سأكتب عن هذه الشخصية لما لها من دلالات تعتبر الآن في مقدمة الأحداث التي تُلْهِم كتاب السينما قصصهم التي يستتبعونها بأجزاء ، الجزء تلو الجزء مقتبسين أفكارها من لب القصة الأولى التي في الأصل هي حقيقية أو فيها الكثير من الحقيقة ثم يدلقون عليها من خيالهم الخصب المترع بإرهاصات المجتمع من حولهم أو ما يستقرءونه لقادم الأيام. أصدق دليل على ذلك قصة ( دراكيولا مصاص الدماء ) و قصة ( ريا و سكينة ) .
أيام الرعب الجنزيري :
عطبرة في صيفها شبه المستديم .. كنا وقتها صبياناً ، نلهو بلعب ( البلي ) و ( شدَّتْ ) ، و ( الشليل وينو ) و ( الثعلب فات فات ) ... و أحياناً ( الدافوري ). و إن أردنا أن نوزع قليلاً من نزق الطفولة ، نقوم بمهاجمة صبيان حي آخر ( بالنبلة ) ثم نفر على متْن ( العجلات ). أو نتسلل إلى حدائق الزونيا بشارع الري و شارع النيل. أو نتسلل إلى النيل مستترين ببعض نبتات الذرة الطويلة لكى لا يرانا أحد من معارف ذوينا. فقد كانت السباحة لمن هم في أعمارنا من المحظورات نظراً لحوادث الغرق التي كانت تحدث بين الفينة و الأخرى. لا يعكر ليل عطبرة شيء ، غير هبات رياح السموم تخترق جدار عتمور البطانة .. أو زخات ( الكتاحة ) التي عشقتْ أجساد أهل عطبرة. محطة السكة حديد كانت كالقلب من الجسد. تنطلق منها شرايين رحلات قطارات البخار في مواعيد تتشبث بشروق الشمس و مغيبها. لا يُذْكرُ السفر و الوداع و اللقاء و إلا و كانت عطبرة في الخاطر.. سوق عطبرة الكبير تموج فيه كل ضروب التجارة ... فهناك سوق العيش ... و المحلات التقليدية من جملة و تجزئة ... يسرح فيها أصحاب ( الكارو ) لتوصيل الطلبات و هي خدمة عطبراوية صميمة. إستحدث محل ( الطير الأبيض ) البيع بالتقسيط و تخصص في بيع ( عجلات الرالي ) ثم برز ( بوتيك صالح عبد الله ) كنموذج للتحول في نوعية المحلات و التعامل مع ( السيدات ) ... كل هذا و المدينة تعيش رتابتها المحببة دون أن يكسر سطحها أي حجر دخيل ... بداية الحوادث و إنطلاق الإشاعات : دون ذكر أسماء ، فقد فُجِعْنا بوفاة أحد الشباب متأثراً بإرتجاج في المخ و نزيف داخلي في أحد أحياء عطبرة القريبة من سوق القيقر. مات و هو على فراشه بين أهله في حوش دارهم. و كأن خفافيش هجمتْ على البيت دون أن تتسلق السور أو تكسر الباب ثم تقوم بفعلتها و تنطلق عبر الفضاء الرحيب دون جلبة أو ضوضاء. وقف التحقيق الجنائي حائراً حول كيفية قيام شخص بضرب شاب بين أهله حتى الموت دون أن تُحْدِث الضحية أي جلبة أو ضوضاء تنم عن المقاومة. و الحيرة الأكبر كانت في كُنْه عدم شعور أهل القتيل بأي شيء. ربما لإفتقار التحقيق الجنائي لأدوات و تكنيك التقصي لم يتمكن المحققون من إحراز أي تقدم و تم حفظ القضية ضد مجهول. الحقيقة الوحيدة التي خرجوا بها هي أن الضحية تم ضربها على الرأس بآلة حديدية و لكنها غير حادة حيث أنها تركتْ آثاراً طولية و عرضية و في بعض الأماكن تركتْ آثارا تورم كالوشم في خط مستقيم و متورم. و نامت المدينة و هي تلوك عشرات الإفتراضات و الإشاعات. و من هنا إنطلقت الإشاعات بأن عطبرة دخلها سفاح يقتل الشباب. رويداً رويداً ، خمدتْ الإشاعة كجذوة نار تحت الرماد ... و عادت المدينة تتدحرج في رتابة إلى تروس حياتها.
