولى تجليات "الواقع" فان الكتابة الروائية عن "الريف" لم تخرج عن اطار هذا الطرح الذي حاولنا ان نفسر ميكانزماته اعلاه.
    ان الأرض "اذا لم تتم مقاربتها ابداعيا رواية استنادا الى فهم لفلسفة المكان، بكل ما يشعه من واقعي وسريالي وسيكولوجي ونفساني ورموزي، فان الطرح لن يكون سوى رهين "الحرفية" و"النقيلية" و "الواقعية – الوقائعية" وقد نبه جاستون باشلار الى هذه المسالة في كتابه "جماليات المكان" الذي اصبح من كلاسيكيات البحث في فلسفة المكان بمقارباته الابداعية الشاملة، يقول ج. باشلار:
    "المكان الممسوك بواسطة الخيال، لن يظل مكانا محايدا، خاضعا لقياسات وتقييم مساح الاراضي، لقد عيش فيه (3)
    ويؤكد باشلار على مسألة مركزية، وهي ان المكان لا يصوغه المؤلف، بل ان المكان بدوره ايضا يمارس صياغة الكاتب، كما يسوغ شخوصه الروائية مهما حاولت ان تكون ملتصقة بمرجعها في الواقع الفزيولوجي والموضوعي:
    "بقدر ما يسوغ المكان الشخصيات والاحداث الرواية، يكون هو ايضا من صياغتها، إن البشر الفاعلين صانعي الاحداث هم الذين اقاموه وحددوا سماته وهم قادرون على تغييرها.." (4)
    2-2
    اذا كانت الرواية جنسا ادبيا مكانيا (5) فان المكان في الرواية يتخذ على حد تعبير ميشال بيتور "ما يشبه مخيلتنا" (6) انطلاقا من ذلك فالمكان حين يكون هندسة يكون خارج "النص" وحين يكون اساسيا عضويا في الرواية يكون مرجعيا.
    لكل رواية مكان / ارض تقوم فيه الاحداث وله، وفي هذا الحيز تكبر الشخصيات، اذ تنمو وتتطور داخل المكان، وينمو المكان ويتطور داخلها ويتلون، في شكل مشاعر ومواقف ورؤى بصرية ورؤى حلمية، اذ يستحيل ان تتغير شخصية روائية دون ان يتغير المكان لأن الذاتي او الموضوعي الذي يشكل الاساس في البنية الداخلية والخارجية للرواية يرتبط بشكل من الاشكال وبصيغ وقنوات معقدة مع المكان في أبعاده ودلالاته المتعددة.
    2-3
    بقدر ما تتعقد "تكنولوجيا" الكتابة الروائية، على المستوى "الابستمي" و"الرمنى" تتعقد معها جدليا العلاقة: مكان - شخصية، اذ يتحول المكان في ظل تعقد الكتابة وحداثتها الى شخصية روائية تحيل على "الأمومة" أو "الانثوية" وبقدر ما كانت وسائل الكتابة مبسطة ومسطحة يأخذ "المكان" بعدا "جغرافيا" واضحا، واذا الصراع حوله أو من فوقه يتخذ هو الأخر انحيازا اجتماعيا أو سياسيا واضحا، ومفروزا، لأن الخطاب الروائي يكون منخرطا في بنيات "الوصف" مبتعدا عن البنيات "السيكو – حضارية".
    2-4
    كلما تقلصت أدبية المكان في الخطاب الروائي لمسنا في المقابل إمكانية اندماج القارئ في النص، وبالتالي تفقد الرواية مسألة أساسية في استراتيجية الكتابة ونعني بها قضية التوريط: توريط المستقبل كجزء مركزي، في فلسفة الكتابة وطموحها.
    كلما ضعفت أدبية كتابة "المكان" وتنازل عن بعده الايهامي والرمزي والسحري والشعري لصالح البعد الجغرافي الهندسي، نقصت لذة الاستقبال وفقد النص شهيته وفقدت الشخصيات غناها الذي سحب جزء منه من المكان.
    2-5
    يفرض المكان في بعده الريفي وتعريفيته الفلاحية ظلا كبيرا على الرواية المغربية (المكتوبة بالعربية او بالفرنسية)، إذ انه المجال الذي تخرج منه الشخصيات الروائية أو تزحف اليه بعد عجز او إخفاق مع المدينة، وإنه الحيز الذي يكشف عن نظام من الأخلاقيات الأبيسية، و"الأميسية" المتجاورة والمتحاورة دون عنف.
    لكن كيف يمكن أن نقرأ هذا الحضور للعالم الريفي بأخلاقياته وانكساراته وطموحاته في الخطاب الروائي المغاربي، وكيف يمكر تفسير حضور "الأرض" بدلالاتها الفلاحية والرمزية (الخصب - الأمومة - الحرية - الشرف – الكينونة) كفضاء ضاغط في هذه الرواية؟
    في تصورنا تعود هذه الظاهرة الى ثلاثة أسباب:
    أ - ارتباط الروائيين بالريف منبعا، وولادة، وأصولا، وطفولة، اننا نعتقد أن الطفولة هي المنبع المركزي الذي لا ينضب لتشظيات الكتابة.
