دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟!

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل معاوية التوم محمد طه فى رحمه الله
الاستاذ معاوية التوم في ذمة الله
رابطة الاعلاميين بالسعودية تحتسب الاعلامي معاوية التوم محمد طه
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-12-2018, 04:56 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة برير اسماعيل يوسف(برير اسماعيل يوسف)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-11-2006, 10:44 AM

برير اسماعيل يوسف
<aبرير اسماعيل يوسف
تاريخ التسجيل: 03-06-2004
مجموع المشاركات: 4443

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟!

    دارفور.. هل ستتحول الحركات المسلّحة إلى حزب سياسى وطنى؟!

    د. حسين آدم الحاج
    [email protected]

    بسم الله الرحمن الرحيم

    توطئة:

    ما من حركة سياسيّة أو مسلّحة تتصدى لقضايا شعبها وتنتصر لإرادته إلاّ وقادته فى المعترك السياسى فى فترة ما بعد النضال، يحدثنا التاريخ بذلك، ويستشهد عليه بشخصيات مثلوا القيادة لشعوبهم أمثال جورج واشنطن، ماو سى تونغ، الحبيب بورقيبة، كوامى نكروما، جومو كينياتا، نيلسون مانديلا، والأقرب إلينا ومن بيننا الراحل الدكتور جون قرنق دى مابيور، والحال كذلك فهل بإمكان الحركات المسلّحة بدارفور التحول من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة والعمل من خلال الآليات السلميّة؟ وهل بإمكانها أن تتداعى لتكوين حزب سياسى قومى يلبى أشواق السودانيين لممارسات جديدة ورؤى معاصرة لمعانى الديمقراطيّة والحريّة والمواساة وهى التى ظلّت تتنادى بها فى كل أدبياتها وبياناتها التأسيسيّة..؟؟!



    لابد لى من أن أعترف بدايّة بأنّنى لست بمتخصص فى مجال العلوم السياسيّة، وما أورده هنا يقع فى باب أجر المجتهد ليس إلاّ، إنما مرَّ هذا السؤال بخاطرى وأنا أفكر فى أوضاع الحركة السياسيّة الحديثة بدارفور ومآلات الأحداث والحركات المسلّحة فى قلب محورها، وما يدور بداخلها من مخاض غير واضح عمَّا سيتولد عنه، نتمنى أن يكون مولوداً صحياً معافى وأن يتمتع بمباركة الله ورحمته.

    هل يجب طرح مثل هذا التساؤل إبتداءاً؟

    ما زلت أذكر ذلك الفيلم الأمريكى الذى عكس مسعى شاب ريفى لمنافسة نائب منطقته فى الكونغرس فى الإنتخابات التشريعيّة، وتبنى لذلك منهجاً بسيطاً يقوم على مبدأ التفاعل الشخصى مع قضايا أهل دائرته الإنتخابيّة المحليّة فطفق يجوس بينهم، يزورهم فى منازلهم ويتحدث إليهم فى منتديات المدينة، ويتفاعل مع مشاكلهم، ولمّا تعرضت المنطقة لفيضان مدمّر شمّر الشاب عن ساعديه ووقف كتفاً بكتف مع الأهالى يهيلون الأتربة ويبنون الحواجز لصد خطر الفيضان فى الوقت الذى جاء إليهم النائب البرلمانى ببدلته وربطة عنقه الأنيقة وفى عربته الفارهة ليقول لهم بأنّه قد إتصل بالبيت الأبيض وأنّ الرئيس قد وعده بإرسال المساعدات عاجلاً ثمّ إنصرف، والنتيجة هى أنّ المواطنون دعموه وفاز الشاب على نائبه المخضرم، لكنّه فى نهايّة اليوم وبعد إعلان النتيجة مباشرة سارع إلى دعوة فريقه الإنتخابى لإجتماع عاجل فى غرفة صغيرة وسألهم بهلع: إذاًً، ثمّ ماذا بعد؟ (So, what’s next?). الشاهد فى الأمر هنا هو أنّ الفوز فى حد ذاته ليس بمشكلة وإنّما تكمن المشكلة فى ما الذى ينبغى فعله بعد تحقيق الفوز؟ وهذا هو طبق السؤال الذى ينبغى على قادة الحركات المسلّحة بدارفور وكوادرها محاولة الإجابة عليها بعد تحقيق السلام الشامل بالإقليم! ماذا سيفعلون بعد إنقضاء مرحلة ذلك النضال الدامى؟ تأسيساً على ذلك أجد مشروعيّة عقلانيّة فى التساؤل عن إمكانيّة قيام حزب سياسى سودانى بمبادرة ذاتيّة من هذه الحركات يكون وطنى التوجه، وحدوى الهدف، قومى المحتوى، ديمقراطى الممارسة، جماهيرى التركيب، مؤسسى الهيكلة، إنفتاحى الفكر، سودانى الإرادة. ولعل هنالك من الدواعى والفرضيات ما قد يدعم مثل هذه الدعوة، بل ويدافع عنها، أوجزها فى الأسباب التاليّة:

    (1) تهيؤ البلاد لإستقبال مرحلة جديدة فى تاريخها السياسى الحديث، وبلا شك سيتم خلالها مراجعة الكثير من الهياكل والأطر والأفكارالتى ظلَّت الجماهير تؤمن بثباتها، إلى الحد الذى قد يستدعى تجاوزها وإحلالها بالجديد الفاعل.

    (2) نظام الحكم فى السودان، على الأقل خلال الفترة الإنتقاليّة من إتفاقيّة السلام، إعتمد مبدأ الشراكة بين تنظيمين سياسيين لم يكن لهما وجود خلال فترات الديمقراطيّات الثلاثة الماضيات، هما المؤتمر الوطنى والحركة الشعبيّة، مع مشاركات هامشيّة لبعض القوى الأخرى، مما يعنى شكل جديد للحكم لم يألفه السودان من قبل لكنّه قد يفتح الباب واسعاً لإمكانيّة دخول لاعبين آخرين جدد بجانب أنَّه قد يؤسس أيضاً لشرعيّة مقبولة لنشأتها.

    (3) الإحساس الغامر عند أهل دارفور بفشل النخب السياسيّة السودانيّة الحديثة، ممثلة فى الأحزاب السياسيّة الموجودة على الساحة منذ ما قبل إستقلال البلاد، وعجزها المستديم عن مقابلة تطلعاتهم المشروعة فى إحداث التنميّة الإقتصاديّة والإجتماعيّة المستدامة وإستيعاب رغباتهم على المستوى القومى.

    (4) رغبة الناشطين سياسيّاً من أبناء دارفور فى لعب دور قومى مؤثر يتجاوز التمثيلات الديكوريّة ويتعداها إلى التفاعل الجاد فى الإدارة والتوجيه وإتخاذ القرار وعلى أعلى مستويّات الدولة.

    (5) سعة القاعدة الجماهيريّة ذات الأصول الدارفوريّة وإمتداداتها على المستوى القومى متجاوزة حدود دارفور إلى مستوى السودان مما قد يوفر درجة عاليّة من "السعة القوميّة" و"التمدد الجماهيرى" تتمثل وجودها على مساحات جغرافيّة واسعة من أرض الوطن.

    (6) الحركات المسلّحة التى أشعلت ثورة الإقليم كلها قوميّة التوجه، بل إنَّ بعضها تنفى عن نفسها صراحة الصبغة الدارفوريّة وتتدثر بالرداء القومى، وتبعاً لذلك فكل المانيفوستوهات السياسيّة المؤسسة لتلك الحركات تتناول القضايا القوميّة بكثافة ملحوظة يشهد بذلك إعداد إحداها مسوّدة لدستور نموذجى جديد للسودان. هذه الحركات، ومن خلال أطروحاتها، تطرح نفسها كبديل سياسى تمثيلى لأهل دارفور والسودان عامّة.

    (7) بروز وعى سياسى جارف بين الأجيال الحديثة والصاعدة من أبناء دارفور، نتيجة للتعليم والوعى العام، وإدراكهم لقضايا أهلهم بعمق أكبر مقارنة بالأجيال السابقة، بجانب، وكردّ فعل، عزوف غالبيّتهم عن الأحزاب التقليديّة والهياكل السياسيّة المهيمنة بل وتحميلها، بدرجات مختلفة، أسباب تخلف إقليمهم وما آل إليها أهلوهم من مآسى.

    ( تعدد الدعوات وتكرار المحاولات على المستوى القومى بقصد إنشاء أحزاب سياسيّة قوميّة حديثة تستلهم تطورات العصر وتعمل على تعديل الممارسة الديمقراطيّة بطريقة راشدة ومستدامة وفاعلة.

    مراجعات حول الواقع الحالى للأحزاب السياسيّة الوطنيّة:

    فى عمود له، نشر الأستاذ إدريس حسن رئيس تحرير جريدة الرأى العام السابق بتاريخ 8/10/2003 رسالة من أحد القراء حول مسألة "إشكالية التطور فى الأحزاب السودانيّة"، عددّ فيه جملة من الأسباب التي أقعدت بهذه الأحزاب عن ممارسة دورها المطلوب ولخّصها في المصطلحات الآتية:

    أولاً/ الحورنة: وهي معاملة أعضاء الحزب للقيادة، ومعاملة القيادة لعضويّة الحزب، كمعاملة الشيخ للحيران.

    ثانياً/ الحوزنة: وهي محاولة الإستحواز والإستئثار بمقدرات الحزب.

    ثالثاً/ الاختزال: وهو أن يتم إختزال الحزب بأكمله في شخص واحد، أو مجموعة من الأشخاص، تقرر بإسمه وتفعل ما تريد من دون الرجوع إلى هياكل الحزب، إن كانت هنالك أصلاً هياكل، ليكون الحزب هو الشخص والشخص هو الحزب.

    رابعاً/ التفويض: وهو إجتماع الحزب بأكمله في شخص المفوض وهي مسألة مرتبطة بالإختزال المضر أساساً بالديمقراطية ليؤكد التفويض ضعف المفوضين الذين يسلمون زمام أمرهم لغيرهم.

    خامساً/ الإشارة: هي إصدار الأوامر الواجبة النفاذ وهي غير قابلة للشورى أو الحوار والتحاور أو حتى إبداء الرأي.

    سادساً/ الوراثة: وهي الصعود لدائرة الفعل السياسي بما صنعه الآباء، أى الإستنساخ السياسي.

    سابعاً/ الكنكشة: وهو ما يعنى القيادة الأبديّة وتعطيل سنّة تواصل الأجيال وهو الأمر الذي يعاني منه كل القوى السياسيّة.