ضحية أخرى :
الضحية الجديدة كانت بالقرب من منزلنا ، لا يفصلنا عن مكانها سوى شارعين ... إسْتيْقظ الحي على صراخ النسوة .. ساد هرج و مرج. كانت هذه المرة فتاة في مقتبل العمر. عرفناها بطيب الخلق و المعشر. بنفس تفاصيل حادثة الضحية الأولى ، وجدوها ممددة على ( العنقريب ) في الحوش بين أهلها و على رأسها و جسدها نفس الكدمات. هذه المرة حقق المحققون تقدماً ملحوظاً في سبْر سر من الأسرار. فقد إكتشفوا أن الآلة المستخدمة هي أشبه بجنزير ( موتر ) ... إكتشفوا هذه الحقيقة من جسد الفتاة التي طالتها الآلة في عدة أماكن غير رأسها الذي نزف داخلياً طوال الليل حتى الموت. ثم إكتشفوا سر عدم شعور أهل الضحايا بأي جلبة أو ضوضاء جراء مقاومة الضحية ، أو حتى عدم شعور الجيران بأي شيء مريب. فقد إستخدم القاتل مخدراً يُستعْمل عادة في التخدير بغرف العمليات بالمستشفيات. و أنطلقت إشاعات جديدة. القاتل طبيب. القاتل ممرض. القاتل عجلاتي. القاتل صاحب ثأرات مع بعض الأسر. و إنتشرتْ قوات الشرطة ، من مباحث و سواري تجوب الأحياء حتى بزوغ الفجر... و إستكان القاتل ... و كأنه يقوم ( بتخدير ) المدينة بهذا الهدوء الذي يسبق عاصفته الغريبة على مجتمع المدينة. تقاسم شباب الأحياء السهر للحراسة. تغيرتْ مواعيد الناس للذهاب إلى السوق. أصبحتْ الشوارع و كأن بها عفاريت تتربص بالذاهبين إلى المناسبات. الريبة و الشك دخلا إلى الأماكن التي إمتدتْ إليها أصابع الإتهام جراء الإشاعات. صبي عائد من السوق لبيته مهرولاً ، ناداه رجل ليسأله عن بيت أحد السكان ، فصرخ الصبي ، فخرج أهل الشارع و دون أن يعرفوا حقيقة الأمر ، و ما هي إلا لحظات قلائل حتى كان الرجل مكوماً وسط دمائه تنهال عليه الضربات من كل جانب. مؤخراً عرفوا أنه قادم من إحدى القرى المجاورة و نظراً لعدم معرفته للشوارع و الأحياء ظل يدور في تلك المنطقة حتى داهمه الليل و حظه العاثر بالقرب من ذلك الصبي.
تميزتْ أتبرا فيما تميزتْ به ، بذلك النسيج الإجتماعي الفريد. سودان مصغر بكل ما تحمل الكلمتين من معنى. الروابط بين القاطنين في أحيائها المتنوعة يندر أن نجدها في أي مدينة أخرى لا فرق بين سكان حي ( السودنة ) الراقي و حي شعبي كحي زقلونة أو أمبكول أو حتى القرى المتاخمة مثل أم الطيور أو العكد. تجمعهم رائحة الورش و صافراتها ... و خمج نهر الأتبراوي الموسمي ... و حنجرة حسن خليفة المنسربة في ليالي المدينة.
لذا فإن أحداث الرعب قلبتْ دولاب حياة المدينة رأساً على عقِب. فالكل ما بين متربص و متوجس.