    ان هذه الشخصية التي كثيرا ما تبدو على حد تعبير باشلار، تنتمي الى "العالم اللامتناهي في الصغر" (7) هي التي تقوم عليها العوالم الروائية ويتأسس عليها الحلم ولها، وهي ايضا تمارس عملية المشاهدة البصرية وبمختصر الكلام انها هي التي تحدد ضفاف العالم الذي ما هو إلا العالم الريفي (شخصية الطفل فورولو في رواية "أبن الفقير" لمولود فرعون، شخصية الطفل عمر في "الحريق" لمحمد ديب شخصية الطفل مراد في: طيور في الظهيرة" لبقطاش مرزاق، شخصية محمد في "الخبز الحافي" لمحمد شكري، وشخصية الطفل في "التوت المر" لمحمد العروسي المطوي.. وغيرها).(
    إنها الطفولة التي تحيل في أغلب الأحيان على السيرة الذاتية للكاتب، اذ نلمس وبسهولة بعض ملامح الروائي في صورة الطفل التي تعكس الطفولة الشقية في الريف، وما عاناه الأطفال من إجحاف في حقهم السليم في الوجود، بما مورس ضد طفولتهم من تشويه من خلال ادماجهم في آليات العمل الريفي الفلاحي: جني المحاصيل الزراعية - الرعي وتربية المواشي- جلب الماء...الخ.
    إن هذا العالم "اللامتناهي في الصغر" والمتصل بشكل من الأشكال بالسيرة الذاتية للروائي، يظل يطفو على الكتابة وتظل الكتابة تحيل عليه كل مرة.
    ب - ارتباط الرواية المغاربية بشكل خاص والعربية بشكل عام بالسيرة الذاتية، جعل البنية السردية للنص المغربي بنية ارتوبيوجرافية - سيرورية، وهي البنية التي تسمح من حيث إنها "اعترافية" بتسرب سيولي لـ «الانا» بكل تمزقاتها: السيكولوجية والاجتماعية والحضارية (الاغتراب اللغوي في حالة الرواية المكتوبة بالفرنسية مالك حداد نموذجاه" وان تمارس "الانا" الاعتراف فان الأرض، كمجال يقام فيه الفعل، تتجلى بكل قوتها، لان لا ذات بدون "أرض" ولا "أرض" بدون ذات تمثل تعريفيتها.(9)
    د - إن الظهور العنيف للأرض في مواجهة خفوت صورة المدينة، ناتج كما عبر عن ذلك الباحث المتخصص في الأدب المغربي الاستاذ شارل بون يقول:
    "إن الايديولوجيا تعود لتكتشف عنف الأرض ضد المدينة، حينما تجعل من المدينة رمزا للنظام الكولونيالي- ان الايديولوجيا "العالم – ثالثية" (TIERS- MONDISTE) الجزائرية على رأي قانون: فلاحية بالاساس... وهو ما يعكس بعمق وقوة الأنظمة المتخفية للمتخيل الجمعي.( 10)
    2-6
    إن الكتابة من "الأرض" بمفهومها الفلاحي- الزراعي ونضالات الفلاحين والمزارعين ضد الاستعمار التقليدي الفرنسي والإسباني (الريف المغربي)، أو ضد الاقطاع المحلي والمالكين العقاريين الكبار، كانت استجابة لنظام الخطاب، ولمفردات الشعارات التي رفعتها الأحزاب الوطنية التي قادت ثورات التحرير أو تلك التي استلمت السلطات في العهد الاستقلالي، سواء كان ذلك عن طريقة دستورية ملكية (حزب الاستقلال في المغرب) أو دستورية جمهورية (الحزب الدستوري في تونس) أو انقلاب عسكري كما هو في الجزائر (1965- وأبعاد الحوار السياسي المعارض. وتشكيل مركز قرار السلطة المركزية، التي هي الحزب ومؤسسة العسكر= جبهة التحرير الوطني).
    لقد كانت غالبية تركيبة السلطات المغاربية، على الرغم مما قد يبدو من اختلاف وخلافات، وهي تطرح شعارات إصلاح الريف والعودة إلى الأرض تعبر وبذهنيتها الرعوية الفلاحية عن حنين لأصولها التي ستنفصل عنها شيئا فشيئا، مع الاحتفاظ والإبقاء دائما على المخيال الريفي- الرعوي في ثقافتها، حتى داخل الصالونات والبروتوكولات.
    2-7
    حين رهنت الكتابة الروائية المغاربية نظام خيالها وهاجسها المركزي ومصيرها بخطاب البورجوازيات الوطنية اللامتجانسة، التي لا تملك تقاليد ثقافية ريفية أو تقاليد ثقافية مدينية، فإنها وجدت نفسها -أي الكتابة- لا تمارس سوى إعادة انتاج خطاب السلطة، وبالتالي تفريخ روايات جافة ومركبة خارجيا.