    ثامناً/ الحجرنة: هي التحجر والتصلب وعدم القدرة على العطاء والإنتاج الفكري المفيد الأمر الذي يؤدي إلى الموات السياسي.

    تاسعاً/ الحجزنة: وهي حجز المواقع القياديّة في الأحزاب مسبقاً للأصفياء والمحاسيب، أي من دون عقد مؤتمرات ولو صوريّة.

    وقد نضيف إلى ذلك:

    عاشراً/ الحكرنة: وهى إحتكار الأسرة أو النخبة المسيطرة على كل شئون الحزب والحياة (إحتكار السلطة، الدين، العلم، المعرفة، الأراضى، ألخ)، وقد يظلّ رئيس الحزب ممسكاً بدفة القيادة لأكثر من 40 عاما لايتغير الا عن طريق الأجل الربّانى، لذلك لم تستطع الاحزاب السودانيّة إستقطاب جيل اليوم أو جيل (النت) لأن أفكاره (بايتة) على حد وصف أحد الصحفيين.

    أنّ واقع الأحزاب والمنظّمات السياسيّة السودانيّة مؤلم من جهة بنياتها أو برامجها أو قياداتها المتنازعة، ولا يبدو هناك من أمل فى إصلاح منشود، لقد عجّت تحليلات الصحف وكتّاب الأعمدة ومنظّمات المجتمع المدنى الفكريّة بمناشداتها المتكررة، وبصورة شبه يوميّة، لهذه الأحزاب بأن تعيد صيّاغة برامجها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، وأن تشيع الديمقراطيّة داخل أجهزتها وصولا لفرز قيادات جديدة تنهض بالعمل السياسي في البلاد، إلاّ أن ذلك يبدو حلماً جميلا لا علاقة له بالواقع، إن لم يكن مستحيلاً. فمعظم الأحزاب السياسيّة السودانيّة تعاني من مشاكل بنيويّة وفكريّة وسياسيّة ما تزال تقعد بها عن مجاراة الواقع المتحرك وأكثرها، إن لم يكن كلها، لم تستطع أن تعيد صيّاغة افكارها وبرامجها بما يتناسب والتحديّات الجديدة، ولم تنشغل بطرح رؤى حول قضايا ضاغطة تواجه البلاد ومستقبله مثل قضايا الهويّة، محاربة الفقر، تأهيل البيئة، توزيع السلطة والثروة، إنهيار التعليم، معالجة التهميش، إنتشار الامراض وخاصة الإيدز والملاريا. كما تغيّب عن معظم هذه الأحزاب، إن لم تكن كلّها، محاولة إدراك وتفسير التغيّرات التي حدثت في بنيّة المجتمع السودانى مثل قضايا النزوح والتشرد والفساد والإفساد وإنتشار المخدرات والظواهر السالبة، وعن تلك التى أصابت السياسة السودانيّة مثل ظاهرة صعود القوى الاقليميّة والجهويّة فى جنوب البلاد وغربه وشرقه. كما تعاني معظمها من خلل تنظيمي واضح، فبعضها لم يعقد مؤتمراً منذ أكثر من ثلاثين عاماّ وبالتالي فإن القيادات المسيطرة عليها لم تأت عن طريق الإنتخاب، وصارت هياكل الأحزاب شبه مشلولة، فاقدة للشرعيّة والصلة بالقواعد وعاجزة عن التعبير عنها، وقد نتج عن هذا الخلل ظاهرة الإنشقاقات الكثيرة التي لم ينج منها أي حزب سوداني، في الحكومة أو المعارضة، ولذلك فإنّ الأحزاب السودانيّة بشكلها وأدائها الحالي عاجزة عن مواجهة إستحقاقات المرحلة القادمة، وما لم تحدث ثورة هائلة على كل الأصعدة التنظيميّة والفكريّة والسياسيّة في هذه الأحزاب، وتظهر قيادات جديدة فإن الصورة المظلمة ستتحول إلى كابوس لا يُعرف له نهاية، وفى كل الأحوال فإنّ هذا القصور والإخفاقات تجعل الأبواب مشرعة أمام التجمعات الإقليميّة والجهويّة لتتمدد وتملأ الفراغ.

    الجهوية وواقع الأحزاب السياسيّة:

    من واقع مشروع إمكانيّة تحوّل الحركات المسلّحة الدارفوريّة إلى حزب سياسى قد ينبرى سؤال محورى حول ما إذا كانت الكيانات الجهويّة عموماً ستتمكّن من السيطرة على مسرح السياسة السودانيّة على حساب الأحزاب القوميّة الكبرى فى الفترة القادمة؟ لقد حاولت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان فى مسار تحولها إلى حزب سياسى الإجابة على هذا السؤال وبصورة مباشرة على أرض الواقع بإفتتاح مكاتب لها بكل ولايات الشمال للتمدد فيها وتسجيل العضويّة، وقد لاقت إقبالاً كبيراً بفضل شخصيّة الراحل الدكتور جون قرنق وكارزميته الآسرة حيث فاق التسجيل المليون شخص فى ظرف أسابيع قليلة، ولولا رحيله المفاجئ لكان للحركة الشعبيّة شأن آخر فى الشمال قبل أن يكون فى الجنوب. إذاً حاولت الحركة الشعبيّة أن تقذف برداء الجهويّة بعيداً وتقدم نفسها كحزب قومى عريض يستوعب أشواق كل السودانيين بإختلاف كياناتهم، ومع ذلك ستظلّ جدليّة الهامش والمركز مسيطراً على العقل السياسى السودانى وبقوّة خلال المرحلة القادمة خاصة وأنّ كثير من الأصوات الإقليميّة قد رفعت دعاوى التهميش والإهمال فى صراعاتها المحمومة ضد الحكومة المركزيّة دعمتها إنتصاراتها المعنويّة التى حققتها من خلال إجبار الحكومة عسكرياً الإعتراف بظلاماتها والجلوس معها فى العديد من المنابر التفاوضيّة وبإشراف دولى للوصول إلى سلام عادل. وكنتيجة للإستقطابات الجهويّة والأوعيّة القبليّة التى لازمتها تمكنّت هذه الحركات من جذب الأهالى المحليين والكثير من المثقفين نحوها والنتيجة إن هجرت مجموعات ضخمة أوعيتها الحزبيّة السابقة لتشارك في تلك التكوينات الجديدة خاصة فى دارفور والشرق بجانب المناطق الثلاثة التي إشتهرت فى إتفاقيّة السلام وهي مناطق أبيي وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق «الانقسنا»، نتيجة لذلك يمكن القول بأنّ بروز مصطلحى التهميش والقوى المهمّشة قد يعود بجذوره إلى الوعي السياسي للأهالى فى تلك المناطق بحقوقهم، رغم التعليم المتدني، وليس من نزعة عنصرية وهذه ملاحظة جديرة بالتوثيق. إنّ لواء التهميش الذى تحمله هذه الجهات تندرج تحته جملة من الإشكالات مثل التهميش السياسى، التهميش التنموى، التهميش الإجتماعى، التهميش الثقافى، التهميش التعليمى، التهميش اللغوى، التهميش المؤسسى، تزييف الهويّة، بجانب التضييق على فرص النجاح فى الحياة وقفل منافذ الكسب المشروع.

    قد تجنح التحليلات الصحفيّة إلى خلاصة مفاده أنّه لا يوجد مستقبل للتنظيمات الجهويّة وقوى الهامش وإنّ تأثيرها سيزول بزوال أسباب قيامها بمجرد تحقيق التنميّة المتوازنة على مستوى البلاد وذلك نسبة لطبيعتها المطلبيّة شأنها فى ذلك شأن التجمعات النقابيّة، لكن وجهات نظر أخرى تختلف مع هذه الخلاصة وتشير إلى أبعاد مهمّة أغفلتها تلك التحليلات، ففى مقابلة صحفيّة مع الدكتورة آمنة ضرار القياديّة بمؤتمر البجا نشرتها جريدة الأضواء بتاريخ 26/2/2004 قالت إنّه بالنظر إلى وجود أحزاب وتنظيمات جهويّة فإنّه ليست هنالك مشكلة إلا في نظر الذين يودون تهميش الاقليّات فيقومون بإتهامها مرة بالجهويّة وأخرى بالقبليّة وتارة بالعنصريّة، وترى أنّ كل ذلك تصب في دائرة الإيغال في تهميش أصحاب الحقوق المستلبة والذين أقصوا من مواقع إتخاذ القرار، وإنّ الجهويّة في السودان أصبحت لفظ إتهام يراد به إقصاء الآخر من المطالبة بالإنصاف والعدل والحق المشروع في المشاركة الفاعلة في السلطة ومسؤولية إتخاذ القرار. وتمضي قائلة: لقد كانت الثقافة والسياسة السائدة في السودان هي سيّادة الثقافة العربيّة بينما هُمشت الثقافات السودانيّة الأفريقيّة بل وحُجب عنها الولوج للسلطة والتمتع بإدارة دفة الحكم وبالتالي مواقع إتخاذ القرار وتنفيذه، وتمّ ذلك قصداً في معظم الأحيان مما أدّى لأن تكون السلطة في أيدى المنتمين للغة العربيّة قولا وفعلاً، ومن هنا برزت الضرورة لقيام هذه الكيانات لأننا لم نكوِّن الأمّة السودانيّة بعد وهذه مرتبطة بالتطور الإجتماعي، كما إنّ الجهويّة والقبليّة يجب أن ينظر إليها على أنّها ميزة وليست شيئاً سلبياً، وهي ميزة لتعدد الأفكار والثقافات والّلغات والمجتمعات، والمهم هو كيف نصوغ بفاعليّة من هذه التعدديّة العرقيّة أمّة وكياناً واحداً لا أن ننظر لها بإعتبارها تمزيقاً وتفتيتاً للوطن، ولا أن ننظر إلى أنّها ضد الولاء للوطن كأنّما الوطن خُلق لعدد قليل من العرقيّات والآخرون ضيوف عليهم، وإختتمت حديثها بتساؤل هام، يمثّل روح هذه المقالة، هو هل إستطاعت الأحزاب القوميّة أن تقدم تنميّة أو حتى نموذجاً لذلك؟

