بوردابى يشارك فى في زراعة قلب صناعي لطفل في الحادية عشر من عمره بامريكا
شمائل وبنطلون لبني تاااني !!
ندوة سياسية كبرى بواشنطن الكبرى بعنوان اى وجهة للمعارضة السودانية ما العمل
رحل الشيوعي المتصوف بقلم مصطفى عبد العزيز البطل
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 02-24-2017, 05:53 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

وداعا جاك دريدا

10-09-2004, 01:45 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
وداعا جاك دريدا

    توفي في مستشفى باريس أشهر فلاسفة فرنسا المعاصرين جاك دريدا عن عمر ناهز 74 عاما بعد صراع مع سرطان البنكرياس.

    ويعد دريدا الذي ولد لأسرة يهودية في حي البيار بالعاصمة الجزائرية يوم15 يوليو/ تموز 1930 أشهر فيلسوف فرنسي في العالم, وقد اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك في بيان أن ما قام به دريدا -الذي توفي ليلة أمس- كان بمثابة ملامسة "جذور الإنسان التفكيرية في حركة حرة".

    وتتحدث نظرية دريدا "تفكيك البناء" التي لقت رواجا وأصداء واسعة في الولايات المتحدة والتي استندت إلى نصوص فلسفية كلاسيكية، عن استقلالية المحتوى النصي الذي -حسب هذه النظرية- قد لا يفهمه كاتب النص نفسه.

    واعتبرت النظرية التي أثارت جدلا واسعا أن الاحتمالات التأويلية للنصوص والتي قد يفهمها كل شخص بمفرده تدخل ضمن سياق المقاصد الأخرى للنص اللغوي، بمعنى تفكيك المعنى الواحد إلى المتعدد المتفكك.

    وتشير هذه النظرية أيضا إلى استخراجات نقدية للنص أيا كان في احتمالاته التأويلية.

    وقد واجهت هذه النظرية معارضة كبيرة من مدارس البنيوية اللغوية واعتبرها البنيويون اللغويون غير عقلانية ومنافية للمنطق ووصفوها بالسخيفة، واتهموها بالمبهمة والغامضة.

    وفي بريطانيا لقيت نظرية دريدا أيضا معارضة شديدة حيث قامت هيئة التدريس في جامعة كامبردج العريقة عام 1992 بمظاهرة احتجاج ضد قرار رئاسة الجامعة منح دريدا دكتوراه فخرية.

    كما اعتبره الماركسيون أحد أعدائهم لمواقفه المناهضة لهم، وكانت السلطات التشيكوسلوفاكية قد وضعته رهن الاحتجاز عام 1980 على خلفية محاضرة له عن نظريته اللغوية في براغ.

    نشاطه
    تميز ديريدا في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر بإدانته المتواصلة لسياسة فرنسا الاستعمارية في هذا البلد. وغادر الجزائر مع عائلته عام 1962, وغالبا ما كان يتحدث بعد رحيله عن الحنين إلى البلد الذي نشأ فيه.

    التحق دريدا عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس قبل أن يصبح مساعدا للتدريس في جامعة هارفارد الأميركية ثم في جامعة السوربون في باريس.

    وعين عام 1965 أستاذ فلسفة في دار المعلمين العليا حيث شغل منصب مدير دراسات. وزاول ديريدا نشاطه التعليمي لفترة طويلة بين باريس وعدد من أبرز الجامعات الأميركية منها جامعتا ييل وجون هوبكنز.

    وفي عام 1983 أنشاء دريدا معهد الفلسفة الدولي الذي تولى إدارته حتى عام 1985، كما أجرى دراسة نقدية معمقة للمؤسسة الفلسفية ولتعليم مادة الفلسفة.

    مؤلفاته
    قدم دريدا للمكتبة العالمية عشرات الكتب ومئات الدراسات التي عنت باللغة والآداب والفلسفة، ومن هذه المؤلفات التي ترجمت إلى اللغات العالمية:

    الكتابة والاختلاف (ليكريتور إي لا ديفيرانس)

    الانتشار (لا ديسيميناسيون)

    هوامش الفلسفة (مارج دو لا فيلوزوفي)


    الحقيقة بالرسم (لا فيريتيه آن بانتور)

    من أجل بول سيلان (بور بول سيلان).
    نقلا عن الجزيرة نت



                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:20 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    رحيل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا واضع منهج التفكيكية
    بيروت - محمد علي فرحات الحياة 2004/10/10
    جاك دريدا, الفيلسوف الفرنسي الأشهر في عصرنا, توفي فجر أمس في أحد مستشفيات باريس عن 74 عاماً بعد صراع مع سرطان في البنكرياس.

    وإذا ذكر دريدا تذكر معه التفكيكية, الفلسفة, أو بصورة أدق المنهج, الذي ابتكره وعممه في مجال الفكر والنقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة التي نعيش, واستند في هذا المنهج الى قطيعة سبق أن أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا. وتتجلى التفكيكية في أنها تقوض مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي كما تقوض الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, وتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل. ويردد بعض متابعي دريدا الى أن الأساس الوجداني الذي دفعه الى التفكيكية هو وعيه المغاير منذ طفولته كيهودي فرنسي مولود في الجزائر في 15 تموز (يوليو) 1930.

    لكن منهج دريدا التفكيكي هذا دفعه أيضاً الى الوقوف بحماسة الى جانب تحرر الشعب الجزائري من الاستعمار الفرنسي وتأييد حق الفلسطينيين في دولة خاصة بهم, ومواجهة انفراد الولايات المتحدة في ادارة شؤون العالم بطريقة خاطئة, فكان عنوان آخر كتبه الذي شاركه في كتابته يورغن هابرماس "مفهوم 11 سبتمبر", وسبقه كتاب دريدا ما قبل الأخير "قاطع الطريق" ويعني بذلك السياسة الحالية للولايات المتحدة.

    التحق دريدا عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس وعين استاذاً فيها عام 1965 وزاول التدريس والمحاضرة في فرنسا والولايات المتحدة. وعندما ألقى في جامعة جون هوبكنز في واشنطن عام 1966 محاضرته الشهيرة في نقد البنيوية, كان ذلك إيذاناً بانتشار منهجه التفكيكي في الولايات المتحدة حيث حظي باهتمام يفوق اهتمام المثقفين به في باريس وسائر عواصم اوروبا. يقول الناقد الأميركي ج. هلس ميلر: "لقد فكرت في السبب الذي يجعل اميركياً بخلفيتي البروتستانتية ينجذب الى دريدا مثلاً. وأعتقد انني توصلت الى الجواب, فهناك شبه بين أحد أوجه البروتستانتية اجمالاً والتراث اليهودي, أو التراث العقلاني اليهودي في أوروبا, ذلك ان الاثنين لا يطمئنان الى التماثيل والرموز والصور المنحوتة. انه نوع من ظلام الرؤية الغريزي".

    أشهر مؤلفات دريدا "الكتابة والاختلاف", "الانتشار", "هوامش الفلسفة", "الحقيقة بالرسم", "من أجل بول تسيلان". وعلى رغم ان منهجه التفكيكي أحال الى اللغة والتأويل, إلا أن الإحالة هذه ترمي الى نسبية الحقيقة وتحولها الدائم, حتى لا يتحول رمز الحقيقة الى سيف يرهب مبدأ الحياة في ماديتها وفي اجتماعها البشري. من هنا اهتمامه بالوقائع الكبرى التي تطاول البشرية. يقول في حديث مطول أجرته معه جيوفانا بورادوري في 22/10/2001, في عنوان "ما الذي حدث في "حدث" 11 سبتمبر؟":

    "لا شك في أن "حدثاً" كهذا يتطلب اجابة فلسفية. والأفضل من هذا وذاك, فإن هذه الاجابة تتطلب مراجعة جذرية شاملة لجميع فرضيات أشد المفاهيم رسوخاً في الخطاب الفلسفي. فتلك المفاهيم التي كثيراً ما وظفناها في وصف وتسمية وتصنيف مثل هذا الحدث إنما تنم عن نوع ما من أنواع "التنويم العقائدي", لن يتسنى لنا الاستيقاظ منه إلا بفكر فلسفي جديد, إلا بالتفكير في الفلسفة نفسها, خصوصاً الفلسفة السياسية وتراثها. والخطاب الحالي, خطاب وسائل الإعلام والرطانة الرسمية, إنما يثقان ثقة بالغة السهولة بمفاهيم كمفاهيم "الحرب" أو "الإرهاب", القومي أو الدولي".
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:26 PM

سجيمان
<aسجيمان
تاريخ التسجيل: 10-03-2002
مجموع المشاركات: 14875

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    اسامة

    ازيك

    شكرا للمعلومات.....غايتو دريدا دا ما عرفتو علا منك حسي...ووقت عرفتو مات......شفت الشقاوة دي؟


    لكن يا اخوي... انت خليت المشي؟
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:23 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    وكتبت النهار البيروتية الاتي عن الفيلسوف الراحل:
    جاك درّيدا [1930 – 2004]

    “التفكيكيّ” من أجل بناء فلسفيّ حديث
    الفلسفة لا نعلّمها – والقائل جاك درّيدا – بل نجعل كلّ التعليم فلسفياً ونلقّن التفلسف. بمعرفة الفيلسوف قال وبيقين المحاضر والمعلّم تحت قبّة السوربون وفي جامعات أميركا حيث هو الفيلسوف الفرنسي الأشهر بين معاصريه. جلاءُ قول في فضاء “تفكيكية” صعبة المنال عسيرة الإدراك. ألم يُنعت بالفيلسوف الغامض والأصعب؟ ومع ذلك، ظلّ جاك درّيدا مالىء الفلسفة وشاغل المفكرين والدارسين، ينهض نصّه الشاق و”الشقيّ” تفكيكياً في وجه بنيوية [أو ما بعدها] كان أمثال ليي شتراوس وفوكو من أسيادها الحديثين الذين “ انقضّ” درّيدا على نصوصهم تفكيكاً ونقداً ونقضاً، ولم يوفّر قدامى الفلسفة، من أفلاطون الى كانط بلوغاً الى هايدغر، فهو الذي أظهر كيف أن كانط لدى انصرافه الى تخيل الحرية الانسانية تاه في تصوّر تلك الحرية – وهي أكثر الحقائق أثيرية – كأنها موضوع طبيعي عضوي. وفيما اتفق مع فوكو على أن ما يسيطر اليوم على قطاع لا بأس بحجمه من مثقفي الغرب الراديكاليين هو مذهب التشاؤم المتحرّر، خالفه في عدم تحديد موقع سياسي إذ كان فوكو حريصاً على تأسيس خطاب ما بعد حداثويّ ملتزم سياسياً الى حد ما، في حين أن درّيدا لم تؤرقه هذه المسألة وكان التزامه السياسي غير محدد الموقع. علماً أن درّيدا، اليهودي من أصل جزائري، ناضل للعديد من القضايا السياسية العادلة، مثل مناهضة التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبية وجعل إطلاق حرية مانديلا إحدى قضاياه. كما التقى مثقفين فلسطينيين في الأرض المحتلة خلال زيارته الثالثة للقدس عام 1998.

    زعزع جاك درّيدا الكثير من المواضَعَات الفلسفية واشتغل على الميتافيزيك مثلما اشتغل على قضايا العصر الراهن مفككاً معانيها، كالدور الراهن للولايات المتحدة والانقلابات التي أحدثتها العولمة، طارحاً التساؤلات حول ما أضحت عليه مفاهيم العقل والديموقراطية والسياسة والحرب والإرهاب، متفاعلا مع زمنه فيلسوفاً ومفكراً ما بعد حداثويّ، مؤثراً الكتابيّ على الشفهيّ. [المكتوب، في تعبيره، أُهمل مديداً لمصلحة الشفهيّ] ومتفاعلا مع فنون العصر، كالصورة التي أولاها شغفاً واهتماماً [ظهر في فيلمين واُنجز عنه فيلمان].

    جاك درّيدا الذي توفى أمس عن أربعة وسبعين عاماً، من سرطان في الپنكرياس، ولد في الجزائر [منطقة البيار] عام 1930 وتفتح وعيه الفكري على روسو ونيتشه وجيد وكامو، وإثر هجرة ذويه الى فرنسا ا لتحق بالـEcole normale supérieure في باريس عام 1950 حيث اكتشف كيركيغارد وهايدغر والتقى إلتوسير واحتك بموريس بلانشو وترجم “أصل العلم الجيومتري” لإدموند هوسرل [نال لترجمته جائزة جان كااييس]. وعقب إنهاء دروسه الفلسفية شرع في إلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات الفكرية والفلسفية، وأولى محطاته الأميركية كانت في جامعة جون هوپكنز وبداية رحلاته المنتظمة الى الولايات المتحدة، ليغدو فيها الفيلسوف الفرنسي الأشهر. وفي 1979 أصدر كتابه الأشهر “الكتابة والاختلاف” [ترجم الى معظم اللغات العالمية] الذي سبقته ثلاثة مؤلفات وتلاه حتى 1999أكثر من عشرين مؤلفاً منها “هايدغر والمسألة”، “وداعاً لإيمانويل لييناس”، “الحق بالفلسفة” والعديد من العناوين المهمة لمتابعي فكر درّيدا ومحاضراته وحواراته في الصحف والمجلات المتخصصة.

    الفكر الفرنسي والعالمي فقد بغياب جاك درّيدا فيلسوفاً مختلفاً، سجالياً وفريداً من الطراز الرفيع، تفكيكياً من أجل بناء فكريّ معاصر يعيد تأويل المفاهيم ومناقشتها الى ما لا نهاية
    .
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:48 PM

Nagat Mohamed Ali
<aNagat Mohamed Ali
تاريخ التسجيل: 03-30-2004
مجموع المشاركات: 1244

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    .



    .
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:49 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    يا صديقي سجيمان
    انا ما خليت المشي
    هسي مشيت من فيلي الى فرجينيا

    وشكرا لتعتيلك للبوست

    المش======================اء
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:51 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    أحادية لغة الآخر
    جاك دريدا
    ترجمة: عثمان المثلوثي

    7
    ربّما نكون قد انـتهينا للتوّ من وصف دائرة أولى من العمومية. بين النموذج المسمّى أكاديمي، نحويّ، أو أدبي، من ناحية، واللغة المنطوقة، من ناحية أخرى، فالبحر هنالك: بشكل رمزيّ فضاء لامتناهيا لكل طلبة المدرسة الفرنسية في الجزائر، يمثّل شقّ، بل هوّة. أنا لم أعبره، جسدا وروحا، أو جسدا بلا روح (ولكن هل أكون قد عبرته، عبرته بشكل مغاير؟)، حتى، أوّل مرّة، لمّا كنت مبحرا على متن سفينة، قاصدا "مدينة الجزائر"، وكان عمري تسعة عشرة سنة. أول رحلة، وأول عبور في حياتي، أربعة وعشرون ساعة من دوار البحر والتقيّؤ –قُبيل أسبوع من الوجع ودموع الأطفال في المبيت المشؤوم بالمعهد الرديء (في إعدادية معهد لويس الأكبر، في منطقة لم أغادرها فعليا منذ ذلك الوقت). وكما كان يفعل بعض الناس هنا وهنالك، كان بإمكاننا أن "نحكي" إلى ما لا نهاية ما كان "يُحكى" لنا عن "تاريخ فرنسا" بشكل خاص؛ ونفهم بذلك ما كان يُدرّس لنا في المدرسة تحت عنوان "تاريخ فرنسا": فرع لا يُصدّق من فروع المعرفة، قصّة رمزية وإنجيل، بل عقيدة للتلقين تعاليم غير قابلة للمحو بالنسبة للأطفال من جيلي. ودون أن نذكر الجغرافيا: ما من كلمة عن الجزائر، ولا كلمة واحدة تتعلّق بتاريخها وجغرافيتها، في حين كنا نستطيع أن نرسم ساحل بريتاني (مقاطعة في شمال غربي فرنسا ) و مصبّ نهر جيروند وأعيننا مغمضة. وعلينا أن نكون على اطلاع عميق بها، بشكل عام ومفصّل؛ وبالفعل، فقد كنّن نحفظ عن ظهر قلب أسماء كبرى المدن في كل مقاطعات فرنسا، أصغر روافد أنهار السين، والرون، واللوار، أو الغارون، ومنابعها ومصبّاتها. فتلك الأنهار الأربعة غير الخفية لها تقريبا القوة الرمزية التي تتمتّع بها التماثيل الباريسية التي تمثّلها، والتي اكتشفتها بعد فترة كبيرة من بعد بمرح كبير: لقد كنت أواجه حقيقة دروسي في الجغرافيا. ولكن دعنا من هذا. سأكتفي بإشارات قليلة للأدب. لقد كان الأدب أولى الأشياء التي تلقيتها من التعليم الفرنسي في الجزائر، الشيء الوحيد، على أية حال، الذي استمتعت بتعلّمه اكتشاف الأدب الفرنسي، الوصول إلى هذه الصيغة الفريدة من الكتابة التي تسمى "الأدب الفرنسي" كانت تجربة عالم دون أية تواصل ملموس مع العالم الذي نعيش فيه، وتقريبا دون أي شيء مشترك مع مشاهدنا (صورنا) الاجتماعية أو الطبيعية.
    كانت هذه الفجوة (الانقطاع) تصنع فجوة أخرى. وأصبحت، بالنتيجة، موحية بشكل مضاعف . ومن دون شكّ أنها كانت تُظهر الغطرسة التي تفصل دوما الثقافة الأدبية –"النمط الأدبي" literariness كمعالجة معيّنة للغة، والمعنى، والإحالة- عن الثقافة غير الأدبية، حتى وإن كانت هذا الفصل غير قابل للاختزال أبدا في "ما هو خالص و بسيط". ولكن خارج هذا الاختلاف في الأصل (انعدام التجانس) الجوهري، وخارج هذه الهرمية الكونية، نجد أن انقطاعا قاسيا، في هذه الحالة بالذات، كان يشكّل تجزئة أكثر خطرا: تلك التي تفصل الأدب الفرنسي –تاريخه، أعماله، نماذجه، عبادته للأموات، أنماط نقله واحتفاليته، و"أحياءه الراقية"، أسماء مؤلفيه وناشريه- عن الثقافة "الخاصة" بـ"الفرنسيين الجزائريين". فلا يدخل المرء الأدب الفرنسي إلا إذا فقد لهجته [لسانه]. أظنّني لم أفقد لهجتي؛ لم أفقد كل شيء من لهجتي "الفرنسية الجزائرية". فنغمة كلامي تبدو أكثر بروزا في بعض الحالات "العملية" (الغضب أو التعجّب في وسط أسري أو مألوف، وفي غالب الأحيان في الجو الخاص أكثر منها في الجو العام، وهذا معيار موثوق لتجربة هذا التمييز الغريب و المحفوف بالمخاطر). لكنني أود أن آمل، أفضّل كثيرا لو أن ما من شيء يُنشر يسمح ببروز "لهجتي الفرنسية الجزائرية". وفي ذات الوقت، وحتى يثبت العكس، لا أعتقد أنه بمقدور أي شخص أن يكتشف من خلال القراءة ، ما لم أعلن عن ذلك بنفسي، أنني "جزائري فرنسي". فأنا احتفظ، من دون شكّ، بنوع من الاستجابة اللاإرادية المكتسبة من ضرورة هذا التحوّل اليقظ. أنا لست فخورا بهذا، ولا أصنع منه عقيدة، ولكنّ الأمر كذلك: لهجة –أي لهجة فرنسية، ولكن، وفوق كل شيء، لهجة جنوبية قويّة- تبدو لا تتلاءم في نظري مع السمو الذهني للكلام (الخطاب) العام. (أمر غير مقبول أليس كذلك؟ حسنا، أنا أقبله.) غير ملائم، بشكل مسبق، مع وظيفة الكلام الشعري: فلمّا استمعت، على سبيل المثال، لروني شار Rene Char يُلقي أمثاله المكثرة من المواعظ المضجرة بلهجة بدت لي فورا هزلية ووقحة، كخيانة لحقيقة ما، دمّر ذلك الحدث، بشكل كبير، إعجابا كنت أكنه له في شبابي.
    فالنبرة تُشير إلى قتال مباشر مع اللغة عموما؛ وتعني أكثر من مجرّد التنبير accentuation . ويغزو مبحث أغراضها symptomatology الكتابة. وهذا ليس عدلا وإنما الأمر كذلك. ومن خلال الحكاية التي أقوم بسردها على مسامعكم، ورغم كل شيء فإني أبدو وكأني أعلن، أعترف أنني قد تعوّدت على عدم تسامح مُشين ولكنه عنيد: على الأقل بالفرنسية، بقدر ما يتعلّق الأمر باللغة، لا أستطيع تحمّل أو الإعجاب بأي شيء آخر غير الفرنسية الفصيحة (النقيّة). كما أفعل في كل الميادين، لم أتخلّ يوما عن طرح الفكرة الرئيسية "لصفاء اللغة" في كل أشكاله (النبض الأول لما يُسمّى "تفكيكا" يحملها باتجاه "نقد" الصورة الذهنية أو الحقيقة البديهية للصفاء (نقاء اللغة)، أو باتجاه التحلّل التحليلي للتنقية (التطهير) التي ستقود للوراء باتجاه بساطة الأصل غير القابلة للتحلّل)، وما زلت لا أجرؤ على القبول بهذه المطلب المُلزم لنقاوة اللغة ما عدا داخل حدود أكون متأكّدا منها: وهذا المطلب ليس أخلاقيا، ولا هو سياسيا ولا هو اجتماعيا. وهو لا يوحي لي بأي رأي. بل إنه يعرّضني فقط للألم عندما يصادف أن يفشل شخص ما، وقد يكون أنا نفسي، عن بلوغها. وأتألّم أكثر لـمّا أفاجئ نفسي أو أُفاجئ متلبّسا بالجريمة. (ها أننا نتحدّث، من جديد، عن الجرائم رغم ما أنكرته للتوّ). وفوق كل شيء يبقى هذا المطلب عنيدا إلى حدّ يجعله يتخطّى وجهة النظر النحويّة، وتُهمل "الأسلوب" حتى بهدف الانصياع لقاعدة خفيّة أكثر، و"الاستماع" للدمدمة" المستبدّة لأمر يظهر شخص ما بداخلي أنه يفهمه، حتى في الحالات التي أكون فيها الشخص الوحيد الذي يفعل هكذا، وجها لوجه مع اللسان idiom، الغرض النهائي: وصية أخيرة للغة، إجمالا، قاعدة (قانونا) للغة التي ستعهد بنفسها لي أنا فقط. كما لو أنني وريثها الأخير، آخر مدافع ومبرز للغة الفرنسية (من هذه النقطة، أستطيع أن أسمع الاحتجاجات تأتي من جوانب مختلفة: أي نعم، لا تسخر منّا!). وكأنّني أسعى لأن ألعب ذلك الدور، أي أن أعتبر نفسي مطابقا لهذا المشرّع البطل-الشهيد-الرائد-المطارد من العدالة الذي لن يتردّد في أن يبيّن بوضوح أن هذه الوصية الأخيرة في نقاوتها الأساسية والمطلقة، لا تتفق مع أي شيء معطى (متن اللغة، النحو، الأسلوبية، أو الذائقة الشعرية))- والذي لن يتردّد بالتالي في انتهاك كل هذه التعليمات، ليحرق كل شيء بهدف أن يسلّم نفسه للغة، للغته.
    لأنني، اعترفن أنني أسلّم نفسي دائما للغة.
    ولكن للغتي أنا و للغة الآخر كذلك، وأستسلم لها مع النية المسبقة دوما تقريبا بالنظر إليها أنها لا يمكنها العودة: ليس من هنالك، لا من هنا، وليس من هناك، هناك وليس هنا، لا بغرض أن نُضفي تصديق لأي شيء يمنح، بل فقط لما سيأتي، ولهذا السبب فإنني أتحدث عن تراث أو عن وصية أخيرة.
    وبالتالي فإنني أقبل بنقاوة ليست نقية تماما. أي شيء عدا الصفائية purism [الحرص على صفاء اللغة والأسلوب]. فهي، على الأقل، "النقاوة" الوحيدة المهجّنة التي أجرؤ على الاعتراف بميلي لها. إنه ميل صريح لطريقة ما في التلفّظ. لم أتوقف أبدا خاصة عندما كنت أدرّس، عن تعلّم التكلّم بلطف (بأسلوب رقيق)، وهي مهمة شاقة بالنسبة "لأوروبي الجزائر" [ساكن الجزائر من أصل أوروبي] pied-noir ، وخصوصا من داخل أسرتي، ولكن من أجل أن أضمن أن هذا الأسلوب الرقيق في الكلام يكشف عن بديل لما هو محتفظ به هكذا كبديل، بصعوبة، وبمشقة كبيرة، المكبوح عند مجرى الفيضان [بوابة التحكم في التدفق -المترجم]، مجرى فيضان خطير يسمح للمرء أن يخشى الكارثة. فالأسوأ يمكن أن يحدث عند كل منعرج.
    أقول "مجرى الفيضان"، مجرى فيضان الفعل والصوت. لقد تحدّثت كثيرا عن هذا في غير مكان، وكأن مخطط داهية، أو خبيرا في علم ضبط cybernetics النغمة tone ما يزال يحتفظ بوهم آلية تحكّم ويراقب المقياس ليُحدد زمن التشغيل. كان بوسعي أن أتحدّث عن هدير الأمواج التي لا يمكن الإبحار فيها. وهذا الهدير يهدد دوما بالتراجع. لقد كنت أول من يخاف صوته، وكأنه لي صوتي، وأصارعه، بل حتى أمقته.
    وإذا ما كنت دوما أرتجف أمام ما قد أقوله، فذلك بالأساس بسبب النغمة tone وليس الجوهر. وما أسعى إلى إفشاءه بشكل مبهم وكأن ذلك عصبا عني، لأمنحه أو أعيره للآخرين ولنفسي أيضا، لنفسي كما للآخرين، ربّما هو نغمة tone . فكل شيء يُستحضر من التنغيم intonation (في الكلام).
    وحتى من قبل أيضا، فيما يمنح جرسه للنغمة، أي الإيقاع rhythm . أعتقد أنني بشكل عام اعتمد على الإيقاع في مراهنتي بكل شيء.
    وهي بالتالي تبدأ قبل البداية. ذلك هو أصل الإيقاع الذي لا يمكن التنبّؤ به. فكل شيء موضع رهان، ولكن ربّما فاز الخاسر.
    لأنه، من الطبيعي، أن هذا الميل المبالغ فيه لنقاوة اللغة هو شيء تعوّدت عليه في المدرسة. أنا مدرك لذلك، وهذا ما يجب توضيحه. والشيء نفسه ينطبق على المبالغة (المغالاة) عموما. مُغال عنيد. مغالاة معممة. وباختصار فإنني أبالغ. ولكن مثلها مثل الأمراض التي نصاب بعدواها في المدرسة، فإن الفطرة السليمة، والأطباء يذكروننا أن الاحتياطات ضرورية لتقليصها. ويجب افتراض وجود أرضية خصبة. فلا ثورة ضدّ أي انضباط، ولا نقد للمؤسسة الأكاديمية يمكن أن تُخمِد ما بداخلي وسيُشبه دوما نوعا من الوصية الأخيرة، اللغة الأخيرة لآخر كلمة من الوصية الأخيرة:

    ولكن كما اقترحت سابقا، فإن هذا الإفراط ربّما كان أكثر قدما في من المدرسة. لا بدّ أن كل شيء قد بدأ قبل المدرسة؛ ويبقى على إذن أن أحلله بشكل أقرب إلى ماضي السحيق، ولكني ما زلت أشعر أنني غير قادر عن هذا. ومع ذلك، فأنا أحتاج إلى العودة بالتفكير إلى ذلك الماضي الذي يسبق المدرسة حتى أفسّر عمومية نزعة "الإغراق" (الغلوّ) hyperbolism التي اجتاحت حياتي وعملي. فكل شيء يمر تحت تسمية "التفكيك" deconstruction ينهض منه، بطبيعة الحال؛ ومجرّد برقية ستفي بالغرض هنا، بادئة بالإغراق (الغلوّ) hyperbole (مصطلح استخدمه أفلاطون) الذي سيكون قد أمر بكل شيء، بما في ذلك إعادة تأويل Khora، وخاصة، العبور إلى ما وراء عبور العنصر الخيّر أو الواحد ما وراء الوجود (hyperbole…epekeima tes ousias)، إفراط وراء إفراط: منيع. خاصة، نفس الغلوّ الذي كان سيدفع بطفل يهودي فرنسي من الجزائر إلى داخل الاعتقاد، وأحيانا ينادي نفسه، إلى أعماق الجذور، إلى ما قبل الجذور (الأصل)، في ما فوق الراديكالية، فرنسيا بدرجة أكثر وأقلّ ولكن أيضا يهوديا بدرجة أكثر و أقل من كل الفرنسيين، كل اليهود ، وكل يهود فرنسا. وهنا أيضا، [مغاربيا فرنكوفونيا بدرجة أكبر] من كل المغاربة الفرنكوفونيين (الناطقين باللهجة الفرنسية).

    صدقوني، بالرغم من أنني أقيس سُخف ووقاحة هذه المزاعم المؤكّدة (مثل "أنا آخر يهودي" في دائرة الاعتراف circonfession)، فإنني أجازف بها حتى أكون أمينا مع المشتركين في محادثتي ومع نفسي، مع الشخص الذي في داخلي والذي يشعر بالأشياء بتلك الطريقة. بتلك الطريقة دون غيرها. لأنني أقول الحقيقة دائما، بمقدوركم تصديقي.

    بطبيعة الحال، أن كل هذا كان حركة في حركة. والعملية لم تتوقف أبدا عن التسارع. فالأشياء باتت تتبدّل بسرعة أكبر من سرعة إيقاع الأجيال. دامت هذه العجلة قرنا كاملا بالنسبة للجزائر، وأقل من قرن بالنسبة ليهود الجزائر. وبالتالي سيكون هذا التغيّر غير المتزامن diachronic الدقيق ضروريا لهذه الحكاية. لأنه في كل الظواهر من هذا النوع، تقوم الحرب بتعجيل الاندفاع العام. كما فعلت في فترات منح حق المواطنة (الجنسية) وسحبها، وفي تقدّم العلوم والتقنية، والجراحة، والطب عموما، فالحرب تبقى عاملا مسرّعا هائلا. في أواسط فترة الحرب، مباشرة على إثر إنزال القوات الحلفاء في شمال أمريكا في شهر نوفمبر 1942، شهدنا تكوين نوع من العاصمة الأدبية لفرنسا في المنفى وذلك بمدينة الجزائر: غليان ثقافي، وحضور "مشاهير" الكتاب، وانتشار الصحف والمجلات ومبادرات النشر. وهذا يُضفي أيضا وضوحا أكثر زيفا على الأدب الجزائري الذي يُطلقون عليه التعبير باللغة الفرنسية، سواء كان المرء يتعامل مع كتاب من أصل أوروبي (مثل كامو Camus وعدد آخر كثير) أو مع كتاب من أصل جزائري، يمثلون تحوّلا مختلفا جدّا. وبعد سنوات عديدة، في خضم يقظة هذه اللحظة العجيبة من المجد والتي ما زالت تتألق، يبدو وكأنني قد علقت في الفلسفة والأدب الفرنسيين، هذه والأخرى، هذه أو الأخرى: سهام خشبية أو معدنية، جسد مخترِق يتكون من مفردات مرغوبة، هائلة ويتعذّر بلوغها حتى عندما كانت تقتحمني، جمل كان من الضروري تملّكها، ترويضها، ملاطفتها، أي أعشق بإضرام النار، احرق ("الصوفان" amadou ليس ببعيد أبدا)، و دمّر حتّى، وفي كل الأحوال ضع وسما، حوّل، هذّب، أِقطع، شكّل، التحم بالنار، أترك الأمور تأتي بشكل آخر، بعبارة أخرى، لنفسها وبنفسها.

    لنكن أكثر تحديدا. ما من شك أن الملاطفة (التملّق) amadouer كان في هذه الحالة، حلما. وما يزال كذلك. أي حلما هو؟ ليس حلم إلحاق الأذى باللغة (فلا يوجد شيء أجله وأحبه أكثر من اللغة)، وليس تهديدها وجرحها بسبب إحدى دوافع حب الانتقام الذي أشكل منه هنا موضوعي (دون أن أقدر أبدا على تحديد مكان موضع الرفض؛ من يثأر لنفسه ممّن، و أليست اللغة متأثرة بهذه الغيرة الحقودة؟)، ولا يتعلّق الأمر بسوء معاملة هذه اللغة، في قواعدها النحوية، وتركيبتها، ومعجم مفرداتها، وفي مجمل قواعدها ومعاييرها التي تشكّل قانونها، وليست في الانتصاب الذي يجعل منها قانونا في حدّ ذاتها. ولكن الحلم، الذي لا بد أن يكون قد بدأ الحلم به في ذلك الوقت، ربّما كان أن نجعل أمرا ما يطرأ على هذه اللغة. الرغبة في جعلها تصل إلى هنا، بجعل شيء ما يطرأ عليها، هذه اللغة التي بقيت سليمة (بكرا)، دوما مهيبة وموقّرة، تُعبد في صلاة مفرداتها وفي الالتزامات المتعاقدة فيها، وذلك بجعلها تتعرّض لطارئ ما، إذن، شيئا ما يكون حميم جدّا مما يجعلها ليست في موضع الاحتجاج دون حاجة للاحتجاج، وبشكل مماثل، ضدّ فيضها (انبثاقها) الخاص بها، حميم بشكل لا يمكنها أن تعارضه إلا من خلال وصمات شائنة ومخزية، أمرا جد حميم إلى حد أنه يتمكّن من التمتّع بها وفيها، في الوقت الذي تفقد فيه نفسها من خلال عثورها عليها، وبواسطة تحويل نفسها إلى نفسها، مثل الواحد الذي يدور على نفسه، الذي يعود (من نفسه) إلى نفسه، في ذات الوقت لما يجعل ضيف مبهم، قادم جديد من غير أصل معيّن، اللغة المعنية تأتي إليه، ويُكره اللغة عندئذ أن تعبّر عن نفسها بنفسها، بشكل آخر، بلغته. أن تُعبّر بنفسها. ولكن بالنسبة إليه، وبشروطه، تحتفظ في جسدها بأرشيف هذا الحدث الذي لا يمّحي: ليس بالضرورة طفلا بل وشما، شكلا رائعا، يختفي تحت الملابس حيث يختلط فيه الدم بالحبر ليجلي للنظر كل ألوانه. ( الأرشيف المجسّد لطقس ديني لن يُفشي سرّه أي شخص. واحد لا يمكن لأي شخص آخر أن يتملّكه فعلا. ولا حتى أنا، رغم أنني مطلّع على السرّ.

    ما يزال ينبغي علي أن أحلم بذلك، في "حنيني للوطن".
    كان ينبغي علي أن أسمّي ذلك استقلالي عن الجزائر.
    ولكن كما قلت سابقا، لم يكن ذلك سوى حلقة أولى من العمومية، برنامجا مشتركا لكل التلاميذ منذ الوهلة التي يجدون فيها أنفسهم مُخضعين ومشكّلين من طرف بيداغوجية الفرنسية هذه. بإيجاز، منذ الوهلة التي عثروا فيها على أنفسهم.

    داخل هذه المجموعة، المحرومة هي نفسها من الأنماط السهلة وفي المتناول لتحديد الهوية، من الممكن تمييز إحدى المجموعات الفرعية التي كنت أنتمي إليها إلى حدّ ما. بدرجة ما فقط، لأنه حالما يتناول المرء مسائل الثقافة واللغة أو الكتابة، فإن مفهوم الجماعة أو الطبقة لا يبقى يثير موضوعا بسيطا كالإقصاء أو الاحتواء أو الإنتماء. وشبه المجموعة الفرعية هذه، ستكون إذا مجموعة "اليهود الأهليين"، كما كانوا يطلق عليهم في ذلك الوقت. ولكونهم رعايا فرنسيين من عام 1870 إلى قوانين الإقصاء لعام 1940، لم يكن بوسعهم تحديد هويتهم كما يجب، بالمعنى المزدوج "لتحديد المرء لهويّته" و"تماهي المرء مع" الآخر. فلم يكن بوسعهم تعيين هويتهم في النماذج، والمعايير أو القيم التي كان تطورها غريبا عليهم لأنها فرنسية، أسقفية، مسيحية وكاثوليكية. ففي الوسط الذي كنت أعيش فيه، كنا نقول "الـكاثوليك"؛ كنا نسمي كل الناس الفرنسيين غير اليهود "كاثوليك"، وحتى وإن كانوا أحيانا بروتستانتيين، أو ربما أرثوذكسيين: "فكاثوليك" كانت تعني كل شخص غير يهودي، ولا بربري ولا عربي. في ذلك الوقت، لم يكن بإمكان هؤلاء اليهود الأهليين الشبان أن يتماهوا مع "الكاثوليك" ولا مع العرب ولا مع البربر، حيث لم يكونوا عموما يتكلمون لغتهم في ذلك الجيل. ولكن جيلين قبلهم كان بعض أسلافهم ما يزالون يتكلمون اللغة العربية، لهجة معينة من اللغة العربية على الأقل.

    ولكن لكونهم غرباء على جذور الثقافة الفرنسية، حتى وإن كانت ثقافتهم الوحيدة المكتسبة، فإن ثقافتهم التعليمية الوحيدة، وخاصة، لغتهم الوحيدة، لكونهم غرباء، وبشكل أكثر راديكالية، في معظم الأحوال، بالنسبة للثقافة العربية والبربرية* [ونحن نعترض عن هذا التمييز بين الثقافتين، ولنا في هذا الشأن رأي مخالف ليس المجال لمناقشته الآن. -المترجم]، إن الأغلبية الساحقة من هؤلاء "اليهود الأهليين" الشبان بقوا، إلى جانب ذلك، غرباء على الثقافة اليهودية: وهو استلاب لا نهاية له للروح: كارثة؛ في حين يعتبره آخرون فرصة متناقضة. وهذا هو، بأية حال، الانعدام الجذري للثقافة [ inculture حالة اللاثقافة] الذي ما من شك أنني لم أبرز منه بشكل كامل. والذي أنبثق منه دون بروز، من خلال انبثاقي منه بشكل كامل دون أن أكون قد برزت منه.

    هنالك، أيضا، نوع من الحِرْم interdict سيفرض قانونه المكتوب. منذ نهاية القرن الماضي، مع منح المواطنة [الجنسية] الفرنسية، كانت حملة الاحتواء assimilation، كما نقول أو المثاقفة -كانت الدعوة المحمومة "للفرنسة" التي كانت أيضا عملية برجزة * bourgeoisification - نزعة مسعورة جدا وطائشة حدّ أن روح الثقافة اليهودية بدا يستسلم إلى حالة اختناق: حالة من الموت الظاهري، توقف عن التنفّس، نوبة من الغيبوبة، توقف النبض. ولكن ذلك لم يكن سوى أحد علامتين لنفس العدوى، وفي اللحظة الموالية بدا وكأن النبض يتسارع، وكأن نفس "الطائفة" قد تخدّرت أو ثملت، وابتهجت بسبب الترف الجديد. ولنفس السبب أفرغت ذاكرتها، نُقلت، أو أُخليت : وهنالك مليون دليل لإثبات ذلك. لقد كانت تقاوم للتخلّص من الشبح، ولكن فقط لتتقمّص شبحا آخر بأسرع ما يكون. ولو لم تبدأ هذه الحركة في وقت مبكّر، لتعرّت الجماعة اليهودية بشكل مسبق إلى المصادرة الاستعمارية. لست في موقع شرعي وعفوي، لكي أطرح هذا الافتراض الأخير للاختبار: لأنني أحمل الإرث السلبي، إذا جاز لي التعبير، هذه الفجوة في الذاكرة، التي لم يكن لي الشجاعة أبدا، ولا القوة ولا الوسيلة لقاومتها، ولأن عمل مؤرّخ أصيل سيكون ضروريا، وهو ما أحسست نفسي غير قادر عليه. ربّما لهذا السبب بالذات.
    *[برجزة: كلمة نحتها المترجم ليقصد بها نزعة البعض لنشر الذوق البرجوازي ومنح البعض امتيازات شبيهة بالتي تتمتع بها الطبقة البرجوازية المتوسطة أو الحاكمة
    هذا العجز، هذه الذاكرة المعاقة، هي موضوع مرثاتي هنا. هي سبب شقائي لأنني حسب ما أعتقد قد أدركتها خلال سنين مراهقتي، لما بدأت أدرك قيلا مما كان يحدث، كان هذا الإرث قد تحجّر، و تنكرز حتّى [أي أصيب بموت موضعي]، ليُصبح سلوكا شعائريا، لم يعُد معناه واضحا حتى للأغلبية الساحقة من يهود الجزائر. وكنت أعتقد في ذلك الوقت أنني كنت أتعامل مع ديانة يهودية "مكونة من إشارات سطحية ". ولكن لم يكن بوسعي أن أتمرّد -صدقوني، لقد كنت أتمرّد ضد ما أعتبره إيماءات، خاصة أيام الأعياد في المعابد اليهودية- لم أستطع أن أفقد صوابي إلا مما كان ق أصبح الآن عدوى مسيحية ماكرة: الاعتقاد الراسخ في الاستبطانية inwardness [التوجه إلى الباطن، واستغراق المرء في حياته العقلية أو الروحية-المترجم]، تفضيل النية، القلب، والعقل وعدم الثقة بالحرفية literalness [الموضوعية والواقعية والتزام الحقائق بأمانة-المترجم] أو بالفعل الموضوعي الناجم عن آلية mechanicity الجسد [بما فيه من طاقة وقوة، وقدرة على الفعل-المترجم]، وبإيجاز، تنديد، تقليدي جدّ لمذهب الفريسيين pharisaism [معتقداتهم وأخلاقهم التي تتصف بالمراء-المترجم].

    لن أركّز كثيرا على هذه المسائل، المعروفة جيدا والتي شُفيت منها كثيرا. ولكن أثيرها مرورا فقط لكي أشير إلى إلى أنن لست الوحيد الذي تأثر بهذه "العدوى "المسيحية. فالسلوك الاجتماعي والديني، وحتى الطقوس اليهودية نفسها مطبوعة بها، في موضوعيتها الملموسة. فالكناس كانت تُحاكى، والحبر (الحاخام) اليهودي يلبس الغفّارة السوداء (رداء يلبسه الكاهن في الكنيسة)، والقندلفت [شماغ) قبعة نابليونية مرتفعة؛ و "bar mitzvah" أصبح يسمّى العشاء الرباني communion، والطهور اصبح يسمّى "المعمودية" baptism. وقد تبدّلت الأشياء قليلا منذ ذلك الوقت، ولكنني أتحدّث عن الثلاثينيات، والأربعينيات والخمسينيات [من القرن العشرين].
    أما بالنسبة للغة بالمعنى الحرفيـ فلا يمكننا أن نلجأ إلى بديل مألوف، إلى نوع من اللهجة idiom الداخلية عند الطائفة اليهودية، لأي نوع من لغة اللجوء التي، مثل الييدية Yiddish [وهي لهجة من لهجات اللغة الألمانية تكثر فيها الكلمات العبرية والسلافية وينطق بها اليهود في الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الوسطى وتُكتب بالحروف العبرية-المترجم]، تضمن عنصر حميمية، حماية "بيت المرء الخاص به" ضدّ لغة الثقافة الرسمية، مساعد ثاني في أوضاع سوسيو-سيميائية مختلفة. "الأسباعبرية" Ladino [لهجة مزيج من الأسبانية والعبرية -المترجم] لا يتكلّمها الناس في الجزائر، حسب علمي، خاصة ليس في المدن الكبيرة مثل الجزائر العاصمة، حيث حدث أن تركّزت السكان اليهود. (9)
    باختصار، كان هنالك "طائفة" مقطعة ومعزولة. ويمكن للمرء أن يتصوّر الرغبة في محو مثل هذا الحدث، أو، على الأقل، تخفيفه، للتعويض عنه، وأيضا للتنصل منه. ولكن تحقّقت الرغبة أم لم تتحقّق، فإن الصدمة النفسية ستكون قد وقعت، بتداعياتها اللا-محددة، تفكّك وتركّب في آن واحد. هذه "الطائفة" ستكون قد تفكّكت ثلاث مرات بواسطة، ما يمكن أن نسميه، بنوع من العجلة هنا، الموانع interdicts . (1) أولا، فقد انفصلت عن كل من اللغة والثقافة العربية أو البربرية (والأنسب أن نقول هنا اللهجة المغاربية) . (2) فًصلت أيضا عن الفرنسية، وحتى عن اللغة والثقافة الأوروبية، والتي، من وجهة نظرها، لا تُمثل سوى قطبا بعيدا أو وطنا بعيدا، غير متجانس مع تاريخها. (3) وفصلت في الأخير، أو في البدء، من ذاكرتها اليهودية، ومن التاريخ واللغة التي يتعيّن على المرء أن يفترض أنه ملكه، ، ولكن، في لحظة ما، لم تعُد كذلك. على الأقل ليس بطريقة نموذجية بالنسبة للأغلبية الساحقة من أفرادها، وليس بطريقة داخلية "نشطة" بشكل كاف.
    انفصال مضاعف ثلاث مرات لما يتعيّن على المرء، رغم ذلك، أن يستمرّ، من خلال خيال تمثل صورته الزائفة وقسوته موضوعنا هنا، في تسميته نفس "الطائفة"، في نفس "البلد"، ونفس "الجمهورية"، ثلاث مقاطعات من نفس "الدولة-القطرية".
    أين نحن إذا؟ اين نجد أنفسنا؟ مع من يمكننا أن نتماهى لكي نؤكد هويتنا ولنحكي لأنفسنا تاريخنا؟ أولا، لمن نُـعيد سرده؟ على المرء أن يركّب ذاته، عليه أن يكون قادرا على اختلاق نفسه دون نموذج ودون مخاطب مؤكّد. هذا المخاطب يمكن ، طبعا، أن يكون أبدا مفترضا، في كل الحالات في العالم. ولكن صور هذا الافتراض كانت في هذه الحالة جدّ نادرة، مبهمة للغاية، وعشوائية إلى حد أن لفظ "ابتداع" invention يخلو من المبالغة تقريبا.
    إذا ما وصفت هذه المعطيات جيدا، فما هي أحادية اللغة إذا، أحادية لغتي "الخاصة"؟
    إن التصاقي باللغة الفرنسية يتّخذ أشكالا أعتبرها أحيانا "عصبية". فأنا شعر بالضياع خارج اللغة الفرنسية. أما اللغات الأخرى التي أقرأها وأفك شفرتها أو أتكلّمها أحيانا،وبشكل مشوّش، فلن أسكن إليها. حيث أن "السكن" يبدأ في اتخاذ معنى بالنسبة لي. والسكن. لست فقط ضائع، متروك، ودان خارج اللغة الفرنسية، بل لدي شعور بأنني أوفي بتعهداتي وأخدم كل اللهجات، باختصار، بأنني أكتب "الأكثر" و"الأفضل" عندما أشحذ متانة فرنسـتي، "النقاوة" السرية في لهجتي الفرنسية، التي كنت أتحدث عنها سابقا، وبالتالي متانتها، ومقاومتها العنيدة للترجمة؛ الترجمة لكل اللغات، بما في ذلك لهجة فرنسية أخرى كهذه.
    ليس أنني أشجّع ما لا يُترجم. فلا شيء غير قابل للترجمة، بالرغم من الوقت القليل المخصص لإنفاق أو توسيع خطاب كفء يصمد أمام قوّة النص الأصلي. ولكن "غير القابل للترجمة" يبقى -ويجب أن يبقى، كما تمليه علي قواعدي- الإيجاز الشعري في اللهجة (العبارة)، وهي الأهم بالنسبة لي، لأنني سأموت بسرعة أكبر بدونها والتي تعتبر هامة لي، أنا نفسي، حيث يفشل دوما "مقدار" شكلي معين في إعادة الحدث المميز للأصل، أي، أن تتركها تُنسى حالما تُدوَّن، لتحمل بعيدا عددها، الظل العروضي لكمّها [وحدة من الطاقة-المترجم] كلمة بكلمة، إذا أردتم، أو مقطعا. منذ الوهلة التي يتم فيها التخلي عن هذه المعادلة الاقتصادية -وهي مستحيلة تماما على فكرة- كل شيء يمكن ترجمته، ولكن ترجمة غير محكمة، بالمعنى غير الدقيق للفظة "ترجمة". أنا لست بصدد الحديث عن الشعر، فقط عن العروض، عن التفعيلات (النبرة والمقدار في زمن التلفظ). وبمعنى ما، لا شيء غير قابل للترجمة؛ ولكن بمعنى آخر كل شيء غير قابل للترجمة؛ فالترجمة تسمية أخرى للمستحيل. بمعنى آخر لكلمة "ترجمة"، طبعا، ومن معنى لآخر- من السهل لدي دائما أن أظل صامدا بين صيغتي المبالغة هاتين واللتان لا تختلفان أساسا، وتُترجمان إحداهما الأخرى دوما.
    كيف يُعبّر المرء وكيف يعرف، بيقين منسجم مع نفسه، أنه لن يسكن أبدا لغة الآخر، اللغة الأخرى، عندما تكون هي اللغة الوحيدة التي يتكلّمها، ويتكلّم بعناد أحادي اللغة، بطريقة اصطلاحية غيورة و صارمة، دون أن يكون،مع ذلك، أبدا يشعر بالارتياح فيها؟ والحارس الغيور الذي ينصبه المرء على مقربة من لغته، حتى وإن كان يندد بالسياسات القومية للغة (فأنا أقوم بهذا وذاك)، يتطلّب مضاعفة shibboleths كتحديات عديدة أمام الترجمة، والعديد من الضرائب تُجمع على حدود اللغات، العديد من التحالفات مخصصة لسفراء اللغة، العديد من الاختراعات مخصصة للمترجمين: وبالتالي ابتكر في لغتـك إذا استطعت أو أردت أن تستمع للغتي؛ ابتكر إذا استطعت أو أردت أن تجعل لغتي مفهومة، مثلما هي لغتك، حيث أن حدث عروضها لا يقع إلا إذا كان في موطنه، في المكان نفسه الذي هو "كونها في موطنها" يزعج المتعايشين معها، المواطنين، وأبناء البلد؟ أبناء بلد كل بلد، الشعراء المترجمين، الثوار ضد الوطنية! هل تسمعونني! في كل مرة أكتب كلمة، كلمة أحبّها وأحب أن أكتبها؛ في زمن هذه الكلمة، في لحظة مقطع وحيد، تستيقظ في داخلي أنشودة الدولية الجديدة. ولا أقدر على مقاومتها، فأخرج للشارع تلبية لندائها، حتى وإن كنت ظاهريا أعمل جالسا إلى طاولتي بصمت منذ الفجر.
    ولكن فوق كل شيء، و هاهو السؤال الأكثر خطرا: كيف يمكن لهذه اللغة، اللغة التي يتكلّما أحادي اللغة هذا، ومقدر عليه أن يتكلّمها، دائما أبدا، أن لا تكون ملكه؟ كيف بإمكان المرء أن يصدّق أنها تظل دائما صامتة بالنسبة لشخص يسكنها، وتسكنه بشكل حميم، وأنها تبقى بعيدة، متنافرة، غير مسكونة، ومقفرة؟ مقفرة كصحراء على المرء أن ينمو فيها ويزرع الأشياء، ويبني ويعكس ويُبرز فكرة الطريق، وأثر العودة، ومع ذلك فهي لغة أخرى.
    أقول طريق وأثر العودة، لأن ما يميّز الطريق route عن المسرب path أو عن "vis rupta” وهو جذر الكلمة، وأيضا كما تختلف الطريقة methodos عن "Odos"، هو التكرار، العود، المقلوبية، القدرة على التكرار، التكرار المحتمل لخط الرحلة. كيف يكون ممكنا أن هذه اللغة أكانت فطرية received أو مكتسبة learned ، فإن هذه اللغة محسوسة، مستكشفة، مطورة، ويجب أن تتم إعادة اختلاقها دون خط رحلة، ودون خريطة، مثل لغة الآخر.
    لا أدرى ما إذا كنت أجانب التكبّر أو التواضع إذا ما ادعيت أن تجربتي كانت، بشكل كبير، هكذا، أو أنها تشبه قدري قليلا، على الأقل من ناحية صعوبتها.
    لكن سيقال إلي، وليس دون دوافع، أن الأمر دوما كذلك بداهة -وبالسبة لكل الآخرين. فاللغة التي نسميها اللغة الأم لم تكن أبدا في صيغة الجمع، ولا خصوصية، ولا غير مأهولة. السكن: هذه قيمة مربكة وملتبسة في ذات الوقت؛ فالشخص لا يسكن ما تعوّد أن يسميه إقامة. فلا يوجد موطن ممكن دون هذا الاختلاف في هذا المنفى وهذا الحنين. ومن المؤكد، أن هذا معروف كثيرا أيضا. ولكن هذا لا يعني أن كل المنافي متساوية. من هذا الشاطئ، نعم، من هذا الشاطئ أو هذا الانجراف المشترك، كل المنافي (الاغترابات) تبقى شخصية.
    لأن هنالك تحريف لهذه الحقيقة. هذه الحقيقة الكونية البديهية لوجود إنسلاب جوهري في اللـغة -التي هي دوما لغة الآخر- و، وبنفس الشكل، في كل الثقافة. هذه الضرورة يُعاد وسـمها re-marked هنا، وتُكشف مرة أخرى، ومرّة أولى أخرى، في إطار لا يضاهى. إطار يسمّى تاريخي أو مفرد، إطار يبدو اصطلاحي، يحدده ويطرحه كظاهرة من خلال إعادته إلى ذاته.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 02:55 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا للصديقة نجاة على انزال صورة جاك دريدا


    القراءة: جاك دريدا ، ونظرية التفكيك اسم الكاتب : خالدة حامد تسكام التاريخ: 2000م

    --------------------------------------------------------------------------------



    جاك دريدا ، ونظرية التفكيك..ـــ خالدة حامد تسكام

    تعد التفكيك deconstruction أهم حركة مابعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً. وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة، فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد مثل ج.هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم)، هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم، ومن ناحية أخرى نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون تحت خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم من التفكيك الذي يعدوه سخيفاً وشريراً ومدمراً. ولم يخلو أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد.‏

    فهل أن التفكيك مدمر حقاً؟ وإذا كان الجواب نعم، كيف يكون، ذلك ولماذا؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا هذا الرعب؟لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد فهم مفاهيم التفكيك الأساسية وتقويمها، ولعل أفضل موضع ننطلق منه لتحقيق غايتنا هو كتاب "في علم الكتابة"(1) Of grammatology الذي يعد لسان التفكيك... العمل البارز الذي أنجزه جاك دريدا، الفيلسوف والناقد الفرنسي.‏

    وأنا أعتقد أن البحث الذي يتقصى دريدا ونظريته في التفكيك تواجهه عقبتان رئيستان، الأولى أوجدها أسلوب دريدا نفسه المتسم بإثارة الحيرة فضلاً عن مصطلحاته ومفاهيمه، أما الثانية فهي سلسلة الآراء النقدية التي تعد تأويلات interpretations غير وافية أو سوء تأويلات misinterpretations محتملة، على الرغم من الضوء الذي تسلطه على بعض المفاهيم الصعبة التي شكلها دريدا، وسوف أعمل أنا على توثيق بعض هذه التعليقات النقدية قبل الشروع بتقديم وصفي وتقويمي لمفاهيم التفكيك.‏

    يؤكد م.هـ.ابرامز أن أبرز جزء في نظرية دريدا هو: "1 ـ أنه ينقل بحثه من اللغة إلى الكتابة، النص المكتوب أو المطبوع، 2 ـ إنه يتصور النص بطريقة محددة غير اعتيادية"(1) . ولم يعمد أبرامز إلى تبسيط مكانة دريدا بوصفه تفكيكاً من خلال مساواته مع البنيويين الفرنسيين الآخرين فحسب، بل أنه شوهد إلى حد كبير حينما حاول تعريف بعض الكلمات الأساسية في النقد التفكيكي مثل "الكتابة" ecriture و"النص" text. وقد بين أن الكتابة عند دريدا هي النص المطبوع أو المكتوب وأن مفهوم النص محدد على نحو غير اعتيادي.‏

    وسأبرهن في معرض تقييمي لدريدا وتعليقي عليه أن ماجاء به أبرامز لا يتعدى كونه حفنة من سوء التأويلات التي لم يحدثنا فيها عن ماهية التفكيك بل عن أمور لا تمت إلى التفكيك بصلة.‏

    أما نيوتن غارفر فهو معلق آخر على دريدا، إذ يؤكد أن دريدا واحد من فلاسفة اللغة، وأنه يشدد على أسبقية البلاغة على المنطق:‏

    ينضوي دريدا تحت لواء الحركة التي تنظر إلى الأثر الذي تلعبه الملفوظات utterances في الخطاب الفعلي على أنه يمثل ماهية اللغة والمعنى، والذي يسبب ذلك يعد المنطق مستنبطاً من الاعتبارات البلاغية(2) .‏