    ولما كانت "القصدية" طاغية، والهدف بائنا، المتمثل في القيام بدور الوسيط التربوي والتعليمي" بين السلطة ومؤسساتها، برؤاها وأحلامها، والجماهير الفقيرة الخارجة منهكا من حروب ومقاومات تحريرية داعية، فقد كانت المحصلة تكون ظاهرة أدب الرسالة (Liuerature Message).
    وأمام منطق محدد بفلسفة وظيفية الأدب، وظيفية مباشرة، فقد سادت الغثاثه الجمالية، وسيطرت التبسيطية التعليمية الايديولوجية:
    "الشمس تشرق على الجميع"، لاسماعيل غموقات أو "المخاض" للبكري أحمد السباعي او "غدا تتبدل" لفاطمة الراوي او "بيت الحمراء" لمحمد مفلاح أو "الانفاس الأخيرة" لمحمد حيدار، أو "المفوضون" لابراهيم سعدي او "حين يبرعم الرفض" لادريس بوذيبة أو "هنا تحترق الأكواخ" لمحمد زتيلي أو "على الدرب" لمحمد الصادق حاجي أو "المنبث" لعبدالمجيد عطية أو "أرجوان" لمحمد المختار جنات أو "وناس" لمحمد الحبيب بن سالم.. وغيرها). (11)
    إن هذه النصوص ومثلها كثير هي البرهان الواضح على النفق المسدود الذي وضعت فيه الكتابة هاجسها، حين ربطت عالم الريف والأرض في طموحه والبحث من حل لمأزقه الاجتماعي والسياسي بأطروحات السلطة.
    وما تميز به الخطاب الروائي في هذه النصوص فيما يتصل بالفضاء الريفي، هو اعتماد اللغة الصحفية، والأسلوب التقريري،، والجمل الجاهزة القادمة من حقول السياسة وعلم الاجتماع، تلك الحقول التي تعتمد بنية اسلوبية اقناعية - إبلاغية، في حين يعتمد النص الروائي بنية أسلوبية إبداعية تخريفية تخييلية إيهامية.
    2-8
    لا يمكن تفريغ النمن من البعد "السياسي" و"الايديولوجي" إذ لا وجود لنص دون ذك، إلا أن ما يقتل الرواية هو الطريقة التركيبية الخارجية، غير العضوية التي يتم بها استدعاء "السياسي" و"الايديولوجي". ان النص الروائي الفاجر، يستطيع فيه المبدع أن يوصل الصوت السياسي أو الأيديولوجي من خلال البنية الجمالية للرواية: اللغة - السرد- الأسلوب - الشخصيات - الوهم الهذيان - الفنتازية - السخرية... الخ والابتعاد عن نمط الإفصاح والتصوير الذي هو اختيال لسحرية الأدب.(12)
    إن النص الروائي الناجح يحاور ويسائل العالم من زوايا مختلفة، لأن قيمة الحياة وثروة نشيد الحياة تكمن في تنوع اللحظة الواحدة، فكلما حاول الكاتب ممارسة الحفر في ذاكرة الزمن وذاكرة المكان وذاكرة الجسد والكائنات، اكتشف تاريخية اللحظة، واكتشف جزءا من بهاء الكتابة وغموضها الذي هو جزء من جمالياتها، وعنصر أساسي في تعريفيتها.
    3-1
    يحدد الوعي الوطني والجمالي المغاربي جوهر الموقف من "الأرض" بوصفها المحدد المركزي للهوية، إذ لا يمكن تصور هوية دون جغرافية ترابية وبشرية.
    لقد تجلت "الارض" أدبيا في الخطاب الشعري المغاربي بالعربية في شكل فروسي معاصر، فاذا كانت أشعار الأمير عبدالقادر الجزائري الكلاسيكية تحاول أن ترفع الحس المغاربي الفلاحي – القبلي - الرعوي من بعده الفروسي القبلي الى لحظة البحث عن صياغة مفاهيم معاصرة للوطنية (13) فإن أشعار أبي القاسم الشابي وعلال الفاسي ومحمد الحلو ومفدي زكريا، أعطت بعدا معاصرا لمفهوم النضال والصراع حول "الأرض" إذ ربطت المطلب الاجتماعي بالأطروحة الوطنية والاستقلال والحرية في بعدها الحضاري والسياسي.(14)
    إن اندلاع الثورة الجزائرية في أول نوفمبر 1954، وكذا المقاومات المسلحة في كل من تونس والمغرب، وتجند العالم القروي خلف شعار الثورة والتمرد والانخراط في مشروع البحث عن حلم جديد أساسه "عودة الأرض"، سيجعل الخطاب الأدبي الشعري بالعربية والروائي بالفرنسية، يعرف نقلة نوعية في أسلوب مقاربته لقيمة "الأرض".