    إذاً إشكاليّة التهميش والجهويّة لها علاقة وطيدة بالمظالم وغياب التنميّة فى مناطق هذه المجموعات الناقمة، وقد يكون المخرج من حالة الإحتقان هذه بزوال تلك المظالم التي تسببت في قيامها وعزّزت الشعور بالغبن والظلم، وقد يمكن تحقيق ذلك من خلال تطبيق نظام حكم فدرالى حقيقى ليشبع رغبات هذه المجموعات المهمّشة وتذوب فيه لكن بشرط أن تتمكن الفدراليّة من دفع الأمور نحو دولة قوميّة حقيقيّة ذات ديمقراطيّة إجتماعيّة يجد المواطن نفسه فيها قادراً على التفاعل مع الحياة الحزبيّة من خلال برامج وليس أشخاص. غير أنّه من الواضح أيضاً أنّ أية محاولة تأخذ الطابع الجهوى الضيّق أو التعبير بمنظور جهوى منغلق على الذات لا يصب في مصلحة الوطن والعمل الوطنى عموماً، بإعتبار أن كل عمل ذو طابع جهوى منغلق يعطل الجهد السياسى القومى الجمعى، ويشتت جهوداً كان من المفترض توجيهها لمصلحة الوطن كله، بل إنّ ذلك قد يؤدى حتماً إلى تفتيت القوى السياسيّة التقليديّة في السودان ويوصد الباب أمام القوى الحديثة الصاعدة، ولذلك فإنّ أكبر حزبين فى تاريخ السودان وهما حزبى الأمّة والإتحادى الديمقراطى يظلاّن مهددان بالإضمحلال كنتيجة مباشرة لفقدان قواعدهما التقليديّة فى غرب البلاد وشرقه نتيجة لصعود قوى الهامش الجهوى فى هذه المناطق، خاصة وأنّ هذين الحزبين قد مثّلا غياباً تجاه هموم أهل هذه المناطق فى الوقت الذى كانوا بحاجة ماسّة إليهما، بجانب ذلك فإنّ الغطاء الطائفى اللتان تتدثران بها (الأنصار والختميّة) ربّما تشكلان حاجزاً منيعاً ضد جذب عضويّة الشباب والمثقفين.

    وعليه، فطالما أنّ الأحزاب السياسيّة شأنها شأن الإنسان: تولد وتنمو وتحيا وتموت بآليات فنائها، فهناك فرصة لأن تتمدد التجمعات الإقليميّة على الساحة القوميّة كأحزاب سياسيّة وطنيّة لتحل محلّها، بشرط أن تكون لها برامج قوميّة لإستيعاب كل القضايا القوميّة وتدفع بالأمور نحو دولة قوميّة حقيقيّة ذات ديمقراطيّة إجتماعيّة، ومن المهّم أيضاً فى هذا الأمر هو القبول الإجتماعى فأكبر دولة فى العالم اليوم، أمريكا، يحكمها الحزب الجمهورى الذى يسيطر عليه من يُسمون بالمحافطين الجدد وهم فى الحقيقة طبقة المنحدرين من سلالة الأنجلوساكسون.

    مبررات الحركات المسلّحة الدارفوريّة لتكوين حزب سياسى قومى:

    بالنظر إلى الخصوصيّة التاريخيّة التى تنفرد بها دارفور مقارنة بالأقاليم السودانيّة الأخرى، وإحساس الأهالم والمثقفين على السواء بمظالم وغبائن تراكمت فى وعيهم الجمعى، قد يحاول أهل دارفور التعبير عن تصميمهم لإنتزاع حقوقهم عن طريق الوسائل السلميّة المدنيّة الديمقراطيّة الشيئ الذى يعنى ولوجهم العمل السياسى عبر تنظيم يلبى رغباتهم ويستجيب للدفاع عن مصالحهم، وطالما أنّ الحركات المسلّحة هم جزء من مجتمع دارفور ولهم تنظيماتهم ورؤاهم السياسيّة فمن الطبيعى أن يفكّروا فى مواصلة نضالهم وبصورة سلميّة بعد تحقيق السلام الشامل بالإقليم، ولذلك يوجد من الدواعى ما يستدعى تفكيرهم نحو ذلك نذكر منها الآتى عطفاً على بياناتهم السياسيّة:

    (1) قصور الدولة السودانيّة الحديثة عن إستيعاب حاجات الأطراف وإحترام خصائصها.

    (2) إنقسام المجتمع إلى قوى مسيطرة وأخرى مهمشة، إلى مركز وأطراف.

    (3) غياب الدولة وتراجعها عن دورها في رعايّة المواطن وحمايته.

    (4) غياب الديمقراطيّة والعدالة الإجتماعيّة أدّى إلى تنامي مشاعر الإنتماء الجهوى والولاء القبلي.

    (5) في السودان المعادلة مقلوبة نتحدث عن التغيير، والتغيير عادة يتم بالفعل الإجتماعى الذاتى لا بإرادة الغير الأمر الذى يستوجب على أبناء المناطق أخذ أمورهم بأيديهم.

    (6) الإنطباع المبدئى عن إنتهاء صلاحيّة الاحزاب التقليديّة للتعبير السياسى بالوكالة عن قوى إجتماعيّة أو اقليمية.

    (7) تهميش حتى فكرة قيام أبناء المنطقة بالتعبير عن طموحاتها من خلال الأطر السياسيّة والجغرافيّة القوميّة ودمغهم بالجهويّة والقبليّة عند أول بادرة منهم نحو ذلك إن لم يوصفوا أساساً بالعنصريّة.

    تجربة جبهة نهضة دارفور:

    بناء حزب سياسى قومى على خلفيّة قواعد الحركات المسلّحة بدارفور يتطلب القيام بجهد نقدى لتجربة جبهة نهضة دارفور، وحقيقة أظلّ أتأمل دائماً مراحل نشأة وصعود ثمّ إضمحلال هذه الجبهة مقارنة بنظيرتيها مؤتمر البجة وإتحاد جبال النوبة، كقوى إقليميّة، نشأتا قبلها وتمكنتا من الإستمرار والتكيّف مع عوامل الزمن والسياسة وها هنّ قد تمكنتا من تحقيق آمال قواعدهنّ. قد يقول قائل بأنّ هذين التنظيمين قد إستندا على قواعد عرقيّة متجانسة وهذا صحيح لكن ذلك لا ينفى أيضاً أنّها قوى إقليميّة جهويّة بل تمكنتا من الفوز بمقاعد برلمانيّة معتبرة مقارنة بحجم قواعدهما فى إنتخابات 1965 و1986. إنّ القيادات التى أسّست جبهة نهضة دارفور كانت من شريحة المثقفين والعسكريين وتلك ميزة إيجابيّة لنشأتها، وكانت آمالهم تتعلق بالعمل على تحقيق تنميّة شاملة على مستوى الإقليم وتطوير شعبه لكن للأسف لم يتمكّنوا من مواصلة حماسهم فى وجهة هادفة. بمتابعة بعض الكتابات ومناقشة بعض المتابعين لتلك الفترة وتحليل المناخ السياسى السودانى فى فترة ما بعد ثورة أكتوبر يمكن الإستنتاج بأنّ إنهيار الجبهة كانت نتيجة للعوامل التاليّة:



    (1) غياب الأيدلوجيّة السياسيّة بحيث لم يكن واضحاً هل هى تنظيم سياسى أم حركة مطلبيّة؟

    (2) تربص حزب الأمّة بها من أجل إجهاضها بإعتبارها مهدداً لقواعده بالإقليم، وفى الحقيقة لقد فاز السيّد دريج فى إنتخابات 1965 كمرشح مستقل، لكن نوّاب حزب الأمّة من دارفور هم الذين حثّوه للإنضمام لحزبهم فكانت النهايّة الفعليّة للجبهة.

    (3) عدم تمكن قياداتها المؤسسة من مقاومة الإغراءات الحزبيّة لأبتلاعهم ومن ثمّ فقد تفرقوا بين الأحزاب الكبرى.

    (4) عدم نزولها وتغلغلها فى القواعد الشعبيّة بدارفور وإقتصارها على المثقفين على مستوى العاصمة.

    (5) عدم بناء هيكل تنظيمى متكامل وفعّال.

    (6) عدم إنفتاحها على كل قبائل ومكوّنات الإقليم على المستويات الأهليّة.

    (7) عدم قدرتها القيام بأى ممارسة سياسيّة فاعلة ذات أثر على حياة المواطنين.

    ( إستقرار القيادات المؤسسة بالخرطوم وإنقطاع تواصلهم الوثيق بأهل الإقليم.

    (9) عدم خوضها لمنازلات سياسيّة جادة تكسبها تجربة وخبرة عمليّة.

    (10) حرج القيادات من فريّة "العنصريّة" وتحاشيهم الدخول فى مواجهات مطلبيّة حادة.



    لقد بدأت عمليّة توثيق عريض لهذه التجربة أرجو أن أجد الوقت الكافى لمواصلته.

    خسارة الحركة السياسيّة بدارفور نتيجة لإنهيار تجربة جبهة نهضة دارفور:

    وتبعاً لذلك فقد خسرت الحركة السياسيّة الحديثة بدارفور الكثير بإضمحلال الجبهة والتى كانت من المقدّر لها أن تصبح المدرسة لتفريخ قيادات سياسيّة للمستقبل، وتمثّلت هذه الخسارة فى الآتى:

    (1) فقدان الإقليم للوعاء السياسى لإعداد الكوادر السياسيّة وبناء القدرات.

    (2) تهيب محاولة تكرار التجربة حيث لم ينشأ أى تنظيم مشابه لتلك الجبهة فى دارفور وإلى اليوم.

    (3) تسليم زمام الحركة السياسيّة بدارفور لأحزاب قوميّة لها أهدافها وبرامجها الخاصة التى ليست بالضرورة تعبر عن طموحات أهل دارفور.

    (4) إنهماك بعض قيادات الجبهة السابقة فى الترويج للأحزاب القوميّة وخدمتها متدثرين بلواء القوميّة مع نسيان أهاليهم بالإقليم.

    (5) نشأة أجيال منقطعة عن أولئك القادة وغير مدركة للأبعاد السياسيّة للإقليم (إنعدام التواصل).