ثم جاءت الضربة الثالثة بشكل موجع و محزن. كانت الضحية هذه المرة شخصية محبوبة لكل قطاعات أهل أتبرا. فهو إلى جانب عمله كأستاذ في مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية ، كان مشهوداً له بصلاته الطيبة بين زملائه و طلبته و أهل الحي الذي يسكنه. بنفس السيناريو قام القاتل بارتكاب جريمته دون أن يترك أي أثر لجريمته في مسرح الجريمة سوى نفس الكدمات على جمجمة القتيل و رائحة المخدر الذي عبَّق المكان. لا وجود إلى آثار أقدام رغم تقاطر ( قصاصو الأثر ) من كل القرى المجاورة بكتْ المدينة الأستاذ كما لم تبكِ من قبل أحد مفقوديها. انطلقت الشائعات من جديد تارة تنطلق لتُلْقي ظلالا من البطولة على القاتل بأنه ينتقي ضحاياه من الشواذ و من المنحرفين. و تارة أخرى تجوب الشائعات ليالي المدينة بأن القاتل له ثارات قبلية و أنه أتى من مدينة أخرى بحثاً عن ضحاياه ينتقيهم بعناية فائقة. من الغريب بأن القتلى الثلاثة لا يمتون لنفس القبيلة و لا تربطهم أي صلة ببعضهم البعض، لا صلة قربى أو صلة نسب. مما زاد في تعقيد القضية و جعل مهمة التحقيق تقف على مفترق طرق. زيادة على صيف عطبرة الخانق المشبع بزخات الكتاحة الموسمية ، فقد زادت هذه الجريمة بالذات من إختناق أهل أتبرا و إحساسهم بأن المدينة ما عادت تلك المدينة الآمنة ...
احتقن وجه المدينة و امتلأ وجهها الوسيم بدمامل الشك و الارتياب. يتناوب أفراد الأسرة السهر حتى تباشير الفجر. هجمتْ جحافل الظنون لتشق صفوف ذلك النسيج الاجتماعي مضرب الأمثال. أحجم الناس عن أنديتهم و ارتياد دور السينما. كان الملاذ في مباريات كرة القدم في أوقات العصاري. و ما أن يبدأ الليل في الزحف على صدر المدينة ، حتى يجثم القلق على البيوت و الشوارع.. توقفتْ مكبرات الصوت عن إرسال صوت العطبراوي في كل الاتجاهات كالسابق ... و ساد نباح الكلاب و وقْع سنابك خيول السواري. تتنفس المدينة أنسام الصباح على وتيرة صفارات الورش كأنها تدعوهم إلى الإنعتاق من خوفهم الليلي ... فينطلق العمال و آثار السهر تجاور حبات العرق المنحدرة على الجباه و هم قابعون في صبر و قلق على سروج ( العجلات ) .. يحس الجميع بأنهم يحصون على السابلة أنفاسهم لعل و عسى أن تبْدُر من أحدهم بادرة تقود إلى خيط و لو أوْهى من خيط العنكبوت ينير عتمة ليالي الخوف و القلق التي اجتاحت المدينة حتى أصبحتْ زخات ( الكتاحة ) تنهال على ( الحيشان ) دون أن يهرب قاطنوها منها إلى الغرف و الرواكيب .. تفنن الناس في ربط الأحداث بأشياء قديمة حدثتْ بالمدينة. قال قائل بأن القاتل روح قديمة لرجل تم إغراقه غدرا في نهر أتبرا إبان معركة الطليح. فنَّد هذا الرأي ، حقيقة أن لا الضحايا و لا أسلافهم لم يكونوا على معرفة حتى بموقع أتبرا على الخارطة السودانية. ذهب البعض على أن القاتل يعاني من عقدة ضد طبقة اجتماعية معينة حيث أن أثنين من الضحايا يعيشون في أحياء تقع ضمن الطبقة المتوسطة ، و الضحية الثالثة شخصية عامة و مرموقو و محبوبة. أيضاً كان هذا الرأي مثار خلاف و جدل. فهناك أحياء أكثر رقياً و شخصيات أكثر زخماً و ضجيجاً. مع توافد أفراد قسم المباحث و الجنايات على أتبرا ، إلا أن الأمل في اكتشاف القاتل قبل أن يضرب ضربته الرابعة كان قد بدأ يتضاءل.. و القاتل يتمسك بالتوقف عن ضربته و كأنه يتلذذ بهذه الإرهاصات. تخيلناه يرقب المدينة من على ( صهريج ) عطبرة أو إحدى المآذن يحمل منظاراً كمنظار القراصنة و يقهقه عالياً و إحدى عينيه تغطيها رقعة سوداء و رأسه معصوبة بقماش أحمر .. يرقب أهل المدينة و عسكرها كجمْع النمل يتجمع ثم يتفرق في عدة اتجاهات دون فائدة.