    لا يمكن لأحد أن ينكر الخلخلة التي حدثت في عقل الإنسان المغاربي، وفي بنياته الذهنية، وفي نظام تصوره للعالم، وذلك من جراء زحف أفكار الحرية والتقدم والعدالة والحضارة والتعليم والإعلام على المستعمرات، خاصة ما يتصل بـ "الماركسية" و "الوجودية" و "القومية" كما كان لها أيضا تأثير عى إعادة التفكير في سؤال "الأدب"، ممن دوره وصياغاته وأهميته وطبيعته.
    3-2
    يمكن تلمس صورة الأرض في الرواية المغربية، تبعا لظل التاريخ الوطني والقوي والعالمي، على الذات: ذات المبدع، ذات المثقف. وانعكاسه - ظل التاريخ - على الثقافة المحلية الوطنية التي طالما عانت من وضع إقصائي مورس ضد وجودها من قبل ثقافة قوية بمؤسساتها وبعدتها البشرية والمادية وبخبراتها المتراكمة.
    إن انعكاس ظل التاريخ على الثقافة الابداعية بشكل عام، والروائية بشكل خاص، خلف نصوصا، ترافقت، في حوارها مع "الأرض" كموضوع روائي، مع الأحداث الكبرى التي عرفها الشمال الأفريقي في مسار صراعه مع "الآخر".
    3-3
    انطلقت الرواية الوطنية المغاربية، من هاجس "اثنوغرافي" اجتماعي "في محاولتها رسم لوحة تشكيلية "للأرض"، ان هذه النظرة العروقية "للأرض والريف"، كشفت دون أن تستعمل أسلوب الادانة السياسي المباشر، الصراع العميق الذي يخوضه الفلاحون من خلال جحيم الحياة اليومية: جحيم الصراع ضد الطبيعة القاسية حيث الأرض البور الجرداء، غير الخصبة التي حوصروا فيها، وجحيم الصراع الخفي ضد الآخرين خلال التشبث بكل ما يعرف الذات ويميزها عن "الآخر": (اللباس - اللغة - الحكاية الشعبية - الاحتفالات - المواسم.. الخ). إن كتابات الروائي أحمد الصفريوي تحقق هذا الأمر وإن كان عبدالكبير الخطيبي قد أدرج نصوصه فيما يمكن أن نطلق عليه "أدب البطاقات البريدية" الذي هو امتداد للأدب الكولونيالي (15). أما تجربة مولود فرعون في "ابن الفقير" ومالك واري في "الحبة في الطاحونة" (16) فتمثل نموذجا للبشر من خلال العلاقة بين "الأرض" و "القبيلة" عن الجذور التاريخية لوجود الأنا المهدد بعنف الآخر (17).
    وعلى الرغم من أن رواية "المعلم علي" تحاول أن تفصح وإن قليلا عن الصراع، إلا أن بنيتها الداخلية هي بنية اثنوغرافية - اجتماعية، وان محاورتها العالم المديني التقليدي (فأس) قد جعلها تحقر أو تستصغر من أهمية التجربة التاريخية للريف.(1
    لقد كان هدف هذه النصوص وغيرها، وهي تطرح عالم "الأرض"/ الريف، تأسيس خطاب مناهض لخطاب "الآخر"، "منطقة" - أي النصوص - من الفولكلور الريفي الذي وظفته الرواية الاستعمارية بدورها بعد أن فرغته من بعده التاريخي الذي يعكس إنسانية الفرد في علاقته مع المكان والزمان، اللذين يحققان شرط إنسانية وجوده.
    3-3
    ومن الموقع "السياحي"، طرحت الرواية الانتهاكات التي يتعرض لها العالم الريفي، بغية تحويله الى فضاء للمتعة، متعة "الآخر" وقد أبدت كثير من النصوص مقاومة لذلك "إيميلشيل" لسعيد علوش و"شرف القبيلة" لرشيد سيموني.(9ا)
    3-4
    كما ان صورة الأرض / الصحراء وبكل ذلك البعد الزمني والسحري تجلت في الرواية المغاربية في طرحين:
    أ- طرح إمتاعي:
    تناول الحياة في الصحراء من الخارج، فاذا هي أرض للمتعة والمغامرة والإدهاش، وكأن الرواية وهي تؤسس رؤيتها الجمالية هذه، كانت تواصل تقاليد الكتابة الروائية الاستعمارية أو على الأقل دون أن تقطع معها.
    يغيب عن هذه الأرض كل حس للمأساة بمعناها الاجتماعي، إذ تكشف النصوص عن فقر في معرفة وإدراك العالم الصحراء في أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية، إن الصحراء في هذا الطرح وبهذه المقاربة مجال لا يعاني بل هو طرق المتعة واللذة والتأثير والإغراء والغواية، تندرج في هذه الخانة مجموعة من النصوص التي أرادت أن تحقق رغبة الآخر فينا،خاصة بعد أن انتهى عصر الأدب الروائي الكولونيالي، ويمكن إعطاء نماذج للتمثيل: "سأهديك غزالة" لمالك حداد أو "الحب، فنتازية" لأسيا جبار 1985 التي نلمس فيها بصمات واضحة لرواية استعمارية عنوانها "سنة على الساحل" تعود الى سنة 1859، وهي للروائي والرسام الاستشراقي الذي عاش بالمغرب العربي نعني: أوجين فرومنتان، أو ليلى صبار في روايتها "دفاتر شهرزاد" 1985.(20)
    وتطرح هذه الروايات الإنسان المغاربي بعيدا عن شرطية وجوده التاريخي، واذا الصحراء هنا فضاء للجنس والفحولة والقنص.