    إشكالية مثقفى دارفور مع الأحزاب السياسيّة القائمة:

    من الظواهرالمثيرة للإهتمام فى الإنشقاقات التى عصفت بالعديد من الأحزاب السياسيّة السودانيّة، خاصة الكبرى منها، تتمثل فى وجود ثابت للعناصر الدارفوريّة فى معظم تلك الإنشقاقات دون إستثناء تقريباً، مما يوحى برغبة الناشطين سياسياً من أبناء دارفور فى لعب دور قومى مؤثر يتجاوز التمثيلات الديكوريّة والسقوف الخفيضة التى يواجهونها فى تلك الأحزاب، لتتعدّاها إلى الرغبة فى التفاعل الجاد فى الإدارة والتوجيه وإتخاذ القرار على المستوى الوطنى. إنّ ظاهرة الخروج على التنظيم الحزبي يمكن إعتبارها ظاهرة صحيّة إذا ثبتت سلامة مسارها وبغيتها المنشودة، وهى بحدّ ذاتها ليست بشيئ غريب على الممارسة الديمقراطيّة على المستوى العالمى فالأحزاب السياسيّة الكبرى فى أوروبا وأمريكا تعج بها بل وتعتبر مقبولة شعبياً طالما ينحصر ذلك فى إطار التنافس الشريف والسعى وراء كسب ثقة الناخبين، فمثلاً عمدة مدينة نيويورك الحالى المليونير مايكل بلومبيرج لم يتمكن من الحصول على بطاقة الترشيح نيابة عن الحزب الديمقراطى فى منافسات التأهل الأوليّة عام 2002 فإنسلخ إلى الحزب الجمهورى وتأهل وفاز على نفس المرشّح الديمقراطى الذى هزمه قبلاً فى المنافسات التأهيليّة بالرغم من أنّ نيويورك تعتبر مدينة ديمقراطيّة النكهة. أمّا فى السياسة السودانيّة فإنّ مثل هذا الأمر يدخل فى باب الحرام وقد عانى منه سياسيون كثيرون أشهرهم الشاعر الراحل صلاح أحمد ابراهيم حينما قدّم إستقالته من الحزب الشيوعى السودانى والدكتور عبد الوهاب الأفندي فى خروجه على الإسلاميين وما إستتبع كلا الحالتين من هجوم شرس ومحاولات إشانة سمعة. أمّا على المحيط الدارفورى فلم يسلم كذلك من نفس ردود الفعل الغاضبة مثال على ذلك المساجلات الغاضبة التى دارت بين السيّد مبارك الفاضل المهدى والدكتور أحمد بابكر نهار فى حزب الأمّة الإصلاح والتجديد، وبين الأستاذ أمين بنانى وكل من الأستاذ مكّى على بلايل والدكتور لام أكول فى حزب العدالة القومى، والدكتور فاروق أحمد آدم والسيّد محمّد عثمان الميرغنى فى الحزب الإتحادى الديمقراطى وإن لم يظهر ذلك فى العلن، وبلغت المأساة ذروتها فى النهايّة المؤسفة التى تعرض لها المهندس داؤد يحيى بولاد إثر خروجه ورفعه السلاح فى وجه حكومة الإنقاذ عام 1990. ولكى تكون الصورة أوضح أمامنا عن نسبة مشاركة أبناء دارفور فى مختلف تلك الإنشقاقات حصرنا البيانات التاليّة:

    (1) السيد أحمد إبراهيم دريج وآخرون: 1965، من المستقلين وجبهة نهضة دارفور إلى حزب الأمّة.

    (2) الدكتور على الحاج محمّد وآخرون: 1965، من جبهة نهضة دارفور إلى جبهة الميثاق الإسلامى.

    (3) دكتورفاروق أحمد آدم والأستاذ عبدالجبار آدم عبدالكريم: 1988، من الجبهة الإسلاميّة القوميّة إلى الحزب الإتحادى الديمقراطى.

    (4) المهندس داؤود يحيى بولاد: 1990، من الجبهة الإسلاميّة القوميّة إلى الحركة الشعبيّة لتحرير السودان.

    (5) السيد أحمد إبراهيم دريج: 1994، تأسيس تنظيم التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى.

    (6) دكتورفاروق أحمد آدم: 1998، من الحزب الإتحادى الديمقراطى (جناح السيّد) إلى الحزب الإتحادى الديمقراطى الإصلاح والتجديد.

    (7) دكتور على الحاج محمّد، العميد معاش محمّد الأمين خليفة، الدكتور الحاج آدم يوسف وآخرون: 2000، من حزب المؤتمر الوطنى إلى حزب المؤتمر الشعبى بقيادة الترابى.

    ( المحامى أمين بنانى، الأستاذ حامد تورين وآخرون: 2001، من حزب المؤتمر الوطنى إلى حزب العدالة.

    (9) الدكتور خليل إبراهيم محمّد وآخرون: 2001، من الجبهة الإسلاميّة القوميّة إلى تأسيس حركة العدل والمساواة السودانيّة.

    (10) دكتور على حسن تاج الدين، المهندس عبدالله على مسار، الدكتور أحمد بابكر نهار وآخرون: 2002، من حزب الأمّة القومى إلى حزب الأمّة الإصلاح والتجديد.

    (11) الدكتور مهندس آدم موسى مادبو: 2003، تذمّر من محاولة تهميشه فى حزب الأمّة وإنتقد بعض جوانب الصراع على المناصب على مستوى القيادات بالحزب بعد فشله في الفوز بمقعد نائب رئيس الحزب الذى فاز به المرحوم الدكتورعمر نور الدائم فى إنتخابات الحزب التى جرت بسوبا عام 2003، حيث أشار بأنَّ قيادات الحزب ظلّت دوماً من الشمال والوسط، والجهويّة لا يُنظر إليها إلا عندما يترشح أحد من الغرب!! وقال خلال الخمسين عام من عمر الحزب كانت قيادات الحزب من الشمال والوسط "ولم ترد مسألة الجهويّة إلا عندما يترشح شخص من أبناء الغرب يرموننا بالجهويّة"!! (صحيفة الأيام 11 مايو 2003).

    (12) المحامى أمين بنانى: 2003، من حزب العدالة لتأسيس حزب العدالة القومى.

    (13) الأستاذ حامد تورين: 2003، من حزب العدالة راجعاً إلى حزب المؤتمر الوطنى.

    (14) الدكتور أحمد بابكر نهار: 2004، من حزب الأمّة الإصلاح والتجديد لتأسيس حزب الأمّة الفدرالى.

    (15) المهندس عبدالله على مسار وآخرون: 2004، من حزب الأمّة الإصلاح والتجديد لتأسيس حزب الأمّة القيادة الجماعيّة.

    (16) دكتورفاروق أحمد آدم: 2005، من الحزب الإتحادى الديمقراطى الإصلاح والتجديد إلى حزب المؤتمر الوطنى.

    هذه الخلافات والخروج أو تكوين أحزاب جديدة قائمة بذاتها توحى بأزمة حقيقيّة تواجه الأحزاب القوميّة فى إطار مكوناتها التنظيميّة وقدراتها على ضبط الخلافات داخلها بطريقة مؤسسيّة فاعلة، وإذا صارت هذه الأحزاب مهددة فى وجودها نفسها بمنافسة تجمعات الهامش وإحتمال صعودها لمنصة التنافس السياسى ضدّها فإنّها أيضاً ستكون مهددة فى بنيويتها التنظيميّة إن فشلت فى تلبيّة نخب الهامش داخلها، وهنا قد يثير مسألة مستقبل أبناء الغرب عموماً بالأحزاب الكبرى، خاصة بعد التداعيات الخطيرة لأزمة دارفور، تساؤلات حقيقيّة عن إمكانيّة إستقرارهم بتلك الأحزاب بسبب هذه المشكلة تحديداً، وإلى أى مدى ستتأثر هذه الأحزاب بأزمة دارفور..؟؟

    من القائمة أعلاه يبدو وجود أحزاب سياسيّة فاعلة اليوم على الساحة القوميّة لها نكهة دارفوريّة بالرغم من قوميّتها وتمددها فى مناطق كثيرة بالسودان، وتحديداً:

    * حزب العدالة القومى بقيادة المحامى أمين بنانى

    * حزب الأمّة الفدرالى بقيادة الدكتور أحمد بابكر نهار

    * حزب الأمّة القيادة الجماعيّة ومن ضمن قياداتها المهندس عبدالله على مسار

    وحتى إذا إفترضنا إمكانيّة عودة هذه الأحزاب والإلتئام مع جذورها مرة أخرى بعد زوال مسببات إنشقاقاتها، إلاّ أن وجودهم هناك قد يدعم أيضاً نمو أى حزب يخرج من صلب الحركات المسلّحة، خاصة فيما يتعلق ببناء التحالفات وتبادل الخبرات وتجيير الكوادر وهى أمور طبيعيّة ومقبولة فى مجال الممارسات الحزبيّة.

    المتطلبات الأساسيّة لإنشاء حزب سياسى وطنى:

    تعمد بعض الدول لوضع قوانين يؤطر النشاط الحزبى على المستوى القومى فى كل مراحله من التسجيل إلى الممارسة إلى الولوج فى العمليّة الإنتخابيّة ولعبة المنافسة الشريفة، وفى الوقت نفسه تحرّم تحريماً قاطعاً قيام أحزاب على أساس جهوى أو عرقى أو دينى أو على أى نسق قد يؤدى إلى تفريق مجتمع الدولة، فى أفريقيا تبنت دولة غانا دستوراً مشابهاً تمّ تصميمه على هدى الدستور الأمريكى. وبالرغم من إحتجاج البعض بأنّ الأحزاب بإعتبارها مؤسسات شعبيّة يجب ألاّ تخضع لقوانين ضابطة بل يجب أن تكون مستقلة، إلاّ أنّ أنشطتها السياسيّة وسعيها للوصول إلى دوائر الحكم يفرض عليها الإلتزام بسلوك مؤسسى محدد لضمان إستقامة أدائها وطهارة منهجها على ضؤ القانون. وبصورة عامة فإنّ إنشاء أى حزب سياسى بحاجة إلى ضمان حزمة المتطلبات التاليّة:

    (1) البرنامج: (Agenda) وهى المشاريع والأنشطة وجدول الأعمال التى يود الحزب السعى إليها وتحقيقها وهى فى الغالب تتركز فى تلبيّة رغبات الجماهير فى شئون ومجالات تتعلق بطبيعة حياتهم ومستقبلهم إضافة إلى مستقبل بلدهم وكيفيّة إدارة الدولة.

    (2) اللوائح الداخلية: (Charter) وهى الدستور الذى ينظم منهج الحزب التنظيمى، وبنيّته القانونيّة، وتنظيمه المؤسسى، وتكوينه الجماهيرى، ومصادر تمويله، بجانب تحديد حقوق الأفراد وصلاحيّات المؤسسات وضبط الممارسات فى داخله، إضافة إلى تكييف بينيّة العلاقات مع الأحزاب والمكونات السياسيّة المنافسة لها فى الساحة.

    (3) الآيدلوجيّة: (Ideology) وهى القوام الفكرى، وتكمن أهميتها فى إعطاء الحزب نكهته التى تفرده عن بقيّة الأحزاب الأخرى، وتكيّف مزاج الجماهير نحوه وتعطيه العمق العقلانى والطرح الإيجابى بما يتلاءم مع رغبات الجماهير ويلبى أشواقهم ويستجيب لآمالهم ونظرتهم على الحياة.