*** أرسين لوبين السوداني :
لم يصدق الناس ذاك الصباح أن أحد أفراد المباحث قد تمكن من القبض على القاتل في ذلك الحي الشعبي على أطراف المدينة. عدم التصديق كان مردُّه أن المتهم كان فوق كل الشبهات. بل بعيد كل البعد حتى عن الظن به مجرد ظن أو شك. حتى أن المتهم كان في مخيلة البعض أنه قد يكون يوماً هدفاً للقاتل المتربص ، فقد كان شخصية محبوبة إلى حد كبير .. شخصية كانت تدخل الفرح في كل مناسبات أتبرا .. ذكرتْ أضابير الشرطة بأن رجل المباحث الذي أتى من العاصمة مكث في أتبرا يتابع كل مجريات الأمور في المدينة. يتابع أحداثها و شخصياتها بصبرٍ و أناة و هو واثق من القاتل قاب قوسين أو أدنى من أصفاده. دخل دار الرياضة و أندية المدينة و جالس لاعبيها و مدربيها. و دور السينما .. جالساً على كنبات الشعب .. و لم ينس الإندايات ... و زحمة سوق العيش ... ولج إلى عنابر المستشفيات .. و جلس مع الأطباء أختلط مع طلبة الثانوية صلى الأوقات في مختلف المساجد. دار على معظم الدوائر الحكومية .. و قابل كبار المسئولين ثم أتجه إلى بيت المتهم الذي أختاره من بين مَن وضعهم في قائمة اتهامه. طرق باب بيته الطيني. ففتحتْ والدته .. سألها عن أبنها .. و الذي لم يكن متواجداً حينئذ. فدلف إلى داخل غرف البيت من بين دهشة و رعب الأم ... و هناك .. وجد كل الأدلة التي تدعم شكوكه ... جنزير ملوث بدماء جفتْ على حوافه. زجاجات مخدر و قطن طبي. فجلس مبتسماً ينتظر فريسته و سلاحه و أصفاده على مقربة منه بينما أم المتهم تواصل احتجاجها و تقسم بأن أبنها بريء و أنه لم يؤذِ في حياته ذبابة ... ظل ينظر إليها نظرة الواثق من ظنونه التي دعمتها أدوات الجريمة.
Quote: سرت إشاعات كثيرة وقتها وقيل بأن المجرم الطليق هو في الواقع ضابط من ضباط القيادة الشمالية؛ وراجت هذه بين الناس بسبب استطالة التحريات وتعثرها. غير أن جُـل الأقاويل كانت تعود لتتمحور حول شخص بعينه ...
طالت الإتهامات و الظنون أشخاصا كثر .. إلا أن المقبوض عليه كان في منأى عن الظن و الشك لعدة أسباب سنوردها في الجزء القادم.
Quote: أراه بعين الذاكرة الآن جالساً بمساطب الشعب في دار الرياضة بالتي شيرت الأبيض والطاقية وهو يوزع حبوب "التسالي" على الجالسين حوله بمرح وطيب خاطر؛ قبل أن يتلبسه "مستر هايد" ليلاً فترزح المدينة تحت وطأته.
..