    ب- الطرح: الموضوعي التاريخي:
    هو الطرح الذي يتناول الأرض الصحراوية بعين ذويها، وتكتشف الرواية من خلال هذه الرؤية عنف الحياة وقساوتها وصبر الإنسان الصحراء، ونضاله ضد الطبيعة وضد التخلف أيضا.
    إن هذه المقاربة للعالم الصحراوي مقاربة داخلية ومن الداخل، إذ في رواية "الأسماء المتغيرة" أو "القبر المجهول" لأحمد ولد عبدالقادر أو "التبر" و"نزيف الحجر" لابراهيم الكوني نكتشف الحياة اليومية الصحراوية، وصراع القبائل لأجل البقاء.. ونلمس صعود الأيديولوجية الوطنية ضد أيديولوجية القبيلة والتفتت.
    تكتشف هذه المقاربة تشكل الوعي الوطني وأنماطه، وكذا التبدل والمعاصرة في الفكر والآلة التي زحفت على هذه الأرض (اكتشاف مناجم الحديد والفوسفات وحقول البترول)، ومدى تأثير ذلك على الذهنية الصحراوية المنسجمة مع الثقافة التقليدية الشعرية، وكذا الممارسات الثقافية والإبداعية الشفوية الأخرى.
    إن رواية "تيميمون" لرشيد بوجدرة (21) على الرغم من أنها تناول للأرض الصحراوية من الخارج، أي عبور رحلة بالحافلة الى الصحراء، إلى مدينة تيميمون، إلا أنها حاولت أن تزاوج بين زاوية النظر من الخارج وزاوية النظر الداخلية، متخلصة من حسها الفولكلوري للصحراء لما رسمته من أتعاب هذا الفضاء، لقد قتلت الرواية وهم المتعة الذي خلقته روايات الطاهر بن جلون خاصة "ليلة القدر" و "طفل الرمال".(22)
    3-5
    إن الصورة الأكثر طغيانا للأرض في الرواية المغاربية هي صورة "الأرض المغتصبة" حيث البحث عن تحريرها من الآخر.
    تتكدس أغلب النصوص حول الحرب التحريرية، والمقاومات التحريرية، وتحقق الثورة الجزائرية، نظرا لثقلها وعنفها، الموضوع الأكثر انتباها وحضورا.
    إن انخراط الروائيين المغاربيين كمناضلين في صفوف الأحزاب الوطنية، واعتقادهم بأن الأدب هو الأخر عليه أن يكون "مناضلا" في "المدرسة الوطنية" هذا الفهم المسوغ تاريخيا، هو الذي سمح بتداخل الخطاب السياسي المباشر بالخطاب الأدبي الروائي، وظهر في النص الخارجي الذي يحمل صراخا للعالم، بحث عن استرجاع الأرض، التي هي بكل تبسيط رمزا لحرية، إذ لا فصل بينهما لقد لاحظنا سيلا كبيرا من الروايات المغاربية باللغتين العربية والفرنسية ظهرت ضمن رؤية جمالية مبسطة للأدب، كانت تنادي بها المدرسة الوطنية للآداب، القائمة على "الوظيفية" و "الدعاوة" السياسية، وهو بالفعل ما انتج أدبا روائيا رديئا مكتوبا بنية طيبة وبحماس كبير لقيم الحرية والكرامة والعدالة.(23)
    لقد اختزلت الرواية حب الأرض في عملية "شتم" و "هجاء" "الآخر" ككتلة دون تمييز، وتمجيد العنف و "الحرب" و "مدح الجندي" المجاهد الذي يدخل المعركة وكأنه ذاهب في جولة سياحية، إنها الشخصية المجوفة والجافة والمفرغة من كل غنى روحي وإنساني، فهي لا تخاف، وهي المنتصرة دائما.
    يمكن أن أذكر النماذج التالية التي تمثل صورة من كتابة الغثاثه الروائية، عن "الأرض" المغتصبة: "صمت الرماد" لقدور امحمصاجي، "أطفال العالم الرمادي" لموهوب بنور و "المركز والهامش" لرضا فلكي، "المتقاضون" لعبدالقادر ولهاصي، "سبعة أبواب" لعبد الكريم غلاب، "التحدي" لمحسن بن ضيان، "انا وهي والأرض" لمحمد الحبيب ابراهيم، "حب وثورة" لعبدالرحمن عمار (ابن الواحة)، "الثائر" لمحمد الصبحي، الحاجي، "الزيتون لا يموت" لعبدالقادر بلحاج نصر، "العنف الثوري" لاحمد عبدالسلام البقالي و "المعركة الكبرى" لمحمد اشماعو.(24)
    تلك نماذج لرواية أخطأت أدبيتها، حين اختزلت العالم في كل ثرائه في تعليمية مبسطة للتاريخ، وفهم مختزل لطبيعة جوهر "الصراع" حول "الأرض" فهي- الرواية - لا ترى في فلسفة الصراع سوى ذك "التحارب" و "التقاتل" بين كتلتين تاريخيتين: كتلة الأهالي القوية بايمانها والفقيرة اجتماعيا والمنتصرة دائما، والكتلة الاستعمارية المنهزمة لأنها رمز الشر والظلم والباطل.