    (4) العضويّة: (Membership) وهم الجماهير المنضويّة فى قوائم الحزب المؤيدون لسياساته والداعمون لبرامجه.

    (5) الممثلين: (Representatives) وهم النخب التى يدفع بهم الحزب لتمثيله فى المحافل الإنتخابيّة ويمثلونه فى البرلمانات والهيئات التنفيذيّة والتشريعيّة المحليّة والقوميّة.

    على هذه الخلفيّة يقوم مسجّل الأحزاب بمراجعة ذلك والتأكد من إستيفاء طلب تسجيل الحزب لهذه المتطلبات وغيرها قبل التصديق النهائى لمزاولة النشاط، وبالضرورة لا يمكن لأى حزب أن ينمو نمواً صحيّاً متكاملاً فى غياب العوامل أعلاه، وبالتالى على الحركات المسلّحة بدارفور أن تتبصر موقع أقدامها إذا ما فكّرت فى تحولها لحزب أو أحزاب سياسيّة قوميّة كما يحاول بعضها أن تفعل الآن. إنّ العمق الجماهيرى لأى حزب سياسى يمكن إعتباره بمثابة الماء للسمكة فلا حياة لها بدونه، وعليه يكون من الضرورة البدء ببناء قواعد جماهيريّة على مستوى الدولة عبر برنامج مدروس وآيدلوجيّة متوازنة تراعى الواقع السودانى وهى ليست عمليّة سهلة لكنّها ليست مستحيلة كذلك.

    تحليل مؤسسى لطبيعة الحركات الثوريّة بدارفور:

    نحاول فى الجزء التالى من المقال الإجابة على السؤال الذى أثرناه فى بدء هذا المقال وهو إمكانيّة تحول الحركات المسلّحة الدارفوريّة إلى حزب سياسى قومى! ومن أجل ذلك يجدر بنا أولاً أن نكون على إلمام بنشأة وتطور هذه الحركات و بخلفيّة أوضاعها المؤسسيّة، ثمّ ننتقل لعرض وتحليل أفكارها السياسيّة على ضؤ بياناتها التأسيسيّة ومقارنتها بمتطلبات الدولة لإستكناه مدى توافقها من ناحيّة ثمّ مقارنة بعضها ببعض لتلمس أوجه التوافق فيما بينها من ناحيّة أخرى. وسننتقل بعد ذلك إلى تحليل كيفيّة إنشاء حزب سياسى قومى عبر جملة من المقترحات العمليّة ثمّ ننهى المقال برصد بعض المحاذير الواجب التبصر حيالها.

    (1) حركة/جيش تحرير السودان: (SLM/A)

    ظلّت حركة/جيش تحرير السودان تمثل وإلى عهد قريب أكبر حركات دارفور المسلّحة قبل أن تنالها معاول التشظى والإنقسامات والتى قننتها إلى حركتين بمؤتمر حسكنيتة، ثمّ أخذت هاتين الحركتين تتناسخان فى حركات منشقة صغيرة على خلفيّة تداعيات مفاوضات أبوجا حتى بلغت عددها حالياً 7 حركات، بعضها مجرّد أفراد يمثلون أنفسهم. تبدأ هذه الحركة فى أساسها بإصدار إعلانها السياسى فى شهر مارس 2003 والتى أكدّت فيها على خلفيتها الدارفوريّة حيث بدأت إسمها بحركة تحرير دارفور، لكنها سرعان ما إنتبهت لذلك، ربّما تحت تأثير الحركة الشعبيّة لتحرير السودان، فحاولت الخروج من غطاء الإقليميّة الضيّقة إلى رحاب القوميّة الرحبة وتبنّت إسم حركة تحرير السودان ثمّ حركة/جيش تحرير السودان بعد مؤتمر حسكنيته، وأشارت فى بيانها التأسيسى إلى المناطق المهّمشة الأخرى بالسودان، وإلى إشكاليّة إحتكار السلطة والثروة لدى نخبة السودان النيلى.



    لقد حددت حركة/جيش تحرير السودان أهدافها وأكدتها بقولها: "على الرغم من أنّ نقطة إنطلاق الحركة هى دارفور بفعل الحاجة للرد على السياسات التطهيريّة الوحشيّة من قبل نظام الجبهة فى المنطقة، إلا أنّنا نريد أن نؤكد ونعلن بأنّ SLM/A هى حركة وطنيّة تسعى بجانب القوى السياسيّة الأخرى ذات الفكر المشابه إلى مخاطبة المشاكل الأساسيّة لكل السودان والسعى لحلها. هدف حركة وجيش تحرير السودان هو تأسيس سودان ديموقراطى متحد على أُسُس جديدة تقوم على المساواة، الهيكلة الكاملة وتداول السلطة، تنمية متوازيّة متعادلة، تعدديّة سياسيّة وثقافيّة ورفاهيّة معنويّة وماديّة لكل السودانيين" (الإعلان التأسيسى لحركة تحرير السودان، مارس 2003). وتأسيساً على ذلك فقد فصّلت الحركة مواقفها من قضايا السودان الراهنة عبر 11 محور تتراوح بين وحدة السودان والعلاقة بين الدين والدولة ونظام الحكم وقضايا الهويّة وغيرها.

    تحت تأثير الإنشقاقات المستمرة التى مزقتها، والضعف المؤسسى البائن لكل فصائلها، تحتاج هذه الحركات أول ما تحتاج إلى لملمة أطرافها، وقد يبدو ذلك من سابع المستحيلات تحت الظروف الحاليّة، لكن من الواضح أنّ هذه الأطراف من الصغر والهشاشة بحيث يستحيل عليها أن تنجز أى شيئ بمفردها، بجانب أنّ التناحر السابق فيما بينها والتى لم تراع حرمة الدم ورفقة السلاح قد أضرّت بمواقفها جميعاً وأدّى إلى تذمر المناصرين لها، كما يجدر الإشارة كذلك إلى حقيقة إفتقار هذه الحركات مجتمعة لكوادر متمرسة فى السياسة، وهى للأسف لا تود الإعتراف بها، لكنّها ساطعة كالشمس من خلال مراجعة أداءها العام. إنّ محاولة تصعيد المقاتلين فى مرحلة النضال لتولى مواقع قياديّة سياسيّة بعد السلام قد يمثل عمليّة إنتحاريّة لأن المسألة ببساطة هى أنّه إذا كان لكل زمان رجال فإنّ مرحلة السلام تحتاج لكوادر وقدرات مغايرة وليس من الواضح كيف ستتدارك هذه الحركات هذه المعضلة بأوضاعها الراهنة.

    (2) حركة العدل والمساواة السودانية:

    تقول حركة العدل والمساواة أنها نشأت كتعبير للتهميش التى شعرت به مناطق السودان الطرفيّة وسيطرة منطقة الوسط على السلطة وإستئثارها بثروة البلاد دون حظ يذكر لتلك المناطق، ولذلك فقد حددت أهدافها فى بيانها السياسى الصادر بتاريخ نوفمبر 2001 بالآتى: "إنهاء التمييز العنصري في منهج الحكم في السودان، رفع الظلم الإجتماعى والإقتصادى والإستبداد السياسى عن كاهل الجماهير رجالاً ونساءاً وإشاعة الحريّة والعدل والمساواة بين الناس كافة، وقف جميع الحروب وبسط الأمن للمواطنين وتأمين وحدة البلاد، تسخير إمكانات الدولة وتوجيهها لتحقيق تنمية بشريّة وإقتصاديّة متوازنة ومحاربة الفقر وترقية حياة المواطنين جميعا وتأمين الخدمات الأساسيّة، إقامة نظام فدرالي ديمقراطي لحكم البلاد يستجيب لخصائص أهل السودان ويمنع إحتكار السلطة أو الثروة بواسطة إفراد أو جماعات أو أقاليم دون أخري وإنتهاج مبدأ التداول السلمي للسلطة، إحداث إصلاح دستوري جذري وشامل يضمن حقوق الإنسان الأساسيّة التي أقرتها الأديان والقوانين والمجتمع الدولي وحق جميع الأقاليم في حكم البلاد، إنتهاج سياسة خارجيّة قائمة علي الإعتدال وإحترام حقوق الانسان أينما كان وإحترام القوانين ومراعاة حسن الجوار والإنفتاح السياسي مع كافة دول العالم وعدم التدخل في الشئون الداخليّة للدول الأخري" (الإعلان التأسيسى لحركة العدل والمساواة السودانية, نوفمبر 2001م).

    وقد شاركت الحركة بقوة فى تأسيس إتحاد الأغلبيّة المهمشة فى مؤتمرها المنعقد بمدينة هتيجن بألمانيا فى 6 أبريل 2003م، وربّما كان هدفها من ذلك خلق تنظيم قومى لحمايّة ظهرها نظراً لكونها صغيرة الحجم آنذاك، وقد ورد فى الإعلان السياسى التأسيسى لذلك الإتحاد "أنّه قد آن الآوان لقوى الأغلبيّة المهمشة فى بوادى وحضر السودان، فى النقابات المهنيّة والعماليّة، والمرأة والشباب والطلاب ومنظمات المجتمع المدنى أن يهبوا لتحطيم حاجز اليأس والقهر، وأن ينطلقوا فى إعتداد وإعتزاز غير مباليين بالصعاب والتحديّات لصياغة سودان العزّة والكرامة، متجاوزين فى ذلك كل عوامل الفرقة الإثنيّة والدينيّة والحزبيّة لأجل بلوغ الأهداف والغايات الكبرى". كما تواثق المؤتمرون على إنشاء الهياكل والقواعد التنظيميّة الضروريّة لإنجاز المهام الوطنيّة، ونسبة للدور الكبير الذى لعبه فى قيام الإتحاد فقد تم أنتخاب الدكتور خليل إبراهيم محمّد رئيس حركة العدل والمساواة السودانيّة أميناً عاماً للجنته التنفيذيّة الإنتقاليّة.