حسب شرح أطباء علم النفس ... فإن حالته تندرج تحت الإنتقام .. سنأتي عليها أيضا
Quote: الجرائم هزت المدينة والمدن المحيطة بها (الدامر، دارمالي وحتى بربر) وكانت غريبة على المجتمع السوداني، وشابهت جرائم جاك السفاح Jack the Ripper وغيره من "القتلة التسلسليين Serial Killers" ولا أظن أن مجرماً تسلسلياً آخر قد ظهر في السودان منذ ذلك الحين. . نمط ارتكاب الجرائم وتواترها وفظاعتها في مجتمع مسالم ومترابط، وبشاعة الأداة المستخدمة في الاعتداء، كلها جعلت من عطبرة الهادئة الوادعة مدينة يتلبسها التوجس والترقب نهاراً ويجوس الخوف والرعب في طرقاتها ليلاً.
سرت إشاعات كثيرة وقتها وقيل بأن المجرم الطليق هو في الواقع ضابط من ضباط القيادة الشمالية؛ وراجت هذه بين الناس بسبب استطالة التحريات وتعثرها. غير أن جُـل الأقاويل كانت تعود لتتمحور حول شخص بعينه ... أراه بعين الذاكرة الآن جالساً بمساطب الشعب في دار الرياضة بالتي شيرت الأبيض والطاقية وهو يوزع حبوب "التسالي" على الجالسين حوله بمرح وطيب خاطر؛ قبل أن يتلبسه "مستر هايد" ليلاً فترزح المدينة تحت وطأته. .. الجرائم هزت المدينة والمدن المحيطة بها (الدامر، دارمالي وحتى بربر) وكانت غريبة على المجتمع السوداني، وشابهت جرائم جاك السفاح Jack the Ripper وغيره من "القتلة التسلسليين Serial Killers" ولا أظن أن مجرماً تسلسلياً آخر قد ظهر في السودان منذ ذلك الحين. . نمط ارتكاب الجرائم وتواترها وفظاعتها في مجتمع مسالم ومترابط، وبشاعة الأداة المستخدمة في الاعتداء، كلها جعلت من عطبرة الهادئة الوادعة مدينة يتلبسها التوجس والترقب نهاراً ويجوس الخوف والرعب في طرقاتها ليلاً. .. كنت أمضي بعض الليالي بها أحياناً في زيارة أقرباء لنا وأظل يقظاً حتى الفجر منتبهاً لكل هزة غصن، أو نبحة كلب، أو وثبة هر في الظلام.
ابو جهينة سرد رائع الله يديك العافية الشهرة خشم بيوت حسن خليفة العطبراوى عوض دبورة الشفيع احمد الشيخ موسى متى محمد الحسن عبدالله محمد عوارة ابو جنزير جنى
شكرا على المرور و المداخلة ... شخصية أبو جنزير لم تجد حظها من التشريح على طاولة الأدباء رغم أن الناس على مختلف مشاربهم لاكوا سيرته بزيادة في الوقائع و في جوانب شخصيته. أعصر الذاكرة لكى أستخرج ما تبقى منهاحوله
الاخ/ ابوجهينة لك التحية ثم انت كما انت كلما سرقت منا الايام بمشغولياتها الذكريات وايام الطفولة تقول لنا( توقف وانظر الى الماضى) فيكون لنا دافعا قويا نستنشق عبير الايام الحلوة ونزفر كابة الغربة
لا اود التداخل حاليا حول هذا الرجل
Quote: فقد كان شخصية محبوبة إلى حد كبير .. شخصية كانت تدخل الفرح في كل مناسبات أتبرا ..
حتى لا افسد عليك حلاوة وجمال السرد لواقع حال بهذه المدينة التى كانت صامدة متماسكة بكل شىء جميل وحتى (الفقر) كان له طعمة المر الخاص
Quote: المدينة التى كانت صامدة متماسكة بكل شىء جميل وحتى (الفقر) كان له طعمة المر الخاص
أتبرا كانت تعني لنا السودان الممتد بأركانه الأربع. و كما قلت أنت .. حتى الفقر كان له مذاق آخر .. الفقر ليس الحاجة و العوز .. بل كان الكل يعيش راضيا بمستواه المعيشي ، علما بأن أكثر من 80% من السكان كانوا من الطبقة العاملة يعيشون تحت خط معيشي متقارب.