    لقد رافق الرؤية الروائية الاختزالية لتاريخ الصراع حول الأرض في هذه النماذج، صعود واضح لرؤية أخلاقية مبسطه واصلاحية.
    3-6
    من موقع أخر استطاعت نصوص روائية ان تكب هاجس "الأرض" في علاقتها بلحظة الحرب انطلاقا من بنية أدبية مؤسسة على قراءة الإرث العالمي لأدب الحرب والصراع والتحرر.
    قد مثلت روايات: "من الذي يذكر البحر" او "الجرى على الشاطئ المقفر" لمحمد ديب، و"نجمة" لكاتب ياسين و "العين والليل" لعبدالطيف اللعبي، وادموند اثير في «المسار الثابت» وناصر خمير في "الغولة" وهالة باجي في "عين النهار" و"التفكك" لرشيد بوجدرة و"اللاز" للطاهر وطار و«ثلاثة صدور لوسام واحد» للحبيب السائح و"رفقة السلاح والقمر" لمبارك الربيع و "التيوس" لادريس شرابي و«اكادير» لمحمد خير الدين.. وغيرها. هذه الروايات على الرغم من تفاوت فيما بينها ان على المستوى الجمالي او الفلسفي مثلت قراءة لتاريخ الصراع حول الأرض مؤسسة على نقد الذات ونقد الآخر، وان الفصل بين الذات والآخر هو فصل وهمي، وان الكتلة التاريخية: كتلة "الأنا" أو كتلة "الآخر" ليست منسجمة، بل ان عناصر مكونة لكتلة "الأنا" تتجاسر مع عناصر الكتلة الأخرى، قد يكون التجانس في تأكيد مشترك لقيم الظلم والموت واللاانسانية.
    لم تكتف هذه النصوص بالاتكاء على الوقائع في كتابة الصراع حول "الأرض" بل انها ذهبت لتبحث عن أبعاد الأرض في "الخرافة" و"السحر" ومجد الاجداد الاولين، دون أن تسقط في التمجيدية أو "الطهرانية" العرقية والمثالية في النضال.
    هوامش وإحالات
    1- مفاهيم نقد الرواية بالمغرب والمصادر العربية والأجنبية، فاطمة زهراء ازويل - منشورات الفنك - الدار البيضاء- المغرب، 1989- الطبعة الاولي- ص 18.
    2- Penssee Formelle et sciences de l homme: G.G. Ggranger edit. Aubler, Paris- 1960. PP: 206- 208
    3- جماليات المكان: جاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا- دار الجاحظ للنشر- وزارة الثقافة والاعلام - بغداد- العراق - كتاب الاقدام 1- 1980. الطبعة الأولى- ص:212.
    4- المرجع السابق: 212.
    5- Lunivers du roman: R. Bourneut/ R. quelled. Edit P.U.F. 1981. PP: 128-.149.
    6- L'espace du roman Michel Butor, repertoire ii editions de Minuit 1964. P:44.
    7- جماليات المكان: جاستون باشلار ص: 177 (مرجع سبق ذكره).
    8- أ – طيور في الظهيرة، بقطاش مرزاق - منشورات - أمال - الجزائر- 1976 عدد 34
    جويلية - اوت.
    ب - الخبز الحافي - محمد شكري - النجاح الجديدة - المغرب 1982.
    جـ - التوت المر: محمد العروسي المطري، الدار التونسية - للنشر- نص - 1967.
    9-Essais de psychanalyse appliquee: S- Freud edit- idees. Calimard- 1933 P-78.
    10- Problematiques spatiales du roman.Algerien: Charies- Bonn, edit E.N.A.L Algerie- 1986. P:25.
    11- الشمس تشرق على الجميع: اسماعيل غموقات - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر- 1978.
    - المخاض: البكري احمد السباعي- دار الكتاب - الدار البيضاء- المغرب - 1972.
    - غدا تتبدل الارض: فاطمة الراوي - امبريجيما- المغرب - 1967
    - بيت الحرماء: محمد مقلاح - المؤسسة الوطنية لكتاب - الجزائر- 1986.
    - الانفاس الاخيرة: محمد حيدار- المؤسسة للكتاب - الجزائر- 1985.
    - المرفوضون: ابراهيم سعدي- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر- 1981.
    - حين يبرعم الرفض: ادريس بوذيبة: مطبعة البعث - قسنطينة - 1978.
    - هنا تحترق الاكواخ: محمد زتيلي- مطبعة البعث - قسنطينة 1977.
    - على الدرب: محمد الصادق حاجي: منشورات أمال - عدد خاص - رقم 40- جويلية - اوت 1977.
    - المنبت: عبدالمجيد عطية: الشركة التونسية للنشر والتوزيع - تونس – 1967.
    - ارجوان (بقسميها): محمد المختار جنات الدار التونسية للنشر - 1970.
    - وناس: محمد الحبيب بن سالم - الشركة التونسية للتوزيع 1973.
    12- حرقة الاسئلة: عبد الطيف اللعبي- ترجمة: علي تيرلكاد- منشورات توبقال- الدار البيضاء- المغرب - الطبعة الاولي- 1983 - ص 24 وكذا ص 64.
    13- ديوان الامير عبدالقادر: منشورات النهضة - مصر- 1968.
    14- الصورة والرمز في الشعر العربي المعاصر بأقطار المغرب (1962 - 1987) عثمان حشلاف - اطروحة دكتوراه - اشراف د. عبدالله ركيبي- جامعة الجزائر العاصمة - معهد اللغة العربية وأدابها - ص 42.
    15- Reception critique d Ahmed Sefriout..Lahcen Mouzcuni-edit.Atrique- orient- casa- Maroc 1984. PP: 50- 51.
    16- Le grain dans la meule Malek ouary edit- Buchet- Chastel correa Paris- 1956. lere edition.
    17- Bibliographie Methodique et critique de la literature Algerienne de lanque francaise: Jean Dejeu. SNED 1979. P:52.
    18- L honneur de la tribu: Rachid Mimeoune edit Laphomique- Alger- 1990.
    19- الرواية المغاربية في ذات التعبير الفرنسي في التسعينات، من الحنين المفقود الى نهوض المنسي: أمين الزاوي. مجلة «التبين »- الجزائر- العدد 9- السنة 1995ص:28.
    20- تيميمون: رشيد بوجدرة - منشورات الاجتهاد الجزائر- 1994.
    21- I a nuit sacree: Tahar Benjalloun edit- Seuil- Paris- 1987 Prix, GONCOURT. B/L enfant du sable: Tahar Benjalloun Edit- Seil- Paris- 1985.
    22- Le roman et la nouvelle en Tunisie. Ferid Ghazi. Edit. M.T.E. Tunis 1970 p:56.
    23-
    - a/l le silence des cendree. Kadour M hamadji. Edit: Rody- subervie- 1963.
    - b/les enfanrs des jours sombres: Muohoub Bennour. Edit SNED. 1978.
    C/ le milieu et la marge: Redo Falaki Edit Dencel- Paris 1964.
    D/ les justiciables: Abdelkader Oulhaci Edit: Escorbion- 1964.
    أ- سبعة أبواب: عبد الكريم غلاب:
    ب - التحدي: محسن بن ضياف: الشركة التونسية للتوزيع - 1972.
    جـ- أنا وهي والأرض: محمد الحبيب ابراهيم، دار الكتاب - سوسة تونس - 1978.
    د- حب وثورة: عبدالرحمن عمار (ابن دوخة) الشركة التونسية للتوزيع - تونس – 1960.
    هـ- الثائر: محمد صبحي الحاجي: الشركة التونسية للتوزيع- تونس -.197.
    و- الزيتون: عبدالقادر بلحاج نصر- الدار التونسية للنشر. 1969:
    ل: العنف الثوري: احمد اسماعيل البقالي- الدار التونسية للنشر - تونس 1978.
    المعركة الكبرى، محمد اشماعو: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر. الرباط – 1978.

    http://www.nizwa.com/volume23/p51_56.html[/B]
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 11:08 PM

أبوذر بابكر
<aأبوذر بابكر
تاريخ التسجيل: 15-07-2005
مجموع المشاركات: 5922

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    عزيزنا المشاء

    تحياتى

    دائما تتداخل الأسماء أو الدلالات مع بعضها البعض
    وبالفعل مدينة من تراب طبعا لعلى المك ولمحمد الواثق "أمدرمان تحتضر"
    وربما لتشابه الطعم أو الموضوع حول أمدرمان

    عدلتها ايضا فى مكانها قبل كتابة هذا التعليق

    ونلتقى مع الود
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2006, 11:16 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: أبوذر بابكر)

    عزيزي اباذر
    اعتقد ان كلا من "مدينة من تراب" و"امدرمات تحتضر" تهيئ لمقاربات مختلفة للعلاقة بين المكان
    في صيغته الحداثية كما في حالة علي المك,
    وصيغته التقليدية،كما في حالة الواثق
    لك الود والاحترام العميق
    وفي انتظارك
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-07-2006, 12:16 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 11344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبه جزيرة الغياب (Re: osama elkhawad)

    صورة اخرى لغاستون باشلار مؤلف:
    جماليات المكان

    وهنا دراسة تستمد روحها من جمالية المكان لباشلار:
    عنصرالمكان في تكوين البناء الروائي
    تعقيب على ورقة بناء المكان في رواية المكلاّ لخالد يحيى الأهدل مقدم إلى المهرجان الرابع للأدب اليمني للفترة من 25-29 مايو 2005م.
    محمد المنصور
    تطمح أية قراءة تهتم بجانب المكان والفضاء الروائي، إلى ملاحظة علاقة المكان بعناصرالبناء الروائي كالزمن، الشخصيات، اللغة وعناصرالسرد الأخرى، وذلك ما تجتهد هذه الورقة التعقيب للقيام به.. مع سابقتها للزميل المبدع خالد يحيى الأهدل والتي بعنوانبناء المكان في رواية المكلا- مقاربة للفضاء الروائي). لقد حاولت في هذه المتناولة أن تكون مختصرة بحيث لا يتجاوز التعقيب الأصل المعقب عليه.. وذلك من خلال إشارات هي:
    1- يلحظ بداية خالد الأهدل تجليات كثيرة للمكان في رواية (المكلا) للأستاذ صالح باعامر. ويلحظ كذلك غياب المقاربة، المكانية والفضاء الروائي في السرد، اليمني المعاصر ولم يشر إلى عينة منها كي يصبح قوله (ص1) لذلك فإن هذه الورقة وهي تحاول الإسهام في سد هذا الفراغ القائم في الخطاب النقدي اليمني فإنها في الوقت نفسه تسعى إلى مقاربة الفضاء الروائي في رواية (المكلا) مبرراً، إذ كان بالود أن يشير الأخ خالد الأهدل وهو قاص وروائي، أيضا إلى هذا البعد الغائب في النقد الروائي والقصصي في اليمن، لتكون ورقته إضافة مهمة في هذا الصدد تفتح أمام محاولات قادمة نوافذ مشرعة على المشهد السردي في اليمن.
    2- كانت الإشارة (ص1 وما بعدها) إلى فضاء النص، أو الفضاء الطباعي نظرية، لم تتجاوزها إلى التدليل من المتن الروائي، ولم تلامس إلا قليلا من المعالم الرئيسية فيه، وهو ما قد تبرره فرضية الاطلاع الواسع على الرواية وقراءتها من أوسع شريحة متلقية، إذا كان مفيداً تبيان العلاقة بين النص وحيزه المكاني في البياض، وذلك ما كان سيكون جديداً في بابه فعلاً بالنسبة للنقد الروائي والقصصي في اليمن.
    3- جاءت الملاحظة رقم (2) (ص2) محايدة لناحية تعيين ورصد مسافة الفقرات الفصول وعدد صفحاتها ولم تبين العلاقة بين طول أو قصر الفقرات، وعلامات الترقيم بدلالة المكان الروائي، وهذه الملاحظة جزئية من أخرى سابقة كنت أرجو فيها من الزميل أن يكون أكثر اصطباراً مع النص والقراءة.. ليكون القارئ والمتلقي أكثراستمتاعاً واستفادة.
    وفي الفقرة (4) (ص4)، من ورقة الأستاذ خالد الأهدل ما نصه (يشكل المنزل الذي يقطنه بطل الرواية مع أسرته البؤرة المكانية التي تنطلق منها الشخصية الرئيسية إلى الأماكن الأخرى في الرواية) وذلك برأيي اختزال وتبسيط، يناقض إشارة ورقة الأهدل في المقدمة إلى دلالة عنوان الرواية والذي هو العتبة الأولى بتأكيد دلالي آخر يتمثل في الإهداء ونصه (إلى المكلا المكان والإنسان والأحباب)، فبرغم أهمية المنزل/ المكان كعنصر رمزي متعدد الدلالات بتعدد أشخاصه وأن المنزل أيضا (واحد من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية، ومبدأ هذا الدمج وأساسه هما: أحلام اليقظة)(1)، فالمكلا هي البؤرة المكانية، والفضاء الذي تمتد منه وفيه فضاءات مكانية أخرى أصغر منها على سبيل المثال: المنزل، البحرالذي يتوحد معه الروائي، يناجيه (ص8، ص10، ص11) ويمثل له المأوى والملاذ والصديق (ارتقيت الأحجار مولياً ظهري جبل المكلا، ورميت صنارتي في البحر هنية وتخلقت أمواج- هكذا- من الأعماق فشعرت أن شيئاً قد علق بالصنارة.. البحر لا يبخل على أصدقائه، مهما واجه من بني البشر) ص18.
    وبدلالة حضورالمكلا المدينة كفضاء كبير مفتوح على دلالات شبه مغلقة للمكان كالشوارع والحارات، والشوارع والمقهى نجد أن نسبة حضورها بالتسمية أو الإشارة إليها في الضمير من خلال الصفة المسندة إلى الاسم تتفوق على المنزل، فالمدينة- المكلا تلعب دورالبطولة وتتمحور حولها أحداث الراوي المسقطة على الحاضر والماضي، ويتم الإسقاط عبر إحالات متعددة للمكان، بما يشبه هذه المعادلة.
    المكلا = المنزل= الحارات والشوار