    فى مقابلة صحفيّة مع جريدة الحياة اللندنيّة فى عددها بتاريخ 6 مارس 2003م عرَّف الدكتور خليل حركته بأنها ليست عنصريّة ولا إنفصاليّة وهي موجودة في كل مناطق السودان وتطالب بإنهاء التهميش الذي تعانيه أقاليم السودان المختلفة وأنها تتألف من جناحين سياسي وعسكري وقيادة تنفيذيّة ومؤتمر عام ومجلس للداخل ومجلس للخارج. كما أعلن فى نفس تلك المقابلة، ولأول مرّة، بأنّه هو الذى قام بإصدارالكتاب الأسود لفضح سيطرة مجموعة سكانيّة صغيرة على البلاد، كما قام بإصدار الجزء الثانى من نفس الكتاب فى المؤتمر الأول لإتحاد الأغلبيّة المهمّشة والذى إنعقد نهاية شهر أغسطس 2003 بألمانيا، وقد تم نشر الكتابين فى موقع الحركة بالإنترنت وتمّ توزيعهما على نطاق واسع مع ترجمة إلى اللغّة الإنجليزيّة تلقفتها منظمّات حقوق الإنسان بشراهة. وبالرغم من أنّ الحركة عانت كثيراً من الإختراقات المتكررة بقصد شق صفوفها بجانب الشكوك القويّة التى ما زالت تلازمها كمجرد ذراع عسكرى للدكتور حسن الترابى وحزبه المؤتمر الشعبى، رغم نفى خليل إبراهيم وكوادره المتكررة لذلك، إلاّ أنّها أظهرت مرونة كبيرة Resiliencyوقدرة فائقة فى التكيف مع كل الظروف والمتغيرات التى مرّت بها الأمر الذى يعكس إمتلاكها لكادر سياسى نشط، كما تمكنّوا من بناء علاقات دوليّة فاعلة، خاصة الدول الأوروبيّة حيث يقيم معظم كوادرها السياسيّة. بجانب ذلك فقد بذلت الحركة جهداً كبيراً فى تأسيس أدبياتها فقامت بإعداد نموذج ملامح لدستور السودان المنشود فى أغسطس عام 2002م، جاءت مفصّلة لكل قضايا السودان الراهنة وتمّ معاجتها عبر أربعة محاور أساسيّة هى محور أركان مشكلة السودان، محور معالجة مشكلة السودان، محور ضمانات تطبيق الدستور وإستمراره، وأخيراً محور منهج كتابة الدستور. من ناحيّة أخرى لم تسلم حركة العدل والمساوة من آفة الإنشقاقات أيضاً وهى منشقة الآن إلى ثلاثة أجنحة.

    (3) التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى:

    يعانى تنظيم التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى، والذى أسسه السياسى ورجل الأعمال المخضرم أحمد إبراهيم دريج، الحاكم الأسبق على إقليم دارفور فى عهد النميرى، من إشكاليّة خطابه نحو دارفور وذلك عطفاً على بيانه التأسيسى الصادر فى أبريل 1994 بالقاهرة والذى أعلن فيه عن قوميّة توجه تنظيمه وأنّه يسعى للعمل للتطبيق السليم والكامل للفدراليّة وإصلاح الحكم فى السودان. كما أنّه يعتبر أنَّ مشكلة السودان ترتبط إرتباطاً وثيقاً بكيفيّة نظام الحكم منذ إستقلال البلاد وإنَّ المخرج من هذه الإشكاليّة تتمثل فى تطبيق النظام الفدرالى. يقول السيد أحمد إبراهيم دريج فى خطاب له بتاريخ 27 أبريل 2001 للإدارة الأمريكيّة تعليقاً على مقترح مركز الدراسات الاستراتيجيّة والعالميّة بشأن الحل السياسي للمشكلة السودانيّة، بأنَّ تنظيم التحالف الفدرالي الديمقراطي السوداني قد سبق أن قدم طرحاًً لإقامة نظام حكم فدرالي من أقاليم أو مديريات السودان التسعة التي كانت موجودة قبل وبعد الإستقلال، بما فيها الأقاليم الجنوبيّة الثلاثة، كمدخل لحل قضية الحكم فى السودان، وأشار إلى ضرورة تأسيس نظامٍ سياسي مناسب، تتمتع من خلاله كل المناطق بالحق في إختيار حكامها والحق في تقرير كيفيّة إدارة شئونها الداخليّة في ظل السودان المتحد إتحاداً فدرالياً. وأشار فى ذلك الخطاب أيضاً إلى أنًّ فكرة "تقسيم السودان إلى دولتين كونفدراليتين، واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب (حسبما ورد آنذاك فى مقترح ذلك المركز)، لن يقود إلى إعادة توزيع منصف للسلطة والثروة بين الأقاليم والمجتمعات السودانيّة، فالأقاليم الشرقيّة والغربيّة وهي ضمن الشمال الجغرافى، والتي حملت السلاح ضد الحكومة المركزيّة، لن تقبل بنظام حكم مركزي في الشمال يحرمهم من فرصة المشاركة في السلطة السياسيّة في المستقبل، كما حرمهم في الماضي". وبالرغم من تطابق هذا الطرح مع مواقف حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة السودانيّة تجاه قضيّة الحكم تحديداً إلا أنَّ مانفستو التحالف الفدرالى لم يخصص لدارفور مساحةً تذكر فى برنامجه السياسى كما فعلت الأخريّتان، أو حتى أن يشير إليه إسماً، بل تناوله ضمناً فى خطاب قومى عام وذلك، وحسبما تأكد لاحقاً، قد أدخله فى نزاع نفسى ضاغط ومثَّل له مشكلة فى صياغة خطاب أو نشاط منسجم يستجيب لأشواق قاعدته الدارفوريّة العريضة ويرضى شعورهم على خلفيّة الأزمة المتفاعلة بالإقليم، وقد تطور ذلك إلى إشكاليّة حقيقيّة أصابت التنظيم بالشلل وعدم الفاعليّة خلال الثلاثة سنوات الماضيّة، أبرزها الخلاف العاصف بين دريج ودكتور شريف حرير، الرجل الثانى والثورى فى التنظيم، كاد أن يشق التنظيم إلى جناحين، ويبدو جليّاً أنّ دريج قد وجد ضالته أخيراً فى تأسيس حركة جبهة الخلاص الوطنى.

    من الناحية التنظيميّة، وبالرغم من وجود تنظيم التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى منذ عام 1994، إلاّ أنَّه عانى ضعفاً تنظيميّاً بائناً وإفتقر إلى الكوادر السياسيّة المؤهلّة وإلى الأطر الفكريّة التى عادة ما تقوم بصياغة البرامج وتدفع بالخطاب السياسى، ولذلك ظلّ دريج يمثل كل شيئ تقريباً فى التنظيم من الرئيس إلى الناطق الرسمى إلى مصدر التمويل، كما إنّه إفتقر أيضاً إلى جهاز إعلامى يمكّنه من أن يرسل عبره صوته ورسالته إلى جماهير الشعب السودانى، وبالرغم من وجود أغلب عضويّته بالخارج إلاَّ أنه فشل فى تأسيس موقع له على الإنترنت إلاّ قبل نحو عامين تقريباً، عبر مدير مكتبه السابق بالقاهرة الذى سعى بجهده الخاص لتأسيسه، لكنّ الموقع متوقف حالياً. كما إنَّ التنظيم فشل فى إقامة مؤتمره العام لبرلمانه الفدرالى وللعام الرابع على التوالى وقد كان مخططاً له عام 2003 فى أسمرا.

    (4) جبهة الخلاص الوطني:

    جاءت جبهة الخلاص الوطنى كتعبير صارخ لرفض مجموعة من الحركات الدارفوريّة المسلّحة إتفاقيّة أبوجا الموّقعة فى 5 مايو الماضى بين الحكومة السودانيّة وحركة/جيش تحرير السودان جناح مينى أركو مينّاوى، ففى يوم 30 يونيو 2006 عقد زعماء «التحالف الفيديرالي السوداني» بزعامة أحمد إبراهيم دريج وشريف حرير، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة الدكتور خليل إبراهيم، و«حركة/جيش تحرير السودان» جناح خميس عبدالله أبكر مؤتمراً صحافياً فى أسمرا أعلنوا فيه توحيد تنظيماتهم السياسيّة ودمج قواتهم العسكريّة تحت مسمى جبهة الخلاص الوطني(NRF) National Redemption Front، ولم ينضم إليهم رئيس «حركة تحرير السودان» عبدالواحد محمد نور لكنّه أقرّ لاحقاً مطالبته الدخول فى أيّة مفاوضات قادمة مع الحكومة السودانيّة مع هذه المجموعة تحت وفد واحد هو وفد دارفور. وأعلن هؤلاء الزعماء رفضهم لإتفاق أبوجا ولوّحوا باستخدام خيارات المقاومّة كافة، ودعوا القبائل العربيّة والزعماء السودانيين مثل الدكتور حسن الترابى والسيّد الإمام الصادق المهدي والأستاذ محمد إبراهيم نقد والسيّد مني أركو مينّاوي (الذي وقع إتفاق أبوجا) إلى الإنضمام لتحالفهم الجديد، وإعتبر دكتور خليل إبراهيم إنّ 80 في المئة من مقاتلي مينّاوي إنفصلوا عنه ويؤيدون التحالف، وأضاف: «إنّنا ندعوه إلى التراجع عن الإتفاق والإنضمام إلى جبهة الخلاص الوطني»، من جانبه أكدّ الدكتور شريف حرير خطأ مدخل المجتمع الدولي للحل بقيامه على فرضيّتين: إحداهما إنسانيّة لحماية المدنيين، والثانيّة على أساس أنّ فصيل مني أركو مينّاوي هو الأقوى والأكبر على الأرض، في تكرار لنموذج نيفاشا مع «الحركة الشعبية»، وأضاف إنّ النازحين واللاجئين رفضوا إتفاق أبوجا «فسقطت الفرضيّة الأولى»، فيما «أثبتت الأيام خطأ الفرضيّة الثانية إذ تفرق المقاتلون عن مينّاوي».

    لقد جاءت الوثيقة التأسيسيّة لجبهة الخلاص الوطنى لتؤكّد على المبادئ التاليّة التي من الممكن أن تلتقي عليها كل القوي السودانية المعارضة:

    أولاً: الأعتراف بأنّ السودان بلدٌ متعدد الثقافات والأديان والأعراق وأن ذلك التباين يمثل أساس المواطنة ومصدر الوحدة في السودان.

    ثانياً: إنّ المواطنة أساس لنيل الحقوق وأداء الواجبات دون تمييز لمواطن علي آخر بسبب دينه أو عرقه أو ثقافته أو جهته (الجغرافيّة).

    ثالثاً: كفالة حقوق الإنسان وصيّانة الحريّات الأساسيّة وسيّادة حكم القانون وإرساء مبدأ المحاسبة والشفافيّة كأساس للحكم الرشيد.

    رابعاً: كفالة الديمقراطيّة والتعدديّة السياسيّة وحريّة التعبير كأساس للتداول السلمي للسلطة.

    خامساً: ضمان أولويّة التنميّة البشريّة ورفع القدرات كأساس لتطوير المجتمع وتحقيق التنميّة المستدامة وذلك من خلال مجانيّة التعليم والصحّة وتوفير الخدمات الأساسيّة للمواطن، وتوفير فرص العمل له لضمان حياة كريمة لكافة المواطنين.

    سادساً: تحقيق التجانس والتواصل السكاني ضماناً لتعزيز الوحدة الوطنيّة وذلك من خلال تسهيل أسباب التواصل والإتصال بين كافّة أرجاء الوطن.

    وذلك وفقاً للنقاط الثمان التاليّة:

    * توحيد إرادة جميع أهل دارفور بكافة حركاته وتنظيماته وهيئاته وروابطه بالداخل والخارج.

    * تنظيم وتوحيد الجهد السياسي و العسكري والدبلوماسي والأعلامي والقانوني والجماهيري لتحقيق المطالب المشروعة لشعب دارفور وأهل السودان والوقوف بصلابة من أجل تلك الحقوق.

    * إيقاف جرائم الإبادة الجماعيّة المستمرة وتقديم كافة الجهود من أجل محاكمة المجرمين الذين قتلوا وأحرقوا أهلنا.

    * تنسيق الجهود وتعزيز الإتصالات الإقليميّة والدوليّة من أجل إنهاء معاناة أهلنا النازحين واللأجئين وضمان عودتهم إلي مناطقهم وقراهم الأصليّة وتعويضهم.

    * مساندة كافة القضايّا العادلة للأقاليم المهمّشة.

    * ضمان تحقيق العدالة في تقاسم السلطة والثروة بين كافة أقاليم السودان.

    * التأكيد علي ضرورة تطبيق النظام الفدرالي الحقيقي وضمان حكم كل إقليم نفسه بنفسه.

    * ضمان المشاركة العادلة وفق نسب الكثافة السكانيّة لكافة أقاليم السودان في إدارة الشئون السياسيّة والإقتصاديّة والخدمة المدنيّة والمؤسسات العسكريّة القوميّة، ضماناً لفك الإحتكار وتحقيق قوميّتها.

    بناءاً على هذه الخلفيّة يجدر ملاحظة سعى هذا التحالف لحقيق الهدف الدارفوري والسوداني في آن واحد، وربط هاتين المسيرتين في رؤيّة سودانيّة موحدّة تمنع الإنفصال وتدثيرها برداء القوميّة بدعوة قادة الأحزاب القوميّة الكبرى مينى أركو مينّاوى الإنضمام إليها، وترتق النسيج الإجتماعي الذي تدهور بفعل سياسات النظام على حد تعبيرهم. كما تراضي الأطراف علي هيكل تنظيمي بسيط لتحقيق هذه الأهداف بقيادة المجلس القيادى والذي يتعاقب علي قيّادته رؤساء الحركات والتنظيمات المكوّنة لجبهة الخلاص الوطني بصورة دوريّة كما تم إقرار سكرتاريّة تنفيذيّة.

    يتلاحظ من هذا البيان التأسيسى محاولة موقّعوها الخروج ببيان موّحد يلخّص كل البيانات السياسيّة المعبّرة عن لسان حركاتهم، كما سنرى بعد قليل، لكنّ الأمر الجوهرى الذى إتفقوا عليه هو مسألة تدوير أو تعاقب منصب القيّادة بصورة دوريّة بين قياداتهم والتى قد تمثل آليّة لدرء الحساسيّات كسبب أساسى فى مشاكل الإنقسامات التى أصابت هذه الفصائل فى المرحلة السابقة، كما يعكس أيضاً إقتراح حركة العدل والمساواة بضرورة تدوير منصب رئاسة الجمهوريّة السودانيّة بين كل الأقاليم الرئيسيّة تحقيقاً للعدل والمساواة بينها. إنّ الأمر الإيجابى الثانى فى هذه المحاولة هو النضوج السياسى لهؤلاء القادة ودعوتهم لقيادات الأحزاب ومينى للإنضمام إليهم، رغم محاربتهم له، إضافة إلى علاقاتهم الدوليّة المباشرة التى إكتسبوها خلال الفترة الماضيّة الشيئ الذى سينعكس إيجاباً على الوطن كله فيما إذا ما تحقق السلام الشامل.

    محاورالبيانات التأسيسيّة (Manifestos) للحركات الثوريّة بدارفور:

    من أجل إختبار قدرة الحركات المسلّحة بدارفور تطوير إمكاناتها الفكريّة لتستوعب المستوى القومى يجدر بنا مراجعة إعلاناتها السياسيّة المؤسسة ونظمها الأساسيّة ومقارنتها بما هو معلوم بالضرورة فى مسائل دساتير وأطر الحكم الضابطة لشكل ومحتوى الدولة، إضافة إلى مقارنة تلك الإعلانات السياسيّة بعضها ببعض لتلمس جوانب إتفاقها وإختلافها وعمق كل منها من حيث المضمون والمحتوى. هذه الحركات هى حركة تحرير السودان بكل أجنحتها، حركة العدل والمساواة السودانية، تنظيم التحالف الديمقراطى الفدرالى السودانى وجبهة الخلاص الوطنى.

    بمراجعة تلك الوثائق نجد أن كل هذه الحركات قد إتفقت على المسائل الآتيّة ووضعتها على رأس أجندتها وهى:

    (1) وحدة السودان

    (2) حقوق الإنسان

    (3) نظام الحكم

    (4) الثروة

    (5) الثقافة

    (6) السياسة الخارجيّة

    (7) الجيش والصراع المسلّح

    الإختلافات الموجودة فى بيانات الحركات المسلّحة حول هذه القضايا قليلة وتتمثل فى ربط حركة العدل والمساواة مؤخراً موضوع الوحدة بمسألة تقرير المصير لكن هذه مسألة يمكن التعامل معها على طاولة المفاوضات. وتمّ تناول مسألة الجيش عند هذه الحركات ضمن إطارات متباينة مثل إطار الصراع المسلّح والمجموعات المعارضة المسلّحة عند حركة/جيش تحرير السودان، الجيش والديمقراطيّة عند حركة العدل والمساواة، الخدمة المدنية والعسكريّة عند الفدرالى الديمقراطى، وضمان قوميّتها عند جبهة الخلاص الوطنى. هذه القضايا قوميّة النكهة وتتطابق فى أهدافها من حيث المبدأ مع أى دستور قومى أو مانفيستو أى حزب أو حركة سياسيّة، وتتناول الحركات هذه القضايا بدرجات مختلفة من حيث العمق فبينما تتعامل معها حركة العدل والمساواة والتحالف الفدرالى بتوسع شديد فإنّ الحركتين الأخريين تتناولها بتركيز فى أطر محددة، ولعلّ حداثة وجود جبهة الخلاص ومواجهتها بعمليّات ميدانيّة لم توفر لها الوقت الكافى للتوسع فى أطروحاتها الفكريّة فى هذه الجوانب، بجانب أنّ الإنشقاقات المتكررة لحركة/جيش تحرير السودان لم تمكنّها من تطوير قدراتها الفكريّة.

    من ناحيّة ثانيّة تناولت بيانات هذه الحركات مواضيع معيّنة كمجالات ذات إهتمام لديها فحركة/جيش تحرير السودان أشارت إلى مسألة القبائل والجماعات العربيّة فى دارفور وضرورة وضعها فى الإعتبار عند البحث عن أى حل للأزمة الناشبة فى الإقليم، كما تناولت أيضاً مسائل الحل السلمى للمشكل السودانى بصورة عامة من أجل تعزيز وحدة الوطن وسلامة شعبه. وأشارت أيضاً إلى موضوع الهويّة وتفردت بها مقارنة بالحركات الأخرى وهى مسألة شائكة ومهمّة فى سودان اليوم. حركة العدل أشارت إلى الأحزاب والتعدديّة السياسيّة فى إطار دورها لدعم نظام الحكم وحقوق الإنسان، وتحدثت كذلك عن مسألة المواطنة والتى ركّزت عليها كذلك جبهة الخلاص فى أكثر من محور فى بيانها التأسيسى، بينما تناول الفدرالى الديمقراطى مسألة المرأة كقضيّة محوريّة من أجل نيل حقوقها ضمن منظومة المجتمع وهذا يعكس وعياً أكثر تقدماً ويتماشى مع قضايا النوع أو Gender المتصاعدة فى عالم اليوم، وتناولت حركة التحرير قضيّة الدين فى إطارها الإجتماعى، بينما ربطتها العدل والمساواة بالدولة، وأشارت إليها الفدرالى الديمقراطى فى إطار السياسة، وأخذتها جبهة الخلاص فى محيطها الإجتماعى ضمن تعدد الثقافات والأديان والأعراق وأن مثل هذا التباين يمثل أساس المواطنة ومصدر الوحدة في السودان، من الواضح هنا وضوح علمانيّة الحركات الثلاثة مقارنة بالعدل والمساواة.

    إذاً نخلص من هذا العرض المبتسر توافق رؤى هذه الحركات المسلّحة مع أسس أى دستور معاصر ولا تتعارض تلك الرؤى أيضاً مع المواثيق الدوليّة وكذلك الميثاق العالمى لحقوق الإنسان وكافة الشرائع والعرف والمفاهيم السائدة لدى المجتمع السودانى، وقد يتحدد العبرة هنا بالتطبيق وترجمتها إلى أفعال أكثر من التعبير أو المواد القانونيّة الحاملة لهذه المفاهيم، فما أكثر الدساتير التى كّتبت لكنّها تظل حبراً على ورق.

    الحركات المسلًّحة بدارفور وإمكانية إندماجها لتكوين حزب سياسى وطنى:

    على خلفيّة الأزمة المتطاولة التى نشبت بالإقليم خلال العقود الثلاثة الماضيّات، والدروس والمفاهيم التى تولدت عنها ثمّ الحراك الإجتماعى والوطنى والعالمى العنيف التى صاحبتها، يمكن التأكيد على إمكانيّة نشؤ حزب سياسى وطنى تكون الحركات المسلّحة الدارفوريّة رأس رمحه على غرار الحركة الشعبيّة لتحرير السودان. إنّ الدلالات الأوليّة لمثل هذه الإمكانيّة تتمثل فى توفر المتطلبات الأساسيّة الخمس لإنشاء حزب سياسى وطنى، كما أوضحنا أعلاه، وهى: البرنامج، اللوائح الداخلية، الآيدلوجيّة، العضوية، والممثلين. إنّ الأكثر أهميّة فى هذه المرحلة بين هذه المتطلبات هو تطوير الآيدلوجيّة وهى كما أسلفنا تمثّل القوام الفكرى للحزب وتعطيه نكهته المتفرده قياساً لبقيّة الأحزاب المنافسة، كما إنّها تكيّف مزاج الجماهير نحوه وتلهمه العمق العقلانى والطرح الإيجابى بما يتلاءم مع رغبات الجماهير ويلبى أشواقهم ويستجيب لآمالهم ونظرتهم فى شئون الحياة.