    وقد حظيت الحجة التي تقول إن التفكيك حقل معرفي بلاغي بالدعم من لدن هيليس ميلر الذي يقول: "إن التفكيك بحث في الإرث الذي يخلفه المجاز والمفهوم والسرد في أحدهما الآخر، ولهذا السبب يعد التفكيك حقلاً معرفياً بلاغياً"(3) ، ويعتقد موراي كريغر أن دريدا "بنيوي نقدي قد تغلب على البنيوية وقهرها، وربما يكون قد أبطلها أيضاً، "وأضاف أن الهجوم الذي شنه دريدا يعد "شكلاً أكثر حداثة لذلك الهجوم القديم الذي شنه أفلاطون على الشاعر بوصفه خالق أساطير"(4) ، ويؤكد فريدريك جيمسون أن فكر دريدا ينفي وهم تخطي الميتافيزيقيا والهرب من النموذج القديم لغرض تمحيص الجديد وغير المكتشف(5) .‏

    ومن الممكن أن تكون هذه التعليقات مصدر تضليل إذا عددناها بياناً أو تقييماً سليماً لنظرية دريدا، على الرغم من فائدتها في سيرورة البحث في التفكيك، فنحن حينما نعد دريدا مع بقية فلاسفة اللغة الذين يعتقدون أن المنطق مستنبط من البلاغة، فإن هذا يعني سد الطريق أمام إمكان إدراك حداثة أفكاره، كما أن مساواة دريدا بأفلاطون والتأكيد على أن دريدا يكرر النزاع القديم مع الأسطورة myth يمثل إساءة لمكانة دريدا، والتأكيد على أن دريدا لم يفعل شيئاً سوى نقل الاهتمام من "الكلام" الى "الكتابة"، وبذا فإن حصر النص في حجيرة خاصة، لهو سوء تأويل حقاً. إذ ينبغي على المرء أن يكون حذر عند مقاربة المصادر الثانوية الرامية إلى فهم دريدا والتفكيك. وقد انقسم النقاد إلى فريقين... فهم أما يخفقون في فهم دريدا أو يسيئون تأويل أفكاره، ولهذا السبب لا يمكن الاعتداد بالمادة الثانوية، ولا يمكن أن نعدها مسالكاً سالكة توصل إلى عالم التفكيك، لكن مع ذلك يوجد نقاد آخرون أمثال هارولد بلوم وهيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن الذين هم بقدر أصالة دريدا، إلا أن كل واحد منهم يشكل مدرسة تقريباً ونادراً مايفسر دريدا... المعلم العظيم الأول للتفكيك. ويعد فهم دريدا الخطوة الأولى على طريق فهم التفكيك، ومما لاشك أن الخطوة الأولى تستدعي مماحكة أفكار دريدا.‏

    ويمكن القول أن النظرية التفكيكية بحاجة إلى الكثير من التحليلات الجديدة وأن أية محاولة يقوم بها أي ناقد يحاول تحليل هذه النظرية لا تحتاج إلى التعريف بالتفكيك بالضرورة لأن مثل هذه النظرية المعقدة والشائكة تمتنع عن التعريف. وعلى العكس من ذلك بإمكان المرء محاولة تفسير المصطلحات الأساسية التي شكلها دريدا لتدمير النقد التقليدي وتسهيل فعل التفكيك... وهذه هي الخطوة الأولى التي سأقوم بها هنا، وسأنوي بعد وصف وتحليل المصطلحات التي جاء بها دريدا الإجابة عن السؤال عن الكيفية التي يتمكن بها التفكيك من إعادة توجيه النقد الأدبي، وسأبين في المراحل النهائية من تحليلي أن ما وصف بالسخف هو ليس كذلك وأن للتفكيك مضامين روحية.‏

    ومن الجدير بالذكر أن "الكتابة" و"الكلام" كلمتان محوريتان يمكن أن يبدأ بهما فهمنا. وتتمع هاتان الكلمتان بدلالة خاصة في المفاهيم التقليدية للغة، إذ أن هذه المفاهيم تنص على أسبقية الكلام وأولويته على الكتابة، وأن الكلمة المنطوقة "صوت" phone كلمة غير خارجية ولها القدرة على المحو الذاتي. كما تُعرف الكلمة المنطوقة بأنها صورة صوتية سمعية) وظيفتها هي استحضار المفهوم الذي تمثله الصورة الصوتية. وتتلاشى الكلمة المنطوقة أو الصورة الصوتية في سيرورة استحضار المفهوم، ولهذا السبب فإنها بوصفها دالاً Signifier تطفئ نفسها في سيرورة التدليل على المدلول signified الذي يكون هو الأكثر أهمية من أي شيء آخر. ولا يمكن تصور هذا المدلول إلا من خلال الصورة الصوتية التي هي الدال. ومن الممكن أن نلاحظ هنا أن ثمة شيء أشبه بالثالوث في هذه العلاقة: الذهن الإنساني، الدال الصورة الصوتية)، المدلول المفهوم).‏

    والآن، ما المكانة التي تحتلها الكلمة المكتوبة في الفهم التقليدي للغة؟ تبعاً إلى المفهوم التقليدي للغة تعرّف الكلمة المكتوبة بأنها التمثيل الكتابي للكلمة المنطوقة: وبهذا الصدد فإنها دال الكلمة المنطوقة... وهكذا فإن "الكلمة المكتوبة هي دال المدلول وتعد ثانوية بالنسبة إلى الكلمة المنطوقة"، ولا يمكن أن تقوم الكلمة المكتوبة بأي شيء عدا تمثيل الكلمة المنطوقة في حين أن الكلمة المنطوقة هي الدال. فإذا أردت أنا استحضار مفهوم "زهرة" ينبغي عليّ عندئذٍ أن أنطق صوت "زهرة" زَهَـ رَة)، والدال هو هذه الصورة الصوتية أو الصورة السمعية. لكنني حينما أكتب كلمة "زهرة" فما عليّ سوى تمثيل الصورة الصوتية من خلال بنية كتابية graphic structure ولا ترتبط هذه الصورة الكتابية بأية صلة بالمفهوم، بل إن الصورة الكتابية لا تستطيع تمثيل المفهوم لأنها بنية مرئية للصورة الصوتية غير المرئية فحسب، إنها شيء أشبه بالطيف، وهي ثانوية بالنسبة إلى الصورة الصوتية ومن الممكن إهمالها، بل لابد من إهمالها.‏

    وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الحجج التقليدية التي نسبت مكانة ثانوية إلى الكلمة المكتوبة ومكانة رئيسة للكلمة المنطوقة هي حجج ميتافيزيقية ولاهوتية (6) ، وكتب دريدا في معرض تعليقه على الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه مفهوم الكلمة المنطوقة قائلاً:‏

    .... إن فهم الله هو الاسم الآخر للوغوس logos بوصفه حضوراً ذاتياً، ومن الممكن أن يكون غير متناه وحاضراً ذاتياً،، كما يمكن توليده من خلال الصوت بوصفه صفة ذاتية. حماسة الدال لا يمكن أن تستعير من خارج ذاتها الدال الذي تبعثه وتؤثر فيه في الوقت ذاته. وكذا الحال مع تجربة الصوت، إذ تحيا هذه التجربة وتعلن عن نفسها بوصفها إقصاء للكتابة، بمعنى آخر إقصاء للدال" الخارجي"، "المحسوس"، "المكاني" الذي يعيق الحضور الذاتي(7) .‏

    ويؤكد دريدا أن مفهومي الكلام والكتبة التقليديين هما "متمركزان حول اللوغوس" logocentric، وهذا مصطلح مهم آخر يستعمله دريدا ليعني به ما هو متجه ميتافيزيقيا أو ماهو متجه لاهوتياً(9) ، ولكي أكون أكثر دقة أود أن أوضح أن مفهومي الكلام والكتابة قد شكلتهما واشترطتهما وتحكمت بهما الميتافيزيقا. والحق أن هذا "التمركز حول اللوغوس"، هو "تمركز حول الصوت" phonocentrism.. ذلك الاعتقاد الذي يرد أن الصوت يقارب الواقع المتعالي(9) transcendental. ونجد في نظرية دريدا، أن التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت هما مصطلحان مختلفان يمثلان ظاهرة واحدة: النشوء الميتافيزيقي metaphysical genesis لمفهوم الكلام والفهم.ويركز التمركز حول العقل والتمركز حول الصوت على الصوت لأن هذين المفهومين يتولدان من الاعتقاد القائل أن الصوت يتوسط بين العقل الإنساني والواقع المتعالي. ويمكن القول أن هذه الحجة مقاربة للمفهوم الهندي لسلطة الـmantras. ويمكن تعريف الـ"mantra" بأنه صوت أو سلسلة من الأصوات. ونحن نعتقد أن للصوت سلطة لأننا نرى أن بإمكانه إثارة السلطة المتعالية إذ نعزي الأهمية إلى نبرة الكلمات التي ننطقها... فكيف يمكن لصوت كلمة معينة نطلق عليها اسم "mantra" أن يكون متمتعاً بالسلطة؟ أنه يتمتع بهذه الميزة لأننا نرى أن الصوت يعمل كوسيط بين العقل والسلطة المتعالية. وأنا لا أسعى هنا إلىتأكيد أن المفهوم الغربي التقليدي الخاص بالتمركز حول العقل، التمركز حول الصوت هو المفهوم نفسه الخاص بـmantra لكني أؤكد وجود أوجه تشابه.‏

    ونلاحظ في التفكيك أن ثمة عنصراً آخر هو "التمركز حول الكتابة" graphocentrism، وهو مصطلح مهم بحاجة إلى التفسير قبل أن يدخل في صلب نظرية دريدا. ومن الممكن أن نبدأ القول بأن الكتابة writing كتابية grphic، وأن الجرافيم grapheme هو حرف في الأبجدية أو أنه مجموع الحروف أو المجموعات الحرفية التي من الممكن أن تشير إلى الفونيم phoneme الذي يمكن تعريفه بأنه أصغر وحدة كلام تميز ملفوظاً ما أو كلمة ما من ملفوظ آخر أو كلمة أخرى في اللغة). وإذا علمنا أن الكتابة كتابية لذا يمكن القول أن الجرافيم، تبعاً إلى مايذكره المفهوم التقليدي، دال صرف يقصد به أن وحدة الكتابة ليس لها صلة عدا كونها تمثل الصورة الصوتية. ولهذا السبب يمكن القول أن المقصود بالتمركز حول الكتابة هو انتقال الأهمية من الكلام إلى الكتابة، وهو يمثل قلباً للمفهوم التقليدي القائل بأولوية الكلام أو الكلمة المنطوقة على الكتابة أو الكلمة المكتوبة.‏

    وهناك عدد من النقاد يعتقد أن التفكيك الذي جاء به دريدا يعد انتقالاً من التمركز حول العقل إلى التمركز حول الكتابة(10) ، وهذه ليست ملاحظة بريئة ولابد من التعبير عن دلالتها قبل الاسترسال في التفسير، وأنا أرى أن أفضل طريقة لتوضيح هذه المسألة هي محاولة تبسيط الأمر من خلال القياس.‏

    فإذا كان بالإمكان مقارنة الكتابة والكلام والمفهوم الذي يمثلاه بالجسد والروح والواقع المتعالي فعندئذٍ يكون التركيز على الكلام هو التركيز على الروح والتركيز على الكلام هو التركيز على التمركز حول الصوت والتمركز حول العقل). أما التركيز على الكتابة فهو التركيز على الجسدوالتركيز على الكتابة هو التمركز حول الكتابة). فإذا كان التفكيك تمركز حول الكتابة، وإذا كان التمركز حول الكتابة يعني التركيز على الكتابة فعندئذٍ يمكن تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وأنه تحد لما هو أخلاقي، إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب... فهل من المقنع أن نقول أن التفكيك عدمي؟ nihilistic ويمكن القول أن جميع هذه التوكيدات صحيحة، والجواب عن الأسئلة أعلاه هو "نعم" عن كل مايقوله دريدا، وكل مايقصده التفكيك. سأعود لهذه المشكلة بعد دراسة مصطلحات دريدا التي تعمل بصفة أدوات تفكيكية.‏

    فبعد أن عرض دريدا الأساس الميتافيزيقي واللاهوتي لمفهومي الكلام والكتابة، شرع في فحص مسألة الوصف اللساني liguistic للغة والمفاهيم التي يحاول الوصف بناءها. والحق أن دريدا يأتي كرد فعل على نظرية سوسير التي تقول أن العلامة sign اللسانية هي وحدة الدال والمدلول. وتزعم اللسانيات الحديثة، التي ترتكز على مفهوم الدال والمدلول، والبنيوية، التي تدين لذلك المفهوم، إنهما جعلتا من دراسة اللغة، وفعل النقد حقلين معرفيين علميين، وقد بين دريدا أن هذا الزعم هو خداع فحسب، لأن مفهوم الدال والمدلول في اللغة الذي جاءنا من اللسانيات هو صورة أخرى لمفهوم الكلام والكتابة التقليدية. وقد لاحظ دريدا في أثناء عرضه للعلاقة المتبادلة بين الميتافيزيقا واللاهوت، ما يأتي:‏

    دائماً ما يوحي مفهوم العلامة داخل ذاته بالفرق بين الدال والمدلول... حتى إن تم تمييزهما بأنهما وجهان لعملة واحدة، ولهذا السبب يبقى هذا المفهوم في ضمن تراث مفهوم التمركز حول العقل الذي هو في حقيقته تمركزاً حول الصوت: التقارب المطلق للصوت والكينونة being، وللصوت ومعنى الكينونة ومثالية المعنى OG،ص 12-11).‏

    ولهذا السبب فإن نسق اللغة الذي يقال أن اللسانيات جعلته علمياً وأن البنيوية استعارته بحماس بوصفه نموذجاً للنقد، هو في حقيقته النسق القديم نفسه، أي نسق التمركز حول اللوغوس ـ التمركز حول الصوت الذي هو نتاج الميتافيزيقا.‏

    ومن الواضح أن دريدا حشر الميتافيزيقا واللسانيات في خانة واحدة وهذا يعني أن الميتافيزيقا فسحت المجال أمام اللساني ليتصور ظاهرة اللغة في ضوء القطبية الثنائية. بمعنى أن المفاهيم الميتافيزيقية... مفهوم الواقعي والمثالي، مفهوم الجسد والروح، مفهوم الخير والشر... قد فسحت المجال أمام اللساني ومكنته من تصور اللغة في ضوء قطبية ثنائية مشابهة. وتعد الحدة اللسانية، التي تقول إن الصورة السمعية تستحضر المفهوم أي أن الدال يستحضر المدلول)، تركيزاً على أولوية الكلمة المنطوقة على الكلمة المكتوبة، وبهذا الصدد فإن اللسانيات البنيوية هي صورة معدلة عن الإهمال التقليدي للكتابة، ذلك الإهمال الذي نتج عن النفور الفلسفي والميتافيزيقي من الطابع الخارجي والمرئي والمجسد للكلمة المكتوبة، ويتضح من ذلك أن خلف مفهوم اللغة التقليدي. وخلف مفهوم العلامة اللسانية عند سوسير كمنت ميتافيزيقا على شكل قوة اشتراطية قوية.‏

    وقد أطلق دريدا تسمية "المفهوم السوقي للكتابة" على مفهوم الكتابة الذي أهمله مفهوم اللغة التقليدي واللسانيات الحديثة، وعدّاه مفهوماً ثانوياً، أي شيئاً ليس له وجود إلا لغرض تمثيل الصوت الذي تجسد الكتابة. ويضيف قائلاً أن الاعتقاد الذي ساد في التراث الغربي بصدد الكتابة هو أنها "الحرف" و"النقش المرئي"، و"الجسد والمادة"، الخارجية بالنسبة إلى العقل. وهذا هو المفهوم السوقي تحديداً. وقد نبذ دريدا هذا المفهوم السوقي الذي كان يوجه فهمنا للغة،على الرغم من أننا لم نكن واعين به تماماً، مثلما وجه أداءنا في ميدان النقد الأدبي من خلال دفعنا إلى الاعتقاد بأن كل شيء يستنبط المعنى ويعطيه فقط حينما يرتبط بفكرة ما، والتي ينبغي أن ترتبط، بالمقابل، بفكرة أخرى وهكذا دواليك بحيث أن هذه الأفكار كلها ستتجمع في فكرتنا عن الكينونة المتعالية، ولهذا السبب أصبحت فكرتنا عن الكينونة المتعالية تعمل بمثابة فكرة تتحكم في أفكارنا عن اللغة، وأفكارنا في النقد.‏

    ... وهكذا أصبح نقد قصيدة ما اكتشافاً لمعناها.. ذلك المعنى الذي يعد فكرة أو مفهوماً يمكن ربطه بفكرة أخرى، وسوف تتجمع عملية ربط الأفكار بعضها بالآخر في فهمنا للكينونة المتعالية. ومن الجدير بالإشارة أن جميع شذرات الأفكار التي يمكن نسجها في نسق واحد، يجمعها مركز واحد تمثله فكرتنا عن الكينونة المتعالية، وإن احتمالية النسق توحي بوجود المجموع. ويمكن تعريف المبدأ الجمعي بأنه فكرة الكينونة التي هي إبداع الميتافيزيقيا، وقد تمثلت محاولة دريدا بتحرير فهمنا للغة وفعل النقد من هذا التأثير الجمعي الذي مارسته الميتافيزيقا، وقد توصل إلى عملية التحرير هذه من خلال صياغته لمصطلحين جديدين من الممكن أن يبطلا مفهوم اللغة القديم وطريقة النقد القديمة. إلا أن أذهاننا خضعت لاشتراطات الفهم التقليدي للغة سواء كنا واعين بذلك الفهم أم لا. فنحن حينما نزعم أننا صغنا أفكاراً جديدة فإننا لم نفعل في حقيقة الأمر سوى تحويل الأفكار القديمة، فعلى سبيل المثال أن المصطلحات اللسانية التي جاء بها سوسير التي يقال عنها بأنها أحدثت ثورة في فهمنا للغة هي نتاج آخر للميتافيزيقا. فنحن نكرر أنفسنا حينما نقول إن نسق اللغة الجديد علمي،، والحق أن بالإمكان أن تتولد أفكار جديدة حينما تكون أذهاننا محايدة. وإن القصد من وراء عرض دريدا للأساس الميتافيزيقي للغة والنقد هو دفع أذهاننا إلى الحيادية لأننا ندرك تماماً أن ظاهرة طبيعية تماماً مثال اللغة تخفي في داخلها بذور الميتافيزيقا، بل حتى التفسير العلمي للغة الذي قدمه سوسير هو في الحقيقة ضحية للميتافيزيقا.‏

    وقد شرع دريدا، بعد عرض الأساس الميتافيزيقي الذي تقف عليه اللغة، في صياغة مصطلحاته الخاصة التي بإمكانها توليد فهم جديد للغة.. وتشكل هاتان الخطوتان بنية التفكيك. وسأبدأ الآن بوصف وتقويم المصطلحات التفكيكية.‏

    لقد استند مفهوم الكتابة الجديد الذي صاغه دريدا إلى ثلاث كلمات معقدة جداً، هي: الاختلاف difference والأثر trace والكتابة الأصلية‏

    arche- writing. وسأعمل على تفسير كل مصطلح من هذه المصطلحات الثلاثة بأوسع قدر ممكن تسمح به محددات هذا المشروع، وسأبين الكيفية التي تؤدي بها هذه المصطلحات إلى فعل التفكيك. فالاختلاف يشير إلى فعلين actions: 1 ـ أن يختلف، أن لا يكون متشابهاً "differ:"، 2 ـ أن يرجئ ويؤجل(11) ، "deffer" وينبغي الانتباه إلى إن الأول مكاني spatial والثاني زماني temporal. ويرى دريدا أن كل علامة تؤدي هذه الوظيفة المزدوجة: أي الاختلاف والتأجيل، ولهذا السبب تكون بنية العلامة مشترطة من قبل الاختلاف والتأجيل، وليس من قبل الدال والمدلول، بمعنى أن بنية العلامة هي الاختلاف الذي يعني أن العلامة شيء لا يشبه علامة أخرى، وشيء غير موجود في العلامة على الإطلاق. ويمكن توضيح ما ذكرناه بالمثال الآتي: فنحن نميز بين كلمتي three وتعني ثلاثة)، وtree وتعني شجرة)(2) ، "في الكلام والكتابة، فهما مختلفان تماماً وتكشفان عن هويتهما identity. ويعد هذا الاختلاف إحدى القوتين الموجودتين في كل علامة. أما القوة الأخرى في العلامة فهي قدرتها على الإرجاء، أي قابليتها على التأجيل، فعلى سبيل المثال إن كلمة "وردة" في قصيدة ما لا تبدأ بكشف المعنى إلا حينما يدرك أنهاليست تلك الوردة التي نراها في الواقع. بل إن لها شيئاً آخر، ذلك الشيء الذي ينبغي اكتشافه. ولهذا السبب فإن العلامة نصفها وافي والنصف الآخر غير واف. وهذه الحقيقة ضرورية لبداية فهمنا إلا إنها غيركافية بسبب نقصها. ومثلما أكد سوسير فإن العلامة هي ليست الدال + المدلول بل العلامة هي الاختلاف + الإرجاء. ويرى سوسير أن العلامة اتحاد في حين يراها دريدا اختلاف.‏

    وبما أن العلامة غير وافية وناقصة لذلك ينبغي أن تفهم على إنها "تحت المحو" under erasure وهو مصطلح صاغه دريدا ليشير إلى عدم كفاية العلامات ونقصها. فهي مكتوبة لكنها مع ذلك مشطوبة، فنحن نشطبها لنشير إلى نقصها. ولهذا السبب تحمل كل علامة هذه الإشارة عليها. فعلى سبيل المثال إن كلمة "مرئي" التي استعملها آنفاً لم تحمل أية إشارة واضحة عليها، لكنها علامة برغم ذلك، لكن إذا نظرنا إليها من زاوية تفكيكية فإنها ستظهر عندئذٍ علامة مشطوبة، على النحو الآتي: "مرئي". وينبغي ألا نأخذ فكرة تشطيب العلامة على نحو حرفي، بل على نحو إيحائي فقط. فهذه الشطبة توحي بنقص العلامات وعدم كفايتها، بل عدم قطعيتها. إذ لا توجد علامة يمكن أن نقول عنها إنها دال لشيء أزلي، فهي لا تتمتع بأية قيمة مطلقة، كما إنها لا تحيل أي شيء متعال... فالعلامة سياقية contextual وهي تخلق سراب المدلول، وإن جل ما تستطيع القيام به أنها ترسلنا بحثاً عما تحتاج هي إليه وتذكرنا بما هو غير كائن فيها، ولهذا السبب أن العلامة "أثر"، فهي ليست التمثيل المرئي أو الكتابي المحسوس للصورة الصوتية بل إنها الأثر الذي يصفه دريدا بأنه ليس طبيعياً، أي أنه ليس الإشارة أو العلامة الطبيعية أو المؤشر index بالمعنى الهوسرلي)، أكثر من كونه ثقافياً، وإنه ليس مادياً أكثر من كونه نفسياً، وإنه ليس بيولوجياً أكثر من كونه روحياً.‏

    إن ماهو كائن في العلامة يحرك الذهن باتجاه ماهو غير كائن فيها، ولهذا السبب فإن ما هو موجود في العلامة يحمل أثر ماهو غير موجود فيها،وتستطيع العلامة أسر الذهن لأن بمقدورنا أن تذكرنا بما هو غير موجود فيها، وتستطيع عبر هذا التذكير تحفيز الذهن ودفعه إلى الحركة. وهكذا نقول أن العلامة أثر، وتحمل في أثرها قوتين هما الاختلاف والإرجاء. وهكذا صار من الضروري أن يتغير مفهوم الكتابة مع ظهور مصطلحي "الاختلاف"، و"الأثر"، إذا ما عاد بالإمكان الإبقاء على تعريفها بأنها "الحرف" و"النقش المحسوس" و"الجسد والمادة"، الخارجية بالنسبة إلى العقل. وعند محاولة دريدا تعريف الكتابة وضح ذلك قائلاً: "... إنها النقش عموماً، سواء كان ذلك حرفياً أو غير حرفي حتى وإن كان ماتم توزيعه في الفراغ المكان) غريباً عن نظام الصوت..."، OGص9)(12) .‏

    وبهذا المعنى يمكن أن نعد التصوير السينمائي والرقص والبالية والموسيقى والنحت جميعها كتابة. وقد لاحظ دريدا عند التوسع بمفهوم الكتابة هذا أن:‏

    المرء قد يتحدث أيضاً عن الكتابة الرياضية أي الرياضة عموماً) أو الكتابة العسكرية أو السياسية في ضوء التقنيات التي تتحكم بهذه المجالات حالياً.وهذا لا يصف نسق الدلالة الذي يرتبط ارتباطاً ثانوياً بهذه الأنشطة فحسب، بل يصف أيضاً ماهية هذه الأنشطة ذاتها ومضمونها. OGص9),.‏

    فاللغة بذاتها هي كتابة ضمن ذلك المعنى OGص. وقد لاحظ غيتاري سبيفاك: أن "ثمة شيء يحمل في داخله أثر التغيير الأزلي، أي بنية النفس، بنية العلامة، ويطلق دريدا على هذه البنية اسم "الكتابة"(13) ، وقد ذكر سبيفاك الملاحظة الآتية في معرض توضيحه لمفهوم الكتابة: "هكذا نجد أن الكتابة هي اسم البنية التي يسكنها الأثر دائماً. وهذا مفهوم أوسع من المفهوم التجريبي للكتابة الذي يشير إلى نسق دلالة تجريبي على جوهر مادي" OGص: XXXIX ).‏

    وقد أطلق دريدا اسم "الكتابة الأصلية" على الفرق بين مفهوم الكتابة هذا ومفهوم الكتابة السوقي الضيق. وتعمل الكتابة القوسية في التعبيرات الكتابية وغير الكتابية. والكتابة بمعناها الضيق تعد كتابة graphic تعتمد مفهوم الجرافيم الذي هو في حقيقته دال صرف. أما في النظرية التفكيكية التي حدد دريدا أبعادها، فقد أصبح لصفة الكتابية معنى مختلفاً عن المعنى الذي كان متداولاً في الاستعمال التقليدي ويمكن القول أن الشكل الكتابي graphe هو "أثر متمأسس" OGص46).‏

    وقد أصبح التوجه نحو التمركز حول الكتابة النظرية التفكيكية دلالة تضمين واسعة بسبب الأثر المتمأسس، ولهذا السبب فإن التغيير الذي أحدثه دريدا لم يكن تغيير بالأهمية التي تمتع بها مفهوم الكتابة على مفهوم الكتابة قدر تعلق الأمر بالفهم التقليدي لهذه المصطلحات. إذ يوحي التمركز حول الكتابة، بالمعنى الذي حدده دريدا، بالتوجه الذي يسلكه الفهم على نحو يدفع الذهن إلى تصور وظيفة الأثر في أنواع التعريف كلها التي تسير الوعي أو الإدراك، فالأثر يبدي عمله في صورة البورتريت الصورة الشخصية)، والملصق الجداري البوستر) واسم العلم. والإيماءة والكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة، وغيرها.ويمثل التمركز حول الكتابة الإدراك الجديد لوظيفة الأثر. فأنا حينما أتصور صورة شخصية يبدأ ذهني أو إدراكي بالعمل رغبة مني في فهم دلالة هذه الصورة، وتعد عملية اشتعال الذهن غير مادية، فالذهن يتحرك بحثاً عن شيء بعيد عما موجود في الصورة بمعنى البحث عن شيء خلف بصماته الشبحية على الصورة)، وتلك هي وظيفة الاختلاف. في حين أن البصمة الشبحية هي الأثر. لأن الأثر بذاته غير موجود OGص167)، ويمكن تعريف التمركز حول الكتابة بأنه هذا الإدراك الحسي الجديد بأن شيئاً ما، شيئاً غائباً، قد ترك بصماته بصماته الشبحية) على الموضوعات التي تخلق حركات معينة في الذهن وتلك البصمات الشبحية هي الأثر). ويبدأ الأثر بالعمل من خلال الاختلاف والإرجاء الاختلاف + الإرجاء = الاخـ "ت" لاف)(3) .‏

    ويتم عرض مفهوم اللغة التقليدي بوصفه أسطورة... فقد كان ينطوي بداخله على شيء غامض: مثل قرب الصوت من المدلول، وغيرها. ونلاحظ أن العنصر الغامض هو العنصر الميتافيزيقي، فقد كانت الميتافيزيقا تسيطر على مفهومنا للغة. وقد صاغ دريدا مصطلحات جديدة وشكل مفاهيم جديدة حتى يتكون فهماً للغة متحرراً من مفهوم الميتافيزيقا. ولهذا السبب يعدتحرير فهم اللغة من الميتافيزيقا إزالة للغموض والحيرة. إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً. وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة والحيرة، إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً. وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة الطابع الأسطوري) أيضاً(14) . ومن الصواب أن نقول أن التفكيك يبدأ بإزالة الغموض وإزالة الأسطرة في الفهم التقليدي للغة.‏

    لقد انطوت دراستنا هذه للتفكيك على ثلاث مراحل، تمثلت المرحلة الأولى في تسليط الضوء على مفهومي الكلام والكتابة، واشتملت على مسألتين مركزيتين هما: السبب الذي يكمن وراء الاعتقاد السائد الذي يقول بأسبقية الكلام وأولويته على الكتابة، وما مدى البعد الذي وصلته الميتافيزيقا في تأثيرها. ودرسنا في المرحلة الثانية الزعم اللساني القائل أن اللسانيات الحديثة أضفت طابعاً علمياً على دراسة اللغة وجعلتها حقلاً علمياً. وتمثلت المسألتين المركزيتين اللتين تناولتهما في هذه المرحلة بتأكيد أن المفهوم اللساني للعلامة هو صورة أخرى للمفهوم التقليدي للكلام والكتابة، وعلى أن اللسانيات الحديثة هي ضحية الميتافيزيقا، وتتألف المرحلة الثالثة من وصف مصطلحات دريدا وتقويمها: الاختلاف والأثر والكتابة الأصلية. وقد سلطنا الضوء على دلالة مصطلح التمركز حول الكتابة من منظور دريدا.‏

    وبناء على ماسبق، لقد تغير فهمنا للغة، فما هو مصير النقد؟ يبدأ الجواب عن هذا السؤال بافتراض أن الأدب هو شكل من أشكال الكتابة، وإن القصيدة أو القصة أو أي عمل أدبي هو بنية آثار... تلك الآثار التي تعرف أنها بصمات شبحية لا نعرف ماهيتها إلا إننا واثقون من كينونتها ووجودها. أما النقد، الذي يعرف بالدرجة الأساس بأنه بحث في كلمة، سطر، نص، أو أي شيء يحرك الذهن من نقطة إدراك حسي معينة إلى عوالم البحث بمعية دفع قوي للتأويل، فإنه يبدأ بالشك، الشك الذي يستند إلى الإقناع، فالناقد يشك في مظهر العلامة كأن تكون كلمة، سطراً، قصة تمثالاً، صورة بورتريت،... الخ). وذلك لأنه يحمل قناعة مؤداها أن ما يظهر له هو ليس كل شيء، بل هناك شيء آخر، فنحن لا نكتفي بالأشياء كما هي، بل نرغب بالبحث فيها والتوغل إلى أبعد من حدودها لاكتشاف أسرارها لأننا نشعر أن ثمة شيئاً مفقوداً أو شيئاً غائباً عما نتصوره نحن وندركه حسياً، وإن هذا الشعور الأزلي بأن هناك شيئاً مفقوداً أو غائباً هو الكتابة الأصلية. ويعد الأدب واحداً من أنواع التعبير عن الكتابة الأصلية، بينما يعد الرسم نوعاً آخر، والموسيقى نوعاً آخر أيضاً، وتعمل الكتابة الأصليةبصفة آثار في الموضوعات. فالآثار أشبه ماتكون بطبع الأقدام.... فمن هو الذي مشى على الرمال؟ لقد مشى أحدهم وخلف وراءه آثار أقدامه في كل مكان، وإن كل تلك البصمات الإشارات) التي تركها خلفه تذكرنا به إلا أنه مفقود وغائب. ويمكن تعريف الكتابة الأصلية بأنها إدراكنا حقيقة انه مفقود، وأنه غائب، والذي يرافقه الشعور بالمعاناة المتولد من تجربتنا التي نستشف منها عدم القدرة على اكتشاف هذا الغائب على الرغم من صمتنا المطبق أو عنفنا الصارخ، فكل البصمات الإشارات) التي يخلفها وراءه هي الآثار... البصمات الإشارات)، الشبحية، إذ أن هذه البصمات الإشارات) هي التي تؤكد حضور هذا الغائب على الرغم من غيابه، فياله من موقف غريب حقاً! وربما كان التشخيص ـ أي إضفاء الصفات الشخصية على غير العاقل ـ صيغة من صيغ التبسيط إلا أنه قد يساعد على الفهم.‏

    وقد اعتاد النقد التقليدي الظهور مع فكرة ما عبر المواجهة مع العمل الأدبي، ولهذا السبب يعد نقد القصيدة اكتشافاً لمعناها. ولهذا فإن المعنى فكرة أو مفهوماً يمكن أن يلحق بفكرة أخرى أو مفهوماً آخر والاستمرار بهذا الإلحاق حتى تلتحم هذه الأفكار في فكرة الكينونة المتعالية أو الحقيقة المتعالية. لكننا لا نعي حقيقة أن ما نسميه "المعنى" هو في حقيقة الأمر فكرة تتخذ من الميتافيزيقا ملاذاً لها. ولم تنج البنيوية، التي يقال عنها بأنها سيرورة ثورية،من قبضة الميتافيزيقا، وأن القول أن البنيوية توحي بالنسق، يعني أن هناك مركزاً في مكان ما، وذاك المركز هو المفهوم المركزي الذي من الممكن اكتشافه بوصفه مفهوم الكينونة أو السلطة المتعالية. ويوحي مفهوم النسق أن كل شيء مفهوم على أفضل وجه، أو أنه قابل للفهم في الأقل، فحيثما وجد النسق ينعدم الإرباك أو التشويش الخلط).‏

    وسيؤكد التفكيك على أن هذه أوهام فحسب، إذ كل ما نزعمه بأنه الحقيقة أو الكينونة هي "فبركة" ليس إلا. فهذه الكلمات تمثل فبركات مهولة تشير إلى الفشل في بحثنا عن المعنى، و هذه يعني في مرحلة ما من مراحل تاريخ البحث عن المعنى أن الباحثين أعلنوا، لسبب أو لآخر، أنهم وصلوا إلى آخر نقطة ممكنة من بحثهم وأنه لا ينبغي القيام بأي بحث آخر يتجاوز هذه النقطة، ولغرض حماية ما أسموه "النقطة النهاية" من الإهانة التي يمكن أن تنسبها إليهم البحوث المستقبلية، عزو لتلك النقطة نوعاً ما القدسية وأسموها الحقيقة truth أو الكينونة being أو أي شيء آخر، وقد عملت نقطة البحث النهائية أو المفهوم المقدس بصفة مركز للنقد بنوعيه التقليدي والبنيوي. لذلك كان ثمة خداع كبير سار على هداه نشاطنا النقدي وفهمنا للغة.‏

    وأخيراً ينبغي عليّ العودة إلى قضية النقد. فقد كان النقد، بالمعنى التقليدي، تطبيقاً لنموذج يرمي إلى فهم العمل الأدبي، وربما يكون هذا النموذج فلسفياً أو أخلاقياً أو دينياً أو لسانياً. ومن المحتمل أن الناقد غير واع تماماً بحقيقة أنه يطبق نموذجاً معيناً، فالذي نطلق عليه اسم "التقويم الذاتي" هو في حقيقته غير ذاتي، فنحن نلحق ما هو موجود في العمل الأدبي بشيء ما في سيرورة ذلك الفهم الذي يؤدي إلى التقويم. ومن الممكن أن يكون هذا الـ"شيء ما" هو النسق الأدبي الذي منح الكلمات والأفعال actions والظواهر إمكانية توليد المعنى. فعلى سبيل المثال، إذا حاولت تفسير قصيدة "The Lake Isle Of Innisfree" ، سأتمكن من ذلك أما من خلال ربط مضمون القصيدة بالمعلومات المتوفرة التي تتعلق بحياة الشاعر.. تلك المعلومات التي تخص مزاجه وكآبته وتأملاته في الطبيعة السريعة التغير، وسرعة زوال الأشياء الجميلة، ونفوره من المكاسب المادية وعشقه للحياة الحالمة. ثم أبدأ بربط هذه الأفكار الموجودة في القصيدة بهذه الأفكار الخارجية التي تعمل بصفة نسق لربط الأفكار في القصيدة. ولهذا السبب تصبح الأفكار التي تزخر بها القصيدة ذات معنى فقط، حينما أشرع أنا بعملية ربط هذه الأفكار بما هو خارج عن القصيدة. وفضلاًعن ذلك فإني قد أبدأ بالبحث في سبب كآبة الشاعر وأسباب عشقه للحياة الحالمة، وأسباب دفعه إلى كراهية المكاسب المادية. ونلاحظ في هذا النوع من النقد أن التركيز لا يكون على النسق بحد ذاته لأن التركيز على النسق لدراسة النسق ذاته يؤدي بنا إلى البنيوية. فعلى سبيل المثال: ما المغزى الأدبي من ترك الموطن الرئيس والذهاب إلى جزيرة؟ هل هناك مغزيات أخرى الجواب: نعم بالتأكيد، ونجد في بعض شخصيات شكسبير الكوميدية مثل مسرحية "كما تحبها"، و"حلم ليلة منتصف صيف" أن الشخصيات تغادر المدينة لائذة بالغابات التي يتم فيها حل الصراعات وانتشار الحكمة، وعلى هذا الغرار هناك عدد من الشخصيات في "القصائد والروايات التي تغادر المدن متوجهة إلى الجزر المعزولة، ومثال ذلك شخصية "بروسبيسو" في مسرحية "العاصفة" وشخصية "جيليفر" في رواية "رحلات جيليفر".ولهذا السبب نجد أن رغبة الشاعر ييتس باللجوء إلى جزيرة Innisfree تحاكي رغبة الكتاب السابقين. ونحن نقر بأننا نفهم القصيدة لأننا نألف هذه القناعة، أي الاقتناع بترك المدينة ومباهجها واللجوء إلى الجزيرة ذات معنى كبيرة من الشعر، ذلك لوجود قناعة أدبية أو اتفاق أدبي بأن لهذه الفكرة معنى ما وهكذا نجد أن بإمكان التحليل البنيوي أن يركز على العناصر الأخرى للقصيدة بغية دراسة النسق الشعري. وقد طبقت في المثال الأول، أي مثال التطبيق غير البنيوي، نماذج معينة متعارف عليها في الأدب على القصيدة فقط من أجل فهم القصيدة. أما في المثال الثاني، أي مثال التفسير البنيوي، فقد استعملت القصيدة وعناصرها لدراسة النسق الشعري أو لدراسة نماذج الأدب المتعارف عليها. وينبغي الإشارة هنا أن التفكيك لا يمثل أياً من هاتين الحالتين، أو نقيضهما.‏

    فالتفكيك لا يمنح الناقد أي نماذج، ولا يطبق أي نموذج على النصوص الأدبية، بل إنه يدمر جميع النماذج الموجودة ولا يقدم أي نموذج، ولهذا تسبب الكتابة التفكيكية حيرة كبيرة. فعلى العكس من النقد البنيوي لا يؤمن النقد التفكيكي بوجود نسق يمكن فهمه. إذ توحي فكرة النسق بأن الأشياء منتظمة أو من الممكن جعلها كذلك، إلا أن هذه الفكرة مصدر مواساة حقاً، ونحن نفضل المواساة على الحيرة. وعلى الرغم من أن المواساة قد تنطوي على خداع لكنها أفضل من معاناة الحيرة. وقد أعلن البنيوي، بعد أن واجهته مشكلة تعقيد الأدب والأذهان التي تكمن وراء الأعمال الأدبية، أن التعقيد قابل للتحليل ويمكن فهمه، ويزعم وجود نسق أدبي بإمكانه تفسير التعقيدات. إنه تأكيد الإرادة التي تجعل البنيوي يزعم هذا الزعم، فالبنيوية هي التوكيد لإرادة الإنسان وقدرتها على حل ماهو معقد، وعلى العكس من ذلك يبحث التفكيك في إمكانية النسق، ويتساءل عنها وعن الكيفية التي جاءت بها التقاليد والمواصفات الأدبية إلى الوجود. فالمواجهة القائمة بين الوعي الإنساني ونسق العلامة هي من التعقيد بحيث يصعب فهمها. ولهذا السبب، يؤكد التفكيك، تبعاً إلى ما يذكره ديفيد اليسون، على ضرورة إعادة التفكير بمشكلة اللغة كلها(15) ، وربما كان من الضروري وجود حقل معرفي جديد يستعمل أصول الكلمات etymology ) وعلم النفس معاً بصفة حقل معرفي واحد لأداء هذه المهمة. ونلاحظ هنا أن التفكيك ينبذ الميتافيزيقا والفلسفة بوصفهما من أنماط الإدراك الخادعة، كما أن اللسانيات التي كانت تخفي الميتافيزيقا في نماذجها الخاصة باللغة، لا تلائم التفكيك، وكذلك لا يلجأ التفكيك إلى البنيوية التي ترتكز بقوة على اللسانيات.‏

    قد يبدو التفكيك حقلاً تحكمه قواعد وأنظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها، إلا أن الحقيقة مختلفة، فنحن لدينا قواعد وأنظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية التقليدية أكثر مما في التفكيك، فالمبتدئ يواجه مصطلحات تقنية كثيرة مثل شخصية، حبكة، موضوع، صورة، رمز، شعر غنائي، قصيدة، و....الخ، وقد استعملناها مراراً وتكراراً حتى أنها أصبحت طبيعية بسبب ذلك. وفضلاً عن ذلك، فإننا إن لم نفهم المصطلحات التي على شاكلة "اختلاف"، "أثر"، "كتابة أصلية"، .... الخ، فإننا لا نتمكن من فهم واستيعاب أي عمل مكتوب ينضوي تحت هذه النظرية إذ من الصعب فهم أي شيء جديد. إلا أن المرء سيفيد من تعلم هذه النظرية كثيراً إذا ما تحمل الجهد أولاً. وتتمثل هذه الفائدة في أننا نتساءل في صلة فهم الإنسان وعالمه بالمعرفة، ويلقي التفكيك ضوءاً جديداً على عملياتنا الفكرية. ويخبرنا أن سلطة الأدب ليست متأتية من سلطة الأدب ولا من سلطة اللغة لأن سلطة اللغة، شأنها في ذلك شأن سلطة الموسيقى والرسم والنحت والطقوس... الخ، ترجع إلى حسّ بدائي أصيل بشيء: مفقود وغائب، وتوجيه إدراك الإنسان بعد ذلك..‏

    الهوامش:‏

    (1) ـ هـ. أبرامز "الملاك التفكيكي" مجلة البحث النقدي 31977)، ص 428.‏

    (2) ـ نيوتن غارفر، تمهيد لكتاب "الصوت والظاهرة"إيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973)، صxxii. ويوضح غارفر في معرض تعليقه على مكانة المنطق والنظرية في فلسفة اللغة، قائلاً: "نجد في تاريخ الفلسفة الغربية، إن فلسفة اللغة ـ وبضمنها الكثير من الميتافيزيقا ـ قد اعتمدت المنطق أكثر من اعتمادها البلاغة" التمهيد صxi). لكنه وضع في تعليقه على الحركتين اللتين حدثتا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين، قائلاً: "لقد كانت الحركة الأولى تعزيزاً لفلسفة اللغة التي تعتمد المنطق إلا أن الحركة اللاحقة كانت تدميراً لذلك التراث، تدميراً يتحدث عنه دريدا بوصفه ختاماً للميتافيزيقا"التمهيد، ص xxii).‏

    (3) ـ ج. هيليس ميلر "الناقد مضيفاً"، مجلة البحث النقدي 31977)، ص 41.‏

    (4) ـ موراي كريغر، "نظرية النقد"، بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972)، ص 220-243.‏

    (5) ـ فريدريك جيمسون، "سجن اللغة"، برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 1972)، ص 176.‏

    (6) ـ "لقد اقترن نسق اللغة بالكتابة الأبجدية الصوتية، ذلك النسق الذي تولدت فيه الميتافيزيقا المتمركزة حول العقل اللوغوس)، التي تحدد معنى الكينونة بأنه الحضور. لقد كان هذا التمركز حول اللوغوس مطوقاً دائماً ومضطهداً لأسباب أساسية بعيدة تماماً عن التأمل في أصل الكتابة والمكانة التي تحتلها..."جاك دريدا، "في علم اللغة" ترجمة غياتري تشابرافورتي سبيفاك ـ بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972)، ص 43، وقد كانت الاقتباسات تلحق بالرمز O.G).‏

    (7) ـ لقد أوضح جاك دريدا في تعليقه على الخلفية الميتافيزيقية لمفهوم الدال ـ المدلول قائلاً: "يعودالاختلاف بين الدال والمدلول إلى الحقبة الأخرى التي شملت تاريخ الميتافيزيقا، هذا إذا نظرنا إلى الموضوع من منظور ضيق وضمني، أما إذا ضيقنا المنظور أكثر فسننظر إلى حقبة الخلق والتنامي المسيحية التي تلائم المفاهيم الإغريقية" OG، ص 13).‏

    ( ـ من الممكن أن نتعرف على التمركز حول العقل بالميتافيزيقا، لأن كلاهما تعبير عن الرغبة بالمدلول، ويجد التمركز حول العقل اللوغوس) المعنى كله في العقل اللوغوس)، تلك الكلمة التي تعكس العقل الإلهي.‏

    (9) ـ يمثل التمركز حول الصوت رفضاً للكتابة بوصفها تقنية فحسب، وكذلك توكيد تقارب الكلمة المنطوقة من المدلول. فالكلمة المكتوبة لا تفيد إلا بصفة مدلول للكلام.‏

    (10) ـ "تنطلق هذه الحركة مما يسميه هو النموذج المغلق"، المتمركز حول العقل للآراء التقليدية أو الكلاسيكية للغة والتي يؤكد هو أنها تعتمد وهم الكينونة المتعالية الأفلاطونية أو المسيحية أو الحضور الذي يضمن المعاني)، وصولاً إلى ما أسميته أنا "نموذجه المتمركز حول الكتابة"، الذي يعد الحضور فيه بمثابة بصمة على البياض"م.هـ. إبراز،"الملاك التفكيكي)" ص، 429).‏

    (11) ـ يقول موراي كريغر إن مفتاح النقاش حول كلمة difference أي الاخـ "ت" لاف)، هي اللعب على الكلمة الفرنسية differ التي تعني المعنيين الآتيين: (1) to differ أي يختلف ولا يشبه) (2) to defer أي يرجئ أو يؤجل)، اعتماداً على الفرق بين الكيانات الحاضرة المختلفة الاختلاف)، الكيانات المتشابهة، إحداهما حاضرة والأخرى غائبة تفصل بينهما فجوة زمنية الإرجاء). وهناك بعض أوجه الخداع في "الاختـ"ت"لاف" وهي أن a) غير مسموعة وإن كانت مرئية، وإن المصطلح لا تقابله أية كلمة، وبدا ؟؟؟؟؟؟؟ يفيد فقط في المساعدة على تذكر الكلمة التي يتباين عنها، ولا تكون موجودة بصفة مفهوم لأنها تختلف عن ذاتها، نظرية النقد، ص 228-231).‏

    (12) ـ يوضح دريدا في "الكتابة والاختلاف"، قائلاً: "إن الكتابة واحدة من الأشكال التي تمثل الأثر عموماً، وليست الأثر نفسه"، OG ص 167)، وإن فكرة الأثر هي أنه يمكن أن يخضع لسؤال الماهية الأونطو ـ ظاهراتي ONTOPHENOMENOLOGICAL. فالأثر هو لا شيء، وهو ليس كياناً، بل إنه يتجاوز السؤال الذي يقول: ما هو؟" OG ص 65).‏

    (13) ـ غياتري تشاكرافورثي سبيفاك، تمهيداً لكتاب "في علم الكتابة" لجاك دريدا بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1974)، ص xxxix.‏

    (14) ـ تعكس ملاحظة ج، هيليس ميلر عن اللغة موقفاً تفكيكياً: إن اللغة، منذ البداية، خيالية ووهمية، ومنزاحة عن أية إحالة مباشرة إلى الأشياء كما هي، وينبغي احتجاز الظرف الإنساني في شبكة من الكلمات تتشابك عبر القرون وتزخر بالأساطير والمفاهيم والقياسات الميتافيزيقية، أي باختصار نسق ميتافيزيقا الغربية بأكمله"، "التراث والاختلاف" في مجلة "داياكرتكس" ، 2،4، 1972)، 11).‏

    (15) ـ ديفيد أليسون، مقدمة كتاب "الصوت والظاهرة"، ص I-xxxvii.‏

    الببلوغرافيا.‏

    ـ ابرامز، م، هـ "حدود التعددية ـ الجزء الثاني: الملاك التفكيكي "مجلة" البحث النقدي"، 31977)، ص 425-438.‏

    ـ أليسون، ديفيد، المقدمة، "الصوت والظواهر ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل، "جاك دريدا"، ترجمة ديفيد أليسونإيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ بلوم ، هارولد "خارطة سوء القراءة"، نيويورك : مطبعة جامعة أوكسفورد، 1975).‏

    ـ وآخرون "التفكيك والنقد"، نيويورك : مطبعة سيبيري، 1979).‏

    ـ دي مان، بول "رمزيات القراءة: اللغة المجازية عند روسو ونيتشة وريلكة وبروست"، نيوهيفن ولندن: مطبعة جامعة يبل، 1979).‏

    ـ "العمى والبصيرة": مقالات في البلاغة والنقد المعاصر "نيويورك": مطبعة جامعة أكسفورد، 1971).‏

    ـ دريدا، جاك، الإخـ"ت" لاف)، في "الصوت والظاهرة ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل "ترجمة ديفيد أليسون إيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ " في علم الكتابة" ترجمة غياتري سبيفاك بلتيمور، ولندن: مطبعة جامعة هوبكنز، 1974).‏

    ـ "الكتابة والاختلاف"، ترجمة الآن باس شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 197.‏

    ـ غارفر، نيوتن، تمهيد كتاب "الصوت والظاهرة ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل "جاك دريدا، ترجمة ديفيد أليسون إيفاستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ هيدغر، مارتن "الكينونة والزمان"، ترجمة جون ماكاوايري وإدوارد روبنسون نيويورك: هاربر ورو، 1962).‏

    ـ "الوجود والكينونة"، شيكاغو: شركة هنري يجنري، 196.‏

    ـ "مدخل إلى الميتافيزيقا" : ترجمة رالف مانهايم نيويورك: دبلدي، 1961).‏

    ـ "مقالات إلى الميتافيزيقا" الهوية والاختلاف، ترجمة كير؟؟؟؟؟؟ ف.ليدكرنيويورك: المكتبة الفلسفية، 1964).‏

    ـ هينرز، ريتشارد س. "الإيديولوجية والتحليل: إعادة تأمين الأونطولوجيا الميتافيزيقية" نيويورك: دسكلي برونز، 1966).‏

    ـ كلين، ريتشارد، مجلة دايكرتكس 2، 41972)، ص 29-34.‏

    ـ كريغر، موراي "نظرية النقد" بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972).‏

    ـ ميلر، ج. هيلس: "شعاع اريادن: التكرار والمسار السردي: "مجلة البحث النقدي" 31976) ص 57-77.‏

    ـ "الخيال والتكرار"، في "شكل الخيال البريطاني الحديث، تحرير آلان وارن فريد من أوستن: مطبعة جامعة تكساس، 1975)، ص43 -71).‏

    ـ "حدود التعددية الجزء الثالث: الناقد مضيفاً: "مجلة البحث النقدي"، 3 1977)، ص 437-447.‏

    ـ "التراث والاختلاف"، مجلة دايكرتكس، 2، 6، 1972)، ص 6-13.‏

    ـ نيتشه، فريدريك "ماوراء الخير والشر": استهلال لفلسفة المستقبل "ترجمة ر.ج. هولينغديل نيويورك: مطبعة البنغوين، 1973).‏

    ـ "هكذا تكلم زرادشت: كتاب لكل شخص وليس لأي شخص نيويورك: مطبعة البنغوين، 1961.‏

    (1) في الغراماتولوجيا ) سيرمز له المؤلف بالرمز OG م)‏

    (2) تلفظ الأولى "ثري" وتلفظ الثانية "تري" م).‏

    (3) ينبغي أن نلاحظ أن دريدا اشتق كلمة اختلاف differance من الجمع بين الاختلاف difference بمعنى عدم التشابه) + deference بمعنى الإرجاء وتفيد معنى الأثر)، أي أنه استبدل الحرف e) في كلمة الاختلاف بالحرف a) ويبدو الاختلاف واضحاً في هذه الكلمة إلا أن من الصعوبة توضيحه حين نقله إلى العربية لذلك عمد مترجم كتاب "الكتابة والاختلاف"، كاظم جهاد إلى وضع حرف التاء بين معكوفتين صغيرتين.م).‏






    --------------------------------------------------------------------------------
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 03:00 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)


    البنيوية والتاريخ: أهمية السر وعلاقته بالمعني - تكرار الوصول إلي روح المعني يقتل سحر البنيوية - ناظم عودة
    يبدو أنّ السحر الكامن في البنيوية هو أحدُ الأسباب الخفية التي جعلتها ذاتَ سيادة في الخطاب النقديّ المعاصر. فالتحليل البنيوي ينطوي بطبيعته علي تقنية (كشف السرّ)، كما هو الحال في الحكايات الغرائبية، إذْ يبدأ الأمر هكذا: تحليل الأجزاء اللسانية تحليلاً يبدأ من الصوت ثم التركيب النحوي، ثم يتصاعد باتجاه تحليل العلاقات، ثم يصل الذروة في الكشف عن سرّ النصّ المتمثل في (النظام) أو (البنية) وما ينطويان عليه من خاصية لسانية. فيقف القارئ مندهشاً حيال هذا الكشف المثير عن التنظيم العقلي للمؤلف، الماثل في البنية اللغوية لنصّه. علي هذه الشاكلة كانت البنيوية تسحر الآخر، وتفعل به نظير ما كانت تفعله حكايات ألف ليلة وليلة من سحر وتشويق في القارئ أو المستمع.
    فتلك الحكايات التي شغف بها الأوربيون أنفسهم كانت تبدأ بحكاية صغيرة هي نواة حكاية كبيرة تُستكمل تصاعدياً مع زمن الحكي، لتصل في النهاية إلي هتك السرّ الذي انتظره الملك بشوق كبير ألف ليلة وليلة. فتقنية كشف السرّ هي تقنية شائعة في الحكايات القديمة وهي تحمل من التشويق السردي الشيء الكثير. وعلينا أن نتذكر هنا أهمية الكشف عن هذا السرّ، وعلاقتهِ بإشكالية المعني، من خلال ما قام به آيزر في تحليله قصة (الصورة في البساط) لهنري جيمس، وما قام به جاك لاكان في تحليله قصة (الرسالة المسروقة) لإدجار آلن بو. فالتحليلان يتضمنان سعياً مشتركاً، هو معرفةُ أهمية السرّ وعلاقته بالمعني الأدبي، ثمّ بعد ذلك معرفة عملية تأويل ذلك المعني، هل هي عملية ماثلة في البناء اللساني للسرّ وحده، أم في الإدراك الجمالي الذي هو فعل من أفعال القراءة والتأويل؟. إنّ الذي قتل السحر البنيوي هو آلية (التكرار)، تكرارِ طريقة الوصول نفسها إلي ذلك السرّ، وكشفِ حجابه. ومن جهة أخري، كان كشف السرّ في حكايات ألف ليلة وليلة يحفظ حياة المؤلف بشخصه، والإنسان بنوعه، ولكنّ كشف السرّ أو النظام في البنيوية لا يتمّ إلا بموت المؤلف أولاً والإنسان ثانياً. وبمقتضي ذلك، فالتحول من البنيوية هو تحول باتجاه المؤلف والإنسان، وما يشكلانه من علاقة معروفة بالزمن وبالتاريخ، كانت قد أغفلت في المقاربة البنيوية.

