" النهلة توصد أزرقها "

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
التحالف الديمقراطي بأمريكا يقيم ندوة بعنوان آفاق التغيير ما بعد هبة يناير 2018
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 19-10-2018, 05:32 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة نهال كرار(نهال كرار)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
13-02-2009, 00:28 AM

Abuzar Omer
<aAbuzar Omer
تاريخ التسجيل: 26-07-2008
مجموع المشاركات: 2107

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)



    أعود بالبوسط - العامر بالمداخلات - إلى بواكيره. عندما أعلنت الأخت نهال عن كتاب محمد الصادق, كإنجاز أدبى يستحق الإحتفاء, و عرضت نموذج للكتابة, إرتفع تساؤل

    محورى من بعض المتداخلين "هل هذه الكتابة مفهومة؟".

    و هذا التساؤل العفوى, الجرئ - معظم بنى جلدتنا يدعى الفهم, لغرض إدعاء المعرفة المطلقة - ولد تفاعلات برزت فى شكل حوارات ثنائية أو فى مجموعات صغيرة, كانت بمثابة

    الطعن فى ظل الأمر (تفكيك الكتابة بغرض المساعدة على فهمها).

    الثابت أن هذا الموقع فقير جداً, عندما يتعلق الأمر بالنقد الجاد, الواثق. و فى حالة هذا البوسط, إلتفت معظم المشاركين إلى أفراد بعينهم بغرض سبر أغوار هذه النصوص

    أو بالعدم إصدار حكم ينعت النصوص بأنها غير المفهومة أو ما إلى ذلك -"النقد الواثق يكون فى غاية القسوة إذا ما أصتدم بالكتابة المغلقة, أو الكتاب الذين يعمدون

    إلى التعمية اللفظية, و المجازات اللاعقلية, الجوفاءْ" و لكن هيهات.

    حفل البوسط بكل أنواع الكتابات و الحوارات الجانبية الإنصرافية و لم يفتح الله على أحد بالكتابة فى لب الموضوع و تقديم تحليل نقدى أو إرشاد إلى فهم هذه النصوص.

    طافت الأقلام حول النصوص, لم تتعدى أسوارها. و لم يقل أصحاب الكلمة العليا أن قراءة التجربة الأدبية قد إستعصى عليهم.

    هل أعجزت هذه الكتابات الأدباء و الكتاب المدربين؟؟

    أم أنه لا يوجد ما يمكن أن يقال أصلاً عن هذه الكتابات؟؟



                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-02-2009, 01:34 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)

    Quote: {سنعرف حينها ان اللغة لم تعد وسيلة للتفاهم وانما مرسم زيو وزي لوحة للصلحي}.
    {وتفقد اللغة فكرتها في التواصل المفهوم المشترك ...}.
    دكين
    ************
    Quote: {الوغد دكين دا جيلكم
    ما قدر يبلع المكتوب بحجة قوية جدا وهي ان النص اعلاه
    غير مفهوم لغويا ,,}.
    {فكرة التسمية عجبتني يوما ما حيجي باحث يبحث عن هذه المجموعة
    وربما يكتب بحثا بعنوان
    اللغة الشاعرية عند كتاب الحيطة}.
    نجاة محمود
    **************
    Quote: {الحبيبة نهال ،، وقاموس فى شان شنو يا قول الشايقيي ! ديل كلللللهم مطالبين من البداية بتقديم عمل
    مفهوم للجمهور .. ولا يحتاج لقواميس واذا احتاج غلطانين هم وليس الجمهور}.
    دينا خالد
    أها يا أصدقاء (اللغة) البتتونسوا فيها دي وين؟ القدّامنا دا اسمو شعر، كتابة فنيّة، أو ما تشاؤون، لكن ما لغة.
    اللغة غائبٌ ميّت، لا وجود له إلا في مجلىً حي.
    قلتو فهم فهم، أوكي نمشي بشارع ما هو فهم فحسب (العلوم) أعني، وتفضّلوا:
    ----------------------------------------------------------------------

    فيروس اللغة

    اللغة هي أكوادٌ مَيِّتة، وهذه الأكوادُ لا تكون ولا تتحقَّق في ذاتها، وإنّما في غيرها من مواضيع. وأشبهُ شيءٍ باللغة من حقل العلوم هو "الفيروسات". إن من ناحية "الخصائص" أو سواءٌ على صعيد "الأنواع". فهما يكادان يتطابقان تماماً على المستوى الظاهري والقشري للتعريفات.
    فاللغة من دون (موضوع) تحيى عليه، فهي ميّتة ولا وُجود لها إلا ككود ميّت. والموضوع منها هنا هو بمثابة العائل بالنسبة للفيروسات.

    1 – الخصائص:
    أوَّلاً: الفيروسات هي الحَلْقَة التي تقف بين عالمي الأحياء والجمادات، وكذلك اللغة. فهي الحَلْقَة بين عالمي (الصمت) و(البيان). الفيروسات لا تحيى وتتوالد إلا على خلايا عائلها، وكذلك اللغة.
    فهي في ذاتها صاحبة وجود أوَّلي مثل الفيروسات تماماً، ينحصر هذا الوجود على توفّرها في القواميس كمخازن للمفردات، وتصنيفها.
    فاللغة تتكوَّن من "الحرف" و"الفعل" و"الاسم" ولكن إن لم نُرتِّب هذه المكوِّنات في "موضوع" أو عائل فهي ميّتة ولا تُفصح عن شيء. فهذه هي اللغة:
    صباح، فـ، إلى، يذهب، مدرسة، أولاد، حديقة، ـهم، واو، رائحة، يجلسون، منعشة، ـها، زهور، يشمون، الـ، في، فناء... إلخ.
    أعلاه، اللغة في ذاتها، وهي ميّتة، ولا تكون حياتها إلا بالتحاقها بموضوع، أو عائل.
    فقولي:
    (في الصباح يذهب الأولاد إلى المدرسة. فـيجلسون في فناء حديقة مدرستهم، ويشمون رائحة زهورها المنعشة).
    هذا ليس لغة، وإنَّما "قصَّة". أي هذا موضوع، أو عائل للّغة.
    وقول الحلاج (وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ..... وبيني وبين العالمين خَرَابُ). هذا "شعرٌ" وليس لغة، ولولاه هو "العائل" لكانت اللغة كوداً ميّتاً، أو جماداً مثلما هي الفيروسات حين لا تجد عائلاً يُؤيها.
    وقول العلماء (السرعة تساوي المسافة مقسومة على الزمن). هذا أيضاً موضوعٌ أو عائل تعيَّشت عليه اللغة، وهذا الكلام عينه هو لا يعني شيئاً في ذاته من دون علم الفيزياء. وإنّي أٌسمّيه استوظافاً لأكواد اللغة فحسب، ويمكن الاستغناء عنه، بإيجاد أكواد أخرى غير اللغة. كما ابتكر الرياضيون والفيزيائيون والكيميائيون.. إلخ أكواداً تخصهم، مثل:
    (+) و(&#8541;)، و(÷)، و(×)، و(&#8800;)... إلخ.
    مستغنيين بذلك عن أكواد اللغة لأنها أكوادٌ ضعيفة "المنطق" وتعاني من إشكالات لا حصر لها على صعيد "بنيتها" و"تركيبها". فبنية اللغة ذاتها هي تلك الأكواد أعلاه: شجرة، في، هـ، الـ..إلخ، أو ما نجده في مخازن القواميس. أما تركيبها فيتبع لـ(البيان) وليس لبنيتها. وتركيبها هو (القرامر) أو النحو والصرف بالنسبة للعربية. والقرامر يتبع للموضوع، أي للعائل الذي تتعيَّش عليه اللغة، وليس إلى اللغة ذاتها التي وضعناها هنا بمثابة الفيروس.
    ثانياً: تمتاز اللغة بأنَّها محدودة ولا تتكاثر في ذاتها مطلقاً، مثل الفيروسات بالضبط، التي ليس بوسعها التكاثر إلا عبر خلايا عائلها. فأية لغة وُجِدت على سطح الأرض هي لغة محدودة ومحصورة. بينما هي في الحقيقة لا تعاني من أي شح، لأنها تتكاثر من خلال "المواضيع" أو عائلها. فالكمبيوتر لكي يُوجد في الدنيا لم يكن محتاجاً للّغة في شيء، لأنَّه أُنْجِز بواسطة معارف لها أكوادها وكل ما تحتاجه. ولكن اللغة لحقت به أيضاً عبر "الموضوع" وأسمته "كمبيوتر" كما تفضّلت على تفاصيله بـ"هارد ديسك" و"سوفت وير" "ودرايفر" وإلى آخر ملاحقة لغات لم تصنعه شعوبها بمفردة "حاسوب". هذه المفردة الشحيحة التي هي في الحقيقة تتحَدَّث عن "الكالكيوليتر". فالكمبيوتر يقوم بكل وظائف آلات الاتصال القديمة، راديو، تلفزيون، سينما، جرائد، سمنارات بالت توك،..إلخ وبما لا يمكن حصره وعدّه من خدمات ومهام، ليسميه فقهاء العربية بـ"الحاسوب" فقط. ولو أسموه بـ"العنكبوت" لكان اسماً أكثر توفيقاً من "حاسوب" هذه، لأنَّ العناكب هي في الأصل برمجيات كالكمبيوتر تماماً ولا تمتلك دماغاً كبقيّة المخلوقات التي لها أدمغة.
    ثالثاً: تمتاز اللغة بخاصية التبلور مثل الفيروسات أيضاً. فالفيروسات تشبه الجمادات في كونها إذا عُرِّضت للحرارة بوسعها أن تطول، تَقْصُر، تنبعج..إلخ. والفيروسات يمكنها فعل ذلك مثل الجمادات تماماً. وكذلك اللغة، إذا عَرَّضناها للاستخدام، فهي بوسعها التبلور على مستوى بنيتها، الحرف، الاسم، الفعل. كلها بوسعها أن تزيد صوتاً، واواً، تنقص ألفاً، أو تنبعج في نطقٍ ما.
    رابعاً: الميزة الأهم، وهي كون الفيروسات تُمرض عائلها. وكذلك اللغة تفعل. فقد أمرضت عوائلها من جنس الفلسفة لدرجة جعلت برتناند رسل يقضّي أكثر من عشرين سنة من حياته بصحبة آخرين ينقلون الفلسفة إلى الأكواد الرياضية، لأنَّ اللغة أمرضتها وأضرّت بها ضرراً بليغاً. وكذلك تُمرضُ اللغة عائلها، إن كان المستخدم لها لا يعرف أكوادها جيّداً، أو لا يعرف "تركيبها" الذي أسلفنا بأنَّه لا يتبع لها وإنّما يتبع للـ(البيان) وهو المصطلح الذي بوسعنا أن نختصر به (العوائل) كلّها في مُسمَّى واحد. لأنه الخلاصة التي نخرج بها حين تقع اللغة على موضوع أو عائل ما. ولكن بناءً على أنواع اللغة ذاتها، التي تستمدها من العائل لها، فهناك نوعٌ البيان ليس غرضه الأكبر، بقدر ما هو منطلق صفره الأصغر.

    2- الأنواع:
    تنقسم اللغة عندي إلى أنواع أيضاً تُطابق في عددها، وشكلها الظاهري المجازي، أنواع الفيروسات الثلاثة.
    1 - اللغة الأوَّليَّة:
    وهي تلك الأكواد التي بيّناها أعلاه، أي ما نجده في القواميس من أسماء وحروف وأفعال، هي في مقام الفيروسات البكتيرية. أي الفيروسات التي يكون عائلها نوعاً من أنواع البكتريا. هنا يكون عائلها أوَّلي جداً، لأننا نعرف معنىً أوَّلياً للحرف وللفعل وللاسم. فنحن نعرف كمعرفة ابتدائية الفرق بين "في" و"على"، وبين "أحمد" و"ليلى" وبين "ضرب" و"مات". هنا العائل أوّلي من جنس البكتريا التي هي عوائل أوّليَّة تتعيّش عليها الفيروسات.
    2 - اللغة الوظيفية:
    وهنا يكون الاستخدام للّغة من باب الوظيفة. أي حين تتعيّش اللغة على عوائل من جنس الفلسفة والعلوم والمعارف، والنشرات الإخبارية، أي حين تفصح عن مواضيع وظيفية، وهذا النوع يُطابق الفيروسات التي تكون عوائلها نباتية. أي أنَّ اللغة ما زالت لم تأخذ من مداها إلا ما هو وظيفي فقط. أي أنَّ العائل ليس مما له دماغ ولا عقل ذاتيين. وهو هنا النبات.
    3- اللغة الإبداعية:
    وهذا هو النوع الذي يكون فيه عائل اللغة مما له دماغ فحسب، كالإبداع بلا رؤية ووعي فنّي عالٍ، أي المُقَلِّد لغيره والواقع تحت تأثير أنماط ما سبقه. العائل مما له دماغ وليس له عقل، كالقرد مثلاً، فهو يقلّد ولا يبتدع أو يبادر من عنده. أو أن يكون العائل مما له دماغ وعقل معاً، كالإبداع ذي الرؤية، ومبتدع التفاكير. التي هي للعائل الإنسان فقط بالنسبة للفيروسات. وإجمالاً، هذا هو النوع الذي يكون فيه عائل الفيروس حيواني، وتُسمَّى لديه الفيروسات بالحيوانية. فالرؤية الإبداعية لُبّها، والنظريات المتوافرة كلّها لأجل الإبداع تُمثِّلُ إضافةً للعائل في حدِّ ذاته، أي للّغة، قبل الموضوع. ومن ثَمَّ يستفيد منها الموضوع، سواءٌ كان شعراً، أم نثراً إبداعياً بجميع أنواعه. على عكس اللغة الوظيفية، التي تُعنى بالإيضاح (البيان) وحده ولا شريك له، لأنّ الذي يُراد منها كلّه، هو أن تنجز وظيفة بعينها، مرسومة ومحدودة. أمَّا اللغة الإبداعية فالمراد منها هو إنجاز رؤية ما، قد تكون أسطورية، سحرية، غرائبية، إلخ. اللغة الوظيفية هي وحدها لغة المعاقدة بين طرفين، أمَّا اللغة الإبداعية فهي لغة لا تُلزم صاحبها إلا من قبل ما هي رؤياه مُلزمة له. وهذا لا يعني أنَّها من دون معنى، ولكن هي ذات معنى غير تعاقدي. معنى يُسْبَر ولا يُقَرَّر من واقع معرفة بتعاقدات سابقة.

    -------------------
    كدا كيف يا دكين الكنبة الوراء؟ شفناكم عاجبكم "فصل علمي" دا شديد، قلنا نجيكم بالدرب دا، والحصة علوم، كان يطمر فيكم.
    الخلاصة الشيء العجبكم وأسميتموه لغة، لغة، لغة.. بلا مشهاد ساكت دا، ياهو ذااتو شعر ود الصادق، والداير اللغة يمشي القواميس يفهم أكواد حافّة غير مملحة بمواضيع، الهنا دا اسمه "شعر".
    يضحك نهاركم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-02-2009, 03:23 AM

Sana Khalid
<aSana Khalid
تاريخ التسجيل: 01-02-2005
مجموع المشاركات: 2740

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: محسن خالد)

    الأعزاء نهال و محسن .. أثق جدا في حساسية براعم التذوق الفني و الأدبي عندكما .. و لكني كقارئة احب الكتابة التي تحتل ذاكرتي زمنا لأنها عصرت مشاعري دما.. دمعا..او ضحكة!!.. تحفر مكانها في ذهني لأنها اخرجت الكامن من إحساسي..او ماثلت في الخاطر فكرة لم تجد بوابة الخروج..!!

    و ليست تلك التي احتاج ان اقرأها مرارا لفك طلاسمها..و التساؤل في حيرة..هل نجحت؟!!



    و اسمحوا لي رغما عن ذلك ان اهنيء الأستاذ محمد الصادق بصدور كتابه.. و أتمنى له التوفيق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-02-2009, 08:55 AM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: Sana Khalid)

    من اين لك بهذه التقسيمات للغة يامحسن

    انتا بتجيبو الكلام ده من وين؟؟

    لغة ابداعية وماعارف لغة جرثومية ولغة لغوية..


    على اي حال هذه التفسيرات بالرغم من جمال فكرتها فهي لا تشفع لهذه النهلة وتجعلها ذات معنى واضح

    فهي بالضبط تحشيرات لغوية لكلمات نونت بدقة واختيرت بعناية..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-02-2009, 01:07 PM

mutwakil toum

تاريخ التسجيل: 08-09-2003
مجموع المشاركات: 2327

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: DKEEN)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-02-2009, 01:24 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: mutwakil toum)

    Quote: أمَّا اللغة الإبداعية فالمراد منها هو إنجاز رؤية ما، قد تكون أسطورية، سحرية، غرائبية، إلخ
    اخوي يامحسن

    اللغة المبدعة التي نجرت بها هذه النهلة او زيماقالت صحبة (النخلة التي اكلت اولادها) هذه اللغة هي حسب تصنيفك الفوق ده هي لغة ابداعية وبالتالي مراد انجاز رؤية ما منها
    انا سؤالي الاولى ماهو المنجز هنا..ماهي هذه الرؤية التي انجزتها هذه النهلة؟؟
    انا اصلا لو كان عرفتا المنجز منها ما كان جيت بسالكم..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-02-2009, 05:32 PM

مأمون التلب
<aمأمون التلب
تاريخ التسجيل: 28-11-2004
مجموع المشاركات: 322

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)

    يا محسن، ده الكلام السمح
    خليني أكتب ليك رد وبجيك راجع...
    سلام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 08:37 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: مأمون التلب)

    حدة المعنى ، في ظاهر غيابه



    ( المنزلة الثالثة عشر ، منزلة العواء (الهواء)و لها حرف الميم)
    البوني.. في كتاب شمس المعارف الكبرى..


    1.

    قد يكون هو بعض من زمن الوسامة ، ان نشهد الإحتفاء بكتاب شعر..و هو اتجاه يشى بالقدرة على التامل و المتابعة و ما تبقى من اسرار الدهشة..
    شهدنا من قبل..صوت فضيلي جماع و هو يحدثنا عن (الغناء في زمن الخوف)..و بعده بقليل شهدنا الياس فتح الرحمن يحدثنا عن (صوت الطائف في اخر الليل)..و من قبلهما كان حميد يغني (نعمة شافت في رؤاها ، حيطة تتمط و تفلع في قفا الزول البناها.. الخ)..

    المضامين الثلاث في اقوال الشعراء الثلاث.. احتجنا برهة لنفسر معانيها..بالرغم من حضورها الواضح الحاد ..و لكنها في ظاهرها تتشكل و تتشح بالغياب.. لأن القانون اللحظي كان يقتضى ( او كما فهمنا).. المباشرة في المعنى..حتى يسهل لنا تفصيله على المقاس الذي يرضينا كمتلقين..

    ثمة هناك سياق عام..كان يجب علينا اعتباره منذ البدء..و هو سياق الكتابة في ظل الخوف..و آفات الحكم و جور السلطان..و قد يقول البعض ..المباشرة في وجه السلطان هي افضل..و هي درجة يحمد لمن يباشرها ، الوضوح.. و مثل هذا السياق قد يماطله الإنسان قليلا فيما يعرف بالغموض و الرمزية..
    منحى اخر.. ومن وجوه آفة السياق تلك..أننا نحيا في زمن ثقافة الدوت كوم..و هي تنضح بالإستهلاك قيمة و معنى و حضورا ظاهرا.. فاصبح الإقتصاد في الكلمة المكتوبة.. كانما هي مسلمة بديهية..
    ما اود ان اقوله هنا.. أن هؤلاء الشباب.. يكتبون القصيدة.. بنفس طويل.. حتى يتوه المتلقى في القبض بمعانيها..و يكتبون في سياق تسوده ثقافة الخوف اياها.. حيث يقتضى الوصول الى المعاني.. العبور عبر متاهات طويلة.. لا يستيطع منتوج ثقافة الدوت كوم.. مجاراتها..باختصار لأنه كائن تعود السرعة عبر الإقتصاد و المباشرة التقريرية..
    و كلما قرأتهم.. كلما تذكرت ايام صبانا و نحن نطرب جزلا لقصائد الشاعر سليم بركات..و التي كانت تأتينا في السودان مبثوثة عبر جوانح مجلة الكرمل..فهل هم امتداد لتك التجربة؟..المهم

    يتبع..

    كبر

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 08:38 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: Kabar)

    2.
    أين المعنى الظاهر لدرجة الحدة ، و يبدو غائبا في ظهوره ، في قصيدة محمد الصادق الحاج موضع الحديث هنا؟
    قد نتطرف قليلا ..و نكون اكثر عدمية..و نقول أن الشعر يحس ولا يفسر..و لكننا كائنات.. اوضح ما يمثلها من الصفات.ز صفة الإجتماع..و هذه تقتضى التفاعل..و هذه تقتضى التواصل..و هذه تقتضى التكافؤ بين الرسالة و تلقيها..و هو قاسم مشترك.. يعني فيما يعني الأرضية المشتركة بين المرسل و المتلقى.. لأن المبدأ.. أن لا رسالة بلا متلقي..و في نفس الوقت أن لا رسالة من غير معنى..

    قد تبدو قصيدة محمد الصادق الحاج لأول وهلة.. هي عبارة عن تراكيب..و صور و دلالات.. متناثرة..و لا شئ يجمع بينها..و قد يصل قارئ الى كونها كلاما غير منتج..و يصعب الربط بين اجزائه..

    حينما قرأت القصيدة من قبل في سودان فور اوول..ظننت أن محمد الصادق هذا.. له متسع من الوقت..و الفراغ..و ممارسة الهذيان الذاتي غير المنتج..
    و اللحظة.. قد يأتي قارئ اخر و يقول لي..لم افهم من قصيدة محمد الصادق هذى.. سوى الكتابة عن تجربة ذهاب الإنسان الى اداء الحاجة ( الغائط)..
    قلت لنفسي.. لو محمد الحاج رسم منجلا و سنابل قمح.. اذن لكفانا شر النقاش هنا..و لكن..!


    يتبع..

    كبر

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 08:40 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: Kabar)


    3.
    ثمة هناك بعض المفاتيح.. التي لو قدر لنا استصحابها.. لخرجنا ببعض المعاني الواضحة في القصيدة.. من تلك المفاتيح.. سيادة ثقافة الخوف تلك..و التي تذهب بالبعض منا لإعتماد نهج الغموض المظلم للغاية..و هو نفس النهج الذي التمسه فضيلي حينما قال في عهد دكتاتورية جعفر نمير (الغناء في زمن الخوف)..و نفسه الغموض الذي حدثنا عبره الياس فتح الرحمن..عن (صوت الطائف اخر الليل)..و التي لا تعدو اكثر من اشارة لسلوك جند الأمن حينما يطلون على الناس في ساعة الفجر الأولى و هم يقولون (لو سمحت عايزينك دقيقة)..و هو نفس الغموض الذي انتهجه محمد الحسن سالم حميد.. حينما حكانا قصة انشقاقات الحزب الشيوعي السوداني في بداية مايو (حكم جعفر نميري)..و يشترك محمد الصادق و غيره مع اولئك النفر من الشعراء السابقين.. في ان قدرهم جعل لهم دكتاتورية يستظلون بظلها.. فكيف يغنون؟..و كيف يكتبون عن هواجسهم و احلامهم و كوابيسهم الخاصة؟..و كيف يمكن للإنسان في ظل مثل تلك الظروف أن يجابه الإقصاء بكل انواعه و الرفض المستمر من قبل الجماعة و المجتمع و الحدود الصماء اياها؟..

    اختار محمد الصادق الحاج في مفتتح نصه الشعرى ذاك.. أن يبدأ بتقرير حال (الحردة العامة)..
    (فلأمت. أمت وحدي ، محمولا على سرير نسج لي من ويل بدين)..
    و هي هنا قد تعادل الغربة الحارقة.. فالغربة لا تحتاج مسافة البعد الجغرافي لتكون غربة لها معنى..و لم يكن الإختيار عشوائيا أو عبثيا.ز لأن الخاتمة كانت بنفس النفس الأول في مفتتح القصيدة.. (و لأمت ، مثلما للمستحيل أن يفعل ،صمدا في غابة الغياب)..
    الموت.. الوحدة.. الغربة.. و حالة الرقيب (فلتكن رقابة بأي شكل كان).. كلها مفاتيح حاضرة في صياغة المعنى و استخلاصه..
    تجلت حالة الخوف (ثقافة الخوف).. في الحديث عن تجربة انسانية خاصة للغاية..فحتى في الحمام..و في لحظة الخروج لأداء الحاجة .ز ثمة هناك شبح الرقيب.. يأتي بأي شكل كان..و بأي هوية كانت..و بأي لون كان.. و لكنه يظل في النهاية هو رقيب و حاضر بوضوح.. فلن تشفع اللحظة الخاصة..و لن تشفع حالة النوم.. في منعه عن المجئ.. فهو حاضر حاضر لا محالة..

    هذه الحال.ز حال سيطرة شبح الرقيب و معناه.. هي التي ادت الى اختيار محمد الحاج لإعلان حالة الموت (ربما الإنتحار) وحيدا..و فيها تكريس كبير لمفهوم الإقصاء..و أن الإقصاء المستمر قد يولد الياس للدرجة التي يتمنى فيها الإنسان الموت وحيدا.ز على سرير العذاب المنصوب بدقة و ضبط غريب..!

    يتبع..

    كبر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 08:41 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: Kabar)


    4.
    من ملامح الوحدة التي تقود الى الإحساس بالياس و عدم جدوى حياة الإنسان لفقده قيمة الإنتماء..و بالتالي اختيار الإنتحار..و من تجربة حضور شبح الرقيب التي توشى بالرفض و الإقصاء.. كانت هناك ثيمة اخرى..و هي ثيمة الرفض..و الحرمان من الإنتماء..
    و لو قدر لنا أن نبني مدرج لمعاني القصيدة.ز فالعتبة الأولى كانت الوحدة/الغربة/اليأس/ اختيار الموت..و العتبة الثانية.. هي حضور معنى الرقيب بصورة قاهرة و قاسية وواضحة..و العتبة الثالثة.. هي عتبة الرفض..و البحث عن انتماء..و مفتاحها حديثه عن النفس..
    و يتدرج المعنى في رسم حالات النفس..فالبرغم من شبح الرقيب المستمر الحضور.ز قررت أن تختار انتمائها الخاص..و لكن يا حسرة.. فقد تم رفضها.. ليكون الرفض مغلف بعنصرين.. عنصر الرقيب الذي يمارس الإقصاء على طريقته..و عنصر المختار.. الذي لا يعدو أن يكون هو الوجه الآخر للرقيب في قدرته على ممارسة الإقصاء على طريقته الخاصة..أما قوله (اجازتها الدهرية الخامسة).ز فهي سخرية نظن أن تبسيطها و ربطها بواقعة مؤتمر الحزب الشيوعي الخامس..سيفسدها و يجلب لنا كثير الكلام..!!


    يتبع..

    كبر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 08:42 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: Kabar)


    5.


    ثمة ملامح صوفية في قصيدة محمد الصادق الحاج هذه..فالغموض شعبة من شعب نهج أهلنا الصوفية..و هو الذي دعانا لأن نستشهد بمقولة البوني تلك..خصوصا للذين لديهم المام بعلم الحرف..و معاني الحروف..فحرف الميم حاضر بصورة كثيفة في القصيدة (ذكر 129 مرة)..و تكراره واضح للعيان في مفتتح القصيدة..
    قد تكون تلك الفكرة بعيدة للغاية عن ذهن محمد الصادق..و قد يكون هو لا يقصدها لذاتها..و لكن مع ذلك.. لا حدود للتأويل..!

    فكرة حضور سيرة السنابل (القمح)..و القرآن.. فيها تناص بطريقة ما .. مع قصة السنابل الطيبة في القرآن..و فيها تناص بطريقة ما.ز مع الفكرة التي قلنا بها سابقا ( لو أن محمد الصادق الحاج رسم منجلا و سنابل قمح لكفانا شر النقاش)..


    هذه قراءة عجلى للغاية ، و لن تدعي أنها تفسير رسمي لقصيدة محمد الصادق الحاج ، و لكن كل مزعمها ، في أقصى غاياته ، أن يقدم اضاءة لقراءة القصيدة لأكثر من مرة..




    و نشوفكم..

    كبر



                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-02-2009, 12:29 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


كبر والحيطة (Re: نهال كرار)

    Quote: ما اود ان اقوله هنا.. أن هؤلاء الشباب.. يكتبون القصيدة.. بنفس طويل

    ياكبر ياخوي دي ماقصيدة..


    راجع في ذلك اخونا التلب..
    انتو بس ساي تجو تتلبو في هذه الحيطة القصيرة التي جلس عليها هؤلاء الشباب؟؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2009, 02:35 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


شبهة الشعر فيها (Re: نهال كرار)

    Quote: ياكبر ياخوي دي ماقصيدة..


    راجع في ذلك اخونا التلب..
    انتو بس ساي تجو تتلبو في هذه الحيطة القصيرة التي جلس عليها هؤلاء الشباب؟؟




    فرصة الإستفادة من الشك المعقول ، يا دكين يا صديقي

    كتب مامون التلب يقول:

    Quote: ملحوظة بسيطة
    كتاب النهلة ليس شعرا ، و لم يكتب على غلافه أنه شعر ، هو يحتوي على شعر و لكنه مستخدم ضمن الكتاب ككل،
    أرجو أن تنتهي هذه المغالطة : هل هذا شعر؟ هل هو ليس بشعر؟
    هو ليس بشعر ، هي كتابة تحتوي شعرا ، بداخلها
    و العتب على النظر


    حينما كتب محمد المهدي المجذوب (البشارة و القربان و الخروج)..وصفه البعض ، منهم محمد احمد المحجوب ، بالقول اللاذع (استنوق الجمل)..و استمر المجذوب في تجربته في التجريب و مجارات واقع الحال في محيط الشعر المكتوب باللغة العربية..فاصدر كتيب صغير عنوانه (شحاذ في الخرطوم)..و هو اشبه بالكتابة هنا التي يكتب على نهجها هولاء الشباب ..فكان الحرص الشديد على تنوين الكلمات بصورة كثيفة..و ايضا كانت ( شحاذ في الخرطوم) في عرف الكثيرين هي قصيدة طويلة..

    المحك.. أن التجريب و التجديد في الشعر العربي.. لم يتوقف..و لن يتوقف..و قد دارت نقاشات كثيرة حول امور التجديد..فسمعنا اول ما سمعنا و نحن تلاميذ يفع في المرحلة المتوسطة.. عبر كتاب نازك الملائكة (قضايا الشعر المعاصر).. عن تقسيمات مثل الشعر المرسل..الشعر الحر..شعر التفعيلة.. و الإجتهاد في تعريف كل نموذج و تقديم تعريف لمفهومه و نماذج حتى..

    لاحقا.. قرأنا عن غلوطية.. قصيدة النثر..و مفاهيم مثل الشعر المنثور..و النثر المشعور..و التمييز بين كل من المفهومين.. و اجتهادات محمد جمال باروت..و نزيه ابو عفش..و شاذل طاقة ..و غيرهم.. و سنلحق هنا مقالة لعبد القادر الجنابي (ما هي قصيدة النثر)..

    في هذا الخيط ذكر الصديق محسن خالد ملحوظة مهمة.. أن هؤلاء الشباب .. امكانياتهم في التنظير ليست بنفس المستوى على انتاج الكتابة الأصيل..أي الإنتاج الأصلي..و محسن محق في هذا المزعم..

    فالبرغم من أن الصديق مأمون كتب.. أن من ميزات الكتابة الجديدة في السودان (كما يستخدم هو المصطلح).. ظاهرة الغموض..و ظاهرة الغموض.. يجب أن يفسرها القارئ أو المتلقى لرسالة تلك الكتابة..لأن دخول الكاتب ( أو صاحبه) في التفسير و محاولة تقديم التبرير..هو نوع من الخيانة.. لأن المبدأ البسيط.. يقول.. طالما الكاتب على استعداد للدخول في التفسير.. عليه أن يأخذ ( أعد ) كبيرة..و يعيد صياغة نصه أو منتوجه بصورة مباشرة وفقا للتصحيحات أن وجدت..يعني من البداية.. اذا هو على استعداد لتقديم التبريرات حول الكتابة و جنسها..فلماذا اساسا اعتمد الغموض؟..

    كتب مأمون.. في دفاعه عن كتابة محمد الصادق الحاج.. انها ليست بشعر..و انما تحتوي شعر..و كتب أن الكتاب لم يكتب عليه في غلافه أنه ديوان شعر أو كتاب شعر..و هذا تزيد و تهجم من قبل مأمون.. يعني رجعنا لنفس غلوطية الشعر المنثور و النثر المشعور..
    فالشعر لا يحتاج أن يعرف في أغلفة الكتب حتى نتبين انه شعر..و هذا النهج الذي يقول به اخونا مأمون هنا.. هو ورطة و درب جديد يصب في خلاصاته.. أن يقف كل كاتب حارسا امام كتابه و كتابته.. ليذكر الناس بين الفينة و الأخرى.. أن كتابته هي كيت..و ليست كيت..