Quote: الشهرة خشم بيوت حسن خليفة العطبراوى عوض دبورة الشفيع احمد الشيخ موسى متى محمد الحسن عبدالله محمد عوارة ابو جنزير
تعرف يا جني عطبرة كانت مترعة بشخصيات أثْرت الوطن كله في كل المجالات .. و ما ذكرتهم أنت غيض من فيض.
محمد عوارة أو أبو جنزير ... شخصية مرت مرور الكرام دون أن يقوم أحد بتحليل شخصيته التي إنحرفتْ 180 درجة بأسباب سايكولوجية كانت عطبرة نفسها من أسبابها في الجزء القادم سنتعرف على شخصيته
ألأخ أبوجهينة؛ نشكرك على السرد الشيق ـ من امتع ما قرأت عن ماحدث في تلك الأيام التي عايشناها على مقربة وبانتظار بقية الحلقات على أحر من الجمر استعجلنا التداخل ولن نفسد تسلسل الأحداث لديك وربما نتداخل في النهاية استيضاحاً لبعض الأشياء وحثاً للمزيد لك كامل الود والتقدير محمود
شخصية من لحم ودم شخصية تراجيدية مكتملة الآبعاد شخصية تستحق الدراسة العميقة قابلت الكثيرين كانوا اصدقائه وكانوا يعيشون معه حياة طبيعية يقابلوه في اليوم اكثر من مرة يستمتعون بنكاته وقفشاته في الكورة وحركاته البهلوانية وخفة يده والسحر والأسورة التي هداه لها ساحر هندي وطيبته الهادئةوسسذاجته وحبه للناس لقد كان شخصية درامية عاشت دون ان تعلن عن حقيقتها عن نفسها الداخلية رجل عاش في ظل الحياة الحقيقية نتابع معك لتكشف لنا حقيقية هذا الأنسان الحزين الذي عاش حياتين شكرا جميلا يا فنان شكرا نبيلا يا ابوجهينة يا انسان ....
ابوجهينة وعندك الخبر اليقين كما يبدو من ملامح بداية الحكاية. أرجو ان تواصل ولا تنتهى عند ابوجنزير .. فعطبرة حكايات لاتنتهى ولاتمتعنا الا اذا أعادتنا اليها ذاكرتك المسافرة فى النسيج الحى لتلك المدينة التى علمتنا الرضا بالكفاف فى كل شئ فأعانتنا دروسها على تحمل الغربة والصمود امام غيلانها ... عطبرة وحكاياتها يجب ان نتركها لك ولهذه الذاكرة التى نعتبرها درة من درر المدينة .. عطبرة .. مكلية ,, وسوميت .. سوق القيقر ,, مخازن الإبس ,, ودالشوش الذى دفق الزيت ,, قهوة ودالبيه ,, مطعم الدبل ,, قهوة شمت ,, و.و.و. الى حين ميسرة .. والى حين أن تفرغ من هذه الحكاية التى تغوص فيها فى أعماق المدينة,, ولن نتركك تذهب ,, فأنت أروع من كتب عن عطبرة ..
الأفعال غير المألوفة عندما تأتي من شخص غير مألوف فهو أمر مألوف لأن الشخص المعني قد جُبِل على القيام بها فلا لوم عليه و يمر الأمر من دون أن يسترعي كثير إنتباه. و لكن عندما تأتي نفس الأفعال من شخص بعيد عن الظنون و ليس في دائرة الارتياب و الشك فإن حالة من الحذر تحيط بالناس جراء الشك في ذوي السوابق و ذوي الصفحات البيضاء على حد سواء، و لكنهم سرعان ما يتم تناسي هذا الأمر ، و تلك نعمة أحياناً و نقمة في كثير من الأحايين.
و في هذا الصدد هناك مقولة مفادها ( أولاد الحرام ما خلوا لأولاد الحلال حاجة ) ... بمعنى أن هذا الزمان قد تقمص فيه المجرمون مسوح الطيبين و الصالحين لذلك يسهل ولوج الناس في شباك مكائدهم و حبائل جرائمهم.