    مخاض التحول
    إنّ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت المخاض الحقيقي للتحول الذي حدث في النظرية النقدية البنيوية. وساهمت عوامل عدة في حدوث هذا التحول، وأنا أعتقد أنّ الذي قام بكشف ظهر البنيوية هو الرواية، بوصفها جنساً أدبياً ذا صلة مرجعية بالعالم الخارجي، فلا يمكن اختزالها إلي مجرد مجال صالح للتطبيقات اللسانية الصرفة. وعلي هذا الأساس، فقد كانت الدراسات الخاصة بتحليل العناصر الشكلية والدلالية للرواية تفعل فعلها في تعرية المنطق البنيوي. إذْ كشفت الدراسات التي تعني بتحليل السرد أنّ الأعمال الروائية تفترض قارئاً أو مؤلفاً ضمنيين. مما يعني أنّ المنطق البنيوي في تجريد النصّ من السياقات المرتبطة به وجعله عالماً مكتفياً بذاته، قد بدأ يتقلقل. وعلي أثر ذلك، فقد استشرت رغبة محمومة للبرهنة علي تهافت المنطق البنيوي الذي ازدهر إبّان الخمسينيات والستينيات في فرنسا بصحبة الدراسات اللسانية وحركة التحليل النفسي الجديد التي يقودها جاك لاكان. لقد قام عدد من النقاد بتفسير الكيفية التي تصاغ بها شخصية المؤلف ضمن النظام النصّي للرواية، وهذا خرق لفرضية أساسية من الفروض البنيوية، وهي فرضية موت المؤلف التي أرادت البنيوية أن تحاكي بها خطاب العلوم الذي تجرد من هيمنة المؤلف منذ القرن السابع عشر علي عكس الخطاب الأدبي، كما يشير إلي ذلك فوكو في جينالوجيا المعرفة(1). ثم انتقلت هذه الدراسات السردية لتفسير قضية أخري ذاتِ روابط يقع بعضها خارجَ النصّ، فيما يقع بعضها الآخر في النصّ نفسه، وهي الطريقة التي تصاغ بها وجهة النظر point of view في العمل الروائي، بوصفها نظام الأفكار المنقول بوساطة الضمائر المستعملة في الرواية، وطريقةَ سردها سرداً فنياً موهماً القارئ بحقيقة ما يجري من أحداث.
    إنّ الأمر الجدير بالانتباه هنا، هو أنّ وجهة النظر تصحب معها بالضرورة أفكاراً وتحيزات اجتماعية أو أيديولوجية. وعلي هذا الأساس كان تطور الرواية يتقدم باتجاه تحديث تقنيـة الراوي، من خلال تعدد الرواة في عمل واحد، لا لمسوّغٍ يتعلق بالبنية اللسانية للنصّ وإنما لغرضِ خلقِ نمطٍ من أنماط التأثير والاستجابة، وكذلك لغرض خلق ضرب من ضروب الحوار مع الخارج ذي العلاقة بالبنية الاجتماعية أو بالتعاقب التاريخي، وما يصاحبهما من تغيرات شاملة. وقد اعترف تودوروف بأنّ وجهة النظر ربما تحمل خطاباً ايديولوجياً يتم عرضه من خلال البنية السردية للرواية. فالقبول، إذن، بفرضية (وجهة النظر) بحسب إشارة تودوروف يعني القبول بفرضية (التاريخ) التي تشكل القيمة الجمالية والدلالية للأعمال الأدبية بعامة. إنّ القارئ يتقمص الشخصية الروائية ذاتَ وجهة النظر، ويسعي إلي كشف الطابع المنطقي لبنائها، وربما تتعارض كثير من اعتقاداته مع اعتقادات تلك الشخصية، ولكنه يبحث في النهاية عن انسجامها مع طبيعتها وأفعالها. وهذا هو المنطق الذي يتحكم بالعلاقة بين القارئ العادي والعمل الروائي. وقد انشغل عدد من نقاد الأدب بالبحث عن معايير تلك العلاقة، التي تربط القارئ بالرواية. وساهم ذلك في خلق جدل نقدي حول الصلة المفترضة والمثيرة للقارئ بالتركيب الفني لعناصر العمل الأدبي. علي النحو الذي تمثل في ما قام به واين بوث في كتابه بلاغة الرواية rhetoric of fiction.
    فقد أراد بوث في العام 1961 أنْ يبحث في مجمل الخصائص الشخصية للمؤلف الضمني الذي اقترحه في كتابه الآنف الذكر، ومعروف أنّ مفهوم المؤلف الضمني هو أحد المفاهيم الأساسية التي أوحت لآيزر في صياغة مفهوم القارئ الضمني implied reader الذي هاجم به الفرضية البنيوية التي تستبعد من النصّ العناصر الخارجية. واشترك هذا المفهوم ومفاهيم أخري في كتاب بوث في زحزحة كثير من الاعتقادات البنيوية السائدة، وفي تحويل مركزية الخطاب النقدي من مركزية نصية إلي مركزية تتعلق بالنص وبأفعال القراءة معاً، وبعمليات التأويل التي زعمت اتجاهات ما بعد البنيوية أنها تضيف إلي النص نصاً آخر تُملأ به الفجوات، التي هي جزء أساسي من بناء العمل الأدبي.
    لقد زعم بوث أنّ النصوص الروائية المتخيلة كلها توحي بـ: مؤلف ضمني يرتبط به القارئ في أثناء القراءة (وقال إنّ المؤلف الضمني لكل رواية هو شخص ما يجب أنْ أتفق، إلي حد كبير، مع معتقداته إذا ما كان عليَّ أنْ أستمتع بعمله.(2) وعلينا أن نعترف هنا، بأنّ عدداً من الدراسات الخاصة ببنية القصة والرواية كانت تجلّي فكرة انفتاح النصّ علي سياقات متعددة، كانت بمثابة البداية لخلق أزمة منهجية في المقاربة البنيوية. فقد ظهرت (أعمال روملهارت 1975، وماندر، وجونسن 1977، وستين وجلين 1979، وآخرون وهي تشدد علي بنية القصة) (3) وهنالك مقالان علي قدرٍ كبيرٍ من الأهمية ينسبان للغوي الاجتماعي الأميركي وليم لابوف (الأول مكتوب بالاشتراك مع جوسيا وولتسكي، ظهر في Helms في العام 1967 تحت عنوان: تحليل السرد، الحكاية الشفاهية في التجربة الشخصية. والثاني ظهر في هيأة الفصل التاسع من لسانيات لابوف في: Inner city وقد عنون بـ: التجربة التحويلية في التركيب السردي... وهما يرغبان في فحص سرود كثيرة، ليشرعا، ويرويا خصائص السرد اللسانية والشكلية ووظائفها).(4) إنّ الشيء المهم في هذه الدراسات هو أنها أظهرت أنّ البنية اللغوية لم تعد وحدها كافية لتجلية المعني الأدبي، فهنالك فجوات في النصّ نفسه بحاجة إلي إيضاحات تأتي من خارج بنيته. وعلي هذا الأساس كانت هنالك عودة منهجية إلي كلّ علمٍ يساهم في إعادة ربط الدلالات البعيدة للنص التي تم إقصاؤها منه حتي لا يكون وثيقة مرجعية خالصة، وإنما بناءً تخييلياً مخصوصاً يأخذ بنظر الاعتبار مسألة تطور الجنس الأدبي.

    صراع ضد البنيوية
    وإضافة إلي العامل الخاص بالرواية التي تمردت علي التقنين اللساني، فثمة عامل آخر جدير بالالتفات، هو الصراع الذي كان يخوضه النقاد اليساريون ضد البنيوية، متمثلاُ بجورج لوكاش، وبتلميذه الناقد الروماني الأصل لوسيان جولدمان في مجموعة من كتبه، ككتاب (الإله الخفي) الصادر في العام 1955 عن دار جاليمار في باريس، وكتاب (من أجل علم اجتماع الرواية) الصادر في العام 1964 عن دار جاليمار أيضاً، وكتاب (علم اجتماع الإبداع الأدبي). لقد ساهم جولدمان كثيراً في مناهضة البنيوية بصورتها الفرنسية، واشترك في الندوة الشهيرة التي أقامتها جامعة جونز هوبكنز في العام 1966 ببحث موسوم بـ(البنية: الواقع الإنساني والمفهوم المنهجي) وهو أحد البحوث التي عمِلت مع بحث جاك دريدا الموسوم بـ(البنية واللعب والعلامة في خطاب العلوم الإنسانية) علي شطر الندوة شطرين: الأول يقوده بارت وتودوروف ولاكان، والثاني يقوده جولدمان ودريدا. وأدي ذلك إلي احتضان (جامعة ييل) جاك دريدا الذي اجتمع حوله عدد من النقاد المناهضين للبنيوية، فأسسوا ما عُرف بـ(مجموعة نقاد ييل) التي ضمت (بول دي مان وجيوفري هارتمان و هيلز ميللر وآخرين). وقد ترك جولدمان أثراً واسعاً في النقد الانكليزي، ففي إحصائية قام بها الدكتور جابر عصفور بيّن فيها الترجمة الواسعة لكتب جولدمان إلي الانكليزية، إذ تُرجمت له تسعةُ كتب من سنة 1964 إلي سنة 1980. ويأسف جابر عصفور علي عدم العناية الكافية من جانب النقد العربي بترجمة أيّ عمل من أعمال جولدمان في ذلك التاريخ.(5) ويبدو لنا أسفُ جابر عصفور مقبولاً لأنّ السبعينيات شهِدت بداية تدهور البنيوية في فرنسا، وبداية ظهور اتجاه جمالية التلقي في جامعة كونستانس في ألمانيا. وفي ميدان الفلسفة كان جاك دريدا يدعو في العام 1966 في ندوة جامعة جونز هوبكنز إلي (تفكيك ميتافيزيقا الحضور التي تنعكس في فكرة البنية نفسها).(6) ولم تكن القراءة التفكيكية سوي تعارضٍ مع (المبدأ الذي يقول بأنّ في لغة النص يكمن الأساس الخاص بالنسق الذي يشتمل علي عمل وظيفي كاف... وان النص يمتلك نسقاً لغوياً أساسياً بالنسبة لبنيته الخاصة، التي تمتلك وحدة عضوية، أو نواةً ذاتَ مدلول قابل للشرح).(7) وقد تنبه البنيويون أنفسهم إلي شيء من تلك الأزمة، فهذا جيرار جينيت يعتقد أنه بما أن الأدب (نتاج لغة، وبما أن البنيوية... منهج لساني بامتياز، فاللقاء الأكثر احتمالاً ينبغي أن يحدث بالتأكيد في ميدان المواد اللسانية: فالأصوات والأشكال والكلمات والجمل تؤلف الموضوع المشترك بين اللساني والفقيه اللغوي الذي يدرس النصوص إلي درجة أنه أمكن في البدايات الحماسية للحركة الشكلانية الروسية تحديد الأدب كلهجة بسيطة والنظر إلي دراسته كملحق بمبحث اللهجات العام)،( فالمنهج البنيوي يعني بتماثلات في النص نفسه ويغض الطرف عن تماثلات مرجعية أخري كان يدافع عنها جولدمان ولوكاش وآخرون. فهذا المنهج يريد أن يعثر (في الشفرة علي الرسالة التي تبرز من خلال تحليل بني ماثلة، ولا تكون (الرسالة) مفروضة من الخارج بأحكامٍ إيديولوجية مسبقة).(9) لقد خلقت تلك التحليلات اعتقاداً باغتراب الإنسان عن النصوص التي صنعها هو، ومن هنا فقد هتف الطلاب، في ثورتهم المعروفة في العام 1968 التي أطاحت بحكومة ديجول، ضد البنيوية، ورفعوا شعار (فلتسقط البنيوية).(10)
    هوامش
    (1) ينظر: سالم يفوت ــ المناحي الجديدة للفكر الفلسفي المعاصر ــ ص41 ــ دار الطليعة ــ بيروت ــ ط1ــ1999
    (3) James E. Seitz, Arhetoric of reading, from: Rebirth of Rhetoric, Edited by Richard Andrews (1992) New York, Routledge P141.
    (3) Ibid. P116.
    (4) Ibid. P116.
    (5) ينظر د. جابر عصفور: نظريات معاصرة ــ ص95 ــ دار المدي ــ دمشق ــ ط1 ــ 1998.
    (6) نظرية اللغة الأدبية ــ خوسيه ماريا بوثويلو إيفانكوس ــ ترجمة د. حامد أبو حامد ــ مكتبة غريب ــ مصر ــ ص 151.
    (7) المصدر نفسه ــ ص 147.
    ( البنيوية والنقد الأدبي ــ جيرار جينيت ــ في كتاب: البنيوية والنقد الأدبي ــ تحرير وترجمة محمد لقاح ــ أفريقيا الشرق ــ المغرب ــ ط1 ــ 1991 ــ ص15.
    (9) المصدر نفسه ــ ص16.
    (10) ينظر: آفاق العصر ــ د. جابر عصفور ــ دار المدي للثقافة والنشر ــ دمشق ــ ط1 ــ 1997 ــ ص224.

    جريدة (الزمان) العدد 1339 التاريخ 2002 - 10 - 16
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-09-2004, 03:04 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    لمستقبل 23-08-2004

    الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي يصارع المرض في حوار طويل مع "لوموند":

    إسرائيل "انتحارية" ولم تعد تمثل لا اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية


    الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا صاحب فلسفة "التفكيكية" محط انظار الاعلام والصحافة اليوم ليس فقط لأنه يصارع المرض منذ فترة بل لأنه ومنذ صيف 2003 وتتوالى النشاطات والاعمال الفنية، السينمائية خاصة، التي تناولت حياته وفكره. وهو بدوره، وقع أعمالاً جديدة وشارك في مؤتمرات عالمية عديدة دارت حول أعماله وفلسفته التفكيكية، من لندن الى كوامبرا مروراً بباريس وريو دوجينيرو. كذلك، أخرج آمي كوفمان وكيربي ديك فيلماً عنه بعنوان "دريدا" وذلك بعد الرائعة السينمائية "دريدا من هناك" لصفاء فتحي عام 2000. وتصدر غلافات وملفات عدد كبير من المجلات الأسبوعية والشهرية من "الماغازين الأدبية" الى مجلة "أوروبا" الى "دفاتر الأدب"... الكثير من الاطلالات في عام واحد ومع هذا دريدا لا يخفي مرضه وارهاقه من العلاج الطويل الأمد أو مع هذا رفض ان يتحدث عن مرضه الى صحيفة "اللوموند" التي حاورته منذ أيام، نقتطف بعض المقاطع من الحوار:
    بشكل عام، أنت تجد صعوبة كبيرة في قول كلمة "نحن" ـ "نحن الفلاسفة، او نحن اليهود" مثلاً. ولكن، مع هذا الخراب في العالم الذي يمتد، لا تجد صعوبة في قول "نحن الأوروبيين". وكنت قد ذكرت في كتاب سابق لك "الرأس الآخر" الصادر عام 1991 أثناء حرب الخليج الأولى انك "الأوروبي العجوز" أو القديم مثل "نوع من التهجين الأوروبي".
    ـ أحب ان اذكرك بأمرين: صحيح أنني أجد صعوبة في قول كلمة نحن، لكنني أحياناً كثيرة أقولها. وعلى الرغم من كل المشاكل التي تعذبني في هذا الموضوع، ابتداء "بسياسة اسرائيل الانتحارية واليائسة وصولاً الى الصهيونية (لأن اسرائيل لم تعد تمثل بالنسبة لي اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية العالمية الأصلية التي صار لها وجوه عديدة ومتناقضة) وهناك عدد كبير من الأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية يعتبرون انفسهم من الصهاينة "المخلصين". وهذا اللوبي يمتلك القوة والسلطة أكثر من الجماعة اليهودية الأميركية، وإذا تركنا جانباً الموقف من الأزمة العراقية في سياسة الأميركيين واليهود التي لا أوافق عليها الى جانب العديد من المواقف السياسية لهم، فأنا، وعلى الرغم من كل المشاكل مع انتمائي اليهودي، لا أرفضه ولا أتنكر له أبداً.
    قد أقول دائماً، وفي ظروف معينة، "نحن اليهود"، هذه "النحن" التي تؤرقني هي في صلب القلق في فكري، وهي ما وصفته في كتابي "اليهودي الأخير". وسوف تبقى في فكري تماماً كما حدد أرسطو الصلاة في فكره: "انها ليست حقيقية ولا مغلوطة". قد أقول أحياناً "نحن اليهود" وأحياناً "نحن الفرنسيين".
    ثم، ومنذ بداياتي في العمل هي مركز اعادة التخريب او التفكيكية التي كتبت عنها، حتى انني ضد المركزية الأوروبية في المعنى الحديث لها، وكما صورها البعض من فاليري الى هوسرل الى هايدغر، مثلاً. التفكيكية بشكل عام هي مؤسسة اعتقدها البعض موجهة كتحذير عام ضد المركزية الأوروبية. وحين يحدث معي وأقول احياناً اليوم "نحن الأوروبيين"، فالأمر مختلف هنا: كل ما يمكن تفكيكه في التراث الأوروبي لا يمنع وبسبب ما حدث في أوروبا، من انحسار دور هذه القارة والاحساس الهائل بالذنب الذي جعل ثقافتها تنحسر أيضاً (بسبب التوتاليتارية والنازية، والمجازر والاستعمار والانتداب" اليوم وفي الأجواء الجغرافية ـ السياسية الراهنة، أوروبا، أوروبا أخرى ولكن بالذاكرة عينها، تستطيع ـ (وهذا هو التمني الوحيد لدي) ان تتحد ضد سياسة أميركا المهيمنة والمتسلطة (حسب تقارير وولفوويتز وشيني ورامسفيلد) وضد التيوقراطية العربية ـ الإسلامية (أو سلطة رجال الدين) التي لا ضوء ولا مستقبل سياسياً لها (ولكن يجب ألا نخلط بين هاتين السياستين ونحن نتحد مع الذين يحاربون من الداخل هاتين القوتين).
    وتجد أوروبا نفسها اليوم مضطرة الى تحمل هذه المسؤولية الجديدة. وأنا لا أتكلم عن الاتحاد الأوروبي كما هو اليوم أو كما يرتسم لدى الأكثرية الحالية وهو معرض الى العديد من الحروب الداخلية، ولكني أتحدث عن أوروبا جديدة قادمة وتبحث عن نفسها. في أوروبا (جغرافياً) وخارجها. وما نسميه جغرافياً أوروبا عليه ان يأخذ على عاتقه مسؤولية وهي مستقبل الانسانية والحقوق العالمية للإنسان، وهنا ألخص كل ايماني. وهنا لا أتردد في قول "نحن الأوروبيين" فأنا لا أتحدث عن قيام أوروبا جديدة لها سلطة وقوة عسكرية متفوقة لتحمي سوقها وتمارس نزاعها مع الآخرين، ولكن أتحدث عن أوروبا أخرى تأتي لتزرع بذرة السياسة الجديدة التي ستشمل العالم. وهي بالنسبة لي الحل الوحيد. هذه القوة بدأت تعمل. ولكن مع أن عواقب كثيرة تعترضها لكنني أظن انها ستنطلق ولا شيء سيوقفها. عندما أقول أوروبا أقصد بها هذا... ولا أقصد أن تكون سلطة عسكرية للقتال، بل سلطة عسكرية لا مهددة ولا دفاعية ولا احتياطية، بل موجودة وحاضرة دائماً لتنفذ ما تتوصل اليه قوات الأمم المتحدة (مثلاً وبكل حذر، في اسرائيل، وخارج اسرائيل ايضاً). وسوف تكون ايضاً المكان المناسب الى كل انواع العلمنة والعدل والقانون الاجتماعي، أكثر منه موقع الموروثات الأوروبية.
    أتيت على ذكر "العلمنة" هنا. دعني أفتح المزدوجين هنا لأستطرد. العلمنة هنا لا تعني "الحجاب" في المدرسة بل "الحجاب" في الزواج... لو كنت معنياً بنص التشريعات، لكنت اقترحت وبكل بساطة اختفاء كلمة وفكرة "الزواج" في نص مدني وعلماني. "الزواج" هو نتيجة وقيمة دينية ... في الانجاب والتواصل والإخلاص الأبدي، الخ... أرغب في تداخل الحكم العلماني بتعاليم الكنيسة. والزواج في وجهته الأحادية ليس من تعاليم اليهودية (لكنه فرض على اليهود من قبل الأوروبيين في القرن الماضي مع أنه لم يكن يطبق بعد لدى اليهود في المغرب) ولا هو في تعاليم الإسلام، كما نعلم جميعنا. ومع إلغاء فكرة "الزواج"، هذا الخبث المقدس والديني، الذي لا مكان له في الفكر العلماني، قد نستبدله "بالزواج المدني" او "القران المدني" وفقاً لعقد موقع من الطرفين، وهذا العقد يتم تهذيبه وتحسينه مع الوقت وقد يتم هذا العقد بين شخصين أو أكثر، أو بين جنسين مختلفين او متشابهين. أما بالنسبة الى الذين قد يرغبون في "الزواج" بالمعنى التقليدي ـ وأكن له احتراماً لا يزول يمكن لهم ان يقوموا بذلك امام السلطة الدينية التي يختارون ـ تماماً كما قد يرغب بعض المثليين الجنسيين في قيام زواجهم في أي مكان في العالم امام السلطة الدينية. قد يرتبط اثنان امام السلطة الدينية أو المدنية او الاثنين معاً او لا يرتبط احدهم ولا بأي طريقة. هنا أضع نقطة النهاية على موضوع الزواج. (انها طوباوية لكنني على موعد معها".
    اوروبا، ومنذ عصر الانوار والنهضة، وهي تقيم النقد الذاتي باستمرار، وفي هذا الواقع، ثمة امل كبير للمستقبل. على الأقل، انا آمل في ذلك كي تخف نقمتي أمام الاتهامات التي توجه الى أوروبا على انها لم تكن يوماً الا أرضاً للجرائم.
    بالنسبة الى موضوع أوروبا، الا تجد نفسك في موقع حرب مع الذات؟ من جهة، تقول ان أحداث 11 أيلول هدمت القواعد الجغرافية ـ السياسية القديمة للسلطات والقوى الكبرى، وبذلك تركز على مقوله جديدة للفكر السياسي الذي تقوله أوروبياً هذه المرة، ومن جهة ثانية، انت تتعاطف مع الروح الأوروبية ومع المثال الأوروبي...
    ـ حين نقول سياسة نستخدم عبارة اغريقية، مفهوماً أوروبياً افترض دائماً الدولة، الشكل "المهذب" المرتبط بالأرض الوطنية. فأياً كانت أشكال الانقسامات داخل هذا التاريخ، فإن مفهوم السياسي هذا يبقى سائداً، في الوقت الذي نجد فيه قوى كثيرة هي في سبيلها الى التفكك: فسيادة بلد لم تعد مرتبطة بالحدود والأرض، ولا تكنولوجيا الاتصالات والاستراتيجية العسكرية كذلك، وهذا التفكك تضع فعلياً المفهوم القديم للسياسي في أزمة. وللحرب، وللتمييز بين المدني والعسكري، وبين الحدود الوطنية والحدود العالمية (...) انا في حرب ضد نفسي، هذا حقيقي، ولا يمكن ان تعرفوا الى أي درجة قد تصل هذه الحرب، وهي أبعد مما تعتقدون، واحياناً قد أقول وأفكر في أمور متناقضة هي، في الواقع، حقيقية، أحياناً تجعلني أبني ذاتي من جديد، تجعلني اعيش أو أموت.
    هذه الحرب، أراها أحياناً حرباً راعبة وقاسية ولكن أعرف في الوقت ذاته، انها الحياة. ولن أجد السلام إلا في الراحة الأبدية. اذاً لا استطيع الجزم بأني قادر على فهم هذا التناقص، لكني أعرف ايضاً انه هو الذي يبقيني على قيد الحياة، ويجعلني اطرح السؤال، تحديداً، "كيف علي ان اتعلم العيش".

    ترجمة: كوليت مرشليان






                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2004, 05:39 AM

عشة بت فاطنة
<aعشة بت فاطنة
تاريخ التسجيل: 01-06-2003
مجموع المشاركات: 4572

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ( التمتع هل صنع ذلك المصير من اجل الانسان؟ اه لوكنت ذقت ولمرة واحدة في حياتي كل متع الحب في امتلائها، فانا لا اتصور ان وجودي الضعيف سيكون قادرا على الاكتفاء بها ، اذن ساكون قد مت على الفور )
    ( ان الحضور مرغوب فيه ومثير للخشية في نفس الوقت -لان-...المتعة نفسها .. لن تكون سوى اسما اخر للموت )- من قراءت دريدا لاعترافات جان جاك روسو -ع-ك ص223-

    شكرا اسامة لهذا الحضور وربطنا بخبر لدريدا واعلان موته او ربما امتلائه كما يظن ..

    اليكم هذه الدراسة التى تختزل في صفحات قليلة اهم المفاهيم التى طرحها دريدا :
    هذه الدراسة تقديم /لوسيت فيناس
    من كتاب مدخل الى فلسفة جاك دريدا
    فكيك الميتافيزيقا واستحضار الاثر / ترجمة ادريس كثير -عزالدين الخطابي .

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2004, 05:50 AM

عشة بت فاطنة
<aعشة بت فاطنة
تاريخ التسجيل: 01-06-2003
مجموع المشاركات: 4572

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)


    جاك دريد: المفكك

    دراسة


    ان فتح العمل الهام والصعب لجاك دريدا امام جمهور واسع ، ان يتم بدون تشويه ، بدون تخمين ، وبالخصوص بدون افقار .
    بدْا ، لأن الصعوبة ليست أمرا طارئا : انها تتعلق بالطريقة التي تخضع فيها المعرفة للكتابة . ان جاك دريدا كاتب ، وأي تقديم نسقي ، تعليمي ، لما قد نسميه أفكاره ،لا يمكنه تحت طائلة الخيانة ، اعادة التعقد المتكاثر للنص و انسيابه تشابكه وحركيته.
    من الذي يقرأ دريدا فب فرنسا ؟ طلبة ، جامعيون شباب (من تخصصات فلسفية، لسانية وأدبية) أساسا ، و من بين هؤلاء أو خارج هؤلاء ، محللون نفسانيون ، كتاب تشغلهم مسألة الكتابة . وبحجم أقل : رجال علم ، رجال مسرح ، موسيقيون ، رسامون ، عمال مطبعة جمهور مقسّم و مركّب . تقسيم و تركيب يؤكدان من الخارج نوعا ما ، غموض عمل ذي سند فلسفي قبل كل شيء ، يلعب بالفلسفة و يتلاعب بها ، فارضا توسيعا واغادة تقدير لمفهوم الكتابة .
    ان الاستقبال الذي حظي به دريدا في الخارج ، هو على العموم ، افضل من ذلك الذي خصّ له في فرنسا . فمعظم أعماله ترجمت الى عشرات اللغات . وكم من جامعة في المانيا ، انجلترا ، الأرجنتين ، الولايات المتحة الامريكية ، هنغاريا ، ايطاليا ، اليابان ، يوغوسلافيا ، تشتغل حول نصوصه . ان مقاومة قطاع معين من الجامعة الفرنسية يرتبط بشكل متلازم ،بمضمون العمل وبأنماط كتابته التي لا تحترم القوالب البيانية للتقليد ،والتي لا تختزل في المعايير الشرعية للأطروحة . ومع ذلك ، فان الكتاب الأول لدريدا ، المنشور سنة 1962 و عنوانه ((مدخل الى أصل هندسة هوسرل)) (المطبوعات الفرنسية P.U.F ) الذي استقبل بحفاوة ، قد حقق امؤلفه جائزة في الابستيمولوجيا . وهي جائزة جان كافييس Jean Cavailles .
    ان كل المقالات التي ظهرت ابتداء من 1962 قد تم جمعها ضمن الأعمال الستة الأساسية المنشورة بثلاثة بفاصل خمسة سنوات ، في 1967 و في 1972 . ففي 1967 تم نشر (الكتابة و الاختلاف) منشور لوسري ، (في الكراماطولوجيا) منشور مينوي ، (الصوت و الظاهرة) المطبوعات الجامعية الفرنسية P.U.F . و في 1972 تم نشر (التشتت) منشور لوسري , (مواقف) منشور مينوي و (هوامش) منشور مينوي).
    ما هو رهان نص دريدا ؟ انه بشكل تخطيطي , عملية (تفكيك) و هي حركة أقل بساطة من حركة <ال> هدم للجهاز الذي ينظم الفكر المسمّى غربيا منذ أكثر من ألفي سنة ، من أفلاطون الى هيجل ، ولكن أيضا علاوة على هذين الطرفين ، من الماقبل سقراطيين الى هايدجر . هاتة العدّة المنطقية – الخاصة بنا عادة – تعمل ضمن التعارض الرئيسي بين الواقع و العلامة ، وضمن سلسلة شاملة من التعارضات المتكافلة : حضور/ عدم حضور، غياب / تقديم ، شيء / صورة ، داخل / خارج ، مضمون / تعبير، جوهر/ شكل ، ماهية / ظاهر ، عمق / سطح ، عقلي / حسّي ، قبل / بعد ، زائد / ناقص ، أصلي / مشتق ، طبيعة / ثقافة ومئات التفرعات الثنائية الأخرى . و بشكل جوهري ضمن تعارض " اللوغوس " الذي يفهم في نفس الوقت ككلام و كفكر ، و الكتابة التي تفم ك "أثر" للكلام و للفكر . هذا النسق من التعارضات المتراتبة يختزل الأثر المكتوب لكي لا يصبح سوى تمثيلا ( في اللسانيات السويسرية "نقول" الدال) ، سوى معني سابقا للوجود ، مدلولا . و بالعكس ، فان المدلول ضمن هذا النسق هو حضور تتمثل غاية الأثر الدال في استدعائه . ان دريدا يسمّي هذا المنطق " نزعة اللوغوس المركزية"
    و ستكون " نزعة الصوت المركزية " هي الشكل الذي تكتسبه . لأن حضور الوجود عن طريق "الانصات لكلام الذات " le s`entendre parler ، ينكشف لما هو أقرب الى ذاته في الصوت (وهو ما يسمّى حقيقة ، كعنصر نافذ للوغوس ، كأثيره نوعا ما . ان نزعة العقل و الصوت المركزية logo-phono centrisme والتي تمنح للكتابة المأخوذة في معناها الأوسع ، تعيينا معبّرا ، تتحرّك بتواطؤ مع نموذج الكتابة الأبجدية أو الصوتية ، و تصبت من خلال هيمنتها ، الغربية منذ انطلاقها ، على الانتشار في عالمنا بأكمله .


    للدراسة بقية
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2004, 06:14 AM

AttaAli
<aAttaAli
تاريخ التسجيل: 03-08-2003
مجموع المشاركات: 353

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)

    شكرا المشاء
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2004, 07:27 AM

Sinnary
<aSinnary
تاريخ التسجيل: 03-12-2004
مجموع المشاركات: 1713

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: AttaAli)


    شكرا أخ أسامة علي دعم البورد بهذه المتابعات النوعية ، فبالأمس يكتب الخاتم عدلان عن ابن رشد واليوم أنتم تنعون إلينا جاك دريدا وأتمني لو أتيحت لكم الفرصة لاحقا لتناول نظريته الأثيرة (التفكيكية) وعلاقتها بالفلسفة والنقد الأدبي بالشرح والنقاش ، إبتداءاً من الجانب الجزائري في تكوينه ، حيث تكون وعيه الأول علي هذه الارض العربية (ربما حاول دريدا تغييب ذلك بنظره للجزائر كمكان ولادته وليس المكان الأول الذي كون المفكر وتميزه)
    ولد (جاك دريدا) كما ذكرتم سنة 1930 بمدينة البيار بالجزائر حيث قضى في هذا الوطن شبابه،بعد حصوله على الشهادة الابتدائية في البيار انتقل إلى مدرسة ثانوية بجوارها، وتعلم من الأجواء السائدة آنذاك، أثناء الحرب العالمية الثانية، فلقد عانى الطفل (دريدا) من عنصرية شديدة باعتباره يهوديا. في العام 1948 نجح في (البكالوريا)، وكان ينشر في مجلات المغرب العربي الكثير من قصائد الشعر، ويطالع (روسو) و(جيد) و(نيتشه) و(كامو) و(فاليري). تهيأ لمسابقة المدرسة العليا واهتم بالفلسفة خاصة عند (كيركجارد). في العام 1949 سافر إلى فرنسا وتابع دراسته في المدرسة العليا (لويس لوجراند) والتقى ببورديو ومونوري وغيرهما. وبعد دراسته العليا التقى بالتوسير المولود أيضا بالجزائر وانضم إلى مجموعة من المتطرفين اليساريين، في العام 1956 حصل على منحة من جامعة هارفارد الأمريكية وتزوج من مرجريت اوكتيري، وفي العام 1957 عاد إلى الجزائر لتأدية الخدمة العسكرية حتى العام 1959 وقام بتدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية وظل مرتبطا بالواقع الجزائري حتى بلغ من العمر 29 عاما. عاد إلى فرنسا ليدرس الفلسفة، في العام 1967 حصل على الدكتوراه وبدأ يظهر تأثيره في مجتمع الأفكار الجديدة.
    أنجز (دريدا) الكثير من الكتب، وألقى العديد من المحاضرات في الجامعات الأوربية والأمريكية وحصل على الكثير من درجات الدكتوراه الفخرية، كما أنه يسهم بمهمات أساسية فـي إدارة الدراسات في معاهد الفلسفة والعلوم الاجتماعية كما حصل على أوسمة فارس، وضابط، وقائد وكلها في الفنون والآداب.
    وعندما نمعن العقل في فكر هذا الفيلسوف المعاصر نجده أحد الفلاسفة الذين هزوا الفكر الغربي في خصائصه ومكوناته، حيث تبدأ تساؤلاته دائما من موقع الهامش متجهة إلى المركز الأساسي للأفكار، حيث يحول هذه الأفكار إلى موقع ممكن للكتابة، وفضاء يمكن تفكيكه ومساءلته لأنه المفكر الذي قام وبكل جرأة بمساءلة ونقد الأسس الذي يقوم عليهاالفكر الغربي وبالخصوص نقد مركزية العقل الغربي..اتمني لو تتاح فرصة لتبسيط نظريته وعلاقتها بفكر ما بعد الحداثة التذريري وممثلي هذا الفكرالآخرين زي الامريكي ديمان الممثل الحقيقي لهذا المذهب في الإنكليزية.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2004, 09:35 AM

عشة بت فاطنة
<aعشة بت فاطنة
تاريخ التسجيل: 01-06-2003
مجموع المشاركات: 4572

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)


    لوسيت فيناس/ متابعة:

    ان ميتافيزيقا الحضور هاته ، منطق الوجود هذا . أو الانطولوجيا ، كانت دوما في عمقها ، سواء ادركت ذلك او لم تدركه ، ثيولوجيا ، او لكي نختصر نقول (أنطوثيولوجيا ) كتب دريدا : ( ان العلامة والالوهية لهما نفس مكان ونفس زمان الولادة ) (وهناك) جملة لروسو توضح افتراض العقل المتمركز حول ذاته الذي يحكمنا : ( ان الكتابة ليست سوى تقديم الكلام ، ومن العجيب اننا نعطي اهتماما لتحديد الصورة أكثر من الموضوع ) .
    ان موقف دريدا ، (ك) زعزعة لليقين الفلسفي ، يقتضي ( تحرير الال من تبعيته او من تفرعه من اللوغوس وعن المفهوم المتعلق بالحقيقة أو بالمدلول الاولي ، كيفما كان المعني الذي نفهمه ) من غير من ان نحول بذلك الاولوية المنتزعة من الدّال في اتجاه المدلول . تحرير لا يمكنه أن يتحقق بدون اصابة شاملة لمنطق العلامة الذي تَرجع اليه اكتابة (انحطاطها).
    لذك ، فان لتفكير في الكتابة هو رافعة من التساؤلات الحاسمة ضمن مشروع التفكيك ، ان الانشغال الفلسفي هنا يتحالف مع هّم الموضوع الادبي ومع وضعية المكتوب . ان دريدا ، بذكره للطابع المشكوك فيه والمتخيل جزئيا ، للحد الذي يفصل الكتابة الصوتية عن الكتابة غير الصوتية ، وباستدعائه لدوسيسر ضد دوسيسر يقيم الدليل على ان اللغة ، وعموما كل مدلول ، بعيدا ان تكون تلك التى يحب ان تحتمل النقش ، هي دوما مكتوبة سلفا . وبأن القول ليس مكبر صوت للمعنى .

    مواصلة ...
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 02:44 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا سناري وعشة بت فاطمة على رفدكم للبوست
    والشكر ايضا لعتالي

    المش=============================اء
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 02:47 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
صبحي حديدي:بين جاك دريدا وتفكيك الزرقاوي (Re: osama elkhawad)

    لو كان إدوارد سعيد علي قيد الحياة هذه الأيام، فالأرجح أن النصّ الذي كان سيكتبه في مناسبة رحيل جاك دريدا (1930 ـ 2004) كان سيبدو بين أفضل المراثي، وأرفعها رصانة في الجانب النقدي، وأشدّها توغلاً في فكر وفلسفة ومحاسن ومساويء الفيلسوف الفرنسي الشهير. كان بين الرجلين خلاف عميق، لم يتسنّ له أن يظهر علي السطح للأسف، وإلا لكنّا كسبنا واحدة من أعمق مناظرات النصف الثاني من القرن العشرين. وكان بين الرجلين، غنيّ عن القول، احترام متبادل وصداقة وعلاقات شخصية وحتي عائلية.
    وأذكر أنني، قبل عشر سنوات تقريباً، استوضحت سعيد عن هذه المسألة، مشدّداً علي أنه شخصياً، وفي مطلع مساره الفكري، كان واحداً من قلّة من النقاد أبناء جيله في أمريكا، ممن قدّموا الفلسفة الأوروبية ودراسات النُظُم المختلطة والفينومينولوجيا والبنيوية، وسواها. لماذا كنتَ قاسياً علي دريدا بصفة محددة، سألت آنذاك، وهل تغيّر موقفك بعض الشيء؟ الراحل، الذي كان يعرف أننا لم نكن في حديث مجالس، وأنّني كنت أحاوره لكي ينشر كلامه علي الملأ، أجابني هكذا: أولاً: أعتقد أن دريدا رجل لامع تماماً. لقد أحببته، وقامت بيننا صلات شخصية وطيدة. ولكني مع ذلك شعرت بتلك الحالة الطفيفة من انعدام التوازن بين منهج التفكيك ذي الطابع التشكيكي وربما الفوضوي العالي من جهة، وبين اجتهادات التفكيك المنهجية من جهة ثانية. ولقد بدا لي، علي نحو محتوم ربما، أنّ ما يلوح كنزعة تشكيك تأملية ونيتشوية هي حالة يسهل تطويعها لملائمة مختلف المؤسسات: حقيقة أن دريدا أصبح دريدائياً ، وأن مدرسة كاملة في أمريكا تُعرف اليوم باسم الدريدائيين . وبالمناسبة، أخبرني دريدا نفسه أن شهرته في أمريكا تختلف عن شهرته في فرنسا حيث لا يبدون به اهتماماً واسعاً. ولقد بدا لي أنّ حالة المؤسسة هذه أخذت تفقده حرّيته في الاستكشاف الدائم .
    وتابع سعيد: لقد شعرت، وأذكر أنني ناقشت هذه المسألة مع شومسكي، أنّ أعمال دريدا تنطوي علي الكثير مما يثير البلبلة وإطلاق العنان للأهواء، بدل المحاولة الجادّة للانخراط سياسياً في بعض قضايا الساعة الكبري مثل فييتنام أو فلسطين أو الإمبريالية. لقد شعرت علي الدوام بوجود نوع من المراوغة، فأقلقني ذلك. وحين كنت التقي به، كنّا نتبادل حوارات مفيدة. لقد زارني في بيتي، ودعوته لإلقاء محاضرات في كولومبيا في أواخر السبعينيات. وحين جئت الي باريس لإلقاء بعض المحاضرات في السوربون، دعاني وعرّفني علي زوجته. في المستوي الشخصي كانت الأمور علي مايرام. ولكني شعرت انه بدأ يطوّر حسّ الدفاع عن منطقة وعقيدة جامدة. وكنت أقول في نفسي: ما معني ذلك؟ أضف إلي أنني ازددت انغماساً في السياسة، وخيّل إليّ أنه يزداد ابتعاداً عن السياسة .
    الحال، للإنصاف، تبدّلت جذرياً في ما بعد، لأنّ دريدا أخذ يقترب أكثر فأكثر من موضوعات الساعة، لكي لا نقول موضوعات السياسة بالمعني الحرفي للمفردة. لقد أصدر عدداً من الأعمال الهامّة في سياسة الأبارتيد، وسياسة الصداقة، وسياسة الضيافة، وسياسة ماركس، إلي جانب كرّاسة في تحليل هزّة 11/9. وهذا، في الواقع، ينسجم تماماً مع روحيّة منهج التفكيك التي أطلقها دريدا مطلع الستينيات، معتبراً أنّ جميع النظريات الغربية الخاصة باللغة والاستخدام اللغوي (أي، في عبارة أخري، النطاق الذي يشمل الثقافة الغربية بأسرها) قائمة علي مركزية كلامية. وبين أبرز إجراءاته في كشف (وبالتالي: تفكيك) الفرضيات الراسخة كان قلب الهَرَمية التقليدية التي تقول بأسبقية الكلام علي الكتابة (ومن هنا الأهمية الفائقة للدراسة الشهيرة صيدلية أفلاطون ، التي ترجمها الصديق الشاعر العراقي كاظم جهاد). الإجراء التالي كان استبدال هذه الهرمية المقلوبة عن طريق إدخال كتابة بَدْئية Archi-ژcriture ليست سوي تكوين مُختلق لكنه مع ذلك يمكن أن يدلّ علي الكلام والكتابة في آن.
    غير أنّ انقلاب فكر دريدا إلي فكر دريدائي ، لكي نعيد التذكير بالتعبير الثاقب الذي ساقه سعيد، كان العتبة الأولي لانزلاق منهج التفكيك إلي حيث لم يكن يليق بالمنهج أبداً، ولم يكن دريدا نفسه سعيداً به. لقد أعرب مراراً عن سخطه من اللهو بالمصطلح، واستخدامه كيفما اتفق، وبالتالي رواجه في صيغة موضة فلسفية لم تعد تملك من أدوات التفكيك سوي المعني المباشر للمفردة ذاتها! والمفارقة أنّ شكوي دريدا كانت تنطبق علي حال التفكيكية في الولايات المتحدة، البلد الذي احتضن فلسفة التفكيك ورفعها إلي مصافّ عليا (وأحياناً مقدّسة لا تُمسّ!) في جامعات أساسية مثل ييل وجون هوبكنز.
    وذات يوم غير بعيد اشتكي دريدا، علانية، من أنّ صحيفة نيويورك تايمز استخدمت مصطلح التفكيك للحديث عن تحضير طبق يخنة الأرانب ! وليس مصادفة بحتة أنّ الصحيفة ذاتها نشرت، في يوم رحيل دريدا وإلي جانب مقالة في رثائه، تحليلاً مطوّلاً بعنوان... تفكيك أبو مصعب الزرقاوي !
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 02:51 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    دريدا: تفكيك فلسفة الحضور
    رشيد بوطيب

    لاغرو أن دريدا، أحد أعلام فلسفة الاختلاف بالثقافة الفرنسية، إلى جانب كل من فوكو ودولوز، هو أول من حاول تحرير هايدغر من التأويل الوجودي الذي قدمه سارتر للفلسفة الهايدغرية. إن التفكيكية وكما بين ذلك بننغتون في كتابه عن دريدا(1) هي ترجمة للمصطلح الهايدغري: التدمير. فهذا هايدغر يعلن في بحثه الصغير: "الهوية والاختلاف"(2) يعلن بوضوح أن الفلسفة الأوروبية منذ أفلاطون تأسست على مبدأ الواحد وأنه رغم وجود فلسفات ثنائية وأخرى تعددية وأخرى ثائرة على كل نظام، إلا أن التيار الغالب كان هو التيار المتمركز على مبدأ الواحد. وتمثل فلسفة أفلاطون وعالم مثله خير مثال على ذلك، وفي الفلسفة الحديثة لا تخرج الهيغلية عن هذا النهج وهي تفهم الدولة كمجيء الله إلى العالم، وكل المثالية الألمانية. بل إن دريدا في كتابه الرائع "الصوت و الظاهرة"(3) قد بين بأن هوسرل، المؤسس للفينومينولوجيا ليس سوى امتدادا للفلسفة الأفلاطونية، وبلغة أخرى للمثالية الألمانية.
    في هذه النظرة الأحادية البعد، الامبريالية المعنى، الوعي هو الحضور في ذاته، هو الوجود الذي نطلق عليه عامة اسم الذات. هذا الحضور الذي سماه هايدغر بالتحديد الأنطوـ لاهوتي للوجود. ثار هايدغر على منطق الوعي وفلسفة الحضور، وقبله أيضا نيتشه وفرويد. لم يحاول نيتشه تأسيس حقيقة جديدة، ولم تشغله أبدا أسئلة كانط الترنسندنتالية. لم يعد الوعي أرضا آمنة للمدلولات، أصل ومآل المعنى، لم يعد ذلك الخالق، المكتفي بذاته. لقد كان نيتشه وكان بطله المفاهيمي زرادشت تفكيكا على حد تعبير دريدا "للجراماتيكا الميتافيزيقية بامتياز". دون أن يغفل المرء فرويد الذي رفض هو الآخر نظام الوعي اللاهوتي. وقد بينت ساره كوفمان في كتابها "قراءة دريدا"(4) ذلك بوضوح، حين أعلنت أنه رغم أن فرويد فهم اللاوعي كنظام، فإنه يمكن القول أن اللاوعي لا مكان له وأنه لا يتسم بصفة الحضور، وأنه يبذر اللانظام في عالم الأنا وهو بذلك مثل مفهوم الكتابة أو الاختلاف عند دريدا، يهز بنيان الميتافيزيقا بعنف. نيتشه، فرويد، هايدغر ولكن خصوصا البنيوية كان لها كبير أثر على فلسفة الاختلاف. البنيوية كفلسفة موت الإنسان، تدافع عن فكرة أن الكاتب كشخص وأحاسيس ونظرة إلى العالم قد مات، وأنه لم تعد له سلطة على نصوصه. في كتابها:"اللغة، هذا المجهول"(5) رسمت جوليا كريستيفا معالم الاتجاه البنيوي. إن اللغة حسب هذا الاتجاه، أصبحت موضوعا للعلم. لم تعد تلك الممارسة التي تجهل نفسها، بل ستتكلم منذ الآن قوانينها الخاصة، هذه القوانين التي يمكن تلخيصها بفكرة فصل اللغة عن المتكلم، وهذا من شأنه أن يهز مركزية الإنسان ووحدته، فإذا كانت النهضة قد حملت شعار الإنسان ضدا على الإله القروسطي، فإن البنيوية تحمل شعار اللغة ضدا على الإنسان.. الإنسان كمعنى وأيديولوجيا.

    1- البناء الميتافيزيقي للسانيات سوسير
    يبدأ دريدا الفصل الثاني من كتابه "هوامش الفلسفة"(6) الذي يحمل عنوان:"اختلاف" بكتابة كلمة "اختلاف" بطريقة إملائية جديدة. لا يمثل هذا فقط هدما للإملاء الأورثدوكسي ولكن أيضا لنظام الوعي وتوتاليتاريته. ولا ريب أن سوسير هو أول من فهم أهمية الاختلاف واعتبر ذلك شرط إمكانية عمل الدوال. فاللغة بنظره هي نظام من الاختلافات، ولا وجود لبنية لا يكون الاختلاف وحداتها. وحسب دريدا ليس الاختلاف كلمة ولا مفهوما. و لن يعمل دريدا على تبرير طريقة كتابته لكلمة"اخت(لا)ف"، لأنه ليس حبيس منطق جدلي. إن بإمكان المرء أن يقرأ ويكتب هذا الاختلاف الإملائي و لكن ليس بإمكانه سماعه. "إنه غير مسموع" يقول دريدا. اختلاف لا علاقة له بنظام الوعي ولا بنظام التجربة. إن المركزية الصوتية تخفي دائما مركزية عقلية، ودريدا لا يريد قول شيء. إن فلسفته ليست إرادة - قول. إن الاختلاف يتجاوز كل أشكال الثنائية و الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية دائم الغياب، إنه لا يقول شيئا، ليس بطبيعة ولا بوعي، لا يتضمن حقيقة. إن دريدا لا يمارس فلسفة كلاسيكية ومنطق الاختلاف ليس فقط منطقا لا-أنطولوجيا ولكن أيضا لامنطقيا. إنه بلغة دريدا: استراتيجيا ومغامرة. الاستراتيجيا تعني أنه لا وجود لحقيقة ترنسندنتالية تحكم الكتابة، فالكتابة ضد كل أشكال الأنطولوجيا واللاهوت. والمغامرة، لأن الكتابة لا تسجن نفسها بهدف معين أو باستراتيجية تسعى للبرهنة على صحة مقدماتها وامتلاكها من جديد. إنها استراتيجيا غير غائية، استراتيجيا التيه والضياع. لا يهدف دريدا إلى بناء نظام فلسفي جديد، والاختلاف ليس مسكنا جديدا للحقائق والمدلولات، بل مشروعا تفكيكيا، تبرز ملامحه بوضوح في قراءة دريدا لسوسير. إن الدال حسب سوسير يظهر للوجود لحظة غياب الموجود، لذلك فهو ثانوي والاختلاف نتيجة ذلك ليس له إلا وجود مؤقت. وسيحاول دريدا تجاوز هذا الاختلاف المؤقت الذي يظل حبيس الحضور، فلسانيات سوسير، رغم احتفاءها باللغة وبالدليل، تظل حسب دريدا سجينة الميتافيزيقا. وقد بين ذلك بننغتون بوضوح في كتابه السابق الذكر. ويمكن أن نلخص رأيه في نقطتين: أولا: إن مفهوم الدليل الميتافيزيقي ـ ويعني به الدليل عند سوسير ـ الذي يميز بين الدال والمدلول يجد أصوله في الفلسفة الثنائية التي كانت تميز بين المحسوس والعقلاني. وسوسير لم يعمل أكثر من محاولة امتلاك هذه الثنائية من جديد. ثانيا: إن التفكيكية تدافع عن أولوية الدليل ضدا على المرجعية. لا وجود لمرجعية خارج الدليل. إن فلسفة الاختلاف تحتفي بالثانوي، بالدليل. وهكذا سيهز دريدا بعنف سلطة الحضور، هذه السلطة التي ترغمنا على التفكير في الوجود دائما من خلال ثنائية الحضور والغياب. ليس الاختلاف ذاتا ولا أصلا ولا مرجعية، وحتى لو تساءل دريدا عن مفهوم الاختلاف فإنه لا يفعل ذلك إلا ليفكك السؤال في حد ذاته. إن السؤال عن الماهية هو سؤال ميتافيزيقي، وبلغة هايدغر: حجب للوجود. وهكذا سيحتفل دريدا بالكتابة ضدا للوعي. الكتابة أنثى والوعي يخشى كل ما هو أنثوي، يخشى تحويله إلى كتابة، لأن ذلك يفقده قدسيته وتعاليه، فالكتابة إيذان بموت الخالق وتجاوز لمنطق الهوية، إنها تتحقق على حد تعبير ساره كوفمان كإضافة، ككائن هجين، كشجرة بلا جذور، كنص بلا قوانين محددة، مفتوح على النصوص الأخرى، على الآخر.

    2- دريدا و هوسرل: تفكيك المركزية الصوتية
    يؤكد بعض النقاد الألمان بحق، بأن إدموند هوسرل هو أهم فيلسوف عرفته البشرية بعد أفلاطون. ولعل أهميته تبرز أكثر حين مطالعتنا لكتابات ما بعد الحداثة التي يمكن وصف فلسفتها بأنها مشروع نقدي وتفكيكي لنظام الوعي وفلسفة الحضور الهوسرليانية. وكمثال على ذلك، الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي يمكن أن نلخص نقده لفلسفة هوسرل في جملة واحدة، نقتبسها من كتابه "الصوت والظاهرة":

    "المعنى محفوظ للذي يتكلم". المعنى مثال، وعقلانية، ولهذا ليس تناقضا أن يربطه هوسرل بالذات، بذات حاضرة ومتكلمة. بطريقة ساخرة، يمكن القول بأن قدر الذات هو المعنى. إنه محكوم عليها أن تقول، أن تجترح معنى. والمعنى سابق للكلام، ذاتوي، ثابت مرة وللأبد بمكان ما قد نسميه الوعي، وبإمكان المرء أن يستحضره كلما أراد ذلك، كما يستحضر العبد ربه لحظة الصلاة. وتحويل المعنى إلى كلام أو لغة، يظل بنظر هوسرل عملا ثانويا، نوعا من التدنيس، إذا استعملنا لغة دينية. "الإيبوخي" هو نقيض ذلك، الايبوخي أو الاختزال الفينومينولوجي الذي يمثل خروجا من العالم، الذي يضع المعرفة كما الوجود بين قوسين. المنهجية الأخرى للفينومينولوجيا الترنسندنتالية هي الاختزال الصوري، وعن طريقها يتم "شطب وجود الأشياء، حقيقة كل ما هو زمني ومحسوس لصالح نظرة إلى الكل الجوهري. يتم إلغاء وجود العالم لكي يتم الإمساك بجوهره."(7) تبدو الفينومينولوجيا إذن كعلم قبلي. "فقبل الوجود، قبل كل قوانين الواقع، يمثل الجوهر وقوانينه"(8 ) إن الفينومينولوجية الترنسندنتالية هي نوع من الاكتفاء الذاتي الداخلي، وعي مطلق، حذف للعالم الخارجي، في كلمة: أفلاطونية. إن الوعي في هذه الفلسفة ليس نتاجا للطبيعة، بل هو حر من كل طبيعة، في حين لا يمكن للطبيعة أن توجد حال غيابه. إن هوسرل قد عبر عن ذلك بوضوح قائلا:"إذا محونا كل العقول من العالم، لا يبقى هناك وجود للطبيعة، ولكن إذا محونا الطبيعة، فإن شيئا ما يظل على قيد الحياة: العقل، كعقل فردي"(9) وهذه النظرة إلى الطبيعة كشيء ثانوي وتابع للعقل، توضح أيضا اختلاف الفينومينولوجيا عن علم الدلالة التقليدي، الذي يقبل فقط بالكلمات التي تحيل على موضوع واقعي. إن المفهوم المركزي لفلسفة اللغة الهوسرليانية هو: العبارة. والعبارة تنقسم إلى علامة سواء كانت مادية أم صوتية أم كتابية وإلى معنى. ويميز هوسرل بين نوعين من العلامات: العبارة والعلامة أو الإشارة. فالعلامة الأولى لها معنى، في حين أن الثانية هي علامة إشارية. ودريدا سيفهم هذا التمييز كنظام ميتافيزيقي لا يقبل التواصل. إنه يقول:"فقط حين يتم حذف الوظيفة التواصلية تظهر للوجود الوظيفة التعبيرية الخالصة(...) حتى يتم اختزال الإشارة وإقامة العبارة الخالصة داخل اللغة، يجب إذن حذف كل علاقة بالآخر."(10)

    "الأبحاث المنطقية" هي بالنسبة لدريدا النص النواة لكل الفينومينولوجيا. إن دريدا يعالج في كتابه:"الصوت و الظاهرة" مشكلة العبارة كما فهمها هوسرل بالبحث المنطقي الأول. وسيكشف دريدا كما سنرى عن البنية الميتافيزيقية لنظرية المعنى الهوسرليانية. إن هوسرل نفسه يميز في كتابه:"التأملات الديكارتية" بين ميتافيزيقا أصيلة أو فلسفة أولى والميتافيزيقا التقليدية، التي خانت العقل. إن الفينومينولوجيا هي، اعتبارا لمنهجها الحدسي، الحسي ولكن أيضا العقلاني، ضد كل شكل من أشكال الشطط الميتافيزيقي. ولكن رغم هذا الزعم، فإن دريدا يرى بأن الفينومينولوجيا لم تضع موضع سؤال، لا العقل الترنسندنتالي ولا اللغة التقليدية لهذا العقل. إنه يقول:"بين اللغة التقليدية (أو لغة الميتافيزيقا التقليدية) و لغة الفينومينولوجيا، لم يتحقق أي شكل من أشكال القطيعة..."(11)

    إن هوسرل يفهم اللغة ككائن عقلاني. إنه لم يفهم الاختلاف بين اللغة والمنطق. وإذا استعملنا أسلوب فوكو، نقول، إنه يمارس فقط لغة جدلية. فهم غائي للغة، أو بلغة دريدا، فهم لا يميز بين الجراماتيكية (النحوية) والمنطق. إنها جراماتيكا منطقية، تتأسس على الوعي وتجد أصلها ومآلها بالوعي. جراماتيكا ميتافيزيقية، وعي، لا يعبر إلا عن شيء واحد وهو الحضور، وبلغة أخرى: الصوت. الصوت الفينومينولوجي الذي لا يجب خلطه بالصوت الفيزيقي، لأنه صوت ترنسندنتالي وشعوري، صوت يمتلك روحا لا تنتمي إلى العالم. في الفصل الأول:"الدليل و الأدلة" من كتاب دريدا الآنف الذكر، يبدأ الفيلسوف الفرنسي بالحديث عن مفهوم العلامة أو الدليل عند هوسرل. إن هوسرل يعتقد بأن بعض العلامات لا تمتلك معنى. وهي تلك العلامات التي يسميها المرء بالعلامات الإشارية أو باختصار: الإشارة، في مقابل العبارة. الإشارة تنتمي إلى العالم، إلى عالم بلا وعي وبلا أنا وبلا ذات متكلمة. في المقابل فإن العبارة معنى، حدث شعوري، "إرادة قول". ويمكن توضيح هذه الأنطولوجيا اللغوية بالجدول التالي:



    العالم
    الوعي

    الإشارة

    (لا تريد قول شيء)
    العبارة

    (معنى،إرادة قول، ذات، عقل، موضوعية مثالية)

    الامبيريقية
    الحقيقة




    وسوف يوضح هوسرل بأن العبارة ليست إشارة إلى شيء ما. إنها ليست علامة وجود، وحتى لو كانت دائما مرتبطة بخطاب تواصلي. فهذا التواصل يظل دائما بالنسبة لهوسرل سطحيا. إن العبارة تجد أصلها خارج فعل التواصل وبنية الإشارات، خارج العالم، في عالم المثال والمونولوج. إن الفينومينولوجيا الترنسندنتالية لا تسمح بتبادل الكلام، لأنها تفهم التواصل كفعل سطحي، إن أصالتها تتحقق دائما في غياب الآخرين، في غياب الاختلاف، في الحياة المنعزلة للـروح. إن الجدول التالي يوضـح ذلك:



    الذات المستمعة
    وساطة فيزيقية
    الذات المتكلمة

    فهم نية المتكلم
    العبارة الإشارية


    له علاقة مع علامات امبيريقية و ليس مع ذاتية، ليس مع حضور أو إرادة قول.




    العبارة في نظر هوسرل "تجسيد". إنها تعبر عن معنى موجود قبلا بالوعي. وقد نفهم العبارة كمظهر أو تجسيد لمعنى داخلي. التجسيد أو المظهر أو الخارج ليس طبيعة ولكنه معنى، إنه صوت الذات المتكلمة. إن بنية الخطاب لدى هوسرل هي مثالية. دال مثالي، لا يقبل التغير ومدلول مثالي. مثالية لا تعني أكثر من إمكانية دائمة لإنتاج الذات كحضور. الوجود حسب هوسرل وكما بين ذلك دريدا هو تكرار أو عملية استحضار. وهذا التصور يفسر في رأيي هرمية ونهائية النظام الهوسرلياني. إذ أنه نظام لا يكتفي فقط برفض التواصل، ولكنه يدفن الوجود في أصل معين ويختزله بمكان محدد. يقول دريدا:"للتطور التاريخي حسب هوسرل دائما شكلا أساسيا، وهو تكوين المثالية، بحيث أن تكرارها وإذن التقليد يتم الحفاظ عليه للأبد:التكرار والتقليد، يعني النقل وتجديد الأصل. و هذا التحديد للوجود كمثالية هو تقدير أو فعل أخلاقي ـ نظري يؤبد الحكم الأصلي لفلسفة في شكلها الأفلاطوني."(12) الصوت هو تعبير عن هذا الحضور، عن هذا الشكل الأفلاطوني. ويتساءل دريدا لماذا يعتبر الصوت الأكثر مثالية من بين العلامات؟ من أين يأتي هذا التواطؤ بين الصوت والمثالية؟. إن هذا هو السؤال النواة لهذا الكتاب. وعبر طرح هذا السؤال يحاول دريدا تفكيك العلاقة بين المركزية الصوتية والمركزية العقلية. إن دريدا يحاول توضيح أن العلاقة بين الصوت والوعي هي علاقة داخلية. إن الصوت يظل سجين الأنا. لا مكان للآخر، لا مكان للعالم. فنفس الدال ومعنى المدلول هما نفس الشيء، الواحد، المثيل، الأنا، الآن هنا. في الوقت الذي أتكلم فيه، أسمع ما أقول، أحقق نفسي كحضور، كنفس وروح، أحصن حياتي. وقد أشار دريدا في كتابه: De la grammatologie إلى أن تاريخ الميتافيزيقا، ليس فقط من أفلاطون حتى هيغل، ولكن أيضا من ما قبل السقراطيين وحتى هايدغر، اعتبر دائما العقل كأصل للحقيقة. وهذه النظرة نظرت إلى الكتابة دائما كشيء ثانوي وتقني، يقع خارج الحقيقة. الصوت بعكس الكتابة هو مكون من مكونات هذا الاقتصاد الميتافيزيقي، إنه دال لا ينتمي إلى عالم التجربة، إنه الوعي ذاته. إن الكتابة لا تملك معنى ولا تأثيرا، إنه بالإمكان الاستغناء عنها. إن الميتافيزيقا لا تحتاج إلى جسد، إنها نرجسية، نوع من الإصغاء للذات. الصوت والوجود يدخلان في علاقة تقارب. إن الصوت وكما قال هيغل، ينحدر من الروح. إن الكتابة في هذه النظرة الميتافيزيقية اللاهوتية، ليست أكثر من وسيط. إنها لا تتضمن حقيقة، إرادة قول، إنها تجسيد. إن دريدا يوضح بأن مفهوم القصدية سجين ميتافيزيقا إرادية.. إن إرادة القول هي تعبير عن الحضور، وكل ما هو خارج الإرادة أو الذات هو بلا معنى، مثل اللغة والجسد والطبيعة. فالثنائية جسد/عقل تلعب دورا أساسيا في نظرية المعنى الهوسرليانية. العقل إرادة ومعنى، ولكن الجسد مجرد من كل معنى، موت. إن دريدا يفهم الفينومينولوجيا كاختزال إلى المونولوج. إنه يقول:"في الحياة الروحية الوحيدة لا نحتاج إلى كلمات واقعية ولكن فقط إلى كلمات متخيلة"(13) إن العلامة في الفلسفة الكلاسية كما في علم اللغة نوع من الملحق أو المساعد، لا علاقة لها بالحقيقة، إذ أنه يمكن الاستغناء عنها حين الحديث عن الحقيقة. إن العلامة أو اللغة هي مجرد انعكاس للحقيقة المثالية، التي تتأسس خارج العالم. إن العلامة أو اللغة ليس لها معنى، لأن وجودها في العالم يتحقق كجسد. وهذا الفهم للعلامة يقود هوسرل إلى تحقير التواصل، إن الآخر يمثل خطرا بالنسبة له،إنه تنسيب للمعنى الأصلي.الآخر كعلامة أوكتابة أو إنسان أو طبيعة يظل دائما في فلسفة هوسرل ثانويا، إنه نوع من الحشو. ويمكن تلخيص تفكيك فلسفة الحضور كما قام به دريدا في أربع نقط أساسية هي: 1ـ إن دريدا يعتبر بأن العلامة ليست فقط انعكاس لمعنى أصلي ولكنها شرط إمكانية هذا المعنى. وإنها ليست فعل استحضار لمعنى مصنوع من قبل.2ـ في البدء كانت العلامة وليس الذات، فليست الذات هي التي تكون العلامة ولكن نظام العلامة يكون الذات. 3ـ يتجاوز دريدا اختزال الزمن في الآن. الآن أو الحاضر كتحديد أنطوـ لاهوتي للوجود، كأصل للحقيقة وخالق للمعنى هو بالنسبة لدريدا شكل من أشكال الأفلاطونية. 4ـ تجاوز دريدا الهرمينوطيقا التقليدية التي زعمت دائما إعادة امتلاك المعنى الأصلي، هذه الهرمينوطيقا المبنية على الفهم وليس على الاختلاف. إن الغياب يلعب في نظره دورا أساسيا في تكوين المعنى.



    المـراجــع:



    1- „ Jacques Derrida“ Geoffrey Bennington, Seuil, P:252

    2- « Derrida zu Einführung » Heinz Kimmerl, Junius 1922, Seite:16

    3- „La voix et le phènomène : introduction au problème du signe dans la phènoménologie de Husserl » Quadrige/Puf 1967

    4- « Derrida lesen » Sarah Kofman, aus dem Französischen von Monika Buchgeister und Hans-Walter Schmidt, Edition Passagen, Seite :53

    5- „Le langage cet inconnu“ Julia Cristeva, Points 1981,Page: 10

    6- « Marges de la philosophie » Jacques Derrida, Les éditions de minuit, 1972

    7- « Edmund Husserl » Franz Josef Wetz, Campus, Seite :56

    8- Ibid, Seite :57

    9- Dem Zeichen auf der Spur“ Jörg Lagemann und Klaus Gloy, F-V 1998, Seite71

    10- „ la voix et le phénomène » page :6

    11- Ibid, page :59

    12- Ibid, page :23

    13-
    Ibid, page :47

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * رشيد بوطيب: كاتب مغربي يقيم في ألمانيا [email protected]

    نقلا عن مجلة "ألواح"
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 02:53 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    مقاربة نقدية لاستخراج احتمالات التأويل

    رحيل جاك دريدا، فيلسوف التفكيك

    اشهر فيلسوف فرنسي، انطلق من نصوص فلسفية كلاسيكية ليضع نظرية «تفكيك البناء» النقدية.

    ميدل ايست اونلاين
    باريس - توفي الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا عن عمر 74 عاما ليل الجمعة السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان في البنكرياس، وفق ما اعلن محيطه.


    كان جاك ديريدا اشهر فيلسوف فرنسي في العالم، وقد اشتهر بصورة خاصة في الولايات المتحدة حيث لقيت نظريته "تفكيك البناء" اللغوية اصداء كبيرة.


    ولد ديريدا في 15 تموز/يوليو 1930 في الجزائر. التحق عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس قبل ان يصبح مساعدا في جامعة هارفرد بالولايات المتحدة ثم في جامعة السوربون في باريس. وعين عام 1965 استاذ فلسفة في دار المعلمين العليا حيث شغل منصب مدير دراسات.


    وزاول ديريدا نشاطه التعليمي لفترة طويلة بين باريس وعدد من ابرز الجامعات الاميركية منها جامعتا يال وجون هوبكنز.


    اجرى الفيلسوف دراسة نقدية معمقة للمؤسسة الفلسفية ولتعليم مادة الفلسفة، فانشأ عام 1983 معهد الفلسفة الدولي الذي تولى ادارته حتى العام 1985. وقام فيما بعد بالتدريس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية.


    من مؤلفاته الكثيرة "الكتابة والاختلاف" (ليكريتور ايه لا ديفيرانس) و"الانتشار" (لا ديسيميناسيون) و"هوامش الفلسفة" (مارج دو لا فيلوزوفي) و"الحقيقة بالرسم" (لا فيريتيه آن بانتور) و"من اجل بول سيلان" (بور بول سيلان) وغيرها.


    ووضع ديريدا انطلاقا من نصوص فلسفية كلاسيكية نظرية "تفكيك البناء" التي تعرض مقاربة نقدية يستخرج من نص ما احتمالاته التأويلية.


    تميز ديريدا في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر بادانته المتواصلة لسياسة فرنسا الاستعمارية في هذا البلد، وظل يأمل حتى اللحظة الاخيرة قبل ان يغادر الجزائر مع عائلته عام 1962، في شكل من الاستقلال يتيح التعايش بين الجزائريين والفرنسيين المولودين في الجزائر. وغالبا ما كان يتحدث بعد رحيله عن الحنين الى البلد الذي نشأ فيه.


    وكان من اعضاء فريق الدعم للمرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1995. وكان متزوجا من محللة نفسية وله طفل من سيلفيان اغاسينسكي زوجة جوسبان حاليا.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 02:56 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    البيان:اخبار الثقافة

    صدور الطبعة العربية من كتاب جاك دريدا ..ما الذي حدث في 11 سبتمبر


    سبقت الطبعة العربية لكتاب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا «ما الذي حدث في 11 سبتمبر» الصادرة عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر غيرها من الطبعات باللغات الاخرى بأربعة اشهر، وذلك للمرة الاولى.


    ويعرض الكتاب في جناح المشروع القومي للترجمة في معرض القاهرة الدولي ويتضمن حواراً اجرته الايطالية جيوفاني بورودري مع دريدا عن أحداث 11 ـ سبتمبر، ومن المتوقع صدوره في العاصمة البريطانية في ـ ابريل المقبل. ويدور الحوار حول الخلفية التاريخية والتداعيات المستقبلية للحدث، ويطرح دريدا افكاره متسائلا في البداية عن فكرة الحدث من وجهة نظر الفلسفة التفكيكية التي يعتبر من ابرز منظريها.


    وقالت المترجمة صفاء فتحي ان دريدا لا يعتبر ما حصل «وفقا للنظرية التفكيكية حدثا لكنه امر يفتح الباب امام احداث اخرى قادمة مستقبلا لا يمكننا الان توقعها او التنبؤ بها او تعريفها».


    وأضافت ان الحوار «يتطرق الى علاقة الولايات المتحدة بالدول الاوروبية والعالم العربي وغيرهما من دول وشعوب الكرة الارضية ضمن سياق تاريخي يحدد ان فكرة الولايات المتحدة تمثل القوى العظمى».


    وأوضحت ان الحوار يظهر «تنصيب الولايات المتحدة نفسها كبطل مدافع عن المؤسسات الدولية الا انها اول من يخترقها ومع ذلك يرى دريدا ان اضعافها قد يؤدي الى اضعاف اعدائها». واكدت ان دريدا يعتبر «العولمة امرا مفيدا وسيئا في اللحظة ذاتها، اذ انها تؤدي الى نتائج سلبية على الواقع العالمي وشعوبه واستبعاد الملايين الذين يكتفون بمشاهدة اغتناء الاخرين على شاشات التلفزيون». وقالت ان الفيلسوف يرى انها في الوقت ذاته قد «تشكل فرصة تتيح للقانون الدولي والمؤسسات الدولية ان تفرض نفسها وان تتدخل من اجل احلال قوى الديمقراطية والسلام». وقالت ان فكرة «الديمقراطية القادمة لدى دريدا تعني احلال العدل، الا انها لن تكف خلال سعيها عن اصلاح نفسها والارتقاء بها الى آفاق انسانية ارحب» ويلقى الكتاب اقبالا من المثقفين العرب والمصريين من رواد المعرض ويقع في 160 صفحة من القطع الكبير.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:01 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ميشيل لوي يبحث عن الرومانسية في اعمال ماركس: من الصعب أخذ افكار دريدا بجدية -

    عبد السلام باشا
    منذ سنوات يقوم الباحث البرازيلي ميشيل لوي بتحليل العلاقة بين الرومانسية والحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية الثورية، داخل وخارج أمريكا اللاتينية. ميشيل لوي يشغل منصب مدير الابحاث في (المركز الوطني للبحث العلمي) في باريس، وقام منذ أيام بالقاء محاضرة في برشلونة بعنوان (الرومانسية في أعمال كارل ماركس) وأجرت معه جريدة (لا بانجوارديا) هذا الحوار الذي يقول فيه ان الرومانسية حركة بدأت في القرن التاسع عشر لكنها ما زالت موجودة حتي اليوم بسبب نقدها للحضارة الرأسمالية. ويشير الي آثارها في اعمال كتاب مثل أندريه جيد وبورخيس والسرياليين وغيرهم..
    û ما هي الحركات الاجتماعية والسياسية والثقافية المعاصرة التي ترتبط بالرومانسية؟
    ــ حركات اجتماعية حديثة بها ملامح رومانسية، لأنها تنتقد تدمير أشكال الحياة والثقافات التقليدية بواسطة الحضارة الرأسمالية ــ الصناعية. المثال الأمريكي اللاتيني علي هذا هو حركة (زاباتيستا) في المكسيك، التي تستند إلي ثقافة المايا، الحياة الشيوعية للسكان الاصليين، وترفض النيوليبرالية ودكتاتورية السوق. جانبها الرومانسي ظاهر في البعد الشعري ــ الخيالي لنصوص القائد ماركوس، التي تحيل إلي الاساطير القديمة. وهذا يفسر التعاطف الذي تحصده في المكسيك والعالم.
    û وخارج امريكا اللاتينية؟
    ــ في فرنسا توجد الحركة الريفية الجديدة التي تناضل من أجل زراعة أكثر تقليدية ضد الانتاج (الزراعي ــ الصناعي) الرأسمالي، بوسائله المدمرة للبيئة. في اطار تطور هذه الكونفيدرالية الريفية ذات الجذور المسيحية اليسارية والفوضوية الاشتراكية، يمكن رؤية عنصر رومانسي واضح. بعض قادته كانوا تلاميذ لجاك إيلول، مؤلف الكثير من الكتب في نقد الحضارة التكنولوجية الصناعية برؤية رومانسية إلي حد كبير. اعتقد في وجود أمثلة اوروبية ولاتينوامريكية كثيرة، ومنها لا يجب ان ننسي الارجنتيني خورخي لويس بورخيس.

    رومانسية بورخيس
    û ماذا يوجد من الرومانسية عند بورخيس؟
    ــ اعتقد ان بورخيس رومانسي اصيل بدأ بأفكار فوضوية، لكنه سرعان ما تحول إلي الجانب المحافظ، لكن هذا لا يمنع ان يكون رومانسياً وناقداً حاداً، شخصية يشعر بالشر في الحضارة الحديثة ويرغب في العودة للماضي. هذا واضح في جميع أعماله التي تستوحي ثقافات الماضي، ثقافات ما قبل الرأسمالية، الثقافات الشرقية، عالم الشعر والسحر والغموص والاساطير.
    û علي الرغم من انه معجب بالفلاسفة التجريبيين الانكليز: هيوم وبريكلي؟
    ــ من دون شك. لكنه يفهمهم علي طريقته: تحت التجريبية، لكن بعلاقة سحرية مع الواقع ارجعها للرومانسية.
    û ما فهمك اذن للرومانسية؟
    ــ لا أعرف الرومانسية كمدرسة أدبية من القرن التاسع عشر، كما تفعل المختصرات، لكنه كحركة اجتماعية وثقافية واسعة، لها حضورها في مجال الفن والأدب، لكن في الفلسفة ايضاً، في السياسة، في الافكار الاجتماعية والاقتصادية، في اللاهوت والدين. أي في كل مجالات الثقافة الاجتماعية. اعتمد في قولي هذا علي اعمال لمؤلفين مثل (لوكاش) أو المخرج (أ. ب. ثومبتوس) لكن هؤلاء لم يقوموا بالتحليل حتي النتائج الاخيرة. الرومانسية كما افهمها، ولدت في النصف الثاني للقرن الثامن عشر، لكنها لم تنته في 1830 أو 1848، وانما استمرت حتي اليوم.
    û ما هو ملمحها الاساس؟
    ــ حسب تحليلي، الرومانسية حركة ثقافية للاعتراض علي الحضارة الصناعية الرأسمالية الحديثة، لانها تدمر قيم الجماعية، لانها تحول الحياة الاجتماعية الي كم. والأهم لانها تسبب تعاسة العالم. هذه هي نظرية ماكس وبر ، الرومانسية اعتراض علي تعاسة العالم. ومحاولة يائسة أحياناً، لاعادة امتلاكه عبر الدين ــ من أكثر أشكال الرومانسية محافظة ــ أو عبر الخيال، والحلم واليوتوبيا أو الحب المجنون.
    û هل تنظر الرومانسية نحو الماضي دائماً؟
    ــ قلب الاعتراض الرومانسي مستوحي من قيم قبل حداثية، قبل رأسمالية، يمكن ان تكون حقيقية أو متخيلة، لكنها دائماً ما تستند إلي الماضي، ومع هذا يوجد منحدر يحول هذه القيم إلي المستقبل: هنا نتحدث عن رومانسية ثورية أو طوباوية. ماركس قال في (رأس المال) انه ما دامت الرأسمالية موجودة، ستوجد الرومانسية والنقد الرومانسي.

    تنوع الرومانسية
    û لكن فهم الرومانسية بهذه الطريقة، ألا يوسع المفهوم أكثر من اللازم؟
    ــ نعم توجد مخاطرة، لكن هذا يعود لتنوع الرومانسية في الواقع. منذ بدء الحركة كان لها طابع عريض، ما زال يحتوي علي المتناقضات: كان هناك ثوريين مثل روسو ولا ثوريون مثل الشاعر نوفاليس . هذا التعارض غير منفصل عن الروح الرومانسية، وهو ما يوجد هذه الاختلافات، هو رفض الحضارة الحديثة والرأسمالية الصناعية. الآن، كما قلت منذ قليل: من المعتاد قراءة الرومانسية في منحاها المحافظ، لكن يوجد تقليد ثوري ويوتوبوي كبير، أهم ملامحه عدم العودة إلي الماضي. لكن الحنين إلي الماضي يرسم المستقبل. علي سبيل المثال، روسو، واليوتوبيون الاشتراكيون والفوضويون الرومانسيون في نهاية القرن التاسع عشر مثل ويليم موريس وفي القرن العشرين مثل أرنست بلوخ وآخرين..
    û وماذا عن النازية، لا علاقة لها بالرومانسية؟
    ــ النازية حركة رومانسية وحداثية في الوقت نفسه، علي المستوي الايدلوجي والثقافي يوجد بعد رومانسي لا يقبل المناقشة: فكرة (عودة الرايخ الالماني) الذي يعود للعصر الوسيط، للاسطورة، لكن هذه الملامح الرومانسية يتم التعبير عنها بايديولوجية علمية، بالداروينية الاشتراكية ونظرة لا علمية حول الاجناس. اللغة النازية حول الاجناس لغة غير علمية. توجد خطب لهتلر يقول فيها اليهود فيروس ويجب القضاء عليهم ، وهكذا نحن أحفاد باستوري، خطاب هذياني، لكنه مصاغ بلغة طبية علمية، بالاضافة إلي هذا فان المصدر الاكبر لمعاداة السامية النازية، ليس معاداة السامية الرومانسية الألمانية في القرن التاسع عشر ــ التي كانت أكثر تديناً وتدرك اليهودية كدين عدو للمسيحية ــ وانما معاداة سامية حديثة، عنصرية، مؤسسها الأول هنري فورد.
    û لماذا تربط فورد بالنازية؟
    ــ لان فورد، مخترع النوردية في كتابه اليهودي العالمي قلب جزءاً كبيراً من موضوعات الدعاية النازية المعادية للسامية. هنا تظهر علي سبيل المثال، شخصية (اليهودي البلشفي)، هذا الكتاب كان في المقدمة لدي هتلر وآخرين من غلاة النازية. ومن المهم الاشارة إلي ذلك المصدر الغربي الحديث الصناعي للنازية، الذي لا علاقة له بالرومانسية. من جانب آخر فقد كرست النازية في آلياتها وأيديولوجيتها عنصرية الآلة الحديثة، في الانتاج العسكري كما في الانتاج العام. وأيضاً في الابادة الصناعية العلمية لليهود والغجر.
    û هل تعد الطليعيات الفنية في بدايات القرن العشرين داخل الحركة الرومانسية وحساسيتها؟
    ــ نعم والسريالية خصوصاً، اندريه بريتون نفسه عرف الحركة بـ(ذيل الطائرة الرومانسية)، مشيراً إلي اتجاهها الادبي، وكحركة سياسية ــ ثقافية، هي اعتراض عنيف علي الحضارة الرأسمالية، التي يتهمها، ليس فقط باستغلال العمال، وانما أيضاً بعنصريتها الفظة وانحطاطها وانها (أتعست العالم) بين كل الحركات الفنية الثقافية في القرن العشرين، السريالية هي أكثرها في طرح اعادة ابهاج العالم.
    û كيف تري اعادة الابهاج هذه؟
    ــ عبر الشعور والخيال، الرسم والشعر السريالي مهتمان بهذا البحث، ولهذا تستند إلي تقاليد الماضي، الكيمياء، والثقافات الافريقية الاصلية بعناصرها السحرية.. من جانب آخر، في حركة معادية للرأسمالية كهذه، معادية للوطنية والتدين، نجد انها أحد اكثر الاشكال الثورية للرومانسية في القرن العشرين.
    û عندما تختار هذه الموضوعات وتحيطها بهذه الاشارات ــ من لوكاش إلي لوثيان جولدمان وهنري لينبري ــ تبتعد عما يسمي بالفلسفة الفرنسية المعاصرة، المرتبطة بما بعد البنيوية. لماذا قمت بهذا الاختيار؟
    ــ بصراحة شديدة لم أتفاءل كثيراً بالبنيوية، وايضاً بما بعد البنيوية. التي تبدو لي مجرد قلب لموضوعات البنيوية، التي تؤكد علي تحديد للبني، بينما ما بعد البنيوية تذيب كل شيء في الاستبطانات المختلفة والعابها اللغوية. انهما وجهان للعملة نفسها، يقودان سياسياً إلي نقطة نهاية. الوحيد من بين هؤلاء الكتاب الذي يبدو لي مثيراً هو باليبار علي الرغم من اعتقادي ان هذا لتجاوزه هذا الاطار وانفتاحه علي أفكار أقل عقماً.
    û وجاك دريدا؟
    ــ دريدا حالة خاصة. أعجبني في كتابه أشباح ماركس . اعترف ان هذا ليس فيما هو فلسفي ــ لكي أكون صريحاً، يشق عليّ ان آخذه مأخذ الجد ــ لكن سياسياً، هو مهم جداً، علي الاخص لتأكيده اننا نحتاج ماركس لفهم عالم اليوم ولانه يطرح الحاج لمقاومة عالمية النيوليبرالية، وبهذا المعني، كان بداية لدورة في الحقل السياسي الثقافي.
    û وهذه الدورة تبعد دريدا عن ريشارد دورتي، مفكر الموضة الآخر.
    ـــ تماماً. بالاضافة إلي هذا فهو يبتعد عن نوع من الفكر قد يقود إلي موقف من الخلاعة السياسية ويقنن النيوليبرالية وخطابها النسبي مثل دورتي فكرة أن كل الافكار تتصارع في سوق الثقافة، وهي النسخة ما بعد الحداثية من الايدلوجية النيوليبرالية.
    û وماذا يقول دريدا في هذا الصدد؟
    ــ دريدا ضد هذا بشكل ايجابي، وعلي الرغم من ان هذا ليس شيئاً لاحقاً، لانه ان كان يأخذ بنظريته التفكيكية حتي آخر النتائج، فيجب عليه ان يفكك كل النظريات، ونظام القيم. دريدا يقول، في ما يتعلق بجنوب أفريقيا: لا يمكننا ان نفكك خطاب الظلم، لانه، كيف يمكن مكافحة العنصرية؟ وهو هنا يناقض نفسه ــ لحسن الحظ في رأيي ــ لأن تفكيكية متماسكة ستنتهي إلي أن تكون أكثر قرباً من دورتي ونسبية (كل شي مباح).

    جريدة (الزمان) العدد 1308 التاريخ 2002 - 9 -10

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:03 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الإرهاب الدولي يكشف إفلاس الفلسفة الغربية

    * أمير طاهري
    جيوفانا بورادوري تجري حوارات مع يورغان هابرماس وجاك ديريدا حول رؤيتهما لمصير الإنسانية في ظل أزماتها .
    الإنسانية كلها تتكون إما من إرهابيين أو ضحايا للإرهاب. هذه هي النتيجة المدهشة التي يمكن أن يخرج بها المرء من هذا الكتاب الغريب الذي اعده جيوفانا بورادوري تحت عن «الفلسفة في زمن الإرهاب»، والذي يورد سلسلة من الحوارات مع يورغان هابرماس وجاك ديريدا. ويعتبر هابرماس، بصورة عامة، أهم الفلاسفة الألمان الحديثين بعد هربرت ماركوزة. وقد قاده منهجه القائم على «الفلسفة المهمومة بالإنسان»، أي التي تعمد إلى الإنتقال إلى مواقع النزاعات، قاده إلى إيران وإلى الشرق العربي وإلى عدة أقطار إفريقية وآسيوية، حيث يفترض أن الحركات الإرهابية المعاصرة قد وجدت منابعها وألقت جذورها.
    دريدا هو المعبود الفرنسي لفلسفة ما بعد الحداثة والذي يستخدم منهجه في التفكيك لاستخراج أي معنى من أي نص أو سياق. ويتمثل مشروع غيوفانا بورادوري، في ابتداع مفهوم جديد للإرهاب بعد 11 سبتمبر (يلول). وتخرج أسئلتها الحارقة كلا من هابرماس ودريدا من موقعيهما الفلسفيين، المتعارضين، كاشفة عن موقفيهما المتشابهين بصورة مدهشة حول ما يعتبر انه خطوة نحو قانون عالمي كزموبوليتاني شبه كانطي.
    يضاف إلى ذلك أننا نجد في هذه الحوارات، وفي ملاحق بورادوري، إعتمادا كبيرا على شخصيات قليلة نسبيا (كانط، كارل شميدت، هانا أريندت)، للإيحاء بأن النظم الفلسفية التي يصدر عنها كل منهم، أي النظرية النقدية عند هابرماس والتفكيك عند جاك دريدا، ليست متناقضة أو متمايزة بهذا الوضوح الذي كان المرء يعتقد فيه من قبل.
    وتساعد بنية الكتاب، أي حوار تتبعه مقالة تفسيرية، على توضيح الترابط بين أفكار هابرماس ودريدا التي يعبران عنها من دون سابق تحضير، وبين فلسفتيهما المتكاملتين. ويبدو هابرماس هنا أقل محافظة مما يبدو عليه في كتبه الأخرى، رغم أن نقطة تركيزه تبقى، والحق يقال، هي إمكانية التواصل والتفاهم في ظل تزايد خطر الإرهاب، من جانب، وسياسات إدارة الرئيس بوش في واشنطن.
    أما دريدا فيلعب دور الموجه والقائد في رحلة تفكيكية تشير إلى لحظات مهمة وحركات مثل المناعة الذاتية، وهو يقظ دائما وواع وعيا كبيرا بالسياق الذي يتحدث فيه «نهاية الحرب الباردة» والذي وقعت فيه أحداث 11 سبتمبر (ايلول) وشنت فيه الحرب ضد الإرهاب. وبطبيعة الحال فإن هذه الحوارات تكشف ايضا اختلافات الفيلسوفين خاصة في الإجابة على سؤال بورادوري حول 11 سبتمبر كحدث، وحول موقفهما من طريقة تعامل أميركا مع الحرب ضد الإرهاب.
    المقدرة التي تتمتع بها بورادوري للربط بين قضايا الإرهاب، وحرب الولايات المتحدة «الصليبية» ضد عدو مجهول، متوار ودائم الحضور رغم ذلك، وبين قضايا كرم الضيافة والتسامح، تفتح الباب لحوار خصب يفوق التصور. كما أن مقدرتها على توجيه الحوار من دون أن تفرض على محاورها أجندة فلسفية مسبقة، تجعل هذه الحوارات مادة غنية للقراءة.
    فلماذا إذن يتعامل المرء بجدية مع هذا الثنائي العجيب؟ بل لماذا نسخر عرضا كاملا للكتب لما يتفوهان به من كلام؟
    السبب بالطبع ليس هو أهمية ما يدلي به هذان الرجلان. فكثير من الكلام الوارد هنا يمكن أن يسمعه المرء في مقاهي باريس حيث يناقش المثقفون مصائر الإنسانية، وغير ذلك من القضايا غير ذات الموضوع، فوق عدد لا يحصى من أقداح القهوة وشفطات لا تعد من السجائر الفرنسية غير المفلترة.
    ولكن الكتاب يستحق الاهتمام لسببين إثنين على الأقل:
    أولا: هو يمثل شريحة كبيرة من طليعة المفكرين الغربيين حول قضية الإرهاب. ويواجه المرء هنا حضارة مهووسة بالتعريفات والأوصاف. فالظواهر تشرح حتى تموت، إذا سمح لنا بمثل هذا القول. ونلتقي هنا بقدر من الشروحات للإرهاب اسبابه وكيفياته، حتى يصل المرء إلى التعاطف مع الإرهابيين أنفسهم. بمعنى آخر فإن التفسير يتحول بصورة خفية إلى تبرير. وهذا هام لأن حضارة تبرر أسوأ تجاوزات أعدائها لا ينتظر منها أن تعبئ الطاقات الأخلاقية لمواجهة هذا العدو، دع القوة المادية الكفيلة بهزيمته.
    والسبب الثاني وراء اهمية هذا الكتاب هو انه يكشف عن افلاس الفلسفة الغربية المعاصرة، ولاسيما فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة مثل البيئة وثورة المعلومات والعولمة، وبالطبع الارهاب الدولي. ويرجع هذا الافلاس بصفة اساسية الى حقيقة واحدة: رفض الفيلسوف الغربي المعاصر اتخاذ مواقف، بل ورفضه الاعتراف بوجود الخير والشر كنوعين متميزين لا ترتبط بتوازن السلطات السياسية والاقتصادية العسكرية.
    وفي هذا المجال فإن كل الاحكام قائمة منطلق اطار القوة: الاقوياء دائما على خطأ، ودائما اشرار، والضعيف على حق دائما.
    ولنبدأ بهذا الجزم لدريدا: «هل يجب تنفيذ الارهاب دائما عن طريق القتل: الا يمكن ان نرهب بدون القتل؟ وهل يعني القتل بالضرورة اماتة الشخص؟ اليس القتل هو «عدم الرغبة في معرفة سماح المرء للاخرين بالموت» مئات من الملايين من البشر يموتون من الجوع والايدز والافتقار الى العلاج الطبي، اليس ذلك جزءا من الاستراتجية الارهابية المتعمدة والواعية، بدرجة ما؟ ربما نخطئ عندما نعتقد بسرعة ان كل الارهاب طوعي، وواعي ومنظم ومتعمد ومحسوب بدقة: هناك مواقف تاريخية وسياسية ينشط فيها الارهاب، كما لو انه يعمل بطريقة ذاتية، كما لو انه نتيجة بسيطة لبعض الوسائل، بسبب علاقات القوة القائمة في المكان، بدون ان يعي أي شخص واي موضوع ضميري واي «آنا» بالامر او الشعور بالمسؤولية».
    وربما يسأل الشخص: هل هذا الشخص جاد؟
    وللاسف فإن الاجابة: نعم.
    وتؤكد جيوفانا بورادوري، التي نظمت الحوار وجمعت الكتاب، للقارئ ان كل من دريدا وهابراماس راجعا تعليقاتهما قبل النشر. وفي الواقع فإن ما يقوله دريدا هو ان كل شخص على وجه الخليقة اما ارهابي او ضحية او الاثنان. وهو يجعل القضية بأكملها عدمية، لانها لا تسمح بأي تفرقة بين تلك القلة التي تتعمد قتل ارواح الابرياء والاغلبية العظمى التي لا تفعل ذلك.
    والحقيقة هي ان الارهاب «طوعي وواع ومنظم ومتعمد ومحسوب وهو ما يجعله ارهابا، وليس شيئا اخر». وبغض النظر عن التبجح السياسي الذي يتردد تحت سطح هذه المقولة، فإن قول مثل هذه الاشياء ربما يكون كافيا لتشويه سمعته كمفكر، بل كفيلسوف، بمقارنة في نفس الوقت النشاط البريء (او عدمه) عن طريق التدمير المتعمد للحياة البريئة والممتلكات بطريقة تدعم الشر بالقول بطريقة ما «انه مقبول، لا شيء يختلف عما يفعله الغرب الشرير كل يوم في حالة اللاوعي التي تتسبب عمدا (بالرغم من عدم معرفتهم بذلك) في الالم والمعاناة في جميع انحاء العالم».
    كما يتجاهل دريدا ايضا حقيقة ان الاغلبية العظمى من ضحايا الارهاب من غير الغربيين. ويعلم الله كم هو عدد الجزائريين الذين قتلوا على يد الارهابيين منذ عام 1991. ولكن من المؤكد ان الرقم اكبر من ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. هل يجب على المرأ القول بإستحقاق ذبح سكان ضاحية بن طلحة في العاصمة الجزائرية لان القتلة «شعروا بالضعف والحرمان؟».
    أما مساهمة هابرماس في الحوار فهي الأخرى غريبة:
    «بدون الترويض السياسي للرأسمالية المنفلتة فان التراتبية المدمرة للمجتمع العالمي ستبقى صعبة المعالجة. ان التفاوتات في آلية تطور الاقتصاد العالمي يجب على الأقل ان تتوازن في ما يتعلق العواقب الأكثر تدميرا، وأولها الحرمان والبؤس اللذان تعاني منهما مناطق وقارات بأكملها».
    ولكن ماذا يعني هذا؟ هل يمكن لصانع قنبلة في بغداد أو البريدة أن يزعم بأنه يعد لقتل أشخاص أبرياء في سبيل «ترويض الرأسمالية المنفلتة»؟
    مع ذلك ماذا تعني عبارة «الرأسمالية غير المقيدة»؟ أليست الرأسمالية مقيدة بقوانين السوق هذا إذا تجنبنا ذكر الحواجز الكثيرة المفروضة عليها من خلال القوانين المحلية والقومية والعالمية؟
    ما لم يدركه هابرماس هو أن «النتائج المدمرة» التي ذكرها هي نتيجة لغياب حكم القانون وغياب الاحترام الاجتماعي والسياسي للأفراد (خصوصا النساء) والدمار الكبير الناجم عن الأنظمة السياسية التي حكمت بالعنف هذه البلدان ودمرت حياة الناس فيها واقتصادهم.
    يرى هابرماس أن أفرادا مثل صدام حسين وعيدي أمين والخمير الحمر وأناستازيو سوموزا وغيرهم هم ضحايا أكثر من أن يكونوا مبدعين في ميدان الفظائع.
    هذه تحفة أخرى من هابرماس: «...لمحاولات الفهم فرصة تحت الشروط المتناظرة للأخذ ذي المنظور المزدوج. النوايا الحسنة وغياب تجلي العنف هي بالتأكيد مساعدة لكنها غير كافية». بصيغة أخرى ليس بالإمكان تحقيق فهم على المستوى الدولي إلا إذا وصلت كل الأمم إلى نفس المستوى من حيث الاقتصاد والقوة العسكرية وإلى حد ما من حيث النضج السياسي.
    وحالما تصل تلك الأمة إلى ذلك المستوى فإنها أوتوماتيكيا تصبح مؤهلة كي تكون ضحية للإرهاب.
    ويحث هابرماس ودريدا كلاهما القارئ كي «يفكر بطريقة أخرى» وأصبحت هذه الصيغة كليشة متكررة في الكثير من كليات الفلسفة الفرنسية والألمانية. كذلك استخدمت من قبل رئيس إيران محمد خاتمي لوصف نفسه وأتباعه الذين هم على الرغم من إخلاصهم له يستخدمون قاموسا مستعارا من فوكو وهابرماس ودريدا.
    قبل عامين فقط زار هابرماس إيران وتنقل بين جامعاتها وحلقاتها الدراسية الخاصة بالدين لمدة ثلاثة أسابيع، ثم نشر استنتاجاته في سلسلة من المقابلات مع الإعلام الألماني. الشيء الأكثر أهمية من كل ما قدمه هو زعمه بأنه ليس هناك شيء مثل الفلسفة الإسلامية. فهو قد التقى بعدد كبير من رجال الدين الذين كانوا أكثر اهتماما بهيغل وماركيوز من جعفر الصادق.
    يكشف هذا الكتاب تلك الفجوة القائمة في الفهم في العالم الغربي بما يخص الإرهاب فمن جانب هو يمتلك الخبراء الذين صاغوا أنفسهم بأنفسهم والذين يظهرون عبر شاشات الفضائيات لمناقشة الإرهاب ضمن صياغات عسكرية بحتة ومن جانب آخر لديه فلاسفة مثل دريدا وهابرماس الذين يغرقون الأسماك في الماء بسبب كثرة الشروح.
    قد يكون هذا الغياب عن فهم الإرهاب هو الدافع الأساسي للقلق حول المسار المستقبلي لما سماه بوش بـ «الحرب على الإرهاب».
    وإذا كنت لا تعرف لم أنت تحارب فكيف يمكنك أن تتوقع محاربته بشكل فعال ناهيك من تحقيق النصر في هذه الحرب؟
    -----------------------------------------
    * الشرق الاوسط
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:06 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    جاك دريدا في العقل والكتابة والختان


    تأليف: د. امينة غصن


    الناشر: دار المدى للثقافة والنشر ـ دمشق 2002


    الصفحات: 154 صفحة من القطع الوسط


    لعل من ابرز الاصدارات العربية في الشهرين الاخيرين المنصرمين، كتاب الدكتورة امينة غصن، الموسوم «جاك دريدا، في العقل والكتابة والختان». وفي اعتقادنا ان احدا لم يجرؤ قبل الدكتورة غصن على تناول دريدا بهذا العمق وهذه الجرأة في الوطن العربي، على الرغم من شهرة فيلسوف التفكيكية والاكثر اهمية بين فلاسفة العصر، الفرنسي، الجزائري المولد جاك دريدا، رغم ان د. امينة غصن لا تعتبره فلسفيا انما لها وجهة نظر تحددها بالقول «دريدا ليس فيلسوفا ولا السنيا ولا مؤرخاً ولا فقيها انما هو ناقد سريالي مأخوذ بما اخذ به ستيفان ملارميه في نظرية «الخلق من عدم»،


    وهو خلق فني اخطأ دريدا الافادة منه لان ملارميه كان ينزع في مشروعه لتجريد الكلمات من ذاكرتها وشحنها بمدلولات عذراء بكر لا تحيل الى معان سبقتها كي لا يقع في استحواذ اللغة واستملاكها». والدكتورة غصن وهي من ابرز الباحثات في سياق البحث في فلسفة دريدا ومنهجه النقدي التفكيكي، توظف في هذا الكتاب عبر قراءة واسعة مقاربات مهمة لمناهج عدة مثل البنيوية، النيلولوجيا، والتاريخ القديم بالذات والسياسة والادب والدين وهي تحاول ان تبحث في العديد من خبايا دريدا وعلاقته بالمنتج الانساني، بحثا ونقدا وتهديماً.


    ان فيض جاك دريدا ليس فيض المنهج، ولا فيض الابداع، وانما هو فيض النصوص التي لجأ اليها جاك دريدا اما لتسييبها او لهدمها، وهو يفيض النصوص المؤولة، افزع متلقيه بقراءاته الضئيلة، لان ضئيل القراءة او ضحلها، يظن ان لدريدا منهجيات وتفكيكات لا تعد ولا تحصى في حين انه ليس لدريدا إلا التناقض، والادعاء الذي لا يقوم إلا بتكذيب الآخر، سعيا لاخلال خطاب التفكيك والتناص والسرقة محل خطاب هذا الدريدا المخيف هو الدريدا «السهل الممتنع» الذي اجاد لعبة الجدلية التي تراوح بين حدي الحضور والغياب.


    وهكذا نجد ان دريدا يهتم بهدم لغة الآخر ليضع لغته هو، فهو مسحور بالمراوغة والبعثرة وبالتالي فهو يسعى لنسف اي وحدة تجمع ما بين الادب والسياسة والفلسفة، الباحث عن حقيقة الكتابة في الواح التاريخ والدين، وهو الوفي لإله الهدم والتخريب على حد تعبير د. غصن او وصفها له كونه حفاراً للقبور «لا يعني بالحرمات وانما بتعميق الهوات والحفر وسلخ الهويات وانتزاع الشارات من أصحابها وكأنه في مشادة دائمة مع المبدعين الذين يود انتزاع خطابهم منهم ليحل محله خطابه هو».


    دريدا وهو الطامح الى ان يترك اثراً من خلال كتاباته يجد نفسه عاجزاً عن تغيير صورة ختانه وهذا ما دفعه للبحث عن حقيقة الكلام لا في كلام الحقيقة او ان يستحضر توت وثاموس وافلاطون، مثلما يبحث عن نيتشه وهيغل وبيكيت.


    وهنا يبدو دريدا كوريث شرعي لنيتشه المناهض للمنهجية والمعترض على لوغو مركزية الميتافيزياء والطعن في مفهومي الكون والحقيقة، فدريدا يرفض الاعترف بكل حقيقة للكون ليقر بأن اصل المشكلة هو الكتابة، وان الاسلوب الطائش هو الاسلوب المكتوب فقد استسلم الفلاسفة في رأيه لطيش الكتابة التي اصبحت بحاجة ملحة لوجود أب متسلط يراقب طيشها ويحوله الى منهج فكانت مركزية العقل التي اقرها الفلاسفة لتثبيت المعنى والجوهر.


    ولكن هل يستطيع دريدا ان يبريء نفسه من تهمة الفلسفة؟! الدكتورة غصن تجد اجابة لنفي التهمة، ام ترى لالصاق تهمة جديدة به كما تسميها غصن؟


    حيث ينفي دريدا عن نفسه تهمة «الفيلسوف» وتهمة الادب وتهمة علم الجمال فهل يحق لنا ان نتهمه بالفقيه؟ ام بالانثروبولوجي؟ ام بالانتولوجي ام بالألسني، ام بالاركيولوجي الباحث عن اصل اللغة واصل الكتابة واصل الارث واصل الهوية؟ وترى الدكتورة غصن ان دريدا جاء ليطهر اللغة من جرائمها ويحاسب ذاكرتها ويكشف تاريخها المزور، ولكنها سرعان ما تطرح سؤالاً مشروعاً عن مشروعية كتابات دريدا التي تحمل «وشمة» على حد تعبيرها أو «وشم معاصريه واثارهم مثل كولنور، وفوكو، ولاطان، وليفيناس، ليوتار،


    ام انها تحمل وشم اسلافه كافلاطون، وهيراقليط، وهيغل، وهايدغر، وهوسرل وفرويد، وماركس، ونيتشه؟


    إلا ان ما يمكن الوصول اليه بلا جدل هو مشروع الهدم او التفكيك عند دريدا، وهو يجد ان الكتابة لا تخضع الى القوانين لان الكتاب سرعان ما يأخذهم الغياب، وبهذا يخسر المبدع نصه أو بادق تعبير ملكية نصه.


    الدكتورة امينة غصن تحلل شخصية دريدا ابتداء من ولادته مروراً بالاثر الذي لا يمحى في جسده دليلاً على انتمائه الديني الذي حاول ان يغيره بعد ان هاجر وتقول: هذه الفوضى هي التي انسحبت على هوية جاك دريدا اليهودي الجزائري الذي منحته فرنسا الجنسية الفرنسية وهي جنسية تحولت الى نقمة وأزمة، اشعرت جاك دريدا بالاقتلاع والغربة مرتين، الأولي لانه فرنسي اغتصب ارض الجزائريين، والثانية لانه يهودي يبطن يهوديته ولا يعرف منها إلا اثر الختان، ويتظاهر بالكاثوليكية التي يهدمها ولا يؤمن بها، ولا بغفراناتها هذه الفوضى هي التي جعلت دريدا لأن يكون فيلسوف التفكيك الاول فهو نفسه انسان مفكك تماماً.


    وتجد الدكتورة غصن انه فعلا مفكك في حياته وانتماءاته وعقيدته الدينية وهو يشعر بهذه التناقضات التي عاشها دون ان يستطيع ان ينسى اثارها وتصل الى قناعة تامة في وصفه بعد ان درست كل ما يتعلق بحياته وتقول: وان كان هناك دال بلا مدلول، فهو جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي الذي ليس هو فرنسيا ولا جزائرياً ولا يهودياً ولا سفارديا، وانما فيلسوف ضدي يقوم مشروعه الفلسفي على انهاء الفلسفة.


    وعلى الرغم من عدم القدرة على جمع كل ما ذهبت اليه الدكتورة امينة غصن عن دريدا، وذلك لارتباط جدلي فيما تكتبه من الحرف الاول في الكتاب الى السطر الاخير منه، يجعل القاريء في ازمة فكرية وهو يتنقل مع د. غصن ودريدا الذي لم تترك جانبا من حياته وفكره واسلوبه وفلسفته إلا وحاولت ان تسبر اغوارها وتتعمق بعيداً في حياته وفلسفته وتجده مراوغاً واحياناً نازياً على الرغم من انه يريد ان يثأر من هذه النازية بما ميزته ساميته، انه كتاب ينبغي ان يقرأ لأن يطرح اسئلته مثلما يستفز القاريء المتعمق لطرح اسئلته ايضا في محاولة يائسة للوصول الى جواب يتناسب وما يطرحه جاك دريدا ويتعايش مع الابداع والحياة الثقافية بشكل عام.


    عبدالاله عبدالقادر

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:07 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    رحيل صاحب النظرية التفكيكية الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا


    توفي آخر الفلاسفة المعاصرين، الفرنسي اليهودي، المولود في الجزائر جاك دريدا، السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان البنكرياس، وبعدما أشبع العالم علماً وفكراً واستفزازاً خلال عقود طويلة.

    فصاحب النظرية الفلسفية المعروفة بنظرية "التفكيكية الإجتماعية" وضع نهجا لها عممه في الأدب وعلم اللغات والفلسفة والقانون والهندسة المعمارية في مرحلة ما بعد الحداثة.

    واستند دريدا في هذا المنهج الى قطيعة كان أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا.

    ويقوض نهج التفكيكية مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي، وكذلك الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, لتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل.

    وألف ديريدا، بحسب وكالة الأسوشيتد برس، عشرات الكتب. إلا أن انطلاقته الفلسفية كانت عام 1967 حين نشر أول كتابين، خط فيهما أسس فكره "الكتابة والإختلاف" و "عن علم النحو" ثم تبعهما "هوامش الفلسفة" وآخر إنتاجه كان "أشباح ماركس".

    نعاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بقوله "أعطت فرنسا العالم به، واحدا من أبرز الوجوه الثقافية في عصرنا."

    ودرس الفيلسوف الراحل في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وكل من جامعة جون هوبكينز ويال.

    وكان يرفض أن يضع نفسه في البرج العاجي حيث يضع بعض الفلاسفة والمثقفون أنفسهم عادة. ولطالما دافع عن حقوق المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وقضايا إنسنانية أخرى.

    وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن ديريدا لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى بباريس ليل الجمعة.

    وتقول كتابات ديريدا الكثيرة إن هناك طبقات متعددة من المعاني في الأدب والفن والموسيقى والمعمار ليست مقصودة بالضرورة أو حتى مفهومة من قبل مبدع العمل.

    ويقول المراسلون إن المجتمع الأكاديمي غالبا ما عارض هذا التفسير.

    وفي عام 1992 احتج عدد من أعضاء هيئة التدريس بجامعة كمبريدج في بريطانيا على خطط منحه درجة شرفية متهمين كتاباته بأنها "معتقدات تافهه تنكر الفرق بين الحقيقة والخيال".

    كما شن جاك ديريدا أيضا حملة لصالح حقوق المهاجرين في فرنسا وضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ودعما للمنشقين في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية.

    وقد تم عمل فيلم وثائقي عن حياة ديريدا العام الماضي.

    وفي أحد المشاهد وخلال التجوال في مكتبة ديريدا يسأله أحد منتجي الأفلام: "هل قرأت جميع الكتب الموجودة هنا؟" فأجاب ديريدا بالنفي قائلا: "لا أربعة منها فقط لكني قرأتها بعناية فائقة".

    شبكة النبأ المعلوماتية - الاثنين 10/10/2004 - 26/ شعبان المعظم/1425
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:10 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    ذهنية الإرهاب.. لماذا يقاتلون بموتهم؟
    عرض/ إبراهيم غرايبة
    يقدم هذا الكتاب آراء مجموعة من الكتاب الأوروبيين مثل جان بودريار، وأمبرتو إيكو، وجاك دريدا، وإد فوليامي، وجان لوكاريه، حول ما يتم تعريفه باعتباره إرهابا وتداعيات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الشهيرة، والحرب الأميركية على العراق، ويفتح آفاقا للقراءة والتأويل والمحاورة حول أهداف الإمبراطورية الأميركية الجديدة وسعيها لتوسيع مصالحها، ومحاولتها لإحاطة نفسها بهالة من الأفكار والشعارات والرموز والاعتقادات، وتحولها إلى سبب للعنف ومصدره.


    غلاف الكتاب
    -اسم الكتاب: ذهنية الإرهاب..لماذا يقاتلون بموتهم؟
    -المؤلف: جان بودريار وآخرون
    -ترجمة: بسام حجار
    -عدد الصفحات: 222
    -الطبعة: الأولى 2003
    -الناشر: الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي


    ذهنية الإرهاب
    يفسر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الفعل الإرهابي وما يترتب عليه في قراءته لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول قائلا "نحن (الغرب) الذين أردنا هذه الأحداث وإن ارتكبها (هم)، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيدا أن الأمر ليس كذلك".

    الحادث برأي بودريار يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة، فمن المنطق أن يؤجج تفاقم القوة الرغبة في تدميرها، وأن تكون شريكة في تدميرها الخاص. فالغرب وقد تصرف كما لو أنه في موقع (الله) ذي القدرة الإلهية الكلية والشرعية والأخلاقية المطلقة يغدو انتحاريا ويعلن الحرب على نفسه، وقد كان انهيار برجي مركز التجارة تواطؤا غير مرتقب.

    فالنظام الذي وضعته هذه القوة العالمية هو الذي أنشأ الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت، وباستئثاره على كل الأوراق فإنه يرغم الآخر على تغيير قواعد اللعبة، فهو رعب مقابل رعب، ولم يعد هناك أي بعد أيديولوجي، فقد أصبحنا بعيدين عن كل أيديولوجيا وسياسة. فالطاقة التي تغذي الرعب لا تعبر عنها أيديولوجيا، ولا أي قضية، ولم يعد الأمر منوطا بتحويل العالم كما تهدف الحركات الأيديولوجية، ولكن نظام القوة العالمي المهيمن هو الذي يهدف إلى ذلك، ولو كان الإسلام مسيطرا على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام، ذلك أن العالم هو الذي يقاوم العولمة، والإسلاميون يعبرون عن كل واحد في عالم يناهض العولمة التي تحتكر القوة.

    كانت فكرة مقاومة النظام العالمي أو العولمة بسيطة، فهذا النظام الذي يكره الموت ويتجنبه، يكون السلاح المميت ضده هو الموت، وقد استخدم المنفذون رتابة الحياة الأميركية قناعا للعبة المزدوجة، عاشوا في ضواحي أميركا، وتدربوا في وسط عائلاتها قبل أن يتحولوا فجأة إلى قنابل بشرية، وربما كانت قدرتهم على تدبير هذه الحياة السرية أكثر أهمية وخطورة من العمل الذي قاموا به في 11 سبتمبر/ أيلول.


    ما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، وما تزعمه هذه القوى من رعاية للقانون الدولي، وما تتخذه من ذرائع لشن الحرب على بعض الدول تجعل الولايات المتحدة في طليعة الدول المارقة

    سيناريوهات للحرب الشاملة
    من ناحيته يناقش الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو مقولة صراع الحضارات أو الثقافات التي تفسر الحرب الأميركية على العالم الإسلامي وحرب المسلمين عليها، وهل الحرب هي الشكل العادل للعنف؟

    يمكن القول وفق تحليل إيكو إن الغرب هو الذي كانت له الغلبة في تاريخ الصراع الطويل بين الشرق والغرب، فأوروبا لم تحتل من قبل المسلمين باستثناء حالات قليلة في إسبانيا وشرق أوروبا، ولكن المسلمين اضطروا في عقر دارهم إلى القبول بالتكنولوجيا الغربية على نطاق واسع، وكان يمكن أن يعد ذلك انتصارا لولا أن المسلمين تمكنوا من استخدام هذه التقنية في تدمير مركز التجارة العالمي، ولكن هل يعتبر ما يجري صراعا بين الشرق والغرب على غرار الحروب الصليبية؟

    يستبعد إيكو مقولة صراع الحضارات في تفسير ما يجري، ويدعو بقوة إلى مقاومة نزعة العداء الحضاري والثقافي لأن كلفتها تضر بالغرب، وقد تلحق به الهزيمة، فقد تداخل الشرق بالغرب، وتداخلت المصالح والعلاقات على نحو لم يعد ممكنا حمايتها إلا بالتعاون والعمل المشترك.

    ماهية الدولة المارقة
    يتساءل المفكر الفرنسي جاك دريدا حول ما تؤول إليه مفاهيم العقل والديمقراطية والسياسة والحرب والإرهاب عندما تنتهي سيادة الدول أو تنتقص، وهو ما تقوم به الولايات المتحدة مستخدمة قوتها العالمية الضاربة.

    والواقع أن ما تقوم به الولايات المتحدة والدول المتعاونة معها وما تزعمه هذه القوى من رعاية للقانون الدولي، وما تتخذه من ذرائع لشن الحرب على بعض الدول تجعل الولايات المتحدة برأي دريدا في طليعة الدول المارقة.


    العراق لا يشكل تهديدا لجيرانه ولكن سوء حظه يقع في امتلاكه كميات هائلة من النفط مغرية للشركات الأميركية، أما مسألة حقوق الإنسان فمعظم حلفاء أميركا يمارسون انتهاكات بشعة ضد الانسان وحقوقه وحرياته

    الإرهاب والحرب العادلة
    يلاحظ الكاتب والروائي البريطاني جون لوكاريه أن الولايات المتحدة تشهد موجة من الجنون هي الأسوأ بين كل ما شهدته في تاريخها، ويحتمل أن تكون على المدى البعيد أشد وقعا من حرب فيتنام.

    كانت مجموعة الرئيس الأميركي جورج بوش في مرحلة السعي لتبرير حرب شاملة مجنونة، وقد وجدت في أحدث 11 سبتمبر/ أيلول فرصة لهذه الحرب المخطط لها قبل سنوات عدة، وكانت الإدارة الأميركية محاطة بمجموعة من الأزمات الكبيرة، مثل شرعية رئاسة بوش، وانهيار شركة إنرون ذات الصلة بالمسؤولين الأميركان الحاليين، وانحياز الإدارة الأميركية للشركات الكبرى العملاقة، وعدم اكتراثها بفقراء العالم والبيئة والمعاهدات الدولية، ثم الانحياز المطلق لإسرائيل الذي أوقع الولايات المتحدة في خروقات عدة لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.

    وقد أتاحت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الفرصة لحرب تريدها الإدارة الأميركية وتخطط لها، وجاءت هذه المرة بدعم شعبي كبير، وبموازنة إضافية هائلة (360 مليار دولار)، ولم تكن الحرب على أفغانستان كافية، ولم تكن هي المقصودة، ونجحت الإدارة الأميركية مرة أخرى في تجييش الرأي العام للحرب على العراق. ويعتقد الأميركان كما في استطلاعات الرأي أن الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين هو المسؤول عن الهجمات على مركز التجارة العالمي، وبقليل من العناية سوف يضمن هذا العصاب المدروس بدراية فائقة أن يأتي نجاح بوش وأعوانه في العودة إلى البيت الأبيض في الانتخابات المقبلة على طبق من فضة.

    ولعل الجانب المقزز في الحرب الاستعمارية الأميركية والهيمنة الأميركية على العالم بما في ذلك أوروبا هو النفاق الديني الذي يغطي به المحافظون الجدد إرسال الجنود إلى القتال، وتعميم فكر سوريالي مثل أن الله أوكل إلى أميركا إنقاذ العالم، وكل من يجرؤ على المساءلة سيجد نفسه في تهمة لا يستطيع الخروج منها كالعداء للسامية، والعداء لأميركا، والإرهاب.

    ولكن مطالعة محدودة في سيرة بوش ومجموعة الإدارة المحيطة به تكشف مدى تورطهم في فساد الشركات الكبرى العملاقة، التي تبحث عن حرب جديدة تنقذ الخسائر التي تتعرض لها، وتغطي على الفضائح والفشل سياسيا وإعلاميا.

    ويميل لوكاريه إلى الاعتقاد أن العراق لا يشكل تهديدا لجيرانه، ولكن سوء حظه يقع في النفط الذي يتوافر في أراضيه بكميات هائلة مغرية للشركات الأميركية، وأما مسألة حقوق الإنسان فهي لا تحتاج إلى نقاش، فمعظم حلفاء أميركا المهمين مثل حكام باكستان وتركيا يمارسون انتهاكات بشعة للحريات والديمقراطية وأبسط حقوق الإنسان.


    كل إستراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر

    فرضيات حول الإرهاب
    يعود الفيلسوف الفرنسي جان بودريار مرة أخرى في هذا الفصل، وقد أثارت مقالته الأولى (ذهنية الإرهاب) نقاشا واسعا، ليطرح فرضيات حول العنف والعولمة والإرهاب والغرب والإسلام.

    ويجد بودريار أن النظام العالمي المهيمن يقتضي بالضرورة وجود إرهاب لكي يستمر في العمل والسيطرة، لأنه دون إرهاب سينهار هذا النظام، وهكذا فإن تواطؤا عميقا ينشأ بين الخصمين، حتى إن المحلل يتساءل من يستخدم من؟

    هذا التواطؤ ليس بالضرورة خطة مقصودة تعد مسبقا، ولكن نظام الهيمنة والعولمة والسلطة بحد ذاته يحمل نقيضه، وقد يكون التناقض حاجة بنيوية في النظام نفسه. والأميركيون يحتاجون لأن يكونوا ضحايا ويتعاطف العالم معهم، فالضحية في حل من أي عقدة ذنب تجاه أفعاله وجرائمه، وتحتاج أن تستخدم مأساتها كما لو أنها بطاقة ائتمان! وقد جاءت أحداث مركز التجارة العالمي لتستخدم أميركا قوتها الفائضة التي لم تكن تعرف كيف تتصرف بها وهي مرتاحة الضمير.

    وقد يكون هذا السيناريو مثل حكايات الخيال العلمي، ولكن هذا الموقف الافتراضي القائم على وجود قوة غامضة تهدد بالإبادة كان موجودا بالفعل في الذهن أو اللاوعي الأميركي، وكان قائما لديهم هم فقط، ولا يشاركهم فيه أحد حتى تحول هذا الافتراض إلى حقيقة بفضل الإرهاب والعنف، وتلك هي أميركا كما تحسب نفسها في ظل غياب الغير، وترمق نفسها بتعاطف يكاد يقارب العته.

    وهناك رواية متطرفة مفادها أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هي مؤامرة إرهابية داخلية نفذها اليمين المتطرف الأصولي في أميركا بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية، فماذا لو كان هذا الحادث مزيفا ومفبركا؟ الواقع أن هذه الرواية يتواطأ معها الميل الغربي للتقليل من شأن الخصم، فقد تكون أفضل لدى الغرب من الاعتراف بقدرة هؤلاء المجاهدين الغامضين على تكبيد الأميركان هذه الضربة الكبيرة، وقد سبق في قضية تحطم طائرة لوكربي أن ساد لوقت طويل التحليل القائل بترجيح العطل الفني في الطائرة سببا لتحطمها، فالاعتراف بالتقصير حتى لو كان خطيرا هو أفضل من الاعتراف بقوة الآخر.

    ولكن حتى لو كان هذا التفسير حقيقيا، وثبت بالفعل أن الحادث كان من تدبير بعض المتطرفين أو العسكريين الأميركان، فإنه في المحصلة يصب في الافتراض الأول، وهو أن النظام يحمل عناصر تدمير ذاته، ويبقى علامة على عنف داخلي مدمر للذات يؤكد صحة الافتراض الأول.

    ثم إن كل إستراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر.

    فشبح الإرهاب يرغم الغرب على إرهاب نفسه، باعتبار أن شبكة الشرطة العالمية تعادل التوتر الذي قد تسببه حرب باردة شاملة، وتعادل الأضرار في الأبدان والعادات التي قد تنجم عن حرب عالمية رابعة.

    لم يؤد هدم البرجين إلى إخفاق النظام العالمي لا سياسيا ولا اقتصاديا، ولكن صدمة الهجوم ووقاحة نجاحه (كما يصفها بودريار)، ثم ما تبع ذلك من فقدان الثقة وإفلاس الصورة، حطم المعادلة، وتحول النظام والإرهاب معا إلى شبحين يتعذر إمساكهما أو تعيين موضعهما، وربما كانت هذه هي ضربة الصميم التي تلقاها النظام.


    عدد المحافظين الجدد في البيت الابيض ليس كبيرا لكنهم الأكثر أهمية في صوغ السياسات الأميركية والتفكير السياسي، وهم الأكثر حماسا للحرب على العراق والأكثر تأييدا لليكود الإسرائيلي

    المحافظون الجدد
    تتحدث مقالة نشرت في صحيفة اللوموند الفرنسية عن المجموعة المحيطة بالرئيس الأميركي بوش، والتي تمثل النفوذ في البيت الأبيض في قضايا العراق، وإسرائيل، والأمم المتحدة، والعلاقات الأوروبية الأميركية، وهم الأشد حماسا للحرب على العراق، ويؤيدون الليكود الإسرائيلي بشدة.

    إن عددهم ليس كبيرا، ولكن البيت الأبيض يصغي لما يقولون، من بينهم بول ولفويتز، الرجل الثاني في وزارة الدفاع الأميركية والباحثة لين تشيني زوجة ديك تشيني نائب الرئيس بوش.

    وهناك ثلاثة شخصيات لا تتحدث عنها وسائل الإعلام كثيرا، ولكنهم الأكثر أهمية في صوغ السياسات الأميركية والتفكير السياسي، وهم إيرفنغ كريستول، وغاري باور، وريتشارد بيرل، وهذا الأخير وقع فترة من الزمن تحت الأضواء الإعلامية، ولكنه هرب منها باستقالة لم تبعده عن التأثير، وإنما أنقذته من التركيز الإعلامي.

    فكريستول يبلغ الثالثة والثمانين من العمر، ويعمل في المعهد الأميركي للمشاريع، أحد أبرز معاهد تيار المحافظين الجدد، ويعتبر كريستول عراب هذا التيار، وكان ماركسيا، ويوصف بأنه من الماركسيين الجدد، ثم تحول إلى التروتسكية، ووصف بأنه من التروتسكيين الجدد، ثم إلى الاشتراكية والاشتراكيين الجدد، ثم الليبرالية والليبراليين الجدد، وأخيرا المحافظين الجدد.

    والواقع أنه يغلب على غلاة اليمين أنهم تحولوا إلى هذا الموقع من التطرف اليساري أو التطرف الليبرالي، وكذلك الأمر في الليبرالية التي استقطبت غلاة اليسار والماركسية سابقا.

    ويقود الأصولية المسيحية حول بوش "غاري باور" رئيس مجموعة القيم الأميركية التي تدير عدة كنائس بروتستانتية متنفذة وقوية، وقد كان باور أحد مستشاري الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان، ويرأس أحد أهم اللوبيات وأكثرها نفوذا في السياسة الأميركية، وهو لوبي حماية الأسر العاملة.

    وكان بيرل يرأس مجلس السياسات الدفاعية، وهي الهيئة الاستشارية لوزارة الدفاع الأميركية، وقد وصفته الصحافة بأنه بطل الحرب الباردة، وكان نائب وزير الدفاع في عهد ريغان، وكان يقود ويوجه سياسات ريغان المحافظة والتي ينتمي إليها المحافظون الجدد المحيطون ببوش، وهو مقرب من الليكود الإسرائيلي

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:14 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)




    جاك دريدا ونظرية التفكيك (1)

    بقلم : س . رافيندران

    ترجمة : خالدة حامد

    يعد التفكيك deconstruction أهم حركة ما بعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً . وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة . فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد ( مثل ج. هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم ) هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم ، ومن ناحية أخرى نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون في خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم على التفكيك الذي يعدونه سخيفاً وشريراً ومدمراً . ولم يخل أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد .

    فهل أن التفكيك مدمر حقاً ؟ إذا كان الجواب نعم ، كيف يكون ذلك ولماذا ؟ وإذا كان الجواب لا ، فلماذا هذا الرعب ؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد فهم مفاهيم التفكيك الأساسية وتقويمها ، ولعل أفضل موضع ننطلق منه لتحقيق غايتنا هو كتاب " في علم الكتابة " (2) Grammatology Of الذي يعد لسان التفكيك … العمل البارز الذي أنجزه جاك دريدا ، الفيلسوف والناقد الفرنسي .

    وأنا أعتقد أن البحث الذي يتقصى دريدا ونظريته في التفكيك تواجهه عقبتان رئيستان ، الأولى أوجدها أسلوب دريدا نفسه المتسم بإثارة الحيرة فضلاً عن مصطلحاته ومفاهيمه ، أما الأخرى فهي سلسلة الآراء النقدية التي تعد تأويلات interpretations غير وافية أو سوء تأويلات misinterpretations محتملة ، على الرغم من الضوء الذي تسلطه على بعض المفاهيم الصعبة التي شكلها دريدا . وسأعمد إلى توثيق بعض هذه التعليقات النقدية قبل الشروع بوصف وتقويم مفاهيم التفكيك .

    يؤكد م. هـ. ابرامز M. H. Abrams أن أبرز جزء في نظرية دريدا هو : " 1ـ أنه ينقل بحثه من اللغة إلى الكتابة ، النص المكتوب أو المطبوع ، 2ـ أنه يتصور النص بطريقة محددة غير اعتيادية " (3) . ولم يعمد أبرامز إلى تبسيط مكانة دريدا بوصفه تفكيكياً من خلال مساواته مع البنيويين الفرنسيين الآخرين حسب ، بل إنه شوهه إلى حد كبير حينما حاول تعريف بعض الكلمات الأساسية في النقد التفكيكي مثل " الكتابة " ecriture و " النص" text . وقد بين أن الكتابة عند دريدا هي النص المطبوع أو المكتوب وأن مفهوم النص محدد على نحو غير اعتيادي .

    وسأبرهن في معرض تقييمي لدريدا وتعليقي عليه أن ما جاء به أبرامز لا يتعدى كونه حفنة من سوء التأويلات التي لم يحدثنا فيها عن ماهية التفكيك بل عن أمور لا تمت إلى التفكيك بصلة .

    أما نيوتن غارفر Newton Garvar فهو معلق آخر على دريدا ، إذ يؤكد أن دريدا واحد من فلاسفة اللغة ، وأنه يشدد على أسبقية البلاغة على المنطق :

    ينضوي دريدا تحت لواء الحركة التي تنظر إلى الأثر الذي تلعبه الملفوظات utterances في الخطاب الفعلي على أنه يمثل ماهية اللغة والمعنى ، والذي بسبب ذلك يعد المنطق مستنبطاً من المسوغات البلاغية (4) .

    وقد حظيت المحاجة التي تقول أن التفكيك حقل معرفي بلاغي ، بدعم هيليس ميلر الذي يقول : " إن التفكيك بحث في الإرث الذي يخلفه المجاز والمفهوم والسرد في أحدهما الآخر ، ولهذا السبب يعد التفكيك حقلاً معرفياً بلاغياً " (5) . ويعتقد موراي كريغر Murray Krieger أن دريدا " بنيوي نقدي تغلب على البنيوية وقهرها ، وربما يكون قد أبطلها أيضاً " وأضاف إن الهجوم الذي شنه دريدا يعد " شكلاً أكثر حداثة لذلك الهجوم القديم الذي شنه أفلاطون على الشاعر بوصفه خالق أساطير" (6) . ويؤكد فريدريك جيمسون Fredric Jemson أن فكر دريدا ينفي وهم تخطي الميتافيزيقيا والهرب من النموذج القديم لغرض تمحيص الجديد وغير المكتشف (7) .

    ومن الممكن أن تكون هذه التعليقات مصدر تضليل إذا عددناها بياناً أو تقويماً سليماً لنظرية دريدا ، على الرغم من فائدتها في سيرورة البحث في التفكيك ، فنحن حينما نعد دريدا مع بقية فلاسفة اللغة الذين يعتقدون أن المنطق مستنبط من البلاغة ، فإن هذا يعني سد الطريق أمام إمكان إدراك حداثة أفكاره ، كما إن مساواة دريدا بأفلاطون والتأكيد أن دريدا يكرر النزاع القديم مع الأسطورة myth يمثل إساءة لمكانة دريدا ، والتأكيد على أن دريدا لم يفعل شيئا سوى نقل الاهتمام من " الكلام " إلى "الكتابة " وبذا فإن حصر النص في حجيرة خاصة ، لهو سوء تأويل حقاً . إذ ينبغي للمرء أن يكون حذراً عند مقاربة المصادر الثانوية الرامية إلى فهم دريدا والتفكيك . وقد انقسم النقاد على فريقين … فهم أما يخفقون في فهم دريدا أو يسيئون تأويل أفكاره ، ولهذا السبب لا يمكن الاعتداد بالمادة الثانوية ، ولا يمكن أن نعدها طرقاً سالكة توصل إلى عالم التفكيك ، لكن مع ذلك يوجد نقاد آخرون أمثال هارولد بلوم Harold Bloom وهيليس ميلر وبول دي مان Paul DeMan وجيفري هارتمن Jeoffrey Hartman الذين هم بقدر أصالة دريدا ، إلا أن كل واحد منهم يشكل مدرسة تقريباً ونادراً ما يفسر دريدا … المعلم العظيم الأول للتفكيك . ويعد فهم دريدا الخطوة الأولى على طريق فهم التفكيك ، ومما لا شك فيه أن الخطوة الأولى تستدعي مماحكة أفكار دريدا .

    يمكن القول إن النظرية التفكيكية بحاجة إلى الكثير من التحليلات الجديدة وإن أية محاولة يقوم بها أي ناقد يحاول تحليل هذه النظرية لا تحتاج إلى التعريف بالتفكيك بالضرورة لأن مثل هذه النظرية المعقدة والشائكة تستعصي على التعريف . وعلى العكس من ذلك بإمكان المرء محاولة تفسير المصطلحات الأساسية التي شكلها دريدا لتدمير النقد التقليدي وتسهيل فعل التفكيك … وهذه هي الخطوة الأولى التي سأقوم بها هنا ، وسأنوي بعد وصف المصطلحات وتحليلها التي جاء بها دريدا الإجابة عن السؤال الذي يخص الكيفية التي يتمكن بها التفكيك من إعادة توجيه النقد الأدبي ، وسأبين في المراحل النهائية من تحليلي إن ما وصف بالسخف هو ليس كذلك وإن للتفكيك مضامين روحية .

    ومن الجدير بالذكر أن " الكتابة " و " الكلام " كلمتان محوريتان يمكن أن يبدأ بهما فهمنا . وتتمتع هاتان الكلمتان بدلالة خاصة في المفاهيم التقليدية للغة ، إذ أن هذه المفاهيم تنص على أسبقية الكلام وأولويته على الكتابة ، وإن الكلمة المنطوقة " صوت" phone كلمة غير خارجية ولها القدرة على المحو الذاتي . كما تُعرف الكلمة المنطوقة بأنها صورة صوتية (سمعية) وظيفتها هي استحضار المفهوم الذي تمثله الصورة الصوتية . وتتلاشى الكلمة المنطوقة أو الصورة الصوتية في سيرورة استحضار المفهوم ، ولهذا السبب فإنها بوصفها دالاً تطفئ نفسها في سيرورة التدليل على المدلول الذي يكون هو الأكثر أهمية من أي شيء آخر . ولا يمكن تصور هذا المدلول إلا من خلال الصورة الصوتية التي هي الدال . ومن الممكن أن نلاحظ هنا أن ثمة شيئا أشبه بالثالوث في هذه العلاقة : الذهن الإنساني ، الدال (الصورة الصوتية ) ، المدلول (المفهوم) .

    والآن ، ما المكانة التي تحتلها الكلمة المكتوبة في الفهم التقليدي للغة ؟ انطلاقاً من المفهوم التقليدي للغة تعرّف الكلمة المكتوبة بأنها التمثيل الكتابي للكلمة المنطوقة : وبهذا الصدد فإنها دال الكلمة المنطوقة … وهكذا فإن " الكلمة المكتوبة هي دال الدال وتعد ثانوية بالنسبة إلى الكلمة المنطوقة " ولا يمكن أن تقوم الكلمة المكتوبة بأي شيء عدا تمثيل الكلمة المنطوقة في حين أن الكلمة المنطوقة هي الدال . فإذا أردت أنا استحضار مفهوم " زهرة " ينبغي لي عندئذ أن أنطق صوت " زهرة " (زَهْرَ ة) ، والدال هو هذه الصورة الصوتية أو الصورة السمعية . لكني حينما أكتب كلمة " زهرة " فما عليّ سوى تمثيل الصورة الصوتية من خلال بنية كتابية graphic structure . ولا ترتبط هذه الصورة الكتابية بأية صلة بالمفهوم ، بل أن الصورة الكتابية لا تستطيع تمثيل المفهوم لأنها بنية مرئية للصورة الصوتية غير المرئية حسب ، أنها شيء أشبه بالطيف . وهي ثانوية بالنسبة إلى الصورة الصوتية ومن الممكن إهمالها ، بل لا بد من إهمالها .

    وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الحجج التقليدية التي نسبت مكانة ثانوية إلى الكلمة المكتوبة ومكانة رئيسة للكلمة المنطوقة هي حجج ميتافيزيقية ولاهوتية ( . وكتب دريدا في تعليقه على الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه مفهوم الكلمة المنطوقة قائلاً :

    …. إن فهم الله هو الاسم الآخر للوغوس logos بوصفه حضوراً ذاتياً . ومن الممكن أن يكون غير متناه وحاضرٍ ذاتياً ، كما يمكن توليده من خلال الصوت بوصفه صفة ذاتية . إنه ترتيب الدال الذي يمكن للذات من خلاله أن تستعير من خارج ذاتها الدال الذي تبعثه وتؤثر فيه في الوقت نفسه . وكذا الحال مع تجربة الصوت ، إذ تحيا هذه التجربة وتعلن عن نفسها بوصفها إقصاءً للكتابة ، بمعنى آخر إقصاءً للدال " الخارجي " ، " المحسوس " ، " المكاني " الذي يعيق الحضور الذاتي (9) .

    ويؤكد دريدا أن مفهومي الكلام والكتابة التقليديين " يحيلان إلى خارج المعنى" (10) logocentric ، وهذا مصطلح مهم آخر يستعمله دريدا ليعني به ما هو متجه ميتافيزيقياً أو ما هو متجه لاهوتياً (11) . ولكي أكون أكثر دقة أود أن أوضح أن مفهومي الكلام والكتابة قد شكلتهما واشترطتهما وتحكمت بهما الميتافيزيقا . والحق إن هذا " التمركز حول اللوغوس " هو " تمركز حول الصوت " phonocentrism .. ذلك الاعتقاد الذي يرى أن الصوت يقارب الواقع المتعالي (12) transcendental . ونجد في نظرية دريدا أن التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت هما مصطلحان مختلفان يمثلان ظاهرة واحدة : النشوء الميتافيزيقي metaphysical genesis لمفهوم الكلام والفهم . ويركز التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت على الصوت لأن هذين المفهومين يتولدان من الاعتقاد القائل أن الصوت يتوسط بين العقل الإنساني والواقع المتعالي . ويمكن القول أن هذه الحجة مقاربة للمفهوم الهندي لسلطة الـ mantras . الذي يمكن تعريفه " بأنه صوت أو سلسلة من الأصوات . ونحن نعتقد أن للصوت سلطة لأننا نرى أن بإمكانه إثارة السلطة المتعالية ؛ إذ تعزى الأهمية إلى نبرة الكلمات التي ننطقها … فكيف يمكن لصوت كلمة معينة نطلق عليها اسم " mantra" أن يكون متمتعاً بالسلطة ؟ إنه يتمتع بهذه الميزة لأننا نرى أن الصوت يعمل وسيطا بين اللوغوس والسلطة المتعالية . وأنا لا أسعى هنا إلى تأكيد أن المفهوم الغربي التقليدي الخاص بالتمركز حول اللوغوس ، التمركز حول الصوت هو المفهوم نفسه الخاص بـ mantra لكني أؤكد وجود أوجه تشابه .

    ونلاحظ في التفكيك أن ثمة عنصراً آخر هو " التمركز حول الكتابة " graphocentrism ، وهو مصطلح مهم بحاجة إلى التفسير قبل الدخول في صلب نظرية دريدا . ومن الممكن أن نبدأ القول بأن الكتابة writing كتابية graphic ، وأن الجرافيم grapheme هو حرف في الأبجدية أو أنه مجموع الحروف أو المجموعات الحرفية التي من الممكن أن تشير إلى الفونيم phoneme ( الذي يمكن تعريفه بأنه أصغر وحدة كلام تميز ملفوظا ما أو كلمة ما من ملفوظ آخر أو كلمة أخرى في اللغة) . وإذا علمنا أن الكتابة كتابية لذا يمكن القول أن الجرافيم ، تبعاً إلى ما يذكره المفهوم التقليدي ، دال صرف يقصد به أن وحدة الكتابة ليس لها أية صلة عدا كونها تمثل الصورة الصوتية . ولهذا السبب يمكن القول أن المقصود بالتمركز حول الكتابة هو انتقال الأهمية من الكلام إلى الكتابة ، وهو يمثل قلباً للمفهوم التقليدي القائل بأولوية الكلام أو الكلمة المنطوقة على الكتابة أو الكلمة المكتوبة .

    وهناك عدد من النقاد يعتقد أن التفكيك الذي جاء به دريدا يعد انتقالاً من التمركز حول اللوغوس إلى التمركز حول الكتابة (13) ، وهذه ليست ملاحظة بريئة ولا بد من التعبير عن دلالتها قبل الاسترسال في التفسير ، وأنا أرى أن أفضل طريقة لتوضيح هذه المسألة هي محاولة تبسيط الأمر من خلال القياس . فإذا كان بالإمكان مقارنة الكتابة والكلام والمفهوم الذي يمثلونه بالجسد والروح والواقع المتعالي فعندئذ يكون التركيز على الكلام هو التركيز على الروح ( والتركيز على الكلام هو التركيز على التمركز حول الصوت والتمركز حول اللوغوس) . أما التركيز على الكتابة فهو التركيز على الجسد ( والتركيز على الكتابة هو التمركز حول الكتابة). فإذا كان التفكيك تمركزاً حول الكتابة ، وإذا كان التمركز حول الكتابة يعني التركيز على الكتابة فعندئذ يمكن تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط ، وإنه تحد لما هو أخلاقي ، إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب … فهل من المقنع أن نقول أن التفكيك عدمي nihilistic؟ يمكن القول أن هذه التوكيدات كلها صحيحة ، والجواب عن الأسئلة أعلاه هو " نعم " عن كل ما يقوله دريدا ، وكل ما يقصده التفكيك . سأعود لهذه المشكلة بعد دراسة مصطلحات دريدا التي تعمل بصفة أدوات تفكيكية .

    فبعد أن عرض دريدا الأساس الميتافيزيقي واللاهوتي لمفهومي الكلام والكتابة ، شرع في فحص مسألة الوصف اللساني للغة والمفاهيم التي يحاول الوصف بناءها . والحق أن دريدا يأتي كرد فعل على نظرية سوسير التي تقول إن العلامة sign اللسانية هي وحدة الدال والمدلول . وتزعم اللسانيات الحديثة ، التي ترتكز على مفهوم الدال والمدلول ، والبنيوية ، التي تدين لذلك المفهوم ، أنهما جعلتا من دراسة اللغة وفعل النقد حقلين معرفيين علميين ، وقد بين دريدا أن هذا الزعم هو خداع حسب لأن مفهوم الدال والمدلول في اللغة الذي جاءنا من اللسانيات هو صورة أخرى لمفهوم الكلام والكتابة التقليدي . وقد لاحظ دريدا في أثناء عرضه للعلاقة المتبادلة بين الميتافيزيقا واللاهوت ، ما يأتي :

    دائماً ما يوحي مفهوم العلامة داخل ذاته بالفرق بين الدال والمدلول … حتى إن تم تمييزهما بأنهما وجهان لعملة واحدة ، ولهذا السبب يبقى هذا المفهوم ضمن تراث مفهوم التمركز حول اللوغوس الذي هو في حقيقته تمركزاً حول الصوت : التقارب المطلق بين الصوت واللصوت والكينونة being ، وللصوت ومعنى الكينونة ومثالية المعنى . ( OG, p. 112 )

    ولهذا السبب فإن نسق اللغة الذي يقال أن اللسانيات جعلته علمياً وأن البنيوية استعارته بحماس بوصفه نموذجاً للنقد ، هو في حقيقته النسق القديم نفسه ، أي نسق " التمركز حول اللوغوس – التمركز حول الصوت " الذي هو نتاج الميتافيزيقا .

    ومن الواضح أن دريدا حشر الميتافيزيقا واللسانيات في خانة واحدة وهذا يعني أن الميتافيزيقا فسحت المجال أمام اللساني ليتصور ظاهرة اللغة في ضوء القطبية الثنائية ، بمعنى أن المفاهيم الميتافيزيقية ـ مفهوم الواقعي والمثالي ، مفهوم الجسد والروح ، مفهوم الخير والشر ـ قد فسحت المجال أمام اللساني ومكنته من تصور اللغة في ضوء قطبية ثنائية مشابهة . وتعد الحجة اللسانية ، التي تقول أن الصورة السمعية تستحضر المفهوم ( أي أن الدال يستحضر المدلول) ، تركيزاً على أولوية الكلمة المنطوقة على الكلمة المكتوبة ، وبهذا الصدد فإن اللسانيات البنيوية هي صورة معدلة عن الإهمال التقليدي للكتابة ، ذلك الإهمال الذي نتج عن النفور الفلسفي والميتافيزيقي من الطابع الخارجي والمرئي والمجسد للكلمة المكتوبة ، ويتضح من ذلك أن خلف مفهوم اللغة التقليدي ، وخلف مفهوم العلامة اللسانية عند سوسير كمنت ميتافيزيقا على شكل قوة اشتراطية قوية .

    وقد أطلق دريدا تسمية " المفهوم المبتذل للكتابة " على مفهوم الكتابة الذي أهمله مفهوم اللغة التقليدي واللسانيات الحديثة ، وعدّه مفهوماً ثانوياً ، أي شيئاً ليس له وجود إلا لغرض تمثيل الصوت الذي تجسده الكتابة . ويضيف قائلاً أن الاعتقاد الذي ساد في التراث الغربي بصدد الكتابة هو أنها "الحرف " و " النقش المرئي " و " الجسد والمادة " الخارجية بالنسبة إلى اللوغوس . وهذا هو المفهوم المبتذل تحديداً . وقد نبذ دريدا هذا المفهوم المبتذل الذي كان يوجه فهمنا للغة ، على الرغم من أننا لم نكن واعين به تماماً ، مثلما وجه أداءنا في ميدان النقد الأدبي من خلال دفعنا إلى الاعتقاد بأن كل شيء يستنبط المعنى ويعطيه فقط حينما يرتبط بفكرة ما ، والتي ينبغي أن ترتبط ، بالمقابل ، بفكرة أخرى وهكذا دواليك بحيث أن هذه الأفكار كلها ستتجمع في فكرتنا عن الكينونة المتعالية ، ولهذا السبب أصبحت فكرتنا عن الكينونة المتعالية تعمل بمثابة فكرة تتحكم في أفكارنا عن اللغة ، وأفكارنا في النقد … وهكذا أصبح نقد قصيدة ما اكتشافاً لمعناها… ذلك المعنى الذي يعد فكرة أو مفهوماً يمكن ربطه بفكرة أخرى ، وستتجمع عملية ربط الأفكار بعضها بالآخر في فهمنا للكينونة المتعالية. ومن الجدير بالإشارة أن جميع شذرات الأفكار التي يمكن نسجها في نسق واحد ، يجمعها مركز واحد تمثله فكرتنا عن الكينونة المتعالية وإن احتمالية النسق توحي بوجود المجموع . ويمكن تعريف المبدأ الجمعي بأنه فكرة الكينونة التي هي إبداع الميتافيزيقيا . وقد تمثلت محاولة دريدا بتحرير فهمنا للغة وفعل النقد من هذا التأثير الجمعي الذي مارسته الميتافيزيقا ، وتوصل إلى عملية التحرير هذه من خلال صياغته لمصطلحين جديدين من الممكن أن يبطلا مفهوم اللغة القديم وطريقة النقد القديمة . إلا أن أذهاننا خضعت لاشتراطات الفهم التقليدي للغة سواء كنا واعين بذلك الفهم أم لا . فنحن حينما نزعم إننا صغنا أفكاراً جديدة فإننا لم نفعل في حقيقة الأمر سوى تحويل الأفكار القديمة . فعلى سبيل المثال إن المصطلحات اللسانية التي جاء بها سوسير ـ التي يقال أنها أحدثت ثورة في فهمنا للغة ـ هي نتاج آخر للميتافيزيقا ؛ فنحن نكرر أنفسنا حينما نقول إن نسق اللغة الجديد علمي . والحق أن بالإمكان أن تتولد أفكار جديدة حينما تكون أذهاننا محايدة . وإن القصد من وراء عرض دريدا للأساس الميتافيزيقي للغة والنقد هو دفع أذهاننا إلى الحيادية لأننا ندرك تماماً أن ظاهرة طبيعية تماماً مثال اللغة تخفي في داخلها بذور الميتافيزيقا ، بل حتى التفسير العلمي للغة الذي قدمه سوسير هو في الحقيقة ضحية الميتافيزيقا . وقد شرع دريدا ، بعد عرض الأساس الميتافيزيقي الذي تقف عليه اللغة ، في صياغة مصطلحاته الخاصة التي بإمكانها توليد فهم جديد للغة .. وتشكل هاتان الخطوتان بنية التفكيك . وسأبدأ الآن بوصف المصطلحات التفكيكية وتقويمها .

    لقد استند مفهوم الكتابة الجديد الذي صاغه دريدا إلى ثلاث كلمات معقدة جداً ، هي : الاختلاف difference والأثر trace والكتابة الأصلية [الأولى] (14) arche - writing. وسأعمل على تفسير كل مصطلح من هذه المصطلحات الثلاث بأوسع قدر ممكن تسمح به محددات هذا المشروع ، وسأبين الكيفية التي تؤدي بها هذه المصطلحات إلى فعل التفكيك. فالاختلاف يشير إلى فعلينactions : 1 ـ أن يختلف ، أن لا يكون متشابهاً " differ " 2ـ أن يرجئ ويؤجل (15) (11) " defer" . وينبغي الانتباه إلى إن الأول مكاني spatial والثاني زماني temporal . ويرى دريدا أن كل علامة تؤدي هذه الوظيفة المزدوجة : أي الاختلاف والتأجيل ، ولهذا السبب تكون بنية العلامة مشترطة من قبل الاختلاف والتأجيل ، وليس من خلال الدال والمدلول ، بمعنى إن بنية العلامة هي الاختلاف الذي يعني أن العلامة شيء لا يشبه علامة أخرى ، وشيء غير موجود في العلامة على الإطلاق . ويمكن توضيح ما ذكرناه بالمثال الآتي : فنحن نميز بين كلمتيthree [وتعني ثلاثة] و tree [تعني شجرة](16) في الكلام والكتابة ، فهما مختلفتان تماماً وتكشفان عن هويتهما . ويعد هذا الاختلاف إحدى القوتين الموجودتين في كل علامة . أما القوة الأخرى في العلامة فهي قدرتها على الإرجاء ، أي قابليتها على التأجيل . فعلى سبيل المثال إن كلمة " وردة " في قصيدة ما لا تبدأ بكشف المعنى إلا حينما ندرك أنها ليست تلك الوردة التي نراها في الواقع ، بل أن لها شيئاً آخر ، ذلك الشيء الذي ينبغي اكتشافه . ولهذا السبب فإن العلامة نصفها واف والنصف الآخر غير وافٍ ، وهذه الحقيقة ضرورية لبداية فهمنا إلا إنها غير كافية بسبب نقصها . ومثلما أكد سوسير فإن العلامة هي ليست " الدال + المدلول " بل العلامة هي " الاختلاف + الإرجاء " . ويرى سوسير أن العلامة اتحاد في حين يراها دريدا اختلاف .

    وبما إن العلامة غير وافية وناقصة لذلك ينبغي أن تفهم على إنها " تحت الشطب [ المحو] " under erasure وهو مصطلح صاغه دريدا ليشير إلى عدم كفاية العلامات ونقصها . فهي مكتوبة لكنها مع ذلك مشطوبة ، فنحن نشطبها لنشير إلى نقصها . ولهذا السبب تحمل كل علامة هذه الإشارة عليها . فعلى سبيل المثال إن كلمة " مرئي " التي استعملها آنفاً لم تحمل أية إشارة واضحة عليها ، لكنها علامة على الرغم من ذلك . لكن إذا نظرنا اليها من زاوية تفكيكية فإنها ستظهر عندئذ علامة مشطوبة ، على النحو الآتي : " مرئي " . وينبغي ألا نأخذ فكرة تشطيب العلامة على نحو حرفي ، بل على نحو إيحائي فقط . فهذه الشطبة توحي بنقص العلامات وعدم كفايتها ، بل عدم قطعيتها . إذ لا توجد علامة يمكن أن نقول عنها انها دال لشيء أزلي ، فهي لا تتمتع بأية قيمة مطلقة ، كما إنها لا تحيل أي شيء متعالٍ .. فالعلامة سياقية contextual ، وهي تخلق سراب المدلول ، وإن جل ما تستطيع القيام به أنها ترسلنا بحثاً عما تحتاج هي إليه وتذكرنا بما هو غير كائن فيها . ولهذا السبب إن العلامة " أثر " ، فهي ليست التمثيل المرئي أو الكتابي المحسوس للصورة الصوتية بل إنها الأثر الذي يصفه دريدا بأنه ليس طبيعياً ، ( أي إنه ليس الإشارة أو العلامة الطبيعية أو المؤشر index بالمعنى الهوسرلي ) ، أكثر من كونه ثقافياً ، وإنه ليس مادياً أكثر من كونه نفسياً ، وإنه ليس بايولوجياً أكثر منه روحياً .

    إن ما هو كائن في العلامة يحرك الذهن باتجاه ما هو غير كائن فيها ، ولهذا السبب فإن ما هو موجود في العلامة يحمل أثر ما هو غير موجود فيها ، وتستطيع العلامة أسر الذهن لأن بمقدورها أن تذكرنا بما هو غير موجود فيها ، وتستطيع عبر هذا التذكير تحفيز الذهن ودفعه إلى الحركة . وهكذا نقول أن العلامة أثر ، وتحمل في أثرها قوتين هما الاختلاف والإرجاء . لذا صار من الضروري أن يتغير مفهوم الكتابة مع ظهور مصطلحي " الاختلاف " و " الأثر" إذ ما عاد بالإمكان الإبقاء على تعريفها بأنها " الحرف " و " النقش المحسوس " و " الجسد والمادة " الخارجية بالنسبة إلى العقل . وعند محاولة دريدا تعريف الكتابة وضح ذلك قائلاً : "... إنها النقش inscription عموماً ، سواء كان ذلك حرفياً أم غير حرفي حتى وإن كان ما تم توزيعه في الفراغ غريباً عن نظام الصوت..."(OG, p. 9) (17) . وبهذا المعنى يمكن أن نعد التصوير السينمائي والرقص والباليه والموسيقى والنحت جميعها كتابة . وقد لاحظ دريدا عند التوسع بمفهوم الكتابة هذا أن :

    قد يتحدث المرء أيضاً عن الكتابة الرياضية ( أي الرياضة عموماً ) أو الكتابة العسكرية أو السياسية في ضوء التقنيات التي تتحكم بهذه المجالات حالياً . وهذا لا يصف نسق الدلالة الذي يرتبط ارتباطا ثانوياً بهذه الأنشطة حسب ، بل يصف أيضاً ماهية هذه الأنشطة ذاتها ومضمونها. ( OG, p. 9
    عن مجلة "أفق"
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:17 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)


    جاك دريدا ونظرية التفكيك (2)

    فاللغة بذاتها هي كتابة ضمن ذلك المعنى ( GO, p. 8 ). وقد لاحظ غايتاري سبيفاك Gayatri Spivak أن : " ثمة شيء يحمل في داخله أثر التغير الأزلي ، أي بنية النفس ، بنية العلامة . ويطلق دريدا على هذه البنية اسم " الكتابة" (1 . وقد ذكر سبيفاك الملاحظة الآتية في معرض توضيحه لمفهوم الكتابة : " هكذا نجد أن الكتابة هي اسم البنية التي يسكنها الأثر دائماً . وهذا مفهوم أوسع من المفهوم التجريبي للكتابة الذي يشير إلى نسق دلالة تجريبي على جوهر مادي " (OG, p. xxxix) .

    وقد أطلق دريدا تسمية " الكتابة الأصلية " على الفرق بين مفهوم الكتابة هذا ومفهوم الكتابة المبتذل الضيق . وتعمل الكتابة الأصلية في التعبيرات الكتابية وغير الكتابية . والكتابة بمعناها الضيق تعد كتابية graphic تعتمد مفهوم الجرافيم الذي هو في حقيقته دال صرف . أما في النظرية التفكيكية التي حدد دريدا أبعادها ، فقد أصبح لصفة الكتابية معنى مختلفاً عن المعنى الذي كان متداولاً في الاستعمال التقليدي . ويمكن القول أن الشكل الكتابي graphe هو " أثر متمأسس (19) institutionalized " ( GO, p. 46) .

    وقد أصبح لتوجه النظرية التفكيكية نحو التمركز حول الكتابة دلالة تضمين واسعة بسبب الأثر المتمأسس ، ولهذا السبب فإن التغيير الذي أحدثه دريدا لم يكن تغييرا بالأهمية التي تمتع بها مفهوم الكلام على مفهوم الكتابة ، قدر تعلق الأمر بالفهم التقليدي لهذه المصطلحات . إذ يوحي التمركز حول الكتابة ، بالمعنى الذي حدده دريدا ، بالتوجه الذي يسلكه الفهم على نحو يدفع الذهن إلى تصور وظيفة الأثر في أنواع التعريف كلها التي تسير الوعي أو الإدراك . فالأثر يبدي عمله في صورة البورتريت (الصورة الشخصية) ، والملصق الجداري (البوستر) واسم العَلَم ، والإيماءة والكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة ، وغيرها . ويمثل التمركز حول الكتابة الإدراك الجديد لوظيفة الأثر . فأنا حينما أتصور صورة شخصية يبدأ ذهني أو إدراكي بالعمل رغبة مني في فهم دلالة هذه الصورة ، وتعد عملية اشتعال الذهن غير مادية . فالذهن يتحرك بحثاً عن شيء بعيد عما موجود في الصورة (بمعنى البحث عن شيء خلّف بصماته الشبحية على الصورة) ، وتلك هي وظيفة الاختلاف . في حين أن البصمة الشبحية هي الأثر . لأن الأثر بذاته غير موجود ( GO, p. 167) . ويمكن تعريف التمركز حول الكتابة بأنه هذا الإدراك الحسي الجديد بأن شيئاً ما ، شيئاً غائباً ، قد ترك بصماته ( بصماته الشبحية ) على الموضوعات التي تخلق حركات معينة في الذهن (وتلك البصمات الشبحية هي الأثر) .ويبدأ الأثر بالعمل من خلال الاختلاف والإرجاء (الاختلاف + الإرجاء = الاخـ" ت " لاف) (20) .

    ويتم عرض مفهوم اللغة التقليدي بوصفه أسطورة .. فقد كان ينطوي بداخله على شيء باطني [صوفي] : مثل قرب الصوت من المدلول ، وغيرها . ونلاحظ أن العنصر الباطني هو العنصر الميتافيزيقي ، فقد كانت الميتافيزيقا تسيطر على مفهومنا للغة . وقد صاغ دريدا مصطلحات جديدة وشكل مفاهيم جديدة حتى يتكون فهم للغة متحرر من مفهوم الميتافيزيقا . ولهذا السبب يعد تحرير فهم اللغة من الميتافيزيقا إزالة للغموض والحيرة ، إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً . وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة (الطابع الأسطوري) أيضاً (21) . ومن الصواب أن نقول أن التفكيك يبدأ بإزالة ما هو باطني وإزالة الأسطرة في الفهم التقليدي للغة.

    لقد انطوت دراستنا هذه للتفكيك على ثلاث مراحل ، تمثلت المرحلة الأولى في تسليط الضوء على مفهومي الكلام والكتابة ، واشتملت على مسألتين مركزيتين هما : السبب الذي يكمن وراء الاعتقاد السائد الذي يقول بأسبقية الكلام وأولويته على الكتابة ، وما مدى البعد الذي وصلته الميتافيزيقا في تأثيرها . ودرسنا في المرحلة الثانية الزعم اللساني القائل أن اللسانيات الحديثة أضفت طابعاً علمياً على دراسة اللغة وجعلتها حقلاً علمياً . وتمثلت المسألتان المركزيتان اللتان تناولتهما في هذه المرحلة بتأكيد أن المفهوم اللساني للعلامة هو صورة أخرى للمفهوم التقليدي للكلام والكتابة ، وعلى أن اللسانيات الحديثة هي ضحية الميتافيزيقا ، وتتألف المرحلة الثالثة من وصف مصطلحات دريدا وتقويمها : الاختلاف والأثر والكتابة الأصلية . وقد سلطنا الضوء على دلالة مصطلح التمركز حول الكتابة من منظور دريدا .

    وبناء على ما سبق ، لقد تغير فهمنا للغة ، فما مصير النقد ؟ يبدأ الجواب عن هذا السؤال بافتراض أن الأدب هو شكل من أشكال الكتابة ، وإن القصيدة أو القصة أو أي عمل أدبي هو بنية آثار.. تلك الآثار التي نعرف أنها بصمات شبحية لا نعرف ماهيتها إلا إننا واثقون من كينونتها ووجودها . أما النقد ، الذي يعرف بالدرجة الأساس بأنه بحث في كلمة ، وسطر ، ونص ، أو أي شيء يحرك الذهن من نقطة إدراك حسي معينة إلى عوالم البحث بمعية دافع قوي للتأويل ، فإنه يبدأ بالشك ، الشك الذي يستند إلى الإقناع . فالناقد يشك في مظهر العلامة (كأن تكون كلمة ، وسطراً ، وقصة وتمثالاً ، صورة وبورتريتاً ، …إلخ ) لأنه يحمل قناعة مؤداها أن ما يظهر له هو ليس كل شيء ، بل هناك شيء آخر ، فنحن لا نكتفي بالأشياء كما هي ، بل نرغب بالبحث فيها والتوغل إلى أبعد من حدودها لاكتشاف أسرارها لأننا نشعر أن ثمة شيئاً مفقوداً أو شيئاً غائباً عما نتصوره نحن وندركه حسياً ، وإن هذا الشعور الأزلي بأن هناك شيئاً مفقوداً أو غائباً هو الكتابة الأصلية . ويعد الأدب واحداً من أنواع التعبير عن الكتابة الأصلية ، بينما يعد الرسم نوعاً آخر ، والموسيقى نوعاً آخر أيضاً ، وتعمل الكتابة الأصلية بصفة آثار في الموضوعات . فالآثار أشبه ما تكون بطبع الأقدام .. فمن هو الذي مشى على الرمال ؟ لقد مشى أحدهم وخلف وراءه آثار أقدامه في كل مكان ، وإن كل تلك البصمات التي تركها خلفه تذكرنا به إلا أنه مفقود وغائب . ويمكن تعريف الكتابة الأصلية بأنها إدراكنا حقيقة أنه مفقود ، وأنه غائب ، والذي يرافقه الشعور بالمعاناة المتولد عن تجربتنا التي نستشف منها عدم القدرة على اكتشاف هذا الغائب على الرغم من صمتنا المطبق أو عنفنا الصارخ ، فكل البصمات التي يخلفها وراءه هي الآثار لأنها هي التي تؤكد حضور هذا الغائب على الرغم من غيابه ، فياله من موقف غريب حقاً ! (وربما كان التشخيص - أي إضفاء الصفات الشخصية على غير العاقل - صيغة من صيغ التبسيط إلا أنه قد يساعد على الفهم ) .

    وقد اعتاد النقد التقليدي الظهور مع فكرة ما عبر المواجهة مع العمل الأدبي ، ولهذا السبب يعد نقد القصيدة اكتشافا لمعناها . ولهذا فإن المعنى فكرة أو مفهوماً يمكن أن يلحق بفكرة أخرى أو مفهوماً آخر والاستمرار بهذا الإلحاق حتى تلتحم هذه الأفكار في فكرة الكينونة المتعالية أو الحقيقة المتعالية . لكننا لا نعي حقيقة أن ما نسميه " المعنى" هو في حقيقة الأمر فكرة تتخذ من الميتافيزيقا ملاذاً لها . ولم تنج البنيوية ، التي يقال أنها سيرورة ثورية ، من قبضة الميتافيزيقا ، وإن القول أن البنيوية توحي بالنسق ، يعني أن هناك مركزاً في مكان ما ، وذاك المركز هو المفهوم المركزي الذي من الممكن اكتشافه بوصفه مفهوم الكينونة أو السلطة المتعالية . ويوحي مفهوم النسق أن كل شيء مفهوم على أفضل وجه ، أو أنه قابل للفهم في الأقل ، فحيثما وجد النسق ينعدم الإرباك أو التشويش . وسيؤكد التفكيك أن هذه أوهام حسب إذ كل ما نزعمه بأنه الحقيقة أو الكينونة هي " فبركة " ليس إلا . فهذه الكلمات تمثل فبركات مهولة تشير إلى الفشل في بحثنا عن المعنى ، وهذا يعني في مرحلة ما من مراحل تاريخ البحث عن المعنى أن الباحثين أعلنوا ، لسبب أو لآخر ، أنهم وصلوا إلى آخر نقطة ممكنة من بحثهم وأنه لا ينبغي القيام بأي بحث آخر يتجاوز هذه النقطة ، ولغرض حماية ما أسموه " النقطة النهائية " من الإهانة التي يمكن أن تنسبها إليهم البحوث المستقبلية ، عزوا لتلك النقطة نوعاً من القدسية وأسموها الحقيقة truth أو الكينونة being أو أي شيء آخر . وقد عملت نقطة البحث النهائية أو المفهوم المقدس بصفة مركز للنقد بنوعيه التقليدي والبنيوي . لذلك كان ثمة خداع كبير سار على هداه نشاطنا النقدي وفهمنا للغة .

    ألا توحي هذه التعليقات بأن كل ما كتب هو محض خيال ؟ أنا أعتقد إن التفكيك يوحي بذلك . وهذا يشمل كتبنا المقدسة أيضاً ! (والحق أن التفكيك لا يعترف بشيء اسمه كتاب ، بل بالنصوص فقط). فماذا عن مفهوم " الرب " إذن ؟ وما مصير المفاهيم الأخرى التي لا تعد ولا تحصى مثل : المصدر origin والحقيقة والكينونة والواقع المتعالي و ... الخ ؟ إن دريدا لا ينكر وجود الرب بل إنه يتساءل ، على نحو غير مباشر ، عن مفهومنا للرب ومدى صلته ، ولعلنا كنا نستخدم مصطلح " الرب " god للإشارة إلى إله معين كنظام دفاعي لحماية مفهوم المصدر والحقيقة والكينونة وما يشبهها من مصطلحات . فما المصدر الحقيقي أو الحقيقة الحقة اللذان ينبغي البحث فيهما . ربما تكون هذه المفاهيم وراء نطاق فهم الإنسان . فقد يكون عالم الحقيقة ، أو الرب ، عالماً محرماً على الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً بإزائه سوى تخيله ، أو تكوين معنىً واهٍ عنه في أحسن الأحوال . إنه يشعر بغياب الكينونة الأسمى Supreme ولاشك ، وإن هذا الإحساس بالغياب و التوق للحضور هو الكتابة الأصلية ، أما بصمات ذلك الحضور الغائب الذي ندركه في كل مكان فهو الأثر . ومن خلال سعي دريدا إلى عرض الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه فهمنا للغة ، ومحاولة تحرير فهمنا من الميتافيزيقا ، شرع دريدا في إطاحة الأديان عن عروشها في ممالك اللغة . فقد مثلت الأديان حصانات وفرت الحماية للمفاهيم الميتافيزيقية . ومع ذلك ينبغي أن نقر بأن دريدا يوحي ، على نحو غير مباشر ، بأن الرب وراء جميع المفاهيم الإنسانية والمعالجات اللفظية . وينبغي التأكيد عند هذه النقطة تحديداً أن دريدا لا يوحي بأي شيء مهول ، فهو يتبنى منهج البحث الحر في مجال المعرفة ، ويحاول تحرير الذهن من الضغوط والضوابط التي فرضت عليه باسم الرب أو الأديان . ويدفعنا دريدا ، بقوة ، إلى إعادة التفكير بالمصدر أو الحقيقة من خلال عرض الذهن على الحرية الجديدة في البحث ، ولهذا السبب تنطوي جدالات دريدا وحججه على مضامين روحية.

    وأخيراً ينبغي لي العودة إلى قضية النقد . فقد كان النقد ، بالمعنى التقليدي ، تطبيقاً لأنموذج يرمي إلى فهم العمل الأدبي ، وربما يكون هذا النموذج فلسفياً أو أخلاقياً أو دينياً أو لسانياً . ومن المحتمل أن الناقد غير واع تماماً بحقيقة أنه يطبق نموذجاً معيناً ، فالذي نطلق عليه أسم " التقويم الذاتي" هو في حقيقته غير ذاتي ، فنحن نلحق ما موجود في العمل الأدبي بشيء ما في سيرورة ذلك الفهم الذي يؤدي إلى التقويم . ومن الممكن أن يكون هذا الـ" شيء ما " هو النسق الأدبي الذي منح الكلمات والأفعال actions والظواهر إمكانية توليد المعنى . فعلى سبيل المثال ، إذا حاولت تفسير قصيدة The Lake Isle of Innisfree ، سأتمكن من ذلك أما من خلال ربط مضمون القصيدة بالمعلومات المتوفرة التي تتعلق بحياة الشاعر … تلك المعلومات التي تخص مزاجه وكآبته وتأملاته في الطبيعة سريعة التغير ، وسرعة زوال الأشياء الجميلة ، ونفوره من المكاسب المادية وعشقه للحياة الحالمة . ثم أبدأ بربط هذه الأفكار الموجودة في القصيدة بهذه الأفكار الخارجية التي تعمل بصفة نسق لربط الأفكار في القصيدة . ولهذا السبب تصبح الأفكار التي تزخر بها القصيدة ذات معنى فقط حينما أشرع أنا بعملية ربط هذه الأفكار بما هو خارج عن القصيدة . وفضلاً عن ذلك فإني قد أبدأ بالبحث في سبب كآبة الشاعر وأسباب عشقه للحياة الحالمة ، وأسباب دفعه إلى كراهية المكاسب المادية . ونلاحظ في هذا النوع من النقد أن التركيز لا يكون على النسق بحد ذاته لأن التركيز على النسق لدراسة النسق ذاته يؤدي بنا إلى البنيوية . فعلى سبيل المثال : ما المغزى الأدبي من ترك الموطن الرئيس والذهاب إلى جزيرة ؟ هل هناك مغزيات أخرى ؟ الجواب : نعم بالتأكيد . ونجد في بعض شخصيات شكسبير الكوميدية مثل مسرحية " كما تحبها " و " حلم ليلة منتصف صيف" أن الشخصيات تغادر المدينة لائذة بالغابات التي يتم فيها حل الصراعات وانتشار الحكمة ، وعلى هذا الغرار هناك عدد من الشخصيات في القصائد والروايات التي تغادر المدن صوب الجزر المعزولة ، ومثال ذلك شخصية " بروسبيرو " في مسرحية " العاصفة " وشخصية " جيليفر " في رواية "رحلات جيليفر " . ولهذا السبب نجد أن رغبة الشاعر ييتس باللجوء إلى جزيرة Innisfree تحاكي رغبة الكتاب السابقين . ونحن نقر بأننا نفهم القصيدة لأننا نألف هذه القناعة ، أي الاقتناع بترك المدينة ومباهجها واللجوء إلى الجزيرة ذات معنى كبير في الشعر ، ذلك لوجود قناعة أدبية أو اتفاق أدبي بأن لهذه الفكرة معنى ما وهكذا نجد أن بإمكان التحليل البنيوي أن يركز على العناصر الأخرى للقصيدة بغية دراسة النسق الشعري . وقد طبقت في المثال الأول ، أي مثال التطبيق غير البنيوي ، نماذج معينة متعارف عليها في الأدب على القصيدة فقط من أجل فهم القصيدة . أما في المثال الثاني ، أي مثال التفسير البنيوي ، فقد استعملت القصيدة وعناصرها لدراسة النسق الشعري أو لدراسة نماذج الأدب المتعارف عليها . وينبغي الإشارة هنا إلى أن التفكيك لا يمثل أي من هاتين الحالتين ، أو نقيضهما .

    فالتفكيك لا يمنح الناقد أية نماذج ، ولا يطبق أي أنموذج على النصوص الأدبية ، بل أنه يدمر جميع النماذج الموجودة ولا يقدم أي نموذج ، ولهذا تسبب الكتابة التفكيكية حيرة كبيرة . فعلى العكس من النقد البنيوي لا يؤمن النقد التفكيكي بوجود نسق يمكن فهمه . إذ توحي فكرة النسق بأن الأشياء منتظمة أو من الممكن جعلها كذلك ، إلا أن هذه الفكرة مصدر مواساة حقاً ، ونحن نفضل المواساة على الحيرة . وعلى الرغم من أن المواساة قد تنطوي على خداع لكنها أفضل من معاناة الحيرة . وقد أعلن البنيوي ، بعد أن واجهته مشكلة تعقيد الأدب والأذهان التي تكمن وراء الأعمال الأدبية ، أن التعقيد قابل للتحليل ويمكن فهمه ، ويزعم وجود نسق أدبي بإمكانه تفسير التعقيدات . إنه تأكيد الإرادة التي تجعل البنيوي يزعم هذا الزعم . فالبنيوية هي التوكيد لإرادة الإنسان وقدرتها على حل ما هو معقد ، وعلى العكس من ذلك يبحث التفكيك في إمكانية النسق ، ويتساءل عنها وعن الكيفية التي جاءت بها التقاليد والمواصفات الأدبية إلى الوجود . فالمواجهة القائمة بين الوعي الإنساني ونسق العلامة هي من التعقيد بحيث يصعب فهمها . ولهذا السبب ، يؤكد التفكيك ، تبعاً إلى ما يذكره ديفيد اليسون David Allison ، ضرورة إعادة التفكير بمشكلة اللغة كلها (22) . وربما كان من الضروري وجود حقل معرفي جديد يستعمل أصول الكلمات [التأثيل] etymology وعلم النفس معاً بصفة حقل معرفي واحد لأداء هذه المهمة . ونلاحظ هنا أن التفكيك ينبذ الميتافيزيقا والفلسفة بوصفهما من أنماط الإدراك الخادعة ، كما إن اللسانيات التي كانت تخفي الميتافيزيقا في نماذجها الخاصة باللغة ، لا تلائم التفكيك . وكذلك لا يلجأ التفكيك إلى البنيوية التي ترتكز بقوة على اللسانيات .

    قد يبدو التفكيك حقلاً تحكمه قواعد وأنظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها ، إلا أن الحقيقة مختلفة . فنحن لدينا قواعد وأنظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية التقليدية أكثر مما في التفكيك . فالمبتدئ يواجه مصطلحات تقنية كثيرة مثل شخصية، حبكة ، ثيمة ، صورة ، رمز، شعر غنائي ، سونيتة ، و ... إلخ ، وقد استعملناها مراراً وتكراراً حدّ أنها أصبحت طبيعية بسبب ذلك . وفضلاً عن ذلك ، فإننا إن لم نفهم المصطلحات التي على شاكلة " اختلاف " ، " أثر" ، " كتابة أصيلة " ، ... إلخ ، فإننا لا نتمكن من فهم واستيعاب أي عمل مكتوب ينضوي تحت هذه النظرية إذ من الصعب فهم أي شيء جديد . إلا أن المرء سيفيد من تعلم هذه النظرية كثيراً إذا ما تحمل الجهد أولاً . وتتمثل هذه الفائدة في أننا نتساءل في صلة فهم الإنسان وعالمه والمعرفة . ويلقي التفكيك ضياءً جديداً على عملياتنا الفكرية . ويخبرنا أن سلطة اللغة ليست متأتية من سلطة الأدب ولا من نسق اللغة لأن سلطة اللغة ، شأنها في ذلك شأن سلطة الموسيقى والرسم والنحت والطقوس ... إلخ ، متأتية من حس بدائي أصيل بشيء مفقود وغائب ، وتوجيه إدراك الإنسان بعد ذلك .

    الهوامش :

    (1) هذه المادة مترجمة عن كتاب ( البنيوية والتفكيك ) تأليف س . رافيندران Structuralism & Deconstruction. By: S. Ravindran. (المترجمة)

    (2) يُعرف جاك دريدا هذا المصطلح في كتابه " في الغراماتولوجيا " [في علم الكتابة] بأنه دراسة للأدب ولحروف الهجاء ولمقاطع الكلمات والقراءة والكتابة " قائلاً إنه يستند في ذلك إلى تعريف ليتريه Littre ، وأنه لم يعثر على هذا المصطلح في هذا القرن إلا في كتاب غيلب Gelb الذي يحمل عنوان " درس في الكتابة : أسس الغراماتولوجيا " A Study of Writing: The Foundations of Grammatology (1952) /د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة / وسيرمز له المؤلف بالرمز OG . (المترجمة)

    (3) م . هـ . ابرامز "الملاك التفكيكي" مجلة البحث النقدي 3(1977) ص 428 .

    (4) نيوتن غارفر ، تمهيد لكتاب " الصوت والظاهرة " ( إيفانستون : مطبعة جامعة نورثويسترن ، 1973 ) ص xxii . ويوضح غارفر في معرض تعليقه على مكانة المنطق والنظرية في فلسفة اللغة ، قائلاً : " نجد في تاريخ الفلسفة الغربية، ان فلسفة اللغة – وبضمنها الكثير من الميتافيزيقا – قد اعتمدت المنطق أكثر من اعتمادها البلاغة " ( التمهيد صxi ) . لكنه وضح في تعليقه على الحركتين اللتين حدثتا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين ، قائلاً : " لقد كانت الحركة الأولى تعزيزاً لفلسفة اللغة التي تعتمد المنطق إلا ان الحركة اللاحقة كانت تدميراً لذلك التراث ، تدميراً يتحدث عنه دريدا بوصفه ختاماً للميتافيزيقا " ( التمهيد ، ص xii ) .

    (5) ج . هيليس ميلر " الناقد مضيفا " مجلة البحث النقد ي 3(1977)ص 41 .

    (6) موراي كريغر ، " نظرية النقد " (بلتيمور ولندن : مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972) ص 220 - 243 .

    (7) فريدريك جيمسون ،"سجن اللغة"(برنستون:مطبعة جامعة برنستون ، 1972)ص176 .

    ( " لقد اقترن نسق اللغة بالكتابة الأبجدية الصوتية ، ذلك النسق الذي تولدت فيه الميتافيزيقا المتمركزة حول اللوغوس ، التي تحدد معنى الكينونة بأنه الحضور . لقد كان هذا التمركز حول اللوغوس مطوقاً دائماً ومضطهداً لأسباب بعيدة تماماً عن التأمل في أصل الكتابة والمكانة التي تحتلها .... " ( جاك دريدا ، " في علم الكتابة " ترجمة غياتري تشابرافورتي سبيفاك - بلتيمور ولندن : مطبعة جامعة جون هوبكنز ، 1972 ) ص 43 ، وقد كانت الاقتباسات تلحق بالرمز ( OG ) .

    (9) لقد أوضح جاك دريدا في تعليقه على الخلفية الميتافيزيقية لمفهوم الدال - المدلول قائلاً : " يعود الاختلاف بين الدال والمدلول إلى الحقبة الأخرى التي شملت تاريخ الميتافيزيقا ، هذا إذا نظرنا إلى الموضوع من منظور ضيق وضمني ، أما إذا ضيقنا المنظور أكثر فسننظر إلى حقبة الخلق والتناهي المسيحية التي تلائم المفاهيم الإغريقية "(OG ،ص 13 ) .

    (10) يستخدم دريدا مصطلح logocentric (التمركز حول اللوغوس )، أحياناً ، بدلاً من مصطلح phonocentric (التمركز حول الصوت ) للإشارة إلى نظم فكرية أو عادات التفكير التي تستند إلى ما يسميه بميتافيزيقا الحضور ـ وهو التعبير الذي وجده عند هيدغر ـ ويعني به الاعتقاد بوجود مركز خارج النص أو خارج اللغة يكفل صحة المعنى دون أن يكون قابلاً للطعن فيه أو البحث في حقيقته( د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة) . أما جابر عصفور فيذكر ( عصر البنيوية / تأليف أديث كيرزويل / ص274 ) أن اللوغوس لفظ يوناني يشير إلى الكلمة التي تعبر عن الفكر الداخلي ، أو الفكر الداخلي نفسه . وحينما يشير دريدا إلى التمركز حول اللوغوس ( الذي يترجمه عصفور إلى " مركزية اللوجوس ") فإنه يبغي تدمير تأثيره الطاغي ، وتدمير مبدأ الأصل الثابت الواحد ، وما يقترن به من مبدأ الغائية أو العلية ، وتأكيد أهمية الكتابة التي لن تغدو تابعاً بل أصلاً . (المترجمة)

    (11) من الممكن أن نعرف على التمركز حول اللوغوس بالميتافيزيقا ، لأن كليهما تعبير عن الرغبة بالمدلول . ويجد التمركز حول اللوغوس المعنى كله في العقل اللوغوس ، تلك الكلمة التي تعكس العقل الإلهي .

    (12) يمثل التمركز حول الصوت رفضاً للكتابة بوصفها تقنية حسب . وكذلك توكيد تقارب الكلمة المنطوقة من المدلول . فالكلمة المكتوبة لا تفيد إلا بصفة مدلول للكلام.

    (13) " تنطلق هذه الحركة مما يسميه هو " النموذج المغلق " المتمركز حول اللوغوس للآراء التقليدية أو الكلاسية للغة (والتي يؤكد أنها تعتمد وهم الكينونة المتعالية الأفلاطونية أو المسيحية أو الحضور الذي يضمن المعاني ) وصولاً إلى ما أسميته أنا " نموذجه المتمركز حول الكتابة " الذي يعد الحضور فيه بمثابة " بصمة على البياض " ( م . هـ . إبرامز ، " (الملاك التفكيكي " ص ، 429 ) .

    (14) الكتابة الأولى : التعبير مستقى من فرويد ، وقد استعمله للإشارة إلى اللاوعي عندما لاحظ لعبة للأطفال تتضمن ترك اثر الكتابة على الشمع بعد نزع الورقة . وقد استعمل دريدا هذا المفهوم ، مشيراً إلى فرويد مرات عدة في كتابه " الكتابة والاختلاف " . وهو يقول : " إن الكتابة تعد استكمالاً للإدراك حتى قبل أن يعي الإدراك نفسه . والذاكرة أو الكتابة هي فاتحة عملية وعي الإدراك بذاته . أما " المدرَك " فلا يمكن قراءته إلا في الماضي ، تحت الإدراك وبعده " . (د. محمد عناني / المصطلحات الأدبية الحديثة) . (المترجمة)

    (15) يقول موراي كريغر أن مفتاح النقاش حول كلمة difference ( أي الاخـ"ت"لاف) هي اللعب على الكلمة الفرنسية differ التي تعني المعنيين الآتيين : (1) to differ ( أي يختلف ولا يشبه ) (2) to defer ( أي يرجئ أو يؤجل ) اعتمادا على الفرق بين الكيانات الحاضرة المختلفة ( الاختلاف ) والكيانات المتشابهة ، إحداهما حاضرة والأخرى غائبة تفصل بينهما فجوة زمنية (الإرجاء ) . وهناك بعض أوجه الخداع في " differance وهي أن (a) غير مسموعة وإن كانت مرئية ، وإن المصطلح لا تقابله أية كلمة ، وبذا فانه يفيد فقط في المساعدة على تذكر الكلمة التي يتباين عنها ، ولا تكون موجودة بصفة مفهوم لآتها تختلف عن ذاتها.(نظرية النقد،228 –231).

    (16) تلفظ الأولي " ثري " وتلفظ الثانية " تري " (المترجمة) .

    (17) يوضح دريدا في " الكتابة والاختلاف " قائلاً : " إن الكتابة واحدة من الأشكال التي تمثل الأثر عموماً ، لا الأثر نفسه " ( O G ص 167 ) . " وإن فكرة الأثر هي أنه يمكن أن يخضع لسؤال الماهية الأونطو– ظاهراتي ontophenomenological . فالأثر هو لاشيء ، وهو ليس كياناً ، بل انه يتجاوز السؤال الذي يقول : ما هو ؟ "(O G ص 65 ) .

    (1 غياتري سبيفاك ، تمهيد لكتاب " في علم الكتابة " لجاك دريدا (بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز ، 1974 ) ، ص xxxix .

    (19) التأسس : مصطلح يشير إلى العملية التي تتحول بها المعايير والقيم وأنماط السلوك إلى أنماط ثابتة . ( عصر البنيوية / تأليف اديث كيرزويل / ترجمة جابر عصفور / دار آفاق عربية للطبع والنشر / 1985 / ص 277 ) . (المترجمة)

    (20) ينبغي الالتفات إلى أن دريدا اشتق كلمة اختلاف differance من الجمع بين الاختلاف difference ( بمعنى عدم التشابه ) + deference ( بمعنى الإرجاء وتفيد معنى الأثر ) ، أي انه استبدل الحرف( e ) في كلمة الاختلاف بالحرف ( a ) ويبدو الاختلاف واضحاً في هذه الكلمة إلا أن من الصعوبة توضيحه حين نقله إلى العربية لذلك عمد مترجم "الكتابة والاختلاف " كاظم جهاد إلى وضع حرف التاء بين معكوفتين صغيرتين. (المترجمة)

    (21) تعكس ملاحظة ج ، هيليس ميلر عن اللغة موقفاً تفكيكياً : " إن اللغة ، منذ البداية، خيالية ووهمية ومنزاحة عن أية إحالة مباشرة إلى الأشياء كما هي . وينبغي احتجاز الظرف الإنساني في شبكة من الكلمات تتشابك عبر القرون وتزخر بالأساطير والمفاهيم والقياسات الميتافيزيقية ، أي باختصار نسق الميتافيزيقا الغربية بأكمله " ("التراث والاختلاف " ) في مجلة "داياكرتكس " 2 ، 4 ( 1972 ) ، 11 ) .

    (22) ديفيد أليسون، مقدمة كتاب " الصوت والظاهرة " ص xxxvii – vii i

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:19 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ذكريات رجل أعمى
    جاك دريدا
    بقلم: حسن شريف

    جاك دريدا فيلسوف فرنسي متخصص في التحليل النفسي ونقد الفن، الف العديد من الكتب منها "حقيقة اللوحة".
    اختار دريدا عدد اربع واربعين لوحة من مقتنيات متحف اللوفر ليتحدث عن افكاره ونظرياته عن "العمى" هذه المادة هي ترجمة مختصرة وبتصرف مني عنوان المقالة "ذكريات رجل أعمى" وبعنوان فرعي "الصورة الذاتية وخرائب أخرى" المقالة ترجمها من الفرنسية إلى الانجليزية توماس وست ونشرت في مجلة "آرت انترناشيونال" العدد 14 – 1991.
    مظهر رجل أعمى.
    الأعمى ليس هو الشخص الذي فقد بصره ولكن الأعمى هو الشخص الذي فقد البصيرة، القصد من الأعمى هنا هو الشخص الذي يمتلك العين ولكن لا يعرف ولا يريد ان يتعلم طريقة الرؤية، لذلك فهو دائما يرفض لأنه يفتقد المعرفة، الفنان يمتلك وجها إلا أن هذا الوجه يفتقد العين بطريقة مجازية، عين هذا الوجه مغلقة في الليل، اعين معصوبة، لأنه يفكر في المشهد الذي جربه بصريا، لهذا السبب الفنان يقدم الاستعارة بدلا من العين الحقيقة كـ "قصة رمزية".
    الفنان هو ذلك الشخص الذي طرد عنه المفهوم السائد لرؤية الاشياء. لهذا السبب هو يتعامل مع حس فوق طبيعي، صد الفنان عن المفهوم السائد يجعله يتذكر قصة "الإخلاص المفقود" لهذا السبب نشاهده بأنه يتلمس طريقه اثناء التجوال، لمسة الرسام لمسة اعجازية وخارقة تشبه لمسة النحات اثناء تعامله مع مادته، ايضا هذه العملية تشبه سماع قصيدة لشاعر اعمى، هنا يتحول اللمس والصوت لتعويض البصر. هذه العناصر التي هي اللمسة الاعجازية للفنان وصوت شاعر اعمى تعكس نوعا من اللغة والتي من خلالها يستطيع الفنان ان يتمتع بـ "القصة الرمزية" وبالتالي هو يتمتع بـ "الاخلاص المفقود" هذه الترجمة تتحول إلى اعادة اكتشاف النور، اي الفنان يكشتف النور من جديد وعن طريق هذه العناصر والتجارب يستطيع الفنان ان يترجم بين المرئي واللامرئي لذلك السبب فهو يتحسس جميع ميادين الفنون، الرسم، الشعر، والنغمة العتيقة للقطعة النحتية.
    بقدر ما تستطيع العين رؤية الصورة الذاتية:
    يجرب الفنان رسم صورة ذاتية لنفسه اي اعادة تقديم نفسه، عندما يلقي الفنان لمحة سريعة على الصورة الغابشة والموجودة في المرآة التي امامه في هذه اللحظة يصاب الفنان بصعق ويصبح غير قادر على الكلام، عن طريق هذه العملية يوقف الفنان اللحظة من خلال التأمل العميق واللامحدود في الصورة الموجودة في المرآة. في هذه الحالة يصاب الفنان بـ "عشى ليلي" بسبب الافراط الزائد للنور الصادر من التأمل العميق واللانهائي من الصورة الصادرة من المرآة، هنا يصاب الفنان بـ "الصمت" المرآة تعكس الصورة المتناقضة ظاهريا وبالتالي تعكس العمى الموهمة للتناقض ظاهريا، الرسام يعتقد بانه نجح في تحقيق غايته والتي هي رؤية صورة ذاتية لنفسه مرسمومة على سطح القماش، ولكن في الحقيقة هو نجح فقط في رسم صورة، وهذه هي بداية الاغراء بالهذيان، هذا الهذيان يشبه هذيان اوديب عندما اقتلع عينيه اعتقادا منه بأنه يستطيع ان يرى اكثر وضوحا. موضوع الصورة الذاتية يحدد المكان المقترح ليعكس الصورة الذاتية وهي عادة ترسم او تتبخر في اكثر من جلسة واحدة، موضوع اللوحة اي الصورة الذاتية تحدق وبطريقة حادة كما هي الحال عند المشاهد الذي يحدق وبطريقة حادة في اللوحة اثناء وقوفه امامها.
    الموضوع والذي يمثل رسم صورة ذاتية للفنان عن نفسه يرى ذاته معالجا ومقدما عن طريق لوحة، الموضوع يرى نفسه اثناء رسم الصورة وبعدها.
    اذن عن ماذا يوحي هذا الوجه وبالتالي عن ماذا يوحي هذا الموضوع؟ وهل موضوع اللوحة يكشف عن ذاته ام عن ذوات أخر؟
    في هذه الحالة الموضوع يشارك المشاهد عملية العمى ويجعل المشاهد يرى الصورة الذاتية للفنان بطريقة رمزية.
    الانفعال والدوافع البصرية:
    الرغبة الرئيسية للفنان هي العرض والمشاهدة وتعويض المشاهد البصر لمعرفة مصدر ابتكاره لهذا السبب اللوحة تقدم النظرة المحدقة، هذه النظرة هي نظرة مجازية عن الانفعالات المفرطة والدوافع المتعذرة كبتها مثل الافتضاحية او الاظهارية، السلوك والتصرفات الصناعية والمتكلفة، النرجسية اي افتتان المرء بجسده. الرسام يجعل ذاته يشاهد من قبل الآخرين بعد ان شاهد ذاته من خلال اللوحة التي رسمها قبل ان يعرضها للآخرين، اي جعل الذات عرضة للمشاهدة وجعل الذات ضحية من قبل نفسه أولا وفيما بعد من قبل المشاهد اي الآخر أي جعل الصورة الذاتية عرضة للتحديق من قبل الرسام نفسه وكأن شخصا آخر يحدق في الرسام. هذه العملية تشبه العملية التي يقوم بها شخص مختلس النظر وهي نوع من الرغبة الشديدة وفضول قوي وبطريقة طائشة في اختلاس النظر، هي نوع من اقتحام الحجاب وكشف المستتر ولكن بحذر شديد اثناء النظرة المختلسة لكي لا تشاهد من قبل الغير، وهي نوع من اشباع الرغبة والتأمل الرمزي بأن الاخر أعمى.
    هذه العملية هي اشباع المتعة الغامضة والمبهمة انها نوع من النظرة الغرامية اي الرسام يرمق بنظرات غرامية على مشهد محظور.
    الدموع تحجب التحديق
    يعتقد ان وظيفة العين هي الرؤية ولكن الوظيفة الحقيقية للعين هي البوح وكشف النقاب عن الاشياء الظاهرة، وظيفتها هي اظهار الذكريات وتسلط النور على هذه الذكريات المكبوتة، العين تناضل وبكل قوتها لسحب هذه الذكريات من الظلمة واظهارها إلى النور. لماذا نعتقد ان العين خلقت للبكاء، اثناء البكاء الدموع تحجب الرؤية، لهذا السبب الدموع ربما تبرهن ان العين في اساسها ليست فقط لها علاقة باليقظة ولكن العين لها علاقة بالحدس لمعرفة الصورة وبالتالي العين تموضع الصورة وتشيئها اي العين تجعل الصورة موضوعياً ولها شكل محس. اذا العين هي البئر في كلتا الحالتين في وجودها او فقدانها، لذلك السبب حضور الدموع في العين هو حالة مختلفة تماما.
    الدموع هي الرطوبة المطفوحة من المنبع اي من البئر، هذه الدموع المطفوحة متفجرة من بئر آخر، هذه البئر تختلف تماما عن "بئر البصر" ببساطة هذه الدموع المنبثقة من العين غرقت في الذات. عندما نشاهد من خلال لوحة وجها يبكي وعادة يكون وجه امرأة، هذا الوجه يذكرنا بالسمة المميزة للعين التي تعتمد على مقابلة النور والعتمة اي النهار والليل، منبع هذه الميزة هو الذكريات القديمة، ذكريات ما قبل الوعي، لهذا السبب هذه الذكريات اقدم من العملية التي تقوم بها العين والتي هي البصر والعمى.

    الاتحاد الثقافي
    27 فبراير – 1997
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:27 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    جينالوجيات ما بعد الحداثة
    بقلم : رشيد بوطيب / ألمانيا *

    جاءت فلسفة ما بعد الحداثة كردّ فعل على أحادية البعد وإمبريالية المعنى وواحدية اللغة والرؤية إلى العالم والحقيقة ، في الفلسفة الحديثة. أو بلغة أخرى ، كرد فعل على مشروع الحضور الهيغلي ، هذا المشروع الذي يمكن تلخيصه في الجملة - الأم التي ضمنها هيجل مقدمة كتابه " أصول فلسفة الحق " :

    " ماهو عقلاني ، هو واقعي . وماهو واقعي ، هو عقلاني "(1) .

    إن هيجل هو مشروع الوحدة بامتياز . وروجيه غارودي يعبر عن ذلك بوضوح حين يقول عنه : " إنه يعتبر أن مهمة الفلسفة هي إعادة تحقيق الوحدة والكلية الأصلية للعالم الممزق بسبب من الخطيئة والسقوط"(2) ، وقبل ذلك عبر الفيلسوف الألماني روزتنسفايغ عن نفس الفكرة حين أعلن أن " مهمة الأزمنة القادمة هي إعادة تحقيق الوحدة الضائعة للإنسان اليوناني ." (3) ولكن مشروع ما بعد الحداثة يرى في هذه الوحدة أو في هذا البحث المحموم عن الوحدة أصل التوتاليتارية . وهو بذلك قد فقد كل مشروعيته ، سواء كان مشروعا فكريا أو تشاركيا كما أعلن ذلك ليوتارد في : La condition postmoderne

    * * * * *
    لعل كتاب المفكر الألماني بيتر برغر ، " جذور فكر ما بعد الحداثة " (4) خير تعبير عن هذه الثورة ضد هيجل وضد فلسفة السرديات الكبرى . ورغم أن صاحب الكتاب يرى أن أول متمرد على المشروع المثالي للحداثة كان هو نيتشه إلا أنه يرى في تأويل كوجيف لفينمنولوجيا الروح لهيجل وخصوصا لفصله عن السيد والعبد ، القشة التي قصمت ظهر البعير . فباالنسبة لفلاسفة مثل بطاي وبلانشو ولاكان الذين تأثروا كلهم بتأويل كوجيف ، كان لا يمكنهم تأسيس مشروعهم دون الدخول في صراع نقدي مع هيجل . أو بالأحرى مع فلسفة الذات الهيجلية . ولا عجب أن يصف بلانشو الأدب كوعي بدون ذات . إن هيجل فهم فلسفته كمشروع توفيقي بين المسيحية وفلسفة الأنوار . ولكن كوجيف فهمها كفلسفة دنيوية جاءت لتحل محل المسيحية . كفلسفة للموت . فحياة العقل لا تخاف الموت . بل إن القدرة على التضحية بالحياة هي التي تجعل من ذات معينة ، ذاتا حرة . وهذا ما يجعله يفرق بين السيد والعبد . إنه يرى أن على الإنسان أن يمتلك شيئا آخر أهم من الحياة حتى يتميز عن الحيوان . وهذا الشيء في نظره هو الاستعداد أو القدرة على اجتراح الموت في معركة الاعتراف . ولعل ذلك ما يميز السيد عن العبد . فالعبد لا يرقى إلى مستوى المغامرة بحياته ، إن السيد هو وعي خالص . أما العبد فمازال سجين جسديته ، يرفل في تراب الحياة . لذلك فالسيد وحده من يحقق اعتراف الآخرين به .

    إن كوجيف لا يرى في فصل " السيد والعبد " مجرد تعبير عن بنية الوعي ولكن الفصل - الأم الذي تتمركز حوله كل فينومنولوجيا الروح . إن كوجيف يصل في نهاية تأويله إلى القول بأن السيادة تعيش مأزقا تاريخيا ، في حين أن العبودية هي حاملة لواء التقدم التاريخي . لسبب بسيط وهو أن العبد ينسج علاقة مباشرة مع العالم ، لأنه يعمل . أما السيد فإنه يستهلك فقط ما ينتجه العبد ولا يتصل بالعالم إلا عن طريق العبد . إن كوجيف يرى أنه إذا كان الصراع الأول بين السيد والسيد قد فتح أبواب التاريخ فإن الصراع الثاني بين السيد والعبد سوف ينهي التاريخ . إن العبد سيعي حريته وسيطالب السيد بالإعتراف بها . إن كوجيف يرى في نهاية التاريخ ، نهاية مفهوم الإنسان نفسه . ويرى بيتر برغر أن احتكاك وتفاعل السورياليين بتأويل كوجيف لكتاب هيجل " فينومنولوجيا الروح " هو الذي تولدت عنه كل أفكارهم المتمردة عن الانتحار والعنف ، والتي تمثل في النهاية احتجاجا على مشروع الحداثة العقلاني ، الذي أقصى الحياة واختزل الإنسان في الوعي . فضدا على سردية السيد- العبد الهيجلية ، يبرز الفعل السوريالي كفعل يرفض الصراع والعمل . إنه سلبية خالصة . والحرية المجردة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق نفي الآخر أو نفي الذات . إن الأنا السوريالية أنا ممزقة والعقل والأخلاق يعيشان اللا إستقرار . أزمة للوعي عميقة وانهيار للبناء الديكارتي . وهكذا سيثور جورج بطاي في " التجربة الداخلية " على هيجل ، فيحتفل بالضحك والإمكان والاستعارة وتعددية اللغة واللا معرفة . إنه يعلن بوضوح : " أنا أسخر من المعرفة ، أنا أريد أن أعيش " وهو يقول أيضا " هذه الكتابة لا يجب أن تعدنا بشيء ، إنها لا تمنحنا يقينا معينا أو نتيجة ، أو ربحا " وهو يحرر الحقيقة من علاقتها وتبعيتها للواقع ويفهمها كظاهرة لغوية ، تماما كما أعلن ذلك لاكان حين اعتبر أن الكلام هو الذي يصنع الحقيقة .

    أما بخصوص بلانشو فإنه بخلاف بطاي الذي خاض حربا نقدية ضد المشروع الهيجلي ، استفاد كثيرا من كتاب فينمنولوجيا الروح لهيجل ويظهر ذلك بجلاء في كتابه النقدي " الأدب والحق في الموت " ، حيث سيعيد إنتاج فكرة هيجل عن الوعي التجريبي ، عن هذا العدم الذي يشتغل على العدم . ليصف الكاتب أيضا بالعدم الذي يشتغل على العدم ، وليفهم الكتابة كصيرورة تجريبية ، حيث الكاتب والكتاب معا في تغير مستمر . هذا التغير الذي يرفض فكرة الكاتب عن كتابه ، أو فهم الكاتب لكتابه . ولكن إذا كان هيجل يهدف إلى المصالحة والتوليف بين الفرد والواقع ، ليصل بالوعي إلى سلامه ، فإن بلانشو يحتفظ بفعل الكتابة في مرحلة النفي ، التي تعني عدمية الكاتب واختفاء المكتوب . وهو بذلك يقترب من تأويل كوجيف لفينمنولوجيا الروح ، حيت الموت يلعب دورا مركزيا ، وخصوصا لتأويل كوجيف للفصل المعنون " الحرية المطلقة والرعب " ، هذا الفصل الذي يمثل نقدا لما أفرزته فلسفة الأنوار من نتائج ، وخاصة للثورة الفرنسية التي انتهى بها المطاف إلى العنف من أجل العنف ، إلى موت بلا معنى ، يقول هيجل . لكن بلانشو يختلف عن قراءة هيجل للثورة ، ويرى في الكاتب ثوريا جديدا ، يمارس الحياة في الموت ، " فالكلام هو حياة هذا الموت " ، كما يقول ، والأدب تجربة بدون ذات .

    ثم ينتقل بيتر برغر لمعالجة فكر ميشيل فوكو ويبدأ بكتابه المهم " تاريخ الجنون في العصر الكلاسي " . إن السوريالية التي جاءت كرد فعل على إمبريالية العقل وسلطته المطلقة والتي احتفت بالخيال والحلم والجنون ، ستجد طريقها أيضا إلى فكر ميشيل فوكو . فلا أحد ينكر علاقة هذا الفكر بنيتشه وبطاي . ففي التصدير الذي كتبه فوكو لكتابه سنة 1972 يحتفل فوكو بكتاب لا سيد له ولا خالق ، ذي لغة حرة ، متشظية ، مزدوجة . إن كتاب فوكو هذا ، لا يمثل تاريخا للأفكار ولا تاريخا للمؤسسات التي عالجت ظاهرة الجنون ، إنه لا يسجن كتابه بهدف معرفي أحادي البعد ، فالمعرفة في حد ذاتها فقدت كل قدسية . إن بيتر برغر يرى أن فوكو يدافع عن الجنون في كتابه ويحتفي به كفعل تحرير . وفوكو يدافع أيضا عن لغة " لا- جدلية " ضدا على اللغة الجدلية التي سيطرت على الفلسفة من أفلاطون وحتى سارتر . إن اللغة بالنسبة له كالأدب بالنسبة لبلانشو ، وعي بدون ذات ، فهي ليست أبدا ، ذلك المسكن الآمن للفكر .

    أما لاكان الذي تابع هو الآخر بباريس دروس كوجيف عن هيجل ، فإنه سيتمرد هو الآخر على هيجل ، معتبرا أن الأنا ليست أبدا تلك الذات الظاهرة . وهو يعود لأسطورة نرجس اليونانية ليشرح تمزق الأنا . فنرجس الذي أحب صورته المنعكسة على الماء ، لم يستطع قط تملك ما يحب ، تملك نفسه ، أناه . إن الأنا تقع في مكان آخر، لا تطوله يد . ولكي نصل إلى فهم الذات ، يجب أن نحرر الأنا من براثن الوعي التجريبي ، فقط كما علمنا فرويد ، في اللاوعي ، هذا المرفوض من طرف نظام الأنا ، تتكلم الذات .

    * * * * *
    وإذا كان بيتر برغر قد حصر جذور ما بعد الحداثة في تأويل كوجيف لهيغل ، فإنه بإمكان المرأ أن يعود بتلك الجذور إلى الأدب وخصوصا إلى دوستويفسكي ، و روايته " الأبله " . كما يمكن أن نجد تأسيسها الحقيقي لدى نيتشه . دوستويفسكي ونيتشه هي إحدى الجينالوجيات الممكنة ، رغم أن ما بعد الحداثة ضد كل جينالوجيا ، لأن هذا يعني دائما أن هناك خالق ما في أول السلالة . وإذا كان لنا أن نتحدث عن شجرة ما بعد الحداثة ، فيمكن أن نقول بأنها شجرة بلا جذور ولكن أغصانها ممتدة ومتشابكة .

    إن نيتشه يقول في مقدمة كتابه " إتسو هومو" ( قف ، إنه الإنسان) : " إنني مثلا ، وبلا شك ، لست بعبعا ، لست غولا أخلاقيا ، حتى أنني من طبيعة مناقضة لهذا الإنسان الذي تم تقديسه حتى الآن كرجل فضيلة . بيننا ، يظهر لي ، أن ذلك جزء من كبريائي . أنا تلميذ للفيلسوف ديونيسوس . وأفضل أكثر أن أكون شبقا على أن أكون قديسا . ولكن فليقرأ المرء فقط هذا الكتاب . ربما أكون قد نجحت ، ربما لا يكون لهذا الكتاب أي معنى آخر ، غير التعبير وبطريقة صافية وإنسانية عن هذه المفارقة . آخر ما يمكن أن أعد به هو " إصلاح " البشرية . لن أشيد أصناما جديدة . فليتعلم الأقدمون إذن ، ماذا يعني أن يكون للمرء أقدام من طين . الإطاحة بكل الأصنام ( الأصنام ، هكذا أسمي " المبادئ المثالية " ) تلك هي مهمتي . ذلك أنه لما اختلق المرء العالم المثالي ، نزع بنفس الدرجة عن الواقع قيمته ومعناه وصدقيته . " العالم الحقيقي " و " العالم الكاذب " بلغة أوضح : العالم المختلق والواقع ... المبادئ المثالية الكاذبة كانت لحد الآن ، اللعنة المسيطرة على الواقع . الإنسانية نفسها ، من فرط ما توغلت فيها هذه الأكاذيب ، أصبحت مزيفة وخاطئة ، حتى في غرائزها الأكثر عمقا " (5).

    لا يعد نيتشه البشرية بسردية كبرى ولا يدعي امتلاك الحقيقة أو حتى الرغبة في امتلاكها ، وكذلك كان دوستويفسكي . ويؤكد النقاد أن الرواية الروسية قد خرجت من معطف جوجول ولكن لا أحد انتبه إلى أن ما بعد الحداثة كنظرة إلى العالم تجد جذروها بأدب دوستويوفسكي ، خصوصا بروايته " الأبله " ، علاقة وطيدة لا ريب بين فلسفة ما بعد الحداثة والأدب . ربما لأن كلاهما يحتفل باللغة وتعدد الأصوات . إن نبوءة دوستويوفسكي تتمثل في فكرة واحدة ، إن حق لنا أن نسميها فكرة وهي أن الحقيقة لم تعد مرتبطة ذاك الإرتباط اللاهوتي والأنطلوجي بالعقل . إن آجلايا يبانتشينا تقول للأبله ميشكين : " ما تقولونه ليس سوى الحقيقة ، وهو لذلك غير عادل " . أن ميشكين بإمكانه أن يتحمل الحقيقة . كأبله عاش أربع سنوات بالغربة ، يظل دائما غريبا ليس فقط عن طبقته الاجتماعية بل عن المجتمع ككل . إن الإنسان الإيجابي والجميل يظل في المجتمع الواقعي غريبا . محاربة الوهم ، أليست تلك بمهمة الرواية ؟ ألم يكن ذاك بمشروع سرفانتس ورابليه ومن بعدهما دوستويوفسكي ؟ الفلسفة التي كانت في بدئها سخرية من كليانية المعرفة السوفسطائية تتحول مع مرور الوقت إلى نظرة إلى العالم كليانية ، تستسلم لنتائجها ، تعيد هي الأخرى إنتاج أوهامها ، من عالم المثل الأفلاطوني وحتى الفينمنولوجيا الترنسندنتالية الهوسرليانية . إن تاريخ الفلسفة ، هو تاريخ أوهام هذه الفلسفة . ضدا على الوهم تأسست الرواية ، ضدا على فروسية العقل ، تأسست الرواية كلغة وليس كوعي ، ككتابة وليس كفكرة ، كتعبير عن العراء الترنسندنتالي (6). إن حواريتها إذا استعملنا لغة باختينن هي نضال ضد بطليموسية اللغة وأحاديتها (7) . العقل يتكلم لغة وحيدة . في ديوانه الشرق والغرب يقول غوته بأن الأدب الفارسي لم يعرف المسرح لأن الاستبداد لا يسمح بالحوار ، وكذلك الشأن مع العقل ، هذا الكائن الذي سيطر على الحداثة ، أو الذي صنع مشروعها ، إنه لا يقبل بغير الخضوع : " العقل ، إنه الجلاد " قال فوكو . تقنية رواية الأبله عند دوستويوفسكي تقوم على تعدد اللغات وتعدد وجهات النظر إلى العالم ، وليس على تقنية السارد العليم . وذاك ما سمح بتنسيب هذه النظرات إلى العالم ، بل ما أدى إلى ذاك التناقض بين المعرفة والممارسة لدى الكاتب نفسه .

    إن جيل دولوز وفليكس جيتاري في كتابهما المشترك " ما الفلسفة ؟ " قد فهما أيضا أبله ديستويوفسكي كمشروع محاربة للوهم . لقد لخصوا تاريخ الحداثة في أبلهين ، الأبله الأول هو ديكارت ، الذي قال الأنا ، الذي قذف بالكوجيتو إلى الوجود . إنه من يمسك بالمقدمات الذاتية التي ترسم مخططه . إنه المفكر الخاص في مقابل المفكر العمومي ، السكولائي . الأبله الثاني ، أبله دوستويوفسكي ، هو أيضا مفكر خاص ولكنه في مقابل الأول الذي كان يبحث عن الحقائق بنفسه ، الذي كان يريد أن يحرر الحقيقة من الكنيسة ، لا يريد قط أن يفكر ، لا يبحث عن حقيقة ، إنه يريد العبث .

    * * * * *
    يؤكد مؤرخو الفلسفة الألمان بحق ، بأن إدموند هوسرل هو أهم فيلسوف عرفته البشرية بعد أفلاطون . ولعل أهميته تبرز أكثر حين مطالعتنا لكتابات ما بعد الحداثة التي يمكن وصف فلسفتها بأنها مشروع نقدي وتفكيكي لنظام الوعي وفلسفة الحضور الهوسرليانية . وكمثال على ذلك ، الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ، الذي يمكن أن نلخص نقده لفلسفة هوسرل في جملة واحدة ، نقتبسها من كتابه : " الصوت والظاهرة " : " المعنى محفوظ للذي يتكلم " ( . المعنى مثال ، وعقلانية ، ولهذا ليس تناقضا أن يربطه هوسرل بالذات ، بذات حاضرة ومتكلمة . بطريقة ساخرة ، يمكن القول بأن قدر الذات هو المعنى . إنه محكوم عليها أن تقول ، أن تجترح معنى . والمعنى سابق للكلام ، ذاتوي ، ثابت مرة وللأبد بمكان ما قد نسميه الوعي ، وبإمكان المرء أن يستحضره كلما أراد ذلك . وتحويل المعنى إلى كلام أو لغة ، يظل بنظر هوسرل عملا ثانويا ، نوعا من التدنيس ، بالمعنى الديني للكلمة . " الإيبوخي " هو نقيض ذلك ، الإيبوخي أو الاختزال الفينومينولوجي الذي يمثل خروجا من العالم ، الذي يضع المعرفة كما الوجود بين قوسين . المنهجية الأخرى للفينومينولوجيا الترنسندنتالية هي الاختزال الصوري ، وعن طريقها يتم شطب وجود الأشياء ، حقيقة كل ما هو زمني ومحسوس لصالح نظرة إلى الكل الجوهري . يتم إلغاء وجود العالم لكي يتم الإمساك بجوهره .

    تبدو الفينومينولوجيا إذن كعلم قبلي . " فقبل الوجود ، قبل كل قوانين الواقع ، يمثل الجوهر وقوانينه " (9) ، على حد تعبير هوسرل . إن الفينومينولوجية الترنسندنتالية هي نوع من الاكتفاء الذاتي الداخلي ، وعي مطلق ، حذف للعالم الخارجي ، في كلمة : أفلاطونية . إن الوعي في هذه الفلسفة ليس نتاجا للطبيعة ، بل هو حر من كل طبيعة ، في حين لا يمكن للطبيعة أن توجد حال غيابه . إن هوسرل قد عبر عن ذلك بوضوح قائلا : " إذا محونا كل العقول من العالم ، لا يبقى هناك وجود للطبيعة ، ولكن إذا محونا الطبيعة ، فإن شيئا ما يظل على قيد الحياة : العقل ، كعقل فردي " (10)

    وهذه النظرة إلى الطبيعة كشيء ثانوي وتابع للعقل ، توضح أيضا اختلاف الفينومينولوجيا عن علم الدلالة التقليدي ، الذي يقبل فقط بالكلمات التي تحيل على موضوع واقعي . إن المفهوم المركزي لفلسفة اللغة الهوسرليانية هو العبارة . والعبارة تنقسم إلى علامة سواء كانت مادية أم صوتية أم كتابية وإلى معنى . ويميز هوسرل بين نوعين من العلامات : العبارة والعلامة أو الاشارة . فالعلامة الأولى لها معنى ، في حين أن الثانية هي علامة إشارية . ودريدا سيفهم هذا التمييز كنظام ميتافيزيقي لا يقبل التواصل . إنه يقول في كتابه الصوت الظاهر : " فقط حين يتم حذف الوظيفة التواصلية تظهر للوجود الوظيفة التعبيرية الخالصة (...) حتى يتم اختزال الإشارة وإقامة العبارة الخالصة داخل اللغة ، يجب إذن حذف كل علاقة بالآخر . " (11)

    " الأبحاث المنطقية " هي بالنسبة لدريدا النص النواة لكل الفينومينولوجيا . إن دريدا يعالج في كتابه : " الصوت والظاهرة " مشكلة العبارة كما فهمها هوسرل بالبحث المنطقي الأول . وسيكشف دريدا كما سنرى عن البنية الميتافيزيقية لنظرية المعنى الهوسرليانية . إن هوسرل نفسه يميز في كتابه : " التأملات الديكارتية " بين ميتافيزيقا أصيلة أو فلسفة أولى والميتافيزيقا التقليدية ، التي خانت العقل . إن الفينومينولوجيا هي ، اعتبارا لمنهجها الحدسي ، الحسي ولكن أيضا العقلاني ، ضد كل شكل من أشكال الشطط الميتافيزيقي . ولكن رغم هذا الزعم ، فإن دريدا يرى بأن الفينومينولوجيا لم تضع موضع سؤال ، لا العقل الترنسندنتالي ولا اللغة التقليدية لهذا العقل . إنه يقول : " بين اللغة التقليدية (أو لغة الميتافيزيقا التقليدية) ولغة الفينومينولوجيا ، لم يتحقق أي شكل من أشكال القطيعة..." (12)

    إن هوسرل يفهم اللغة ككائن عقلاني . إنه لم يفهم الاختلاف بين اللغة والمنطق . وإذا استعملنا أسلوب فوكو ، نقول ، إنه يمارس لغة جدلية . فهم غائي للغة ، أو بلغة دريدا ، فهم لا يميز بين الجراماتيكية (النحوية) والمنطق . إنها جراماتيكا منطقية ، تتأسس على الوعي وتجد أصلها ومآلها بالوعي . جراماتيكا ميتافيزيقية ، وعي ، لا يعبر إلا عن شيء واحد وهو الحضور ، و بلغة أخرى : الصوت . الصوت الفينومينولوجي الذي لا يجب خلطه بالصوت الفيزيقي ، لأنه صوت ترنسندنتالي وشعوري ، صوت يمتلك روحا لا تنتمي إلى العالم .

    بالفصل الأول : " الدليل والأدلة " من كتاب دريدا الآنف الذكر ، يبدأ الفيلسوف الفرنسي بالحديث عن مفهوم العلامة أو الدليل عند هوسرل . إن هوسرل يعتقد بأن بعض العلامات لا تمتلك معنى . وهي تلك العلامات التي يسميها المرء بالعلامات الإشارية أو باختصار: الإشارة ، في مقابل العبارة . الإشارة تنتمي إلى العالم ، إلى عالم بلا وعي وبلا أنا وبلا ذات متكلمة . في المقابل فإن العبارة معنى ، حدث شعوري ، " إرادة قول ".

    وسوف يوضح هوسرل بأن العبارة ليست إشارة إلى شيء ما . إنها ليست علامة وجود ، وحتى لو كانت دائما مرتبطة بخطاب تواصلي . فهذا التواصل يظل دائما بالنسبة لهوسرل سطحيا . إن العبارة تجد أصلها خارج فعل التواصل وبنية الإشارات ، خارج العالم ، في عالم المثال والمونولوج . إن الفينومينولوجيا الترنسندنتالية لا تسمح بتبادل الكلام ، لأنها تفهم التواصل كفعل سطحي ، إن أصالتها تتحقق دائما في غياب الآخرين ، في غياب الاختلاف ، في الحياة المنعزلة للروح .

    العبارة في نظر هوسرل " تجسيد " . إنها تعبر عن معنى موجود قبلا بالوعي . وقد نفهم العبارة كمظهر أو تجسيد لمعنى داخلي . التجسيد أو المظهر أو الخارج ليس طبيعة ولكنه معنى ، إنه صوت الذات المتكلمة . إن بنية الخطاب لدى هوسرل هي مثالية . دال مثالي ، لا يقبل التغير ومدلول مثالي . مثالية لا تعني أكثر من إمكانية دائمة لإنتاج الذات كحضور . الوجود حسب هوسرل وكما بين ذلك دريدا هو تكرار أو عملية استحضار . وهذا التصور يفسر في رأيي هرمية ونهائية النظام الهوسرلياني . إذ أنه نظام لا يكتفي فقط برفض التواصل ، ولكنه يدفن الوجود في أصل معين ويختزله بمكان محدد . يقول دريدا : " للتطور التاريخي حسب هوسرل دائما شكلا أساسيا ، وهو تكوين المثالية ، بحيث أن تكرارها وإذن التقليد يتم الحفاظ عليه للأبد : التكرار والتقليد ، يعني النقل وتجديد الأصل . وهذا التحديد للوجود كمثالية هو تقدير أو فعل أخلاقي - نظري يؤبد الحكم الأصلي لفلسفة في شكلها الأفلاطوني . " (13) .

    الصوت هو تعبير عن هذا الحضور ، عن هذا الشكل الأفلاطوني . ويتساءل دريدا لماذا يعتبر الصوت الأكثر مثالية من بين العلامات ؟ من أين يأتي هذا التواطئ بين الصوت والمثالية ؟ . إن هذا هو السؤال النواة لهذا الكتاب . وعبر طرح هذا السؤال يحاول دريدا تفكيك العلاقة بين المركزية الصوتية والمركزية العقلية . إن دريدا يحاول توضيح أن العلاقة بين الصوت والوعي هي علاقة داخلية . إن الصوت يظل سجين الأنا . لا مكان للآخر ، لا مكان للعالم . فنفس الدال ومعنى المدلول هما نفس الشيء ، الواحد ، المثيل ، الأنا ، الآن هنا . في الوقت الذي أتكلم فيه ، أسمع ما أقول ، أحقق نفسي كحضور، كنفس وروح ، أحصن حياتي . وقد أشار دريدا في كتابه e la grammatologie إلى أن تاريخ الميتافيزيقا ، ليس فقط من أفلاطون حتى هيغل ، ولكن أيضا من ما قبل السقراطيين وحتى هايدغر ، اعتبر دائما العقل كأصل للحقيقة . وهذه الميتافيزيقا نظرت إلى الكتابة دائما كشيء ثانوي وتقني ، يقع خارج الحقيقة . الصوت بعكس الكتابة هو مكون من مكونات هذا الاقتصاد الميتافيزيقي ، إنه دال لا ينتمي إلى عالم التجربة ، إنه الوعي ذاته . إن الكتابة لا تملك معنى ولا تأثيرا ، إنه بالامكان الاستغناء عنها . إن الميتافيزيقا لا تحتاج إلى جسد ، نرجسية هي ، نوع من الإصغاء للذات . الصوت والوجود يدخلان في علاقة تقارب . إن الصوت وكما قال هيغل ، ينحدر من الروح .

    إن الكتابة في هذه النظرة الميتافيزيقية اللاهوتية ، ليست أكثر من وسيط . إنها لا تتضمن حقيقة ، إرادة قول ، إنها تجسيد . إن دريدا يوضح بأن مفهوم القصدية سجين ميتافيزيقا إرادية .. إن إرادة القول هي تعبير عن الحضور ، و كل ما هو خارج الإرادة أو الذات هو بلا معنى ، مثل اللغة والجسد والطبيعة . فالثنائية جسد/عقل تلعب دورا أساسيا في نظرية المعنى الهوسرليانية . العقل إرادة ومعنى ، ولكن الجسد مجرد من كل معنى ، موت . إن دريدا يفهم الفينومينولوجيا كاختزال إلى المونولوج . إنه يقول : " في الحياة الروحية الوحيدة لا نحتاج إلى كلمات واقعية ولكن فقط إلى كلمات متخيلة " (14) .

    إن العلامة في الفلسفة الكلاسية كما في علم اللغة نوع من الملحق أو المساعد ، لا علاقة لها بالحقيقة ، إذ أنه يمكن الإستغناء عنها حين الحديث عن الحقيقة . إن العلامة أو اللغة هي مجرد انعكاس للحقيقة المثالية ، التي تتأسس خارج العالم . إن العلامة أو اللغة ليس لها معنى ، لأن وجودها في العالم يتحقق كجسد . وهذا الفهم للعلامة يقود هوسرل إلى تحقير التواصل ، إن الآخر يمثل خطرا بالنسبة لهوسرل ، إنه تنسيب للمعنى الأصلي . الآخر كعلامة أو كتابة أو إنسان أو طبيعة يظل دائما في فلسفة هوسرل ثانويا ، إنه نوع من الحشو ...

    ويمكننا أن نلخص مشروع ما بعد الحداثة في ثلاثة كلمات مفاتيح : موت الإنسان والتاريخ والميتافيزيقا . وهذا يعني رفض كل المفاهيم الجوهرانية والترنسندنتالية للطبيعة البشرية . رفض للوحدة والانسجام والكليانية واحتفاء بالتشظي والفردية والاختلاف .

    هوامش:
    * رشيد بوطيب : كاتب من المغرب ، مقيم بألمانيا
    (Hegel „Grundlinien der Philosophie des Rechts“ Reclam S.56 (1
    (Garaudy, Roger „La pensée de Hegel“ Bordas 1966,p.13 (2
    (Flechtheim „Hegels Strafrechtstheorie“, Dunker 1966 S.16 (3
    (4) Bürger, Peter „Ursprung des postmodernen Denkens“ Velbrück Wisseenschaft 2000
    Nietzsche, Friedrich „Ecce homo“ dtv S.258 (5)
    (6) جورج لوكاتش "نظرية الرواية" ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، الرباط 1988
    (7) ميخائيل باختين "الخطاب الروائي" ت: محمد برادة، دار الأمان.
    (Derrida, Jaques „La voix et le phénomène“ PUF 1967 (8
    (Wetz, Franz Josef „Edmund Husserl“ campus S.57 (9
    (10)Lagemann und Gloy „Dem Zeichen auf der Spur“ Fachverlag 1988. S.71
    (11) الوصت و الظاهرة، ص.6
    (12) نفس المرجع، ص.59
    (13) نفس المرجع، ص.23
    (14) نفس المرجع، ص.4
    7
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:33 PM

Abomihyar
<aAbomihyar
تاريخ التسجيل: 03-19-2002
مجموع المشاركات: 2405

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    سلامات يا أسامة
    حمد لله على السلامة وانشاء الله الديار ترحب بيك.

    من CNN حول رحيل جاك دريدا
    -----------------------------------------------------------


    رحيل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا

    1206 (GMT+04:00) - 10/10/04

    جاك ديريدا

    باريس، فرنسا (CNN) -- توفي آخر الفلاسفة المعاصرين، الفرنسي اليهودي، المولود في الجزائر جاك دريدا، السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان البنكرياس، وبعدما أشبع العالم علماً وفكراً واستفزازاً خلال عقود طويلة.

    فصاحب النظرية الفلسفية المعروفة بنظرية "التفكيكية الإجتماعية" وضع نهجا لها عممه في الأدب وعلم اللغات والفلسفة والقانون والهندسة المعمارية في مرحلة ما بعد الحداثة.

    واستند دريدا في هذا المنهج الى قطيعة كان أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا.

    ويقوض نهج التفكيكية مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي، وكذلك الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, لتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل.

    وألف ديريدا، بحسب وكالة الأسوشيتد برس، عشرات الكتب. إلا أن انطلاقته الفلسفية كانت عام 1967 حين نشر أول كتابين، خط فيهما أسس فكره "الكتابة والإختلاف" و "عن علم النحو" ثم تبعهما "هوامش الفلسفة" وآخر إنتاجه كان "أشباح ماركس".

    نعاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بقوله "أعطت فرنسا العالم به، واحدا من أبرز الوجوه الثقافية في عصرنا."

    ودرس الفيلسوف الراحل في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وكل من جامعة جون هوبكينز ويال.

    وكان يرفض أن يضع نفسه في البرج العاجي حيث يضع بعض الفلاسفة والمثقفون أنفسهم عادة. ولطالما دافع عن حقوق المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وقضايا إنسنانية أخرى.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:37 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    وهنا حوار أجراه الناقد السوري المعروف صبحي حديدي مع ادوارد سعيد.
    وفيه اشارات الى جاك دريدا

    صُــحــبـة إدوارد ســــــعـــيــد

    إدوارد ســـعـيـد: الـحــاجــة الـى الـمـــاركــســـيـة

    حـاوره صـبـحـي حـديـدي

    * واخر الخمسينات ومعظم الستينات شهدت ما يُعرف بـ "تحرير" العلوم الاجتماعية، لاسيما مع أنثروبولوجيا ليفي ـ ستروس وعلم نفس الشعوب البدائية عند ليفي ـ برول. هل كان لهذه الاتجاهات وما يشبهها تأثير مبكّر عليك؟

    - بالطبع. لقد كانت دراستي في اميركا، كطالب جامعي في برنستون ثم مرحلة تحضير الدكتوراه في هارفرد، تقليدية للغاية. لقد تلقّيت تعليماً ممتازاً، وأقصد أنني درست الآداب الانكليزية والفرنسية والايطالية، وآداب الاغريق والرومان، وبعض المسرح، والكثير من الفلسفة، والكثير من الموسيقى. لكن الأمر تمّ بطريقة تقليدية للغاية، وغير نظرية على نطاق واسع. لم أتلق أي درس في النظرية لأن هذه الدروس لم تكن تُعطى، ببساطة.

    في هارفرد كنت أحضّر للدكتوراه في الأدب المقارن، وتوجّب أن أقرأ كل شيء. ولم يكن ثمة تركيز على المنهجية، بل على قراءة مادة واسعة. ومهما كانت طبيعة المنهجية التي اكتسبتها، أذكر انني قرأت وأنا طالب في هارفرد كتاب جورج لوكاش "التاريخ والوعي الطبقي" بترجمة كوستاس أكسيلوس الى الفرنسية. وفي العام ذاته، 1958 أو 1959، قرأت ترجمة ستانلي ميتشل الإنكليزية لكتاب لوكاش "الرواية التاريخية"، وحدي في الحالتين. وبالطبع كنت، في تلك الفترة، قد اكتشفت فيكو.

    ولقد بتّ نهماً الى نصوص النظرية، التي يمكن أن تخرجني، واعتماداً على نفسي أيضاً، من الدرب الشكلاني أو اللاتاريخي أو اللانظري الذي كنت أسير فيه. كنت أحضّر للامتحانات وأكتب أطروحتي عن كونراد، ولكني لم أتوقف عن البحث عن النظرية. وفي عام 1959 أو 1960، على سبيل المثال، اكتشفت هايدغر وميرلو ـ بونتي، وحدي من جديد.

    ثم أنهيت الدكتوراه وغادرت هارفرد في عام 1963 وجئت الى جامعة كولومبيا، وبدأت على الفور أتحسس بعض ما يجري هنا في فرنسا. أولى المحطات كانت لوسيان غولدمان، الذي قادني الى ليفي ـ ستروس، وهذا بدوره قادني الى رولان بارت. وخلال عام 1966 التقيت بهم جميعاً هنا في أميركا خلال مؤتمر ضخم ضمّ جاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان وتزفيتان تودوروف وآخرين. وفي أواسط الستينات كنت قد انخرطت تماماً في أعمالهم، لأنني اكتشفتهم في سياق نوع من "تحرير" الذهن أو التحرر من المناهج الأنغلوـ سكسونية الجامدة، غير النظرية، أو الوضعية، أو ما سمّي آنذاك مقاربة "النقد الجديد" والتي كانت تحت سيطرة ت. س. إليوت الشديدة وتحولت في أميركا الى نوع من العقائدية الجامدة اعتبرتها خانقة.

    ذلك التأثّر، في حالتي، استمرّ نحو عقد من الزمن، بين 1963 ومطلع السبعينات حتى كتاب ميشال فوكو "الانضباط والعقاب"، ثم بلغ نهايته. لقد أدركت انني أخذت منهم ما أردت أخذه، لأنني لم أكن ابن مدرسة قط. ولقد اعتدت لقاء دريدا في هذه القاعة بالذات حيث نجلس، وكان يأتي لإلقاء بعض المحاضرات، وكنّا على ودّ تام. ولكن منهجي نهض دائماً على رفض أنظمة الآخرين، وأدركت أن الفرنسيين كانوا يبنون امبراطوريات ويفتشون عن حَوَاريين. لقد عرفتهم جميعاً بصفة شخصية، ولكني أدركت أن دربي مختلف، وانني أسير في اتجاه آخر. وبالطبع، في أواسط الستينيات وعام 1967 تحديداً، بات العالم العربي مهما بالنسبة إليّ، ولم يكن لدى هؤلاء ما يضيفونه لي على ذلك المستوى. وهكذا أسقطتهم من حسابي.

    أضف الى ذلك انني لم أكن في يوم من الأيام متأثراً بالفيلسوف الفرنسي ألتوسير، رغم أنني قرأته، بل قرأت كل ما كتبه. لكنه لم يحركني وأدركت، في أواخر الستينات، أن اكتشافي لكتابات أنطونيو غرامشي كان أكثر أهمية عندي، فضلاً عن استمرار اهتمامي بأعمال لوكاش الأولى مثل "نظرية الرواية" و"الروح والأشكال" ومقالاته المبكرة عن المسرح. وأعتقد أن لوكاش شخصية فذّة كبيرة.



    *وماذا عن ميشال فوكو؟

    - لقد أثار فوكو اهتمامي، وكنت بين أوائل من قرأوا وكتبوا عن غولدمان وليفي ـ ستروس وميرلو ـ بونتي وفوكو فى أميركا. ولكنهم أثاروا اهتمامي حتى نقطة محددة فقط، لأنهم في نهاية الأمر لم يخاطبوا تجربتي. لقد مثّلوا وجهة نظر فرنسية وجدتها مهمة ومخلصة، وثمة ما يتوجب أخذه منها. لكنها لم تكن تأثيراً من النوع الملازم. ولقد فقدت الاهتمام بالفرنسيين، الذين مالوا الى النزعة الاقليمية شيئاً فشيئاً.



    * في مطلع مسارك الفكري كنت واحداً من قلّة في أميركا قدّموا، وشدّدوا على، الفلسفة الأوروبية، ودراسات النُظُم المختلطة، والفينومينولوجيا، والبنيوية، وسواها. ولكنك كنت قاسياً على دريدا بصفة محددة. لماذا، وهل تغيّر موقفك بعض الشيء؟

    - حسناً، في هذه المسألة كان باعثي على الدوام أمر قد يكون مرتبطاً بواقعة ما، ولكنه يعني الكثير بالنسبة لي:

    أولاً: أعتقد أن دريدا رجل لامع تماماً. لقد أحببته، وقامت بيننا صلات شخصية وطيدة. ولكني مع ذلك شعرت بتلك الحالة الطفيفة من انعدام التوازن بين منهج التفكيك ذي الطابع التشكيكي وربما الفوضوي العالي من جهة، وبين اجتهادات التفكيك المنهجية من جهة ثانية. ولقد بدا لي، وعلى نحو محتوم ربما، أنّ ما يلوح كنزعة تشكيك تأملية ونيتشوية هو حالة يسهل تطويعها لملاءمة مختلف المؤسسات: حقيقة أن دريدا أصبح "دريدائياً"، وأن مدرسة كاملة في أميركا تُعرف اليوم باسم "الدريدائيين". وفي المناسبة، أخبرني دريدا نفسه أن شهرته في أميركا تختلف عن شهرته في فرنسا حيث لا يبدون به اهتماماً واسعاً. ولقد بدا لي أن حالة المؤسسة هذه أخذت تفقده حريته في الاستكشاف الدائم.

    ثانياً: لقد شعرت، وأذكر انني ناقشت هذه المسألة مع نعوم شومسكي، أن أعمال دريدا تنطوي على الكثير مما يثير البلبلة واطلاق العنان للأهواء بدل المحاولة الجادّة للانخراط سياسياً في بعض قضايا الساعة الكبرى مثل فييتنام أو فلسطين أو الامبريالية. لقد شعرت على الدوام بوجود نوع من المراوغة، فأقلقني ذلك. وحين كنت التقي به، كنّا نتبادل حوارات

    مفيدة. لقد زارني في بيتي، ودعوته لإلقاء محاضرات في كولومبيا في أواخر السبعينات. وحين جئت الى باريس لبعض المحاضرات في السوربون، دعاني وعرّفني على زوجته. على المستوى الشخصي كانت الأمور على ما يرام. ولكني شعرت انه بدأ يطوّر حسّ الدفاع عن منطقة وعقيدة جامدة. وكنت أقول في نفسي: ما معنى ذلك؟ اضف إلى ذلك أنني ازددت انغماساً في السياسة، وخيّل إليّ أنه يزداد ابتعاداً عن السياسة.

    ثم هنالك الكثير من نفاد الصبر. لقد بدت لي نصوصه أكثر عدداً مما ينبغي، وكانت تدور في نطاق أكثر إفراطاً من أن يكون مفيدا. وأذكر ذات مرّة أن اثنين من طلابي، وكانا من جنوب أفريقيا، كتبا نقداً لقطعة من دريدا حول الأبارتيد. وتناهى إليّ في ما بعد (أما هو فلم يخبرني) أنه اعتقد أنني أحرضهما على الكتابة ضده. وهكذا أخذت هذه البارانويا تقلقني. انه أكبر منّي سنّاً، ولكني لم أنظر الى نفسي كمؤسسة أبداً. أنا لا أعبأ بما يقول الناس عنّي، وهم يذكرونني بقدر من السوء لم يسبق قط أن تعرّض له هو. أعتقد أنه منمّق على نحو مفرط. لقد أحببته، وأنا معجب به، وهو رجل لامع، الى آخره. ولكني، ربما، أجد حالة التعقيد هذه أكثر تعقيداً مما يتوجب أن تكون عليه.



    *أما زلت تعتقد أنه كاتب مقالات أكثر منه فيلسوفاً؟

    - دونما ريب، ولكني أقصد المديح هنا. نيتشه كان كاتب مقالات، والأمر يعتمد على ما يقصده المرء من كلمة "فيلسوف". لنقل أن تعريفي للفيلسوف يتضمن شخصاً مثل هيغل، الذي لا أحبه ولم يسبق لي أن شعرت بالارتياح مع التراث الهيغلي. غرامشي كان كاتب مقالات، وكذلك تيودور أدورنو. وهكذا فانني أفضّل كاتب المقالات، وأنظر الى نفسي ككاتب مقالات. ولكن ما يقلقني في دريدا هو طابع علاقته بعصره، الأمر الذي كان إشكالياً للغاية في نظري.



    * كتابك الأول "جوزيف كونراد و رواية السيرة الذاتية"، الذي صدر عام 1966 وكان في صيغته الأصلية أطروحتك للدكتوراه في هارفرد، كان أول دراسة تتناول العلاقة بين مراسلات كونراد الخاصة ورواياته القصيرة. وأنت في الكتاب تركّز على نقاط ستصبح موضوعات أساسية في نقدك اللاحق للرواية: الهوية، الذات، فينومينولوجيا الوجود، التوترات الديناميكية بين الأمم والكيانات الفردية، النزعة الأوروبية، "الأدبي" في امتداده في المجتمع والتاريخ، الى آخره. هل كان الكتاب خطوة أساسية نحو ذلك النظام المنهجي الذي ستطلق عليه اسم "القراءة الطباقية"؟

    - هذا الكتاب، وكتاب "البدايات: القصد والمنهج"، كانا مهمين بمعنى تجريب الصواب والخطأ. لقد كنت بطريقة ما أحاول العثور على أرض مشتركة بين المشكلات الأعمق في التجربة المعيشة، وهي في حالة كونراد مشكلة الهوية، أو بالأحرى غياب الهوية أو انخلاع الهوية المنكسرة، ومشكلة اللغة، والاستمرار. ولقد ركّزت على الروايات القصيرة لأنني أحسست انها الموقع الذي تبدّى فيه حرص كونراد على تطوير الروايات القصيرة الى روايات طويلة، أو على الذهاب من الشكل القصير الى الشكل الكبير، الأمر الذي كان مشكلة على الدوام.

    وهكذا تناولت جميع هذه الجوانب الإشكالية عند كونراد، وحاولت وضعها في سياق موضوعي نسبياً عند القارىء: حياة كونراد، مساره، نجاحه، فشله، ناشروه، أصدقاؤه، الإبحار، بولونيا... وبدأت أطور منهجاً لتناول المسألتين معاً، على نحو طباقي. وأعتقد انني نجحت، بطريقة متواضعة. ولكني هنا اعتمدت كثيراً على الفلسفة الوجودية، وفينومينولوجيا ميرلو ـ بونتي، وعلى هايدغر كما ذكرت.

    في "البدايات" كنت، كما هو واضح، أحاول تكوين سبيل جديد لنفسي، واعتقدت أن التشديد الرئيسي يقع على فيكو لأنه كان أول من أوضح ان البدايات لا تُكتَشف، بل تُصنَع وتُخلَق وتُصاغ. أقصد القول انني، وأنا في مطلع الثلاثينات من عمري، كنت قد أكملت الأشياء التقليدية، ووضعت كتاباً وبعض المقالات، والمطلوب الآن أن يكون لي اسم بطريقة ما. ولقد استغرق ذلك زمناً طويلاً. بدأ في عام 1966، وانقطع بفعل الحرب، ثم أحسست أن الضرورة تقتضي الاهتمام بمنهج ما في خلق أي مشروع. اختيار المنهج كان شكلاً من أشكال البداية، لكن المركزي فيه بالطبع كان مشكلة القَصّ أو النص السردي. من أين يبدأ المرء؟ إلى أين يذهب المرء؟ القصّ السردي لا بصفته مسألة معطاة، بل كشكل من التحرّش، وكيف يُقحَم على احساس المرء بنفسه، إلى ما هنالك.

    ثم جاء بعد ذلك سؤال برمّته حول نقد مطابق لتلك الفكرة، وتكثّف الأمر منذ اهتمامي بالبنيوية وميشال فوكو، ومدى ملاءمتها. لقد اعتبرت ان الكتابين تجريبيان أسفرا عن نتائج غنيّة للغاية. وحدث أنهما تضافرا تماماً مع حرب 1967 وعودتي الى العالم العربي. لقد ذهبت الى عمّان في عام 1969، وكنت فيها عام 1970 خلال أحداث أيلول الأسود، ثم بدأت انخرط في الحركة الفلسطينية. وفي العام ذاته تزوجت من امرأة لبنانية، هي مريم قرطاس، وخلال سنتي 1972ـ1973 أنهيت "البدايات" في بيروت حيث أمضيت السنة الأكاديمية متفرغاً. وهناك بدأت أدرس اللغة العربية، إذ لم يسبق لي أن قمت بذلك على نحو جدي في المدرسة، وكنت قد انصرفت عن دراسة العربية منذ سن الخامسة عشرة. تلقيت دروساً يومية على يد أنيس فريحة، وقرأت معه العديد من النصوص الحديثة والكلاسيكية: طه حسين، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ. ثم كنّا نعود إلى التراث، لنقرأ الغزالي وابن خلدون، وكانا بين اكتشافاتي الفكرية الكبرى في تلك الفترة، فضلاً عن العديد من النصوص التاريخية والشعرية.

    ذلك، كما أعتقد، قادني الى مسألة الاستشراق. ولقد خطرت لي الفكرة حين عدت إلى هارفرد كأستاذ زائر في عام .1974 تلك كانت فترة حرب 1973، وبدأت أرى كيف يمكن ربط الأحداث المروية بالتمثيلات الشعبية، وكانت الأحداث المروية هي الشيء الرئيسي، وبعدها تأتي مشكلة التمثيل كمسألة تالية. وهكذا بدأت الاهتمام بما سيتحوّل في ما بعد الى كتاب "الاستشراق".



    *قبل مناقشة كتاب "الاستشراق" توجد نقطة ذات صلة به. في معظم الكتابات التي تدور حول الإسلام أو الشرق عموماً، ينصبّ التركيز على ما يمكن وصفه بمراكز العمران، وعلى المراجع والنصوص. أما المجتمع والحياة اليومية والتراث الشفهي والثقافة الشفهية فهي شبه غائبة. كيف تفسّر هذه الظاهرة؟

    - في مطلع الثمانينات فقط اكتشفتُ مدرسة من المؤرّخين الهنود تدعى "دراسات التابع"، يرتكز عملها بأسره على المصادر غير المكتوبة. انها مدرسة في الدراسة التاريخية تقول بأن تاريخ الهند حتى ذلك العهد هو التاريخ الذي كتبته النخبة القومية تحت تأثير البريطانيين. أما ما أثار اهتمامهم فهو تاريخ الهند كما يُرى من خلال صراع فقراء المدن وجماهير الأرياف التي لا تمتلك أية نصوص.

    وحتى أوان ذلك الاكتشاف لم أكن قد أدركت وجود تواريخ أخرى، شعبية وغير مكتوبة، يمكن ابتكار منهج كامل خاص بها، مثلما يفعل المؤرخون الهنود. ولكنني لم أكتشف الجهد ذاته في العالم العربي. لست معنياً بالفولكلور والطقوس الشعبية، إذ أنني ابن مدينة أساساً. ولكنني معني بوجود أدب آخر عابر لما هو مدوّن، وهو ما لم تركّز عليه كمجموعة أي مدرسة من مدارس المؤرخين العرب. ولا بدّ من القيام بالعمل في إطار مجموعة.

    لقد ظلت الهند مستعمرة بريطانية طوال 400 سنة، وكان التعليم هناك خاضعاً للهيمنة البريطانية. ومع ذلك فان عدداً لا بأس به من المثقفين الهنود تمكنوا، اثر الاستقلال في عام 1937، من استثمار ما تعلّموه على أيدي البريطانيين، وتفرعوا عنه لدراسة ماركس وغرامشي وبارت وسواهم، واستخدموا هذا المزيج الجديد من المقاربات لتكوين مقاربة أصيلة تماماً، وقاموا بتطبيقها على تاريخهم الخاص.

    ويساورني الانطباع بأننا في العالم العربي نقوم بالنسخ المباشر. ما إن يقرأ الواحد منّا كتاباً من تأليف فوكو أو غرامشي حتى يرغب في التحوّل الى "غرامشوي" أو "فوكوّي". لا توجد محاولة لتحويل تلك الأفكار الى شيء ذي صلة بالعالم العربي. نحن لا نزال تحت تأثير الغرب، من موقع اعتبرته على الدوام دونيّاً وتَتَلمُذياً. تأمّل العدد الكبير من الأفراد في شمال أفريقيا، في المستعمرات الفرنسية السابقة، ممن يكتبون وكأنهم تلامذة فوكو أو دريدا أو تودوروف. انها نوع من فانتازيا التكرار التي أجدها مضحكة في معظم الحالات. والقسط الأعظم منها راجع في نظري، وهذا مجرد انطباع، الى فهم ناقص لحقيقة الغرب.

    انهم يركزون على جانب واحد فقط. على سبيل المثال، يبدأ أحدهم بدراسة فرنسا من دون أن يفقه شيئاً عن العالم الأنغلو ـ سكسوني. أنت لا تستطيع دراسة الغرب هكذا، واعتقد أنك لا تستطيع القيام بذلك من دون معرفة الكثير عن الولايات المتحدة أساساً، لأنها صاحبة التأثير الأعظم ليس على العالم الغربي فحسب، بل على العالم الحاضر بأسره. لا توجد كليّة واحدة في أي جامعة عربية تتخصص في الدراسات الأميركية. أمر مدهش! توجد جامعتان أميركيتان كبيرتان، وربما أساسيتان، في العالم العربي: واحدة في لبنان والأخرى في القاهرة. ولكن لم يسبق لهاتين الجامعتين أن درّستا أميركا. هذه ليست اشارة ضدهم بل ضدنا نحن، لأننا لم نطلب أن تضمّ جامعاتنا كلّيات تتخصص بالدراسات الأميركية وتدرّس أميركا على نحو جدّي وعلمي، بالإضافة إلى تدريس ما تبقّى من عالم الغرب. لدينا واحد من اثنين: إمّا شعارات عريضة حول الغرب (استعمار، امبريالية...)، واما مدارس صغيرة من المقلّدين (الهيغليين، الماركسيين، الدريدائيين...) الذين لا يتقنون اللغة نفسها. على سبيل المثال، غرامشي مترجَم الى العربية عن الإنكليزية وليس الإيطالية، ولوكاش مترجم عن الفرنسية وليس الألمانية، وماركس عن الإنكليزية. هذه مسألة إشكالية للغاية.

    ولهذا اعتقد أننا لم ننل قسطنا بعد من سيرورة التنوير والتحرر، بالمعنى الفكري. وأعتقد أن اللوم يقع على المثقفين، إذ ليس وفي وسعنا أن ننحي باللائمة على الإمبريالية أو الصهيونية فقط.



    * أنت تمتدح كثيراً عمل ماركسيين من أمثال لوكاش وغرامشي وأدورنو ورايموند وليامز. وذات مرّة قلت: "لقد تأثرت بالماركسيين أكثر مما تأثرت بالماركسية أو أي نزعة مكرّسة". كيف ترى الماركسية اليوم؟

    - الفقرة التي تقتبسها صدرت عنّي في طور كان يضفي بعض المعنى على اليسار الماركسي الذي أقمت معه صلات طويلة، كشخص متأثر لا كعضو منتسب لأي حزب. منذئذ، في أميركا أساساً، وفى أمكنة أخرى من العالم العربي، اختفى اليسار الماركسي. وانني اليوم أجد نفسي في وضع غريب أحاول فيه إعادة طرح مسألة الماركسية، كشيء يمكن إحياؤه على نحو انتقائي بهدف ادخاله في الخطاب المعاصر، سواء في العالم العربي أو في العالم الثالث عموماً، فضلاً عن الولايات المتحدة في طبيعة الحال.

    هنا أشعر أن الماركسيين، من النوع الذي اقترنت به، قد تخلّوا عن الماركسية هم أنفسهم، فباتوا ما بعد ـ ماركسيين ومحافظين جدداً واستهلاكيين أو تحريفيين، الى آخره. وهكذا فإن المسألة عندي هي نفخ الحياة في خطاب معارض مهم، يقع على عاتقه اليوم واجب العثور على بدائل للإيديولوجيا الماركسية، وللوضعية الجديدة كما يمثلها أشخاص من أمثال ريشارد رورتي، وللنظرة القَدَرية التأملية للعالم، والتي تكتسح العديد من المثقفين هذه الأيام.

    ثمة حاجة ماسة لإحياء الماركسية كمسألة سياسية وأكاديمية ذات صلاحية في الأزمة الراهنة التي تعصف بالتربية والبيئة والقومية والدين وسواها من المسائل. هذا تحدّ رئيسي كما اعتقد، وهو عندي سؤال مفتوح حول ما إذا كان من الممكن القيام به أم لا. وأجد نفسي معنياً بالسؤال على نحو جدّي، ومشدوداً للغاية الى النموذج الذي أرساه أشخاص مثل غرامشي ووليامز. السؤال أيضاً: ألا يزال هؤلاء صالحين اليوم؟ وجوابي الحدسي هو : أكثر من ذي قبل.



    * كنتَ رائداً في عملية مدهشة من قراءة، وإعادة قراءة، وإعادة مَوْقعَة فرانز فانون، خصوصاً في نظريات الأدب والنقد ما بعد الكولونيالي. كيف ترى صلاحية فانون في عصرنا؟

    - حسناً، أشعر ان القراءة الكبرى لعمل فانون لم تتم بعد. توجد أنماط مختلفة من تأويل فانون يجيب كل منها عن اهتمامات مختلفة، ضيّقة الأفق بعض الشيء: القراءة النسوية، العالمثالثية، الماركسية، التفكيكية. لقد بدأت مقالة حول هذا الموضوع تحت عنوان "إعادة النظر في النظرية المترحّلة"، أنظر فيها الى عمل فانون، "المعذبون في الأرض"، من منظور لوكاشي.

    ولكني أعتقد أن قراءة فانون كمفكّر متجانس لم تجر بعد. هومي بابا قام بدراسة لافتة لكتاب "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، وهو كتاب جيد للغاية، ولكنه أيضاً سوسيولوجي وسِيَري. انني اتحدث عن فانون المفكر، الرجل ذي المواهب المتعددة والرؤى الرفيعة التي تبدأ من ميدان التحليل النفسي لكي تعبر الى الوجودي والماركسي والكولونيالي، وهذا ما يتوجب القيام به. أما صلاحيته لعصرنا فهي مدهشة، وأرى أهمية خاصة في طرح السؤال الآتي ومناقشته: أيمكن هذه القراءة أن تتيح لنا اشتقاق نظرية حول التحرّر، أم لا؟.



    * فقرات من حوار مطول جرى في باريس، تموز .1994








                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:40 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
جاك دريدا:الدين في عالمنا (Re: osama elkhawad)

    دريدا وآخرون يتأملون:
    الدين في عالمنا

    ليس من السهل قراءة كتاب مثل هذا.
    لابد من اعادة المحاولة مرات، ليس فقط لأهمية الموضوع أو الأسماء التي ناقشته إنما كذلك للعمق الذي حوته الآراء المقدمة لتلك الحلقة الدراسية التي حملت عنوان¢الدين في عالمنا¢.

    أشرف علي عمل هذه الحلقة جاك دريدا وجياني فاتيمو، والأخير تحدث عن ظروف ميلاد هذا العمل في بداية الكتاب الذي صدر عن دار توبقال بترجمة ل:محمد الهلالي وحسن العمراني.

    يفتتح جاك دريدا المناقشات مثيرا اسئلته تحت عنوان¢ إيمان ومعرفة منبعا الدين في حدود العقل وحده¢ وجزء من العنوان يفصح بالطبع عن رؤية دريدا فهو يقول أنه والمشاركون ليسوا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية وفي نفس الوقت فهم ليسوا اعداء للدين مثل بعض فلاسفة عصر التنوير. يقصد دريدا بهذا تحرير الدين من كل سلطة خارجية دون تحريره من كل إيمان، أو بتعبير آخر الالتزام بالموقف الحذر والمعلق للأحكام.
    يستخدم دريدا هذا الحياد لمناقشة مسألة الدين في عصرنا هذا، دون أن يمنعه هذا الحياد من قول ما يؤمن به ويعتقده، خاصة فيما يفرق بين الأديان السماوية الثلاثة.

    ودراسات الكتاب جميعها تحاول تأمل ذلك التعقيد الذي أصاب مسألة الدين في عالم يبدو وكأنه يبتعد كل يوم عن الدين، تلك المفارقة في حاجة إلي جهد فلسفي لفهمها وهو ما حاول المشاركون في الكتاب تقديمه، والذي لم يكن بينهم من يمثل المسلمين، كما أسف دريدا


    --------------------------------------------------------------------------------


                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 03:47 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10592

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    تأليف: برنارد هاريسون

    ‏ الميثولوجيا البيضاء

    دريدا ونقاده في العقل والبلاغة

    ترجمة: رشاد عبد القادر

    تمهيد:‏

    في البداية نُشِرَتْ مقالة "الميثولوجيا البيضاء" عام 1971 في مجلة "البويتيك"، وصدرت ثانية- بوصفها المقالة الأطول من بين إحدى عشرة مقالة- في "هوامش الفلسفة" 1972؛ وهي مقالات "تشق طريقها" بمناحٍ واتجاهاتٍ متعددة "عَبْر تناول صارم مترابط للبقع العمياء، مناطق القلق، والتناقضات المتنوعة التي تميِّز خطاب العقل الفلسفي". إنّ ما تتناوله الميثولوجيا البيضاء معالجةً هو، بشكل عام، موقع الاستعارة في الخطاب الفلسفي. وقد اقْتُبِس العنوان عن الحوار اللاذع والذكي بين "آرِيْستْ Ariste وبوْلِفِيل Polyphile، أو لغة الميتافيزيقيا" في كتاب حديقة أبيقور لـ أناتول فرانس. حيث يكتشف آرِيْست الميتافيزيقي بوْلِفِيل وهو يتصفح "أحد الكتب الصغيرة التي تضع حكمة العصور بين يدي القارئ، مُسْتَعْرِضاً جميع المذاهب، الواحد تلْو الآخر، من اللإيليين السالفين إلى الانتقائيين المتأخرين، مُنْتَهياً إلى لاشليير M.Lachelier". بَيْد أن بولفيل غير مبالٍ بنيل الحكمة. فهو، مستبقاً بذلك على نحو لافت اهتمامات دريدا، لا يُعْنى إلا بـ"الشكل اللفظي" للمنطوقات المميزة للميتافيزيقيا التي عرضها في ملخص صغير وعلى نحو عشوائي عبر حواره، فأوصلته إلى المثال الرائع: "تتملَّك الروح الله باتِّساق إذ تشترك في المطلق." ‏

    يسأل آريست بولفيل، بعد أن يلاحظ بحذر: أن "كل شيء يشير‏ [إلى...]، وأنه يمكن تأسيس استنتاج من هذا القبيل على نحو راسخ في المحاجة، يسأله إلام أفضت به أفكاره عن "الشكل اللفظي" للقضايا الميتافيزيقية. يرد هذا الأخير على سؤاله عبر وصف لغة الميتافيزيقيا باستعارة مسهبة مطولة. فالميتافيزيقي يشبه شاحذ السكين الذي يختار سن العملة المعدنية والأوسمة بدلاً من المقصات والسكاكين. بعد أن يمحو حاشية القطعة المعدنية النقدية؛ التاريخ والصورة، بحيث لا يبقى أثر لـ فكتوريا أو وليم أو الجمهورية، يقدم قطعه المعدنية النقدية المشوَّهة، بما أنها لم تعد تملك أية قيمة أو أصل قومي يميزها، على أنها سك عملة قد تحرر من قيود الزمان والمكان، عملة ذات قيمة لا تثمَّن وتداول لا حدود له. إذن، بحسب بولفيل، ومع سيرورات التجريد التي تولد المفردات الميتافيزيقية: "كل مصطلح أولي للغةٍ يمثّل في الأصل شيئاً حسياً معيناً". حتى في أعلى مستويات التجريد يبقى خطاب الميتافيزيقي مسكوناً بالدلالات المجسدة المادية الممحوَّة والأصلية لمصطلحاته، إذ تستقي الادعاءات الميتافيزيقية من هذه الفحاوي المتآكلة المتنصلة وحدها أياً يكن المعنى الذي لم تزل تمتلكه. التجريد نفسه احتيال لأنه استعارة مقنَّعة؛ فالفلسفة الأخلاقية، مثلاً، تبدأ في تضاد الصور، في تضاد السبل القويمة والملتوية. وبدلاً من أن تحررنا من الاستعارة باسم العقل، تمارس الميتافيزيقيا باسم التجريد والعبارات العامة أسلوباً في التفكير لم ينجح إلا في أن يحجب عن نفسه استعاريته العميقة بإبعاده الاستعارة إلى هوامش نشاطها "الرسمي". وبدلاً من مناصرة العقل والحقيقة في حرب أفلاطون بين الشعراء والفلاسفة وبِقَدَر غريب، "يُجبَر الميتافيزيقيون الذين يفكرون في الهرب من عالم الظواهر على العيش أبد الدهر في المجاز. شعراء يرثى لهم إذ يجعلون ألوان الحكايات الرمزية القديمة باهتة، وهم أنفسهم ليسوا إلا جامعي الحكايات الرمزية، صُنّاع الميثولوجيا البيضاء". وكما يعبر دريدا، إن مجرد خطأ مطبعي، وما يلمح إليه يظهر في نسخته فعلاً، كفيل بتحويل آريست Ariste، المدافع عن الميتافيزيقيا، إلى آرتيست [ 'Artiste'فنان].‏

    يقدم آريست وبولفيل الثيمات الرئيسة لمقالة دريدا الذي يفترض أن يكون القارئ متآلفاً معها. وتعد مقالته أيضاً مصدر نوعين من اللعب بالكلمات التي يستخدمها دريدا على نحو مميز، هنا كما في أمكنة أخرى، ليبني تضمينات محاجَّته ويعرضها، وكلتا اللعبتين غامضتان بما فيه الكفاية، ما يتطلب شرحاً للقارئ الذي يتناول المقالة للمرة الأولى، على الرغم من أن الأمر قد يقع تحت طائلة الحذلقة. الهم الأول: العنوان. إذ ثمة نسق من ظلال المعاني لمفردة Blanche في الفرنسية يمتد عبر المفردات التي لها الأصل ذاته كـ blanchir (يبيّض [قماشاً]، يبيض [بمادة مبيضة]، يحل، يعتق، blanchisserie المصبغة، وblanchiment (تبييض الجدران، تبييض أوراق النبات [منعها من الاخضرار]، وغيرها). يوحي السياق أن هذا النسق وحده هو ما كان قد وضعه مؤلف آريست وبولفيل نصب عينيه، رغم أن بعض ظلال المعاني التي يحتوي عليها - كتهميش وحجب مظاهر نشاط المرء، ودس الأشياء تحت البساط- ستكون أيضاً في المركز من محاجة دريدا. غير أن Blanche تنطوي أيضاً على ظلال معان عرقية (العرق الأبيض، وغيره)، ويتخذ دريدا خطوات يفعِّل فيها هذا النسق أيضاً في ذهن القارئ. إن الميثولوجيا التي يجمعها "شعر" الميتافيزيقيا "الكئيب" هي، في نظر دريدا، الميثولوجيا المميِّزة للغرب وللعرق الأبيض. وكما أسلفنا، ليس ثمة بيِّنة في السياق أن أناتول فرانس، صاحب العبارة الأصلي، قصد أن يتم تناولها هكذا. لكن يمكن للمرء أن يجيب بروح نقد جامعة ييل في الثمانينيات: إن دريدا، في دفعه لظلال معانيها [الميثولوجيا البيضاء] في ذلك الاتجاه المبرر لغوياً بأكمله، إنما يقيم الدليل على قوة رأي من آرائه الأكثر مركزية وهو أن اللغة تفوق القصد، فالمتكلم لا يمكنه، بوضع توقيعه على نص ما، أن يؤسس أي حق في أن يستبعد نسقاً ثانوياً من القراءات المحتملة بوصفه غير مقبول ومتنافراً مع مقاصده؛ وفي نهاية الأمر، لا تستند الكيفية التي نفهم بها ما نقرؤه إلى مقاصد الكاتب الخاصة، بل إلى القدرات المتأصلة في اللغة التي اختار الكاتب أن يكتب بها.‏

    مصدر دريدا الآخر للعب بالكلمات في المقالة هو مفردة exergue "حاشية القطعة المعدنية". يقدمها قاموس أكسفورد بوصفها ذات أصل فرنسي، وهي مصوغة بوضوح من اليونانية X خارج و?pyov العمل: "قد يقصد بها، كونها شبه يونانية حولت إلى الفرنسية hors-d'oeuvre (المشهّي)، شيء ما يقع "خارج العمل". ومن حيث معناها النُّمِّي التقني، حاشية العملة النقدية هي "الحيِّز الصغير الذي يكون عادة على قفا العملة المعدنية أو الميدالية، في أسفل الصورة أو الرسم الرئيسي، المخصص للنقش الثانوي كالتاريخ والحرف الاستهلالي من اسم النقاش، وغيرها. والنقش المدرج هناك أيضاً." إن ما ينطوي عليه هذا التعريف، سنرى أنه عنصر أساسي في لعب دريدا على المصطلح، هو أن محتويات الحاشية تحدث صدعاً في الاكتفاء الذاتي للقطعة، إذ تربطها بالزمن، تربطها بصانع وبأصل وبمكان في التاريخ. بمعنى ما، لا تمثل محتويات الحاشية جزءاً إضافياً للنقش بقدر ما تمثل ما وراء النقش، تمثل تعليق العملة النقدية على فشلها في أن تفسِّر نفسها بنفسها بقدر ما يتعلق الأمر بوجودها ومنابعها، وتمثل تعليقاً على فشلها في أن تظل شيئاً "متحرراً من الزمان والمكان"، شيئاً ذا قيمة لا تُثمّن وتَداوُل لا حدود له.‏

    محاجَّات دريدا‏

    يطلق آريست غير المقتنع طلقة الوداع، بانسحابه المفاجئ، قائلاً: "لو أنك ساجلت وفق الأصول، لتمكنت من تفنيد محاجاتك بسهولة تامة". وقد وُجِّهت التهمة نفسها إلى دريدا. الحق، بات متعارفاً عليه أن لا يتهم أفراد الدوائر الفلسفية التي تتحدث اللغة الإنكليزية دريدا بأنه لا يساجل "وفق الأصول" فحسب، بل حتى لا يملك محاجّات البتة ليقدمها، ويعلل التأثير الهائل لأعماله، حسب الذائقة، إما بوصفه ضلال دُرْجة أدبية، أكثر مما هي عقلية، أو بوصف [هذا التأثير] نتاج جيل جديد من الفلاسفة والنقاد الذين لم يعودوا يأخذون المحاجة على محمل الجد أكثر مما يفترضون أن دريدا يأخذها.‏

    يندرج معظم الفلاسفة التحليليين في المعسكر الأول. أما ريتشارد رورتي، الذي يندرج، إن لم يكن يكوّن، في المعسكر الثاني، فيعتبر أن دريدا يعمل بدرجة أقل من خلال المحاجة مقارنة بسيرورات "إعادة بناء النص سياقيا"ًrecontextualization، تشبه تلك التي يتبين بها جابي ضرائب "مبدع" إمكانية جدولة وجيهة لمادة ما في جدول مفضلاً إياه على جدول آخر.‏

    يبدو لي أن كلتا الاستجابتين لا تملكان الكثير لينصح بهما. إذ لا أجد في دريدا مقلداً فرنسياً لـ رورتي ولا أجده مشعوذاً. إن أحد الأسباب التي تكمن وراء الصعوبة التي يجدها الفلاسفة المثقفون تحليلياً في فهم تفكيكية دريدا بوصفها محاجة، أو ما يفهمونه على أنه محاجة، هو أنهم يجدون مشقة في تحديد الآراء الفلسفية التي يهاجمها على وجه التحديد. تقدم الميثولوجيا البيضاء حالة وثيقة الصلة بهذه النقطة. يبدو أن دريدا يهاجم إمكانية وجود خطاب غير استعاري بذاته. إلا أن معظم الفلاسفة التحليليين سيؤكدون أنه من العبث افتراض أن هجوماً كهذا قد ينجح. إن لم يكن بمقدورنا التمييز في الممارسة بين ما هو حرفي [ظاهر اللفظ] وما هو استعاري في استخدامات المصطلحات، فلن نضمر مثل هذا التمييز في استعمالنا لها؛ لكن إن استطعنا التمييز بين الاستعاري والحرفي يمكننا آنذاك أن نقوم بإبعاد الاستعارة عن أنواع الخطاب التي ليس للاستعارة فيها وظيفة، أو لها وظيفة تشويشية وتحريفية ليس إلا. والدافع وراء استبعاد الاستعارة من الخطاب العلمي قديم قدم مقالة جون لوك واستمر هذا الاستبعاد بنجاح إلى حد كبير طوال العقود الثلاثة التالية من خلال المناهج التي يوصي بها لوك في التحديد الدقيق للمصطلحات وإواليات اشتغالها. من الواضح أن الدور المتزايد لعلم الرياضيات في العلوم الطبيعية ساعد هذه السيرورة في بداياتها؛ ولا شك أن تساؤل دريدا عن احتمال وجود الاستعارة في علم الرياضيات وثيق الصلة هنا. إن كان الخطاب غير الاستعاري ممكناً في علم الرياضيات، وبالتالي في الفيزيقا، فلِمَ لا يكون ممكناً في الفلسفة، لا سيما في فلسفة ذات أهداف ومناهج مرتبطة عن كثب مع أهداف العلم؟‏

    إذا لم يغرر بنا تضييق الخناق على دريدا بهذه الطريقة، من الضروري التذكر أن ثمة أكثر من طريقة لتأسيس التمايز بين ما هو حرفي وما هو استعاري. تبرز مشكلة الاستعارة في الموروث التحليلي بوصفها نتيجة تحدٍّ مُدْرَك طرحته المنطوقات الاستعارية على مبدأ فريج Frege ومفاده أن معنى تقرير ما، وليكن S ، هو صدق شروطه [الشروط الضرورية والكافية لحقيقته]. ويقتضي مبدأ فريج - في أبسط أشكاله- مبدئياً على الأقل، كشرط لكمال المعنى إمكانية رؤية كيفية البت فيما إذا كان S [شيئاً] حقيقياً أم مزيفاً. ما يراود ذهن معظم الفلاسفة التحليليين حين يقولون إن تقريراً ما، كـ"الثلج أبيض"، حقيقي حرفياً أو أنه مستخدم حرفياً، هو أن هذا الشرط قد تحقق. والتقرير أو السياق أو استخدام الكلمات الاستعاري، كـ"الوقت، مهووس يُذرّي التراب"، هي إحدى الحالات التي يظهر فيها الرابط الفريجي مفصوم العرى بين المعنى والحقيقة. فهل حقيقةً الوقت مهووس يذري التراب؟ يعجز السؤال عن أن يكون ذا فحوى. لكن لا يبدو أن أبيات تنيسون تعجز عن أن يكون لها فحواها. فهل ثمة، إذن، نوع من المعنى؛ معنى استعاري، لا يمكن فهمه في علاقته مع افتراضات صدق الشروط الآنفة الذكر؟ إن أكثر المجادلات انتشاراً في الوقت الحاضر، تلك الدائرة بين بلاك ودافيدسون، بخصوص الاستعارة تتعلق تماماً بهذا السؤال الأخير.‏

    العقبة الحقيقية التي يواجهها الفيلسوف التحليلي في فهم آراء دريدا في الاستعارة لا تكمن فقط في أن دريدا لم يكن مهتماً بتاتاً بتلك المشكلة، بل تكمن أيضاً في عدم اهتمامه بالكيفية التي يتم بها تأسيس التمايز بين ما هو استعاري وما هو حرفي؛ الأمر الذي تقوم على أساسه تلك المشكلة. إن فكرة المعنى بعامة، في حالة دريدا، تفسر دائماً بطريقة لا فريجية، أو ما قبل فريجية؛ أي ليس من حيث صدق الشروط، بل من حيث العلاقة بين الدال والمدلول التي يأخذها دريدا - وإن كان لا ينفك يفككها- عن سوسير؛ ويصدق الأمر نفسه على مفهوم الاستعارة، أو بالأحرى على التضاد المؤسِّس بين ما هو استعاري وما هو حرفي. فالخطاب الحرفي، في نظر دريدا، هو في الواقع خطاب نستطيع فيه تعيين مدلول كل عبارة، ولتكن E، دون إحالة إلى العلاقة بين E والعبارات الأخرى في اللغة. وعلى النقيض من ذلك، الخطاب الاستعاري هو خطاب يقتضي تعيين مدلول لكل عبارة فيه الإحالة إلى العلاقات بين E والعبارات الأخرى.‏

    إن هذه الطريقة في رسم التمايز بين الاستعاري والحرفي متأصلة، بالسبل التي يتعقبها دريدا في القسم الثالث من الميثولوجيا البيضاء، في تعريف أرسطو للاستعارة: "الاستعارة هي تحويل إلى شيء ذي اسم يدل على شيء آخر". ما يريده دريدا منا أن نلاحظه في هذا التعريف: هو افتراضه الضمني أن دلالة الاسم تبقى ثابتة تناسباً مع سيرورة "التحويل" أو "النقل" الاستعارية. وفي غمرة نقاش المعرفة، يرى أرسطو، في كتابه "فن البلاغة"، وفقاً لترجمة فريز J.H. Freese أن "الكلمات تعني شيئاً ما". وفي تتبعه ترجمة غارنيير الفرنسية، يعطي دريدا هذا التعريف تحويراً يجر به أرسطو إلى نطاق الفلسفة العقلانية لما بعد النهضة: "إن الخاص في الأسماء أن تدل على شيء ما،" ومن هنا يورط دريدا أرسطو في نظرية من نظرية المعنى، مع أن فتغنشتين يستمدها من أوغسطين، فهو يعيّنها أيضاً بوصفها جذراً عميقاً: "لكل كلمة معنى. والمعنى مترابط مع الكلمة. إنه الموضوع الذي تمثله." إذا كان معنى الاسم هو ما يدل عليه، فإن ما يتم "نقله" في الاستعارة هو تلك الدلالة. والآلية اللفظية التي تؤثر على النقل تصبح، على نحو مترابط، مجرد وسيلة نقل تدخل في أي حال من الأحوال في جوهر، بوصفه معنى، ما يتم نقله. هكذا يصل المرء إلى ما وصفه دريدا سابقاً بكونه "الأطروحة الفريدة للفلسفة" في أن الفحوى الذي تنقله الاستعارة (يتكلم دريدا هنا عن تضادات مؤسسة معينة للميتافيزيقيا يعتبرها استعارية بالضرورة في صفتها)" هو جوهر مستقل بصرامة عما ينقله."؟‏

    إن تحديد الاستعارة بهذه الطريقة، أي بوصفها تضاداً بين استخدام مفردة للإبانة عن الكيان الذي تدل عليه على نحو صحيح أو دقيق (المصطلح الأرسطي الذي يبدو لدريدا أنه يساند هذا المعنى هو [proper] kurion وبين استخدامها "على نحو خاطئ" بخصوص كيان آخر لإظهار شيء من التشابه بين ذاك الكيان أو تماثله مع الكيان الأول، إن هذا التحديد للاستعارة، يقترح دريدا، يقلل تلقائياً من مرتبة اللغة اليومية كما وصفها سوسير - حيث تستند إمكانية تعيين موقع دلالة أي مصطلح إلى العلاقات بينه والمصطلحات الأخرى للغة- نقول، إنه يقلل من مرتبتها إلى دور ثانوي بوضعها مقابل فكرة لغة أكثر ملاءمة وأكثر فلسفية يُستخدم فيها كل مصطلح ليَسْتجمع دلالته "الخاصة"، وتصبح الاستعارة مجرد اسم آخر لاستخدام خاطئ للمصطلحات. حيث (يبدأ "أرسطو" دريدا في أن يتبدَّى مرتاباً مثل هوسرل) "المثل الأعلى لكل لغة... (هو)... أن يحمل إلى المعرفة الشيء عينه." ولإنهاء هذه المرحلة من إعادة بناء محاجة دريدا، نقول بإيجاز: في محاجته ضد إمكانية وجود "خطاب يقدّم نفسه بكونه غير استعاري"، لا يساجل دريدا، على نحو مناف للعقل، أن ليس ثمة قضية علمية أو فلسفية تملك صدق شروط أنقى من "الوقتُ مهووسٌ يذرّي التراب"؛ بل يساجل ضد إمكانية وجود لغة "فلسفية" تستطيع، بالمعنى السابق، أن "تحمل إلى المعرفة الشيء عينه."‏

    إننا مطالبون، إذن، بالتركيز على المحاجة، أو عقدة المحاجات المترابطة التي تقول بـ: 1. أن "الأفكار" أو "المفاهيم" تستطيع أن تكون ملائمة أو غير ملائمة للواقع؛ 2. وبالتالي، يجب أن يكون ثمة نسق ما من المفاهيم الصحيحة والمخلصة، إذا جاز التعبير، ميتافيزيقياً للوجود على ما هو عليه؛ 3. أن معظم العلامات الأساسية للغة ملائمة ميتافيزيقياً ستختار مفاهيم من هذا القبيل بحيث تمتلك كل علامة معنى بمعزل عن أية علامة أخرى، بما أن معناها سيكون المفهوم الذي يمثلها ليس إلا؛ 4. أنه من الممكن إنجاز مثل هذه اللغة، على الأقل على نحو متشظّ ومن حيث المبدأ، وبالتالي فهي بمثابة الهدف "الخاص"، والحق الهدف الذي لا مفر منه للتنظير الفلسفي؛ 5. إن اللغة اليومية هي أداة لا تلائم الفلسفة لأن 6. الاعتماد المتبادل لعلاماتها يجعل من المتعذر إنجاز وضوح الإحالة وأحادية معناها التي تجعل من كل علامة أساسية للغةٍ واضحة منطقياً (بمصطلحات رسل) الاسمَ "الخاص لشيء فريد"؛ أي، لإنجاز المثل الأعلى الأرسطي الذي "لم تنكره" أية فلسفة مخلصة لطبيعتها بوصفها فلسفة. "إن هذا المثل الأعلى هو الفلسفة." ‏

    وقد أدت مجموعة الأفكار هذه، في زعم دريدا، وظيفة الدافع الأساس للميتافيزيقيا الغربية منذ أفلاطون، رغم أن دورها، مع تطور فلسفة ما بعد النهضة منذ ديكارت، بات أكثر مركزية وأقل تحدياً. ولتبديد الانطباع السائد، لغاية الآن لدى جماعات معينة في أن غرض دريدا الأساسي هو الظاهراتية، إن لم يكن مقتصراً عليها، يحتاج المرء أن يتذكر فقط الدور المركزي الذي لعبته مثل هذه الأسئلة في المجادلات الدائرة بين برادلي ورسل، حيث كانت أصلاً باعثاً على الموروث التحليلي. ولأن برادلي إلى حد ما يقول بأطروحة - الأمر الذي يذكرنا بشدة بآراء دريدا- أن أي حكم "يستند إلى الشروط التي لا يتضمنها" فهو يعدّ أن الحقيقة يمكن لها آخر الأمر أن تُمنح للعقل، أو بتعبير دريدا "تُحمل إلى المعرفة" على مستوى المطلق. وبالمقابل، يعتبر رسل، وهو يقف هنا بوصفه نمطاً للميتافيزيقي عينه الذي يتصوره دريدا، بأن معنى علامة أساسية إنما هو مقوم بسيط منطقي ونفسي نوعاً ما من مقومات التجربة، يُمنح مباشرة للعقل دونما إحالة إلى معنى أية علامة أخرى في فعل اكتساب المعرفة.‏

    الاعتقاد بأن المعنى علاقة دلالية تقوم بين علامة توقيفية ومظهر من مظاهر الواقع أو مقوم من مقوماته يُمنح للعقل ببساطة ووضوح مطلقين كان، بطبيعة الحال، موضع انتقادات واسعة في هذا القرن ومن منتقديه فتغنشتين وسوسير ومارلوبونتي. على الرغم من استناد دريدا بعض الشيء بدرجات متباينة إلى آراء الناقدين الأخيرين، إلا أن آراءه النقدية تبقى متفردة به في خطوطها العامة. وقد يكون أحد سبل فهم هذه الآراء، على الأقل في الشكل الذي تأخذه في الميثولوجيا البيضاء، هو أن نرى إليها على أنها تفصح عن هجوم على "التقابل الكلاسيكي بين المفهوم والاستعارة". وبحسب مصطلحات ذاك التقابل، إن استخدام اسم للدلالة على مفهوم يحضر مظهراً من مظاهر الواقع؛ جزءاً من حقيقة الأشياء، أمام العقل، في حين أن استخدام اسم استعارياً يؤسس مجرد رابط مبني على أساس تشابه مُدَرك بين اسمين أو تماثلهما. بعبارة أخرى، إن الرابط الذي تؤسسه الاستعارة هو ترابط بين كيانات لغوية؛ أي ترابط ملفق تماماً داخل مجال اللغة. ورابط الاسم/المفهوم، من جانب آخر، ليس جوهرياً علاقة لغوية مطلقاً. إنه رابط بين العقل والعالم الذي تمثله اللغة أو تعبر عنه. قد يكون للخطاب الاستعاري قيمة ما ولكن قيمته تكمن فقط في مساعدته أن يضعنا على مسار مفهوم جديد. يقدم القسم الأخير من مقالة دريدا نقداً لهذه القصة المألوفة لدى نيتشه وغاستون باشلار. فالاستعارة، إذن، مسلمة بها في الفلسفة طالما أنها تعد بالرجوع إلى حرفية المفهوم ومعها مصادر إضافية:‏

    تحدد الفلسفة الاستعارة على أنها خسارة مؤقتة للمعنى، اقتصاد للخاص من دون تلف يتعذر إصلاحه، التفاف لا مفر منه بلا ريب، لكنها أيضاً تاريخ وقد وضع نصب عينيه إعادة استيلاء دائرية على الحرفي ضمن أفق المعنى "الخاص".‏

    إذن، نحن نقف قبالة مثال عن نمط تفكير يستدعي على نحو مميز تفكيكية دريدا: إذ ثمة مفهومان، في هذه الحالة هما الاستعارة والمفهوم، متقابلان بطريقة تنطوي ضمناً على منح امتياز لأحدهما دون الآخر وذاك بجعل الأول يتبدى مركزاً والآخر هامشاً (من هنا جاء عنوان كتابه "هوامش الفلسفة"). إن تفكيك مثل هذه التراتبية المفهوماتية، وفق فهم دريدا للمصطلح، ليس مجرد مسألة قلب علاقة المركز والهامش. إنه بالأحرى تبيان أن التمايز بين المركز والهامش الذي نحن بصدده يمكنه أن يصبح واضحاً عبر استناد خفي إلى مكونها الهامشي ليس إلا. هدف دريدا من تضاد المفهوم/ الاستعارة إظهار أن هذا التضاد بأكمله يستند إلى الاستعارة، بالمعنى الثاني من المعنيين اللذين ميزناهما آنفاً. ولكي يكون التضاد واضحاً من حث رؤية العلاقات بين الخطاب "الخاص" والاستعاري اللذين يدمجهما هذا التضاد، ينبغي على مصطلحات المفهوم والاستعارة نفسها أن تكون مصطلحات في لغة "خاصة"؛ أي، لغة تكتسب فيها المصطلحات معنى بمعزل عن العلاقات فيما بينها، وذلك باتصالها المتكافئ مع مقومات واقعٍ خارج اللغة وتعادلها معه. محاجة دريدا، في الواقع، أنها ليست كذلك وأن ليس ثمة مصطلحات تستمد من لغة كهذه. يستند هذا الاستنتاج جزئياً، بطبيعة الحال، إلى تطبيق أوسع للتفكيكية المنخرطة في زعم أكثر شمولية بأن فكرة لغة كهذه هي عينها فكرة متصدعة؛ فهي لا تستطيع أن تتسم بالإقناع إلا من خلال نزع التشديد عن سمات محددة وتهميشها، ويصنف هذا الزعم في مكان آخر تحت المصطلح الدريدي "الاختلاف والإرجاءDifférance" الذي ينتمي إلى لغة بذاتها. غير أن ذاك الزعم الأوسع ليس في مركز الاهتمام المباشر للميثولوجيا البيضاء. ويمكن أن نوجز محاجات دريدا المركزية في مقالته فيما سيأتي:‏

    1. إن مفهوم الاستعارة ليس دخيلاً على الميتافيزيقيا. بل إنه مفهوم ميتافيزيقي.‏

    ويستهل القسم الثاني من المقالة، Plus de Metaphore، ببيان من هذا القبيل: "تبقى الاستعارة، في خصائصها الأساسية كافة، فلسفة كلاسيكية، ومفهوماً ميتافيزيقياً".‏

    2. وهو [مفهوم الاستعارة] في حد ذاته، شأنه شأن المفاهيم الميتافيزيقية الأخرى، ينبثق من شبكة من مثل هذه المفاهيم: نظام من المصطلحات حيث تفسر معانيها، في علاقاتها بعضها ببعض، الواحدة الأخرى على نحو تبادلي.‏

    إذن، الهدف الذي يضعه دريدا لنفسه في مناقشته لأرسطو، بادئ الأمر في القسم الثالث من المقالة، هو إظهار كيف أن التمايز بين الخطاب "الخاص" والحذفي، وهو مركزي في حد ذاته في زعم الفلسفة بأنها تشكل خطاباً من النوع الأول، ينبثق من شبكة التمايزات، التي "يبدو أنها تنتمي إلى سلسلة أنطولوجيا أرسطو الطويلة عديمة الحركة، بنظريتها في قياس تمثيل الوجود، بمنطقها، ونظريتها المعرفية، وبمزيد من الدقة بشعريتها وبلاغتها".‏

    3. من هنا، أن أية محاولة لإقامة التضاد بين الاستعاري والحرفي (أو "الخاص") في لغة تتعالى على ذلك التمايز الذي يميز، من وجهة نظر خارج اللغة، ما بين العلاقة المباشرة بين الاسم وحامله وبين العلاقة غير المباشرة بين اسم واسم متورط في الاستعارة والعبارات الملتوية، نقول، ستفشل هذه المحاولة لأن المصطلحات التي تشتغل بإوالياتها ستبرهن أنها نفسها قابلة للتأويل فقط، عند نقطة ما، من خلال قوة الاستعارة والعبارات الملتوية.‏

    في الواقع هذه هي الحركة التي تسود مناقشة دريدا للمحاجة في القسم الثاني من المقالة، أسباب فشل محاولات محددة أن تقدم تصنيفاً يفترض فيه أن يكون غير استعاري لاستعارات أرسطو. بعد ذلك، في "حذف الشمس"، يتناول دريدا الثيمة نفسها بالبحث في مناقشته اشتقاق أرسطو، في كتابه "الشعر"، اسماً لفعل الشمس، الغفل من الاسم في حالات أخرى، في "قذف لهبها" من الفعل "يبذر" [speirein] وتتمثل فكرة دريدا هنا: بما أن قياس التمثيل بين أشعة الشمس والبذر غير "مرئي" [vu]، ولا تفرضه الطبيعة علينا على نحو لا مرد له، إن تبدى لنا بوصفه إكراهاً، فهو يستطيع فعل ذلك لأنه ينبثق من "السلسلة الطويلة التي نادراً ما تكون مرئية" لقياسات التمثيل التي سيكون مصطلحها الأول صعباً على أي امرئ أن يظهره، هذا إذا تجاوزنا ذكر أرسطو. بعبارة أخرى، يتصدى أرسطو لإمكانية أن التسمية - المجتزأة والهامشية من خلال مناقشته الكاملة للاسم بحسب دريدا- من جانب، والتعبير الملتوي وقياس التمثيل من جانب آخر، قد تُثبت في آخر الأمر استحالة انعتاقها. ترجع هاتان المحاجتان إلى زعم مركزي: لكي يقول الميتافيزيقي ما يريد قولـه، يحتاج إلى أن يرى الأمور من وجهة نظر خارج اللغة، وجهة نظر مبدئياً منيعة عليه. مثلما يقول دريدا، "تستحيل السيطرة، من الخارج، على الاستعارة الفلسفية في حد ذاتها باستخدام مفهوم استعارة يظل نتاجاً فلسفياً". من الواضح هنا أن تعليل دريدا لاستناد الميتافيزيقيا إلى الاستعارة يمضي عميقاً أكثر من تعليل أناتول فرانس. إذ أن محاجة "آريست وبولفيل" ترتد إلى النزاع الوضعي المعهود: إذ ثمة استخدام أساسي بدائي للكلمات حيث تستمد، بمعزل عن علاقة بعضها ببعض، معانيها من الترابط مع مظاهر الخبرة البسيطة المجسدة المادية، لكن، وعلى وجه التحديد، ما يطعن دريدا في صحته هو إمكانية أن يظهر في التجريد هذا الترابط البدائي بين اللغة والعالم [الخارجي] من "سلسلة" العلامات.‏

    4. ومن ثم ليس ثمة شيء بوصفه "جوهراً"؛ أي أن معنى مصطلح ما "مستقل بصرامة عما ينقله." فما يدل عليه تعبير ما، وليكن E، هو أمر داخلي في اللغة التي ينتمي إليها.‏

    من هنا،‏

    5. يكف "التفاف" الاستعارة أو العبارات الملتوية، تلك السفينة التي تصورها عادة الميتافيزيقيا الغربية على أنها تعود محملة بمعنى حرفي جديد، يكف عن أن يكون ممكناً تصوره وكأن المرء يسلك منعطفاً مسدوداً. والحذف، كما يظهر المصطلح في عنوان القسم الثالث من المقالة، هو، في البلاغة، بين أشياء أخرى، إسقاط كلمة أو أكثر تكون ضرورية للتعبير عن معنى كامل لجملة ما. لكن- هذه هي فكرة دريدا- إذا كان المعنى الكامل لجملة ما لا يجب أن يمنح بربط مصطلحاتها واحداً تلو الآخر بجواهر ممنوحة خارجياً إلى اللغة، فإن فكرة معنى معبر عنه تماماً، معنى غير حذفي تتلاشى إلى فراغ؛ وبما أن سلسلة مثل هذه التأويلات لا نهائية، فإن تراكم طبقات المعنى الملحقة (أحد العبارات المفضلة لدى دريدا) قد تكون لا نهائية أيضاً.‏

    ويستتبع هذا أن جميع الخطابات، بما فيه الخطاب الميتافيزيقي، تقع في أحبولة الإمكان، السلطة الزمنية والعرف المكاني التي يتمنى شاحذ بولفيل الميتافيزيقي أن يحرر قطعها المعدنية النقدية المتآكلة كيما يخلع عليها قيمة غير محدودة وتداولاً لا حدود له. إن الخطاب الميتافيزيقي خطاب مشتق من الاستعارة، وليس ما تُرك وقتما طهرت اللغة نفسها من آثار الاستعارة والعبارات الملتوية والحذف على اختلاف أنواعها.‏

    السياسة والهومانيزم‏

    إن أحد أهداف الميتافيزيقيا الغربية، ابتداء من أفلاطون وأرسطو إلى هيغل، ماركس، هوسرل، هايدغر أو سارتر، كان توصيف الجوهر أو الطبيعة المتطابقة مع مفهوم الإنسان. وهو المشروع الذي يضعه دريدا نصب عينيه حينما يتكلم عن الهومانيزم ويناشد نهاية الإنسان كشأنه في مقالة أخرى في "هوامش الفلسفة". يستند هذا المشروع، بطبيعة الحال في نظر دريدا، إلى قوة اللغة، من جانب، في خلق معنى جديد وذاك بتحويل العلاقات بين العلامات كيما تنتج التفسير المتعلق عن بعد ولكن الدخيل تماماً على جوهر الإنسان الأمر الذي كان ميزة لأرسطو وهايدغر على التوالي، ويستند من جانب آخر إلى إنكار وتهميش تلك القوة لصون معقولية الزعم القائل أن ثمة مثل هذا الجوهر وينبغي نشدانه. جوهر أصلي، وحدي، كفيل بأن يُمنح للفكر بنهائية [وإلى الأبد]. إن حركة الاستناد والتهميش المزدوجة هذه هي، في نظر دريدا، في الصميم من دافع الثقافة الأوربية على مر السنين في أن تقدم نفسها على أنها محددِّة لطبيعة الإنسان بذاته. ما يقصيه هذا الدافع هو الاختلاف بفحواه الثقافي وبالمعنى الذي يقصده دريدا بـ(الاختلاف والإرجاء)؛ أي، قوة العلامات في أن تنمو ملتحمة مع المعاني الملحقة التي تختلف عن تلك المعاني الملحقة سابقاً وترجئ إلى أجل غير مسمى توطيد معنى وحدي نهائي. ويمثل تجمع الثقافات غير الغربية سياسياً، داخل الغرب وخارجه، القوة المهمشة لـ "الاختلاف والإرجاء" الذي "يثقل، بوطأة صامتة متنامية مهدِّدة، على السياج الذي أقامه كلام الغرب [حول نفسه]." تتعلق لعبة الاستعارة الاقتصادية التي تستفتح الميثولوجيا البيضاء بهذه الثيمة. وقطع بولفيل النقدية المشوهة هي موضوع لـusure بمعنييها- الاستعمال (الكشط) abrasion (استهلاك القيمة بالبلى والاستعمال) والمراباة (usury) بما أنها تفتح إمكانية أن تكون اللغة نفسها، في اللعبة اللامتناهية للاستعارة والحذف، قادرة على منح فائدة لـ"الميتافيزيقيا؛ الميثولوجيا البيضاء التي تعيد حشد ثقافة الغرب وتعكسها". وما نقش على حاشية القطعة المعدنية أو الميدالية - التاريخ واسم النقّاش- هو الذي يحمل، على وجه الدقة، الإحالة إلى احتمال [حدوث شيء ما]، وإلى التاريخية، والآخر، أي ما يجب إقصاؤه إن كان ينبغي على الكسب الاقتصادي الذي وعد به الـ usure أن يتحقق. من المغري بطبيعة الحال، أن نربط هذه الثيمة؛ أي استغلال وتهميش الآخر غير الغربي في الآن نفسه، بباكورة تجربة دريدا، حينما كان طفلاً لأسرة يهودية جزائرية، في الاستبعاد السياسي والشخصي في ظل قوانين حكومة فيشي العنصرية التي يرصدها دريدا بمشاعر مؤثرة في نص عن السيرة الذاتية يشغل ذيل صفحات (أي، هوامش) كتاب جاك دريدا لـ جيوفري بنينغتون‏ ودريدا. ‏



    بعض اعتراضات قياسية‏

    إن أكثر اعتراض ماثل للعيان يثار ضد التفكيكية، من قبل الفلاسفة والنقاد غير المبالين على حد سواء، هو أنها تستلزم تبعات عبثية أو تبعات لا تصدق. والأكثر شيوعاً في هذا الزعم المعلن بصراحة وفظاظة شديدتين هو: 1. أن محاجات دريدا تلغي التمايز بين اللغة والواقع خارج اللغة بإذابتها هذا الأخير في الأول؛ 2. أطروحته في أن محاولة تأسيس معنى ممتلئ لتعبير ما يخضع من حيث المبدأ لإرجاء غير محدود، تستلزم أن ليس ثمة تعبير له معنى في أية حال (عدمية لغوية)؛ 3. ومع التخلص من فكرة أن أي تعبير له معنى محدد ومن إمكانية التمييز بين اللغة والعالم، بدد دريدا إمكانية أي تصور واقعي (أي، غير نسبي وغير براغماتي) للحقيقة؛ وأخيراً 4. بتبديل النقد العقلاني للميتافيزيقا بما يبدو أنه توجه بلاغي للنقد خان دريدا التزام حركة التنوير الفلسفية بالعقل وأسبغ غشاوة على التمايز المنهجي بين الفلسفة من جانب وبين الأدب والنقد الأدبي من جانب آخر.‏

    من الواضح، بطبيعة الحال، أنه لن ينظر كل امرئ إلى 1 و4 على أنها تكوّن "اعتراضات". والحق، أن إحدى أكثر السمات المميزة واللافتة للمناقشة الغزيرة- غالباً يكون ملؤها الحنق- في الثلاثين سنة التي مضت لعمل دريدا هو ميل مؤيِّديه في أن يلوحوا باكتشافات تصنع عهداً جديداً هي نفسها التي يلوح بها المنتقصون من قيمته بوصفها سخافات.‏

    كما سيتكشف البحث في كتابات دريدا بيسر (على المرء الحذر نوعاً ما للتمييز هنا بين كتابات دريدا وملخصات مشايعيه وشروحهم لأعماله)، فقد أنكر دريدا غير مرة أن تكون آراؤه تستلزم أياً من التبعات الآنفة. وبالمثل كما يعلق بنينغتون بعد تعيين سلسلة استشهادات كهذه، "لا يكفي إثارة هذه الفقرات التي قد تكون دائماً مجرد تنصل أكثر من كونها تفنيداً".‏

    بقدر ما يتعلق الأمر بـ1 و2، كما ساجلت بإسهاب في مكان آخر، ليس ثمة ضرورة للتفنيد بما أن كليهما استنباط خُلْفيّ [استنباط غير متفق مع المقدمات]. جلي من محاجة الميثولوجيا البيضاء في تلخيصنا لها، أن دريدا لا يساجل ضد القناعة المألوفة العادية أن ثمة كيانات بذاتها خارج اللغة، بل يساجل ضد الأطروحة الفلسفية أن ثمة معاني (دلالات) يتم تصورها بوصفها كيانات خارج اللغة. إذا كان هناك مثل هذه الكيانات، ممنوحة لحضور الوعي الهوسرْلي المحض، أو لاكتساب المعرفة الرسلي [من رسل]، كان بمقدور سائر مصادر المعنى المتضمنة في المفهوم المتطابق أن تُمنح بإسهاب إلى العقل المتأمل في مثل هذا الكيان (فكرّ، مثلاً، في "الفطرة البسيطة" الديكارتية التي تعزز ابستمولوجيا "الإدراك الواضح والمميز" الديكارتي). مؤكد أن إصرار دريدا على الاختلاف والإرجاء بوصفهما أمرين أساسيين للعلاقة القائمة بين العلامة والمدلول يتبع كنتيجة له إنكار الأطروحة الفلسفية، على اختلاف أنواعها، أن المضمون الدلالي الممتلئ لمفهوم ما، يمكنه أن يُمنح وبإسهاب إلى فعل معين خاص، غير لغوي أو خارج اللغة، للوعي. ويتبع كنتيجة أبعد له، أن المرء لا يستطيع أبداً أن يكون على يقين في أنه استخلص كامل المعنى المضمر باستخدام معين للكلمات في سياق معين (هذه هي، دون شك، النتيجة التي يضعها بعض شراح دريدا نصب أعينهم عندما ينسبون طابعاً تلمودياً إلى عمله). ما لا يتبعه هذا الإصرار كنتيجة له هي أطروحة - تحال إلى دريدا على نحو غير محكم- أننا لا نستطيع أن نميز في سياق معين من الاستخدام بين ما قد يعنيه تعبير ما في ذاك السياق، وما لا يمكنه أن يعنيه في السياق عينه؛ لذا لا نستطيع أن ننسب أي معنى محدد إلى أي تعبير في أي سياق مهما يكن. الحق، أن الأمر ليبلغ درجة العدمية الدلالية. إن إعادة صياغة مبدعة ستخدم، من دون شك، في استخلاص مثل هذه الأطروحة من الجمل وأشباه الجمل القصيرة المقتطفة من عمل دريدا وتقدَّم، مجردة من سياقها، بوصفها دليل إدانة. غير أني على ثقة أن ليس ثمة إمكانية استدلال على مثل هذه الأطروحة تترتب على تحليل متأنٍ، مهما يكن، لمحاجة دريدا كما حاولنا منذ وهلة، وبطبيعة الحال، لا تترتب على المحاجات المقدمة هنا. هذا فضلاً عن أن هذه الأطروحة ستكون متناقضة مع أمر هو قطعاً زعم مركزي في فلسفة دريدا، أعني، الأطروحة التي تقول إننا لسنا بحاجة مَنْفَذٍ إلى المقاصد الواعية للكاتب أو المتكلم أو أحوالهما كي نكون قادرين على فهم ما يكتبه أو يقوله.‏

    دريدا والبراغماتية الأمريكية الجديدة‏

    إن معرفة معنى تعبير هي، للوهلة الأولى، معرفة الكيفية التي ينبغي للمعنى أن يستخدم في الخطاب. أخذت مجموعة كبيرة من الكتابات الفلسفية واللغوية، ولم تزل، ذاك الفكر البين لتدل ضمناً أن معرفة المعاني هي معرفة القواعد [النحوية]. وقد كانت إحدى الوظائف التقليدية للاعتقاد بالمعاني أو المفاهيم الفعليين؛ بمعنى خارج اللغة، التي يهاجمها دريدا في الميثولوجيا البيضاء، أن توضح ما الذي يضفي سمة المصداقية على القواعد التي نحن بصددها. أُضفِيَت المصداقية على القواعد، على حد قولهم، لأنها تقوم، خارج اللغة، على أساس طبيعة الأشياء. هنا يكمن السبب في أن الخطاب بمقدوره أن يمثل بصدق طبيعة الأشياء. وإذن، يستمر الخطاب في تتبعه مسار الواقع من خلال واقعة أن المفاهيم التي يمضي بها الخطاب حثيثاً ليست مجرد بنيات لغوية، بل سمات، أو كما كان الراحل رسل سيقول: "مقومات" الواقع عينه. إذا نبذنا المعاني فإننا بالتالي، هكذا يزعم، ننبذ الحقيقة نفسها، أو أقله ننبذ أي تصور للحقيقة غير نسبي وغير براغماتي. من ثم نصل إلى المجادلات بشأن الواقعية، اللاواقعية والنسبية، التي غذّت حديثاً الموروث التحليلي في الفلسفة.‏

    على النقيض مما يظن عادة، يبدو ليس ثمة سبب للافتراض أن دريدا قد حازب، سواء أكان عمداً أم سهواً، في هذه المساجلات. ويبدو أنه ليس ثمة ما يمنعه من أن يتخذ موقفه على أساس الزعم السلبي المحض في أن التفسير التقليدي للمعاني بتحويله لها إلى صنف من الكيانات الميتافيزيقية إنما هو تفكيك ذاتي. بالمثل، لو سأل سائل عما يمنحنا السيطرة، إذن، على فكرة الجزم الحقيقي، ليس هناك ما يمنعه من الإجابة على نمط فتغنشتين أو أوستين أن ليس ثمة شيء ميتافيزيقي واحد يمنحنا السيطرة على فكرة الحقيقة بوجه عام، بل هناك كثرة هائلة من الأشياء غير الميتافيزيقية تمنحنا سيطرة عليها في حالات مجسدة متنوعة من الحياة اليومية، ولصياغة هذه النقطة بتعابير أكثر دريدية نقول: إن مفهوم الحقيقة يتشكل داخل اللغة مثله مثل أي مفهوم آخر، ينتثر داخلها، كأي مفهوم، إلى ما لا نهاية استجابة لقوى الاختلاف والإرجاء.‏

    في الواقع أعتقد أن هذه المواقع هي التي يستند إليها دريدا، رغم أن المكان ليس مناسباً لجمع التأييد النصي لهذا الزعم. كما لا توجد مراوغة بخصوص هذه المواقع. لكن عدها قراء عديدون، القراء المتحدثون باللغة الانكليزية خاصة، مواقع مراوغة. في حين صعب على آخرين الاعتقاد بأن محاجات دريدا لا تحيله بالضرورة إلى موقع نسبي شكوكي جذرياً عن القواعد والمعنى اتخذه كواين Quine وكتاب آخرون من ضمن إطار تأثير الأفكار الكواينية كدافيدسون Davidson، رورتي، أو كريبك Kripke. أشار صاموئيل ويلر Samuel C. Wheeler III في دراستين له إلى الحركة المؤسسة لأسرة الآراء الأخيرة هذه، وقد اعتبرتا إلى حد بعيد بكونهما تقيمان رابطاً وثيقاً بين فكر دريدا‏ وفكر دونالد دافيدسون:‏

    بدون النظرية الجوهرية [الماهوية] بخصوص المعاني والقواعد الدلالية، ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب. الجمل المقبولة في متن الخطاب هي، على مختلف أنواعها، أجزاء من "نظرية" تتباين أجزاؤها بطرق متعددة في الدرجة لا في النوع. توجد "الأشياء"، إذن، بوصفها افتراضات نظرية ما. وما يحل محل الضرورات والجواهر الموضوعية هي فكرة الوجود وفقاً لنظرية؛ أي، تعهد أنطولوجي. ‏

    ما ينيط بدريدا، في نظر ويلر، الإمساك بالاختيار بين "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد" والبرغماتية الدافيدسونية وشكوكيتها بوصفه اختياراً لا مفر منه هو محاجته أن معنى علامة ما، مع غياب المعاني الممنوحة لحضور الوعي بأكمله وبكليته، يستند إلى الآثار التي تربطه بعلامات أخرى، التي بدورها تحدث آثاراً هكذا إلى ما لا نهاية. وفي قوله: "إن هذا التصور السوسيري في أن المنظومات المفهوماتية أنظمة اختلافات، يشبه شبكة اعتقاد كواين"، يعتبر ويلر أن محاجة دريدا تستلزم أطروحة كواين الشهيرة في "عدم تحدد الترجمة":‏

    إن الصورة التي يتطلبها إنكار الحضور... هو أنه هناك نزعات المؤول لما ينبغي عليه قوله ومتى ينبغي قول ذلك (نظريته) ونزعاتنا لما ينبغي علينا قوله ومتى ينبغي قول ذلك. الترجمة أو التأويل هي مجرد ترسيمة تقوم على أساس هذه العناصر. والتساؤل عما يعنيه حقاً منطوق ما بلغة في لغة أخرى مثله مثل السؤال أي مواقع كرة القدم هو موقع الدفاع. ‏

    هذا الفهم هو في حد ذاته مثار جدل، فهو يتجاهل التباين، المشار إليه، بين التحليل الفريجي للمعنى من حيث صدق الشروط الذي يتقاسمه عملياً سائر الأطراف المشاركة في المجادلات التي أثارها ويلر في الفلسفة التحليلية، وبين تصور دريدا السوسيري جوهرياً عن المعنى بوصفه متورطاً في علاقة بين علامة (دال) ومضمون مفهوماتي (مدلول). ومحاولة البرهان، شأن دريدا، على أن الميتافيزيقيا الغربية ليس بمقدورها الزعم أنها رسخت على نحو قاطع مضمون مدلول معين، مفهوم "الإنسان" مثلاً، لاستحالة إقصاء الانجراف المنتثر في مضمون هذا المفهوم أو أي مفهوم آخر، ذاك أن إمكانية مثل هذا الانحراف متأصلة في طبيعة أية لغة يمكن للميتافيزيقيا (لا أن تُنطق أو يُفكر، بل) أن تُكتب بها، نقول إن محاولة البرهان هي، من دون شك، أن يلتزم المرء بإنكار "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد". لكن من الصعوبة بمكان أن نفهم لم ينبغي لهذه المحاولة أن تلزم المرء بأطروحة كواين في عدم التحدد، إلا إذا أخذ الاختيار بين الجوهرية بخصوص المعاني وعدم تحدد الترجمة الكوايني [من كواين] كي تستنفد الخيارات النظرية المتاحة، إذ أن هذه الأطروحة هي بلا ريب، رغم الرواج الهائل حديث العهد لطريقة كواين في النظر إلى المسائل، مثار جدل.‏

    يبدو واضحاً، على أية حال، أن تضمينات موقع دريدا تتعارض مع التضمينات الدافيدسونية، أقله من جانب بارز. وقد لاحظ آيرن هارفي Irene Harvey أن دريدا يعير دور الأمثلة في الميتافيزيقيا اهتماماً مركزياً:‏

    ابتداء من عمله عن هيغل، على نحو بارز في Glas [نواقيس]، توخى دريدا تعيين حدود "بقايا" الـAufhebung9 [بديل، إبطال]. فبدءاً من مكان اليهود فيما يتعلق بالأسرة، الدولة، النصرانية، والفلسفة، يتعقب دريدا المسالك التي يقصي بها هيغل اليهود فقط كيما "يتضمنـ"هم "في مستوى أعلى"؛ أعني، ليس بوصفهم يهوداً، بل بوصفهم النصرانيين الأصليين، في-الـ-طريق ليكونوا ما هم ليسوا عليه... وما هو بمثابة المجازفة بالنسبة (لدريدا) هو توضيح حدود هذا الإقصاء والتضمن في الآن نفسه لـ اللا-مثال non-example بكل ما للمصطلح من معنى- داخل المذهب الفلسفي الهيغلي. فاليهود ولا-مكانهم ليسا إلا مثالاً عن هذه الطريقة لكونهم على علاقة مع الـAufhebung. فبما أنهم مستبعدون بمقدورهم أن يكونوا متضمنين؛ على أن الآخر راديكالياً، يجب إقصاؤه في حد ذاته. ‏

    ما تعززه هذه الفقرة هو التشديد مرة أخرى على مركزية غرض كتابة دريدا في تسليط الضوء على استناد زعم الميتافيزيقيا الغربية أنها تعبر عن آراء الإنسانية بعامة إلى آخر مستبعد مهمش حيث إمكانيته، إذا جاز التعبير، متأصلة في طبيعة علاقة الدال/المدلول تبعاً [للشكل الذي] أسست به في الاختلاف والإرجاء. كيما يكون هذا موقفاً واضحاً، يجب أن يكون ثمة إواليات اشتغالِ مجانسةٍ لمبدأ الوضوح الذي اقترحه ميشيل دوميه Michael Dummett في سياق آخر. وكي يُفهم الآخر بوصفه ما "يجب إقصاؤه في حد ذاته" ينبغي أن يكون ممكناً للآخريّة أن تظهر نفسها في الكتابة من خلال إواليات اشتغال الاختلاف والإرجاء. إن كان بمقدورها فعل ذلك، فعلى الأقل، أحد أحلام حركة التنوير الفلسفية قد مات: إذ لا يمكن أن يكون ثمة "تاريخ عالمي للإنسانية". في فقرة لافتة للنظر ينحاز رورتي للموروث الكوايني البراغماتي الجديد ونصب عينيه ذاك المشروع [تاريخ عالمي للإنسانية] تماماً:‏

    إن إجابة البرغماتي على السؤال الذي يطرحه ليوتار Lyotard في "التاريخ العالمي والتباينات الثقافية": "هل يمكننا الاستمرار في تنظيم الأحداث المتراصة فوقنا من عوالم الإنسان وغير الإنسان على يد فكرة تاريخ عالمي للإنسانية؟" هو أننا نستطيع وينبغي.. علينا نحن الديوويين [من جون ديووي] أن نمتلك تاريخاً لنعرف ارتقاء جنسنا البشري، تاريخ تشدد وقائعه الحديثة على الكيفية التي تطورت بها الأحوال في الغرب طيلة قرون قليلة مضت، ويخلص إلى اقتراحات عن الكيفية التي يمكن لها أن تتقدم أكثر في القرون القليلة القادمة. لكن لو سأل سائل عن التباينات الثقافية، عما ينبغي لتاريخنا أن يفعله مع الصينيين والكاشيناهو، لا يمكننا الرد سوى أن التواصل، على حد علمنا، مع هذه الشعوب قد يفيد في تعديل أفكارنا الغربية عن أفضل المؤسسات التي يمكن لها أن تجسد روح الديمقراطية الاجتماعية الغربية... إن هذا الضرب من التمركز العرقي هو، نعتقد نحن البرغماتيين، أمر لا بد منه ولا اعتراض عليه... ليس بمقدورنا أن نسلخ جلد الديمقراطية الاجتماعية الغربية عن أنفسنا حينما نواجه ثقافة أخرى ولا ينبغي علينا أن نحاول. كل ما علينا فعله هو أن نمكث ما فيه الكفاية داخل قاطني تلك الثقافة لنحصل على بعض الأفكار عن الكيفية التي ننظر بها إليهم، ونرى إن كان لديهم أفكار نستفيد منها. ‏

    من بالغ الصعوبة تلفيق فقرة أكثر بعداً، في ثقتها بنفسها وغلبتها الثقافية العرضية، عن روح عمل دريدا. لكن الموقف الذي تجسده ليس مشدوداً إلى نير زعم كواين وحده، بل تبعة ضرورية لهذا الزعم مثلما يعبر عنه ويلر: "ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب". إن توسيعاً ملائماً لهذا الزعم وإضفاء صبغة أكثر راديكالية عليه، كفيلان بأن يفسحا الطريق لتفسير دافيدسون "للتأويل الراديكالي" الذي بدوره سيخلي الطريق للنتيجة التي يستكشفها دافيدسون في فكرة منظومة مفهوماتية بالذات أن ليس ثمة "أساس واضح يمكننا بناء عليه القول أن المنظومات مخلتفة". ففي حين أن اللغة في نظر دريدا تسلمنا من انجراف مستمر للمألوف إلى الاختلاف والإرجاء، إلى الآخرية، نجد أن طبيعة التأويل البراغماتية في نظر دافيدسون تجعل من المستحيل مبدئياً لأية آخرية راديكالية أن تظهر نفسها في "اللغة" التي تصبح بناء عليه وعلى نحو قاطع وأبدي لغتـ"نا". وندلف من هنا إلى إعادة تقديم رورتي، من الباب الخلفي للبراغماتية، إذا جاز التعبير، وفي ظل يافطة الديمقراطية الغربية المطامنة، من دون شك، لبعض الأسماع، وعلى وجه التحديد مزاعم الميتافيزيقيا الغربية التي قضى دريدا حياته مُجدّاً في قتالها، نقول إعادة تقديمه لكيفية الوصول إلى "التاريخ العالمي" وحتمية علاقة مع الآخرين تأنف أن تواجههم- في حين أنها قد تبحث فيهم وتستفيد منهم- بوصفهم أفراداً متخلصة بذلك من فهم غريب غير أنه مكافئ لما ينبغي أن يكونه الإنسان كي يكون إنساناً.‏



    دريدا وهابرماس في الأدب والفلسفة‏

    الاعتراض الرابع في أن دريدا يخون قضية العقل بإسباغه غشاوة على التمايز بين الخطاب الأدبي والخطاب العلمي، يفصح عنه يورغن هابرماس ويوضح حدوده بقوة. شأنه شأن رورتي، وعلى نحو سديد من دون شك، ينظر هابرماس إلى دريدا، بوصفه يخاطب المشكلة التي تمخض عنها كامل "خطاب الحداثة" في ما إذا كان ممكناً إضفاء سمة المصداقية على معايير العقل الغربي وكيف يتم لها ذلك؟ مثل رورتي أيضاً، يرغب هابرماس في أن يحتفظ بشيء من السيطرة على فكرة التاريخ العالمي، مع أنه سيسلم ورورتي بأنه لا يمكن لها أن ترتكز على البراغماتية سواء أكانت براغماتية ديووي، كواين أم براغماتية دافيدسون على مختلف أنواعها، كما لا يمكن الزج بفكر دريدا في خدمة مثل هذا المشروع. إذ أن دريدا، في رأي هابرماس، عدو العقل بصراحة؛ فهو أحد الأشخاص الذين يريدون "بسط سلطان البلاغة على دائرة المنطقي". وخطأ دريدا، وفق هابرماس، هو ما يراه رورتي وويلر بكونه فضيلته الرئيسة إذ لا يرى بديلاً ثالثاً، من جانب، للإحالة إلى خارج النص Logocentrism التي تقرن الدفاع عن المعايير العقلانية بميتافيزيقيا الحضور، ومن جانب آخر، لا يرى بديلاً ثالثاً للنسبية التي تجعل من ثوابت الصحة والنقد العقلاني داخلية في الممارسات اللغوية والمتعلقة، في نهاية الأمر، باحتمالات الافتراض، التاريخ والمصالح العملية المشتركة التي حدث أنها وسمت مجموعات بشرية معينة بسمة مميزة. يقترح هابرماس خياراً ثالثاً يبلغ، في الواقع، مصاف الاستدلال المتعالي لمعايير العقل لكونها شروطاً مسبقة لإمكانية التواصل:‏

    إن ألعاب اللغة لا تفعل فعلها إلا لأنها تسلم جدلاً بـ"أوضاع مثالية" Idealizations تتعالى على أية لعبة لغوية محددة؛ ولكونها شرطاً ضرورياً لاحتمال بلوغ الفهم، تحدث هذه الـ"أوضاع المثالية" منظور اتفاق متاح للنقد على أساس مصداقية المزاعم... واستناداً إلى هذه الحاجة لإقامة الاختبار ضمن الممارسة العادية يمكن للمرء التمييز، مع أوستين وسيرل Searle، بين الاستخدامات "المعتادة" للغة واستخداماتها "الطفيلية".‏

    ومن طريق الاحتكام إلى الـ"أوضاع المثالية" المختلفة والمعايير المقترنة بالمصداقية التي تحكم الأنماط المختلفة للمشروع اللغوي، يمضي هابرماس حثيثاً في إقامة تمايز بين "لغة الفلسفة والعلم"، ولكونها مخصصة إلى حد بعيد لـ"أغراض معرفية فهي مطهرة من كل ما هو استعاري ومجرد بلاغي، منعتقة من الاختلاطات الأدبية"، وبين اللغة الأدبية المتصورة بوصفها لا تُعنى إلا بإمكانية "العالم التوليدية" للغة نفسها. لا يعير هابرماس بالاً، على ما يبدو، لما قد تكونه فكرة النشاط الأدبي المتصورة في هذه المصطلحات؛ الحال، أنه يذكر ها بعبارات- مثل "لا تواصل شؤون العالم"، تخول "الأفعال الإنشائية"- بـ"خلق لعوب لعوالم جديدة، أو بالأحرى بإثبات قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم"- توحي بأنها قد لا تملك أية فكرة أساسية على الإطلاق. إن وجود الأدب في نظر هابرماس شيء من الأحجية، وقد كان كذلك ولم يزل بوجه عام بالنسبة للمنظرين في أوساطنا. إلا أنه صريح في أن الأدب لا يملك دوراً في تكوين هوية المرء سواء أكانت شخصية أم ثقافية، كما لا يملك دوراً في تشكل وجهة النظر أو مصطلحات ترابط المجتمعات، إذ أن هذه المهمات تقتضي ضمناً وظائف معرفية هي ميدان مقصور على "العلم والفلسفة".‏

    إن السيرورات التي تجري لغوياً كاكتساب المعرفة، توارث الثقافة، تشكل الهوية الشخصية، إضفاء السمة الاجتماعية، والدمج الاجتماعي منخرطة جميعها في التغلب على مشاكل يطرحها العالم... وهذه السيرورات التي تجري لغوياً ضمن العالم هي، في نظر دريدا، مطمورة في سياق مكون للعالم يضر بكل شيء: إذ تستسلم بنوع من القدرية للحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص. ‏

    قد يكون الدفاع عن دريدا ضد هذا الهجوم من طريق التنويه إلى المدى الذي يقترب فيه هابرماس من المغالطة المنطقية. إذا كان دريدا على حق لتوقع المرء أن الحدود بين العقل والبلاغة ستبدأ في التدفق والاندماج عندما تتجلى الاستنادات المتبادلة الغامضة المبيتة في تعقد هذه المقولات المستقلة والمتضادة جذرياً في الظاهر فحسب. يسلم هابرماس جدلاً أن هذا لا يمكنه أن يحدث بما أن الطلاق بين العقل والبلاغة الذي يتعالى على دفق اللغة هو فوق لعبة الاختلاف والإرجاء ووراء نطاقها. غير أن هذا في حد ذاته يثبت ما ينكره دريدا في أن مثل هذه المقولات المميزة لطريقة التفكير "الغربية" على الأقل منذ حركة التنوير الفلسفية ليست مجرد نتاج موضعي لإمكان تاريخي آخر، بل تحررات أبدية للعقل الأزلي الثابت. من المحتمل، بطبيعة الحال، أن أطروحة رفيعة وإيجابية كهذه قد تتوقف على دفاع سلبي متواضع. فالحد الفاصل بين العقل والبلاغة قد يتجاوز التمايزات المألوفة والواضحة تماماً مما يجعلها وراء نطاق قوة المحاجة، مهما كانت بارعة ودقيقة، لتحل محلها. بيد أنه من الغامض ثانية ما الذي ستكونه هذه التمايزات. إن أكثر الطرق حصافة ووضوحاً لتمييز تقارير "العلم والفلسفة" عن مثيلاتها في الأدب تركز على التخييل الجلي لهذا الأخير. على أن، ليس ثمة ما يقتضي في موقع دريدا، بقدر فهمي له، أن ينكر التمايز بين تقرير أدبي كـ: "لا بد أن أحداً ما كان يلفق الأكاذيب عن جوزيف ك، فمن دون أن يسيء إلى أحد اعتقل في صبيحة يوم جميل"، والتقرير الواقعي كـ"تبعد الأرض قرابة 93000000 ميلٍ عن الشمس "الناشيء عن واقعة أن هذا الأخير يدعي الحقيقة وهو في الواقع حقيقة. لا يقول دريدا، بأي معنى تافه مناف للعقل، بأن العلم "مطمور" في الأدب. ولا يتعهد، كما أشرنا، بالزعم المنافي للعقل على السواء كسابقه في أنه من المتعذر تطهير الخطاب العلمي، على الأقل ضمن حدود معينة وفي الأقسام المحكمة على نحو معقول للعلوم الطبيعية، من الاستعارة بالمعنى العادي للمزاعم التي تكون صدق شروطها إما مصمتة أو غير أساسية لوظائفها في الخطاب.‏

    لكن إذا كان الإخفاق مصير الدفاع السلبي المتواضع لمقولات هابرماس فلا خيار لديه، إذن، إلا أن يقدم دفاعاً أكثر إيجابية ورُقيّاً، ويجب على المحاجة المتعالية التي أشرنا إليها آنفاً أن تتبوأ كامل أهمية المحاجة. فهل يمكنها فعل ذلك؟ إن دعوى دريدا المضادة هي، في الواقع، أن مصطلحي العلم والأدب، كباقي المصطلحات، لا يضفى عليهما المعنى من خلال وضع الواحد منهما تلو الآخر، إذا جاز التعبير، بالاشتراك مع المضامين المفهوماتية المعطاة بكمال ونهائية مطلقين للوعي، بل هي مصطلحات مفهومة فقط من خلال علاقاتها مع بعضها البعض في لغة هي نفسها لغة محتملة، كيان تاريخي، لغة شعب من الشعوب، لغة قبيلة أو ثقافة، ولكونها كذلك فهي عاجزة عن مقاومة القوى التي تقشر معاني جديدة وظلال معان من القديمة في سيرورة ليس لها نقطة أصل محددة ولا نهاية.‏

    إن أقٌوى ورقة يمكن لهابرماس اللعب بها الآن هي الزعم أن تقسيم معين لوظائف "الأدب"، من جانب" ووظائف "العلم والفلسفة"، من جانب آخر، أمر لا بد منه لأن "الأوضاع المثالية"، معايير تحديد نجاح مزاعم الشرعية أو إخفاقها التي تعين هذه الوظائف، هي "شرط ضروري (لاحتمال) بلوغ الفهم". قد تنشأ الأوضاع المثالية التي نحن بصددها خارج اللغة، بما أنها "مفترضة مسبَّقاً" من قبل "ألعاب اللغة، وبما أنه كيما تفعل محاجة هابرماس فعلها، يجب أن تكون هذه الأوضاع المثالية منيعة على "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص" الذي يسيطر على جوانية اللغة.‏

    من المؤكد أنه ينبغي على المرء أخذ الحقيقة على أنها حالة واضحة ومركزية لمثل هذا الوضع المثالي. وبمقدور المرء الآن استدعاء فتغنشتين لمساندة دريدا. لكي يكون ثمة استخدام عام للمصطلحات بأية حال، يجب أن يمتلك المتكلمون منفذاً مشتركاً إلى المعايير التي تفرق بين تطبيق صحيح لمصطلح وبين استخدامه على نحو خاطئ أو فارغ. ذلكم، هذه المعايير التي توضح جوهرياً أن ما يصل إليه التمايز بين حقيقة أسرة هذه التأكيدات وزيفها أو تلك في الممارسة يجب أن تكون داخلية في اللغة؛ إذ لا يمكن لها أن تكون أوضاع مثالية تطبق "من خارج اللغة" على لغة يتم تصورها على أنها تؤدي وظيفة بطريقة أو بأخرى، على اعتبار أنه لا يمكن أن تكون هناك لغة تقوم بوظيفتها إلى أن توطد طبيعتها وإواليات اشتغالها.‏

    الحقيقة، باختصار، فكرة داخلية في لغة بذاتها، وليست وضعاً مثالياً مقترنة مع ضروب معينة من المشاريع تتم مواصلتها عبر لغات يمكن لها أن توجد بوصفها لغات بين متكلمين محرومين على نحو لا يمكن إنكاره من إمكانية "بلوغ الفهم" من دونها. من هنا، فإن تفسير هابرماس ما بعد النهضوي المعين تاريخياً وثقافياً إلى أبعد حد للوظائف النسبية للعلم- مشارك- الفلسفة والأدب لا يمكن الدفاع عنه بوصفه تعالياً أزلياً على "أية لعبة لغوية خاصة"، ذاك أن تقسيم الوظائف التي ينطوي عليها تتولد من طبيعة الأوضاع المثالية التي يفترضها مسبقاً بالضرورة إمكانية طرائق الفهم غير المنصوص عليها سابقاً من قبل لغة ينظر إليها بوصفها حاصل "لعبة لغوية خاصة".‏

    الحق، يبدو ثمة شيء توقيفي، مع أنه مألوف تماماً، حول تقسيم العمل بين العلم/الفلسفة والأدب الذي يقترحه هابرماس. لم ينبغي، مثلاً، أن يمنع الأدب من التأثير في "تشكل الهوية الشخصية"؟ الهوية الشخصية هي لا محالة مسألة نزعات متأصلة إلى حد بعيد، تستجيب بطرق معينة لأنماط معينة من المواقف. إن نزعات استجابة، كهذه، كثيراً ما تترافق مع الميول المعتادة على حد سواء؛ لتفسير أنماط المواقف التي نحن بصددها بطرق تخطيطية، إن لم نقل مقولبة، إلى أبعد حد. فالرواية والمسرحية قد تطور تضمينات مواقف بطرق، هي على نحو مقنع حقيقية لتجربة القارئ في الحياة، تُفْقِد على نحو خطير استقرار طرائق التفسير التخطيطية المألوفة له وتشوش على نحو خطر استتباب طرائقه المعتادة في الاستجابة لمثل هذه المواقف. بذاك، سيعتقد المرء، أن الأدب يؤثر حتماً على "تشكل الهوية الشخصية". يتوافق هذا التسليم مع الخبرة الشخصية لغالبيتنا التي تحتفظ، من بين التأثيرات العديدة التي جعلتنا على ما نحن عليه، بمكان مهم للروايات والقصائد والمسرحيات التي كانت مصدر خبرة لكل امرئ.‏

    والغريب، يبدو لي، أن المرء بمقدوره الاقتراب من لب ما يفصل دريدا عقلانياً عن هابرماس، وبالتالي الاقتراب للسبب نفسه من غالبية نقاد دريدا، من خلال تركيزهم هنا على بلاغة محاجة هابرماس. لنأخذ مثالاً عبارة "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص". فهابرماس يستخدمها لتوصيف ما يجري في الأدب، على النقيض من "السيرورات التي تجري لغوياً" التي تكون حياة العلم والفلسفة. فالتضاد الذي تنقله الكلمات عاطفياً (لكن، هل مفردة عاطفي هي المفردة السليمة؟ هل يمكن للمرء، بأية حال، أن يميز بوضوح بين عاطفية ما يقوله هابرماس هنا، بلاغيته، نغمته وفحواه؟) هو بين استخدام اللغة لتنفذ "السيرورات" التي تتعالى على اللغة، من جانب، وبين انغماس مسكر في اللغة التي تتنازل عن كامل السيطرة الواعية للذات فوق طبيعتها نفسها إلى المقتضيات المترنحة لعباب الكلمات المتناثرة على نحو يتعذر ضبطه.‏

    إن ثيمة الأدب والفن هذه بشكل عام بوصفها تقتضي ضمناً تنازل الذات عن نفسها من طريق الهجر عن العقل وضبط النفس الأبولوني إلى القوى الديونيسوسية هي، كما يذكرنا هنري ستيتن Henry Staten، ثيمة في غاية القدم. إنها، كما يقترح ستيتن على نحو لافت، الخوف من فقدان هوية الذات، الذي يحث توصيف أفلاطون لـ"أداء أيون Ion راوية القصيدة الملحمية بوصفه أداء ميكانيكياً آلياً": "إن التحكم العقلاني الواعي تماماً للمنطوق الذي يبتغي- الحقيقة هو الوقاية الوحيدة ضد تشظي الذات التي تخبو في عباراتها." ‏

    غير أنه، إلى أي مدى يستطيع "التحكم العقلاني" أن يمضي؟ إن الفكر الذي يوحّد هابرماس ومن ورائه، بطبيعة الحال، كامل الجناح العقلاني لحركة التنوير الفلسفية مع أفلاطون عن طريق تلك المفردة المكروبة "المتعذر ضبطه" هو أن "تشكل الهوية الشخصية" ينبغي أن يمضي قدماً على نحو مثالي في ظل تحكم السيرورات التي، مهما كانت مبتكرة، تستبقي عند مستوى عميق معين صفة الاختيار العقلاني. بعبارة أخرى، إذا كانت الذات تتغير وجب عليها فعل ذلك لأنها، على مستوى معين أعمق، تقرر لأسباب وجيهة أن تتغير وبذا لا تتغير على ذلك المستوى بل تبقى هي نفسها على نحو منيع. يبدو من وجهة نظر هذا النموذج أنه على البديل أن يقر أن الذات لا تملك وحدة وبالتالي لا تملك وجوداً، بل تتكسر إلى ما لا نهاية وعلى نحو لا عقلاني في محاذاة تصدعات نص دريدا ولا نهائيته. يبدو لي أن الرعب الذي يميل بعض القراء إلى الشعور به في قراءتهم دريدا، شأنهم في قراءة نيتشه، ينشأ من واقعة أن دريدا، مثل نيتشه، يستحضر تهديد قصور الذات في النواة المنيعة للمداولة العقلانية التي تكوّن وفق النموذج العقلاني وحدة الذات.‏

    وبَعدُ، عندما تُعلَن نظرية العقلاني عن الذات بهذه الصراحة الشديدة، أيمكن الدفاع عنها عن بعد؟ لنفترض، ملتفتاً إلى الماضي، أني تغيرت، بت شخصاً مختلفاً نوعاً ما، لنفترض أيضاً أنه يمكن أن نعزو ذاك التغيير إلى اللحظة التي انتهيت فيها إلى تقدير تلك القوة العقلانية لمحاجة معينة حق قدرها؟ فهل يمكن القول دائماً أنني اخترت عن عمد، من خلال نسق محاجات مضمرة على نحو أبعد نوعاً ما، لأصل إلى أن المحاجة التي نحن بصددها مقنعة؟ مؤكد لا؛ أو بالأحرى، ألن يكون مثل هذا الافتراض في غالبية الظروف هو نفسه افتراضاً توقيفياً؟ إذ يجب أن تنتهي الأسس التي تجعل من محاجة ما مقنعة في مكان ما. إن سأل سائل عما نجده مقنعاً في الأسس المقدمة لاستنتاج معين، فإننا ننتهي أن نصرح ثانية بهذه الأسس على نحو كسيح فقط. لأنها هي، وحدها، الأسباب التي تجعل لتلك المحاجة وزناً بالنسبة لنا. لقد ترنحت ثملاً مبتعداً عن نفسي ليس إلا، على جهل بالأنواع الأبولونية للسعار الديونيسوسي، على أثر الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج المحاجة! في هذا السياق الذي هو، بطبيعة الحال، بوضوح طريقة جنونية في التعبير عن الأشياء. ولكن هل الأمر أقل جنوناً في سياق تغير طريقة نظر المرء إلى الأشياء التي يحدثها الأدب؟ حينما يتحدث المرء عن مثل هذه التغييرات التي تحدثها البلاغة، بالمعنى الحديث للمصطلح، يكون الإيحاء، بالطبع، أنها أنجزت بوسائل لا عقلانية أو ما دون عقلانية، من خلال الإقناع أو غسل الدماغ. ولكن، أيمكن صون ذلك جدياً، بالنظر إلى غنى العلاقات بين التخييل الأدبي الجاد والواقع؟ ولمّا يقيم وليم بليك في قصيدته لندن علاقة بين:‏

    كَمْ مِنْ صَرْخَة كنّاسِ مَداخِنٍ‏

    أرْعَبَتْها كُلّ كَنِيسَة مُسْوَدَّة؛‏

    وتنهيدة الجندي المَنْحُوس‏

    دَماً تنحدر على جُدْرانِ القَصْر. ‏

    فهل ينبغي لنا أن نقول إنه ينقلنا إلى أرض أحلام مؤلفة من كلمات (حيث أعدُّها هي ما يتحدث هابرماس عنها على أنها "قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم" التي تتحول إلى معناها الحقيقي في لغة واضحة)؟ أم أنه من باب أولى يقدمنا إلى تجميع قسري غاشم للأشياء التي نعرف تماماً أنها مترابطة في العالم الواقعي، على أننا نتمكن من أن نبقيها بعيدة عن بعضها ما فيه الكفاية في تفكيرنا ومشاعرنا اليومية إذ أن هذه الارتباطات تصبح غير واضحة ومخففة إن بقيت لافتة للنظر بأية حال؟ أجد صعوبة في إنكار أنه عندما يجبر المرء، كما تجبره الأبيات السابقة، على تذكر هذه الارتباطات والتأمل فيها، تكوّن التجربة ما لا يمكن للمرء إلا أن يدعوه محاجة بسبب من نوعية راديكالية بليك السياسية. يبدأ العقل والبلاغة، المحاجة والإحساس المعمق- مقولات لا يألو هابرماس جهداً أن يحجب فيما بينها- في أن تغشي الواحدة الأخرى في مثل هذا الشعر، لتكشف عن التواطؤ والاستنادات الخفية من النوع الذي سيقود المرء إلى أن يتوقعه في قراءته دريدا. الحق، أن هذه التغشية من صفات (أريد أن أقول) الأدب العظيم.‏

    إذا كان على المرء أن يتحول إلى الراديكالية (ليطور ضرباً مختلفاً للذات إلى حد ما) كنتيجة لقراءته بليك، فمن الواضح، إذن، أن أي فعل أو خيار، سوء أكان عقلانياً أم فعلاً حراً، لن يتسبب في أن تنشأ تلك الذات من السابقة؛ الذات قبل- تاثير- بليك. من وجهة نظر الذات السابقة قد تكون آراء الذات الجديدة لعنة. ولعله لا يمكن للمرء أن يتنبأ من معرفة الذات القديمة إمكانية انبعاث الذات الجديدة. بعبارة أخرى، من وجهة نظر الذات "القديمة"، يوضح التغيير فقط أنماطاً من القلقلة واللانهائية هذه التي يجدها قراء دريدا العقلانيون مروعة. أمر لا يدعو إلى الدهشة، فما نتعامل معه هنا هو حدث النمو الشخصي حيث أن عقلانيته أو عدمها هي مسألة بعض تحكم ضمني تبذله الذات "القديمة"، بل هي قدرة الذات "الجديدة" في أن تبني من جديد سيرورة التغيير من حيث التصور المعدل الخاص بها عما يعد عقلانياً؛ بعبارة أخرى، تصور قد يكون أحد ثمرات التغيير بعينه الذي يجعله واضحاً. يبدو لي، الآن، للأسباب التي وضعت لها مخططاً هنا، والتي أسهبت فيها في مكان آخر، أن إعادة البناء ليست أصعب في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي يسببه الأدب منها في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي تسببه المحاجة العلمية أو الفلسفية. ويبدو لي، إلى ذاك الحد، أن مقولات العقل والبلاغة التي يتهم هابرماس دريدا بأنه يخلط فيما بينها هي، إن لم تكن زائفة، على الأقل مقولات تظهر بتعمق الأنواع الدريدية للاشتراك الضمني.‏

    قد تبدو هذه الطريقة في الدفاع عن دريدا ضد هابرماس أنها تجعل فكره يتبدى أقل راديكالية، وأقل فوضوية مما أُظهِرَ عليه غالباً في المجادلات بين النقاد الأدبيين التفكيكيين ومن هم ضدهم، التي احتكرت نقاش عمله حتى الآن.لكن أعتقد أن ظهور صراع الخندق الأخير بين العقل والفوضى الذي يسم هذه المجادلات انبثق جزئياً من سمة النظريات والمناهج النقدية- النقد الجديد الأمريكي بالدرجة الأولى- التي قاومها التفكيكيون. يرى النقد الجديد- موضوع سلسلة من التحذيرات لسنا في حاجة للخوض فيها هنا- أن العمل الأدبي يمتلك معنى من شأن الناقد أن يشرحه، ولكن لا تستطيع أية إعادة صياغة نقدية للنص أن تمنح ذلك المعنى بأكمله، ولكن تجربة قراءة كلمات النص، مع فهم كامل ودقيق، تستطيع أن تمنح المعنى بكامله ونهائياً. جادل النقاد التفكيكيون في الواقع، على غرار دريدا، أن فكرة المعنى الكامل للنص في اشتقاقه من تجربة قراءة رفيعة الثقافة ومطلعة على نحو مثالي (حتى لو فسر بوصفه معنى تعددياً يعانق الاحتمالات المتقابلة للتأويل) كانت أضغاث أحلام: ذاك أنه في طبيعة نص ما بوصفه نسيجاً من كلمات ذات علاقات حرون من اختلاف الواحدة مع الأخرى وإرجائها ومع علاقاتها مع النصوص الأخرى، لا يمكن الحيلولة دون انتثار المعنى من دون حدود. وقد رد النقاد ضد- التفكيكيون، بالطبع، أن هذا كان معادلاً للقول أنْ ليس ثمة نص يملك أي معنى، أو أي معنى واقعي، على الإطلاق. لكن، هل يمكن للمناقشات الجدلية أن تظهر الاختيار بين هذه الخيارات بوصفه حقاً أمراً حتمياً، والخيارات نفسها بوصفها مستنفدة؟ ولِمَ ينبغي أن نعتقد بنص أدبي له معنى فوق معاني كلماته وجمله ووراءها؟ لماذا لا نعتقد بدلاً من ذلك بقوة كل من إفقاد استقرار استجابات القراء وإثارتها، بدون وضع أي حد لسلسلة الاستجابات التي قد تثار بطرق غير متوقعة بربط كلمات النص مع بعضها أو مع كلمات من نصوص أخرى؟ إن مثل هذه القيود غالباً ما يفترضها المقصد الخاص بالمؤلف. ولكن هنا، أعتقد أن دريدا على حق في أن ينكر، ليس ما نفهمه من أن المقصد الخاص بالمؤلف يصنع اختلافاً في التأويل، بل بأننا نستمتع بالوصول إلى المقصد الخاص بالمؤلف مهما يكن؛ إذ هو نفسه أكثر من مجرد شيء يصنعه التأويل (أي "تأثير الاختلاف والإرجاء"). فرضاً، قد نحتاج الكثير من إعادة التأويل لتحويل، لنقل، ستيرن Sterne من فاسق تنويري ساخر كما رأى فيه الفيكتوريون إلى نصراني ساخر ولكنه مخلص تماماً، غير أن، كما حاولت أن أبرهن في مكان آخر، هذا التحول في وجهة نظرنا نحو مقاصد ستيرن يستطيع أن ينظم محاجات قوية تماماً لصالح [التحول]. ‏



    خاتمة: دريدا، فتغنشتين، وأرسطو‏

    لا يمكننا التغاضي عن الفكرة الأخرى التي يطرحها هابرماس ضد دريدا ومفادها أنّ التفكيكية بتقديمها نقداً مَحْضاً سلبياً للميتافيزيقيا ليس بمقدورها أبداً أنْ تَنْعَتِقَ بِصرامة منها. على حدّ تعبير هابرماس: "يرث دريدا نقطة ضعف نقد ميتافيزيقي لا ينفلت من مقاصد الفلسفة الأولى. "فالإخفاق، بالطبع، سمة حتمية لموقع دريدا. لا انعتاق من الميتافيزيقيا لأنه لا انعتاق من اللغة ولأن الدافع إلى الميتافيزيقيا، إلى التسليم بالتماثل بين المقومات الأولية للواقع والمدلولات الأساسية للغتنا، مضمّن في التصوّر السوسيري للعلامة بوصفها توحيداً بين دال ومدلول.‏

    والمرء يمكنه دفع ذاك النقد إلى مدى أبعد. حقاً، قد لا يكون ثمة طريقة، كما يجادل دريدا، في أن نؤسّس أساليب كلامنا على صنف معيّن من المدلولات، الممنوحة من خارج اللغة للوعي أو لأيّما شيء آخر، إذ ليس من طبيعة المدلول أن يُمْنَح من خارج اللغة. لكن، لم ينبغي على المرء أن يبيح لفكره التّقيّد، والحال أن دريدا كثيراً ما يبدو عليه، بتحليل سوسير للعلامة؟ لِمَ لا ينبغي على المرء أن يحذو حذو فتغنشتين في تأسيس طرقنا في استخدام الكلمات على الممارسات المفهومة ضمناً؟ ربما تكون القضية الـ في النحو الفلسفي نصّاً فاصلاً هنا:‏

    إنّ دور الجملة في الحساب التحليلي هو فحواها.‏

    فمنهج لقياس - الطول، مثلاً- له علاقة بالنسبة لصحّة تقريرٍ ما عن الطول تماماً كنفس علاقة فحوى جملة ما بصدق هذه الجملة أو زيفها.‏

    وبخلق ممارسة، للقياس في هذه الحالة- وهي لا تحتاج إلى أكثر من مقارنة الحيز الذي تشغله أشياء متباينة على نحو نظامي عبر رؤية عدد المرّات التي نمدد فيها شيئاً آخر، موظّف قياسياً لهذه الغاية، قبالة الحيّز من أقصاه إلى أدناه - نقدّم أسلوباً لتحديد صدق أو زيف أيّ طرف من صنف القضايا التي لها شكل: طول m n A على أنّ A هو ما سنقارنه بشيء آخر و m معامل القياس (ما يُستخدم بانتظام في تأسيس مقارنات من هذا القبيل). إننا، بعملنا هذا، نستحضر مجموعة من العبارات الجديدة إلى الوجود بوصفها عناصر ممتلئة المعني في لغتنا: الطول، أطول من، مُعامِل الطول، وغيرها. مع ذلك، لم يستلزم منح معنى لكل عبارة من هذه العبارات ربط أيّ منها بكيان، مدلول، سواء أمُنِحَ هذا الكيان للوعي أم كوّنته اللغة. لقد استلزم ببساطة منح كلّ تعبير دوراً أو استخداماً معيّناً في سياق ممارسة هي بدورها لم تؤسّس على القواعد أو المقاصد بل ببساطة تأسّست على ما نفعله.‏

    إنّ هذه الرؤية إلى الأشياء، كما بيّن هنري ستيتن، تقدّم عناصر متعادلة [وحدات متماثلة في تركيبها] لعدّة استنتاجات في فكر دريدا، بما فيها الميثولوجيا البيضاء. فبما أنّ المعنى يؤسّس على ما نفعله، وبما أنّ ما نفعله يمكنه أن يتغيّر وهو غير "مقيّد في كلّ مكان، مهما كان، إلى القواعد"، ليس ثمة جواب نهائي للسؤال عمّا هو المعنى "الخاصّ" لتعبير ما. المعاني، في نظر فتغنشتين ودريدا، يتمّ التوسّع فيها داخل اللغة، إذ ليس ثمة علامة لها معنى مستقل عن باقي العلامات: "لفهم جملة ينبغي فهم لغة"57-. والممارسات التي تنتج صدق الشروط، حينما تفصل عن تلك الوظيفة، قد تنتج أيّ عدد استعارات -من النمط الذي يميّزه أرسطو بوصفه "من طريق القياس"58- لن تنتج أبداً، من خلال السيرورة التي يسخر دريدا منها بتورية على أنها الـ USURE، أيّة عودة لـ "الخاصّ"، ولن تنتج أبداً المعنى المشروط بصدقه.‏

    إلاّ أنّ فتغنشتين ليس نسخة كامبردج أو فيينا عن ديريدا، والتباين المركزي بينهما هو أنّ تصوّره عن الارتباط بين المعنى والممارسة، في المرحلة المتأخرة من فكره، قد حرّره من قبول أية نسخة من فكرة أنّ المعنى علاقة بين عبارة، علامة، وشيء آخر: مفهوم، مدلول، نسق صدق شروط. وحرّره أيضاً من الدائرة الفلسفية؛ "قارورة الذباب" إذا استخدمنا إحدى استعاراته، التي نطَنْطِن فيها سدىً عن فكرة وجوب أن يكون من الممكن أن نلصق معنى محدداً بكل عبارة قائمة بذاتها في لغةٍ بناء على رأي مفاده أن هذه الغاية يمكن بلوغها من خلال التفاف عبر اللغة برمتها، والعودة ثانية. أشرنا آنفاً إلى إواليات اشتغال ثنائي الأفكار ذاك في ذهن المثالي برادلي. تلك الثنائية التي أصبحت، من طريق كواين، البديهة المؤسّسة للكثير من تفسيرات الفلسفة الأمريكية المعاصرة في محاولاتها الحديثة لربط دريدا بالموروث الكوايني. يحاول هذا الموروث التخفيف من حدّة المفارقة في المكوّن الثاني من الدائرة عبر جعل المهمة المعينة للمعنى إمبيريقية وشرطية، مجرد مسألة إمكانات التفسير على ضوء التصديق أو المخالفة الفطري. ويفعّل دريدا من جهته المفارقة لأهميتها قلت أم كثرت من خلال التشديد المستمر على أنّ الالتفاف عن طريق اللغة التي يمكنها وحدها أن تقودنا إلى معنى حاسم لعبارة قائمة بذاتها هو التفاف غير محدّد أو أقلّه التفاف طويل على نحو غير محدّد. لن تعود سفن المعنى محمّلة بغنى جديد للحرفيّ، للمعنى "الخاصّ" لأنها لن تعود البتّة.‏

    أما في نظر فتغنشتين، فإنّ السفن ليست بحاجة لأن تشرع في الرحلة منذ البداية. نحن نعرف ما تعنيه طول 3X سنتيمترات إذْ نعلم أنّه بمقدورنا تحديد صدق أيّة جملة لها هذا الشكل أو زيفها بإنفاق مال ووقت متواضعين لشراء مقياس وحدة طول والكشف عن الكيفية التي نقيس بها. وما قد يحدث بالتالي لكلمة طول في رحلتها اللاحقة عبر الأدب والحياة لا يعنينا لأن هذه الرحلات ليست رحلات بحث عن معنى حاسم للكلمة يأخذ على عاتقه ثمناً ينبغي دفعه فقط بسبب من عودته الإشكاليّ، بل من بابٍ أولى هي بعثات لإقامة فرع منافذ وصناعات جديدة للمعنى مولّتها المصادر الأصلية للممارسة المؤسّسة.‏

    إن الحركة التي تحرر فتغنشتين من المفارقة التي ولّدتها فكرة أن الكلمات يجب أن تصل إلى شيء ما غير ذواتها، ولكن تستطيع فعل ذلك فقط من خلال بعضها بعضاً، تحرره أيضاً من مشروع الميتافيزيقيا الغربية المتصوّر بوصفه سعياً وراء الحضور الممتلئ للمعنى ونهائيّته. بعبارة أخرى، أنّه متحرّر من الاشتراك شبه الطفيلي الذي، كما يشير إليه هابرماس عن حق، يربط التفكيكية بما تفككه وقد يربط بالطريقة نفسها مشاريع تحليلية معينة، مهما تكن علميّة في طموحها، إلى مشاريع عتيقة للميتافيزيقيا الغربية تنظر إلى نفسها بوصفها قد تجاوزتها.‏

    تقود هذه الفكرة إلى أخرى. إن بقي فكر فتغنشتين خارج مشروع الميتافيزيقيا الغربية ألن يكون ثمة بعض، أو كثير، ممّا اعتبر تقليدياً بوصفه فلسفة خارج هذا المشروع ضمن مدى سواء أقلّ أم كثر؟ إلى أيّ مدى يتوجّه عمل دريدا، ليس إلى الفلسفة الغربية، إنّما إلى اتّجاهات معينة في الفلسفة الغربية التي باتت لها الغلبة في القرن السابع عشر، في المقام الأول بفضل زخم الديكارتية، وبقيت على ما هي عليه إلى القرن الحالي؟ كيف يكون الغرب، في الواقع، فلسفة غربية، إلى أيّ مدى صمّم حصن لتهميش الآخر غير الغربي ولإقصائه، وإلى أيّ مدى هي نفسها خليط من سائر ضروب التأثيرات: النصرانية، العربية، اليهودية، الهندوسية؟ إنه موضوع ضخم لتقديمه في هذا المقام الأخير ممّا بدأ على أنّه مقدمة غير أنّه مضى، ربما، إلى أبعد من حدود دراسة من هذا القبيل. لعلّه بمقدور المرء الإشارة إلى أنّ مثل هذا الموضوع يمكن البدء به عبر إمعان الفكر عن قرب أكثر لمعالجة دريدا لأرسطو في الميثولوجيا البيضاء. إنّ هذا الـ أرسطو هو سلف الميتافيزيقيا الغربية؛ أعني، أنه في نظره، يملك إحساس القرن السابع عشر الفرنسي. وقد ظهرت طرق متباينة لقراءة أرسطو في أواخر الستينيات، عبر عمل جون جونز John Jones، مارتا ناسبوم Martha Nussbaum، مايلز بيرنيت Myles Burnyeat، هيلاري باتِنم Hilary Putnam، وغيرهم. فباتنم مثلاً في مقالة لها بعنوان أرسطو بعد فتغنشتين تنفخ الحياة في أرسطوٍ يبدو، في استعداده أن يجعل الشكل تغزوه تقلّبات التجربة، قريباً من دريدا -أو فتغنشتين في مرحلته المتأخرة- أكثر مما هو عليه في ميتافيزيقيا الحضور.‏

    وهؤلاء الكتّاب جميعهم على حدّ سواء، بتذكيرهم لنا بشعور من الغرابة الشديدة تجاه الطرق القديمة في التفكير مقارنة بنافذتنا المفتوحة، مثل فتغنشتين، على الآخر المهمش بطريقة لا تفعلها كتابة دريدا تماماً رغم استكشافها الساخط النفيس للحيل وخداع النفس في سيرورة التهميش.‏



    تيريز. كوم
    17/11/2003

    [email protected]
    جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 2004
    ©copyright
    tirej.com,2002










                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2004, 04:00 PM

osama elkhawad