    من الناحيّة العمليّة يجدر بالمخططين لإنشاء مثل هذا المشروع ملاحظة الآتى:

    (1) يصعب التحرك الفاعل لإى نشاط نحو تنفيذ هذه الفكرة فى ظلّ الظروف الحاليّة، ولأسباب عمليّة، ولذلك يجب الإنتظار إلى حين التوصل إلى سلام شامل مع كل الحركات المسلّحة وعودة قياداتها للبلاد.

    (2) غير أنّه، ومع ذلك، يمكن ضخ بعض المفاهيم العامة حول هذا المشروع من خلال إبتدار نقاش عام غير رسمى بقصد تلمس الأفكار وترتيب بعض الرؤى وتكييف مزاج وتهيئة مناخ عام متجاوب مع المشروع.

    (3) عدم الإستهوان بالأمر والركون إلى الثقة الزائدة، فالمشروع خطير يمس مصالح وأهداف دوائر ترسّخت لديها قناعات محددة بشأن دارفور وطوروا تبعاً لذلك نظم حياة وبرامج قد يمثّل هذا المشروع تهديداً لها.

    خارطة طريق لتنفيذ المشروع:

    كإقتراحات تنير الطريق عند التوافق على إنشاء هذا الكيان، يمكننا أن نساهم بالنقاط التاليّة، مع ملاحظة أنّ كل ما أورده هنا يعبّر عى رأيى الخاص وليست بالضرورة عن أى جهة أخرى، كما يجب دعوة كل أصحاب القدرات والملكات الفكريّة الداعمة لهذا المشروع لردفه برحيق أفكارهم فكل مشروع ناجح تقوم قاعدته على جملة من الأفكار الناجحة، عليه أطرح المداخل الآتيّة:

    (1) ضرورة تحديد الهدف، والذى يمكن أن يتمثل فى تحول كل الحركات المسلّحة إلى العمل السياسى السلمى المدنى الديمقراطى على المستوى القومى، من خلال تأسيس حزب سياسى جامع تنضوى تحت لوائه كل الحركات المسلّحة والتنظيمات السياسيّة الدارفوريّة والتجمعات الأخرى على إختلاف توجهاتها، مع الترحيب بتطوير تحالفات ومشاركات مع مختلف القوى الوطنيّة الأخرى دون الإنتقاص من الهويّة الشخصيّة لهذا الحزب الجديد.

    (2) توافق كل الحركات والقوى السياسيّة الراغبة فى الإنضواء للمشروع والإلتزام بذلك عبر قرارات ومكاتبات رسميّة من لجانها التنفيذيّة، وليس عبر إفادات شفهيّة من قياداتها فقط، بجانب تكوين مجلس قيادى من قيادات كل التكوينات الراغبة فى التحالف.

    (3) من أجل التنفيذ الفعلى يجب تكوين ما لا يقل عن خمس لجان تمهيديّة تشتمل عضويّة كل منها على ممثلين لكل الأطراف المتشاركة، وهى:

    * اللجنة السياسيّة ومهمتها التنسيق

    * لجنة تطوير الآيدلوجيّة والدستور ومهمتها تطوير المنهج الفكرى الجامع وإعداد مسودّة الدستور

    * لجنة التنظيم والتمدد الجماهيرى ومهمتها التعبئة على مستوى البلاد

    * اللجنة الإعلاميّة ومهمتها الترويج

    * اللجنة الماليّة ومهمتها توفير الدعم المالى

    (4) هذه اللجان يجب أن تكون مستقلة عن أى تأثير بينما تظل قيادات الحركات والتنظيمات الأخرى داعمين لإنشطتها بما يمكّنهم من أداء مهامهم.

    (5) تبدأ هذه العمليّة كما أشرنا بعد تحقيق السلام الشامل وعودة كل القيادات للداخل، وربّما تحتاج هذه اللجان لفترة 6 أشهر لإنجاز عملهم ورفع تقاريرهم للمجلس القيادى، بجانب 6 أشهر أخرى لإشهار وتسجيل الحزب، أى انّ جلّ العمليّة ربّما تحتاج لمدة عام كامل.

    (6) خلال فترة الستة أشهر التاليّة تتم تنفيذ حملة قوميّة بواسطة الكوادر القياديّة تحتوى على ليالى سياسيّة، لقاءات جماهيريّة وفئويّة، كتابات فى الصحف ولقاءات تلفزيونيّة وإذاعيّة بجانب إنشاء موقع على الإنترنت وإنشاء صحيفة ناطقة، إضافة إلى البدء فى تسجيل العضويّة.

    (7) على المجلس القيادى مواصلة الإجتماعات لتنسيق مواقفها وترتيب البيت من الداخل خاصة فيما يتعلق بإسم الحزب بجانب المناصب والصلاحيات والأجهزة الداخليّة وفتح المكاتب المحليّة والخارجيّة.

    ( إعداد الملف النهائى لكيان الحزب وتقديمه لمسجل الأحزاب السياسيّة.

    (9) بعد تسجيل الحزب رسمياً يبدأ الإعداد لعقد المؤتمر العام للحزب بدءاً بالقواعد متدرجاُ نحو المؤتمر العام.

    (10) بعد المؤتمر العام يمكن الترتيب للدخول فى التنافس الإنتخابى على كل المستويات: المحليّة والولائيّة والبرلمانيّة القوميّة والرئاسيّة. كما يجب الترتيب للمنافسة فى مستوى القطاعات الفئويّة مثل النقابات والإتحادات والتنظيمات المختلفة. ومن الضرورة كذلك إنشاء منظّمات مجتمع مدنى تابعة للحزب تعنى بمختلف المجالات خاصة الإنسانيّة منها مثل دعم عودة النازحين، ترقيّة التعليم، منظّمات المرأة، رعايّة الأطفال والمشردين، إستقرار الرحل، محو الأميّة، وغيرها.

    فوق ذلك كله، يجب إدراك حقيقة أنّ الديمقراطيّة كنظام للحكم هى أيضاً نظام للحياة ذات أبعاد فلسفيّة تتعلق بالبنيات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، ولا يمكن لها أن تتطور ما لم ترافقها تغييرات إيجابيّة فى هذه البنيات تمكنهما من التصدي بفعالية للمشاكل العديدة الناتجة عن عملية التطور والتنميّة.

    المحاذير:

    نود نهايةً الإشارة إلى جملة من المحاذير الواجب مراعاتها نحو تنفيذ مشروع بهذا الحجم ودرجة الخطورة، والمخاطرة الكبيرة التى تحيط به، وفى الحقيقة إنّ كل شيئ ممكن إذا صدقت النوايا وتجرد المشاركون من ذواتهم خدمة لدارفور والوطن الكبير الشيئ الذى يستوجب عليهم ملاحظة الآتى:

    (1) عمليّة إنشاء حزب سياسى وطنى هى عمليّة قانونيّة دستوريّة فى أساسها ولذلك يستوجب على من يتولون أمر مثل هذه الملفات أن يكونوا من القانونيين، خاصة المتخصصون فى مجال القانون الدستورى، ولا حرج فى الإستعانة بأشخاص ومستشارين حتى ولو كانوا أجانب لتقديم النصح والخبرة اللازمين لتجويد عمليّة البناء.

    (2) ضرورة الفهم المبدئى إلى حاجة دارفور إلى عقد إجتماعي جديد كأساس لوجوده ككيان موحد ذات هدف ومصير واحد ومصالح عليا فى إطار الدولة السودانيّة الموحدّة أرضاً وشعباً ومصيراً مشتركاً.

    (3) ضرورة التأكد من إرساء الدعائم الصلبة للبناء المؤسسى السليم، والعمل على تطوير الأطر والإجراءات التى تؤمن تطبيق الفهم الناضج والدقيق للعمل السياسى، وتجريده من الممارسات السالبة والأمراض المزمنة التى فتكت بالأحزاب السياسيّة السودانيّة مثل فريّة القيادات التاريخيّة دون الأخذ بمعيار تعاقب الأجيال وتجديد دماء القيادة وإستيعاب نوازع التطلعات القياديّة للشباب.

    (4) ضرورة إدراك الفوارق المؤسسيّة والموضوعيّة بين الحزب السياسى والحركة السياسيّة، خاصة من ناحية الأهداف والمبادئ، مع ضرورة إستيعاب معضلة وصعوبة تحول حركة سياسيّة أو عسكريّة إلى حزب سياسى.

    (5) ضرورة عدم تجاهل وإهمال أبناء دارفور بالعاصمة، خاصة قطاع النخب والمثقفين، فلديهم الكثير الذى يمكن أن يقدموه بحكم معرفتهم بدوائر الحكم والسياسة. لقد أخطأت الحركات حينما تجاهلتهم إبّان محادثات أبوجا لكن يجب مد الجسور وإصلاح ذلك فى المرحلة القادمة.

    (5) ضرورة تطوير آليات لحل الخلافات المحتملة وقوعها بين الأطراف المتحالفة بما يضمن إمتصاص النزاعات قبل تفجرها أو إستفحالها خاصة وإنّ تجربة الحركات المسلّحة مليئة بمثل هذه المشاكل وتظل تثير قلقاً مزعجاً فى هذه الناحيّة.

    ستتمكن قيادات الحركات المسلّحة من تكوين حزب سياسى وطنى سليم إذا أخلصوا فى الإتفاق بينهم، إذا أدركوا طبيعة دورهم فى المرحلة القادمة، إذا إستعانوا بأهل الخبرة والكفاءة، إذا تمكنوا من تطوير خطاب قومى عريض يخاطب مكامن الوعى الجمعى السودانى ويناغم أشواقه ورغباته، إذا تفادوا تكرار أخطاء الأحزاب التقليديّة، وإذا ما إستطاعوا تقديم خدمات إجتماعيّة ملموسة خاصة لذوى الحاجة، وقدموا رؤى فكريّة تتناول بؤر الهموم القوميّة.

    أوقد شمعة.. بدلاً عن أن تلعن الظلام،،،،،، شمعة الأمل!!

    27 أغسطس 2006
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! برير اسماعيل يوسف11-11-06, 10:44 AM
  Re: دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! برير اسماعيل يوسف11-11-06, 11:30 AM
    Re: دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! saif massad ali11-11-06, 11:46 AM
      Re: دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! برير اسماعيل يوسف23-11-06, 10:43 PM
        Re: دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! Nazar Yousif24-11-06, 02:49 AM
          Re: دارفور ... هل ستتحول الحركات المسلحة الي حزب سياسي وطني؟! برير اسماعيل يوسف24-11-06, 11:26 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de