هذا ما كان من أمر صاحبنا بطل قصتنا ( أبو جنزير ) ... و هو لقب أطلقه العامة بعد ثبوت استعمال ( الجنزير ) كأداة لارتكاب جرائمه. المتهم ، و الذي أنكر أي صلة له بالجرائم ، أنكرها بكل هدوء و دون انفعال ... بل مارس مع المحققين هوايته في المداعبة و إطلاق قفشاته و سخريته التي أعتاد عليها أهل أتبرا. قال أن أنه وجد الجنزير في إحدى الطرقات. أما المخدر فقال أنه يستعمله في تهدئة بعض أوجاعه التي أصابته.
و قصة أوجاعه هي بداية الخيط في انحراف شخصيته نحو هذا العنف و سلوكه العدواني المميت. ففي الخمسينيات من القرن المنصرم ، اندلع في مخازن السكك الحديدية بأتبرا ، حريق هائل امتدت ألسنته لعنان السماء ، و تطايرت براميل المازوت في الهواء ليشاهد كل سكان المدينة من أركانها الأربع اللهيب و هو يتوسع في الفضاء لينتشر ليعم كل أرجاء الورش و المناطق المجاورة مما كاد أن يتسبب في كارثة لا قِبَل للمدينة بالوقوف في وجهها. كان الخطر يتمثل في وجود براميل عديدة تحتوي على المازوت و الجازولين و مواد أخرى قابلة للاشتعال. وقفتْ سيارات الإطفاء بتواضع جم و كأنها تسقي حوضاً من البرسيم ... نظراً لأتساع رقعة الحريق و الحديد يئن تحت وطأة السعير و تترنح الأعمدة الفولاذية تتثنى تحت فيح اللظى. فوجئ الناس بشاب أسمر مفتول العضلات يخترق النيران بجسد عارٍ إلا من بنطاله ... يدخل و ألسنة اللهب تسومه سياط الحريق .. فيغيب وسط هلع الناس ليخرج مدحرجاً أمامه عدة براميل بعيداً عن ساحة النيران. كلما دخل وسط المعمعة ، ناداه الجمع الواقف بأن لا ترمي نفسك في التهلكة ، و لكنه كان يدخل و يخرج في كل مرة و جسده الأسمر يمتلئ بترهل جلده المحترق جراء ألسنة اللهب. كرر دخوله و خروجه حتى آخر برميل .. و توقف تطاير البراميل ... رويداً رويداً سكن ضجيج النار الذي كان يسرح و يمرح في محتويات المخازن ... عند آخر برميل .. سقط الشاب و جسده مليء بالتقرحات .. سقط مغشياً عليه .. و لم يتبق من بنطاله حتى ما يستر عورته. نقلوه للمستشفى الحكومي الوحيد آنذاك ... كانت حروقه من الدرجة الأولى. تجمع كل الأطباء بكافة تخصصاتهم على حالته .. و رغم أنه تم إنقاذه بأعجوبة .. إلا أنه كان قد فقد رجولته بالكامل ... أتتْ النيران على أعضائه التناسلية. رغم ذلك ، أفاق من غيبوبته و هو يبتسم ، و أستقبل نبأ الأطباء برضاء تام ...