    و أن يقول مأمون أنها كتابة تحتوي شعرا.. فهنا شك معقول يمكن أن نستفيد منه..و نقول بشبهة القصيدة و الشعر في كتابة محمد الصادق الحاج التي علقنا عليها هنا..


    كبر


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2009, 02:40 AM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبهة الشعر فيها (Re: Kabar)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2009, 02:48 AM

إيمان أحمد
<aإيمان أحمد
تاريخ التسجيل: 08-10-2003
مجموع المشاركات: 3468

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبهة الشعر فيها (Re: Kabar)

    XX AND XY
    _________


    XY
    تعني رجلاً

    بينما
    XX

    كانت تعني امرأة

    مابال ال
    XXX

    وال
    XXY

    ثم الأكثر عجباً

    XO
    ؟؟

    ..

    ,Let it be a Bonnevie-Ullrich

    !! Or else, a Kleinfelter’s


    !!! So




    * !By the way, there is an XXXX, so don’t go mad

    Iman Ahmed, Feb.19.2009
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2009, 08:33 AM

سيف النصر محي الدين محمد أحمد

تاريخ التسجيل: 12-04-2011
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبهة الشعر فيها (Re: إيمان أحمد)

    مدارات - جماليّة التحوّل
    أدونيس الحياة - 19/02/09//

    ما المعنى العميق الأساسيّ لحياة العربيّ، اليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين؟ جوابي، شخصيّاً، هو: تحويل التاريخ – أعني صُنعهُ في أفق التحولات الكونية.

    ما تكونُ اللغة الفنيّة العربية في هذا الأفق؟ جوابي، شخصيّاً، هو: لغةٌ تحوّلت هي نفسها لكي تكون قادرةً على التّحويل. سأسمّي جمالية هذه اللغة جماليّة التحوّل.

    التأسيس لهذه الجماليّة يقتضي، بدئيّاً، نقدَ الراهن السائد، ثقافياً وجماليّاً، لا في ما يتصل بالذات العربية، وحدها، بل في ما يتّصل كذلك بالآخر – علاقةً وسلطةً، معرفةً وكتابةً.

    وهو يقتضي تِبعاً لذلك أن نُحدثَ قطيعةً مع كل ما يعرقلُ سيرنا في اتجاه التحوّل، أيّاً كان، سواء في مجال الأفكار والمعتقدات، أو في مجال الذوق والقيمة والكتابة. وربما كان علينا، في أثناء ذلك، أن نُبطِلَ ما يعدّه بعضهم قاعدةً لا تبطل، وأن نتجاوزَ أعرافاً وتقاليدَ ينظر اليها بعضهم الآخر، بوصفها مُسلَّماتٍ يقينيّةً لا تُمس.

    إن تُخومَ الكتابةِ المتحوَلةِ المحوِّلة، لغةً وجماليةً، هي التخوَم القُصوى.

    طبيعي، إذاً، أن يصطدمَ التأسيسَ لجمالية التحوّل بما هو سائدٌ مُستقر. يتمثّل هذا السائد المستقر في العلاقة بين المبدع، وهو هنا الشاعر، وما اصطلحَ على تسميتهِ بـ «الجمهور» من حيث أنه مستودعٌ لقيم التراث، وحارسٌ لها. ولئن شبهنا التراث بنهرٍ ينبعُ من الماضي ويتدفق نحو المستقبل، فإن انسانَ هذا الجمهور لا يرى من هذا النهر إلا الينبوع الذي يعتقد أنه يتبجّس منه. لا يرى المجرى، وما حوله، وتغيّرات الأرض والناس حول هذا المجرى. لا يرى أن هذا النهر انفصل، في جريانه، عن ينبوعه. صارت له، عِبر حركة الجريان ينابيعُ كثيرة، لم يعد نبعهُ الأوّل إلا واحداً بينها، جزءاً من كلٍ، ونوراً بين أنوار. والإلحاحُ على أنه النورُ الأوحد، أو النبع الأوحد، سيؤدّي به الى أن يُصبحَ مُجرّد شمعةٍ في ليل التاريخ المليء بآلاف القناديل الساطعة الآتية من جميع الأنحاء.

    والحقّ أن حركة الماء الأول في هذا النهر هي نفسها تغيّرت. تغيّر كذلك الضوء الذي رافقها. فقد هذا النهر ماءَه الأوّل، بوصفه تحديداً ماءً أوّل، ودخلَ جارياً في لا نهايةٍ من الماء الذي يتدفّق من جميع الجهات. كان ماؤه في نبعه محدوداً، وفي جريانهِ عِبر التاريخ والأرض، أصبح غيرَ محدود. لم يعد هذا النهر، اليوم، بوصفه تراثاً، مُجرد رمزٍ للامحدود، وانما أصبح الى ذلك، يكتنزُ هو نفسُه هذا اللامحدود – يحمله، ويدلُّ عليه.

    «الجمهورُ»، بالمعنى الذي أشرتُ اليه، كمٌ اجتماعيٌّ – ثقافيّ، وهو، بوصفه كذلك، القاعدةُ التي ينهض عليها النظام السياسيّ. وعلى هذا المستوى، وفي ضوء العلاقة الكينونية بين «الجمهور» و «النظام السياسي»، يمكن أن نقول عن «الجمهور» بأنه التجسيدُ البشري للنسقية النظريّة، أو المذهبية – النمطيّة. والنسقية – النمطية، أو السَّستمة، لكي نتشبّه بأسلافنا القُدامى في تعريبِ المصطلحات الفلسفيّة والعلميّة، إنما هي نظامٌ للتشويه: للتوكيد على بعض المظاهر أو الصفات، ولمحو أو إلغاء بعضها الآخر. وهي، إذاً، نقيض كاملٌ للذاتية والفرادة، أي للحريّة. وهي، تِبعاً لذلك، عدوّةٌ للبحث، والتساؤل، للتنوّع والتعدّد، للانفتاح والمغامرة، للتجريب والاستقصاء. انها انغلاق الفكر على نفسه. وانغلاق الشخص على معتقده. وانغلاقُ النظام على آليته. هكذا يكونُ دورُ السَّستمةِ أن تجعلكَ تؤمن، لا أن تجعلك تفكر. إنها هي الأخرى، نهيٌ وأمرٌ، طغيانٌ كامل. وهي إذاً دعوةٌ وعملٌ للثباتِ، ثقافةً وسياسةً. وطبيعي، إذاً، أن تتناقض، مبدئياً، مع التحوّل وجماليّة التحوّل.

    بين جمالية التحوّل وجماليّة الثبات، يختار «الجمهورُ»، إذاً، هذه الثانية. وهي ما ينحازُ اليها ويختارها أهل السلطة. ذلك أن في الثابت ما يُطمئن، لأنه معروفٌ ومحدود، وفي المتحوّل ما يُقلق لأنه ليس محدوداً، وغيرُ معروف.

    علينا هنا أن نتذكّر أنّ الكتابة العربية الفنيّة، وزناًَ ونثراً، كانت في التاريخ الثقافي العربي، طاقةً تحويليةً كبيرة، في إطارها وضمن حدودها. ولم تكن كذلك إلا لأنها هي نفسها تحوّلت، لغةً ومقاربةً للأشياء. نذكر، تمثيلاً لا حصراً، أبا نواس وأبا تمّام والنفري والمعرّي.

    كانت كتابة التحوّل هنا تصدرُ عن ذاتٍ تحوّلت وفكرٍ تحوّل. غير أن النمطيّة – النسقيّة أو السَّستمة كانت من الهيمنة والطغيان على درجةٍ عاليةٍ بحيث أن هذه الكتابة لا تُفهم حتى الآن عند «الجمهور» ومؤسسات النظام السياسي، في سياق جمالية التحول، وانما تُفهمُ، على العكس، في سياق جماليّة الثبات. وتلك هي معضلة الكتابة الشعرية الحديثة. فلا يفهم جمالية التحوّل ولا يتذوقها إلا الشخصُ الذي تحوّل هو نفسه، من داخل، رؤيةً وفكراً وتذوّقاً. ولم يتحوّل «الجمهور» العربيّ، على هذا الصعيد الفنّي الخالص، لأسبابٍ تتصل جَذرياً، كما يبدو لي، بطبيعة السّلطة الإسلامية في نشأة الخلافة. فقد تأسست الخلافة، لا بوصف الإسلام تجربةً إنسانيةً روحيّة، حرّة ومتعددة، بل بوصفه نظاماً سياسيّاً سلطويّاً واحداً، شاملاً، وكُليّاً.

    وإذا أدركنا أن اللّغة في أساسها ليست سهلةً، أو ليست تواصليّةً كالموسيقى والغناء، مثلاً، فإننا نُدرك معنى ثبات «الجمهور» على الثقافة التقليديّة المعروفة، المرتبطة عضويّاً بالنظام السياسي. نُدرك بالتالي سرَّ نفوره عندما يواجه كتابةً لا تأتلفُ مع قيم هذه الثقافة ومعاييرها الجماليّة.

    والواقع أن المقارنة بين هذين القُطبين: المحدود الثابت، واللاّمحدود المتحوّل، لا تنحصر هُنا في انطباقها على نوعين من رؤية العالم، ونوعين من الكتابة الشعريّة، وإنما تنطبقُ كذلك على الفكر نفسه، والمصير نفسه، أفراداً وجماعاتٍ وشعوباً.

    هناك، في هذا السياق، سؤالٌ لا بدّ من طرحه، أصوغه كما يلي: ما الحقيقة، أو ما نظام الحقيقة، اليوم، في الثقافة العربية السائدة؟ والجواب هو أَنّه نظامٌ يرتبط أساسياً بالدين الذي يرتبط أساسيّاً بالسياسة. وهو، إذاً، نظام تفسير وفقاً لقواعد موروثة معيّنة، وهو، بوصفه كذلك، نظامُ هيمنةٍ وسُلطة.

    هكذا تتحول الحقيقة الى قانونٍ أو شرعٍ؟ وهذا ما يحول بينها وبين أن تُصبح عالماً داخليّاً، ذاتياً. ولا تكون الحقيقةُ حقيقةً بكامل المعنى إلاّ إذا صارت جزءاً حميماً من العالم الشخصيّ الحميم. أُضيف أن الإنسانَ في علاقته بالواقع، تُحرّكه طاقاتٌ لا شعوريّة وخلاّقة، تتيح له أن يخلقَ باستمرارٍ، وفي معزلٍ عن العالم الموروث، أشكالاً حياتيّة جديدةً، وأن يبتكرَ باستمرارٍ أنواعاً جديدةً من العلاقات مع الأشياء، وأن يطرحَ أسئلةً لم تُطرح من قبل – على كلّ شيء. هنا، وفي هذا المركَّب الحيويّ، المعقّد، تنشأ حقائِقُ أخرى، نبدو إذا أهملناها، كأننا نهمل الحياة نفسها، والإنسانَ نفسه.

    إن في علاقة «الجمهور» بالحقيقة ما يذكّر بما يقوله ديكارت: «معرفة الحقيقة هي كصحّة النفس: عندما نمتلكها لا نعودُ نفكّر فيها». فهذا «الجمهور» فقدَ التفكيرَ في الحقيقة، منذ اعتقد أنّه امتلكها، مرةً واحدةً والى الأبد. غير أن فقدانَ التفكير في الحقيقة ونظامِها، إنما هو فقدانٌ للتفكير. بل إنه يؤدّي الى الاعتقاد بأن هناكَ تناقُضاً بين الفكر والحقيقة.

    يتجلّى لنا، في ضوء ما سبق، أنّ «الجمهور» لا يأخذ من الشاعر إلاّ ما يعرفه مُباشرةً، أو ما يعرفه مُسبقاً، ويكون الشّاعر، هُنا، مُذكِّراً، أو يقوم بدور المذكِّر.

    لكن، ما الإبداع؟ وأودّ هنا أن أكرّر جواب نيتشه: الإبداعُ إنجاب. إنه تجسيدٌ لصورة المبدع في مادّةٍ أخرى هي هنا مادة الكتابة. فالإنسانُ يُبدع ليؤكّدَ أنه يستبق: يشعرُ ما لا يشعرُ غيرُه، ويعلمُ ما لا يعلمُ غيرهُ. وهذا هو تحديد الشاعر، في المأثور النقدي العربي. ذلك أن الفعل «شعر» يعني، لغةً، كما جاء في معجم «لسان العرب»، عَلِمَ، وفَطِنَ، وعقَلَ.

    وإذا أشرنا الى أنّ المشاعر تعني الحواسَّ، فإننا نرى أن المحسوس والمعقول، في الحدس الشعري العربيّ، وحدةٌ لا تتجزأ، وأنهما يلتقيان وينصهران، طبيعيّاً، في كلمة «شِعر».

    عندما نترجم ذلك الى اللغة الجمالية نقول: إن الشِّعر، في الحدس العربيّ الأصليّ، يُعنى بما ليس معروفاً شائِعاً، أي بالمجهول. ونقول، استناداً الى ذلك، إن بلوغ المجهول أو الكشفَ عنه يقتضي من الشاعر أن يعبّر بطرقٍ غير معروفةٍ، يبتكرها هُو.

    ولننظر الآن، اعتباراً واستبصاراً، كيف أن النسقيّة – النمطيَّة، أو السستمة المرتبطة بالنسقية السياسية، نظاماً ومؤسسات، - كيف أنها كانت على درجةٍ كبيرة من الهيمنة والقوّة بحيث عكست تماماً ما قالت به اللغة العربيّة، وما أكده الحدس الشعري العربيّ. فقد صار الشاعر يُحدَّدُ اليوم بأنّه الشخص الذي لا يجوزُ أن يشعر إلا ما يشعره غيره، ولا أن يعلمَ إلا ما يعلمه غيره. وصارَ فعل «شعر» نقيضاً لفعل «عَقَلَ»، أي نقيضاً لنفسه.

    وتلك هي ظاهرةٌ ذات دلالاتٍ خطيرةٍ، متنوعة، يجب أن تدرسَ على حدة، وعلى أكثر من مُستوى.

    يكتب الشاعر فينقل ما يكتبهُ من حيز الذات الى فضاءِ الواقع. تصبح كتابته مرئيّةً، كأنها مكان آخر له في بيت الواقع. وإذا فهمنا الواقعَ صيرورةً، فإنه يكون شخصياً، وما يكتبه الشاعر يدخل في الصيرورة. وهذا يعني أن الشّاعر ليس مجرد كائنٍ لذاته، وانما هو كائنٌ لغيره كذلك. فهو موجودُ، أوليّاً، خارج ذاته. لكن المسألةَ هي: كيف؟

    أما قراءة ما يكتبهُ، فمسألةٌ ثانية. يمكن القراءة أن تقتل الكتابة، ويمكن أن تُعطيها حياةً إلى ما لا نهاية. ذلك يتوقف على مستوى القارئ والقراءة، وقبل ذلك على مستوى الكتابة.

    ليس الشعر، إذاً، وفقاً لجمالية التحول ترجمةً لفكرةٍ أو لواقع. الشعر هو نفسه الفكرُ، وهو نفسه الواقع. وهو، بوصفه كذلك، محركٌ وليس ناقِلاً.

    هكذا لا يتجلّى الفكر في القصيدة بوصفه موقفاً أو اتجاهاً إيديولوجياً، أو حِكَماً، أو آراءَ، وإنما يتجلّى بوصفه شُحنةً، أو طاقةً، أو بوصفه ضوءاً. الغناء نفسه في القصيدة ليس غطاءً للفكرة، بل سريرٌ لها. الفكرة في القصيدة توترٌ في اللغة، واشعاعٌ في الكلمات، وما حولها، وما وراءها.

    ولئن كان للقصيدة معنى، فإن بداية هذا المعنى هي في استعصاء هذه القصيدة على الفهم في قراءتها الأولى. غياب هذا الاستعصاء شكلٌ من أشكال غياب الشعريّة أو الجمالية، أو هو دليلٌ على عاديتها وابتذاليتها.

    هل يواصل القارئ قراءة هذه القصيدة الى أن يفهمها؟ إذا كان الجواب إيجاباً فهذا يعني أنّه قارئ حقيقي للشعر، وصديقٌ له. وإذا كان سلباً، فذلك يعني أنه قارئ لا يحتاج عمقياً للشعر، وأن الشعر هو كذلك لا يحتاج اليه.

    في كل حالٍ، واحتراماً للمعرفة وللفن، لا يحق للقارئ أن يفترضَ استيعابَ قصيدةٍ من قراءةٍ أولى أنفق فيها من وقتهِ عشر دقائق أو عشرين دقيقة، وأمضى الشاعر في كتابتهما وقتاً طويلاً، أسابيعَ أو شهوراً، وضمّنها خلاصةً عن بعض حدوسه، وعن رؤيته للعالم والإنسانِ والأشياء. وقبل كل شيء، لا يحق لأي قارئ أن ينطلق في قراءته الشعر أو الفكر من يقينه أنه قادرٌ على فهم كل شيءٍ فهماً مباشراً، كاملاً وكليّاً. فمثل هذا القارئ لا يحتاج الى قراءة أي شيء.

    إن جمالية التحوّل انقلابٌ في الكتابة يستند الى انقلابٍ في الرُّؤية، وفي الفهم، في التذوق، وفي التقويم.

    هوذا أنا أمامكم الآن بوصفكم حشداً، جزءاً من «الجمهور» بالمعنى الذي تحدثت عنه. لكل فرد بينكم كيانٌ قائمٌ بذاته. وما ن أحدٍ بينكم يحلمُ كما يحلم الآخر. وما من أحدٍ يحبّ كما يحبّ غيره. وما من أحد يتألّم أو يبتهج كمثل غيره. الحميمُ خاصٌ ويستحيل أن يكون مشترَكاً.

    إذا كتبتُ لكم جميعاً كأنكم شخصٌ واحدٌ، أو جماعةٌ واحدة، فأنا أختزلكم، وأمحو خصوصية كل منكم – أعني خصوصية الشعريّة. لا أكتبُ لكم، بوصفكم وحدةً، إلا المشترك العام بينكم. وهو، إجمالاً، سياسي وطنيّ تحرري. لا أقول إن هذا ليس مهماً في ذاته، بل أقول إنه ثقافي عامر، معروفٌ، ومشترك، ولا أقدم فيه إلاّ ما تعرفونه مُسبقاً. ومعنى ذلك أن شعري هنا لن يكون إلا وسيلةً لنقل أفكاركم المشتركة، لن يكون إلا إناءً. وهذا بالضبط ما يُلغي شعريّته.

    مهمتي، إذاً، بوصفي شاعراً أن أعمّق تجربةً، لا أن أنقل رسالةً لكم تكتبونها أنتم. مهمتي أن أخلقَ مناخاً للحميم، الخصوصي، المتفرّد. وكما أنني أكتب لكي أزداد فهماً لنفسي وللعالم، فإن القارئ يزداد هو الآخر، في تقاطعه مع كتابتي، فهماً لنفسه وللعالم. لا أنقلُ له ما يعرفه، وإنما أقذف به الى جانبي في مجهول العالم. وتلك هي البداية في التأسيس لجمالية التحول.

    * نص محاضرة ألقيت في مسقط، في 7 شباط (فبراير) 2009، ضمن البرنامج الثقافي لمهرجان مسقط ‏2009‏‏

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-02-2009, 08:33 PM

نهال كرار

تاريخ التسجيل: 16-01-2005
مجموع المشاركات: 3335

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبهة الشعر فيها (Re: سيف النصر محي الدين محمد أحمد)

    تحية طيبة للجميع

    كنت أبحث عن هذه الكتابة منذ فترة, وهي جزئية من سلسلة محاضرات لبورخيس , جمعت في كتاب " فن الشعر "
    حتى عثرت عليها في إحدى مداخلات مأمون ببوست آخر

    أنقلها للمزيد من القراءة


    المجاز
    بورخيس
    عن كتاب "فنّ الشِّعْر"
    ترجمة: محمد المزديوي
    ( كاتب مغربي مقيم في باريس)





    شكَّل "المَجَاز" جُزءًا من حلقة محاضرات ألقاها "خورخي لويس بورخيس" باللغة الإنجليزية في جامعة "هارفارد"، خلال السنة الجامعية 1967-1968. وقد نشرتْ دار غاليمار الفرنسية هذا النصّ مع نصوص أخرى، وهنا ترجمة لمحاضرة تحمل عنوان "المجاز".

    ما دام موضوع محاضرتنا هو المجاز، فلنبدأ بأحد المجازات. وهذا المجاز الأول من بين مجازات متعددة، يأتينا من الشرق الأقصى، من الصين. فالصينيون، إنْ لم أكن مخطئاً، يمتلكون تعبيراً للدلالة على العالَم: فَهُمْ يتحدَّثون عن "عشرة آلاف شيء" أو أيضاً، وحسب بعض الترجمات، عن "عشرة آلاف كائن".

    ولا شيء يمنعنا من قبول هذا التقدير المتواضع. فمن الأكيد أنه توجد أكثر من عشرة آلاف نملة، ويوجد أكثر من عشر آلاف رجل، وأكثر من عشرة آلاف أَمَل، وأكثر من عشر آلاف خوف أو كابوس. ولكننا إذا قبلنا رقم "عشرة آلاف"، وإذا تذكَّرْنَا أن كلَّ مجاز يستند على الربط بين شيئَيْن مختلفين، فإننا نستطيع، إذا أتاحَ لنَا الوقت، أن نتوصل عبر عملية حِسَابية إلى مجموع لا يمكن تخيُّلُهُ من المجازات الممكنة. لقد نَسِيتُ الحساب، ولكنّي أعتقد بأنّ هذا المجموع سيتمّ الحصولُ عليه من خلال ضرب رقم 10000 في 9999 ثم ضربه في 9998 وهكذا دواليك. ومجموع هذه التركيبات والتوافيق الممكنة، بطبيعة الحال، ليست لانِهَائية ولكنّه مَجموعٌ مُذْهِلٌ. في ظل هذه الشروط سيكون من المنطقي أن نَتَسَاءَلَ لماذا شعراء كلّ العالَم وكل الأزمنة يلتجئون إلى نفس المجموعة من المُقارَنَات- في الوقت الذي يمكن أن توجد فيه بعضُ التركيبات والتوافيق الممكنة.

    حينما استنتج الشاعر الأرجنتيني "لوكونيس"Lugones، منذ سنوات عديدة، في سنة 1909، أنّ الشعراء يستخدمون دائما نفسَ المجازات، اقترحَ القيام باختراع مجازات جديدة عن القمر. وفي الحقيقة قام باختراع مِئات منها. وكتب أيضاً في مقدمة كتاب معنون بِـ"....Lunario sentimental، أنَّ كلَّ كلِمَةٍ هي مجازٌ ميّت، وهذه الجملة(كلّ كلمة هي مجاز ميّت) هي في حدّ ذاتها، بطبيعة الحال، مجازٌ. ولكننا نعرف جميعا الفرق الموجود بين المجازات الميّتة والمجازات الحيّة. فإذا قمتُ بفتح معجم اشتقاقيّ جيّد(أُفكّر في معجم صديقي المجهول، الدكتور "سكيت"Skeat)، وإذا ما استندنا إلى كلمة معيّنة، فمن الأكيد أننا سنعثر على مجاز قابِعٍ في مكان ما.

    ) فكلمة preat (threat)تهديد/وعيد/نذير بِخَطر) مثلاً، التي تُصادِفونَهَا في الأبيات الأولى من Beowulf، تدلّ على "جماعة هائجة". ولكن الكلمة، اليومَ، تعبّر عن أثر ومفعول هذه الجماعة/الجمهور (التهديد) وليس عن السبب. ولْنَفْحَص أيضا كلمة كينغ"King. فكلمة "كينغ" King كانت في البداية "كيننغ" Cunning، التي تعني "الرجل الذي يمثّل العائلة(le clan)، الشَّعْبَ". ومن الناحية الإشتقاقيّة كلمة king و"kinsman" و "gentleman" هي أيضا نفسَ الكلمة. غير أني إذا قلتُ: "الملك قاعِدٌ في بيت خَزَائِنِه، ويُحصِي أموالَهُ"، فإننا لا نفكّر في المجاز المُضْمَر. وفي الواقع إذا مال اختيارُنَا إلى التفكير المُجَرَّد، فعَلينا أن ننسى أن الكلمات كانت مَجَازاتٍ. علينا أن ننسى، مثلاً، أن في كلمة "considérer" يوجد إيحاءٌ وإيعاز وشُبْهَة بعلم التنجيم، "considérer" كانت تدلّ في المعنى الأصلي على "التواجد مع النجوم" وعلى "كَشْفِ الطالِع".

    فلْنَقُلْ إنّ ما هو مهمٌّ في مجازٍ مَا، هو أن القارئ أو المستمع، وَاعٍ بأنَّهُ أمَامَ مجازٍ مَا. إذاً فأنا أريد أن أقتصر في هذه المحاضرة على المجازات التي يَنْظُر إليها القارئ على أنها مجازات- تَارِكِينَ على جَنب كلمات من نوع "ملِك" أو "تهديد" وعدد كثير من الكلمات التي نستطيع ذكرها إلى ما لا نهاية.

    بدايةً أريدُ أن أفحصَ موديلات أو ثيمات مطروقة من المجازات. أستخدم كلمة "موديل" لأن المجازات التي سأقوم بذكرها، يمكن أن تبدو، من وجهة نظر تخييلية، مختلفةً جِدّاً، ولكن التفكير المنطقي يستطيع التعرّف على هوِيَّتِهَا تقريباً. حتّى إننا نستطيع أن نتحدّث عنها كَمُعَادَلات. فلنأخذ المجاز الأول الذي يحضُرُني، وهو المُقارَنَة المعروفة والتي كرّسَتْهَا كلّ العصور، بين العيون والنجوم، أو على العكس بين النجوم والعيون. والمثال الأول الذي أتذكره يأتي من "الأنطولوجيا الإغريقية" وأعتقد أن "أفلاطون" يمكن أن يكون هو المؤلف. وهي مجموعة أبيات شعرية (أنا لا أعرف اللغة الإغريقيّة) تقول بشكل تقريبيّ ما يلي: "أنا أتمنّى أن أكون اللَّيْلَ كَيْ أَرَى نَوْمَكِ بملايين العيون." إنّ ما نراه، هُنَا، هو حَنانُ عاشقٍ، ورغبَتُهُ في أن يكون قادراً على رؤية حبيبَتِهِ من نِقَاط عديدة، من نِقاط متعددة. خلفَ هذه الأبيات الشعرية، يمكننا تخيّل الحنان.

    لِنَرَ مثالاً آخَر، أقَلَّ شهرةً: هذا التعبير "النُّجومُ تنظُرُ مِنْ عَلِ". إذا أخذنا مأخَذَ الجدّ التفكير المنطقي، فإنه يمكننا التعرّف، هنا، على مجازٍ مشابه للمثال السابق. غير أنَّ الأَثَرَ أو الوَقْعَ على خَيَالِنَا مختلف. "النجوم تنظر مِنْ عَلِ" لا تُعبِّرُ عن شيء من الحُنوّ أو الحنان، بل وتوحي، على العكس، بفكرة العَمَل الشاقّ لأجيال وأجيال بشريّة تحت النظر اللاّمُبَالِي للنجوم.

    ننتقل، الآنَ، إلى مثال آخَر. يتعلّق الأمر بمَقَاطِع شعريّة كان لهَا تأثير قويّ على نفسي. والأبيات مقتبسة من قصيدة لِـ G. K. Chesterton معنونة "طفولة ثانية".

    ولكنّي لن أشيخ كثيراً حتى أرى انسدال الليل الهائل،

    سحابٌ أكثر سعة من العالَم،

    وَحْشٌ(خرافيّ) مُكوَّنٌ مِنْ عيون.



    لا يتحدّثُ "شيستيرتون" Chesterton عن وحش(خرافيّ) مليء بالعيون"(نحن نعرف كثيراً من الوُحُوش من خلال رؤيا القدّيس يوحنّا) ولكن-وهذا شيء رهيبٌ جدّا-ولكنه يقول "وحش مُكَوَّنٌ من عيونٍ"، كَمَا لَوْ أنّ هذه العيون كانت التركيبَ الحيَّ للوحش.

    لقد فَحَصْنَا ثلاثَ صُوَر مبنية على نفس الثيمة، ولكن ما أريد أَن أُشِيرَ إليه- وهي النقطة الأولى من بين النقطتين المُهِمَّتَيْنِ اللتين أريدُ أن ألْفِتَ انتباهكم إليهما في هذه المحاضرة-، هُوَ الاختلافاتُ، بالرغم من أنّ الثيمةَ مُشابِهَةٌ في ما هو أساسيّ: في الحالة الأولى، المثال الإغريقي، "أتمنى أن أكونَ الليلَ" يُريدُ الشَّاعِرُ أن يُشْعِرَنَا بِحَنَانِهِ، وبوحدته؛ وما نحسّ به، في الحالة الثانية، هو نوعٌ من اللاّمبالاة الإلهية بالمقارنة مع البشريّ؛ وفي الحالة الثالثة يُصبِحُ اللَّيْلُ الأليفُ كابوساً.

    والآن نحن مع مجاز مبنيّ على موديل مختلف- إنها فكرة الزمن الذي ينسابُ مثل نَهْر. المثال الأول مقتطع من قصيدة كَتَبَهَا "تينيسون"Tennyson، فيما أعتقد، في سنّ الثالثة عشر أو الرابعة عشر. ثمّ قام بإتلافها فيما بعد، ولكن من حسن حظّنا نحن، أنَّ بيتاً شعريا نَجَا، وستجدونه، حسب ما يبدو لي، في بيوغرافيا "تينيسون" Tennyson التي كتَبَها "أندريو لانغ" Andrew Lang. وهذا البيت الشعريّ هو: "الزمنُ مُنْسَاباً في الليل." أعتقد أنّ "تينيسون" اتبع اختياراً حذراً ومتيقِّظاً، لأنّ كلَّ شيء يكون صامتا في الليل، ويكون الرجال نائِمينَ، ومع ذلك فالزمنُ يستمرّ في انسيابيته دون ضجيج. هذا هو مثالي الأول.

    ثمّ توجد رواية(أنا متأكِّدٌ أنكم تفكرون فيها في هذه اللحظات) تحمل، ببساطة، عنوان: "الزمن والنهر". (لِـ"طوماس وولف"Thomas Wolfe، سنة 1935). إنّ مجرّد تقريب الكلمَتَيْن يوحي ويُشعِر بالمجاز: الزمن ينساب مثل نهر. وها هي أيضا الجملة الشهيرة للفيلسوف الإغريقي: "إنَّكَ لا تستحمّ في النهر مَرَّتَيْن"(هراقليطس، المقطع 41). هنا تتمّ معرفةُ الشُّعورِ بالقلق، لأنه إذا كان تَفْكِيرُنَا، في البداية، يتّجهُ إلى استمراريّة النهر الذي ينسابُ والذي تتميّز قطراتُ الماءِ فيهِ بأنها مختلفةٌ، فإننا مُرْغَمُونَ، بالتّالي، على أن ندرك أنّ النهر هُوَ نَحْنُ، وأننا بطبيعة الحال هَارِبُوَن مثل النَّهر.

    أفكّر أيضا في أبيات "مانريك"Manrique:

    حَيَوَاتُنَا هي الأنهارُ

    التي ترتمي في البحرِ،

    البحرُ الذي هو الموتُ.



    حين ننتهي من ترجمة هذه الأبيات لا تعطينا كبيرَ تأثير. وكنت أتمنى أن أستطيع تذكُّرَ الترجمة التي أعطاها "لونكفيلو"Longfellow في .."Coplas de Manrique". (سنَعود إليها في محاضرة قادمة) وبطبيعة الحال فإنّ خلف المجاز العادي توجد موسيقى الكلماتِ البطيئةُ:



    حَيَوَاتُنَا هي الأنهارُ

    التي ترتمي في البحرِ،

    البحرُ الذي هو الموتُ.



    هُنَا، بشكل مستقيم،

    تضمحلّ وتُلْغَى

    السيادات العالية.



    ومع هذا فالمجازُ واحدٌ في كلّ الحالات التي أشرنا إليها.

    فلننتقل، الآن، إلى موديل مطروق والذي من المحتَمَل أن يثير ضحككم: وهو المقارنة بين النساء والأزهار وأيضا المقارنة بين الأزهار والنساء. والأمثلة في هذا المجال كثيرةٌ، وأودّ أن أذكر واحدا منها، ربّما، غير مألوف بالنسبة لكم، وهو مقتبس من رائعة غير مكتملة "Weir of Hermiston" لِـ"روبير لويس ستيفينسون" Robert Louis Stevenson. يدخل بطل الكِتَاب إلى كنيسة في "اسكوتلندا"، حيث يلمح فتاة شابّة- يتعلّق الأمر بشابّة جميلة، هذا ما نفهمه-وينتابنا الإحساس بأنه مستعدٌّ لأن يصبح عاشقاً. لماذا؟ لأنه إذا كَانَ ينظُرُ إليها ويتساءَلُ لو أنّ روحاً خَالِدة تسكُنُ هذا الجسدَ الجميلَ أم أنَّ الأمرَ يتعلّق بحيوان متزيِّنٍ بِلَوْنِ الأزهار، فإنّ قسوة وعنف كلمة "حيوان" تجد نفسَهَا مُلغاة عبر "لون الأزهار". لا أعتقد أنه من الضروريّ البحثُ عن أمثلة أخرى لهذه الثيمة التي توجد في كلّ الأزمنة، وتحضُرُ في كلّ اللغات وكلّ الآداب.

    توجد ثيمة أخرى أساسيّة للمجازات وهي ثيمة مُقَارَنَة الحياة بالحُلم، هذا الشّعورُ الذي يستولي علينا وهو أنّ الحَياةَ هي حُلم. والمثال الذي يحضُرُ، حالاً، إلى ذهننا، هو البيت الشعريّ للعاصفة : "إننا كالأحلام، خُلِقْنَا من نفس النسيج" من الممكن أن ما سوف أقوله لكم سيَبْدُو تَجْدِيفِيّاً- إنّي أُحِبّ "شكسبير" كثيراً، بحيث أنّ هذا لا يُضَايِقُنِي-ولكنّي أجد أننا حين ننْظُر، عن كَثَب، إلى هذا البيتَ(ولكن يجب علينا ألاّ ننظر إليه عن كثب؛ بل يجب أن نكتَفِي بأن نكون معترفين لـ"شكسبير" بالجميل للكثير مِن المِنَحَ التي وهبنا إياها)، فإننا سَنُلاَحِظُ تناقُضاً، خفيفاً دُونَ شكّ، بين كون حَيَوَاتِنَا هي جوهَرُ أحلامنا وبين هذا التأكيد القاطِع: "إنَّنَا كالأحلام خُلِقْنَا من نفس النسيج". لإنه إذا ما كُنَّا لا نُوجَدُ إلاّ في حُلم، أَتَسَاءَلُ كيف نستطيع أن نعلن عن هذه التأكيدات القاطعة. إنّ جملة "شكسبير" تتعلّق بالفلسفة أو الميتافيزيقا أكثر مما تنتمي إلى الشِّعْر- حتى ولو أنّ السيّاق يُخوِّلُ لَهَا قيمة شعريّة.

    مِثال آخَر من نفس المجاز يوجدُ لدى شاعِر ألماني كبير-ومع ذلك، فهو شاعِرٌ صغيرٌ في نَظر "شكسبير"(وهي ربما حالةُ كلّ الشعراء، باستثناء اثنين أو ثلاثة). أُشِيرُ إلى قصيدة شهيرة لِـ"فالتر فون دير فوجيلوايد"Walther von der Vogelweide، والتي سأقرأها باللغة الألمانية(ستغفرون لي نُطقي وتلفّظي): "هل حلمتُ بحياتي أم هي حقّا حقيقة؟" إنّ الشاعر، هنا، في نظري، أكثرُ تلاؤُماً مع ما يسعى جَاهِداً للتعبير عنه، لأنه بَدَل تأكيد قاطع نجد أنفسَنَا إزاء إحدى الأسئلة. إنّ ما يحدُثُ له قد حدث لنا جميعاً، ولكننا لم نعثر على الكلمات لِقَوْلِ هذا، مثل كلمات "فالتر فون دير فوجيلوايد". إنه يتساءَلُ: "هل حلمتُ بحياتي أم هي حقّا حقيقة؟" وهذا التردّد يُشكِّلُ، فيما أعتقد، جوهرَ ونسيجَ حُلم وُجودِنَا.

    غالبا ما أستشهد، كما هو شأني دائما، بنصٍّ للفيلسوف الصينيّ "شوان تْزُو"Chuan Tzu، ولا أعرف إن كان قد سبق لي أن ذكرتُهُ في محاضرتي السابقة. وفي كلّ الحالات، لقد حلم هذا الفيلسوف أنه أصبح فراشةً وحين استيقظَ لم يكن يعرف إن كان هو إنساناً حَلمَ بأنه أصبح فراشة أم أنه فراشة حلمتْ بأنها أصبحت إنساناً. ومن بين كلّ المجازات، أعتبرها الأجملَ. أوّلاً لأنّه يبدأ بِحُلم، على الرغم من أنّ حياة هذا الرجل، حين يستيقِظُ، تحتفظ ببُعْدٍ حُلْمِيّ. ثمّ لأنّ المُؤلِّفَ، وبشيء من النُّدْرَة ومن السعادة المُدهِشَة، اختار من بين كلّ الحيوانات، الحيوان الذي يجب وينبغي. فلو قال: ""شيان تْزُو" حَلم أنه أصبح نَمِراً"، فإن هذا كان سينهار كَقَصْرٍ مِن وَرَق. إن الفراشة تمتلك شيئاً من الرهافة والرقّة ومن التَلاَشِي. وإذا لم نكن إلاّ أحلاماً، فإن الفراشة بدل النمر هي أحسن طريقة توحي بها. ولو أنّ "شيان تسو" حلم أنه أصبح آلة كاتِبَة، فإنه ما كان ليستخرج منه شيئا. وماذا لو حلم أنه أصبح حُوتاً؟ ما كان هذا سَيُجْدِينَا فتيلاً. لا، إنّ الفراشة هي الكلمة الصحيحة، الكلمة التي تُنَاسِبُ ما نودّ التعبير عنه.

    فلننتقل الآن إلى ثيمة أخرى للمجاز، وهي ثيمة معروفة ومتداولة جدا، تربِط بين أفكار النوم والموت. نجدها، بصفة شائعة، في اللغة اليومية، ولكنّنا لو بَحثنا عن أمثلة شعرية، فإننا سنجد أنها تقدّم اختلافات كبيرة. أعتقد أن "هوميروس" هو الذي تحدث عن "نوم الموت الحديديّ". توجد هنا فكرتان متناقضتان: الموت هو نوع من النوم، ولكن هذا النوم مُكوّنٌ من المعدن الصلب، من معدن قاسٍ وصعب المِراس. إنه نوعٌ من نوم لا يأتيه ولا يستطيع أن يٌكسّرهُ أو يُحَطِّمَهُ شيءٌ. أمّا "هين" Heine فقد كتب عن الموت كما لو كان "ليلة مُعجِّلَة". ولكن ما دُمْنَا، هنا، في شمال "بوسطن"Boston، فإني أعتقد، أنه من المناسب ذِكْرُ أبيات "روبرت فروست" Robert Frost، المعروفة جدا ربما:

    الغابة فاتنةٌ، مُعتِمَةٌ وعميقة

    ولكن لديّ وعودٌ واجبٌ احترامها

    وأميال عليَّ أن أقطعها قبل أن أنام

    وأميال عليَّ أن أقطعَهَا قبل أن أنام.



    إنها أبيات شعرية رائعة، بحيث إننا لا نرى الحيلة والخدعة. ومع ذلك، وهذا شيءٌ مزعجٌ، دون شكّ، فإنّ الأَدَبَ يرتكز على الخُدَع. ومع الزمن، تنتهي هذه الخُدَع بأن تُكْتَشَفَ وينتهي المطافُ بالقارئ إلى التعب. ولكن في حَالَةِ قصيدتنا الشعريّة، فالحيلة خفِيّة بحيث إنني أخجل من استعمال هذه الكلمة(أستخدمُ هذه الكلمة بسبب عدم عثوري على كلمة أخرى). إنّ "فروست" Frost يكشف عن جرأة متفرّدة. إنه يُعيدُ نفسَ البيتِ الشِعريّ مرّتين، كلمة كلمة، ولكن المعنى مختلفٌ في كلّ مرة. "وأميالٌ عليَّ أن أقطعَهَا قبل أن أنام". المعنى في البيت الأول ماديّ، بصفة خالصة، الأميال هي الأميال في فضاء انكلترا الجديدة، والنوم هو النوم. في المرة الثانية، يتركُنَا الشّاعِرُ نتخيّل أن الأميال ليست لها دلالةٌ فضائيةٌ فقط، ولكن أيضاً دلالة زمنيّةٌ، وبأنّ النوم يدلّ على الموت-أو الاستراحة النهائية. ولو أنّ الشاعرَ قَالَهَا، حرفِيّاً، فإنّ أثَرَ أبياتِهِ كان سيكون خفيفاً. لأنّ ما يوحي، وهذا هو شعوري وانطباعي أنا على الأقلّ، يملك سلطةً أقوى من ما يُعَبَّرُ عنه بتفخيم. ويُمكِنُ للعقل البشريّ أن يملك نُزوعاً نحو رفض كلّ تأكيد قطعيّ. أتتذكّرون ما قاله "إيميرسون": "الحُجَجُ لا تُقنِعُ أحداً. إنها لا تُقنِعُ أحداً لأنها تقدّم نفسَهَا كَحُجَج. نقوم بفَحصِهَا ونَقِيسُهَا، ونقوم بتقليبها في رؤوسنا، ثمَّ نَرْفُضُها.

    ولكن حينما نتحدث، ببساطة، عن شيءٍ مَا، أو حين نشيرُ إليها عبوراً أو تلميحاً، فإنّ خيالَنَا يبدو حفيّاً ومُرَحِّباً. نحن مستعدون لِقَبُول مَا قِيلَ. أتذكر أنني قرأتُ، منذ ثلاثين سنة، أعمال "مارتين بوبر" Martin Buber، كنتُ أعتبرها كنَوْعِ من القصائد الرائعة. ثمّ حين ذهبتُ إلى "بيونيس إيريس"، قرأتُ هناكَ كتاباً لأحد أصدقائي، "دوخوفني"Dujovne، وهنا اكتشفتُ، ويا لِلْمُفَاجَأة، بأنّ "مارتين بوبر" هو فيلسوفٌ وأنه صاغَ فلسفَتَهُ في كُتُبٍ قرأْتٌهَا على أساس أنها قصائدُ خالِصَةٌ وإذا كانت هذه الكتبُ قد استَمَالَتْنِي، فلأنّ "رسالةَ" هذه الكتب أتَتْنِي عبر طريق الشِّعْرِ، عن طريق الإيحاء والموسيقى الشفهيّة، وليس عن طريق حُجَجٍ. أعتقد أننا نَجِدُ، لدى "والت وايتمان" نفس الفكرة-فكرة أن العقل لا يعرف الإقناع. ألا يُقال في بعض الأماكن بأنّ الليلَ ونجومَهُ أكثرُ إقناعاً من الحجج المسكينة؟

    تُوجَد موديلات أخرى من المجازات. ولنأخذ مِثَالاً، أقلّ شُيُوعاً من الأمثلة السابقة- وأقلّ شيوعاً من هذه المجازات التي تُشَبِّهُ معركة بحريق. وهكذا نجد في الإلياذة صورة معركة تشتعل مثل حريق. ونفس الفكرة توجد في مقطع "فاينسبورغ"Finnesburg. يحدثنا الشاعر في هذا المقطع عن معركة بين الدانماركيين وبين شعوب جرمانية توجد بين هولندا وغرب ألمانيا محاذية لبحر الشمال، وعن الومضات التي تعكسها الأسلحة والدروع، إلخ.. ويقول الشاعر بأنه كان لدينا الإنطباع بأنّ "فاينسبورغ" بكاملها وكذلك قصر "فاين" Finn توهَّجت في حريق هائل.

    إنني تركتُ، بالتأكيد، جانِباً، موديلات شائعة. ولحدّ الآن تطرقنا إلى العيون والنجوم وإلى النساء والأزهار، والزمن والأنهار، والحياة والحلم، والموت والنوم، والنار والمعارك. وإذا كان لدينا مُتَّسَعٌ من الوقت، ومن تَبَحُّرٍ في العِلم ضروريٍّ، فإننا نستطيع تحديد حوالي ستّة موديلات أخرى من المجازات الشائعة في مختلف الآداب.

    ولكنّ ما هو مُهِمٌّ، ليس هو كَونُ أنه لا يوجد سوى عدد قليل من الموديلات ومن الثيمات المجازية، وإنَّما كون هذهِ الثيمات تتلاءَمُ مع تنويعات شبه لانِهَائية. إنّ القارئ الذي لديه حساسية للشِّعْر، ولكن الذي لا يبالي إِزَاءَ نظرية الشِّعر، يستَطيعُ أنْ يقْرَأ، مثلا: "أتمنّى أن أكون الليلَ"، ثمّ "وَحْشٌ مُكَوَّنٌ من عُيونٍ" أو "النجوم تنظر من عَلِ"، دون أن يتوقّف ثانيةً واحدة كي يلاحِظَ أنّ هذه المجازات تنتمي لِمُوديل واحد متفرِّد. لو كنتُ مُنَظِّراً جرّيئاً (ولكنّي لستُ سوى منظِّر خجول جدّا، وأتقدّم متلمِّساً)، فأني أستطيع التأكيد بأنه لا يوجد سوى حوالي عشرة موديلات-نماذج وبأنّ كل المجازات الأخرى ليست إلاّ تركيبات وتوافيق اعتباطية. معنى هذا الإعلان أنه من بين "عشرة آلاف شيء" في التحديد الصينيّ الشهير، لا نستطيع أن نكتشف سوى ما يَقْرُبُ إثنا عشر تجانسا أو مُؤالَفة أساسيّة. من البدهيّ أنكم تستطيعون اكتشاف أو اختراع تشابهات أخرى يمكن أن تكون، ببساطة، مُفاجِئَة- ولكنّ المفاجَأَة لا تدوم سوى لحظة.

    أُلاَحِظُ أنني نسيتُ مثالا جيدا عن المعادلة بين الحلم والحياة. وما زال ثمة وقتٌ لذكر هذا المثال، الذي أستعيره من الشاعر الأمريكي كومينغس"Cummings. أُقَدِّم لكم الإعتذارات فيما يخصّ البيت الشعريّ الأول، الذي كتبَهُ، بكل تأكيد، رجل شابّ وهو يتحدث مع شباب-لا أستطيع أن أستفيدَ من هذا الامتياز(امتياز أن تكون شابا) وكونيغس" يلعب، هنا، أصول لعب لم يَعُدْ يتَلاَءَمُ مع سِنِّي. ولكن يجب الاستشهاد بالمقطع الشعري في كلّيته. البيت الشعريّ الأول، إذاً، هو: ".وجهُ الإله الرهيبُ، أكثرُ لَمَعاناً مِنْ مِلْعَقَةٍ". وأنا آسف، حقيقةً، من هذه الملعقة، لأننا نحسّ بأن المُؤلِّف كان يفكر، بدايةً، في سيف، وشمعة، وفي الشمس، وفي دِرْع، أو كلّ شيء آخَر يتمّ اعتباره، تاريخياً، لامِعاً، ثمّ قال لنفسه: "لا، على كلّ حالٍ، فأنا إنسانٌ عصريٌّ، إذاً سَأتصدّى لملعقة." فالتَقَطَ ملعقتَهُ. ولكنَّنَا سنُسَامِحُهُ بسبب ما سوف يأتي: "وجهُ الإلهِ الرّهيبُ، أكثرُ لَمَعَاناً مِنْ مِلعقة، تُلخِّصُ صورةَ كلمةٍ قدريّةٍ واحِدةٍ." أعتقدُ أنّ هذا البيت الشعريّ الثاني أَفْضَلُ. وكما قال لي صديقي "مورشيسون" Murchison، فإنّ ملعقةً يمكن أن تجمع كثيراً من الصُّوَرِ. (لم أفكّر فيها، قد كنتُ حائراً بسبب هذه الملعقة- ولم تكن لديّ رغبة كبيرة في أن أُكرِّسَ لها تأملات طويلة.)



    وجهُ الإلهِ الرّهيبُ، أكثرُ لَمَعَاناً من ملعقةٍ،

    تُلخِّصُ صورةَ كلمةٍ قدريّةٍ واحِدةٍ،

    إلى حدّ أنّ وُجُودِي(الذي يتمَتَّعُ بالشمس وبالقمر)

    يُشبِهُ شيئاً لم يُوجَدْ قطّ.



    "يشبه شيئاً لم يُوجَدْ قطّ": هذا البيت الشعريّ يتمتع ببساطة غريبة. إنّ "كومينغس"، وأفضل من الشعراء الأكثر شهرة، "شكسبير" أو "والتر فون دير فوجيلوايد"، يُعيدُ لنا هنا الجوهرَ الحالِم للوجود.

    وفي المجموع لم أقترح إلاّ نزرا قليلا من الأمثلة. وأنا على يقين بأنكم تملكون في ذاكرتكم قدراً من المجازات التي قمتم بتجميعها، بعناية كبيرة- وبأنكم تمنيتم أن تسمعوني وأنا أستحضرها. وفما يخصّني، فأنا أعرف بأنه بعد محاضرتي سيجتاحُنِي الندم حين سأعرف أنّ كثيراً من المجازات الجميلة غابت عنّي. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الشخص أو ذاك من الحضور سينتحي بي جانباً كي يسألني لماذا أغفلتُ هذا المجاز الرائع- فلا أستطيع سوى التمتمة ببعض الاعتذارات.

    وفي اللحظة الراهنة نستطيع المُخاطَرَة بعيداً وذِكْرَ المجازات التي لا تنتمي للموديلات المُكَرَّسَة. ولأنّي تحدثتُ عن القمر، فسوف أذكُرُ مجازا فارسياً قرأتُهُ في كتاب "تاريخ الأدب الفارسي" لِـ"براون" Brown. سنفترضُ أنه يوجد لدى "فريد الدين العطار" أو "عمر الخيام" أو "حافظ" أو أيضا لدى شاعر فارسي كبير آخَر. ومهما يكن هذا الشاعر، فقد سمّى القمر بِـ"مرآة الزمن". ومن وجهة نظر علم الفلك، فإنّ الفكرة التي ترى بأنّ القَمَر هو مرآة تستحقّ ما تستحقّ- ولكن وجهة النظر هذه عديمةُ المنفعة. فأن يكون القمرُ أم لا مرآة ليست له أية أهمية، لأنّ الشِّعر يتوجب عليه أن يتحدّث عن الخيال. فلنتأمّل هذا المجاز إذاً، القمر مرآةُ الزمن. أقول بأنه مجازٌ جميلٌ جِدّا-أولاً لأنّ فكرة المرآة تعبّر جيدا عن وميضِ وهشاشةِ القمر، وثانياً لأنّ فكرة الزمن تجعلنا نكتشفُ بأن هذا القَمَر اللامع جدا الذي ننظر إليه، قديمٌ جدا ومُحمَّلٌ بالشعر وبالأسطورة، وبأنه، أيضاً، قديمٌ قِدَمَ الزمن.

    قلتُ للتوّ "قديمٌ قدم الزمن". هذا يدفعني لذكر بيت شعريّ آخَر- وهو بيت يصعدُ، ربما، إلى ذاكرتكم. لا أتذكّر الشاعر، ولكني وجدتُهُ في إحدى كتب "كيبلينغ"Kipling، الأقلّ شهرة، "من البحر إلى البحر" "From Se to Sea". هذا البيت هو: "مدينةٌ ورديّةٌ وحمراءُ، نصف قديمةٍ قِدَمَ الزَّمَن". كان بمستطاع الشاعر أن يكتب: "مدينةٌ ورديّةٌ وحمراءُ قديمةٌ قِدَمَ الزَّمَن"، ولكن هذا ما كان ليُعطي شيئاً. ولكنّ "نصف قديمة قِدَم الزَّمَن" تُدخِلُ نوعاً من التحديد السحريّ، يمكن مقارنَتُهُ بالتحديد الموجود في الصيغة الغريبة ولكن الرائجة في اللغة الإنجليزية: "أحبك إلى الأبد ويوم". "إلى الأبد" تعيّن وقتا طويلا، ولكنها من المبالغة في التجريد بحيث لا تتحدث إلى الخيال.

    الحيلة الثانية(ولتسامحوني على استخدام هذه الكلمة) تُوجَد في عنوان كتاب شهير "ألف ليلة وليلة". لأنّ "ألف ليلة" تعني ليالٍ عديدة، تحديداً كما تعني كلمة "أربعون" عددا كبيراً في لغة القرن السابع عشر. كتب شكسبير: "حين سيضربُ أربعون خريفا جبهَتَكَ". وأفكر أيضا في تعبير إنجليزي رائج، "أربعون غمزة" التي تدلّ على القيلولة. إذا فلدينا "ألف ليلة وليلة" كما أنه لدينا "المدينةُ الوردية والحمراء" والتحديد الغريب "نصف قديمة قدم الزمن"- وهو، بطبيعة الحال، التحديد الذي يبدو أنه يُمدِّدُ، إذا جاز القول، مُدَّةَ الزَّمَن.

    أعزّائي الأنجلوساكسونيين الذي أعود إليهم(وهو شيء يبدو لكم ضروريا)، يساعدونَنَا على فحص مجازات بعيدة عن الطرق المطروقة. أتذكَّرُ عبارةً وهي كناية تعبّر عن البحر بهذه الطريقة: "طريق الحيتان". أتساءل إذا ما كان هذا الساكسوني المجهول الذي صاغ هذه الكناية كان يعرف في أي نقطة يتواجَدُ فيها. أنا أتساءلُ حول ما إذا كان لديه الإحساس(ولو أنّ هذه النقطة لا تَهُمُّنَا) بأنّ كِبَرَ وسَعَة الحوت يُحِيلُ إلى شساعة البحر وكبره.

    وها هو مجازٌ آخَر، أسكندنافي هذه المرة، بخصوص الدم. الكناية الأقرب للتعبير عن الدم هي "ماء الأفعى". في هذا المجاز تجدون فكرةً (حاضرة أيضا لدى الساكسونيين) وهي أنّ السيفَ كائِنٌ مُؤْذٍ، كائِنٌ يشربُ دَمَ الرجال كَمَا لَوْ كان ماءً.

    من بين مجازات المعارك، تُوجَد بعض المجازات العادية- مثلاً "لقاء الرجال". بالرغم من أنه توجد هنا فكرة ذات أهميّة: فكرة التقاء الرجال كي يَتَقَاتَلُوا(كما لو أنّ لقاء من نوع آخَر لا يمكن تصوره). توجد مجازات أخرى: "تلاقي السيوف"، "رقصة السيوف"، "صدمة الدروع"، "صدمة الخوذات". وكلها موجودةٌ في (نشيد "برونانبوهر"Brunanbuhr البحريّ). وها هو مجازٌ جميلٌ: "لِقَاءُ غَضَبٍ". إنّ ما يعطي القوَّةَ لهذا المجاز، هو أنّ تعبيرَ "اللقاء" يوحي لنا بالرِفَاقيّة والصداقة، وأنّ اتحاد الكلمات يُشَكِّلُ مُفَارَقَةً: لقاءُ غَضَبٍ.

    ولكنّ هذه المجازات، كما يمكن القول، لا تُشَكِّلُ شيئاً إذا لم نُقارِنْهَا بمجاز أسكندنافي جميل جدا(يوجد أيضا في اللغة الإيرلندية). إنه الإشارة إلى المعركة كَـ"نسيج الرّجال". إنّ كلمة نسيج توجد هنا في مكانها، بصفة تثير الإعجاب، لأنها تتطرّق إلى شكل معركة قروسطية(من القرون الوسطى): السيوفُ والدُّرُوعُ وتصادُمُهَا. تَنْضَافُ إلى هذا إشارةٌ كابوسية، إيحاءُ نسيجٍ مُكَوَّن من كائنات بشريّة. "نسيجُ رِجَالٍ" يموتون ويَتَقاتَلُون.

    وبصفة مفاجئة يأتي إلى ذهني مجاز لِـ"كونكورا"Gongora يُذكِّرُ بِـ"نسيج الرِّجَال". إنه يتحدث عن مسافر وَصَل إلى "قرية بربريّة(متوحِّشَة)". وهكذا تَنْسِجُ هذه القرية أو تَجْدِلُ حولَهُ "حَبْلاً من كِلابٍ".



    مِثْلَ حَبْلِ كلابٍ،

    الذي تَنْسِجُهُ عَادَةً

    قريةٌ بربريّةٌ

    حَوْلَ الغريبِ.



    وهكذا، وبغرابة، نجِدُ أمامَنَا نفسَ الصورة: فكرة حَبْلٍ أو نسيج مصنوع من كائنات حيّة. غير أنه، في هذه الحالة حيث يبدو أنه يوجد فيها تَرَادُفٌ، يبدو الاختلافُ بعيداً عن أن يكون غَيْرَ ذِي بَالٍ. حبل كِلاَبٍ، هو تصوُّرٌ مُسْتَهْجَنٌ وبذيءٌ، بينما نَسيجُ الرِّجَال هو واقعٌ رَهيبٌ ومُرِيعٌ.

    وكي أُنْهِي مُحاضَرَتي، فسوف أستعير مجازاً- هو ربّما مُقَارَنَة، ولكنّي لستُ أستاذاً وهذا التمييز(الأستاذية) لا يشغلني- من شاعرٍ منسيٍّ اليومَ، في "بيرون"Byron. يتعلّق الأمر بقصيدةٍ قرأتُهَا أيَّامَ مُراهَقَتِي(يمكن أن تكونوا قرأتُمُوهَا، جميعاً، في وقت مبكّر). ولكن فقط منذ يومين أو ثلاثة أيام اكتشفتُ، بِصفة مُفاجِئَة، بأنّ المجاز موضوع الدراسة هنا بَالِغَ التعقيد. ولم أَكُنْ أبداً، وَلِحَدِّ الساعة، قد اعتبرتُ "بيرون"Byron كمؤلِّفٍ مُعَقَّد بصفة خاصّة. إنها كلماتٌ تعرفونَهَا جميعاً: "هِيَ تتقدّمُ بِشكلٍ رائِعٍ، مِثْلَ الليل."بيت شعريّ من الروعة بحيث يبدو لنا الأمرُ بَدَهِيّاً. فيأتينا الاعتقاد "أنّنا كنا نستطيع كتابَتَهُ ، لو أننا تحمَّلْنَا مَشَاقَّ ذلك." ولكنّ "بيرون" Byron وحدَهُ تحمَّلَ عناء كتابَتِهِ.

    أَصِلُ إلى التعقيد الخفيّ والسريّ لهذا البيت الشعريّ. وعلى أيٍّ، فأنا لا أُشكِّكُ في أنكم اكتشفتُمْ ما سوف أكشفه لكم(أَلَيْسَ هَذَا دائماً ما يحدُثُ حين يتمّ إعلامنا بوجود مفاجأة أو حين نقرأُ رواية بوليسية؟). "هي تتقدَّمُ بِشَكْلٍ رائِعٍ، مِثْلَ الليلِ.": فأوّلاً، نحنُ أمام امرأة فاتنة، ثم نَعْلَمُ أنها تتمشَّى. "بشكلٍ رَائِعٍ"، ، وهو مَا يُذكِّرُنَا بالتعبير الفرنسيّ، حين نقول لامرأة: "أنتِ تَبْدِينَ جميلةً أكثَرَ من العادة"، هذه المرأة، هذه السيّدة الفاتنة يتمّ مقارَنَتُهَا بالليل. ولكن، ودون شك، وكي نفْهَمَ هذا البيت الشعريّ، فعلَيْنَا أن نُفَكِّرَ في الليل كامرأة. وإلاّ فإنّ البيتَ الشِعريَّ يفْقِدُ معنَاهُ. وهكذا فإننا نتوفّر في هذه الكلمات البسيطة جدا على مجاز مُزدَوِج: مقارنة المرأة بالليل، ولكن أيضا الليل مُقَارَناً بالمرأة. أنا لا أعرف، وهذا لا يهمّ، إن كان "بيرون" Byron قد تفطَّن لِهَذَا. أعتقدُ أنّ هذا البيتَ الشعريّ لن يكون بهذه الجَودة، لو أنّ الشاعر تفطَّن لِهَذا. وربما، وقبل أن يموت، يكون، في الحقيقة، قد فهِمَهُ أو أنَّ شخْصاً مَا قد لَفتَ انتباهه حول هذه النقطة.

    ما هي، إذاً، الخلاصات التي نستطيع أن نقدِّمَها في نهاية هذه المحاضرة؟ أرى خُلاَصَتَيْن رئيسيَتَيْن. الأولى، وهي أنه، بالتأكيد، حتى لو استطعنا العثور على مئات أو على آلاف المجازات، فإنه يمكن اختزالُهَا، في مجموعها، إلى عدد قليل من الموديلات أو من الموتيفات البسيطة. وهذا ما كان ليُحزِنَنَا أو يُؤثِّرَ فينا، لأنّ كلَّ مجاز مختلفٌ؛ فكلّ مرة استوحينا فيها موديلاً، فإننا نقوم بتنويع مختلف. والخلاصة الثانية، هي أنه توجد بعض المجازات-مثلاً، "نسيج الرّجال"، "طريق الحيتان"- التي لا تنتمي لِموديلاتٍ مُحدَّدَة بشكل واضح.

    لهذا السبب فأنا أعتقد، حتى بعد الانتهاء من محاضرتي، بأنّ الآفاق والمنظورات التي تنفتح أمام المجاز، هي بالأحرى جيدةٌ. وفي الواقع، إذا ما رغبنا في هذا، فإنّه من الجائز والمُبَاح لنا أن نَبْذُلَ قُصَارَى جُهُودِنَا لاقتراح تنويعات جديدة على الثيمات الكبيرة. إن هذه التنويعات يمكن أن تكون جميلة جدا، ووحدها الانتقادات النادرة، من نوع انتقاداتي، من يأخذ عِبْءَ مُعَارَضَتِها: "في هذه النقطة، نجد من جديد العيون والنجوم، وهنا نجد مرّة أخرى الزمن والنَّهْر..." إنّ المجازات تُلْفِتُ انتباه الخيال بشكل دائم. ولكننا نستطيع أيضاً امتلاك حظّ اختراع- ولماذا نَحْرِمُ أنفسَنَا من هذا الأمل؟- أقول اختراع مجازات جديدة لا تنضوي تحت لواء الأصناف المعروفة. غير المعروفة في هذه اللحظة على الأقلّ.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2009, 08:43 PM

rosemen osman
<arosemen osman
تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 2916

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شبهة الشعر فيها (Re: Kabar)

    (لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه الف صديق بأنه زنديق)...الجنيد

    فهنيئا للكتابة التى طرحتكم ورقا

    الكتابة التى يصفق لها الجميع يعنى أنها مألوفة ..لم تأتي بالجديد ..وليس بقادرة على تفجير التساؤلات أو احداث التغيير

    ما من كتابة تأتي من فراغ أو يمكن وصفها بالترهات , الكتابة هي عصارة الروح فلا تكترثوا بالمحاكم التي تنصب للنص لأن حريق النص انما هو طريق للخلود

    اكتبوا (أنتم ) وحتما ان لم نجد قراءتكم ستجيدها الأجيال القادمة ...فقط اكتبوا

    الف مبروك الأصدارة وبالتوفيق
    والتحايا للجميع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2009, 09:58 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الشبهة التي فيها شعر (Re: rosemen osman)

    Quote: كنت أبحث عن هذه الكتابة منذ فترة, وهي جزئية من سلسلة محاضرات لبورخيس , جمعت في كتاب " فن الشعر "
    حتى عثرت عليها في إحدى مداخلات مأمون ببوست آخر

    أنقلها للمزيد من القراءة

    يعني معقول انا عشان افهم هذه الاحبولة التي بالاعلى اقعد اجتهد عشان ابحث عن المجاز في كتابات بورخيس القتيهو ده؟؟
    مرة تقولو شعر شبهة شعر ومرة تقولو نثر ومرة ماتقولو..
    من الواضح انو مافي زول فاهم النهلة دي عبارة عن شنو ناهيك عن هي بتتكلم عن شنو..


    فمتى توصد هذه النهلة ابوابها..






    روثمين
    اتحداك كان فاهمة شي..
    اهو مجاملتك دي توسل منك عشان تكوني جزء من مشروع شعراء هذا الجدار العالي..
    استغرب كيف لم تضاف هذه النهلة الى مقرر الرياضيات البحتة..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2009, 10:13 PM

سيف النصر محي الدين محمد أحمد

تاريخ التسجيل: 12-04-2011
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الشبهة التي فيها شعر (Re: DKEEN)

    Quote: هل يواصل القارئ قراءة هذه القصيدة الى أن يفهمها؟ إذا كان الجواب إيجاباً فهذا يعني أنّه قارئ حقيقي للشعر، وصديقٌ له. وإذا كان سلباً، فذلك يعني أنه قارئ لا يحتاج عمقياً للشعر، وأن الشعر هو كذلك لا يحتاج اليه.

    في كل حالٍ، واحتراماً للمعرفة وللفن، لا يحق للقارئ أن يفترضَ استيعابَ قصيدةٍ من قراءةٍ أولى أنفق فيها من وقتهِ عشر دقائق أو عشرين دقيقة، وأمضى الشاعر في كتابتهما وقتاً طويلاً، أسابيعَ أو شهوراً، وضمّنها خلاصةً عن بعض حدوسه، وعن رؤيته للعالم والإنسانِ والأشياء. وقبل كل شيء، لا يحق لأي قارئ أن ينطلق في قراءته الشعر أو الفكر من يقينه أنه قادرٌ على فهم كل شيءٍ فهماً مباشراً، كاملاً وكليّاً. فمثل هذا القارئ لا يحتاج الى قراءة أي شيء.
    ادونيس.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2009, 10:38 PM

rosemen osman
<arosemen osman
تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 2916

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الشبهة التي فيها شعر (Re: DKEEN)

    Quote: روثمين
    .


    الأستاذ/ دكين
    روزمين ..الا اذا تعمدت الأخرى وتلك ليست بالمرة الأولي التي تذكر فيها اسمي بتلك الطريقة ان لم أكن مخطئة

    Quote: اتحداك كان فاهمة شي..


    عذرا..لست هنا لأتحدي الآخرين فى مقدراتي الأدراكية لقراءة نص ما ..فكل نص هو بوابة مختلفة نعبر منها الى عوالم تخصنا ..
    لو رجعت بي السنون ( 20 سنة) ربما كنت سأتحداك
    Quote: اهو مجاملتك دي توسل منك عشان تكوني جزء من مشروع شعراء هذا الجدار العالي..

    للأسف لي مشروعي الخاص والمدرسة التي أنتمي لها ..بل وأزيدك أني لم أكتف بذلك بل شرعت فى نحت ورسم ملامح مدرسة خاصة بي ..

    ويبدو أنه عالٍ بالنسبة اليك فأنا لا أراه الا مدرسة مختلفة عن مدرستي ..أستلذ بالأطلاع عليها وسبر أغوارها كما أستلذ بلوحة جميلة أو لحن وكما يستلذ البعض بأعمالي ..

    (تسول منك)..سأتجاوزها لأن لا رغبة لي فى الخوض فى تجاوزات شخصية أو الأستجابة للأستفزاز

    Quote: استغرب كيف لم تضاف هذه النهلة الى مقرر الرياضيات البحتة..

    عفوا ..هذا جزء لا يخصني

    شكرا ...
    ومبروك

    (عدل بواسطة rosemen osman on 26-02-2009, 10:59 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 05:54 AM

هاشم الحسن

تاريخ التسجيل: 07-04-2004
مجموع المشاركات: 1936

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الشبهة التي فيها شعر (Re: rosemen osman)

    العزيزة نهال
    شكراً جزيلاً على البوست
    و شكراً لكل الذين أغنوه بالمفاكرات المفيدة، توافقاً أو تعارضاً مبصرين.
    و الشكر أشد وأقوى لشباب النهلة و شاباتها الذين ألقوا إلينا في بحر تلقينا الراكد هذا بنيازك الإبداع فامتلأت بهم أشرعة إبحارناإلى عوالم من شعرية متجددة لم تكن لتخطر على البال و قد استطالت قيلولته.
    بوست متعـــــــــــــة، و لا يثلم من حد النشوة به ما جرى فيه من تنافر الرأي، كما لا ينتقص ذلك من شاعرية محمد صادق الحاج كـخيميائي لغة باتع و ساحر مجازات فنان و إن لم نعجب بنصه المثبت في أول البوست. إذ ربما، و بفضل قراءة في نصوص أخرى له، ربما لم يكن هذا النص بأفضل نماذجه التي كان يمكن أن تعرض كمدخل إليه، هذا على الأقل بالنسبة لي، (و أقول "أفضل " نص و ليس "أوضح" أو "أسهل" أو النص "الأقرب إلى تناولي"). و بالطبع فقد تأتت لي هذه المقارنة، بفضل من نهال ومأمون، لأنني قرات نصوصاً له أخرى فاخرة المبنى و باذخة المعنى و منجزة على خير من هذا النص المعني بأعلا البوست و الذي أسلفت عمّا رأيته من خلل فيه آنفاً.
    نعم يا نهال، و ممنون، قرأت و اندهشت بكثير من النصوص التي أضفتماها هنا و هناك، أنت و الأخ التلب. نصوص لمحمد الحاج و لأخوة و أخوات النهلة كلهم أو جلّهم. وجدتها و بلا أدنى ريبة أو إدِّعاء، كتابة مفارقة، و نصوصاً واثقة محتفية بإختلافها الجذري عن السائد من شعرية و شاعرية، مستغنية عن ذلك بالكلية و أبداً غير قانعة بالحدود التي رسمها ما سبق من المنجز الإبداعي الذي لا يزال يشكل غالب ذوقنا في الإبداع و التلقي. كتابة ذاخرة بلغة شديدة التحفز، ثرية اللفظ، حفية بالنحو، و متوترة بالبلاغة حد الإنطلاق الخطر إلى أوهى احتمالات و أقاصي استحالات المعنى!!!
    أهي نصوص متحدية؟ نعم.. و مستفزة كمان! معاها حق و الله، بما هي مكرسة للاختلاف، و تماماً كما يليق بالإبداع أن يتعلق بالتجاوز، و أيضاً بما هي منذورة للكرازة بهذا التجاوز الدائم. ليس ضرورة أن يكون تجاوزاً إلينا و لكنه حتماً يتجاوز بنا إلى ما وراء أقطار العادي المعتاد والمكرور...

    و شكراً تاني يا مأمون التلب ونهال كرار على محاضرة (بورخيس) عن المجاز.
    فها هي تتآزر على (حقارتك بالمجاز) بمبادرة محسن خالد السالفة، فترفع المجاز موفوراً من وحل (الاحتقار) إلى بهاء العرش كما يليق بعنقاء بروميثيسية. يموت الملك (المجاز) ليعيش الملك (المجاز)... و هكذا قال بورخيس: يموت مجاز و يحيا مجاز!
    المجازالقديم يحترق بالتجاوز، و فقط لينهض مجاز جديد من رماد اللغة، بالإبداع.
    مجاز ميت ـ مجاز حي ـ مجاز ميت
    ميت ـ حي ـ ميت
    حي ـ ليموت ـ ليحيا
    يموت المجاز واقفاً بكامل الشرف الملكي، يمد عنقه فيقتله الغاوون و الغواة قرباناً للتجاوز
    ثم ينهض المجاز بالإبداع إلى عرشه، يبعثه الغاوون و المغويون بإكسير من مستحلب غواية اللغة
    يموت المجاز لتحيا اللغة في مجاز جديد
    و يحيا المجاز فلا تموت اللغة في ركودها
    و يموت و يحيا و يمنح المجاز نفسه للتجاوز
    و لكنه الملك قيوم فنون اللغة... فلا يحتقر.

    و كتبت الدكتورة روزمين عثمان
    Quote: الكتابة التى يصفق لها الجميع يعنى أنها مألوفة ..لم تأتي بالجديد ..وليس بقادرة على تفجير التساؤلات أو احداث التغيير
    صدقت روزمين و رب الكتابة... قول صائب و علينا أن نستهدي به في كبد تلقينا، كما عليها أن تستفيد منه في مشروعها الشعري فلا تبارح حكمته... لأنه و فعلاً ، أبوخ القصائد هي التي يصفق لها الجميع، أو جلّهم، أو تلك التي تفترض في نفسها إنها خطاب "تغيير" كما قد تدعيه جامعة أو حزب أو جيش أو مظاهرة أو مستبد عادل. على القصيدة أن تكونها وكفى... هكذا حدست... و حدثتني نفسي الأمارة بكره الخطابة و المباشرة في الشعر.
    و لأن النصوص ينابيع تغوينا بالنهل منها حتى و لو أجهدنا أن أوصدت النهلة أزرقها عن تطفلنا أو وقف لنا ذاك النص المفتتح بالوصيد فشكركم واجب علينا مستحق لكم يا نهال و يا كل من رفدتم هذا البوست بالمفاتيح.

    (عدل بواسطة هاشم الحسن on 27-02-2009, 06:16 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 08:30 AM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


جالليلو بثبت في كروية الارض وناس دكين وكهنة البلاط بكفرو فيهو!!!!! (Re: rosemen osman)

    Quote: (لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه الف صديق بأنه زنديق)...الجنيد
    هل تعتقدي انو مناسب انك تقحمي هذه المقاربة الصوفية لشرعنة نصوص في الغالب هي شغل ادبي؟؟

    ما من كتابة تأتي من فراغ أو يمكن وصفها بالترهات , الكتابة هي عصارة الروح فلا تكترثوا بالمحاكم التي تنصب للنص لأن حريق النص انما هو طريق للخلود
    دي ما محاكم ولسنا في حالة ردة معرفية زي ما بقولو ...
    ببساطة هذه اللغة غير مفهومة..انتي ذاتك هسي مافاهمة شي ..
    ولكن لانو بتظني انو أي شي ما فهمتيهو فهو شي فايت تفكيرك وقدرتك على الفهم ..وبتقومي ترمهيو لي جيل قادم يفهمو.
    اناالكلام الاتقال ده مابفوت قدرتي على الفهم ..
    وفهمت انو كلام ساي جمل وتراكيب ُمشكلة بتتقري من أي سطر بديتي بيهو افقيا او راسيا او باتجاه الاركان..

    Quote: اكتبوا (أنتم ) وحتما ان لم نجد قراءتكم ستجيدها الأجيال القادمة ...فقط اكتبوا

    جالليلو بثبت في كروية الارض وناس دكين وكهنة البلاط بكفرو فيهو!!!!!
    شوف بلاي مستوى الاستسلام في عبارة (ان نجد قراتكم ستجيدها الاجيال القادمة)..
    يعني هسي بدل تقولي ليهم فهمونا انو بتكتبو في شنو؟
    تقولي ليهم الانا مافهمتو بفهمو الجيل الجاي..
    وده بس لانو حشرو ليك بورخيس وماعارف بيرون وكونكورا و العجكول واسماء مامعروف هي لكتاب او مسميات لظواهر طبيعية، قمتي قتي الشباب ديلا اكيد ما بكتبو من فراغ طالما جابو كمية الاسامي دي..
    قمتي انتي جيتي ناطة بي الجنيد والمقاربة بتاعتك التي لاتستقيم مع حال هذا الكلام...
    ياروزمين مافي زول قال لي اصحابك ديل انتا زنديق او مجدف..ياخي الناس دي قالت مافاهمة وعلى اقسى الفروض قالت ده كلام ساي..
    شنو زنديق وومحاكم بتاعتك دي ..وكاننا كهنة ..
    تعالي بعد يومين قولي ده صراح بين اهل الظاهر والباطن زي الصراع الكان داير بين قاضي العدالة دشين والشيخ الهميم؟؟
    اقعدو طورا في مستوى استفهامنا عن ماهية الكلام ده من صفة انتا "زول ساي " لحدي ما تمرقونا من الملة!!!

    وانتي ذاتك هسي قتي ما فاهمة ..
    يعني دي زندقة منك ولاكيف؟؟
    الشي المافهمتي وليس منزلا قولي مافهمتو واطبي والشرح
    وبطلي تعايني لي ماحول الكتابة ثم تحكمي على الكتابة..


    الكلام ده واضح انو ما مفهوم وغامض وضبابي..
    والاسماء الاجنبية الجات هنا متوسلين بيها شرح الغامض والمجاز وماعارف الغايب والغيبي إضافة الى كل هذه النصوص التي بالاعلى دي كلها ماهي إلادلالات على غموض الكتابة الاوصدت كل شي دي..





    روزمين
    عايني لي ماسورة اللستر وافرزي الناس موش تعاين لي الناس وتفرزي ماسورة اللستر ..


    ــــــــــــــــــــــــــــ
    الرياضيات البحتة ديك فعلا لم تكن تخصك وانما تخص النهلة عموم
    بس مافضيت سطر قامت تبعت الكلام الموجه ليك..


    شكرا
    ومبروكين
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 10:48 AM

rosemen osman
<arosemen osman
تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 2916

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: جالليلو بثبت في كروية الارض وناس دكين وكهنة البلاط بكفرو فيهو!!!!! (Re: DKEEN)

    i like it and believe on it
    you didn't
    nothing to fight about
    and no one have the rights to obligate others to change their feelings,
    or beliefs.

    that is all

    kind regards

    (عدل بواسطة rosemen osman on 27-02-2009, 11:24 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 06:55 PM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 16392

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: جالليلو بثبت في كروية الارض وناس دكين وكهنة البلاط بكفرو فيهو!!!!! (Re: rosemen osman)

    Quote: مرة تقولو شعر شبهة شعر ومرة تقولو نثر ومرة ماتقولو..
    من الواضح انو مافي زول فاهم النهلة دي عبارة عن شنو ناهيك عن هي بتتكلم عن شنو..


    دكين.. حبابك يا صديق

    الظاهر انو فكرة (شبهة الشعر) التي قلت بها سابقا.. احدثت بعض الخلط..و لتصحيح ذلك.. الكلام الذي علقت عليه سابقا هو شعر..و في الشعر قصيدة نثر..اما مسألة اتفق مع هذا التكنيك في كتابة الشعر ام لأ.. فهذه مسألة اخرى تماما..

    لم اقرأ الكتاب كله..و الكتاب لا يحاكم نقديا بجزء منه.. لأنه سياق و كل..و لكن فكرة ان الكلام فيه غير مفهوم.. فلا اظن ذلك..الجزئية التي تحدثت عنها في كلامي السابق (ولا ادري هل النص مضمن في الكتاب المنشور ام لأ)..ازعم اني فهمت فيها بعض المفاتيح و ذكرتها سابقا في مداخلتي الفائتة..تحديدا مفاهيم مثل (الحردة العامة).. الموت.. الغربة.. فكرة الرقيب.. و الإنتماء..و ازعم انها مضامين موجودة فعلا..و يمكن أن نقيم علاقات منطق بين جزئياتها و من ثمة تكون قابلة للتفسير مثلها و مثل أي كلام اخر.. اذن ما هو غير المفهوم بالضبط؟

    حينما نزل القرآن في البداية احرج العرب..مع انو نزل بلغتهم..و كان الحرج في تكييف هويته.. هل هو شعر أم شئ اخر..و بمرور الزمن و تطورات الخبرات البشرية.. تم التعارف على أن النص المقدس ليس بشعر..و الجزئية منه تسمى آية..و ليس بيت شعر أو فقرة شعرية..

    اخونا مامون التلب.. اجتهد كثيرا..و فهمه الخاص ليس بالضرورة ملزم للآخرين من القراء و القارئات..و المحك طالما هو يرى انه ليس بشعر (و هو مناقض تماما لكلام محمد الصادق الحاج في حواره مع عيسى الحلو المنشور هنا..و الذي ذهب فيه لتمجيد قصيدة النثر) فعليه أن يجترح مفهوما جديدا لتحديد هوية مثل تلك النصوص..و عليه أن يوطن هذا المفهوم حتى يتعود عليه الناس..و حتى ذلك الحين يظل الكلام هو قصيدة نثر..و تنطبق عليها عناصر قصيدة النثر التي تم توطينها منذ زمن بعيد..يعني فكرة (الكتابة الجديدة) دي تب ماها لافقه.. لأنو الكتابة ممكن تكون شعر.. رواية..قصة قصيرة.. سناريو (مسرح/سنما/دراما تلفزيونية..الخ)..مقال صحفي.زمقال فكري.زمقال فلسفي..الخ.. فلمن يتم تعميمها هكذا..فبتكون زي المجهول (س) بتاع الرياضيات و أي قيمة ممكن تحقق افتراضا..

    للمرة الثانية.. الشعر لا يحتاج حارسا يقف في بابه (غلاف الكتاب) ليقول هذا شعر..أم لأ شعر..
    و ياهو زي ما شايف.. فكرة (احتقار المجاز) اتنفست تماما..و برضو فكرة اللا شعرية ممكن تتنفس زي الماحصل شئ..

    الفكرة بالنسبة لي بسيطة.. طالما هناك انسان اعلن التحدي..و قال ياهو انا كتبت و دي كتابتي.. فلابد أن يكون هناك انسان (قارئ مثلا) و يقبل التحدي ..و يقول ليهو يا هو أنا قريت و فهمت كتابتك..لأن الوسيط المشترك هو اللغة و تراكمات تجارب المجتمع البشري..و هي متاحة للكاتب لإعادة انتاجها (التكوين الثاني على قول محسن خالد)و ليس هناك فكرة خلق جديدة.. حتى لو كان استنساخ كائن بشري عدييل..

    و نشوفكم..

    كبر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 11:10 PM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: جالليلو بثبت في كروية الارض وناس دكين وكهنة البلاط بكفرو فيهو!!!!! (Re: Kabar)

    Quote: اخونا مامون التلب.. اجتهد كثيراً، و فهمه الخاص ليس بالضرورة ملزماً للآخرين من القراء و القارئات..و المحك ما دام هو يرى أنه ليس بشعر (و هو مناقض تماما لكلام محمد الصادق الحاج في حواره مع عيسى الحلو المنشور هنا، و الذي ذهب فيه لتمجيد قصيدة النثر) فعليه أن يجترح مفهوما جديدا لتحديد هوية مثل تلك النصوص. و عليه أن يُوطِّن هذا المفهوم حتى يتعوَّد عليه الناس، و حتى ذلك الحين يظل الكلام هو قصيدة نثر، و تنطبق عليها عناصر قصيدة النثر التي تم توطينها منذ زمن بعيد. يعني فكرة (الكتابة الجديدة) دي تب ماها لافقه. لأنو الكتابة ممكن تكون شعر.. رواية.. قصة قصيرة.. سيناريو (مسرح/ سينما/ دراما تلفزيونية.. مقال صحفي.. مقال فكري.. مقال فلسفي،.. إلخ. فلمن يتم تعميمها هكذا.. فبتكون زي المجهول (س) بتاع الرياضيات وأية قيمة يمكن أن تحقق افتراضها..
    Kabbar

    nice shot ya Kabbar, it's really a nice shot in this post and I'm so happy with it

    ----------
    I hope you are doing well my friend
    **
    I did a little bit editing in my quotation, because this paragraph is very.. very important to me
    if you don't like my editing Kabbar I will change it to the typical way you wrote in
    I liked this man

    -------
    sorry for using english
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 09:58 PM

نهال كرار

تاريخ التسجيل: 16-01-2005
مجموع المشاركات: 3335

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)

    يغضبني دائما صمت كاتب/ة البوست عندما يوجه أحدهم إهانة لأحد المتداخلين/ات, بعضهم يتعامى عن الرؤية والبعض يكتفي بكلمات مثل ( باركوها يا إخوان ) حتى لا يعرض نفسه للحرج.
    ______________


    لا تملك يا دكين حق الوصاية على أحد. ولا أسمح بأن تهين زميل او زميلة في بوست افترعته.
    ولا أقبل السخرية من الآخر والعبث بإسم أي متداخل. أرجو التكرم بتعديل مداخلتك أعلاه وتعديل إسم الأخت روزمين.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 10:36 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)

    مساء الخير يا نهال

    اسم روزمين انا لامن كتبتو روثمين لم اكن اقصد اي اهانة
    ولا تشير دلالات الاسم المعدل الى اي اهانة فكلمة روثمين دي لايمكن تفسيرها على انها اهانة اللهم إلا اذا دخلتوها في المجازات بتاعتكم دي
    ولامن قالت اسمي روزمين انا كتبتو روزمين ولم اتمادى في الاسم القديم مع انو الاسم القديم انا لامن كتبتو ما كنتا قايلو إشكال لغوي..
    وما جا في بالي انو مهين ومسخرة..
    ومسالة اني ارجع اعدل الاسم دي ما بسويها لمجرد انو جرى في ظنك انها اهانة ..
    ان%C
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 10:36 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: " النهلة توصد أزرقها " (Re: نهال كرار)

    مساء الخير يا نهال

    اسم روزمين انا لامن كتبتو روثمين لم اكن اقصد اي اهانة
    ولا تشير دلالات الاسم المعدل الى اي اهانة فكلمة روثمين دي لايمكن تفسيرها على انها اهانة اللهم إلا اذا دخلتوها في المجازات بتاعتكم دي
    ولامن قالت اسمي روزمين انا كتبتو روزمين ولم اتمادى في الاسم القديم مع انو الاسم القديم انا لامن كتبتو ما كنتا قايلو إشكال لغوي..
    وما جا في بالي انو مهين ومسخرة..
    ومسالة اني ارجع اعدل الاسم دي ما بسويها لمجرد انو جرى في ظنك انها اهانة ..
    ان%C
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-02-2009, 10:55 PM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الظنون (Re: نهال كرار)

    مساء الخير يا نهال

    اسم روزمين انا لامن كتبتو روثمين لم اكن اقصد اي اهانة
    ولا تشير دلالات الاسم المعدل الى اي اهانة فكلمة روثمين دي لايمكن تفسيرها على انها اهانة اللهم إلا اذا دخلتوها في المجازات بتاعتكم دي
    ولامن قالت اسمي روزمين انا كتبتو روزمين ولم اتمادى في الاسم القديم مع انو الاسم القديم انا لامن كتبتو ما كنتا قايلو إشكال لغوي..
    وما جا في بالي انو مهين ومسخرة..
    ومسالة اني ارجع اعدل الاسم دي ما بسويها لمجرد انو جرى في ظنك انها اهانة ..
    انا ما براجع حاجاتي عشان بينات ظنية ساي ..
    وتاكدي اليوم الالقى انو دلالات الاسم الاتقال فيها اي اهانة بعدلو..
    انا لم اسخر من اسم احد ..ولا اقبل منك انك تظني اني اسخر او اعبث من اسم احد اوالمتداخلين..
    لامن احب اسخر من زول بسخر منو بصورة لا بتغباهو ولا بتغبى السادة القراء ..

    هسي ساي ختيتي في ظن بت الناس اني بسخر منها وانا لم اسخر ..والبت هسي بتكون شالت مني وانا من سوء ظنك براء..
    حاولي اعتذري لي لو قدرتي..قد اقبل اعتذارك بكل اريحية..


    مسالة اني املك او لا املك حق الوصاية على احد دي كتيرة منك..
    انا املك حق الوصاية..
    وحق الوصاية حق كفلو لي القانون السوداني وقوانين اخرى ذات صلة..
    ومسالة انك لاتسمحي باني اهين زميل في بوست انتي افترعتيهو..
    انتي لاتسمحي ده شي حقك وانتي حرة فيهو ..بس مسالة اني اهين زول في بوست حقك دي مسالة بتعتمد على مداخلات الزول ..
    الزول ذاتو قد لايسمح خليك من انتي ست البوست..
    السماح او عدم السماح عموما ليست اشياء مؤثرة في الرد..
    انا ممكن ارد بغض النظر عن من سمح او من لم يسمح..

    السماح لغة هو: الصفح
    واصطلاحا في لغة اهل السودان : انو الزول يقبل الشي..
    والزول الانتا بتكون عايز تسخر منو في اغلب الاحيان بكون اصلا ماقبلان ومع ذلك انتا بتختها ليهو..
    وانتا اصلا بتسخر منو لانو هو ماقبلان ولذلك بتبقى سخرية
    لانو لو اصلا قبلا ..بتكون هظار ساي..



    هسي انا ماقبلان سوء ظنك فيني ده
    فهل تقبلي انك تزحي كلامك الماسمح ده؟؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2009, 00:02 AM

محمد عبدالغنى سابل

تاريخ التسجيل: 16-08-2007
مجموع المشاركات: 690

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


نهال (Re: DKEEN)




    نهال
    سلامات


    ما كل هذا
    أنه محمد الصادق الحاج

    ماذأ يعرفون هولاء عن النقد المعرفى(بكل اشكاله)؟؟؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2009, 08:29 AM

DKEEN
<aDKEEN
تاريخ التسجيل: 30-11-2002
مجموع المشاركات: 6771

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: نهال (Re: محمد عبدالغنى سابل)

    Quote: ماذأ يعرفون هولاء عن النقد المعرفى(بكل اشكاله)

    يازول عرفتك انشالله تتبارك ليك..

    اهي باينة في نضميك بواحدة من اشكاله..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2009, 10:53 PM

محمد عبدالغنى سابل

تاريخ التسجيل: 16-08-2007
مجموع المشاركات: 690

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: نهال (Re: DKEEN)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-03-2009, 07:20 PM

هاشم الحسن

تاريخ التسجيل: 07-04-2004
مجموع المشاركات: 1936

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


النهلة إلى فيوضها... أو حتى لا يسبل الفتى على أساه بنا فيهلك! (Re: محمد عبدالغنى سابل)

    محمد عبد الغني سابل،
    كيف امسيت؟
    مهلاً، و رحماك و حنانيك يا رجل
    ألا منك كنزر أو أقل مما كالذي جادت به علينا النهلة أو نهال؟
    بَسْ كمان، شكراً ياخي على الروابط،
    قهوجت بها صباحي عليم الله...
    و ها، حتى لا ينتحر علينا بك قنوطك منّا
    أهديك و أنفسنا و ذرارينا و ذراريهم
    بعض فيوض نهلة محمد صادق الحاج
    حفاوة، عليّ،
    من هاتيك القِبَل.


    و قد كان أن...
    انغلق النص الذي بوصيد البوست
    و لا يزال يعلّني بعلله!
    غير أنه،
    و رب هذا الصباح
    بارئ القهوة
    بنّها و الزنجبيل
    و العبق و مزاجي
    و مسخِّرك يا محمدنا في السبل!
    إن ود الحاج،
    لفي زمر سادة القلم المحسنين. هـ.
    و الحمد و الشكر، منذ يوم ابتدعوا البدع فلا تفنى،
    لرب الكتابة و للكاتبيها
    و لحَدْرَت طاقيتك كمان،
    بما كِدنا نطيحها عليك أسىً لولا أن تجمّل لنا الأزرق.
    ــــــــ
    ما سأنقله تالياً،
    (تركت الحوار لرابطه أبى أن ينفك عنها)
    و فيما عدا (من حيث أورهان) يجوز فيه القول و القولان و الأقوال أو القوالات..
    فأنه شعر....
    أو قل هو الشعر...

    ـــــــ
    و من كل بدٍ، فنحمدك يا سابل الستر المغني على كل حال.
    ــــــ
    كل ما يلي فهو من روابط سابل، استنكف أن يفكها أو هو يضن بها على السابلة.
    و يا نهال و مأمون و سابل، لو المنقولات التالية دي فوقا حاجة، كلمونا بالله، أنّمسحا!


    ـــــــ*******ـــــــ


    رِيَاضِيَّاتٌ سُبْحَانِيَّة

    محمد الصادق الحاج



    الكتابُ وحدَه!. أعني...
    أنا والتناقض،
    الله والمصادفات،
    الأشياءُ وما بينَها من علاقاتٍ تكامليةٍ نتوسَّمها في الأُخُوَّةِ والدَّمِ واللُّغة.
    الكِتَابُ أيضاً،
    المنتصب،
    المهجورْ،
    الذي كافياً لم يَعُدْ،
    الكِتَاب!!.
    ......................
    إلى المقَصَّاتِ الآدميَّةِ المؤلمة
    تنتظرني خارجَ الإثم.


    (1)


    انتهيتُ؛ اْنتهيتْ!. انتهيتْ؟...لا!، سئمتُ من تصفُّحِ نُسَخِ الأرضِ والسماءِ المكوَّمةِ داخل خزانةِ الكتب الصغيرة، لكن لم أنهض عن المقعد ذي الحبال البلاستيكيةِ المرتخيةِ مدفوعاً بالسأم، بل (أفعى، دُقَّ ذيلُها بوتدٍ إلى تراب القلم الأعلى؛ قانونٌ غامضٌ مَثُلَ بين كتفيَّ واْنْغَزَّ في عنقي متدلِّياً قرداً من سدرةِ الخيال)، هو الذي اْنتهى بي إلى ما أقوم به الآن؛ هو الذي اْقتلعني من مقعدي وأَرْجَحَني مَلِيَّاً في نماءٍ غامرٍ من فتنةِ السرطان الرهيبة؛ من الجبروت اللطيف القاسي لِعَيْنِ المنوِّم؛ من كَرَمِ المتواليات الهندسيّةِ الشريرةِ الباهرة؛ من جمالٍ مروِّعٍ يتعضَّى في هيكلِ الجنينِ الآثِم؛ قَضَى بالوصالِ غاصباً حاجتَهُ واْنطفأ، فهويتُ أعوي، نذيراً إلكترونياً عنيداً لا يَسَعُ أحداً إبطالُهُ، ونزوعٌ حيوانيٌّ شفَّافٌ يحدو بي لأن أنكبَّ على دفترٍ فارغٍ فلا أتركه إلاَّ وقد سمَّمْتُهُ عن آخر نأمةٍ تُصْدِرُها سطورُه بكتابةٍ ما.


    (2)


    لا عَنْ عصافيرِ جُزْءِ عَمَّ!. لا عن ضفائر الإنجيل!. لا عَن أبادماك وصورةِ القوةِ في مرآةِ التحوُّلِ الحيوانيّ!. لا عن الإحداثيات المريضةِ في خُلُقِ العدم وعُلُوِّ لحظتها الدراميةِ يومَ اْنكَشَفَت مَبَاذِلُها قائحةً أمام العناكب!. لا عن القراباتِ وأنظمةِ الدمِ التراثيَّة!. لا عن استعمالِ الغيبوبةِ للكشفِ عن قوانينَ تحليليةٍ مستحيلةٍ لترويضِ ديناميكا القَدَر!. لا عن الإرتباطِ الحيِّ بين الوحدات النفسيةِ المتجانسةِ في الأشياءِ والكائنات!. لا عن تعاونيَّات الصداقةِ والمهدِ البصريِّ، البشريِّ؟، الذي في كَنَفِه تَنشأ علاقات الضرورة!. لا عن مدائنِ المقدارِ المَطْوِيَّةِ في مِحَايَةِ سورةِ الحجّ!. لا عن ظهور الواحد في الصِّفرِ زاعماً أنه حَدِّاد الأقاليم!. لا عن الكنزِ كيفما، حيثما، هو كان!. حتَّى... ولا عن ما يمكنُ لبصقةٍ أن تخفيه من علومٍ وتقاليد...


    (3)


    ربَّما...، عن قمرِ الرَّسَّامين الفريدِ ومنازلِهِ الحائرة. عن خيبةِ اللُّوغاريثم. عن أيونات المعنى مصعوقةً من نظرةِ الأحوالِ إليها. عن النورِ ينامُ داخلَ العُلَبِ المختومةِ بالعلاماتِ التجاريةِ مِحْنةً أرضيَّةً قاصمةً تضعُ العينَ والعقلَ تحتَ إدارةِ العاطفة. عن جوعِ الرشفةِ وموتِ الآياتِ داخلَ الأباريق. عن النَّظْرةِ الضَّاريةِ الخرساءِ سِعْلاةِ الحقول. عن عَيَاءِ الدَّالَّةِ التَّحليليةِ للقيمةِ العمياءِ في عينِ الوُجُودِ؛ سُوْقِه. عن...


    (4)


    ... تلك البِنْيَاتِ الهشَّةِ التي لا تستطيعُ، لِتَحْدُثَ،إلاَّ أن تتأجَّجَ عنفاً فتشيطَ في سَمْتِها الاقتصاديّ البخيلِ لا كالعادة، بل كالشذوذ، كالندرةِ، كالاحتجاج، كالعدم. تلك العلاقات. تلك الأشياء، المفاجئةُ بشأنها الرَّشيقِ المتعالي، الباعثِ على الحسرةِ والتهكُّم ضمن استجابةٍ واحدة. إنها تصدُمُ!، بما تكتمه من سلوكٍ؛ سلوكِ الكتلةِ المظنونةِ مفرَغةً من الداخل. تصدُمُ، بطريقتها التفصيليةِ البسيطة ِ في تقليبِ حساء الحاصل الذي يقومُ على طبخِهِ مواليدٌ من البرجِ الذي لا يليه صباح. تصدُمُ، بخُلُقِها الرعويِّ البريءِ من أيةِ غايةٍ إبداعيةٍ أو تدبيرٍ فنِّيٍّ أو أيّ شكلٍ صناعيٍّ مسبقٍ يرعى جريانها...


    (5)


    أن تُبَاغَتَ/في الآخَر/بِك.
    أن تَرَاكَ، بعينٍ مقطوعةٍ تدعوك للقتل، نديمَ شخصٍ لم تعرفه قَطّ، ولا زلتَ، وأنت تمدّ له كأسَه المرَّةَ، غير عارفٍ إن كنتَ جليسَ شخصٍ لم تعرفه قَطّ، أم هو الشخصُ ذاته المثقَلُ سلفاً في صورتِه لديك بالتصورات البلهاء المنقولة عنه من جهةٍ ثالثةٍ إليكَ، فتزهد في أن تلقِّنَ الصباحَ وضعيَّةَ النومِ السليمةَ داخلَ سَلَّةِ الخضروات، مكتفياً بنعمةِ أنَّ البصلاتِ الخليعاتِ الثلاثَ ما عُدْنَ يحاولنَ التظاهرَ في مرحٍ بأنهنّ لا يعرفنك.
    أن يتَّبعَ التكرارُ سلوكاً نوعيَّاً آخَرَ، يمرقُ (من خفّةِ الغفلةِ والركونِ إلى الأُلفةِ) في ثياب شتويَّةٍ ويبدأ الرقص.
    أن تملأ مربَّعات الكلمات المتقاطعة بكواكبَ رضيعةٍ، ثمّ لا يحزنك اْكتشافُكَ واقعَ أنّ الكواكبَ الرَّضيعةَ نفسها لم تنقلب طيوراً مفطومةً، وهو ما كان حَرِيَّاً بها، وعليه اْعتَمَدَت منازلُ الثدي في أن يمدَّها بزادِ الشتاءِ من أليافِ البلازما والرطانةِ المنويَّة.
    أن تركبَ الفيلَ فيغتبط رأسُك ويشهد لك بمحامدَ صعلوكيَّةٍ يأمَلُ الغِرُّ الخفيفُ السَّاكنُ سِترَكَ أن ينعتَك بها أحدهم، ويبقى جسدُكَ الآخَرُ حَرِداً، متعفِّفاً عن الرأس الذي اْستنَدَ منشرحاً إلى طبعِهِ النباتيّ المستجِدِّ المتعالي، وباتَ مستغنياً بجماله عن خدماتك وقدراتك المنسيَّةِ في سياقِ الهشاشةِ الثقيل...


    (6)


    ... بعيداً عن هَوَسِكَ بتقريظِ الإهمالِِ واْفتتانِكَ بِصِبا المجازاتِ اليونانية، تتكوَّمُ أحشاؤكَ كلها عند مساكبِ حلْقِك ـ المُلْتَمَّةِ خُصْيةً؛ ثدياً؛ لسانا؛ً شيءَ حمارٍ باطلٍ؛ عيناً؛ بيضةً من لحمٍ خالصٍ مات الجنديُّ وهو يَلِدُها مِن صُلْبِ مَن أذاقَهُ الحلْوَى حميمةً عاريةً مجرَّدةً من أرضها وسمائه وأراه النورَ ومرَّغَه عاشقاً يتقبَّضُ في رمل حنانه الضاري فبقيَتْ هكذا كأحشائك كومةً؛ محضَ كومةٍ تبكي متهدِّلةً من مهبل الحال ـ ويغدو ما بين المعدةِ والحجابِ الحاجزِ جوفاً خالياً هائلاً متوحشاً، كأنه الوجود أو عيني، سماؤه: خطوطُ الضلوعِ المتبدِّيةُ عبر الجِّلد. وفي قاعِه، هناك، يبدو «جامع الكون»، وقد انحشَرَ وحيداً وأسودَ تُطلِقُ مئذنتُهُ تعاويذَ الحكيم برنوخ السوداني وهلوساتِ الحضرةِ المهديةِ الجليلةِ راقدةً ملتفَّةَ الساقِ بالساق على «كراسيِّ النورِ الخضراء» داخل قلب المادحِ «عابدين». تعتدل... تنظر إلى سُرَّتِكَ راجياً أن تخرجَ السفنُ الفضائيةُ منها وقد رُسِمَت على جوانبها الفضِّيَّةِ باللونِ البرتقاليِّ حَرْبَةٌ يصالبها هلالٌ أبيض.


    (7)


    ها هو ما تبقَّى من الكتاب يتلوَّى، وأنا أهجمُ عليه بوحشيَّةٍ عائفة. لا أرغبُ في الكتابة. لا شيءَ لأكتبَه سوى عذابِ تأمُّلاتي العمياء. إنما الآن أُقْبِلُ على الورقةِ بنهمٍ انتقاميٍّ يشغلُ أكواخَ روحي البعيدة. أتولَّي سطورَها الصَّحراءَ بخطواتِ الحيوانِ المجنونِ الذي أجدُهُ فيَّ كلَّما أَلَمَّ بي عقوق. الآخَر؛ أعني الحيوان، لا يَرَى. كما إنني، بما تَرَكَتْهُ لديَّ ألواحُ الأرضِ والسماءِ من رغبةٍ عَوِيْرَةٍ في التَّخَلِّي عن الكتابة نهائياً، أرْتَدُّ الآنَ وأدركُ الأمرَ، كما لو إني كنتُ كائناً فوقـ متغوِّط. الأمر هو، إنَّ الكتابةَ، إما: كُتَلٌ متماسكةٌ ذات شكلٍ جَزَرِيٍّ من مادَّةٍ فارغةٍ اسْمُها «الجِّمَار»، أو هي: دفقٌ سائلٌ مخفَّفٌ من مادَّةٍ أخرى تُوَاطِئُ الأولى بعلاقةِ الخؤولة، غير إنها متهافتةٌ، سهلةُ المرورِ عبرَ البهاءِ الأسطوانيِّ لأديانِ منطقةِ البحيراتِ الطينيَّةِ المحفوفةِ بأغصانِ التِّرِيفِيرا والبُوْلِيسْتَر والمُوسْلِين وأحياناً القَرْمَصِيص فقط...، أخ خ خ... أضَعْتُ التَّصَوُّر!. لا أريدُ أن أفكِّر، وَعَدْتُنِي بإسهالٍ عظيمٍ، والآن لا أعرف كيف تسلَّلَت بعضُ الكُتَلِ المجازيَّةِ وأفسَدَت علىَّ لذَّةَ النَّهْش. تووووووت، إلى الفراغِ إذاً يا قطار؛ إلى مَرَابِطِ الكراهيةِ والدّيوك؛ إلى فخذِ الورقة، ولتَسقُط الحياةُ، وليكن للأرض تعويضٌ بحجمِ الطُّوبَةِ الحمراءِ وطُولِ الهَوَس. وبي إلى موتِ الصّورِ في الحياةِ؛ إلى حياةِ الصُّوَرِ في الكتابة؛ أعني في الموت. وانغرسْ إذاً أيّها القطارُ في الرُّوحِ، وازدهرْ يا قطارُ؛ ازدهرْ في الروح كالقنبلة.


    (8)


    إنَّ الفروعَ السرطانيَّةَ بشجرةِ الليمونِ هي الأزهَى والأنضرُ بين سائرِ جنسِ النَّبات، وهي التي، لذلك، لا تعطي ثمراً!، إذْ كلها متشابهةٌ تَمُدُّ بعضَها. مِن أيِّ قاعٍ ترفيهي التقَطْتُ العبارةَ «قاتل متسلسل»؟. شَرَفِي لا يسمح، والإدانةُ تعصمني، ومع ذلك، شاء «عبد الله بن عباس» أم أبَى، فقد خَذَلْنَا خيالَه، وغَدَوْنَا أجمعينَ عبيداً طيِّبينَ مطيعينَ لنظامِ التَّرْفِيهِ الجبَّار الذي أكْرَمَتْنَا به، دامَ عِزُّها، الولايات المتحدة!. فَمَا الجَّمال؟. الكُتُبُ أصابعٌ سرطانيَّةٌ متناسخةٌ، لا تُؤْتِي إلاَّ الأمثالَ المخرِّبينَ والفاتنين أصحابَ السَّوابقِ في إحداثِ الشَّرِّ والأَذِيَّةِ الجَّامعة. مَتَى تحتفلُ الأرضُ بِعِيدِ اللّيمون؟!، هل هذا سؤال؟؟، يا لها من بداية!!.


    (9)


    أيتها الحَكَّامة البقَّارِيَّة؛ لَمْ أرَكِ لماذا يوم «أَلَسْتُ بِرَبِّكُم» عندما حَصَدْنا عيونَ الفنَّانين؟. هل تسمحين لي بأن أحدِّثك عن «بول غيراغوسيان» وعن ناسِهِ المتقوِّضين؟، لا؟. هذا شأنك، أنا ذاهب إلى البيرو، تعالي معها!، أم ستبقين طويلاً مُتَقَرْفِصَةً على ذلك السطرِ تنتظرينَ ماءَ يَدِي؟، وداعاً، لا أبالي!، هذا صحيح!؛ سَبَقَ وفكَّرْتُ باستعمالِكِ في كتابةٍ، ألاَ فَتَأمَّلي هذا الكائنَ الذَّاكِرِيَّ الذي هو أنا، ثم التصِقِي مزيداً بهناك؛ فإني، كأيِّ وغد، غيرُ راغبٍ في إلتقاطِكِ مِنْ بَعْدُ، وما كان عَلَيّ، لكي أتخلصَ من دبيبِكِ في متاهاتي وإلحاحِ صورتِكِ على ذهني، إلاَّ أن أورِّطَكِ في مكانٍ جهنميٍّ يذيقك مثل هذه الويلات التي تَرَيْن، ثم أتركك تؤدِّين باكيةً عواصفَ مَنْغُومَاتِكِ الرَّهيبةِ داخلَ ما أكتبُ عاملةً كخلفيَّةٍ صوتيَّةٍ خافتةٍ تتذبذب حسب مقياسِ العاطفةِ الذي يسجِّل درجاتِها اللامحدودةَ بين نهايتَيّ العواء والخَرَس. مكان؟؟. لقد كَتَبْتُ «مكان»، لكني لا أعرف حقَّاً إن كانت الورقة مكاناً أم زماناً أم حالاً أم ذهباً أم...، لا، لا أعرف!، فالمرآةُ في الصِّفْرِ، والهواءُ عجينٌ شفَّاف. أنا ذاهبٌ إلى البيرو لزيارةِ شجرةٍ صديقةٍ ثم الزَّواج معها، هذا في حال سَمَحَت لي أمي بتقشير هذا الجِّدار وكَفَّت عن مساءلة رأسي بخصوص مبيتنا خارج المنـزل. أما عن (.........) ليما الكوكبيَّات، فلا شَكّ بأنَّ مستشفى أمدرمان التعليمي قادرٌ على تهريبِ روائحِ الأدويةِ والمراحيضِ طَيَّ ملابسِ مُرْتَادِيْهِ إلى أقصى مجهولٍ في ليتريتشا العدمِ النيليَّةِ التي تأذَّت كثيراً جَرَّاءَ الرَّعْيِ الجَّائرِ وقَطْعِ الغاباتِ وغير ذلك من أسبابِ تعليبِ السَّمَكِ وابتلاعِ آلاتِ قَصِّ العشب لتسكين الصداع.


    (10)


    أوْقَفَت البئرُ دَرَّاجَتَها البخاريَّةَ قربَ بابِ الخريطة؛ دخَلَت. بعد وهلة، دَمَّرَ الإعصارُ مدينةً فاحترَقَ الأطلس وحدَه داخلَ صندوقِ الكتب المدرسيّة.


    (11)


    وها أنا في الرِّقَاب، لا أتعلَّمُ، مطلقاً!. المستحيلُ الذي سَلَخْتُهُ عن أحد مقاعد السَّيَّارةِ البلجيكيَّة، لم يَقْوَ على الالتصاقِ بمعصمي، فَلَعَقَ دَقَّاتِ السَّاعةِ وليلَ أظافري وهرب. لا أتعلَّم، مطلقاً!. المستحيلُ الذي ترك أعوامي بلا فصول؛ بلا شَعر؛ بلا أعضاء، عَلَّمَ ثيابي أن تتذكَّرَ، تخافَ وتخجل؛ أن تتركني بلا معنى وتُرَافِقَ الأسماكَ إلى المراحيضِ والنَّوم؛ أن تتمايلَ بتثاقلٍ، وهي الفارغةُ، في مَمَرِّ السيَّارة البلجيكيَّةِ المتكدِّسةِ بأجسادِ مجنَّدي كتائب الاسكندر الأكبر. لا أتعلَّم، مطلقاً!. لأنْ... ما الخوف!. لِمَن أشكو عشائيَ الذي صارَ ريشاً سَرْدِيَّاً وأصوات غَنَم؟. لَسْتُ حزيناً، لأنْ... ما النسيانُ سوى وكيلِ الحشراتِ فيَّ والقائمِ بأعمالِ الشَّجَرِ في دولةِ جسدي. لا أتعلَّم، مطلقاً!. لكنَّهم علَّقوني على مسامير. علَّقوني على المساميرِ التي ما اْخْضَرَّت في حقولِ الكوتشينة. أنا عَلَفُ الأباريقِ الجائعة. لم أخبرْهم عن جوعِ الشَّايِ وموتِ أولادِهِ داخلَ الأباريقِ متأثِّرينَ بالقِرْيَافِ الأبديِّ لضيوفِ البواخرِ النيليَّةِ الأتراك. لا أتعلَّم. وأنا الجائعُ، كما هو دأبي، أهرُبُ ومنقاري مطبق. جائعٌ أكثر من أن تَسْتَبْقِيَنِي ضيافةُ الصَّباح؛ جائعٌ مثلَ ثيابي؛ جائعٌ مثلَ تَرْكِي بقايا السَّنَوَاتِ وعظامَ النُّجومِ على طاولةِ مطعم «عيون الكلاب» بـ«سوبا». أبِيتُ داخلَ ساعاتِ الميِّتين، قربَ أحد مخازن الميناء، عسى تأتي سفنٌ غيرُ منتظرةٍ وتَقِلّني إلى جزيرةِ الزَّمَن. قد اللَّيْلَ آكُلُ؛ قد علفَ الأحلامِ وهو يغادرُ الجِّيَادَ العائدةَ إلى قلوبِ النائمين؛ قد يأسي؛ قد هناك. فلا الشَّايُ جَرَحَني، ولا شَرِبْتُ العَرَبات؛ لكنَّه القَصْدُ المشقوقُ وتَمَامُ التَّسَتُّرِ على كِسْوَةِ العيد؛ التَّدَلِّي من عناقٍ ناقصٍ خيفةَ السُّقوطِ في الأعلى تحت جبلِ الصَّوت؛ إرتجالُ العَجْزِ عن تناول اللَّيلِ بأصابعَ مبلولة. فكيف؟، والمناقيرُ المقصوصةُ يَاهَا!!، وفي أيِّ خوفٍ نظيفٍ أَبِلُّ هذا الخبزَ الْمُعَظَّمَ، غيرَ متأمِّلٍ في عفافِ صمتي وشَفَاعةِ الجُّوعِ لي؟. لا أتعلَّم، لأنْ... ما أنا!!. لستُ مَن شَخَرَت الأبوابُ والصباحاتُ مِلْءَ قميصِه؛ مِلْءَ قميصي ترابٌ وعظامٌ وتهاويل، وثيابي تشبه النسيان. لا أتعلَّم، لأنْ... ما إن أهُمَّ بمحاكاةِ أصواتِ البَحَّارةِ الْمَكْوِيِّـينَ بحرصٍ على طرابيز العاطفة، حتى يتوجَّع لساني كدجاجةٍ حَامِلٍ وتَسقطُ منه غُرْبَةٌ كبيرةٌ تصيحُ بلا شفاه. فإن حَدَثَ وتذوَّقْتُ امرأةً ملفوفةً بالكتَّان من الزّجاجةِ رأساً دون أن أصبَّها على القدح، خَفَّت الأشجارُ مذعورةً من مَدْرَسَتِها البعيدةِ في قلبي إلى مستنقعات عيوني، فلست بمستطيعٍ مَشْيَاً بَعْدُ من شدَّةِ اشتباكِ أفكارِ الحيتانِ بأصابعِ قَدَمَيّ. لا أتعلَّم، مطلقاً!. لأنْ... ما أنا!. لستُ الحضور. لست الغياب. لست الوعد. الصورةُ منزلي، والأبوابَ أفترس. فما شكلُ الخوف؟. صباحٌ ثقيلٌ داخلَ السَّلَّة؟، أم طماطم لُغَوِيَّةٌ تشبه النسيان؟. ما النّسيان؟. لا أتعلَّم!.


    (12)


    إن الصَّلَفَ الظَّنُونَ الذي يبتعدُ عن يَدِي على مَهْلِهِ ويتأرجحُ هناك بين اْلْتِذَاذِ نَقَّارِ الخشبِ وروحِ النشيجِ الملفوفِ بعنادي، يَشفُّ بسرعة، ويلتمع عند حدودِ انحسارِ الطاقةِ الشخصيَّةِ التي أوْدَعْتُها في ألْيَافِهِ لتمثَّلَ وجهي ومجتمعي الخاص.


    (13)


    ولو الهديلُ يتعفَّنُ بالذِّكْرَى محشورةً خرساءَ في موقفِ بكتيريا التحلُّل!؛ لو الطيرُ تَمَّحِقُ في صلاةِ السُّهوبِ على آلهةٍ جبليِّين صاروا أساوراً وأقراطا!؛ لو الخفاءُ يأخذُ العالَمَ وتذهبُ الأُمَّهَاتُ إلى معتقَلِ جهنم الكبيرِ بحثاً عن أبناءٍ أطاعوا الألَمَ والمستحيل!؛ لو...، ما أَلْقَى منظراً صَمَدَاً يَعْدِلُ اشتهائي لأنْ أراها تعوس الضَّلالَ لِجُوْعِي وتقدَّمه لي مطويَّاً حولَ طبقِ النَّار؛ أبلِّلُه باللَّهَبِ وأمضغُ الجمرات. يا لها، اللغةُ، مسكينةٌ زوجتي، ما حَمَيْتُها من طَبْخِ «جِمَارِ المستحيلِ عَلَيْنا» وتناوله على العشاء متبَّلاً مطهوَّاً ولا بُدَّ لذيذاً مع أطفالها. ومن آياتِ رحمتي بها، لم أمنعها من أن تنكمشَ تحت القمرِ وترمي بطرحتِها على وجهها خجلاً ثم...، تَلْ تَلَلْ تَلْ...، مثلَ دمعةٍ نحاسيَّةٍ؛ تسقطُ من حِمَى أجمل الأصابعِ إلى البلاط، وتتدحرج إلى أين؟. من يهتم!. جاءتها اللعنة!.


    (14)


    طَيِّبْ، وقد بارَكْتُ الفقداناتِ ولعنتُ المعنى والحياةَ واللغة، فَمَا ذُخْرِي إذَاً لأيَّام المحاكمةِ، الذي سيبرهن لِمُرَتِّلِي الإتهام على انغماسي في المِلَلِ المحرَّمةِ واتِّباعي تقاليدَ الأنبياءِ وملقِّني أصولِ الطَّاو والزِّن والنير&#64364;انا والعبور والمحبة والنعيم؟!.
    الكتابة!. تبقَّت السيرةُ المحفوفةُ بالمستحيلِ والإهمال!؛ تبقَّى لَهْوُ العَطَالاتِ السرديَّة!. وليُمْسِ مَلَلِي زائفاً بِقَدْرِ التَّطابُقِ بين وجهي خارجَ المرآة والوجهِ الآخر داخلَها الذي يبدو كَمَا لَوْ هُوَ نفسه؛ والذي هو أيضاً ليس سوى اجتهادِ الطَّبْعِ الحيوانيِّ في الحجرِ الشَّفَّافِ المتحالفِ مع الطِّلاءِ لِيُسَمَّى مرآةً، في أن يفصحَ عن ورطةِ الجسد الإنسانيّ أمام ممكناتِه التصويريةِ ونزوعه إلى إنتاجِ حالاتٍ مطابقة بلا نجاح!.


    (15)


    الجَّمَالُ يقف أمامَ كتابةٍ مهدَّمةٍ ويتقيَّأ. لم أتمكَّن من مَدِّهِ بكوبِ الماءِ خيفةَ يَمَّحِي فيفقد الكثيرُ من الحرَّاسِ وظائفَهم وتلجأ الزَّخارفُ والإبتساماتُ والرُّوحُ القليلةُ إلى الإنتحارِ هرباً من النومِ تحت جِرَاحِ المادّة السماويّة. أيها الخروجُ يا نفسَ الدخولُ يا تهافتَ العناصرِ، مُدَّ تذكرتَك إلى عنوانِ الكِتَابِ واحتفظ بالكَعْبِ، حتى إن اتَّهَمَكَ أحدُ المكتوبين بقتلِ صديقه وبأنك لم تكن قارئاً فحسب، أخرجتَ الدليلَ الدَّامغَ على إنك لم تكن قارئاً، بل مجرَّدَ مكتوبٍ ذاهلٍ أيضاً، مقروناً بالعبارة: «إنني فقط أمنحُ الآخرين تمارينَ لاختبارِ ذاكراتِ الكلماتِ في أعماقهم باستعمال مُهَيِّجَاتٍ ذُهَانِيَّة!».


    (16)


    لو يَنْهَدّ سَقْفٌ على رأسي!. لا أعرف ما هي الدوافعُ الحيوانيَّةُ التي تسيطر على كياني فأجنح بترصُّدٍ إلى إنشاءِ تصوُّراتي المازوشيةِ المتعلِّقةِ بجسدي وما يحفّ به من حدود. أعرف أنَّ سِتَّاً من الجهاتِ غير الحميمة أبداً، تنظر إليَّ بذات الإهمالِ الذي يسوقني لأن أحشرها في حماقاتِ كتابتي وخيالي. أعرف أنَّ جِرَاءَ عَدَمِيَّةً ذات وجوهٍ ناضجةٍ تُنْشِبُ الآنَ عواءَها في أحشائي وتعضّني بمخالب ودودةٍ دون أن تُفْسِدَ عليَّ لذَّةَ التفكيرِ في... إنني أتعرَّض للنهش نيئاً!. أعرف أنَّ «مستحيلَ الذاكرة/ممكنَ التأليف» يبدأ أبداً عندما يتحسَّسُ أحَدٌ ملمسَ الكفنِ الأبيضِ عاجزاً عن مقاومةِ دَفْعٍ شَفَّافٍ من الخوفِ يَسْرِي في الجزءِ الواقعِ بين الأظافرِ ولحم الأصابع. حرارةٌ سائلة؟.


    (17)


    أنا؟، كلاَّ...، لم أكن محروماً إلاَّ من الموت. «الموت!». لا أعني تلك اللحظة القاطعة ذات النحيب والتعازي؛ بل المكان؛ ما يلي تلك اللحظة. لم أعنِ القبر؛ بل «المكان/الموت»، ذلك الآخر؛ ذلك الذي بأشجارٍ، ربما، وبيوتٍ وبِحَارٍ وصعاليك ومرضى ومجرمين و...، ذلك الـ...، ذلك المكان الذي اسمه الموت!. فلطالما امتلكتُ اللحظةَ؛ لحظةَ أُقتَل، ثم لا أعُودُ أرى سوى الزمنِ السرياليّ، مائعاً؛ بدائياً؛ شرِّيراً، يَجُودُ بيقين الإقترابِ ويَبْقَى حِجَازَاً بيني والمكانِ الذي اسمه الموت، فقبل أن أيأسَ من محاولةِ الإقتحام، تهجمُ عَلَيَّ ولادةٌ أخرى فأنسى. ولكن ما النسيان؟. أثمة شَرْحٌ يبرِّر ما خَطَرَ لي الآنَ مِنْ أنَّ «الموتَ/المكانَ» الذي قصدتُ هو بَـيَانٌ آخر؛ فردوسي؟!. يا للخيبة!.


    (18)


    لديَّ صورة مُمْتَقِعَة تتردَّى، في سهبٍ ما بداخلي، يوماً تالفاً أُزِيلَ عن روزنامة رخيصة: (جمجمة تتقاطع على وجهها عظمتان، مكتوب بأعلاها (مَطْلُوب) بالإنجليزية، سمينةً لامعةً سوداء. بالأسفل خُطَّت عبارةٌ عجولة بقلم الكوبيا ثم رَدَّدَ عليها شخصٌ بقلم البيك الأزرق، تمنحُ صائدي الجوائز حريةَ تحديد الثمن بعد إحضار هذا الشخص حياً لافَّاً عمامته.


    (19)


    سرق الطائر مروحةً دائرةً من مخزنِ المهملات:
    كان في غمرةِ سَعْيٍ لحوحٍ يطلبُ صورةً مادِّيَّةً لما يمكن أن يبدو عليه شكل روح العبد.
    قالت له البئر ساخرةً: «يا عديمَ النظر، هذا عقلُ العاشق!». وأنا الذي رأيتُ ما سَرَقَهُ الطائرُ وقُلْتُ: «مروحة دائرة»؛ آمَنْتُ بعد ذلك بأن ما سَرَقَهُ الطائرُ وإن بدا مروحةً في صورتِهِ الحِسِّيَّةِ فهو غير مختارٍ يعمل عملَ روحِ العبدِ في المزرعة، ويعمل عملَ روحِ العاشقِ في المصنع، ومع ذلك، فهو أبداً في الزَّمانِ وفي المكان، يظلُّ الوحيدَ القائمَ بعمل عينِ الجائعِ في نهارِ السوق.
    كادت البئرُ تَجْهَلُ الطَّبْعَةَ الأولى لوجودِها لولا أنْ أخرَجَها الطائرُ من مخزنِ الأسلحة.


    (20)


    هذه الورقةُ جائعة. ليس خبزاً ما يشبعها؛ بل قوَّة؛ قوةً خالصةً وسيادة؛ صمتاً وفتكا؛ كموناً واكتساحا. لكن لا جنودَ لَدَيْهَا يَحْمِلُونَ عنها الموت. هي وحدَها، عَزْلاء في اللون، بالأحرى، هي جنديٌّ مُتَنَهِّدٌ في غربةِ الشَّظَايا ورُكَامِ السّقوطاتِ اللاحقة، هذه الدَّامَا. لم لا أرمي بها إلى الطاولة فتجد من يطعمها بَدَلَ أن تَقَعَ مُجْبَرَةً فتهضمها موائدُ اللئام. من هي؟


    *******

    سُـرَّة

    محمد الصادق الحاج

    فوق ضحكاتٍ من الحديدِ، هبَّ العنادُ يمشي، مَرِحَاً. يَهُشُّهُ مِعْصَمُهُ المَزْرُوعُ بالأساورِ والنُّقوش؛ خوذتُهُ المُرَيَّشَةُ بأدراجِ المكاتبِ وأدواتِ النِّجَارة؛ كلاُمهُ ذو النُّدُوبِ المضمَّدةِ وربطاتِ العنقِ يَحْرُسُها بَوَّابُونَ أثرياء؛ حلقةُ أُذُنِهِ الفضِّيَّةُ، كليمةُ الخشب ونديمةُ أخلاقِ الضَّباب؛ كارثتُهُ النبيلةُ التي تعبرُ ـ كلَّما أصابَها هدوءٌ وألَمَّ بها سلامٌ ـ خوذتَهُ إلى اسْمِها؛ مَشْيُهُ الفُرُوسِيُّ الذَّاهلُ نحو فكاهات العدم.
    ضافراً من الوُجُوهِ متاهتَهَ المشوبةَ بالآلهةِ المنتحرين يأساً وثُكَالِ عائلاتهم؛ هَبَّ يسحبُ خَلْفَه كلَّ ما أسرفَ كاتبُهُ الخفيفُ في سَرْدِهِ عنه.
    يا عِنَاد. اسْهَرْ على أشجاريَ المحمومات. اسْهَرْ على جِرَاحِ الفزَعِ المُحاربِ، واْمسحْ بكفِّكَ المباركةِ على شَعري. عَلِّمني أيها العنادُ يُتْمَ الأحذية، أيضاً؛ وعَلِّمني أُمُومَةَ الجُّثَّة. مُسَّنِي برشاقةِ التَّعْويلِ على ظِلِّك. بِلَيْلٍ صغيرٍ مُنْزَوٍ في وجهِكَ، طَمْئِنْ أُسْرَتَكَ السُّوقِيَّةَ على أغذيتِها وأيَّامِها، مُدَّها بِذخيرةِ ميراثِ الحنانِ والإغْضَاءاتِ المهذَّبة. وعليكَ؛ عليك حين تَتَّسخُ خوذتُكَ بالإشراقاتِ الحمقاءِ وتتهدَّل منها كأعرافِ الدُّيوكِ، عليك أنْ تفرح. تَحَاشَ الانزلاقاتِ المريضةَ في غرامِ النَّفْسِ التي تُعَلِّمُ العصيان!.
    العنادَ؛ صديقي، يا بطشَ أحلامي بعرباتِها المتوحِّشة، ويا غَدَ الحواسِّ الطِّفْل. كَمْ كراهيةً داخلَ حقيبتِك؟. كَمْ حيواناً صَنَعْتَ لِحَصَاةِ الحبيبةِ المتدحرجةِ من تلالِ السُّرْعة؟؛ السُّرْعةِ العاليةِ ذاتِ الشَّعْرِ الأشقرِ وغصونِ التَّتْويجِ القيصريَّة. السُّرْعةِ الممهورةِ بتواقيعِ المباني والسَّاعات. كَمْ يا عنادُ سَبَبَاً أعْجَمِيَّاً أهْرَقْتَ لِتَرْأَفَ بك آهةُ الجُّثَّة؟. أنْتَ كَثِيبٌ وأقدامُك تلفزيونات مَطِيرة. كأنَّكَ كأسٌ، ولَكَ نملٌ حَيٌّ منحوتٌ على ساعدِكَ، يَهْجُو بصيرةَ المراوحِ وبصرَ الأبواب. كأنَّه ذَهَبٌ. مجنون. سَرَاطينُكَ الفضائيَّةُ تلهو بمقصلةٍ وحيدةٍ منصوبةٍ في الصحراءِ الأُولَى، يَسَارَ مَوْتِك. كالنُّمورِ المَطْلِيَّةِ بالعَدْلِ، المعطونةِ في عافيةِ الخرابِ وعُلَبِ الحلوى المغلَّفة، بَدَتْ لي فُكاهتُكْ. فَقُدْ غَزْوَتَكَ الكونيَّةَ ضِدَّ النَّخَّاسينَ المبارَكينَ. ضدَّ الخاطباتِ المعدنيَّاتِ ذَوَاتِ الثَّدْيِ الواحدِ والدَّمِ الكفيف. مَطَايَاكَ سَرَاطِينٌ، دُرُوعُكَ مُحَّارٌ، سهامُكَ ريشٌ، وسيوفُكَ وَرَقُ المجلاتِ المصوَّرة. للأقفاصِ النباتيَّةِ الحَيَّةِ أنْ تَمُدَّ جُذُوعَهَا مِن داخل جسدِك. ما ليس لها النُّمورُ الزرقاءُ المسكوبةُ فيها من الصنبورِ المعطوبِ المثبَّتِ على قلبِك. يا عنادي، دَعْ حسابَ الخساراتِ لغيرِكْ ولا تَعُدْ، فمَسْكَنٌ وطيدٌ داخلَ الغَزْوِ، والنهارُ الجريحُ المتخبِّطُ كاللِّسانِ من صُورَتِكَ المُبَرْوَزَةِ بالكواكبِ والخَجَل؛ يُطْلِقُ ماشيةَ الحلمِ المجنَّحةَ على مزارعِ الكولاك الفضائيِّينَ، ويُسَرِّحُ كتائبَ المِثْلِيِّينَ الجبابرةِ قُرْبَ سَديمٍ نحاسيٍّ مُسَوَّرٍ بالشَّوْكِ والعُطَاسِ اليابسِ محروسٍ بحكمةِ البحرِ إذْ يجلسُ أمامَ البوَّابةِ وقُبُّعتُهُ الشاسعةُ المصنوعةُ من سَعَفٍ جِنْسِيٍّ تهمسُ للكنوزِ طَيَّ دفاترِ تلاميذِ الابتدائيةِ بحديثٍ ناعمٍ وتُوْمِئُ نحوَ البَوَّابِ الغَافِي تحتَها بإشاراتٍ فاحشة. صُورَتُكَ معلَّقةٌ على قماشِ الخيمةِ جَنْبَ الأفكارِ والخرائط، أمَّا سَتْرَتُكَ العسكريَّةُ المُتَّسِخَةُ، سَتْرَتُكَ العسكريَّةُ المُتَّسِخَةُ، فَشَأْنُهَا شأنُ الذي لا يُذْكَر. ضُبَّاطُكَ الجغرافيُّونَ الذين بعثتَهم لِجَلْبِ تُرْمُسِ الأبديَّةِ مِنْ مِصْرَ الأُسْرَةِ الرابعةِ عَشْر، أَحْضَرُوا لك هذه المَرَايِلَ الجديدةَ؛ السُفُنَ الفَضَائيَّةَ المعطَّلةَ، الفواكِهَ الهرميَّةَ الهيأةِ الْبِرَائِحَةِ البارودِ شَهِيَّةً وتكمنُ داخلَها بذورٌ ناطقة. الضَّابطُ الذي كانت معلوماتُهُ التاريخيَّةُ دقيقةً، عادَ بِرِيشةِ حصانٍ في شَعْرِهِ وزهرةِ لوتس تَمُدُّ أقلامَهَا من تحت سروالِهِ الأبيضِ القصيرِ؛ وهذيانٍ متخشِّبٍ في فمِهِ؛ وعينين مذعورتينِ تَبِيْضَانِ الأثداءَ المعدنيَّةَ والأكوابَ المجنَّحةَ والتَّقاليدَ الفرعونيَّةَ الرَّاسخةَ في تبادلِ الأَسْرَى والأسلابِ مع مندوبي الضَّوْء والموسيقَى وسائرِ الأجناسِ الفضائيَّةِ الأُخرى. الضَّابطُ المؤمِنُ الوحيدُ في كتيبتِكَ الضَّالةِ، جاءَ مسروراً، بِخِفَّةٍ، رَفَعَ إليكَ التَّمَامَ الدُّخَانِيَّ، ورَكَضَ إلى طفلتِهِ الصغيرة: (هَلْ جائعة؟). نَظَرَتْ إليه بعينينِ فارغتينِ، فَكَّ أزرارَ سَتْرَتِهِ العليا، أَخْرَجَ ثديَهُ المحتقنَ ثُمَّ ضَمَّ الصغيرةَ إلى صدرِهِ بأمومةٍ عميقة. (لَم أذُقْ أشهَى من لبن أبي، لم يُرْعِشْنِي جسدٌ كالرّضاعةِ من ثَدْيِ أبي). الآخرونَ، بمرحٍ مصقولٍ بِصَنْفَرَةِ الخشبِ، تحدَّثوا عن كهنةٍ زُرْقِ الأجسادِ ذوي ذيولٍ وأجنحةٍ صغيرةٍ على جوانبِ راحاتِهِم.
    فَاْسْمَعْ يا عناديَ السِّيَرَ كُلَّها؛ لكن احْذَرْ أن تسقطَ في فخاخِ الرِّواية. لا تَحْكِ لمن لا يصونون الحكاية. الحكايةُ دائماً يا عنادي هي أنت. فَرَمِّمْ مناطيدَ الحنين، رَمِّمْ مناطيدَ الحنينِ حريصاً على الحبالِ والندم؛ الندمِ الذي يذهبُ بِكُمَا في العُلُوِّ المُتَأوِّهِ من دَقَّاتِ معاولِكَ الذهبيَّةِ، عابراً الجِّبالَ والمنتزهاتِ والعَرَاقَة. أدواتُ نِجَارتِكَ مصنوعةٌ من نكهةٍ مجهولة. ظَنَنْتُهَا نكهةَ الإقامةِ المُرَّةِ، وهي ليست كذلك. ظَنَنْتُها نكهةَ الجَّذَلِ الأخرقِ باقتدارِكَ أن تكون أنْتَ؛ لا سِوَاكَ، وهي ليست كذلك. ظَنَنْتُها نكهةَ الحربِ البرزخيَّةِ المخلَّدةِ في أحشاءِ كُلِّ بِئْرٍ ماشِيَةٍ، وهي ليست كذلك. وهي ليست أيَّاً مِمَّا ظَنَنْت. عالقاً حتى الاحتراقِ صديقي بِدَوَالِي مشيمةِ الفرديَّةِ الثمينة، كُنْتَ تَرْسُفُ في بَلاَيَاكَ الورديَّة، ومكتوفاً بكتَّانِ الدُّموع. ولكنِّي هنا، أَسْتَنْجِدُ بمعجزاتِ الدُّموع. أستنجدُ بفُحُولةِ الجَّمَادِ، والجَّمَادُ ما يخذل زوجته إلا مُكْرَها. أنا بَتُولُ الجَّمَادِ، أنا الواصلة، أنا الشَّجَرُ الذي في الجَّسَدِ مُرْعِب. الحيوانُ الذي في الحَجَر. الطَّائرُ الذي في الكَبِد. الفَجْرُ الذي في البئر. اللَّحْمُ الذي في الموسيقَى. يالَلرُّعْب!!، ياللرعبِ يا عنادي. مَا مِنْ جَسَدٍ يَكُونُ حَيَّاً إلاَّ يكونُ بئراً حُرَّةً؛ بئراً ماشيةً، بئراً طائرةً، بئراً ساريةً في عاصفةِ النَّهْر. فَقُلْ للأقدامِ والأجنحة؛ الأقدام والأجنحة: (أيُّها العالَم، يا زهرةَ الحياةِ، يا قُبْلَةَ الضَّوْء الدَّافئةَ على خَدِّي. سأكتبُ لك أغنيةً بسيطةً مجنونةً، هي زَوْجَةُ سهولتِكْ؛ امتلائكَ وتعقيدِكَ السَّامِي). ثُمَّ اْصْمُتْ، حتى تُقَالُ لَكَ: (غنِّ!). واْفْرَحْ!. أبداً. أنت، يا صِنْوَ الدَّمِ. يا ضَجِيعَ الجراثيمِ النبيلة. يا صَنَمَ المعابدِ السوداءِ الصَّارخِ من شِيَاطِ الرُّوحِ العظيمةِ وهي ترقصُ داخِلَهُ، العَاوِي من سُهُولٍ خالدةٍ تَمُوْءُ في رهافَتِهِ. يا لَمِشْيَتِك!، يا لَهَا... العَدَمِيَّة!. لكن.
    عنادي، أيُّها الجرحُ الوحيدُ داخلَ عافيةٍ موحشة. عينايَ شاحبتانِ مِن أرَقِ الخيولِ المتحجِّرِ فيهما. عينايَ مَجَرَّتانِ مفقودتانِ على ساحلِ الموتِ والجنون. وأنْتَ كَلِيمُ حُزْنِي وعبوري. أنت حزني!. فيا شارداً في براري بسالتك، أيُّها الذَّاهِلُ بإتقانٍ من تحديقِكَ الرَّمْلِيِّ في ممالك مسروقةٍ من جيوبِ السواحلِ والأُمنية؛ الصحاري الساكنةُ في أقدامِكَ تَلُفُّ عمائمَها الزرقاءَ وتخطو عليك مختبِرةً بِعِصِيِّها النورانيَّةِ مواضعَ الحنينِ في جسدك القاحل. أنت أيُّها الصَّبِيُّ العابرُ، يا قرصانَ الهجرةِ والمغامراتِ المرتجلة، في عيونِكَ الغاباتُ كُلّها، وشَعْرُكَ يَنُثُّ المرارةَ والجنونَ وأحذيةَ الموتِ البالية، متى تنام؟.
    في مسارحَ بَحْرِيَّةٍ، مفتونةٍ بالأسى وأعوادِ الثقابِ المحترقةِ وبصاقِ التبغ، أطْرَتِ المتاجرُ المهدَّمةُ على جمال أبوابها، وأخجلَت خوذتي بالمديح. فَانْتَهِرْها أيُّها العناد: (كُوني ليسَ غيرَ الشَّجر). لأنَّها الشَّجَرَ، ما كَانَتْ، وما أنتَ كَانَتْ لغايةِ الساعةِ إذ أنتظركما لكي تقتلاني!. ولكن.
    في اختباراتٍ يسيرةٍ للحنينِ، كان هذا رحيلاً مطهُوَّاً بحذقِ البناتِ، ومفتولاً على شاكلةِ ذهبٍ وحيدٍ وحزينٍ يتبخَّرُ في أشواقي ويختتمُ السَّعَادَاتِ بضربةِ مِنْجَلٍ على سَاقِ المَلِكَة. كُنَّا هناك، في مراحيضَ ضوئيَّةٍ، نبدِّدُ الحماسَ ونُغْدِقُ الْحُزْنَ والهتافَ الأخرقَ على سيِّداتٍ يَعْبُرْنَ دونما اْهتمامٍ أمامَنا، يَعْبُرْنَنَا، يعبُرْنَ عطفَنا الإسْفِنْجِيَّ على مؤخِّراتٍ من زجاجٍ تزحفُ لاهثةً خلفَ كوتشينةِ الرُّوحِ المَدَنِيَّةِ التَّالفة؛ خلفَ الرَّوَثِ المعدنيّ الجَّافِّ لطبولِ الأسواقِ المنثورةِ في الفضاءاتِ الصغيرةِ للنفْسِ كَفَزَّاعَاتٍ عاطلةٍ تحتَها تَبِيْضُ الحَلاَزِينُ السماويَّةُ آباراً خفيفةً متأثِّرةً بسوءِ التَّخزينِ والتغذية؛ وعليها يضعُ الغرابُ منظارَهُ الشمسيَّ وحنينَه الزَّاجل. كُنَّا بَحَّارةً مقهورينَ، يُضْرِمُهُمُ السُّعَارُ لاْمْرَأَةٍ في جسدِ أوَّلِ مرفأ، فيَنْزَعون قبعاتٍ أسطورياتٍ، ينْزَعون الدبابيسَ التي من مَاءٍ المثبَّتةَ على أكتافهم، وينْزَعون الـ، ينْزَعون، ينْزَعـ، ينْـ، آهآهآااااه، بَصْقَةٌ عنيفةٌ!... كيف أكتبها!؟. ونداؤُكَ جارحٌ يا جسدي؛ جارحٌ حَدَّ يُدْمِينِي؛ حَدَّ لا أحدَ سِوَايَ في الغبار. وشُهَابٌ في الرُّوح، يَلْثَغُ بكلامِ الطفولةِ الهَيِّن. شُهَابٌ يصحو مدغدغاً بسأمٍ عيونَه، ويغادرُ فِرَاشَ الأبديةِ البارد. يا عنادي، شُهَابٌ في الرُّوح، لا يَرْأَفُ بالشَّجَرِ النائمِ في دمي، يركله بطيشٍ، فأنهضُ من غيبوبةِ العالَمِ منحدراً على شاكلةِ يأسٍ إلى قاعِ كارثةٍ صبيَّةٍ يَجْرَحُ لبنُها الصّلبُ صدري فأفيضُ بالرَّمادِ والصَّرخةِ السريةِ والتعب. أنا يا عنادي وحيد، وأنا رُعَافُ الغيبوبةِ المتقطِّعُ الرَّاكضُ بخطواتٍ مسرورةٍ فوقَ عشبِ النسيانِ الطيِّب. أنا جدرانُ البحرِ الأنيقةُ الضائعةُ بعطرٍ ذهبيٍّ مزروعٍ في خواصرِها الرَّهيفة. أنا حكايتي عَنِّي؛ عنك أيُّها العناد؛ عن الأبواب؛ عن البئرِ الزمنيَّةِ الطليقةِ في المدنِ مثلَ إعصارِ من رِغَاب؛ عن سَتَرَاتِ ضُبَّاطِ الحربِ الأهليَّةِ في الصفحة (43) من كِتَابِ العالَم، وعن بَيْضَتِنَا الصغيرةِ الآخذةِ تنمو كَعَيْنِ الكوْنِ الإسلاميَّةِ تحتَ رُكْنِ الجامع الكبير بالسوق العربي بالخرطوم. أرأيتَ إلى لسانِ المفارقةِ المشقوقِ كيفَ يلدغُ دونَ أن يشعُرَ بالأرضِ المسمومةِ التي انكشفَت حتى سيِّدُ الظُّلُماتِ الخاطئة؟. لااااااخي؛ لكنِّي مَلَلْتُ هذا ومَلَلْتُ هذا. ماااااااآه...؛ مَا مِنْ...؛ ما مِنْ أنا؛ ما مِنْ سِوَاي!. مِنْ جَسَد!. لكن.
    بِجيتارِهِ الحجريِّ، كان أمْسُكَ يتجوَّلُ في الحقول، عازفاً شجراتٍ صامتةً لأصابعِ الحياةِ القرمزيَّة؛ أصابعِ الموت، وكان قميصُهُ المورَّدُ يُهَفْهِفُ مع الضَّوْء الصَّدِيقِ باعثاً بغمزاتِهِ الشهوانيَّةِ إلى أحلامِ مَوَانٍ فقيرةٍ تسيرُ فوقَ الغضب. فاْرْحَلْ أيُّها الطائر؛ أيُّها الجنديُّ الباكي؛ يا عَيْنَ الألواحِ على معارجِ أكتافيَ، يا رقيبَ الأبابيلِ الدَّائخة، أجْمَعْ شمسَكَ المهشَّمةَ من إنائي واْرحل. شمسُك لم تعد تضيءُ سوى خرابها، وشمسٌ لا تضيءُ خرابَ العالمِ، شمسٌ فاسدة. شمسُك القديمة؛ الضَّوْءُ المستعادُ من نُبُوَّتِهِ الآخذةِ؛ نُبوَّةِ الفُتُونِ، إلى نُبوَّةِ الأغلال. لَمْلِمْها، لَمْلِمْكَ ولَمْلِمْ...نِي؛ أنا زهرةُ الخرابِ الكُوشِيَّةِ؛ تمثالُ الطبيعةِ الأزليُّ المتفجِّرُ جلالاً مِن قُبْلَةٍ وحيدةٍ نَثَرَتْها عليه شفاهُ الظَّلامِ المتخبِّطةُ في قُرْمُزِ شُحُوبِها. وفي دمِكَ المهجورِ، وحيداً، وقفْتُ وسطَ الغاباتِ اليابساتِ؛ مُلَوِّحَاً بِيَدِي في عَرَائِكَ الخالدِ طارداً طيورَ الشهوةِ وبناتِ الحلمِ المجنَّحاتِ عن زرعِكَ الطاهر. خَلَوْتُ بالحياةِ؛ أزرعُها نَسْخاً في ترابِ نفوسي الشَّتَّى، أسقيها خميرتي فتَطْرَحُ كُلَّ نهارٍ بنتاً خضراءَ لنا؛ وولداً أزرقَ للطَّيْر. يتخاصران أمامنا، تَبِيْضُ البنتُ شمساً ويَدْفُقُ الولدُ من خصيته شجراً، تنام الشمسُ، يَنْدَسُّ الشجرُ فيها فَنُغْضِي حياءً. وعندما نصحو، تلهو أصابعُنا بالحصى، وعيونُنا مسرورةً تعتني بأولادِ المياهِ وهُمْ يمرحون فوق دمِكَ المهجورِ وداخلَ غاباتك المتصخِّرات. كنتُ أضحكُ مِلْءَ يدي، وكنتَ تغنِّي مع أمسِكَ وهو يعزفُ بجيتارِهِ الحجريِّ مِلْءَ العالم. يا صديقي، كنتَ تصنَعُ غناءَ الجَّماداتِ الساكن. فماذا يقولُ البحَّارةُ السِّرِّيُّونَ في مَهَابِلِها؟، ما غناءُ السَّجِيناتِ المدوَّراتِ في حَشَا وردتنا الغامضة؟. نغْسلُكَ أيُّها القرصانُ الجميلُ من حراشفِ الحرقة. نغسلك من الكواكبِ النَّمَشِيَّةِ النابتةِ على عَانَتِكْ، نَمْحُوكَ فينا، نُكْمِلُكَ بأناشيدِ حصادِنا المرتجلة، نُكَلِّمُ فيك الوِلاَداتِ الحكيمةَ وطقوسَ الجِّنْسِ الباسلة، نُرْسلُ شعورَنا الزرقاءَ في سُهُولِ ثَدْيَيْكَ الصغيرين ونحطِّمُ لَبَنَنَا الكونيَّ على جسدك. فَاْلْعَبْ. سَدِّدْ كُرَاتِ الحنينِ نحو خصورِنا وبَوَّاباتِ سجوننا. ازْرَعْ كآباتِكَ واْرْقُصْ على حقولِنا الطائرةِ التي هل ترتويَ إلا من دفقاتِ دَلْوِكَ الحيِّ. تَدَفَّقْ، ودَعْ رؤوسَ سُفُنِكَ تطيحُ بكُلِّ الحُرَّاسِ المُتَصَلِّبينَ على أبوابِ مدنِ الرُّوحِ. واْدْخُلْ؛ دُخُولَكَ وحدك، يا نهرياً. ولكن.
    أزِقَّة الفَجْرِ العَطِنة. من حوائطِها يُطِلُّ الفُطْرُ الذَّكِيُّ موسوماً بالخسارةِ والبِحَار؛ غَاصَّاً بنجماتٍ خجولاتٍ في سَتْرَتِهِ السوداء؛ مزهوَّاً بالفرحِ المَجْدُولِ من عنقه وعينيه. كان الكَنَّاسُ جميلاً، يُطْرِقُ نحو قمامتِهِ النبيلةِ في أسى. أرواحِ البناتِ والصبيان. أحزمةِ سراويلِ البحر. خوذاتِ الجنود. عيونِ الأسماكِ الصغيرة. أغطيةِ الأقلامِ الضائعة. أحزانِ القُدُورِ التي عَدِمَتْ ما يُطْهَى عليها. أعقابِ لفائفِ التبغِ التي ألْقَاهَا موتَى. أناشيدِ عُمَّالِ الموانئ. عظامِ الفجر النَّافِقِ وَسْطَ صحراءِ الأجسادِ الوفيرة. أخَذَت المكنسةُ الفضائيَّةُ تَهُشُّ الجَّميعَ بِرِفْقِ يَدَيْه النحيلتين. كَنَّاس.
    وكُنْتَ يا عنادُ مشتولاً تحت أحداقِها؛ مسطولاً بأُسْرَةٍ صغيرةٍ من الحَنَاناتِ تقبعُ تحت قِطْرَانِ عنايتك، وكان أَسْرَاكَ يتهامسون بأمل. يداكَ يا عنادي ملطَّختانِ بأرواحِ المباني والآلهة. يداكَ محجوبتان عني بأشِعَّةٍ قادرة. فكيف أعرفك؟. وكيف أعرف الكَنَّاس؟. أنا شَمَّاسِيُّ المدينةِ الضائعة. رَبِيبُ الوحدةِ والهجرانِ والحنينِ والغربة. تُرْضِع عقاربُ الممرَّاتِ الباردةِ عافيتي، وتُسَجِّيني زنازينُ الحزنِ على حِجْرِها القاسي. فوق نحيبِ الأصدقاءِ الوعرِ مشيتُ بقسوةِ ليلٍ جريح، ركلتُ الدموعَ الرهيفةَ بمرارةٍ وقهر. كانت الدموعُ طُرُقَاتٍ، كان الماءُ زوجةً، كانت العاصفةُ وردتَنَا السوداء، أااااااااااهِ وكان الجنونُ حرامَنَا. مشيتُ، عن كتفي تتدلَّى شهورٌ لاحقةٌ من مصيرِ بَحَّار، وأمام صدري ترقص قلادةُ الكارثة. منذورٌ للدمارِ وَحْدَه، والجسدُ المدسوسُ فِيَّ ينادي. يدعو نمورَ الدَّمِ الحارَّةَ لوليمتِهِ المحترقة. يدعو نساءً مغروساتِ الأقدامِ في وحلِ الشمس. يدعو الأجنحةَ الكامنةَ في صندوقِ الرُّوحِ المفقود. يدعو...، ءااااه لا، لا يدعو أحداً، يدعو جسداً، يدعو ألجسد. فيا ظِلَّي، أيُّها العناد. سُقْ كنَّاسَنا الكئيبَ إلى متاهةِ الحلمِ المضيئة. سُقْهُ بلا ساقٍ إلى مخاضةِ الدَّمْعِ الخشبيَّة. إلى خبَّازِ الأبديَّةِ الأخرقِ، لو يَسْكَرْ برغيفٍ من تقوى. فكنَّاسُنا، يسوق، كذا، بقايا الآخرين إلى مَظَانّ لايختارها سِوَاه، ثُمَّ تناوَلْ مكنستَك الفضائيةَ يا عنادُ، وقُدْ مَن تنامُ داخلَ أحداقِهاِ إلى سُعَارِ الموهوبين في سرقةِ أدوارِ الحرقةِ والفشل، لكي ترتويَ وترى كيف حين يَلدَغُ اليأسُ يُضِيءُ الرؤوسَ الجميلةَ المغموسةَ في تَلٍّ من لَدَغَاتِ الحُبِّ مثل إشارةِ المرورِ الحمراء. مجرمون. يتوِّجون جِرَارَ الأمنيةِ بصيحاتٍ معدنيةٍ ساخنة. يَحْجُلُون على حَوَافِّ آبارِ العنادِ المهرِّج. متفرِّجون هُمْ على مدارجِ سيرك الأبد، وباعةٌ جوَّالون يُغَطُّون قُدُورَ الإنسانيَّةِ الفارغةَ بأطباقِ الرحيلِ المصنوعةِ من سَعَفٍ ملوَّن. فَاْرْفَعْ عَصَاكَ النحاسيَّةَ على مِعْزَةٍ أزْهََرَتْ في جسدي، لتسير أمامك قارئةً وَسَامَةَ الفضاءِ وأشواكَ الحضيضِ النبيل، متصفِّحةً كرَّاساتٍ مهملةً في مخازنِ القبائلِ السماويَّةِ الضائعةِ، وتأمَّلْ غسيلَنَا الكونيَّ المنشورَ على حبالٍ خفيةٍ مفتولةٍ من حرقةٍ وضَوْء، تحسَّسْ آباطَ ملابسنا المعلَّقةِ، واْضْحَكْ؛ ألضَّحِكَ الحتميَّ على المحُاَرِبِ مثلك.
    فيا لإرْخَاءَةِ الجفنِ المرسومةِ في عينيها يا عناد. يا للشَّفَةِ المائيَّةِ المكتوبةِ تحت خصرها. ها هي تنفرج لك، فَأَدْخِلْ حلمتَك البهيَّةَ واْحْلِبْ في الشَّفََتَيْنِ لََبَنَكَ الحَيّ.
    هذا عِطْرُهَا المعدنيُّ المنهوبُ من سواحلِ الفجرِ المهجورِ، يصفِّدُ بسلاسلِ اللُّغْزِ مدناً قديمةً وأخرى مستقبليةً ويَجُرُّها خلفَه كالبهائمِ إلى أسواقٍ موسميَّةٍ متفرِّقةٍ تُعْقَدُ كُلَّ دورةٍ قَمَرِيَّةٍ داخل بِئْرٍ مختلفةٍ على شرفِ الدمعةِ الكونيَّةِ الخالدة.
    هذا إبطُها المُسْكِرُ الراحلُ في نباتاتِهِ الغريبةِ، يَطْرَحُ بَيْضَاً مُجَلَّداً بالنورِ ويطْلِقُهُ قذائفَ عُضْوِيَّةً حَيَّةً على أخيلةِ الطِّينِ تسقطُ ناشرةً بذوراً لا تُسمَّى.
    هذا عواؤها الصَلَوَاتِيُّ عند سجودِ الجسدِ على الجسد، يطوف فوق الزمانِ كَنُوْنٍ إلهيةٍ تردِّدُ سَجْعَ الحياةِ الرهيبَ، ماحِيَاً كتابَ اللَّحْمِ صفحةً صفحة. كانت مبتلَّةَ الفخذين بمواءِ الكواكب.
    وأنا راكضٌ بسرعةِ الجَّمَالِ وهو يلاحقُ الخوذاتِ، خَلْفَ جَعَارِينِ القلبِ البريئة؛ خلف ساعاتِ الرُّوحِ المشغولةِ بِرَتْقِ ثقوبِ الأبديَّة؛ خلف الطُّيُورِ الكَالْسِيُومِيَّةِ المجروحةِ في دِيْنِهَا؛ خلف كَلاَمَاتِ المرأةِ الوحيدةِ هنا. الرَّكْضُ قُرْبَ يَدِي يُضَفِّرُ غدائرَ الفجرِ الطويلة باكياً، ويُرْسِلُ شَعْرَ الشَّوْقِ الأخضرِ جارحاً مظلماً كالقُبْلَةِ في دغْلِ المغامرةِ الماسِيّ.
    حين خبَّأتُ مطري بين شفتيها، تكلَّمَت السُّلالةُ مِن هناك. نَبَتَ اللُّؤلؤُ من أظافرِها حزيناً، قالت لي: (أحْ حْ حْ حْ. جَسَدُ الكَسَلِ لَزِجٌ. في عينيه ضُمُورُ أُنْثَى ويداه المعروقتان تَغُطَّان في صَحْوٍ أزرق. كُنَّا نمارسُ الحبَّ بأعضاء مرئية. كنتُ جوربَه القزحيَّ وخاتمَه المدهونَ بالحُبِّ الذي يَتَأَكْسَدُ كلّما طَفَحَ بِنْصَرَهُ بالعَرَق. كنتُ رشاقتَه وأجنحةَ الغلامِ حين البنتُ تخطر أمامه؛ لكنَّه مع ذلك، لم يكن سوى الكسل، مجرَّداً لغاية نفسه المنهارةِ خارج كتلة الوجود، ولم تكن فتوحاته القارِّيَّةُ في الجمادِ وأوْجُهِ الناسِ غير نِصَابِ المعنى كاملاً حول مائدةِ العدم، يفتقده سيَّافُ الأرضِ، يقوِّسُ أعضاءَ الأطفالِ والموتى بضحكته الضَّارَّة، يراه الساحرُ قُبَّةً سماويَّةً تتلألأُ في أعين المحاربين وهم يبكونَ سِرَّاً على أكتافِ مجاوراتهم بعضاً. أنا، يا مستغرقاً في العنادِ الذي لا مَعْنَى، سلالةٌ رجيمةٌ ومجروحة).
    مَجَّت السُّلالةُ من لفافةِ نفسها حرقةً متوهِّجةً، التقطَتْ حقيبتَها الصغيرةَ في خفَّةٍ، غادَرَتْ بَهْوِيَ الشاحبَ، تاركةً اسْمَهَا الأزرقَ يرقصُ بجذلٍ على المنضدةِ جنبَ القِنِّينَةِ الفارغةِ والمُحَّارَةِ الطافحةِ بأعقابِ البِرِنْجِي. تاركةً قرطاً ذهبيَّاً صغيراً يضحك في راحتي. تاركةً عواءَها معلَّقاً على الجدارِ قرب الباب، تاركةً حذاءَ المياهِ المُتْرَبَ على حافَّةِ السجَّادةِ، تاركةً أحَدَاً دامياً يسكنني، تاااااااّ رَتَّتتتَّارت تا اّراااا. سِيْرِي. سِيري يا حبيبةُ فوق الريش. سِيري فوق رمايةِ الرُّوحِ على طرائدَ مُسْتَكِينةٍ في هجعةِ الصلاةِ على الأطفال. طَئِي بمجرَّتِكِ الجِّلْديَّةِ تلويحاتِ البحَّارةِ الضائعينَ في فُتُونِ اللاَّنهايةِ وعُرْيِ فتيانها، واْقترِضِي يا سلالةُ الطائرَ الباكي من ساعتِهِ؛ من حزام سروالِهِ الجديد. انْهَبِيهِ ذات غزوةٍ خاسرةٍ من أسلحةٍ لم تعد تحرسه. احرسيه. احرسيه. واْقطعي سُرَّتَهُ من مشيمةِ الإقامة؛ ففي روحِهِ حشراتٌ يَنْهَبْنَ مِنْهُ الخزائن، وطَائرُهُ يسبَح في رمادٍ مُتَبَلِّرٍ من شهواتٍ وريش. المدخنةُ الذهبيَّةُ أعلى حلمه، تنادي ثَدْيَاً بأجنحةٍ عَبَرَ مِِن أمامِها مزروعاً بالمدارسِ والمنتزهاتِ والمراحيض. راحَتُهُ تَحْثُو، يا عناداً من هبوبٍ خرقاءَ، لؤلؤةَ الجنونِ المطحونةَ في آنيةٍ واقفةٍ كالجنودِ الباطلينَ على بوَّاباتِ المدينةِ الثَّيِّب. هو دوماً، كخادمِ المَلِكِ الوحيدةِ العجوزِ في الأرضِ الفارغة، يعجنُ قلقَهُ الأسمرَ بِكَفَّيْنِ مرتعدتين مُحَاذِراً أن يَطَأَ ثعابينَ الحنينِ النائمةَ تحت قدميه في مزرعةِ الصلاةِ المأهولةِ بأغطيةِ الكولا والدَّوابِّ الإلكترونيَّة وكائناتِ الكارتون الحَيَّةِ والنُّذُورِ الشَّعْبِيَّةِ العاريةِ المرفوعةِ إلى آباء مدلَّلين لا يَخْرُجُونَ من فَاشِرِهِم السابعِ الأعلى حتى لا يشير الأطفالُ إلى خُصَاهم المقطوعةِ وأعضائِهم الصغيرةِ الآمنةِ بين الأقواس. كان يتحسَّسُ شمسَ الدَّامَا الضائعةَ في سماءِ يَدِهِ بشفافيةٍ اْسْتَعَارَها من ضَجَرِهِ المكتوفِ إلى صخرةٍ صديقةٍ تعثَّرَت بها أقدامُه في الصَّبِيِّ الذي لا يموتُ مكتوباً على العالم يوماً بِيَوْمٍ حتى تخرُج البَيْضَةُ من عَيْنِهِ وتُبِيدُ بزرنيخ النظرةِ غَرْنُوقَ الأملِ القاحلِ ذي السِّدِيْرِيْ الملوَّنِ والقميصِ الأزرقِ والبشرةِ الزِّنْكِيَّة. اسْمه؛ اسْمُ مَن لا يَعْنِيهِ أن يفقدَ واحداً من أعلامِهِ المذَكَّرة؛ علاماته.
    عَااااوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوْوَااااه. ارفعي العداوةً أُوْقِيَةً أُوْقِيَةً حتى لا تبدِّدي ميراثَ العالمِ الثمين؛ إرفعيها بِمَاشَّةٍ من وعورة الصوت، ضعيها برفقٍ فوق قمةِ حجرِ النارجيلة ثم دخِّني ما ذخَّرَ به الإنسانُ بندقيةَ التأريخِ الصَّدئة. أنا عَلَّمْتُكِ يا سلالةَ الريحِ كلامَ النوافذِ فعلِّميني أعيش. علِّميني كيف أمسِّدُ الكتابةَ بأناملك، كيف أستغرقُ في عواءِ الذَّاتِ دون أن أبكي.
    داخلاً في دبيبِ أحلامِ النايلون البطيئة، بأقدامٍ يلوِّثها غائطُ الشمسِ؛ طَيْرُها وحريرُها، وتتنقَّلُ بين شقوقها معسكراتُ لاجئي الشوقِ وكتائبُ المطرودين من جنائن (هُوْرْقِلْيَا) الثانية، دُلِّيني يا سلالةُ، يا عناد. دُلاَّني على فحولةِ الجَّماد. فأنا، مشيراً بحاجبِي إلى حِلْبَةِ القلبِ وبلاستيكِهِ الخصيبِ، أرُشُّ الغُرَفَ على أعمدةٍ مهجورةٍ في الكواكبِ السريةِ النائمةِ شمالَ الندم. أقف، مثل مُنَجِّمٍ ملحدٍ، فوق القلاعِ المكشوفةِ أقرأ العالمَ بحاسَّةِ المواد، راصداً زراعتيَ الكونيَّةَ، كيف نَمَتْ مدناً آمنةً ولفائفَ بِرِنْجِي، راصداً بذورَ الهباءِ المطحونةِ، كيف نَمَتْ خبزاً مضيئاً؛ هدوءاً وملابسَ داخليةً ينتظرُ الأبدُ نضجَها ليقطفَها فَيَدْرَأَ بها عورته القديمة. أنْخَطِفُ ـ متأمِّلاً مائدةَ الحياةِ الأخيرةِ ـ لإِرْخَاءَاتٍ ملوَّنة في جفونِ النهار؛ لِحرائق صديقةٍ؛ لِدَوِيٍّ مُهَشَّمٍ يتساقطُ من سقوفِ الأملِ المتهالكة. أنخطفُ نحو سيراميك الهزيمةِ الشاحبِ المثبَّتِ على أرضيَّاتِ الغرفِ المنشورةِ في عراءِ الفقر مثل زهورِ الصديد، وسطَ الماشِيَةِ الضوئيةِ السائرةِ بحماسٍ صوب دومينو اللحمِ الأزرق، تَحُفُّها سا&#1700;َنَّا الصفحة (43) من كتابٍ ضبابيٍّ لا يُقْتَنَص، يتشرَّبه العالَمُ كرائحةِ الرغيفِ المتفحِّم، ويستنشِقه الحزنُ كلّ صباحٍ قبل أن تأتيه سيارةُ الترحيلِ الخاصّة، لتنقله مع الأطفالِ الآخرين إلى الروضة. أُزيحُ بمللٍ الصباحَ المبلولَ عن واجهةِ السُّهادِ المزيَّنةِ بأطوارِ الحلمِ الهضميَّة. إنصاتي لأناشيدِ الحجارةِ العاشقةِ في الليل؛ إسْتِرَاقُ سجينٍ السمعَ، عَلَّ صَبِيَّةً تَطْرُقُ بِخَبَبٍ سريعٍ فسيفساءَ الهولِ نحو شبابيكِ القلعةِ البعيدة. في كلامي لك، أيُّها العنادُ، عن ضُبَّاطٍ يَخُصُّونَكَ، عِظَةُ الحانق، وفي رمادي هذا كلّه بصاقُ المجروح. فطريقي طافحةٌ بفخاخٍ أعجميَّةٍ نَثَرْتُهَا آناءَ مرحٍ قديم، وكلّما أوغلتُ في خدعةِ العالَم، كانت نظرتي إلى سَلَّةِ الطرائدِ نظرةَ الخائب، وكلّما ازددتُ إمعاناً في نثرِ الفخاخ، ضحك الصيدُ من سذاجتي.
    يَاا، الأسى حَصِينٌ، فلا تَشِ للملِكات باسْمِهِ، ولا تَدَعْهُنّ يسرقْنَ خصلةً من شَعْره، ولْيَكُنِ اسم أُمِّهِ أحدَ الأسرار. عرشُ المياهِ من أحذيةِ بَحَّارٍ قديمٍ، فاْحرسه من شتائمِ الموجِ خيفةَ تُدْمِيه.
    يَاا، هناك، مع الإضاءاتِ المُوَفَّقَةِ الهاطلةِ على السقوفِ من أسِرَّةٍ ملوَّنةٍ تُعَسْكِرُ في كُسُورِها أُشْنَاتُ الذاكرة، كان شِجارُ المضاجعاتِ وخرائطُها يَنْحَطَّانِ بِرِفْقٍ على الموائدِ المهجورةِ في منفى الكتابة؛ ويرشقان رهانَ الحَدَأَةِ الخاسرِ بغَزَلِ الصقورِ، فتصرخ مغتاظةً وتحطِّمُ الشوقَ على رُكْنِ الطّّيَرَانِ الحَادّ. رأيتُ السُّعَالَ الدافئَ في شفتيها صلاةً، وما برح إبطُها المظلمُ يرسلُ عطراً مضيئاً يَعْمُرُ غرفي في السديمِ بمجالٍ طاهرٍ من السُّكَّانِ ذوي الفُتُونِ الفاتكِ والتَّمَنُّع. رأيتُ من خصرها يتدلَّى رَحَطٌ رقيقٌ يرحلُ حينَ الزغاريدُ وليلُ الشَّمَاتةِ في هفهفةِ الروحِ الصامتةِ التي تركها الويلُ على أُهْبَةِ البُخَار؛ يتدلَّى ويعاتبُ اللُّغَة.
    يَاا، لا تصهل بهذيانِ الجسورِ المعجبةِ بأعضائها التناسليةِ في سوقِ العصافير، أَبِنْ في شرحِ الغبارِ إن كنتَ العاشقَ الذي لا أحَد.
    شأنُ الذي لا يحزنه أن يكون اللعنةَ؛ شأني. شأنُ الذي في قلبِهِ ماعزٌ؛ شأنُك يا عناد. فَاْسْمِعْنِي مقالتَكَ فيها، واْرسم خططَ الكلامِ على ألْوَاحِ السيليكون الشاهقةِ في عراءِ الأزليةِ الأول. أنا رأيتُها. حِينَتَذَاكَ، لَمَحْتُ طيوراً لا أكثرَ، تُعْوِلُ بحرقةٍ فوق شَعْرِ النسيانِ المدهونِ بالإقامةِ والصمت. حِينَتَذاكَ، هُرِعَتْ إلَيَّ المناضدُ وأجهزةُ التسجيلِ، حاملةً ذُهَانَ المسافةِ العُضْوِيّ، وقد ضَمَّتْ إلى آباطِها بحرصٍ مواءَ الحطبِ الوسيم. وهي رأتني. غَرُبَ الجدارُ في عينيها. كنتُ مسروراً بغيابها الصوفيِّ المترنِّحِ سكراناً تحت يَاقَةِ قلبي، وهَاذٍ في قطيعةِ الدَّمِ الكبيرة. اسْمُ الشَّرِّ كان يدي. اسْمُ الغيبوبةِ كان الخنجر. أمَّا السُّرَّةُ فقد كانت الاسْمَ الآخَرَ الذي ما بعده أنوارٌ تُوْلَد.
    دَااوْوْوْدِي، لهذا الشَّرَك. منقوشٌ على زجاجِ القلب؛ وعلى لوحِ الطبيعةِ المفقود. دَااوْوْوْدِي، لِجُلُوسٍ من طينٍ يترجرجُ فوق عتمةِ ليلِ الجسد، ونهارُ الجسدِ كرَّاسةٌ مهملةٌ في معبدِ اليَدِ الطَّيْرِيَّة. دَااوْوْوْدِي، لِشَايِ الصباحِ البعيد. دَااوْوْوْ...، لا يا رقيبَ أبابيلي!، لم تصطدم درَّاجتُك البخاريَّةُ بالتأريخِ وحدَه. فالنعاسُ أيضاً. نعاسُك. نعاسُها. نعاسي. نعاسُ العالم. كان يقفُ أمامَ عينيها المفتوحتين حتى آخر الدخان. وكان كذلك في معصمِها المعرُوقِ الفضاءُ سواراً من كلامٍ أجَشّ، يرتخي على الملاءاتِ المشدودةِ من زواياها بمساميرَ مثبَّتةٍ في أبوابِ العدم.
    فلماذا وريفَ الجسدِ، أيُّها العنادُ، كَسَرْتَ القارورةَ خلف طيفيَ العابر؟. لماذا أرسلتَ فُخَّارَك العَدَّاءَ ليتعقَّبَ لعنتي؟. ألا تعرف؟. الأرضُ أُختي. المِقْدَارُ قَسَمِيَ الصَّادق، و(هورقليا) في دمي؛ لكن الجسد جميل. أنا كاهنُ إسرائيل الغائب؛ سَيَّافٌ سِرِّيٌّ يتجوَّلُ في بساتينِ الخلودِ وأزقَّةِ الحلمِ الميتة. وهُنَا، في السُّرَّةِ البرونزيَّةِ المعقودةِ على لهاثِ الحضارة، ها هو المكانُ المتسلِّلُ يتعرَّف إلى أجسادِ الخطواتِ الساقطةِ تحت نُبَاحِ الآلةِ اللحميَّة، وها أنت يا جُنْدِيَّ المعارجِ وحدك؛ في المدينةِ الغريبة؛ داخل غرفتك الباردة، ترنو بفراغٍ إلى المصباحِ الزيتيِّ القديمِ وهو ينثرُ برتقالَهُ الشاحبَ على المخطوطاتِ المؤجَّلةِ والكتبِ وبقايا وَنَسَاتِ الأصدقاءِ اللاَّمرئيين. أُنظر يا رقيب، إنها تحصي تعبَها فوق المنضدة. اسْمَها. حقيبتَها. قرطَها. الحذاء. ترسلُ خِفَّتَها في فضاءِ الغرفةِ المشغولِ بالكوابيسِ الخيليَّةِ وطيوفِ الحروباتِ القديمة. اسْمُهَا يحادثُك، لكنك تتغافل عنه متظاهراً بمناجاةِ أصدقائك الحبيبين في جبال (قاب قوسين) البعيدة؛ تناجيهم في مظهر ما تركوه بمنفضةِ السجائر من جنائز البِرِنْجِي؛ تتعرَّف إلى حزنِ ابتساماتهم في الأعقابِ التي أطفأوها؛ كُلّ واحدٍ بطريقةٍ مختلفةٍ تميَّزُه؛ هذا لـ(ربيع)، هذا لـ(محمد)، هذا لـ(ناجي)، هذا لـ(نجم)، هذا لـ(نادر)، هذا لـ....، تنتبه ذاتَ غفلةٍ منك لِبُذُورِ البَنْغُو الصغيرةِ اللامعةِ المنثورةِ على المنضدة، واْسْمُها يُلِحُّ في اْلْتِقَاطِكَ من شرودك. وحدك، تبني ـ بِعَوْنِ مُخَاتَلاتِ عقلِ المقدارِ اليابسِ ـ حساباتِ رهانِ الحياةِ وتخسر، فتكتب نَصَّكَ الواضحَ في هجاءِ التراكمِ الغيبيِّ في الدُّنيا لمعلوماتِ الفردوسِ والجَّحيمِ، وأحدٌ دامٍ في عوائِكَ يسألُ الضُّبَّاطَ عن رطانةٍ صديقةٍ تعملُ بالمبنى، فيُنْكِرون معرفتَهم بها. العواءُ يتسلَّقُ ماسورةَ التهويةِ العريقةِ ويهاجمُ السُّلالةَ من النافذةِ الزّجاجيَّة. تصرخ. تصرخ. ينتبهُ الحُرَّاس. يستأنفون التدخينَ، وأصغرُهم يقولُ بلا مبالاةٍ يَشُوبُها نزوعٌ دنيءٌ لتصنُّعِ الظُّرْف: (هذه اللَّعينة...، إستعمالْ خارجيْ...، مكتوبٌ على الديباجة!، نصحتُها عدَّةَ مرّاتٍ أن لا تعبثَ بقارورةِ العطرِ داخلَ كُسِّها!). تصرخ. والسُّعَارُ يشعلك في مجالِ العنفِ الداكن.
    أنت معي، سَبَّابَتُكَ تقبض على بِنْصَرِي، راحتُكَ مطبَقةٌ على المتاجرِ الفقيرةِ والسَّماوات، ونَحْرُكَ المرعِبُ يخطر ذاهلاً نحو مباني تعوي داخلها السُّلالات الجائعة. نواقيس حيَّةٌ ترتادُ (طفولتَك) المفتوحةَ على جِرَاحِ العالم. أرأيتَ كيف أنوارُها مطفأة؛ طفولتك؟. وكيف لا أحدَ من الداخلِ يرُدُّ تحايا العابرينَ بأَِسْفَهَ منها سوى قطة متثائبة تفتح عينيها بإهمالٍ ثم تتساقط ثانيةً في الغفلة؟. مَن ذا رأى النَّواقيسَ وهي تَخُبُّ بالجِّياد المائيةِ عانةَ القلب؟. مَن ذا سمعَ حوذيَّها الغلامَ يَحْلُو ويُقْلِقُ الرُّوحَ برائحتِهِ الثائرةِ يستوقفُ السَّابِلَةَ الصامتينَ ويسألهم عن حانة اسْمُها (طفولتك)؟. مَن ذا دَلَّهُ مَلُولاً على مبنىً يُنْكِرُ حُرَّاسُهُ المعرفةَ بالعاملين فيه ويرعبون السُّكَّان؟. عَبَرَت الجيادُ البابَ المقدَّس أولاً، ثم قادتْها ممرَّاتٌ كسولةٌ إلى البهاء، ومَضَت بإخلاصٍِ في متاهةِ الطاعة. أمَّا العيونُ الحيوانيَّةُ المتدلِّيَة من سقفِ غرفتك بجوار العناكب، فنعاسُها يكتبُ اسْمَها، والحنينُ يتقشَّر عن الجدار راكضاً بمرحٍ بين المقاعدِ والملابسِ الدَّاخليَّةِ المهمَلةِ تحت السريرِ الوحيدِ متحسِّساً الدَّمَ واللُّزوجةَ الصفراءَ التي لم تَجَفّ عن الفراش بعد. نشيجُهُ يطعنك. وجهُهُ رهيفٌ مُهْتَزٌّ حتى لَيَكادُ لا يَنْرَئِي. قرفصاؤُهُ على المسندة؛ قرفصاء الريح. وإطراقتُهُ مبلَّلةٌ بالأبواب: (متى ذهَبَت؟). (هأ!، هي لم تأتِ أبداً).
    حقدٌ كثيفٌ هذا الذي يهمسُ للعيونِ الحيوانيَّةِ بنفْسِهِ، فَيَنْسَمِعُ من شفاهِهَا الألْفِ؛ طنيناً مِن عالَمِ النُّوْنِ المسطورِ يحكي نبراتِ الحروفِ بآليَّةٍ حمقاءَ؛ كلاماً مضحكاً يدهنُ الحنينَ بالمَصَابِ وأشرطةِ الكاسيت الفارغة: (لكنْ، عطرها؛ طيوف أشيائها؛ اسْمها؛ وَنَسَتها؛ كلّ هذا، أرَاهْ، وأراها لا زالت مِن شِدَّةِ وجودِها هنا عالقةً بالأبوابِ والسَّتائر!!، كيف...). (ستائر؟، ههههههااا، ستائر!). الحقدُ يَمُدُّ نفْسَهُ من حيوانِ العيونِ المعلَّقةِ في هزءٍ مرير، تدورُ القزحيَّةُ الحمراءُ نحوَك: (أحَقَّاً قُلْتَ الستائر؟!، ههههااااهأ!). بِدَلْوٍ من حزنِ العنكبوت، تَحْثُو بصرَك وتُفْرِغُه على الجدرانِ شِبْه العارية، مُنْعِمَاً على صورةِ (جانيت جاكسون) وملصقِ الكولا بإيماءةٍ فارغةٍ، فيما يتبادلان ألوانَ خيوطِ التريكو ويغزلان للغرفةِ عباءةً خجولةً من لوعةٍ وحرج.
    مِثْلَ قلبٍ من عاجٍ، منسيٍّ داخلَ الجِّرَارِ البعيدةِ لِقَلَقِ العالَم. مثل مطاردةٍ لحوحةٍ شرسةٍ بين وردةٍ طَلَعَتْ من حزنِ المقعدِ وفكرةٍ بالكادِ تَتَعَيَّنُ فوق المنضدة. مثل السَّرِقاتِ، كنتَ يا الجنديُّ الرَّقيبُ مُؤَنَّثَ المياه. تركضُ في المداراتِ الأليفةِ طالباً ثأرَ النايلون. تخلعُ آلَتَكَ التناسليَّةَ المزدوجةَ، تعلِّقها بهدوءٍ على المشجبِ الصَّارخِ فزعاً، تَرْتَقِدُ الرَّائحةَ المُقْلِقَةَ الرُّوحَ؛ روحَكَ، تبكي أنْتَ تحت المَسَاقِ، تُضاجع في خوفٍ صوراً بشريَّةً ممعنةً في الجَّمَالِ، حتى يدعوك الفضاءُ إلى المنضدة. ترقصان مليَّاً فوق مَخَاضَةِ الأرقامِ العبيطةِ، ثم تأتيكَ الطَّلْقَةُ المحكمةُ مِن يَدَيْنِ في الضَّبابِ لا تجيدان التسديد؛ الطلقةُ الحيَّةُ ذات القلبِ والمنظارِ الطِّبِّيِّ الأنيق. الطلقةُ تقتربُ من البوَّابةِ فيبتسم لها الضُّبَّاطُ ويسمحون لحيواناتٍ صغيرةٍ خرَجَت من أسلحتهم بتقبيلها، ويَنْحَنُونَ أمامَها ناثرين الضَّبابَ والمديحَ ونجومَ أكتافهم المذهَّبة. الطلقةُ تصعدُ المدرج بثقةِ بائعِ اللبن. الطلقةُ تعالجُ قفلَ البابِ بمهارةِ القاتل. الطلقةُ تدلف إلى غرفتك. الطلقةُ ترمقك والفضاءَ تلعبان الدومينو فيما يدُكَ تهوي على المنضدةِ بقطعةِ التريس والبُلاطة. الطلقةُ تزيحُ الفضاءَ، مخترقةً سترتَه البيضاءَ عند موضعِ القلبِ، وتتَّخذ جلستَه. الطلقةُ ترفع عينيها نحوَك، فتهوي بالقطعِ كلّها، ولا يسمع الضبَّاطُ عويلَ الطيوف.
    باردٌ خَطْمُ النهارِ، وهو يقترب من الجثثِ بحذرِ الضَّبَاب. في أظافرِهِ السُّودِ لوعةٌ من مُحَّارٍ وحرج. في ملابسِهِ المغسولةِ بِمَنِيِّ الثأرِ شيمةٌ من فضاءٍ غارب. لكنَّه النهارُ، وما الرِّهانُ حينئذٍ إلا على الخسارة.
    ها هي تأتيكَ يا عنادُ مجعَّدةً ضحكاتُ الحديدِ. فهل أتَاكَ نحيبُ عَلَمٍ مُذَكَّرٍ سَئِمَهُ الجَّسد؟. تحسَّسْ أيامَكَ اليابسةَ في زهريَّات الذات، واْعْبُرْ صامتاً أمام مكتباتِ الأدواتِ المدرسيَّةِ وماكينات التصويرِ الرديئة. قَدِّمْ دروساً مجانيَّة في الهَيْنَمَةِ والهذيانِ لطلابِ الثانويَّات اليائسين.
    مناديلَكَ الوعرةَ المفرودةَ في اللُّهاثِ واسْمِ العافية؛ حروفَ العاجِ المنقوشةَ على زواياها المظلمة؛ العطورَ التي خلَّفَتْها عطاساتُ النساءِ اللائي عَبَرْنَك؛ بصماتِ الأصابعِ التي لوَّحَت بها: عَلِّقْها على جدارِ الغرفةِ الفارغِ إلاَّ من شُبْهَة التسلية. لَمْلِمْ هزائمَك حذاءً تِلْوَ جناحٍ، واْمْحُ الضحكةَ الفاجعةَ الدَّامعةَ التي تتفصَّد من عينيك كالدَّم. أُرقص. أُرقص. أُرقص. اسْقُفِ الرِّيحَ بأحلامِ الكارتيلات المدرسيَّة الخُصْيَوِيَّةِ البائسة؛ اسقفْها بالكوابيسِ المُتَعَيِّنَةِ عبر لِيْدُو سُلْطَانَاتِ العشبِ والغبار. أجَلْ؛ ولْتَرْقُصْ، إن كنتَ فاعلاً، خيفةَ يرطنُكَ المشهدُ القديمُ ثانيةً بلسانِ النَّاقةِ المرسِلةِ اسْمَها على شاكلةِ ذهبٍ طريحٍ إلى نملةٍ مرسومةٍ في القلب. إمَّا اْنْحَدَرَت إلى سهلِكَ قطعانُ الأكوابِ ومقابضِ الثَّلاَّجاتِ حاملةً ثُغَاءَها البُوْلِيسْتَر وفِرْيُونَها النَّبيلَ تريدُ مواساتَكَ بطريقتها الصَّاخبةِ الفاقعةِ ذاتها؟، فَعَلِّمْها عراقةَ الضَّوْء وأخلاقَ الضَّبَاب، ثم اْرفَعْ ـ مُدَّرِئاً بالبذاءاتِ البيضاءِ ـ مصابيحَ الـ&#64381;ـيْكْس البَهِيَّةَ فوق مراوحَ ظامئةٍ وأدراجٍ دامية.
    عائداً، ومن عينيكَ لَمَّا يتقشَّر الأملُ بَعْدُ، تتلمَّس حَمُوْ الهزيمةِ المسرورةِ في إبطِ هذيانِكَ وفي مُمَاسَّاتِ الخُصَى والأفخاذِ، فَتَزْعَقُ أصابعُك من مَسَّةِ اللِّيْنِ والسُّهولةِ واللُّطفِ ومُنْتَهَى العاصفة.
    عائداً من جُنْدِيَّةِ الرُّوحِ الحانثةِ بِقَسَمِ البرتقالِ على توراة الجنائنِ، تصحو، مُزِيلاً الفجرَ عن زاويتيِّ مِحْجَرَيْكَ، مُنَادِيَاً صُوَرَ الْمِثْلِيِّينَ عِبَادِ مِيَاهِ (الذَّكَرِ البَتُولِ) السائلةِ فقاقيعَ صغيرةً على جلودهم وشفاههم وراحاتهم، يلعقونها متجرِّدينَ لأنبياءِ البُوْرْنُو في خُلُوَاتِ الإلكترون الإباحيَّة، مرتعدينَ عند حَوَافِّ الرغبةِ الطَّاحنةِ تحت الطُّغيانِ الرَّهيبِ لخضوعهم وقوةِ اللحظةِ فيهم، ومنجرفينَ، تفيضُ حَوَاسُّهم بالعُوَاءِ المخنوقِ؛ وباللاَّنهائيِّ الثائرِ في الحضيضِ من عدمِ الصَّبر. صُوَرٌ مُبَرْوَزَةٌ بأشكالِ الصرخاتِ السوداءِ المجوَّفةِ التي أطلقها أطفالٌ في السَّحيقِ من الإنسانِ لم يَسَعْهُمْ أن يفهموا خواءَ اللوعةِ والرُّعبِ في ما يُسَمَّى حُبَّاً ولَمْ يُوَاتِ مَضَافَاتِ قلوبهم الواسعةِ، فاْنطلقوا في جهنَّمَاتٍ شخصيَّةٍ صغيرةٍ يُرَوِّعُونَ الصُّوَرَ الوحشيَّةَ الوادعةَ في مراعي عقولهم الرطبةِ؛ يَسْحَلُونَها بضغينةٍ وجنونٍ على شفراتِ الحضيضِ المُسَنَّنَةِ؛ يَنْدَهُونَ كحيواناتٍ بريئةٍ آلهةَ الدُّموعِ عساها تُرْدِي لأجلهم بنظرتها الطويلةِ كُلَّ هذه الطُّيُورِ التي تَعْوِي وتزأرُ في العينِ وتعصفُ بالقلب. أنْتَ تناديها، تلك الصُّوَر. تنادي وجوهاً لا تُنَال. تنادي لحمَ السَّادِرِينَ في الرُّعْبِ الحبيبِ، تدعوهم لمائدةٍ ليلية: (هيَّا...، طَهَوْتُ لأجلكم أعضاءَ أنواري التناسليَّة).
    عائداً، يَهُشُّكَ جرحٌ رماديٌّ ذو ذيلٍ وجناحين، وكَفٌّ رَخْصَةٌ بقبضاتٍ يسيرةٍ منها على كتفيك تِبَاَعَاً، تتمادَى في إراقةِ الحُبِّ على حقولِ اليوميَّاتِ الدَّقيقة التي كَتَبَها إخوتُكَ الرُّقَبَاءُ المذهولونَ جالسين وأكُفُّهم على رؤوسهم كامدينَ كفلاَّحينَ نُكِبُوا في زراعةِ موسمٍ كاملٍ بأمطارٍ خاطئة. يَطْرُدُكَ دمٌ مفتونٌ بمعمارٍ بدنيِّ حَرَامٍ لا تُطَاقُ مسالكُهُ ولا تُمْكِنُ، مأخوذٌ على قياسِ ضعفِهِ وقوَّتِهِ بجريرةِ البَانِي سلاسلَ لا تُحْصَى من الأكوانِ الطبيعيَّة خلفَ نقطةِ باءِ البَسْمَلَة؛ بابِها.
    عائداً، يَزْجُرُكَ حَرَجٌ وليلٌ بوردةٍ قديمةٍ في جيبِ سترته، وتَجْنِيكَ بِسِلاَلِها البلاستيكيَّةِ بَامْيَا قلبِك المنهكةُ من ذكرياتِ الشَّجَرِ ومن أنينِ روحها المقطوعة.
    ءااااهِ يا قلبَكَ الطَّافحَ حديداً وندم. يا سأماً في الزُّجاجِ الذي يطوِّقُ الروح؛ مَن أعَارَكَ خشونةَ الظِّلِّ لتبدو جميلاً هكذا، ومزروعاً بآثارِ أحذيةِ النَّمْلِ المهاجر؟. مَن غَطَّى لأجل عينيك القُدُورَ خيفةَ يحترقُ الهذيانُ إذْ غَادَرْتَ أنينَكَ تاركاً ثَلْجَ الصُّوَرِ مُتَّقِدَاً تحتَها؟. مَن أتاكَ مكلَّلاً بالكواكبِ الوريفةِ والغاباتِ والتعب، نازفاً رملَ اللُّهاثِ وضبابَ المديحِ المتخشِّبِ في بَهْوِ الماعزِ الوخيم؟. مَن هَبَّ أمامك ملتاعاً مستَثاراً أخرسَ اللَّحْظَةِ مستنكِراً ثُمَّ ثَقَبَ جمجمتَهُ برصاصةٍ عندما سَقَطَ الصَّبَاحُ عن (شجرة هَوَّارِيَّة) مضرَّجاً بالأبوابِ المغلقةِ وجسورِ الظِّلِّ المنسوفةِ والأمومة. مَن؟، مَن يكونُ الفاعل؟. مَن يكونُ الفاعلُ، إذْ يُجْفِلُ غِرٌّ مذعوراً مِن لمسةِ كَفٍّ وحيدةٍ خَرَجَتْ من خلاءِ الغيبِ إلى هذا النهار ورَبَّتَتْ آثِمَةً على رِدْفِهِ الشَّرِيف؟. مَن يكونُ الطَّيْفُ الصَّخْرِيُّ الذي، حين تَرَاهُ المعادنُ في أحلامِها، أرَاهُ بِقُرْبِي وكِلاَنَا خفيفٌ، شاهراً بئراً مُحَرَّرَةً من الأرضِ على مَاشِيَةِ المرايا وغُلُومَة الجدران؟.
    الشُّهَابُ؛ شُهَابِي، يعْبُرُ عارياً وسريعاً أمامَ أقاربِهِ (المنازل) المُزْهِرِينَ زوايا، وهُمْ يَنْظُرونَ، فلا يبقَى من حُطَاماتِ قلوبِهِم سوى الدَّم، يهرولون، منهورين برفيفِ الرَّغبةِ المُوْجِعِ إلى الحَمَّامَاتِ الضبابيَّةِ في الرِّيحِ لِيَغْرَقُوا في الجُّنُونِ بلا دُمُوع.


    *******

    من حيث أورهان باموك - مُرْضِعَة لِغَيْر التَّغْذِيَة
    محمد الصادق الحاج (جزء أول)
    (يُحكى أن غلاماً من تلامذة ابن عربي أتاه يوماً مسروراً، ورَوَى للشيخ أنه كان يعبر البستانَ إذ كلَّمَتْه زهرةٌ وجادت عليه بعِلْم النباتات كافةً ما يداوي وما يُسِمّ. فارتعش الشيخ مشفقاً على تلميذه وصاح به: عُدْ إليها واسألها أن تَرُدَّ عليها ما أعطتك فليس هذا بعِلْم).
    (رُوِيَ عن عبد الغني النابلسي أنه كان يسير مرةً بالقرب من أحد بساتين القدس مُطْرِقاً فإذا بزهرة تمشي إلى جانبه تكاد تسبقه).
    (حدَّثَنا أورهان باموك عن حكيمين اسْتَبَقَا؛ مَنْ منهما سيُمِيتُ الآخرَ أولاً وبطريقة رشيقة وسريعة. الأول منهما أتى بالسم أمام أخيه فمزجه له في كوب الشراب وقدَّمه له، فما تردَّد هذا في تناوله منه بكل وَقَار ثم شربه، وأثناء سريان السُّم في بدنه اتجه إلى زهرة في البستان وهمس لها بـ(شِعْرٍ مُظْلِم) ثم قطفها فمدَّها إلى الأول الذي سقط ميتاً من الخوف قبل أن يتناول الزهرة من يد أخيه).
    فمَن هذه الزهرة التي ليست كأية زهرة نعرف؟، ما الذي يضاهي لذّة المفاجأة؟. أن تُشرق الإضماراتُ عليك مضعضِعةً كيانك ذرّاتٍ تشعّ في عدم الانتباه؛ أتَخْيِيلٌ هذا أم مجاز أم حقيقة؟. وإذا عجزت المعرفة النظرية والمادية عن (إمداد) حياة اليوم بمطلوبها الملحّ من الحقائق والوقائع الملائمة لنوعية الحياة الداخلية المزمجرة في أحشائها؛ فـ(البغتة) أَوْلَى بأن يطلبها اليوم.
    طوفانُ ملاحظاتٍ، استنتاجات، أراشيف، استباقات تخزينية، اختراعات، علومٌ منتهى طموحها أن تقف عائقاً أمام اللطمة، أن تعرقل سَيْر المجهول بالمعادلات الرياضية موضوعة أبداً كأفواه البَارْكِن ثابتة الصرخة على مفارق التحليق لتوفير بطّانية كثيفة تقلِّل ـ بالميِّت ـ من قوة سقطة الأرض على صلابة الفجأة. الإلحاح على الظلام بالمجازات النورانية، الخوض بسيقان المنهج المنطقية المخْشِبَة في ظلمة الزهرة التي لا طُرُق، بل عماء مجفل يتراقص في الجلد كالسراب ويرسل نُذُر الخطر.
    من حيث بابٍ في ظلام الحقل أطارَتْهُ عن مفصَّلاته ركلة الكاوبوي التركي العابث أورهان باموك، أرى أبِي هَوْلِ المجازِ العصريّ يَسألُ الداخلين: (ما هو الغذاء الذي لغير التغذية؛ يُبْذَر في الخلود ويُؤكَل اللحظة؟). أرى أورهان باموك؛ البطل؛ بطل كل رواياته، يصطنع حيرةً مسرحيةً ثم يلطم حيوان المكتبة؛ المسخ السكران الذي لا يموت ولا يحيا، بِرَدّ كان على الفنان أن يُتْلِفَ ليس أقل من آلافٍ ليلفظه: (اللَّذيذ).


    1. استيراد الخائن
    سياسيٌّ بمحمولاتٍ تتراوَح. هذا ما بدا لي من ظن أورهان باموك بالوجود. ولعل المفردة (سياسيّ)، حتى بما تحمله من شرر يطفئه البعض ويضرمه غيره ويضطرم فيه (يأكله البعض ويضاعفه غيره ويتضاعف فيه)، وبما تتَّسم به ـ سياسيّ ـ من إحالات إلى البراغماتية ونزوع نحو التحليل الموضوعي لمجريات الواقع والخيال بتبسيط مجازاتها، هي الأشد نفاذاً إلى أثر الروائي التركي أورهان باموك.
    على أن ما تبادر لي من (مذهبيةٍ سياسيةٍ)؛ قُل (ذرائعية)، تنطوي عليها روايتاه (القلعة البيضاء) و(اسمي أحمر)، أعني ما تبادر لي من ارتباطاتهما في وليمة التاريخ والحاضر، لا يعود بي إلى (عالم ظريف أفندي) حيث يعمل الجانب المأكول المستساغ المغذِّي، القابل للإطفاء، من محمولات المفردة (سياسي)، هذا الجانب الذي لا يهمّه من الأثر الفني غير علبة الإسعافات الأولية، يبحث عنها، فإن لم يجدها عَدَّ الأثر ذاتياً (مغترباً!) و(انصرافياً) و(يفتقر إلى المنطق) و(منفصلاً عن)، وإن وجدها شَقِيَ الأثر الفني بذلك أكثر؛ فهو؛ أي الأثر الفني، تحت الطائلة القصيرة لهذا الإكرام المحقِّر، لا يعود يعمل إلا في حدود ما قدَّمته علبة الإسعافات الأولية للجنود، بحكم احتوائها على اللازم والظرفي من ما يحتاجون، في طارئية جبهة القتال، من البلاغة المحدودة المتواثَق عليها للمعاملات الدولية الشغوفة بانتزاع أنبوب المجازات العمومية الجاهزة من علبته وتركيبه في آلة الحقْن الشعبية لتعبئة مَرْضَاها بالفذِّ من اعتبارات الماضي وتفاضلات الحاضر وتكاملاته واحتمالات المستقبل. هنا يُحْمَل المجاز سلاحاً ضدَّ الغير. ذرائعية مضادَّة.
    عن علبة الإسعافات الأولية؛ هذه المستخلَصة قسراً من بين أصابع الفنان، فمُقْتَصَراً عليها تحت تأثير النداء الكاريزمي الملِحّ المشعوذ الخالد يعلو مزلزلاً العقل بصفافير الطوارئ والإنذار لا ينتهي، وعن ما يقابلها من مفاعيل علاجية وأعشاب طبية وأوبئة وسموم والتهابات متآخية في حقل الفنان لا يريد أحد تناولها... عن هذا المزاج المعاصر المُكْرِب، يدور تقرير الجاسوس هذا.
    إنهما طريقتان في التناول. أحمر. أسود. مِزَاجٌ شقيٌّ. يرسلُ الفنانُ المفعولَ صرفاً، والمستقبِلون يحاصرون الحقل بالعكاكيز يريدون قطف الثمار بأنفسهم، صارخين به في هَوْهَوَة الجحود: (كيف يبدو الخنجر من الداخل؟) بشهادة هاشم يوسف. يَسمع الفنان: (كيف يبدو الخنجر من الداخل: تخييل). يسمع الفنان: (كيف يبدو الخنجر من الداخل: فيزياء). فيُبْرِزُ أمامه هذان التحقيقان نطاقي بحث مختلفين عن بعضهما كثيراً. إن تحقيق الخنجر الذي شهده هاشم لم يَرِد في كتاب عن المعادن، بل في نص شعري، ولهذا جاز له أن يحيل قارئَهُ إلى طبقة شعرية من وجود الخنجر، نطاق سحري، يحوي صورةً بعينها ذات طابع تخييلي وسحري يتحكم في نوعيته خيالُ قارئها. صورة، لا صلة لها البتة بالمكون المادي العياني للخنجر، صورة تعرض جانباً من هذه القيادة الروحية الدائمة التي ينتهض بها الفنان، الجانب التنشيطي المضلّ المشكِّك أبداً في صلاحية العقل المُتَّعِظ، المتسائل أبداً عن ما يُرى في ما لا يُرى، المدبِّر أمراً لايُنَال بالأدوات، المُلِحّ لا يتعظ من الجُّحْر ذاته يُلْدَغ في كل مرة: الجُّحر الذي منبع الرمز والعاطفة الروحية، والذي نَبَتَ المُطْلَق من تربته مراراً وتكراراً، لا يتوب الفنان ـ هذا السندباد الدونكيشوت ـ من ارتياده، فهو يعرف أن المطلق رأس واحدة تطل من تحت ركام فيه رؤوس وطبقات كثيرة لا يريد الفنان أياً منها، وإن كان المطلَق أقواها طموحاً وطمعاً وأشرسها طلائعاً، إلا أن الفنان يقطِّع اللدغة في جلده كلما أطل عائق المطلق برأسه من ذلك الجحر وأخرسه، ثم يقصده الفنان الجُّحْرَ مرةً أخرى، (وَرْدَة للمَجِيءِ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى سيِّدي: مازن مصطفى) وأخرى، وأخرى، يمد يده، (ما الذي أتَمَثَّلُ في غايتي كي أُوْدِعَ الخنجرَ في أمنياتِ القَدِيد: مازن مصطفى). يعرف أن الخنجر، وإن اُسبغت عليه من الداخل صورة (الطعنة)، وإن نُصِّب القتلُ جوهراً ثقافياً على عرش الخنجر، إلا أن الخنجر المدفون في جُحْر الخيال ليس خنجراً قَطّ، ليس خنجراً ولا طعنةً وليس حديداً ولا شأن له بالقتل ولا بالشعر، ولو أن قطعةً من الروث نصبته فاشلاً مثالياً من داخل الجُّحْر لما كان الفنان نادماً، بل لكانت قطعة الروث أوفى له بحاجته من المطلق، ما دامت لم تُعِد عليه مجدداً ترديد أُنشودة الحق والخير والجمال من أفواه الجوهريين مُسَوِّقِي الرَّعشات الذين ياما قصفوا الفنان بقاذفات السوق والمعبد والمصنع.
    إلا أن التحقيق ذاته، حين يطرحه أستاذ في علم المعادن، واضعاً خنجراً من الحديد مثلاً أمام تلاميذه، ينتقل تفكيرهم تلقائياً حيال (كيف يبدو الخنجر من الداخل؟) إلى نطاق البحث مرجعياً في نسيج المادة المعدنية ودرجة الضغط والحرارة والاصطدام والثقل والكثافة ونشاط الذرات في حالة التسخين أو التبريد إو الإذابة و... وهم يجدون في المرجع الخارجي ما يفحمهم، ولكن لا مرجع للفنان يعود إليه، لا سوق للرعشة في ظلمة الفنان المحرجة. ولقد يخرسه الذهول إن أُحيل إلى ما أحيل إليه دارسو علم المعادن. وبعد موت الواقعية التربوية في قريتها، وبعد الشيخوخة المبكرة التي قضت على النظرية البنيوية الغالية طفلةً بفعل خطايا توأمها البنيوية التطبيقية، من ذا يجرؤ من ثَمّ أن يتطرق إلى عِلْم الفنّ، أو إلى علم الأثر الفني مطمئناً أن لا تتناهشه الدوارق والسحَّاحات ووحدات القياس والمعادلات والمساطر والأسهم والإحصائيات والجداول التكرارية، والأدوات المنهجية كافةً هاتفةً: تحت أمرك!.
    تعود بي مذهبية باموك السياسية إلى الجانب الآخر؛ الذرائعيّ، (عالم قَرَه.. الأسْوَد)، الذي يُضْرِم ويُضْرَم ويُضْطَرَمُ فيه، الذي حين صَوَّب أخطأ، وحين لم يصوِّب أصاب. إلى (السياسة) التي هي الوجود ذاته: أن تكون؛ أن تصير، أن تكافح مكراً لمكرٍ إنسانَ الإسعافات الأولية هذا مُجْمَلاً، أن تجرَّ النِّـيَّاتِ كلها؛ قويمةً ومعوجَّةً، كلها، عمياء، إلى مخدعك المَذْهَبي المضعضع، فتنتقي منها أكثرَها قدرةً على الانقياد إلى امتيازات المذهب، مع القدرة على تلافي عيوبه وتجاهلها وتبريرها إن هي لوحظت من الخارج، فالقدرة من ثَمّ على التغطية على إقليمية المذهب وعلى قُعُودِ مَقَالِهِ دون ملائمة كل مقام. أن تقوم بديلاً بسيف (السياسة) الضِّد، التي وَعْدٌ شخصيٌّ دائمٌ بـ(النَّجَاة) يلتزم به الشخص لنفسه عليها. (السياسة) التي الصَّبْر على أعباء المعاملة، أسَيِّئةً كانت أم حسنة، يستوي عندها مقدار الألم الذي تسببه ضرورة الالتزام بحمل السلاح؛ تناوله من الخارج، التهامه، لا تغذِّياً عليه، بل لتغذيته هو بحبل سري يعمل بمثابة الوصلة الجاسوسة على الموضع المُظْلِم، ثم تمكينه من الانسياب سلساً في النطاقات الشخصية، قائماً مقام الوضعية الآسفة للفيروس الفاتك المعدَّل صيدلياً بغرض تشغيله كمَصْل.
    السياسة/الاضطرار إلى (زوج خالتكم)، يلوذ به (قَرَه) أملاً في أن يُجِيرَه من الانغماس في معطيات جهله وتوليدها، وذلك باستخدامه الاستراتيجيات الدبلوماسيات الحربيات الجاهزات التي تُوفِّرها متاجر المشاركة والتبادل الجماعية لكل المشتركين. السياسة/الأمل، التي هي استيراد الخائن. هي (وَرْدَةٌ للمَزِيد... مِن ارتطامِ الأشجارِ في مُطْلَقِ الشَّجَرَةِ الوَاحِدَة: مازن مصطفى). هي العملية الوحيدة التي تتغذَّى وتغذِّي بذات الآلية، في سلسلة لاهرمية؛ متنامية من تنامي رطانات عناصرها، تتكثَّف، تتضاغط، تتجمَّع، تتفرَّق...، أبداً، داخل اللحظة مثل ريح مغلَقة، كل عنصر فيها يأكلُ آكلَه، وآكِلُه يأكُلُه، وكلاهما يأكل في ذات اللحظة من جهات أخرى، ويؤكل منها ومن غيرها، ومع ذلك يدوم الشخص في هذه الآكُولَة الأَيْكَلَة الدائرة ملتفتاً أبداً إلى الموضع المُظْلِم فيه؛ غير الخاضع لسيطرته، كأنما لا جهة أخرى في الكون غير جهة يتوسَّم فيها الشخص أن تخونه في أية لحظة؛ جهة كامنة فيه، تطلق عليه باستمرار نُذُر الخطر، الموضع الذي من أجله، وخوفاً من ما ينذر به، واستعداداً له، يتزوَّد الشخص بالغير سلاحاً.
    كل هذا يدور في هذه العملية التي السياسة؛ التي الترجمة اللفظية والصرفية والاصطلاحية والبلاغية لعملية كابوسية رهيبة مكتظة ما أمكن بالتعقيدات والتنويعات والتباديل. العملية التي تسمى: السلوك البشري. هنا يُحْمَل الغير سلاحاً ضد النفس. ضد اللحمة الجمرة التي لا تُنضِج ولا تَنْضُج ولا تحترق ولا تخمد.
    وما من خطر مجدب يعود على أثر الفنان ما لم يتوسم في نفسه أو في أثره الطِّيبة والحق والخير والصَّلاح والجَّمال والجدوى والفائدة. ليس الفنان ولا أثره بهذا المهرِّج؛ ظريف أفندي!.

    2. لا تدع الفرصة تفوتك
    صحيفة سُوق الرّعشات. تَصدر مرةً كل قرن، عن مقهى مَن لارجال ولانساء. تَقرأ في هذا العصر: في لمسة الدواء، كورسات فورية لتلقين مبادئ الرعشة. على صفحة السيف: منتخب الظلام يغلي بعظامه في الخيريات. الجهاز العامل بصيغة المصدر يقدم: سيزار فاييخو بالعسل. لغويون، فنانون، فلاسفة، علميون: طوَّعوا (الألف) حتى أقاموا له قصراً، وعثروا على الصفر وجبروا كسور الواحد. الشَّمَار الحار: عودة ظريف أفندي. اليوم.. لا تدع الفرصة تفوتك: المستنيرون، الثقافيون، المؤمنون بالله وملائكته ورسله، المؤمنون بالإنسان والنسوان ورأب الصدع، العازمون على دخول الخير من كل باب، الشقوق والعقائر تغريداً بمكاسب الحداثة والكونية في جوقة العقل.. اليوم: يحمْبِرون تحت صهريج القوميات الثقافية.. آخر عرض.. لك ولعائلتك.. لأنك تستحق الجودة..

    3. الزَّهرَة مُظْلِمة
    الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة. الفنّانُ مُظْلِم. البشريّ مُظْلِم. الصّدِيقُ مُظْلِم. الحبيبُ مُظْلِم. الفيزياء مُظْلِمة. الميتافيزياء مُظْلِمة. الشخصُ مُظْلِم. الباراشخص مُظْلِم. الأثر الفنيّ مُظْلِم. المصنعُ مُظْلِم. المسجدُ مُظْلِم. المكتبُ مُظْلِم. النّومُ مُظْلِم. النّورُ مُظْلِم. الموضعُ مُظْلِم. اليومُ مُظْلِم. الحياةُ مُظْلِمة. الموتُ مُظْلِم. الشيءُ مُظْلِم. اللاشيءُ مُظْلِم. البيانُ مُظْلِم. اللُّغزُ مُظْلِم. اللّغةُ مُظْلِمة. الخَرَسُ مُظْلِم. الحواسّ مُظْلِمة. الوعيُ مُظْلِم. اللاوعيُ مُظْلِم... الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة. كلُّ متعيِّنٍ مُظْلِم. كلّ مجرّدٍ مُظْلِم. كلّ عملٍ يجري مَجْرَى القيمةِ مُظْلِم. ليس إلا الحقول. الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة.
    الحقول الجنود على الحدود التي مركَّبة أجسادهم فيها سدادات على الثّغور التي هي أجسادهم بالذّات. (الرُّعْبُ مغلق: أحمد النشادر). الرُّعْب مغلقٌ سيدي!. الثُّغور تُولَد بلا انقطاع. والسدادات. كأن ما من صَدْع يحدث في الكون إلا وتحدث رَأْبَته معه. هب هذه الأرض ساحة مسوّرة. والحقول أشخاص بشرية. الأشخاص هم سكّان الساحة لا يعرفون وجهة خارجها. تحتهم يابسة مستقرّة وفوقهم مفتوح على احتمالاته، وهم يتحركون في النطاق السماوي القصير من الكون الذي ينتهي بعلو رؤوسهم. سَمِّه الفراغ، سمه الهواء، سمه الثلاثة الأمتار العمودية التي حول قشرة الأرض، يعيشون حياتهم على الدَّيْدن. الآن انظر إلى أجسادهم ودقِّق. هل رأيت أثر اللحام؟. كل جسد يسدّ فجوةً في الفراغ مطابقة لقياساته البدنية تتحرك معه إن تحرَّك وتسكن إن سكن.
    إذَن، باستدارة كتلته ومساحة محيطه، لكلِّ حقل مُظْلِم فَمٌ حُرٌّ واسع جامد الصرخة أخرس كفم الجزمة. فم ينمو قَبْلَ حقله مطابقاً له قادحاً شرر امتثاله جوهراً ثقافياً مفشق الوركين في متناول أي متسوق يقتني علبة الإسعافات الأولية. وريثما ينضج الفم الفاغر في غرغرينا الجندي السدادة، يلبث الحقل غيرَ موجودٍ ينتظر اندراجَ الفَمِ في ولايات الجوهر الثقافي، حتى إذا اندرج، هَبَّ الحقل عياناً موجوداً لينطبق باستدارةِ جسده باباً على الفم الفَاغر مقفلاً مَا يَلِي ظَهْرَهُ من الالتهاب أنْ يتدفَّق إلى ما يَلِي بَطْنه من العالم. يَصُدُّ الحقل ما استطاع من الفيروسات والجراثيم ويمتَصّ ما لم يستطع بجذورٍ ألْسِنَةٍ من اللهبِ ناميةٍ في الظَّهْر المقعَّرِ المجَوَّفِ الصَّارِخ صَرْخَتَه المفرَدَة الطويلة. ومن ذلك يتصدَّع، وقبل أن يسيل شيء من الرعب عبر التَّصدُّعات النَّافذة من الظَّهر إلى البطن يموت الحقل المُظْلِم فتلتحم حدود استدارة جسده بحدود استدارة الفم قِفْلاً يََلبث.
    يعمل الجسد باباً في أحواله كافَّةً؛ أماشياً كان أم كان جالساً أم راكباً أم نائماً أم...، فهو في كلِّ الإحداثياتِ التي تنشأ عن حركته يجرُّ مع حدود استدارة جسده حدودَ استدارة الفَم. غير أنها حركةٌ لا تَسْتَمِدُّ حضورَها المادِّيَّ إلا من قبول حواسِّ الفنان بـ(صورةٍ عن الحقيقةِ) لا تُشْتَرَطُ فيها أية مواصفاتٍ بعينها ما دامت هذه (الصورةُ الكيفما اتَّفق) تزوِّد الفنان بوهم رفاهية الحضور المادِّيِّ الحرِّ المنفصل الذي يتيح للجسد أن يحملها ماشياً أو جالساً أو راكباً أو نائماً أو...، لأنَّ الحركة الوحيدة الممكنة لـ(الجسد باباً) هي وقوعه في مَهَبِّ تنفُّس الفم الذي يحيطُ به زافراً شاهقاً.
    لكن الرُّعْب ـ أحياناً ـ مُغْلَق. الرعبُ لَيْسِيَّاتُ الدم؛ لحم هيهات حيث لا سماء فوق الجلد، ولكن الحواس الجاسوسة!؛ كعوب أخيل المتبرجة. لكن السوق. الفنان كعب أخيل. ومع أنه بمحض تعينه شخصاً بجسد يسد الثغر الذي يقابله شأنه شأن غيره من جنود التأمينات الحدودية، إلا أن ما يجعله مختلفاً عنهم أن إخلاصه يتراوح. وهو نازع ما بقي إلى أن يصير هو ذاته ثغرةً، لأن الرعب الذي يأتي إلى غيره من الحقول الجنود السدادات من قِبَل الظَّهر، مثلاً، أي إذا افترضنا أن الشخص يستقبل بواجهة جسدِه العالمَ التشاركي المهدَّد بالرعب، ويستدبر بظهره العالم الذي يأتي منه الرعب، سواء أكان هذا العالم هو ما يلي الظهر فعلياً أو كان هو العالم الداخلي المعمور بالمجردات من شاكلة الروح والنفس والعقل والوجدان والضمير وغير ذلك، أقول، إذا كان الرعب يأتي إلى غيره من قبل الظهر فإنه يأتي إلى الفنان من قبل الظهر ومن قبل العالم المباشر الذي يعمل على حمايته، كما يأتيه الرعب من عالمه الداخلي، سواء بسواء. فعن أي رعب ينغلقون.
    هذا فنان يبيع مفاتيح ولاية الرعب (أبوابها: أقفالها: جسده). هذا فنان يلقِّن المسوقين والمتسوقين كيفية اقتحام القفل عنوةً. هذا فنان يعمل بالتّهريب. هذا فنان لا يدع أيَّ رُعْبٍ يعبُر من خلاله. هذا فنان يخصُّ بالرُّعبِ بعضاً ويحرم الغيرَ منه إلاَّ من ادّارَك. هذا فنان يفشِّق مصراعيه ما اتَّسعا وما اتسع الرُّعب ولكنه يبقى باباً. هذا فنان يخطو بجسده كُلّه منسلخاً عن حَلَق الفم الذي له استدارة جسده ومساحة محيطه يتركه فاغراً ثانيةً يسترسل كالفم العاديِّ ذاته يطعم بالرُّعب عالَمين بحالهما بمحض وجوده: عدم الباب. فهذا عالَم كان يليه من جهة قد هي بطنه وقد هي الظَّهْر، وذاك عالَم كان يليه من الجهة التي ليسَت الأخرى، يجهَلان من منهما الظَّاهر ومن منهما الباطن. عالَمان كلاهما يرعب الآخَر. متفقان على الظلمة، ملتفتان كلاهما في الواقع إلى عالم جزيري يتوسطهما؛ يختلس النظر متقلباً بينهما، عالم ثالث يرعبها الاثنين. وهما في ظلمة المستنقعات ينصتان مرتجفين و(الضفادع تتنادى: رينيه شار). والذرائع تتجوهر، والحقول تتمطلق، والحدود تتثقف، والقلوب تنتفخ من تخمُّر الروح. يصير كل شيء جميلاً. إنه اليوم السابع. الجميع في السوق. الرعشات على الطرابيز والشناكل. المساومات فوق.
    إنما، وأثناءما الفنان بابٌ، والرُّعْب يأتيه من قُبلٍ ومن دبر ومن داخل، وهو كله عين لا ترى سوى جذور اللَّهَب خارجةً منها تلتهم الولايات الثلاث، ماذا يكون الفنان غير بابٍ ما لم ينصرف؟.

    4. الذرائعيّ
    لكن الوسيلة ليست الطريق، ليست الذريعة، بل هي الغاية. هي آلة لتنفيذ الذريعة وإقرارها وإدامتها. بمعنى أن عزَّة الغاية لا تنبع من كونها قد تمحو أضرار الوسيلة التي اتُّبِعَت لتحصيلها، بل إن عزة الغاية تنبع من كونها قائمة في موضع سابق على اتِّباع الوسيلة واتخاذها مجرىً للذريعة. أسبقية زمانية ومكانية وهدفية. فالذرائعي هو طالب الوسيلة، والوسيلة هي كل ما يريد أن يجده. الغاية متحصَّلة أساساً ومستملَكة، وهي الأمل في إيجاد الوسيلة الصالحة للاتباع، للتذرُّع بِـ. ألِيتوسلها مؤدَّىً أو صلةً أو منهاجاً لأي شيء؟، كلا!، لا يطلب الذرائعي مؤدَّّىً ولا نتيجة ولا خاتمة، لا يطلب عزاء ولا غفراناً ولا تبريراً من (لاإنسانية) الوسيلة، إنه يريد الاستمرار، والاستمرار مشروط باتِّباع الوسيلة. لا يطلب الذرائعي عبرةً لأنه لا خواتيم لمجريات الذريعة، فـ(الغاية) وُضِعَت أساساً في المحطَّة قبل الانطلاق. الغاية أن لا تنقطع الذريعة، أن يتصل الجريان. الوسيلة هي الغاية وهي الهدف، والغاية ليست الهدف. الوسيلة هي استعمال الغاية من أجل دوام الذريعة. وهل مِن إلا ذرائعيين سُوداً يشْدُون بمجد الوسيلة؟.

    5. انكبابي كتاباً: في الكتابة والقراءة
    لتؤدي الكتابةُ غرضاً بالنسبة لي ـ سواء أكانت كتابةً أكتبها أم كتابةً أقرأها ـ أفَضِّل أن أضع منصَّةً خارج جسدي كإطلاق الصواريخ، وأن أشرع في الانتقال شيئاً فشيئاً مني إلى هذه المنصة. حتى إذاً لا يبقى هناك شيء من هناي غير منصة لا أعرف حتى الآن إن كانت هناك أم لم. أعني يكتمل الكتاب باكتمال انتقالي إليه. يقف الكتاب (أنا). يقف الكتاب وهو (أنا) ولست غيره. لا أعود شيئاً بعد تمام الكتاب. الكتاب هو جهاز إظهاري. ذلك أنك لكي تتمكن من إدراك العالم الغريب الماثل خارجك لزمتك أجهزة الجسد العديدة. لا تظن أن ما تراه بعينك هو الشيء ذاته خارجها، بل إن عينك هي مستوى إقليمي من الطاقة القياسية يعيد من أجلك بناء الشيء وفقاً لأبعادك وقدرات جسدك وأفقك الإدراكي لتراه. بالمثل، لا يدرك الغير شيئاً منك إلا من خلال أجهزة قياسية خاصة بالنطاق الذي يخص الغير. الكتاب جهاز عمومي اخترع حديثاً نظراً إلى قدم الأجهزة الجسدية التي كانت تقوم بكل عمل المشاركة والمداركة قبل استحداث الكتاب. الكتاب محطة ارسال واستقبال مشتركة بين غيريات كثيرة يعرض الجميع من خلالها بضاعتهم وأعمالهم ومتحصلاتهم الداخلية دورياً وعلى أجزاء.
    أملي أن أنكبَّ بكاملي؛ فعلياً، لحماً ودماً وعظماً، في الكتاب، أيّ كتاب، وأن لا يعود من أي شيء مني غير الذي في الكتاب، حتى إذا قرأتَه من الخارج برزَت لك دهمة لحمية من إحدى الصفحات عرفتَ فيها (يدي) كأنها كلمة (يدي).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-03-2009, 01:26 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: النهلة إلى فيوضها... أو حتى لا يسبل الفتى على أساه بنا فيهلك! (Re: هاشم الحسن)


    -----------------------------------------
    لا تقرأ الشعر لتجده، بل عِشْه، وكُنْه، ليكونك.
    وهو قلعةٌ محصّنة، إن تقرع بابها لن يفتح لك، تسوّرها إذاً، وكن سارقاً محترفاً كما كان قبلك الشاعر مختلساً لما هو تحت اللحاء من أوعية سليلوز، ولما هو تحت الدجاجة من دوائر بروتين. فالشعر هو المسافة الحيّة والنابضة ما بين الملح في باطن الأرض وما بين الثمرة، وهو ما يُولِّد الشجر برأسه، ويملأه في آن.
    وهو المسافة الدافئة ما بين الأم وابنها الذي ما يزال حجراً مدوَّراً من تحتها، زي فاخورتك الغليدة دي يا دكين. كه. كه. كه.
    تلّب جُوّة حوش الشعر يا عزيز وعِشْه، ما تقعد تكوكو باب الشعر نص الليالي في رأسنا، وتخوتنا. فما من بَوَّابين للشعر.


    ---------------------
    وإليك بمحاولة لعيش تلك القطعة التي سألتني عنها من شعر ود الصادق، كنموذج:
    Quote: حامِي وُجُوهِ الفَرَاشَاتِ من يومِها التَّالي!، حاصِـرُ المكانِ في دمعة!
    أذكر أنّني كنتُ أحب الطيور وأجمعها، وكنتُ معروفاً بهذا الشيء وسط أصدقائي. وأذكر أنَّه كان لي صديق، اسمه منصور، لا يحب الطيور مثلي، وإنما يجمع الحشرات، وبالأخص "أبو الدنّان" بجميع أنواعه والفراش والجراد. لذلك بعد أن كبرنا قليلاً وكان هو مستمراً في محبّته تلك، أهديتُه كتاب حكايات إيطاليا لمكسيم غوركي، لأنّ هناك قصَّة بطلها لطالَما ذكّرني بذلك الصديق في جمعه للحشرات ومحبّتها، وخلق تواصل غامض وواسع مع تلك العوالم التي تراها من بعيد صامتة ومخيفة وما إن تقترب منها حتى تنتمي إليها وترى فيها العجائب. صديقي لم يحب القصّة ولا الكتاب، وقال لي هذا الرجل مدِّعٍ فقط، ولو أنَّه كان يعرف الحشرات فعلاً لما كتب هذه القصة التافهة والسطحية عن ذلك العالم. بأي حال كنا حينما نجتمع في طفولتنا، أنا وهو، وهو يحمل شبكته الصغيرة التي يصنعها من بلاستيك، مُخَرَّمٍ في عيون صغيرة، كانوا يأتون فيه بالفواكه، إن كان هنالك من يذكر هذا الشيء، أظنه قد انقرض. أمَّا أنا فتجدني مدّرعاً بقلاباتي لصيد الطيور، وأتجوَّل كثيراً مع المغارب لأعرف أوكار الطير، كي أجمعه في الظلام. نصف الليالي تجدني بوسط السواقي، أو في الخلاء الذي يترامى فوق المسيكتاب، يا ولد بتقرص، يا ولد بعضيك دبيب! ولالايهمني، كنتُ مأخوذاً بعالمي ذلك، كما أحب من عالم صديقي منصور فراشاته تلك وحدها، ليس من يومها الأوَّل، ولكن حينما تغدو فراشاتٍ بالفعل. وبعد أن تمتلك أجنحتها مكتملة، بألوانها العجيبة، وتشكيلها الذي لا يُضاهى، وأصواتها التي لن تسمعها إلا بعد تمحيص شديد. من جهة أخرى، وإن لم نكن قد عشنا ذلك، فهل نذكر ما درسناه في الابتدائية عن الفراشات!؟ بالتحديد أطوار الفراشة! فهي تبدأ بالبيضة، ثم تتحوَّل إلى يرقة، ثم تنتقل إلى عذراء، لتأخذ الفراشة وجهها الكامل والخاتم بعد ذلك. فأنا لا علاقة لي بـ(قمح السكون) الذي قال الشاعر محمّد الصادق إنّه {حامي وجوه الفراشات من يومها التالي، وحاصر المكان في دمعة}، لا، أنا أعيش هذا الشعر وأكونه. فصديقي منصور كان يحب الفراشات التي هي في كل يومٍ لها وجه، يحبّها بوجوهها كلّها، وجه البيضة، ووجه (اليرقة- وهي الدودة) ووجه (العذراء). أمَّا طفولتي أنا فكانت ترهبها، ولذلك كانت تريد تلك الوجوه في يومها الأخير، المُلوَّن والباهي، لم تحتمل طفولتي تجريد الفراش الذي هو دود، وبيض، وعذراء كسعنٍ معلّق. وحده منصور كان حامي وجوه الفراشات من يومها التالي، أي المتبدّل كل حين. هذا في تفكيك "حامي" على معنى "ذائدٌ عن". وبوسعي أن أقول حامي بمعنى "متصدٍّ لـ" وحينها أكون أنا حامي بمعنى "حارم" وجوه الفراشات من يومها التالي، لأنّي أخشى البدايات. بالضبط، مثلما أحزنتني نهاياتُ ذلك (المكان)، حين انطلقتُ نحو غربةٍ لا أعرف متى أعود منها. فقد بدأتُ مشواراً مُبَكِّراً بالخروج من هناك، من ذلك (المكان)، المسيكتاب، ولا أدري إن كنتُ سأعود إليها راجلاً أم محمولاً، أم لا أعود بتاتاً. أذكر تماماً أنَّ الدنيا كانت وقتاً باكراً، بين غَبشَ وغَبشَ، لحقتْ بي حبّوبتي الحرم بت حاج طيفور حتى كبري السكّة حديد لتوادعني، ومن خلفها تهرول أختها نفيسة متلفلفة، و"يا حليلو يا الحرم أختي، كيفن تخليهو يسافر؟ دا مبدول، وقلبو مكفي، إن فات تاني ما بجي راجع، الليلة يا دوب البتولا بت أختي ما ماتت"، هيي هيي هيي، نهنهات هنا وهناك كنتُ أسمعها، أصوات الرواعية وهم يتوجهون بماشيتهم باكراً إلى الحوَّاشات. الفضاء الكابي بعيداً ومن تحته شفق باهت، الأجراس التي في رقاب الأغنام والدواب تصلصل والرعاة يبتعدون. القطر أيضاً يرزم ثم يتلاشي، لألمح بعد انصراف القطر، من الجهة الأخرى للسّكة حديد، صديقي منصور متشكماً بشاله كعادته، "يا زول نويت خلاص؟ عديلة تب، أبقه عشرة". هو منصور ذاته، حامي وجوه الفراشات من يومها التالي، ولا يخشى البدايات، سيدعني أبتدئ ما أُريده. أنظر بعيداً ناحية المقبرة المائلة هناك، حيث ترقد البتولا بنت الموفد، التي سأُحرم حتى من رؤية مقبرتها، نعم تتحدّر دمعة حارَّة، ينحصر فيها ذلك المكان كلّه، إن مسحتها سيتبدَّد المكان بكل ما حوى، وإن تركتها يجف، أعني المكان، على وجهي. أنا الذي حصرتُ المكان، المسيكتاب، في دمعتي وأحصيتُه مودّعاً، جرساً بعد جرس في أعناق الماشية العابرة، وجَدّةً فجَدَّة ممن جئن لكي يحتفظن بي في ذلك المكان كتذكار منهن، ومن ابنتهن الراحلة. ولكنني لم أستجب لإغواء ذلك المكان، سأترك منصور وحده، يرقب وجوه الفراشات وهي تتَبَدَّل، سأرحل خلف وجهٍ خاتم لفراشة في الغيب. والمكان؟ حصرتُه في دمعتي، التي مسحتُها فجفَّ على وجهي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-03-2009, 01:45 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: النهلة إلى فيوضها... أو حتى لا يسبل الفتى على أساه بنا فيهلك! (Re: محسن خالد)

    يا دكين، كلامك لروزمين دا من عجائب الدنيا السعععبة خلاس،
    زولة جات نضمت متل بقية أخوانها وأخواتها، تقول ليها إنت ما فهمت؟ ودليلك على عدم فهمها شنو؟ إنك إنت دا شخصياً ما فهمت!؟ دا كلام دا!؟ لا حِكت لا بِقت! هي روزمين دي موقعة معاك اتفاقية فهم مشتركة؟ وألا هي ماضية معاك اتفاقية صادرات وواردات عقلية بينية دولية أو "نحو ذلك" يا عملات ملاسي!؟
    لا حِكَت لا بِقَت! علي بالحلال يا عزيز، درتَ تتماسخ ساكت بدون وجه حق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-03-2009, 03:12 AM

Baha Elhadi
<aBaha Elhadi
تاريخ التسجيل: 29-03-2008
مجموع المشاركات: 879

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: النهلة إلى فيوضها... أو حتى لا يسبل الفتى على أساه بنا فيهلك! (Re: محسن خالد)

    علاقتي بالنصوص تصبح اعتباطية بعد أن أكتبها و أتحدث هنا كقارئ اخر من حشد الأناوات المكدسة خلف كتلة لحم بشرية. (يدعونني جمهرة) نص عملت فيه بذات الأدوات الحادة في نص مجاسدة ، كنت أرى أن الشاعر متطرف أي أن يستنفذ أقصى ما في (المعنى أو الصورة أو اللغة) شعريا لأقصى حد ولا يهادن في ذلك وأي مهادنة في ذلك هي ارتخاء يخون أنا الشعر العليا في الشاعر، في يدعونني جمهرة كنت خارجا من "مجاسدة" فعملت بالأدوات الحادة ذاتها في جانب بحدة و في جانب بهدوء حاد قلت لأقف في الخارج واترك جسد ما هو الشعر فيني "يتحتحت في الورقة" تلك العملية السلبية – كنت أريد اختبار اندلاقي على الورقة مع حيادي أو حياد وعيي و عدم تدخله، لذلك كانت يدعونني جمهرة جماع رغوات كنت فائرا بها في قاعي ووصلتكم نكهتها ، هذا الكلام لا تأخذ به إنه بعيد جدا حتى كأنه حدث في كوكب اخر في دمي.."تلك قراءتك و للجميع حق أن يكون له قراءته"
    بدءا للأخ التبريكات بكتابه الجديد أيا كان رأينا فيه
    فهو إضافة أيا كان كذلك مردودها أو صيتها


    الأخ محسن + نهلة+حمور +دكين:

    من دواعي وليس شروط الإبداع :
    كاتب أو مبدع ( وليس فنانلأن الفنان في اللغة هو حمار الوحش ) وأرى كثيرا منهم (فنانين على طريقة صاحبهم)
    نص منجز أو مبدع
    متلقي
    وأركز على الأخير إذ هو شرط ضروري وإلا هوّم الكاتب في فراغ ( وبعدها يدق الدلجة ساكت)

    كما قال حمور هنا نص مجتزأ أو هو مبتور عن سياق نص منجز كامل
    المماحكات الهنا دا مجزأة وناقصة عن سياقها
    النص المنجز هنا أمامنا غامض غموض لا لبس فيه
    وهو نص لا يمت لقصيدة النص المعروفة بصلة اللهم إلا إذا كان المبدع أراد جنسا أدبيا جديدا لا ندرك كنهه بعد نحن المتلقين العادين الذين جبلنا على معرفة الأجناس الأدبية
    نص تبدأ جملته وعند نهايتها تفاجأ بجملة لا رابط إبداعي أو لغوي أو أي نوع من أنواع الروابط بينهما
    ويتركك معلقا لم تفهم أو تتذوق الأولى ولم تدرك الثانية التكملة لها
    فماهذا بربكم ؟
    نوع جديد من الأدب لم نسمع به ؟
    قرأنا قصيدة النثر عند درويش مثلا وهي في صياغها مفهومة وتقول شيئا ما ندركه ونتذوقه على الأقل
    أما ما جاء هنا في النص المعروض
    فهو استعراض لعضلات لغوية لا تغني وتصل بك لشيء إلا تهويمات لغوية ويشوبها بعض الأغاليط
    مثلا في مستهلها يقول ( سوف لن) ولغويا سوف ولن لا تجتمعان فكلاهما يدل على نفي المستقبل
    حتى اللغة واستخداماتها عصية وغير مألوفة
    وأتفق في كثير مع الأخ دكين
    فإن لم يكن هدف نشر الكتاب أن يقرأ فلم نشر بدء؟
    وإذا نشر لناس يقرأون فكيف نقرأه وهو عصي مغلق
    ربما هي لغة مشفرة بين مجموعة من الكتاب يفهمونها بينهم
    فبالتالي الكتاب موجه لهم
    أو كما فهمت من مدخلة أحدهم هنا كأنما يشيء بأن هذه الكتابة بينهم ولهم وحدهم
    أظنه سابل فيما قال
    الغرائبية نهج معروف في الأدب ولكنه لا تصل لهذا الحد من
    إنغلاق النص على ذاته ولا يملكك ولو بصيص من مدخل لتتذوق على الأقل ناهيك عن أن تفهم
    عموما هذه قراءات أولية عنت لي
    بهاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 2 „‰ 2:   <<  1 2  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de