مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 14-11-2018, 11:55 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة منصور عبدالله المفتاح(munswor almophtah)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-02-2012, 11:33 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19148

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك

    مروي ذكريات ومذكرات
    شرفي - الكابلي - وقيع الله

    أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

    بعض المدن والقُرى السودانية لها صور حيَّة في أذهان الناس، رسمها المبدعون في شكل لوحاتٍ شعريةٍ ونثريةٍ بالغة الجمال، معبرةٍ عن مكنون مشاعرهم وأحاسيسهم المولعة بحب تلك الديار، ونذكر من هؤلاء الشاعر عبد الله محمد خير الذي أنشد في إحدى قصائده الحسان، مادحاً قرية أرقي بقوله: "أرقى يا رحمن في السماح مافي بلداً بتجاكرا *** الله مديها سماحه صاح من كروها ولى تكرا"، وجاراه الشاعر حاتم حسن الدابي، معاتباً إياه بعدم ذكر القرير، ومساجلاً بقوله: "القرير جوهرة الشمال وأنت دايريها محاسنا*** وفي المقام زي ذات العماد***هيبته وعزة ساكنا"، وقبل هؤلاء جميعاً أنشد الأستاذ عبد الكريم الكابلي لمروي، معدداً محاسنها في صورة شاعرية زاهية، استهلها بقوله: "فيك يا مروي شفت كل جديد *** فيك شفت عيون لعبو بى شديد *** وانكويت بالنار من زهور فى خديد". ولعمري أنَّ هذه الشواهد المختارة تكتنز نفيساً من نفائس القيم الجمالية الملهمة للإبداع، بأبعادها الحسية المختلفة، التي تجمع بين عبقرية المكان وتجليات الذات الإنسانية خُلُقاً وخِلْقَةً. ودون تقدير لذلك تكون نظرتنا، نظرة سطحية متجاوزة لإيماءات ذلك الواقع الرمزية؛ لأنها بسطحيتها تعطي الأولوية لصوت الحدس الظاهر على حساب خفقان المشاعر الصامتة التي صورها المبدعون في لحظات صفاء ذهني سامقةٍ، ومتأثرةٍ بإيقاع مشاعرهم الذوقية المختلجة مع أنفاس عواطفهم الجياشة. وعندما هذا المنعطف يصدق قول الأستاذ الكابلي: "وبعد حوالي الأربع سنوات من عودتي [إلى الخرطوم]، جاء رجل وسيم الطلعة إلى مكتبنا بالمستخدمين، يسأل عني. وقال: لي بلهجة لم تخل من الحدة، بأنه قد جاء ليسألني سؤالاً محدداً مباشراً: ما الجديد الذي وجدته في مروي؟ كما ورد في اغنيتي "فيك يا مروي شفت كل جديد" قلت له: هل نتعرف على بعضنا بعضاً؟ قال بأنه طبيب واسمه فلان الفلاني، وأنني قد أضعت من عمره سنتين بالتمام والكمال؛ لأنه وبناءً على ما ورد في أغنيتي طلب أن يُنقل إلى مروي للعمل بمستشفاها؛ ليرى هذا الجديد الذي يغري بالرؤية. قلت له: "أنهم الناس الذين عرفتهم إلى جانب التجربة المفيدة التي خرجتُ بها من مروي في مقتبل عمري."
    تقودنا هذه الإجابة الموجزة، والموشحة بمعاني الإنسانية، وآيات الوفاء والعرفان لمروي أرضاً وشعباً إلى طرح حزمة من الأسئلة الجوهرية: ما سر جمال مروي الذي غنى له الأستاذ الكابلي، وكتب عنه الإداري حسين محمد أحمد شرفي، ووثق له الإداري بشير حسن وقيع الله؟ وما علاقة مروي بهؤلاء الأعلام الثلاثة؟ وهل أنَّ عبقرية مكانها وتجليات ذاتها الإنسانية جعلتهم يضعونها واسطة عقد في ذكرياتهم ومذكراتهم ؟

    مدينة مروي الإرث والتاريخ
    تقع مدينة مروي الحديثة على الضفة الغربية لنهر النيل، وقد شُيدت بالقرب من آثار مدينة صنب أبو دوم (أو صنم) التي يرجع تاريخها إلى العهد النبتي (900-270 ق.م.)، حيث توجد بها مقبرة كبيرة، تضم 1500 قبراً، ومعبداً للإله آمون، وقصراً ملكياً. وتُعدُّ تلك المقبرة دليلاً أثرياً على وجود استيطان بشري في المنطقة منذ وقت مبكر من عمر الدولة الكوشية (مروية). وقبل مجيء الغزو التركي المصري عام 1820م كان اسم مروي يطلق على مروي شرق، مركز ملوك الشايقية العدلاناب. وفي العهد التركي المصري (1821-1885م) أضحت مروي (صنب أبودوم) رئاسة لخط مروي الإداري، إلى أن حررها أنصار المهدية بقيادة الطيب السورابي عام 1884م، وخربوا مكاتبها الحكومية، واستولوا على خزينة الدولة، وشونة الغلال. وفي عهد المهدية (1885-1898م) جعلها الخليفة عبد الله رئاسة لخط مروي الإداري، وعين عليها الشيخ محمد أحمد كنيش. وبعد سقوط المهدية جعلها سردار الجيش الغازي معسكراً لتموين حملة بربر المتجهة صوب الحاضرة أمدرمان، ثم بعد ذلك أضحت مأمورية إدارية، ثم مركزاً لرئاسة منطقة مروي الكبرى الواقعة بين الباجة شمالاً وأمري جنوباً. وعندما ضُمت مديرتي دنقلا وبربر في مديرية واحدة تُعرف بالمديرية الشمالية، أضحت مروي رئاسةً لمركز موحد يضم مجلسي ريفي مروي وريفي دنقلا. وفي ضوء قانون الحكم الشعبي المحلي لسنة1971م قُسم مجلس ريفي مروي إلى ثلاث وحدات إدارية، شملت مجلس ريفي مروي الشعبي، ومجلس ريفي كريمة الشعبي، ومجلس ريفي الدبة الشعبي.
    وفي عهد الاستعمار الإنجليزي المصري (1898-1956م) شُيد بمدينة مروي العديد من المرافق الحكومية، والخدمية المهمة التي اكسبتها شهرة واسعة في المنطقة، ونذكر منها رئاسة المركز والمصالح التابعة له، والمدارس بمراحلها المختلفة، والسجن، والمستشفى، وبيوت الموظفين العاملين في الدولة. وفي تلك الأثناء ارتبط اسمها بالسير هاربرت وليم جاكسون (1961-1931م)، الذي درس في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، ثم التحق بالجيش المصري، وانتدب لخدمة حكومة السُّودان عام 1899م. عمل مديراً لمديرية بربر (1899م)؛ ثم سكرتيراً إدارياً، ونائباً للحاكم العام (1900-1901م). وبعد انتهاء خدمته بمكتب السكرتير الإداري عاد مديراً لمديرية بربر عام 1902م، ومنها انتقل إلى مديرية دُنْقُلا (1902-1922م)، حيث قضى أطول سني خدمته بالسُّودان، ومن دُنْقُلا انتقل إلى وظيفة مفتش عام في الخرطوم (1922-1923م)، ثم تقاعد للمعاش بمدنية مروي، حيث أدركته المنية عام 1931م، ودُفن جثمانه بالمدينة التي أحبها واختارها موطناً لمعاشه، وأُقيم على قبره نصب تذكاري.

    مروي في مذكرات شرفي
    نقصد بالإداري شرفي، حسين محمد أحمد شرفي، الذي وُلُد بأمدرمان عام 1918م، وتخرج في كلية غردون التذكارية عام 1937م، ثم التحق بكلية الآداب قسم المدارس العليا، ثم معهد الإدارة والبوليس، وتخرج عام 1945م. بدأ عمله الإداري بوظيفة نائب مأمور في بعض مناطق السُّودان، ثم بعد ذلك ترقى في السلم الإداري إلى أن بلغ وظيفة مفتش مركز، وعمل بعد ترقيته في مناطق عدة في السُّودان، من ضمنها مجلس ريفي مروي (1957م)، ثم أصبح محافظاً لمديرية بحر الغزال عام 1964م، ونائباً لوكيل وزارة الداخلية، ثم محافظاً للمديرية الشمالية (1966-1970م). تقاعد عن العمل الإداري عام 1973م، وتوفي في عقد التسعينيات من القرن الماضي.



    السيد حسين محمد أحمد شرفي

    وعندما دوَّن شرفي مذكراته، التي نشرها في كتابه الموسوم بـ"صور من الأداء الإداري في السُّودان، 1942-1973م)، أفرد فيه باباً كاملاً عن مركز مروي/دنقلا، استهله بقوله: "وصلتُ مدينة كريمة في نهاية عام 1956م، وبدأتُ ممارسة مسؤلياتي بحضور العيد الأول للاستقلال، وكان الاحتفال السعيد بداية موفقة للتعرف خلاله بالإخوة الزملاء الموظفين، والتجار، ورجال الإدارة الأهلية، والأعيان، والشخصيات البارزة بمدينتي مروي وكريمة، والقرى المجاورة." وسبق السيد شرفي على إدارة مركز مروي/دنقلا بعد الاستقلال إثنان من الإداريين الأكفاء، وهما: صديق نديم الذي تقاعد عن العمل الإداري عام 1956م، ثم عثمان عبد الله الذي لم يمكث طويلاً بالمركز؛ لأنه آثر الالتحاق بالعمل الدبلوماسي. وكانت رئاسة مجلس ريفي مروي في ذلك الوقت من نصيب البكباشي عبد الله إدريس أبو الحسن، رئيس الإدارة الأهلية بمنطقة مروي، ونائبه العمدة إبراهيم محمد أحمد أبوشوك (عمدة قنتي). وإلى جانب هذا التمثيل الشعبي حظي المفتش حسين محمد أحمد شرفي بزمالة نخبة من الإداريين، والقضاة، والموظفين الأكفاء، الذين كانوا مضرب مثل في الإداء الوظيفي، فضلاً عن أنهم جعلوا لمدينة مروي طعماً، ومذاقاً خاصاً في ذلك العهد الندي، الذي لخصه الأستاذ الكابلي في قوله: "فيك يا مروي شفت كل جديد". ويذكر شرفي تلك النخبة المتميزة التي سطرت أسماءها في تاريخ مروي حسب التسسل الآتي:
    1) الشيخ عوض الله صالح القاضي الشرعي
    2) السيد صالح محمد علي عتيق القاضي المقيم
    3) السيد إبراهيم يوسف ضابط مجلس ريفي مروي
    4) السيد السر حسن طه مساعد ضابط المجلس
    5) السيد يحيى محمد علي الشامي مساعد مفتش مروي
    6) الدكتور حسن عبد الله كُشْكُس المفتش الطبي
    7) السيد عبد الحميد محمد الأمين ضابط الصحة بمركز مروي/دنقلا
    8) السيد حمد أحمد حران مفتش الزراعة-المشاريع الخصوصية
    9) السيد إبراهيم أحمد عبد الله مفتش البساتين
    10) السيد الطاهر أحمد البدوي مفتش الزراعة -المشاريع الحكومية
    11) السيد نور الدين حسن رئيس ضباط المساحة
    12) السيد مهدي محمد فرح ضابط المساحة
    13) السيد علي الكحيل مساعد مسجل الطلمبات
    14) السيد سيد سكوتة كبير ضباط تعاون مروي/ دنقلا
    15) السيد عكاشة حلمي وكيل بوستة مروي
    16) الأستاذ حامد عمر الأمين ناظر مدرسة مروي الوسطى بنين
    17) الأستاذ أحمد صالح داؤد ناظر مدرسة مروي الوسطى بنات
    18) الأستاذ الأمين دكير مدرس التاريخ بمدرسة مروي الوسطى
    19) السيد سعد محمد إبراهيم باشكاتب المركز
    20) السيد عبد الكريم الكابلي كاتب المحكمة الجزئية

    وبشأن ترابط هذه المجموعة الاجتماعي، وتواصلها الإداري، يقول السيد حسين شرفي:

    فقد كان من دواعي سعادتي في مروي وجود مجموعة من الإخوة الزملاء رؤساء الوزارات والمصالح الحكومية لم يكن لها مثيل، فقد كانوا مجموعة من الناس المتفاهمين، وكأنهم في قلب رجل واحد. كان التعاون سائداً بينهم في الأداء الحكومي لدرجة يصعب على قارئ اليوم أن يصدقها، أو يتصورها، وقد وصل التعاون بينهم جميعاً على درجة أن الخارج منهم في طواف أو رحلة عمل يكلف البعض من الآخرين أداء بعض المهمات نيابة عنهم، وفي مجال أعمالهم ومسؤولياتهم المهنية، وهكذا. أما في حياتهم الاجتماعية فقد كانوا وكأنهم يسكنون في بيت واحد، لا يفترقون عن بعضهم البعض إلا خلال ساعات العمل الرسمي، وفي الليل عند النوم، كانوا يجمعهم سوياً مناسبات الغداء بعد الظهر، ولعبة التنس عصراً، والنادي مساءً، وأخيراً منزل واحد منهم في جزء آخر من المساء، وخاصة منزل دينمو المجموعة الدكتور حسن عبد الله كُشْكُش... وقد كان كاتب المحكمة عبد الكريم أفندي الكابلي فناناً مبدعاً، ولكنا كنا بديمقراطية نتركه خلال الأسبوع ليطرب أقرانه وأصدقاءه، ولكنا غالباً ما نستأثر به منهم بمنزلي أو منزل القاضي عتيق عليه رحمة الله، أو منزل الدكتور كشكش أمد الله في أيامه، في ليلة آخر الأسبوع الخميس في سمر برئ.

    وإلى جانب عمله الروتيني وزياراته الميدانية لقرى ومدن مركز مروي/دنقلا وثق مفتش المركز شرفي قصة طريفةً، ترتبط بالصراع الذي نشب في صفوف الاتحاديين عام 1956م، وأفضى إلى انسلاخ مجموعة الختمية وأنصارها من الحزب الوطني الاتحادي، وتكوين حزب الشعب الديمقراطي. وكان لذلك الصراع إسقاطاته السياسية السالبة على منطقة مروي، حيث أعلن البكباشي عبد الله إدريس، رئيس الإدارة الأهلية آنذاك، مواصلة نضاله السياسي في صفوف الحزب الوطني الاتحادي، بينما انضم معظم العُمد والمشايخ بمنطقة مروي إلى حزب الشعب الديمقراطي، حيث يقف السيد علي الميرغني مرشد الطريقة الختمية. ويروي شرفي، مفتش مركز مروي/دنقلا آنذاك، تفاصيل تلك القصة الطريفة، التي تعكس طرفاً من واقع ذلك الصراع، قائلاً:

    عند وصولي إلى مروي أول عام 1957م كان الخلاف على أشده بين الختمية وبين مؤيدي الحزب الوطني الاتحادي بزعامة إسماعيل الإزهري، ومعظهم من الشبان. وكان التوتر الشديد لأبعد الحدود يسود كل المنطقة وخاصة في مناطق معاقل الختمية، مثل نوري، والسقاي، والزومة، ومساوي، وغيرها. وتصاعدت الخلافات إلى درجة حدوث بعض الخلافات الأسرية التي انتهت بكل أسف بالطلاق، في مناسبات يكون الزوج مثلاً في جانب وأهل زوجته في الجانب الآخر، وهكذا.
    وحدث ذات يوم أن كان بعض الشبان يجلسون ويتناقشون في المقهي الوحيد بسوق نوري الصغير، ومن بينهم سائق عربة تجرها الخيول من مدينة الأبيض، كان قد وصل لزيارة أهلة وعشيرته بنوري، وأثناء ذلك النقاش الذي احتدم شتم ذلك الشاب السيد علي الميرغني، أو ربما أشار إليه بألفاظ نابية فتحرك آخرون من الشبان الختمية، وكاد يقع اشتباك خطير ينتج ما لا تحمد عقباه لولا تدخل بعض العقلاء وفك الاشتباك. ولكن الختمية ومؤيدو حزب الشعب الديمقراطي تقدموا بشكوى ضد ذلك الشاب إلى الشرطة التي قدمت القضية إلى محكمة قسم نوري برئاسة الشيخ محمد أحمد كنيش، والتي حكمت على الشاب بشهرين سجن... وعليه تقدم مؤيدو الحزب الوطني الاتحادي باستئناف ضد الحكم أمام محكمة البكباشي عبد الله إدريس، رئيس الإدارة الأهلية، فأصدر حكماً ببراءة المتهم على أساس أنَّ الختمية ومؤيدو حزب الشعب الديمقراطي ليس من حقهم أساساً رفع الدعوى ضد المتهم؛ إذ ليس لديهم توكيل من مولانا السيد علي الميرغني.

    ولم يرض الحكم الذي أصدره رئيس الإدارة الأهلية جماهير حزب الشعب الديمقراطي التي رفعت استئنافاً ضد حكم البراءة إلى محكمة القاضي المقيم، صالح محمد علي عتيق، الذي كان في إجازة سنوية، وناب عنه المفتش حسين محمد أحمد شرفي في تصريف استئنافات المحاكم الأهلية. وكما نعلم أن السيد شرفي بحكم انتمائه الأسري يُصنف من أنصار حزب الأمة، وأن العمدة محمد أحمد كنيش، رئيس محكمة نوري الأهلية التي نظرت في القضية أولاً، يُعد من أنصار حزب الشعب الديمقراطي، والبكباشي عبد الله إدريس الذي شطب القضية بحجة أن الشاكين لم يكن لديهم تفويض من السيد علي الميرغني، كما ذكرنا أعلاه، من قيادات الحزب الوطني الاتحادي في المنطقة. وبهذه الخلفية نلحظ أن موقف الإداري شرفي كان حرجاً، وشائكاً في ظل ذلك الواقع السياسي وحيثيات القضية المقدمة أمامه. وفي هذا يقول: "شعرت بحرج شديد للغاية، وورطة لا يستهان بها؛ إذ أني كرجل إداري اختلف عن القاضي الذي مهمته تنفيذ بنود القانون حرفياً، ولا يهمه في الحق لومة لائم. وتقضي طبيعة مهنتي أن أكون على صلة وثيقة من الصداقة مع جميع الأحزاب، والطوائف، والهيئات، والجماعات، وأعاملهم إدارياً كإخوة مواطنين، سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين وطني اتحادي، وختمي؛ إلا بقدر ظروف الواقع والحق."
    وتجاوزاً لهذا المأزق السياسي والقضائي أعدَّ السيد شرفي خطبة جيدة الصنعة، عدد فيها تقاليد أهل السودان وأعرافهم، المرتبطة باحترام الكبير أياً كان موقفه، ومراعاة مشاعر المعارضين في الرأي الذي لا يفسد للود قضية، وتلى تلك الخطبة بلغة مؤثرة أمام جمع غفير من ممثلي الطرفين في القضية، الذين كانوا يحتشدون داخل قاعة المحكمة، وخراجها. وبذلك استطاع أن يمتص غضب الجميع، ويهيء المزاج العام بحنكة إدارية بالغة، ثم يصدر حكماً قضائياً يقضي بتوقيع غرامة قدرها خمسون جنيهاً على المتهم. وعن رد فعل الطرفين لذلك الحكم التوفيقي، يقول شرفي: "وما أن سمعوا بالحكم الذي صدر إلا وصفق أنصار الحزبين تصفيقاً حاراً، وكلاهما في منتهى السعادة، شاعراً بالانتصار، فالختمية سعداء؛ لأن المتهم قد أدين، ولم يعد بريئاً كما قضت محكمة رئيس الإدارة الأهلية، والاتحاديون سعداء؛ لأن المتهم لم يخرج من المحكمة مقاداً إلى السجن، بل تعانوا جميعاً بدفع الغرامة إلى كاتب المحكمة في الحال فوراً بعد صدور الحكم."
    وبعد ذلك الحكم في تلك القضية الشائكة والقضايا الإدارية المماثلة لها، واصل شرفي عمله الإداري بمركز مروي/دنقلا إلى حلَّ عليه شهر ديسمبر 1957م؛ حيث غادر إلى الخرطوم ملتحقاً بمصلحة الإعلام، ولسانه يلهج بذكر محاسن مروي، التي قال فيها: "ومن الجوانب التي أسعدتني جداً بالعمل في المنطقة علاقتي بالمواطنين من السكان في المدينة التي كنت أسكن فيها، وحولها، والشايقية بصفة عامة، وعالم الله، لقد أعجبتُ بهم، إعجاباً فائقاً، وأيقنت أنهم من أعظم القبائل السودانية، فهم قوم أذكياء، وأوفياء، يتسم نهجهم في الحياة بالمودة، والمحبة، والشجاعة، والرجولة، وكان أكثر ما يعجبني فيهم أنهم قوم، بطبيعتهم التي منحها الله، منضبطون." ولذلك يقول: ودعتُ "مروي العزيزة الحبيبة، بعد كتابة مذكرات تسليم وتسلم ضافية، وشاملة لخلفي وزميلي السيد حامد علي شاش."
    لا جدال أنَّ صور شرفي من الأداء الإداري في السودان، ومنطقة مروي تحديداً، تعكس طرفاً من كفاءة الخدمة المدنية التي ورثها السودان من الحكم الاستعماري آنذاك، وفي صورة معاكسة تبين إلى أي مدى تدهورت تلك الخدمة المدنية بفعل التسييس، وسياسيات التمكين التي يعاني منها السودان، معطيةً بذلك إشارة إلى جهل الساسة السودانيين أو تجاهلهم لأهمية الخدمة المدنية العامة، التي كانت تستمد قوتها من خبرة أصيلة، ومن تراث متواصل الحلقات في الملفات المكتبية، التي احتقرها ممثلو القوى القطاعية في السودان، دون أن يدركوا أن الملفات بوجودها المعلوماتي وبإلزامها القانوني تشكل ضابطاً للعمل الإداري، يبلغ درجة التقييد الخُلقي، فيمنع أصحاب السلطة من الطيش الإداري، ويحدهم عن التهاون، ويعصمهم من المحاباة والفساد. وإنَّ العقلية الاستراتيجية في السودان لم تدرك قيمة الخط الفاصل بين شاغلي المناصب الوزارية وسدنة الخدمة المدنية العامة، ذلك الخط الذي يضع على عاتق قادة التوجهات القطاعية مسؤولية صياغة السياسة العامة، وتحديد مسارات الرؤى الاستراتيجية، ويلزم في الوقت نفسه شاغلي الوظائف التنفيذية ذات البُعد الإداري والفني أن يقوموا بترجمة هذه السياسة على صعيد الواقع، وفق أجندة تخدم مصلحة الشارع العام، والرؤية الاستراتيجية التي توافق عليها الناس. فإن غياب هذه النظرة الديوانية قد كان، ولايزال، من أمهات التحديات التي تواجه أهل السودان حكاماً ومحكومين، والتي جعلت القائمين بأمر السلطة السياسية يستبدلون الذي هو أدنى (الولاء) بالذي هو خير (الخبرة)، ويفسحون المجال للعمل التنفيذي والإداري الأخرق، الذي لا يلتزم بأدبيات الخدمة الديوانية، والأعراف المهنية المرعية في الخدمة المدنية العامة، ومن ثم تصدر القرارات التنفيذية في المحافل العامة، والتجمعات الجماهيرية دون دراسة أو تمحيص، ويُؤسس بعضها على استشارة بطانة قطاعية لا تفكر إلا داخل النسق التنظيمي والمطامع الذاتية. وبذلك فقدت الخدمة المدنية العامة في السودان مصداقيتها وحياديتها، وأصبحت كـ"المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".

    ذكريات الكابلي في مروي
    الأستاذ عبد الكريم محمد الكابلي، شاعرٌ، وملحنٌ، ومطربٌ، وباحثٌ في التراث الشعبي السوداني. وُلُد بمدينة بورتسودان في ثلاثينيات القرن العشرين، وقضى طفولته ودراسته الأولية بين بورتسودان، والقضارف، ودوكة، والقلابات، ثم أكمل دراسته المتوسطة بمدينة الثغر (بورتسودان)، حيث تفتقت مواهبه الفنية، لدرجة جعلت أساتذته وزملاءه يقدمونه لأداء الأناشيد المدرسية. وفي تلك الفترة الباكرة من عُمره أجاد العزف على آلة الصفارة، وآلة العود، وطوَّر تلك الملكات والمواهب بعد انتقاله إلى مدينة أمدرمان، للالتحاق بكلية التجارة الثانوية الصغرى، وبعد تخرجه عمل كاتباً بمصلحة القضاء (الهيئة القضائية لاحقاً). وإلى جانب أدائه الوظيفي برع في إحياء جلسات السمر مع زملائه وأصدقائه، مقلداً كبار الفنانين في الخرطوم. وعن ملامح تلك الفترة يحدثنا الأستاذ الكابلي قائلاً: "كنت أمني النفس بدراسة القانون، الأمر الذي يستلزم الهدوء والتفرغ للمذاكرة، وكان مطلباً عسيراً لي بالخرطوم، بعد أن ظهرت موهبة الغناء، وتكالب الأصدقاء على الاستماع، والجلسات الغنائية الخاصة. كنتُ وقتها أعمل بمكتب التركات لغير المسلمين بالقضائية، وكان يعمل معنا العم العزيز حسن حمدي رحمه الله، بعد تقاعده للمعاش، وكان قد عمل تقريباً في أكثر محاكم السودان، مما جعلني أطلب منه ترشيح بلدٍ أجد فيها ضالتي، وهي التفرغ للدرس والمذاكرة، فقال دون تردد: عليك بمروي، وبالفعل ذهبتُ إلى قلم المستخدمين، وطلبتُ النقل إلى مروي.



    بَيْدَ أن الكابلي لم يجد في مروي الوقت الكافي للدراسة والتحصيل لدخول كلية القانون؛ لكنه بدلاً عن ذلك التحق "بجامعة مروي كبرى"، حسب قوله، التي كان قوامها يتشكل من النخبة الإدارية والقضائية التي كانت تعمل في مدينة جاكسون باشا آنذاك، والتي يذكر الأستاذ كابلي بعضاً من معالمها قائلاً:

    المفتش حسين أحمد شرفي، والقاضي مولانا صالح محمد علي عتيق، والقاضي الشرعي مولانا عوض الله صالح، وفي المساحة المفتش باب الله، والشاعر الفذ مهدي محمد فرح الذي لحنت له أغنية "يا حليلكم"، وكان ينادى بالأستاذ حتى عندما جاء ليعمل برئاسة المساحة بالخرطوم؛ لغزارة علمه، فهو من الرواد الذين تلقوا دراسة بانجلترا في المساحة الجوية، وكان ولا يزال ضليعاً في اللغتين العربية ودارجها؛ وحيدر المشرف على "الميز"، وكانت تضبط الساعة على موعد وصوله وخروجه من مكتب المساحة؛ ومفتش المساحة نور الدين؛ وفي المستشفى الدكتور حسن كُشْكُش؛ وفي المجلس الأستاذ إبراهيم يوسف، شقيق الإعلامي الأشهر الأستاذ أبو عاقلة يوسف، وهو الذي مدَّني بقصيدة الأستاذ عباس محمود العقاد "شذى زهر ولا زهر"؛ وفي قسم البساتين الأستاذ إبراهيم أحمد؛ وفي المشاريع الزراعية الحكومية الأستاذ خير الله، وكان مسؤولاً عن تجارب القرير، حيث الناظر المهيب ود بشير أغا الذي غنى لوالده الشاعر حسونة شاعر الشايقية الأكبر "غنيت ليك يا ود بشير *** كرسيك قدام كرسي المدير *** ود عضام راجلا شكلو غير"؛ إذ كان مهاباً، وفي بسطة من الجسم؛ وفي المشاريع الخاصة الأستاذ حران، ثم الأستاذ المربي الكبير مصطفى أبوشرف، ناظر المدرسة الوسطى، وصاحب الذكريات الطريفة، وكذلك الأستاذ حامد عمر الأمين، وفي المركز الباشكاتب سعد محمد إبراهيم؛ وفي النقل الميكانيكي العم عبد الرازق، وإبراهيم منزول، صاحب الدعابة والبديهة الحاضرة، إلى جانب العديد ممن يضيق عن ذكرهم المجال، رحم الله من غادر منهم إلى الدار الرحيبة، والعافية لمن بقي منهم بيننا في الحياة. كانت مجموعة أولئك الموظفين أسرة واحدة بكل ما حملت معاني الأسرة المتلاحمة من معنى.

    لم تكن علاقات الأستاذ كابلي في مروي محصورة في قطاع الموظفين وزملاء العمل الديواني، بل تخطتهم إلى العديد من أعيان المنطقة ووجهائها، الذين تعرَّف عليهم خلال زياراته الميدانية لمحاكم الإدارة الأهلية في المنطقة، وسياحاته الخاصة داخل مدينة مروي وما جاورها، ونستشهد في ذلك بقوله:

    فقد تخطى الأمر مجموعة الموظفين إلى إقامة علاقات طيبة مع مواطني مروي، والمناطق المجاورة... وقد سعدتُ أيما سعادة بصداقتي ومعرفتي بالاحباب محمد عبيد رحمه، وسيدأحمد خطاب، ومحمد عبد القادر، والعم الصادق القمّش، وأحمد من الله، والضكير، وعازف العود إبراهيم حسن، ومحمد عبيد الله، والحلاق العم بابكر، الذي أخبرني بأنه كان يقوم في شبابه بحلاقة شعر رأس جاكسون باشا. ومن نوري العمدة لاحقا محمد أحمد كنيش، ومن قنتي العم العمدة ود أحمد أبوشوك، الذي كلما ذكرته عضضت أصابع الندم، لأنني لم أكتب ما كان يحدثني به من أشعار حسونة، وتاريخ منطقة الشايقية، وسير بعض الموظفين المصريين الذين تركوا في المنطقة ذكريات حسنة؛ ومن كرمكول العمدة سعيد ميرغني، وكان رجلاً كريماً، كلما ذكرته طافت بخيالي صورة الكريم الذي وصفته أغنياتنا التراثية بـ "عوج الدرب"؛ لأنه كلما سمع صوت سيارة مارة بالطريق العام ليلاً يطلب من أبنائه الخروج السريع بالفوانيس، وبطاريات الإضاءة، جلباً لتلك السيارات؛ لإكرام وفادة راكبيها، وأحيانا يلح على مبيتهم. ثم من الدبة ذلك الرجل المهيب الذواقة للغناء، العم الناظر أحمد سعيد. ومن كريمة الرجل الكريم الموسر كرار محمد الحسين، والإخوة الحارث منصور، والتيجاني حسون، وعلي عثمان رحمة، وعشرات العشرات ممن يضيق عن ذكرهم المجال.

    ويتنقل الأستاذ الكابلي من دائرة المعارف والأعيان في منطقة مروي إلى دائرة الغناء والطرب، قائلاً: "ولا بد لي من أن أذكر الفنان "بنده"، صاحب الصوت الجهوري، وقد استمعت إليه بإعجاب كبير، وهو يغني على آلة "الدلوكة" الإيقاعية العديد من أغنيات أهلنا الشايقية، وبينها أغنية "بوبا عليك تقيل" التي ضمنتها في أغنيتي "فيك يا مروي"، وهي أغنية تراثية". بنده هو عبد الرازق فضل المولى (1919-1989م)، عاش صباه بالبركل، حيث أكمل تعليمه الأولى. وبدأت شهرته الغنائية تلوح في الأفق بأغاني الحقيبة، والإنشاد الديني. زار بنده الخرطوم في الثلاثينيات من القرن العشرين، وتأثر بصوت الفنان زنقَّار، الذي كان من وراد قهوة الزيبق آنذاك. وبعد ذلك عاد بنده إلى وطنه الأم بالبركل، وكوَّن فرقة غنائية من مـحمـد حـسنين، وعــوض النــور، وعطا عطا الفضيــل، وسلمان ود كريمة، وجيب الله، والطـريـف في الأمـــر، حسب رواية الأستاذ صلاح الرشيد، أنَّ فرقته الغنائية كانت تضم امـــرأة تــُدعـــى "فـضيلــه ســـوميت"، ضابطـــةً للإيقــــاع. وفي عقد الخمسينيات والستينيات غنى الفنان بنده للشاعر محمد عـبـد العـزيـز، والشاعر حسن الدابي، ومن أغانيه التي حظيت بشهرة واسعة في المنطقة: "القمر بوبا"، و"الرايقة شتيلة قريره"، و" جود يا بارى جود".
    لا مشاحة أن ذلك الوسط الفني والإبداعي في منطقة مروي قد أضاف للأستاذ الكابلي بُعداً فنياً آخر، جعله يرتبط ببعض الفنانين، والشعراء، والمبدعين في المنطقة، ويتغنى بكلمات بعضهم في جلسات الاستماع الخاصة. وقد أشار الأستاذ الكابلي في حديثه عن العمدة محمد أحمد أبوشوك، رئيس فرع البديرية، والعمدة ود بشير أغا، رئيس فرع الشايقية شمال، إلى العامل حسونة، واشعاره الرصينة. والشاعر حسونة، كما نعلم، شاعر مطبوع، لا يشق له غبار، عرفه أهل المنطقة بالعامل حسونة، وكانوا يتقربون إليه بالهدايا والنذور، لأن الشاعر في عرفهم كان يمثل لسان حال قومه، وصحافتهم السيارة، وتلفازهم المتنقل، لأنهم يتعرفون من خلال أشعاره عن فضائل الحسان والعذارى في المنطقة، أمثال جمال الباشا في البخيت، وستنا بت الشيخ في العفاض، ويأنسون بمدحه في جُود الرجال الذين كانوا يقذفون للقريب جواهراً ويرسلون للبعيد سحائب، ومن أمثال هؤلاء الشيخ أحمد أبوشام (المعروف بأحمد درويش)، الذي ردَّ حسونة على خصومه قائلاً: "في اللحم كجَّنت اللسان ... عشان فسَّل أحمد أبوشام ... هو درويش عقلو تمام"، ويقفون بفضل مجالسته على أحوال المنطقة، وسير أعلامها، وصراعاتهم السياسية، ويتبلور ذلك في مدحه للعمدة ود بشير أغا في القرير "ود بشير عمدة مو عمدة سماسير ... خيلو بين الجبلين تغير"، والعمدة ود كنيش في نوري، " الأغا ود كنيش الرجال بتاب وأنت عيش"، والعمدة أحمد أبوشوك في منطقة قنتي "أحمد أب شوك قدل فشل اليلومو ... ويا بحر المسور القاسي عمو"، والشيخ محجوب ود الخليفة "سيد جزايراً متبطحات ... بالغرب قبل أب كليوات". والقصيدة التي أشار إليها الأستاذ الكابلي في عابر حديثه عن أعيان منطقة مروي، وهي القصيدة المعروفة بـ "قولي فوق الأغا ود بشير"، والتي يقرأ نصها الكامل هكذا:
    يا مريسيل يا زريزير
    بي جناح الريش مني طير
    جيب لي قاف الشيخ ود بشير
    وصفو فوق الخيل يا حمير
    وغادي من القمح يا شعير
    جانا الضحى وقام العصير
    فوق بليماً بنسف الدّير
    شفتو متل البرق البشيل
    شن بِلِم ناس ديل مع ديل
    وشن بِلِم الترعة والنيل
    وشن بلم القمره والليل
    يابا داخرنك لي التقيل
    عمدة مو عمدة بواجير
    حقو رتيب التوابير
    وكرسيه قدام كرسي المدير
    خيلو بين الجبلين تغير
    ومن جبال تقلي علي قدير
    بالوعر كم شقوا التناقير
    وطبلو دقَّ وخلفولوا النقير
    سيدي سيد عامراب القرير
    وسيد عفو السقّاي والحفير
    سيد جريف نوري أب تناقير
    وسيد دويم شات والبسابير
    ود عضام راجلاً شكلو غير
    حاشاه من اللوم أب بشير
    أشونو القالوا ضرب النذيز ***

    وفي ضوء هذه الخلفية المشرقة إبداعاً ومتدفقة طرباً وعطاءً من جوانبها المختلفة، رسم الأستاذ عبد الكريم الكابلي لوحة شاعرية زاهية ورائعة عن مروي في أواخر خمسينيات القرن الماضي، يقرأ نصها الكامل هكذا:

    فيك يا مروى شفت كل جديد
    فيك شفت عيون لعبو بي شديد
    وانكويت بالنار من زهور في خديد
    مهما زاد وجدي ما ينسي الريد
    لأنو قلبي حنين وبعشق التغريد
    بي محاسن الكون بي جمال الغيد
    يلا نمشى النيل في أواخر الليل
    بين رمال ونخيل يغنى لينا جميل
    بوبا عليك تقيل القمر بوبا
    يا مريسيل تعال بوصيك
    في الرمال الصيد بلاقيك
    لو بعزمك وبعتلق بيك
    قولو حالف ما بباريك
    وما بدليها التهمة فيك
    جيت ماري العصير
    لقيته تملا فوق بير
    الرقيبة قزازة عصير
    العيون متل الفناجين
    الزراق فوقه تقول حرير
    الضمير عاج التكارير
    السنون براقن يشيل
    وإنت ريحتك فرير
    ولا بت السودان أصيل
    شوف فلانة الواردة وحوَّه دخلت سكنت قلبي من جوه
    واتغابت فوقو الخوه
    تحكى خطو الريمه العايرة
    على نغم الساقية الدايرة
    تغنى ليها تقول
    والله ظلم لينا ظلم
    يا ناس القوز علينا ظلم
    الشال السيدة وخلا حرم
    سفر التلات والله عدم
    سعينا الريد جنينا حكم
    وقلنا الحب والله قسم
    متين يا الساقية نترك النوح
    يجيني قميري يقولي نروح
    نزور الشوفتو ترد الروح
    حبيبي السادة خفيف الدم
    فيك يا مروى شفنا كل جديد
    فيك شفنا جمال كل لحظة بزيد
    يزبي وجداني وبى حلاتو أشيد
    وإن نسيت ما نسيت يوم لقيت الصيد
    ساهي في حسنو وبى غناهو سعيد
    كم أضاع صبري
    يالحلة تنوري يا الحلة تنوري
    يا بنية تنوري حاشاك تتغيري
    قسمي الشبال كتري لي قلوب الناس كبري
    ويا عيوني اتصبري ***

    في سياق هذه القصيدة طرح الصحافي نجيب نور الدين سؤالاً على الأستاذ الكابلي مفاده: "آسيا وإفريقيا، ومروي، وليلة المولد، أعمال فنية ذات طبيعة خاصة، وهي الأقرب إلى الأوبريت والغناء الجماعي، وتحمل مضامين جديدة في الشعر الغنائي. كيف يقرأ كابلي هذه التجارب التي تشكل محطات هامة في مسيرته؟ وإلى أين أفضت بتجربته الفنية عموماً؟" فأجابه الأستاذ الكابلي بشأن مروي، قائلاً: "ربما كانت أولى هذه المحطات أغنية مروي؛ إذ حملت ملمحاً غنائياً لم يكن معروفاً من قبل، هذا حسب علمي، وقد أكون من المخطئين، فقد ذخرت بالصور المتحركة إلى جانب تضمين ثلاثة كوبليهات من منطقة أحبابي الشايقية، حيث كنت أعمل، وقد وصفها بعض النقاد في حينه بأنها نواة لأغنية الأوبريت."
    هكذا كانت مروي إضافة جديدة وحقيقية على المستوي المهني، والمستوى الاجتماعي، والمستوى الفني-الثقافي للأستاذ عبد الكريم الكابلي، بل أنها أضحت تمثل واسطة عقد في تاريخ مشواره الغنائي، الحافل بالإبداع، والمتدثر بمختارات التراث الشعبي السوداني الناظمة لثقافاته المحلية. وفي خاتمة هذا الجزء من مقال: "مروي ذكريات ومذكرات" تبقى لنا بشارة سارة، نبعثها على جناح حمام زاجل إلى الأستاذ عبد الكريم الكابلي، فحواها أن ديوان الشاعر حسونة الذي جمعه الأستاذ الراحل عمر الحسين محمد خير (ت. 2005م)، وحققه تحقيقاً جامعاً مانعاً، في طريقه للنشر، آملين أن يكون هذا الديوان إضافةً حقيقيةً للمكتبة التراثية في السودان، ومحل تقديرٍ واحتفاءٍ عند رهط الباحثين المهتمين بتراث منطقة مروي الكبرى، ومن بينهم شاعر "يا مروي شفت فيك كل جديد".

    مروي في ذكريات وحكايات إداري متقاعد
    الإداري المتقاعد هو الأستاذ بشير حسن وقيع الله، من أبناء جلاس البار، دَرس الثانوية العليا بمدرسة مروي، وبعد تخرجه من كلية الآداب بجامعة الخرطوم في سبعينيات القرن العشرين، التحق بخدمة الحكومات المحلية، مساعد ضابط إداري بمجلس ريفي مروي إلى أن رُقي إلى درجة مساعد محافظ بالمديرية الشمالية، حيث كانت تُزين واجهة عربته الحكومية بشعار المديرية الشمالية، ذي النخلات الثلاث، باعتباره شارة من شارات السلطة في المديرية التي كانت تمتد من حجر العسل شمال الخرطوم حتى حلفا القديمة على حدود السودان الشمالية. ولذلك يُعد الضابط الإداري بالمعاش بشير حسن وقيع الله أطول الضباط الإداريين عمراً بمجلس ريفي مروي، فضلاً عن أنه نشر مذكراته وحكاياته عن العمل الإداري مسلسلة في صحيفة الوطن، وخصص جزءاً مقدراً منها لمنطقة مروي، التي يصفها قائلاً:

    من منا لم يسمع بمروى وتاريخها، فقد كانت مروي تمثل مَعْلَماً إدارياً، و مَعْلَماً تاريخياً، ومَعْلَماً جمالياً وثقافياً. ففي جانب الإدارة ظلت تمثل العاصمة الإدارية للمنطقة منذ فترة ما قبل الاستقلال، حيث اختارها جاكسون باشا لتكون مقراً للإدارة. ومنذ ذلك الوقت، وعلى طول العهود التي تعاقبت، تميزت بنوع من الإدارة أصبح مضرباً للأمثال، منذ أن كانت تُعرف "بمركز مروي"، ثم مجلس ريفي مروى، الممتد من الحدود مع ولاية نهر النيل حتى منطقة الباجا شمالاً، وقد كانت مقراً لمساعد المحافظ، ومفتش الحكومات المحلية، والضابط الإداري الأول لمجلس المنطقة... ويتبع ذلك تمركز الأجهزة الحكومية بها، وأجهزة الشرطة والقضاء، وعدد من منظمات المجتمع المدني، وقد وثق الكثيرون لتلك الفترات، من الذين عملوا بها من خلال مذكرات التسليم والتسلم، التي كانت سمة من سمات انضباط الخدمة المدنية. أما أنها معلمٌ تاريخيٌ، فإن الممالك التي نشأت بالمنطقة تمحورت حولها، ففي ضفتها الشرقية آثار بعانخي، وتهراقا، وجبل البركل، وآثار الكرو، وفي غربها آثار ترابيل نوري، والغزالي. إلى جانب ذلك متحفها الشهير، الذي كان معروفاً، ولكن بكل أسف تمَّ ترحيلُه إلى المتحف القومي بالخرطوم، ولست أدري كيف تمَّ ذلك، علماً بأن الآثار لا تكتسب أهمية إلا في تواجدها في أماكنها ومسرح أحداثها. أما كون مروى معلماً جمالياً وثقافياً، فلأنها تقع على شاطئ النيل الغربي، عند مصب خور أبودوم في النيل، وقد أفلح الذين أسسوها بغرس أشجار اللبخ على امتداد الشاطئ، مما أكسب المدينة مظهراً ظليلاً ورائعاً، يرتبط معها بالفنون والثقافة، حيث تباري الشعراء في وصفها، والتغني بها، فانشد الكابلي في الستينيات أوبريت مروى الرائع، الذي مطلعه "فيك يا مروى شفت كل جديد". لقد كان شاطئ مروي المرصوف كُورنيشه بالحجارة يضم منازل كبار الموظفين، وهي واسعة وظليلة، تضم في داخلها وحولها الحدائق المُنسقة، وأشجار الفاكهة المتنوعة، ولنا فيها ذكريات عندما سعدنا بالسكن فيها في تلك الفترات البعيدة. لقد كانت تمتد في ذلك الجانب من المدينة مساحات واسعة، تضُمُ مكاتب ومقرات الزراعة، والبساتين ... لقد شهدت مروي منذ العهد الإنجليزي تقاليد راسخة في الأداء في مختلف المناحي، وكانت مؤسساتها وسمعتها معروفة في كل مكان، فمن منا لا يذكر شرطة مروي، وهي تعطي لمركز مروي هيبته، ومستشفى مروي، وهو قبلة أهل المنطقة كلها في تلك الأيام، وبساتين مروي وفروعها في نوري والقرير، وحتى بنطون مروي كان له سمعته، ويحفظ الناس حتى أسماء (الرواويس) فيه، رحم الله من سلف منهم، وطول عمر الأحياء منهم. لقد انطبع في أذهاننا ونحن نعمل في الإدارة بمروي آنذاك أسماء البيوتات والقيادات والأفراد، منذ عهد المرحوم محمد عبيد، ومحمد عبد القادر، وحسن أحمد سعد، وآل العطا، وآل صادق، وآل الباهي، وأهل أبو دوم المجاورة بكل أفرعهم وكافة الحوشاب.

    هذه صورة ذهنية وتاريخية رسمها الأستاذ بشير حسين وقيع الله عن مروي، التي بدأ بها تاريخ حياته الإداري، ثم ينقلنا من هذه اللوحة الشاعرية عن مدينة مروي إلى إجراءات اختياره مساعد ضابط إداري بالحكومات المحلية في مطلع العقد السابع من القرن العشرين، ويردف ذلك بحديث شيق عن التدريب الذي تلقاه على يدي الباشكاتب المتمرس علي أحمد سعيد، قائلاً:

    عندما تم تخرجنا من جامعة الخرطوم تنافسنا مع المتقدمين لوظائف الضباط الإداريين المحدودة في ذلك الوقت منافسة حادة، باعتبار أنها كانت الوظيفة المرغوبة الأولى، فكان الضابط الإداري منذ بداية تعيينه تخصص له عربة، ويخصص له منزل حكومي، ويبدأ عمله بسلطات واسعة. وقد سعدتُ بأن تمَّ اختياري ضمن الذين وقع عليهم الاختيار بعد معاينات وفحوصات دقيقة في كل مجال، وامتحانات تحريرية، وشفهية. وقد تمَّ توزيعي إلى المديرية الشمالية، فقابلنا مدير المديرية آنذاك المرحوم حسين محمد أحمد شرفي، الذي زودنا بالنصائح. وتمَّ تقسيمي مساعد ضابط لمجلس ريفي مروي، وهناك قدمني الضابط الإداري الأول إلى باشكاتب المجلس؛ ليشرف على برنامج تدريبي العملي.
    عند دخولي على الباشكاتب وجدت رجلاً يجلس بمكتبه فارع الطول، أسمر اللون، يرتدي جلابية، وعمامة بيضاء كبيرة، وإلى جانبه عصا غليظة، كانت لا تفارقه، وتزين وجهه شلوخ شايقية عريضة. ذلكم هو باشكاتب ريفي مروي الشهير في ذلك الوقت علي أحمد سعيد. وقد رحب بي، ووضع لي برنامج التدريب الأسبوعي بأقسام المجلس المختلفة: في المساحة، والحسابات، والأراضي، والشرطة، والصحة. على أن أقضي أسبوعاً بكل قسم، وقد تابع معي التدريب بدقة متناهية. إن مهنة الباشكاتب في ذلك الوقت كانت شاملة، فهي تشمل كل المهام الموزعة اليوم بين السكرتارية، والعلاقات العامة، والمكتب التنفيذي والمراسم. إن مهام كل هذه الجهات كان يقوم بها الباشكاتب، بالإضافة إلى استقباله المكاتبات الواردة، وفحصها، وتصدير الصادرة، واستلامها عرائض المواطنين وطلباتهم، ومتابعة الرد عليها. وقد كانت من أهم مهامه إعداد وصياغة القرارات، وتقديمها للمسئولين لاعتمادها، والتوقيع عليها. لقد كانت شخصية الباشكاتب في المجالس المحلية في تلك الآونة تمثل ركناً أساسياً في الأداء. والباشكاتب علي أحمد سعيد يعتبر من أشهر الباشكتبة في السودان، فهو قد التحق بالعمل منذ فجر الاستقلال، عندما كان المرحوم عبد الله إدريس (تنقاسي)، هو أول رئيس لمجلس ريفي مروي بعد الاستقلال، وقد تدرج علي أحمد سعيد في موقعه لعشرات السنين، وعاصر العشرات من الإداريين، والمحافظين، ومساعدي المحافظين، ومفتشي الحكومات المحلية، فكان في كل تلك الفترة يعمل بكفاءة عالية حتى أصبح موسوعة في معلومات المنطقة، وأصبح ملماً بكل قضاياها ومشاكلها، لقد كان كمبيوتراً بشرياً في وقت لم تعرف فيه أجهزة الكمبيوتر. فقد كنا نلجأ إليه في كل صغيرة وكبيرة، فيوفر لنا المعلومات الصحيحة الدقيقة، وهناك عدة مواقف تميز بها هذا الرجل، فعندما اجتاحت السيول مروي، وسقطت المكاتب، وإبتلَّت الملفات بالمياه، طمست العديد من القرارات الهامة في مجال فض النزاعات، ومشاكل الأراضي، والأمن وخلافها، وقد استعنا بعلي أحمد سعيد، ووجدناه يكاد يحفظ كل القرارات الصادرة في كل المجالات لعشرات السنين، فكان هو المرشد الوحيد الذي تم الاعتماد عليه في تبييض ما أتلفته السيول، قد شهدت اللجان وأطراف النزاعات بصحة كل ما ذكره. وقصة ثانية عنه. ففي عهد سلطة مايو زارنا بمروي الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم، نائب رئيس الجمهورية آنذاك، وقد كانت ثورة مايو في قمتها، وقد خاطب أحد الاجتماعات بأسلوب ساخن، متهماً القيادات بمروي بالتقصير، وذلك بعدم طوافهم المستمر عل المنطقة، وأشار بأنه (يلف) السودان كله كل أسبوع، وقد صمت الجميع خشية الاصطدام بالمتحدث، ولكن علي أحمد سعيد نهض مخاطباً نائب الرئيس بلهجة شبيهة بلهجته الحادة، موضحاً له بأنه يلف السودان بطائرة، وهم يتجولون (بالحمير)، واستنكر له مخاطبته القيادات بتلك اللهجة الحادة، فتخوف الجميع بأن مكروهاً سوف يلحق بالباشكاتب؛ لكن نائب الرئيس تراجع وقال: "أيوة نحنا عايزين ناس شجعان زي العم دا".

    لعلنا نستقى من هذا النص ثلاث قضايا مهمة. أولها أن التعيين في وظائف الخدمة العامة كان يتمُّ وفق إجراءات إدارية مرعية وعادلة، يتبلور هدفها الرئيس في ترشيح مقدم الطلب المناسب للوظيفة المناسبة، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو خلفيته القبلية، ولذلك حظيت مؤسسات الخدمة المدنية بكوكبة من الموظفين الأكفاء، الذين كان لهم دور رائد في دفع مسار العمل الإداري دون التحيز لجهة قطاعية، كما ذكر السيد حسين محمد أحمد شرفي أن طبيعة عملهم الإداري كانت تقضي أن يكون الإداري "على صلة وثيقة من الصداقة مع جميع الأحزاب، والطوائف، والهيئات، والجماعات"، وأن يعاملهم "إدارياً كإخوة مواطنين، سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين وطني اتحادي، وختمي؛ إلا بقدر ظروف الواقع والحق." ولكن للأسف أن هذه المعايير قد تجاهلتها بعض القوى السياسية الحاكمة التي آثرت الولاء السياسي على حساب المؤهلات والخبرة، وكانت النتيجة تدني أداء الخدمة المدنية العامة في معظم أرجاء السودان. وترتبط القضية الثانية بأهمية التدريب الإداري بالنسبة للضباط الإداريين؛ لأن الضابط الإداري كان عبارة عن ممثل للحكومة المركزية على المستوى المحلي، لذلك يجب أن يكون لديه إلمام واسع بإجراءات العملية الإدارية على المستويين الأفقي والرأسي. وتتجلى القضية الثانية في أهمية دور الباشكاتب المؤهل؛ لأنه يمثل القلب النابض للمجلس، فيما يختص بحفظ الخطاب الصادرة والواردة، وعرائض المواطنين وطلباتهم، والقرارات الصادرة بشأنها، وكيفية فتح الملفات الحكومية وإغلاقها، وإعداد الفهارس وتصنيف المحتويات. الآن أصبح جزءاً من هذه الإجراءات من نصيب السكرتيرة التي تجلس عند مدخل باب كل مسؤول كبير، وتقوم باستلام عرائض المواطنين، وتقديمها لاتخاذ القرارات المناسبة، وغير المناسبة بشأنها، دون أن يتم أي تصنيف أو ترتيب لتلك العرائض، كما أنَّ المسؤول نفسه يكتفي بالتعليق على ظاهر العريضة أو باطنها، ويعطيها لمقدمها، الذي يحملها من مكتب إلى مكتب آخر إلى أن يحصل على التصديق النهائي، وبذلك تفقد العريضة (الوثيقة الحكومية) صفتها المرجعية الآنية، وصفتها البحثية اللاحقة؛ لأنها لم تحفظ في أرشيف الدولة حسب إجراءات العمل الديواني. ولا جدال أن الالتفات لهذه المسألة أمر مهم، ويحتاج إلى تقويم ديواني يعيد الأمور إلى نصابها.
    وبعد تلك الصورة التاريخية المليئة بالدروس والعبر ينتقل الإداري بشير حسن وقيع الله إلى رسم صورة معاصرة لمروي ما بعد السد والشريان، والإشارة هنا إلى سد مروي، وطريق شريان الشمال الذي ربط الولاية الشمالية بالعاصمة القومية، وكلا المشروعين يُحسبان في قائمة إنجازات حكومة الإنقاذ. والصورة في مجملها تحدثنا عن الطفرة العمرانية التي شهدتها مروي، وانعكاسات ذلك على وضعها المحلي الموروث، وارتباطها المستقبلي بالحكومة المركزية بحكم وضعها المتميز من ناحية التطور العمراني الذي شهدته، ومن ناحية دورها في رفد معظم مدن السودانية بالطاقة الكهربائية. وتتجلى حيثيات إفادة الإداري المخضرم بشير حسن وقيع الله في النص الآتي:

    ورغم أنني قد كنتُ أعملُ بمروى لفترة طويلة، ثم غادرتُها وعُدتُ إليها بعد طول غياب، وبرغم كل تلك المدة التي قضيتُها بها فقد ضاعت مني المعالم، وأنا في زيارتها مما اضطرني للاستعانة بخبير يوصلني من موقع إلى آخر. إنه تطور مُتسارع، يفوق كل تصور، ويشيرُ إلى أننا موعودون بمدينة رئيسة كبرى جديدة من مُدُن السودان، برفقة شقيقتها ورفيقتها مدينة كريمة. وخاصةً بعد قيام "مروى لاند "التي أرى أن تصبح مقراً للمؤتمرات العالمية والإقليمية، تماماً كما يتمُ في دول كثيرة. إنَّ الكثير من عواصم العالم تقيم مؤتمراتها في مثل هذه المنتجعات، فمصر تعقدها بشرم الشيخ، وليس القاهرة، وكينيا بنيفاشا، وليس بنيروبي، وليبيا بمدينة سرت، وليس بطرابلس. لذلك فلتكن مروي هي المقر البديل للعاصمة في عقد المؤتمرات العالمية، ومنها تصدر الاتفاقيات، لتسمى اتفاقيات مروي ... لقد عدتُ من مروي وفي ذهني تصور لهذه المدينة الجديدة الضاربة جذورها في التاريخ. وقد افتتحتُ مشروع مروي لاند، الذي لم تنبرِ جهة محدودة بتبنيه، ويبدو في ذلك غاية التواضع ونكران الذات، فهل هو من إنتاج معتمدها السابق الأخ جعفر، أم معتمدها الحالي الهمام (بندق)، أم هو ثمرة من ثمرات سد مروي والمشاريع المصاحبة له. على أي حال فلتهنأ مروي، وهي تمثل قلب مناطق الأهل بهذا المشروع الفريد، والدعوة لأبناء المنطقة بالخرطوم بأن لا يعودوا من زيارتهم لمناطقهم قبل أن يشاهدوا منتجع مروي لاند، وأنا على يقين بأن صور حدائق ومنتجعات العاصمة سوف تُمسح من أذهانهم.

    خاتمة
    بهذا العرض نصل إلى أنَّ قيام مجالس الحكم الشعبي المحلي في مروي، وكريمة، والدبة، وبعدها المحليات في ظل نظام الحكم الفيدرالي قد قَصَّرَ الظل الإداري والخدمي من المنطقة، وجعل بريق مروي ولمعانها السابق يخفت رويداً رويداً، ولكن ظل منظرها الفاتن على شاطئ النيل باقياً راسخاً في الأذهان، كما وصفه الأديب الشاعر محمد المكي إبراهيم، الذي زارها في منتصف الستينيات من القرن العشرين، وقال عنها:

    "لوحة متناسقة من الأحمر، والأخضر، والأزرق النيلي، مهرجان من اللون فرحان، وأمام هذا المنظر لا يبقى لديك وقت للتصديق، كنا نتوقع الكثير من مروي، ولم نجد شيئاً، لا شيء سوى النيل، والنيل في مروي كريم وجميل. الشاطئ أخضر، وعلى حافتيه تمتد جزائر من النخيل الأخضر، يمكنك أن تستلقي عليه واضعاً أقدامك على الرمل، ليغمرها الماء عند المد، ويمكنك أن تجلس لساعات على الشاطئ دون أن تحس بحرارة الشمس من فرط طراوة النسيم، ولكن لا تأمل بأكثر من هذا ... علاقات الموظفين بمروي، يبدو أن شيئاً ما في جو المدينة يساعد الناس على أن يكونوا أكثر صفاءً، وطيبةً، وإنسانيةً، أينما ذهبنا كان اللطف يحيط بنا، الدعوات، والرحلات، والتلطف، والذوق، واهتمام الإنسان بالإنسان. وفي مروي لا توجد فوارق الاسكيلات، الناس يعرفون بعضاً، ويجالسون بعضاً، دونما اهتمام بالدرجات والترقيات، ليس هذا مقصور على العلاقات الاجتماعية، ولكنه ينعكس حتى على علاقات العمل، كل المصالح تعمل بانسجام، وبلا مشاكل. مروي أحد الأماكن القليلة التي تنجح فيها تجربة إنسانية عميقة، وأساسية، تجربة الحياة مع بعض، رغم جفاف الحياة، وقلة معطياتها، تجربة التكاتف في وجه الفراغ، والجدب، والمحل."

    نقول للشاعر ود المكي أنَّ مروي اليوم لا تُشبه مروي الأمس في عهدها الإداري الزاهر؛ لأن فلك الحياة فيها أضحى يدور حول سد مروي، ومنجزاته المادية، وتأثيراته الاجتماعية والاقتصادية على التركيبة الديمغرافية في المدينة والمنطقة وما حولها، ولذلك تبدلَّت علاقات الناس الاجتماعية ذات السحنة الريفية، وأصابها شيء من ترف الحضر، وارتخاء وشائج القربى، كما يقول العلامة ابن خلدون. فإذا سألت عن سد مروي، فهو أضخم مشروع للاستفادة من الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، إذ يبلغ طوله 9.2 كيلومتراً، وارتفاعه 67 متراً، بسعة تخزينية قدرها عشرة ملايين متر مكعب من المياه، وتمتد خلفه بحيرة صناعية طولها 176 كيلومتر، ومساحة سطحها 800 كيلومتراً مربعاً. وحسب التقارير الرسمية فإن السد يسهم في توليد طاقة كهربائية بقوة 1,250 ميغاواط، ويتوقع أن يروي 300,000 هكتار من المشاريع الزراعية في الولاية الشمالية، فضلاً أنه يوفر الحماية اللازمة للمناطق الواقعة شماله من خطر فيضان النيل. وصحب إنشاء السد تنفيذ العديد من المشاريع العمرانية في مدينة مروي، مثل الطرق المسفلتة، والجسور، وخط للسكة الحديد يصل بين السد والكاسنجر، ومدينة سكنية على طراز حديث؛ لإقامة العاملين؛ وفوق هذا وذاك سلسلة من المنشآت الخدمية والترفيهية. ولكن إلى جانب إشراقات سد مروي وإسهاماته المقدرة في تنمية المنطقة، توجد هناك بعض الآثار البيئية والاجتماعية المترتبة على تنفيذ المشروع، ونذكر في مقدمتها مشكلة تهجير أهالي أمري والمناصير الذين غمرت مياه السد أراضيهم، فمشكلة المناصير لا تزال قائمة، وتحتاج إلى حلٍّ جذري من الحكومة الفدرالية وإدارة السد، وأيضاً قضية الآثار البيئية على المشاريع الزراعية، وكيفية ريها بطريقة منتظمة، علماً بأن نهر النيل قد انحسر انحساراً ملحوظاً في المناطق الواقعة شمال السَّد، ويضاف إلى ذلك قضية نزع أراضي الولاية الشمالية الحكومية، وضمها إلى إدارة السَّد. لكن إذا تركنا هذه التحديات جانباً، ونظرنا إلى مروي في ضوء الإيجابيات التي أشرنا إليها أعلاها، نلحظ أنها قد عادت إلى الواجهة مرة أخرى، ولكنها في ثوب تنموي واستثماري، يرتبط بإنتاج الطاقة الكهربائية؛ لمقابلة الطلب المتزايد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولتحسين واقع الزراعة المروية في السودان، ورفع المستوى المعيشي للفرد والمجموعة بخلق استثمارات وفرص عمل جديدة لسكان المنطقة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah05-02-12, 11:33 PM
  Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah06-02-12, 00:58 AM
    Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah06-02-12, 01:03 AM
      Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah06-02-12, 10:15 AM
        Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah07-02-12, 00:56 AM
          Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah07-02-12, 09:21 AM
            Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah07-02-12, 09:33 AM
              Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah07-02-12, 08:42 PM
                Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 08:08 AM
                  Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 08:49 PM
                    Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:10 PM
                      Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:13 PM
                        Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:17 PM
                          Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:21 PM
                            Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:26 PM
                            Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:29 PM
                              Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:32 PM
                                Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah08-02-12, 09:39 PM
                                  Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك Gaafar Ismail09-02-12, 11:02 AM
                                    Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah09-02-12, 11:49 PM
                                      Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah13-02-12, 02:27 AM
                                        Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك Ahmed Abushouk13-02-12, 05:22 AM
                                          Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah13-02-12, 11:58 PM
                                            Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah15-02-12, 10:24 PM
                                              Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك القلب النابض15-02-12, 11:40 PM
                                                Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah16-02-12, 10:32 AM
                                                  Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah16-02-12, 07:35 PM
                                                    Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك Hamid Elsawi16-02-12, 08:03 PM
                                                      Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah17-02-12, 02:56 AM
                                                        Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah17-02-12, 08:59 AM
                                                          Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah17-02-12, 10:10 PM
                                                            Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك Abdalla Gaafar18-02-12, 06:25 AM
                                                              Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك Ahmed Abushouk18-02-12, 07:40 PM
                                                                Re: مروي ذكريات ومذكرات//شرفي- الكابلي- وقيع الله//أ.د. أحمد أبوشوك munswor almophtah19-02-12, 00:49 AM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de