منذئذٍ .. أصبح في نظر المدينة ( ابن أتبرا البار ) ... تُفْتح له الأبواب المغلقة ... فيدخل مكاتب علية القوم دون استئذان .. يتوسط لهذا ... و لذاك .. يدخل المستشفى متى ما أراد .. يجوب المدينة على دراجته الحكومية حمراء اللون و هو يطلق سخريته و نكاته ... يقوم بألعاب سحرية .. و حول معصمه أسورة يقول أن أحد السحرة الهنود أعطاها إياه ضمن تعاويذ أخرى. تتعلق بأهداب ذاكرتي .. عندما كان يأتي إلى الحي الذي نسكنه ( القيقر ) .. يقوم بتمزيق الصحيفة إلى قطع صغيرة .. و يبتلعها .. ثم يخرجها من فمه أوراقاً نقدية جديدة لامعة .. نحاول أن نخطفها منه .. و لكنه كان سريع الحركة كما الصقر .. يسترجعها و يعيدها إلى سيرتها الأولى. يبتلع الأمواس بعد ( قرقشتها ) بين أسنانه .. و يتبعها بكوز ماء مترع ... ثم يعيد الأمواس سليمة و هي مربوطة بخيط يتبع بعضها البعض في تسلسل دون أن تسيل من فمه قطرة دم. تجده في دار الرياضة ... يدخل دون أن يبتاع تذكرة ... يجوب المدرجات .. يشجع في تهريج دون أن تعرف أي فريق يشجع. فجأة يلعلع صوته أثناء اندماج الناس في مجريات الفيلم ... يترك الناس الاستماع إلى مطرب الحفل ليتجمهروا حوله .. أطلقوا عليه لقب ( محمد عوارة ) .. لأن ما يقوم به في نظر البعض كان محض ( عوارة ) .. إلا أنه عند البعض كان ملح أتبرا ... و رمزاً مهماً في شوارعها و ميادينها و احتفالاتها. كان يتمتع بلياقة بدنية عالية ، يصلح أن يكون مصارعاً أو ملاكماً من الوزن الثقيل ، إلا أنه لم نسمع يوماً أنه تشاجر أو أستعمل قوته ضد أحد .. كان يستطيع امتصاص غضبك في ثوانٍ .. هذا هو محمد عبد الفراج ... الذي قبع في سجن عطبرة بين ذهول الناس بين مكذب للخبر و بين من يحاول أن يربط شخصيته و الجرائم المتتالية التي حدثتْ. حتى موعد محاكمته ، كان الرجل يتمتع بنفس الكاريزما. حراس السجن و ضباطه كانوا يتعاملون معه كرجل بريء ... حتى نطق القاضي بالحكم بسجنه مدى الحياة. فأنقسم الناس بين مؤيد و بين ممتعض.
يتبادر إلى ذهن من عاش تلك الحقبة أو من يقرأ هذه التداعيات سؤال ، ألا و هو : لم قام بالقتل؟ أجاب الناس كعادتهم أيامها ، كلٌّ حسب تحليله للأحداث. البعض قال أنه انطلاقا من فقدانه لرجولته في ذاك الحريق ، فقد كان يضمر الحقد على نمط معين من سلوكيات بعض الناس ( نساءا و رجالاً ) .. و ذهب البعض إلى نفس التحليل في شقه الأول ، فقالوا أنه نظراً لفقدانه رجولته ، فقد أنتقم لإهانات من الضحايا تمس كينونته كرجل ناقص. قبع الرجل في السجن متنقلاً ما بين سجن أتبرا و سجن الدامر. شيئاً فشيئاً ، طغتْ أحداث جسام على المدينة ... بدءاً بتهجير أهالي وادي حلفا و المظاهرات الدامية التي صاحبتْ عملية التهجير ... ثم انطلاق ثورة أكتوبر. ثم انقلاب نميري ... تراكمت كل هذه الأحداث في مقدمة ذاكرة الأتبراويين ...
لم يقفز ( أبو جنزير ) مرة أخرى إلى ساحة أتبرا إلا بعد ثورة مايو .. حيث فوجئ الناس به في إحدى مقاهي عطبرة ... بعد أن تم الإفراج عنه بعريضة تقدم بها بعض ذويه و معارفه لأهل الحل و الربط وقتها في حكومة مايو. لم تغيره سنوات السجن .. غير جسده الذي بدا هزيلا نوعاً ما .. و ابتسامته التي لم تعد كما كانت عريضة تملأ وجهه الأسمر.
و دُفِن سر الضحايا ما بين قبورهم التي حوتهم .. و بين طيات دواخل الرجل الذي ما فتيء يقول أنه بريء.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء
مستعارة
لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها