شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى

حفل دعم الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبري بالفنان عمر احساس
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-09-2018, 05:10 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة منصور عبدالله المفتاح(munswor almophtah)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
16-11-2008, 05:57 AM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19059

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى (Re: munswor almophtah)

    الفصل الثالث
    شذور حول الأدب العالمي









    مقتطفات من الأدب الفارسي وتاريخه




    عمر الخيام كما تخيله الرسام


    آثار فارسية قديمة
    هنا دُفِن سايروس ، و هذا القبر لا يزال في إيران إلى اليوم. كانت آخر كلماته:
    "أنا سايروس ، أنا الذي أنشأ إمبراطورية الفرس .. لا تستاءوا إنْ أخذت قليلاً من هذه الأرض لتغطي جسدي"
    (أ)
    مقتطفات من الأدب الفارسي وتاريخه
    إذا كان الأدب في معناه الحديث بصفة عامة ـ يعني أصول فن الكتابة، ويُعنى بالآثار الخطية والنثرية والشعرية، ويعبر عن حالة المجتمع البشري، ويحيط بالعواطف التي تعتمل في وجدان الشعوب أو طائفة من الناس أو أصحاب حضارة من الحضارات، ويصور الأخيلة والأحلام وما يمر في الأذهان من خواطر ويحيلها إلى نص بديع، يرفرف بجناحي الفكر والفن، متخطياً حدود الزمان والمكان، كاشفاً عن مكنونات الشخصية بسمة المزاوجة بين المضمون والشكل، ليجعل منها وحدة فنية ذات نسق وإبداع ـ فإن الأدب الفارسي الذي نتناول هنا مقتطفات منه ومن تاريخه لايقع خارج إطار هذا المعنى، وإنما هو طائرٌ يغرد في ذات السرب في تناغم وانسجام، ويستقي من مناهل الجماليات في التراث الأدبي الإنساني، التي قادت إلى ما يُعرف بالأدب المقارن ،حيث إن الإلمام بالحركة الأدبية العالمية يحدد مكانة الشعوب ودورها، ويمهد الطريق لإقامة موازنة بين العوامل المحركة للقرائح، وتلك التي تتبعها، وتقود للتعريف بتلك التيارات‘ المنبعثة وتطورها عن طريق رفضها للعناصر المتفجرة من الواقع المحلي. وإذا كانت الحقائق التاريخية تؤكد أن الأدب في عصوره القديمة كان مستقلا عما سواه لافتقاد الوسائل اللازمة للتواصل، إلا أن الأمر بدأ يختلف كثيرا في عصرنا الحديث، فقد ساعدت وسائل الإتصال الحديثة في انهيار تلك السدود التي كانت تحول دون امتزاج الشعوب، التي بدا أنها تستقي من منابع مشتركة، وتنزع إلى تقرير مبادئ متشابهة، على الرغم من تنوع اللغات وتفرق الأنصار في مختلف الأصقاع، إلا أن ذلك لم يمنع أن تتوحد الملامح أو تتقارب في متون التيارات الكبرى.
    الأدب الفارسي أو الإيراني القديم لم تعرف منه الا عبارات منقوشة في عهد الملوك "الأخيمينيين"، وبالكاد وصلتنا منهم نصوص كتبت باللغة "الزَّنديَّة" التي تتشابه مع الإيرانية القديمة، وتمثلت في آثار قديمة كمجموعة الأناشيد والقواعد التي سميت بـ"بالأفستا" وهي ما تألف منها كتاب "الزرادشتيين" المقدس الذي وقع تفسيره في متن كتاب الزند الذي وصل الينا من الأدب الإيراني القديم، وقد كانت اللغة الفهلوية هي الأداة التي إتخذها الادب القديم كوسيلة للتعبير عن كنه التعاليم الدينية.
    توقف النشاط الادبي الإيراني لفترة تربو على القرنين على إثر الفتح العربي الإسلامي، وأخذت اللغة الفارسية الجديدة تتأثر تأثراً عميقاً باللغة العربية، وأضحت أداة تفاهم وتبادل حضاري بين سكان قارة آسية الإسلامية بسمتها الهندي، وبنيتها الأوربية، وحرفها العربي. فأقبل عليها الأتراك السلاجقة والمغول، وأسهموا في الترويج لها ونشرها. وعندها بدأ الأدب الفارسي بفضل جهد الفرس وتضافر جهود الشعوب المجاورة لهم في الإزدهار، فأضحت بلاد مثل كردستان، والقفقاز، وتركستان، وبامير، وأفغانستان، وباكستان. وعدد لايستهان به من سكان الهند يعتمدون على الفارسية في الإبانة عن خواطرهم. فإن كانت هذه الشعوب المتنوعة الجذور العرقية قد شاركت في إنتاج هذا الأدب إلا أن خصائصه العامة والأساسية ـ كما يقول الدكتور جبور عبد النور ـ ظلت ثابتة وإن تعددت إنتماءات العاملين فيه، وكذلك إيحاءاته الذهنية ومثله الجمالية الخاصة به التي كانت كافية لتسبغ عليه صفة الفرادة والتميز.
    فالأدب الفارسي في واقعه وفي منطلقه أدب بلاط وأدب مجتمع إقطاعي ونتاج نخبة مثقفة رهيفة الحس تائقة دائماً إلى جمال الشكل وأناقة التعبير، ويطغى فيه الشعر على النثر، وإن زخر أيضاً بعدد من المؤلفات الفلسفية والموسوعية والتاريخية والدينية والقصصية، التي تتساوى جودة وعمقاً مع ما يشبهها في الأدب العربي.
    لعلنا واجدون أن الملامح والحكائيات والغنائيات والأخلاقيات والصوفيات هي أكثر ما اندرج تحت الشعر الفارسي، والذي تتألف أبياته من صدر وعجز كطراز الشعر العربي، ولكن ينبني على أربعة من بحور التفعيلات تتمثل في ( المثنوي المصرع) الذي نجده رائجاً في الشعر الغنائي المؤلف من مقاطع ذات القوافي الواحدة (الرباعي) المنظوم من أربعة شطرات كبنية محددة تعبر عن فكرة أو ومضة عاطفية. وأخيراً الدوبيت وهو نوع من الرباعيات وكلمة دوبيت كما يرى الكثير من النقاد تتكون من مقطعين (دو) وهي كلمة فارسية تعني الرقم إثنين و(بيت) وهي كلمة عربية تعني البيت من الشعر. ويختلف الدوبيت عن الرباعي في الوزن إذ إنه يندرج تحت بحر آخر أقرب ما يكون للشعر المقطعي إذ يأتي وزنه في الصدر والعجز فعلن متفاعلن فعولن، وهي رجز يحتفظ بحرية معينة في التقفية. وعموماً فقد عرف الشعر الفارسي أقسام الشعر كما عرفها العرب من رثاء وهجاء وغزل إلى آخر هذه الأغراض واعتمد قائلوه في إخراجه على الأساليب الشائعة في أبواب البديع.
    قسم الباحثون الأدب الفارسي إلى عصور تبلغ الخمسة، إبتداءً من عصر الخلفاء والممالك المحلية في القرنين التاسع والعاشر، والذي وضع فيه المسعودي النص الأول لملحمة(الشاهنامة) وقدم علي البلعمي ترجمته لشرح القرآن الكريم للطبري. ثم يجيئ عصر السلاجقة الذي عاش فيه عمر الخيام ونظم رباعياته والشاعر النظامي الذي إشتهر بديوانه (الكنوز الخمسة). وبانقضاء القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر انقضى عصر المغول، الذي أعتبر مرحلة ذهبية في تاريخ الشعر الصوفي، وتدفقت فيه الألفاظ العربية على الفارسية، وبرزت فيه أسماء شهيرة(كالعطار) و(سعدي شيرازي) و (جلال الدين المولوي الرومي) و(حافظ الشيرازي). ليبدأ العصر الرابع المسمى بعصر الاستقلال بداية بالقرن السادس عشر وإنتهاءً بالقرن التاسع عشر، وهو عصر انحطاط أصيب فيه الأدب الفارسي بالجمود وإن لم يخلُ من إشراقات كأشعار(الهلالي) وأعمال الباحثين المحققين(أمين الرازي) و (زين شرواني). وبإنتهاء هذا العصر بدأ العصر الخامس والأخير وهو العصر الحديث والمعاصر، والذي تقهقر فيه الشعر مفسحاً المجال للنثر، وفيه تسربت النظريات الغربية للأدب الإيراني بصور متنوعة ومتبدلة، وقد أسهمت في تشويه ملامح أدبها الأصيل والتقليدي، وإن وافقت فيه نخبة من الكتاب الإيرانيين بين تقاليدهم المتوارثة والمدارس الفنية الحديثة، وكشفوا بذلك عن مهارات حقيقية، وبرزت من هذه النخبة أسماء ( كصادق هوايت) مؤلف (البومة العمياء) و(جمال زاده) صاحب المؤلفين (ذات يوم) و(بيت المجانين).
    إذا أردنا أن نتعرض لبعض النماذج من الأدب الفارسي الزاخر بالأسماء السامقة، كعمرالخيام ورباعياته ،وسعدي وبستانه، وحافظ وديوانه، فهذا لن يكون حائلاً لأن نتخطى الشاهنامة، تلك الملحمة الفارسية التي تعني(كتاب الملوك) لأبي القاسم الفردوسي، الذي أنهاها في حوالي العام1020م إذ إنها أثمن ما في الأدب الإيراني القديم، فقد تلاقت فيها التقاليد الملحمية الفارسية التي تجلت خلال ألف عام، منذ عهد الأفستا إلى بداية الأدب الفارسي الجديد، وكان لها تأثير على كل المصنفات التي وضعت من بعد، حيث أن لغتها كانت الفارسية المستحدثة. تغنى فيها الشاعر الفردوسي بتاريخ الإنسانية وإيران معاً خلال عهود طويلة، وصولاً إلى انهيار الدولة الإيرانية في أيام الفتح العربي الإسلامي. وقد وصف الدكتور جبور عبد النور القسم الأول منها بأنه أبرز ما فيها إذ يتضمن بدايات التاريخ القومي وسيرة الأبطال الأولين أمثال (جمشيد) و (فريدون) و(سام) و(زال) و(رستم) معروضة في إطار عام لحياة البلاط وأحداث الحروب، ويشير إلى إقتسام أبناء فريدون الحكم ونشوب الخلاف بين الفرس والطوارنيين في آسيا الوسطى، وإلى قيام أسرة مالكة جديدة، وإنتشار دين زرادشت، وإلى حروب الإسكندر وفتوحاته. المعروف أن الملحمة تقع في ستين ألف بيت تقريباً، وتعبر خير تعبير عن خيال صاحبها، وتوقه إلى الجمال الفني، وإلى الإبانة عن مشاعره القومية، وحبه لبلاده ولشعبه. فقد ظل هذا الشاعر الملحمي عاكفاً ولمدة خمسة وثلاثين عاماً على إنجاز الشاهنامة وإنهائها وهو في عامه الثمانين. وله ملحمة أخرى نظم فيها حكاية(يوسف وزليخة)، وإن اشتهر في مستهل بداياته الشعرية بالقصائد الغنائية. ولابد أن يكون هذا الشاعر مثالاً لمفهوم الإلتزام في الأدب أو الإلتزام عند الكاتب عموماً. وأخيراً لابد أن نشير إلى الأدب الشفوي الذي تزخر به ساحة الآداب الفارسية، والمتمثل في مجموعة الأساطير والحكايات الشعبية والتي تنتقل من جيل إلى آخر، والذي يمثل في مجمله مصدراً من مصادر الدهشة المفعمة، التي يفتقدها أولئك الذين غاب عن ماضيهم التاريخ المرصع بالحكايات والمزين بالأساطير.









    مقتطفات من الأدب الياباني



    المترجمة الأدبية والإعلامية الإماراتية الدكتورة ''هيام عبد الحميد''






    لأديب الياباني " كواباتا يسوناري" الحائز على جائزة نوبل للآداب





    (ب)
    مقتطفات من الأدب الياباني
    تسمى المجموعة اللغوية التي تشمل اللغات المغولية والتركية وما تفرَّع منهما باللغات «الألتية»، وإليها تنتمي اللغة اليابانية. غير أن تطورها ومراحل نشأتها الأولى غابت عن معرفة مؤرخي الأدب، حيث إن النصوص التي وصلت إليهم منها تواثبت بحلول القرن الثامن الميلادي، أي بعد أن شبت عن الطوق واجتازت مرحلة الطفولة وشاعت فيها ملامح الفتوة. وقد اتخذ الكتاب في ذلك العهد القديم لغة تراثية فصحى بطيئة التطور هي لغة «البونغو» ليعبروا من خلالها ما أمكنهم عن خواطرهم وكتابة أفكارهم. وقد أُهملت هذه اللغة بحلول القرن التاسع عشر، بعد أن انفتحت اليابان على الحضارة الغربية وحلت مكانها عامية طوكيو، مما جعل قراءة النصوص القديمة عسيرة على الجيل الحالي. والمتفق عليه أن الخط الياباني مقتبس من الخط الصيني، إلا أن ذلك لم يتم بطريقة علمية أو بطريقة نهائية، حيث أن اليابانيين اكتفوا باستعارة واحد وخمسين مقطعاً من الكتابة الصينية لإخراج الأصوات الشائعة لديهم.
    بدأت ملامح الأدب الياباني تتضح عند تأسيس «نارا» عاصمة اليابان الأولى الإدارية والدينية، فقد ترافق مع هذا التأسيس بروز مجموعة الوثائق الحكومية كطلب الأباطرة وكبار الأمراء، ولحقت المؤلفات الدينية بها أو تلك التي تعالج العادات والتقاليد، وهي مرحلة سادتها إلى حد كبير آثار «بوذا» و«كنفوشيوس واتباعهما، كما قوي فيها التيار الصيني وبحلول العام 794 الميلادي عندما انتقلت العاصمة إلى «كيوتو» أخذت العناصر المكوِّنة للتراث الياباني بالبروز تدريجياً إلى أن تألفت منها ثقافة متماسكة وواضحة المعالم، وبدأت كتابة الأحداث التاريخية والسير والمذكرات والحكايات وجمع الشعر. وبإطلالة العام الألف الميلادي بلغ الأدب الياباني مستوىً رفيعا،ً وذلك في عهد الامبراطور «ايشيجو» فنهض في البلاط الشعر باللغتين اليابانية والصينية، وظهرت دواوين من الشعر لعل أهمها ديوان الشاعرة «موراساكي» التي عرضت فيه حياة المجتمع الارستقراطي والتي كانت جزءاً منه، إذ أنها كانت تعيش في البلاط وذلك من خلال سيرة الأمير «جنجي» وابنه الأمير «كاورو» وديوان «مدونات الوسادة» للشاعرة «سي شو ناغون» الذي عني أيضاً برسم صور الحياة في البلاط بمنأى عن السياسة. واعتبر النقاد هذا الديوان من أفضل ما ظهر في تلك المرحلة، وقد ظل هذان الديوانان محل تقليد للاحقين من الأدباء، فظل ما فيهما من فن رائجاً إلى القرن العشرين.
    لليابان تاريخ زاخر تزينه الأساطير والحكايات لذا كان لكتابته منزلة رفيعة في الأدب الياباني المتأخر، اتخذ فيه أسلوب الفكاهة والإشارات التاريخية معيناً للتعبير عن ماضي اليابان وما جاورها من أمم كالهند والصين، وهي مرحلة أدبية انتهت بنهاية القرن الحادي عشر. وبحلول القرنين الثاني والثالث عشر تناولت الأقلام وجرى مدادها لكتابة تاريخ البلاد عاماً فعام عن طريق الحواريات الخالدة التي تناقلت من جيل إلى جيل، ومن خلال ذلك تم شرح ما جرى في ميادين القتال وبخاصة أبناء الطبقة الأرستقراطية المقاتلة، ومن أهم المصنفات التي ظهرت في هذه المرحلة كتاب «بطولة هيكة» الذي امتدت ظلاله الأدبية حتى القرن الخامس عشر. ثم بدأ الأدب الشعبي في الظهور من خلال القرنين السادس والسابع عشر متأثراً باللامركزية على الرغم من المعارك التي دارت رحاها في العاصمة مما جعل المدن الصغرى تزدهر أدبياً باستقطاب عدد كبير من كتاب الإمتاع والتسلية.
    نشطت الآداب التراثية عن طريق استنهاضها بواسطة اللغويين معالجين موضوعات شتى ما بين أخبار الحروب والكتابات النفسية، وقد ازدهر هذا النشاط إبان عصر «اوزاكا» 165-175 وفيه ازداد العمل المسرحي، إذ تم افتتاح مسرح كبير في اوزاكا، وقد نسبت لهذا العصر حوالى (170) مسرحية للكاتب المسرحي «شيكا متسو منزايموت» الذي ذاع صيته وتألق اسمه تألقاً كبيراً آنذاك، وفي هذا العصر ظلت معظم الفنون الحديثة في تنافس وتقدم وتقهقر متصلة بذات النسق طوال عصر «إيدو» 1603-1868 إلى أن أقبلت تيارات الأدب الغربي لترفد الأدب الياباني بمبادئ وأفكار جديدة. ولعل مرحلة الإمبراطور «ميجي» 1868-1912 حملت الأدب الياباني نحو التقنية وتبسيط المعارف والعلوم وظهرت فيه موسوعات عامة عن الحضارة الأوربية، وإن ظل التمسك بالماضي عن طريق الكتاب المحافظين يمثل قوة على الساحة الأدبية المحلية، وقد رافق الميل إلى الغرب ظهور الرواية بمفهومها الحديث وبمدارسها المأثورة فتلاقت في ساحاتها مذاهب المحللين النفسانيين والواقعيين والطبيعيين، غير أن مرحلة «تيشو» 1912-1926 حملت قصصاً حول موضوعات تاريخية مستقاة من المآثر الغابرة. وتواضعت في العام 1910م نخبة من الفتيان حول مجلة «شجرة السندر البيضاء» متأثرة بالكاتب الروسي تولستوي والبلجيكي ما ترلنك، وانتجت آثاراً جمة ومتنوعة في مضامينها مثيرة في بيئتها شتى القضايا. وفي مرحلة «شوا» من العام 1926م وإلى الآن برز تياران رئيسيان مختلفان في الموضوع والأسلوب والغاية يتمثل الأول في تيار ما قبل الحرب العالمية الثانية والآخر برز بعد الحرب وقد غلبت الاتجاهات السياسية في التيار الأول وفي مجراه نشأت رابطة الفنانين العمال المعارضة للجماعات الأخرى ومثلها الكاتب اليساري «كوبيا شي تكيجي»، وبرز في التيار الآخر كتاب ملتزمون يمثلون سياسة اجتماعية مخالفة للاتجاه السابق وفيه ظهرت روايات صيغت بأسلوب شعري أشهرها «سمبا زورو» للكاتب كواباتا يسوناري 1899ـ 1972 الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1968 لإبداعه النثري المكتوب بلغة شعرية راقية وغامضة. وفي اليابان حالياً كثير من الأدباء الذين ينتمون إلى المذاهب الفنية العالمية بيد أن الروح اليابانية الأصيلة تتراءى في آثارهم ومن أولئك الكاتب ميشيما يوكيو والكاتب اوي كنز بورو.
    امتاز الادب الياباني بالبراعة في القصص القصيرة، ومن التراجم المهمة في مجال القصص القصيرة كتاب «الشاعر النمر» للأديبة الاماراتية هيام عبد الحميد والتي أوردت بين دفتيه مجموعة من القصص القصيرة بترجمة جيدة من اليابانية إلى العربية، كالقصة التي جاء الكتاب على اسمها، والقصة ذائعة الصيت «الوشم»، وقصة «الأسمنت»، وغيرها من القصص التي تراوحت ما بين القصة الواقعية، والقصة الاسطورية، والقصة الرومانسية، والقصة الصدمة. ولعل الأديب القاص شيفاناويا المولود في عام 1883م يعتبر من أهم الروائيين الذين تركوا آثاراً مهمة في مجال القصة القصيرة، رغم أنه روائي ممزق النفس، قلق الطبع. وقد مر بتجارب وجدانية عصيبة، غير أن وساوسه النفسية أخذت بالتلاشي مع مرور الزمن، لا سيما بعد تركه للديانة المسيحية وارتداده إلى عقيدة أجداده. وقد برع في دقة الألفاظ ، وأناقة الأسلوب في رواياته القصيرة التي أقبل عليها أبناء جيله بحماسة، منها «وفاق»» و«جريمة المشعوذ» و«الطريق في الليلة الظلماء» وتعتبر روايته التي أسماها باسم بطلها «اكانيشي كاكتيا»، من آثاره المرموقة والتي حيَّر بها قراءه ونقاده، لأنه شذ بها عن كل مفهوم لفن الرواية آنذاك. وهذه الرواية ذات الثلاثين صفحة والتي تم نشرها في عام 1917، كانت جديرة بأن تأخذ بيد صاحبها لتضعه في مصاف مشاهير عصره. فقد تناولت حبكتها أحداثاً ومؤامرات جرت خلال القرن السابع عشر في إحدى الأسر الإقطاعية الشمالية، وقد أحكم المؤلف بين مختلف أجزائها إلى ما يشبه التناغم بين أقسام القطعة الموسيقية الواحدة، مما جعل اليابانيين يقبلون عليها بشغف، فشاعت في جميع الطبقات وأغرت الفن السابع فاستوحى منها فيلماً بالعنوان نفسه.
    لئن كان الأدب على وجه العموم يعبر في محيطه الخاص عن محلياته ويلتزم فيه الأديب أو الكاتب بإبراز تاريخ وقضايا وطنه من خلال ما يتميَّز به من شمول وعمق وفرادة ومؤهلات فكرية وتعبيرية، إلا أن إشاراتنا التعريفية للأدب الياباني أو غيره من الآداب العالمية بفتح المجال للتنافذ الأدبي والتناطح الفكري لهذه الآداب العالمية عن طريق إغنائها بالمقتبسات وظهور بنية جديدة مبتكرة في عالم أحالته ثورة الاتصالات الحديثة إلى قرية صغيرة.










    تولستوي وفن الرسائل






    جورج برنارد شو
    الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي





    .
    (ج)
    تولستوي وفن الرسائل
    أصاب المؤلف ألأيرلندي الشهير برنارد شو كبد الحقيقة عندما أورد عبارته الخالدة في سياق رسالة الى صديقته والتي تقول «دعك من هؤلاء الذين يعيبون على علاقتنا أنها لا تخرج عن نطاق الورق، وتذكري انه على الورق فقط استطاعت البشرية أن تشيد صروح المجد والجمال والحقيقة والمعرفة والفضيلة والحب الخالد». ذلك لأنه أدرك مبكراً أهمية الرسائل، التي يعدها البعض امراً ثقيلاً ومملاً، وتغيب عن أذهانهم حقيقة دور الرسائل المتعاظم في حياة البشر، وأنها واجهة لاعماق الانسان وشخصيته، كما أنها وسيلة تفوق في تعبيرها وصدقها ما يستطيعه اللسان. ولكن الرسالة كفن عظيم يحتاج كاتبها الى الموهبة التي تعطي فنه المصداقية والتعبير الجيد والمؤثر عما يعتمل في دواخله، وما يختلج في وجدانه، من أحاسيس ومشاعر، وما يحمله عقله من صنوف المعرفة الادبية والعلمية. وللرسائل قوانينها وأعرافها الأخلاقية والشكلية والموضوعية، والإلتزام بذلك إلتزاماً صارماً يمنحها التميزعلى غيرها من وسائل الاتصال.
    من الذين إزدانت بهم قائمة فن الرسائل تولستوي-الروائي والمفكر الشهير وهو الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي ( 9 سبتمبر 1828- 20 نوفمبر 1910 ) من عمالقة الروائيين الروس ومن أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر والبعض يعدونه من أعظم الروائيين على الاطلاق. كان ليو تولستوي روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي وعضو مؤثر في أسرة تولستوي. أشهر أعماله روايتي (الحرب والسلام) و(أنا كارنينا) وهما تتربعان على قمة الأدب الواقعي، فهما تعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية، وهو كفيلسوف أخلاقي اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف، وتبلور ذلك في كتاب (مملكة الرب بداخلك) وهو العمل الذي أثر على مشاهير القرن العشرين مثل المهاتماغاندي ومارتن لوثر كينج في جهادهما الذي اتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف- الذي جاءت رسائله صادقة وذات تأثير كبير وأثر عميق، وقد جعلنا تولستوي نحس إحساساً حقيقياً بمعاناته وألمه وندرك عواطفه وطموحاته وأمانيه في رسائله العديدة التي تعد تجسيداً رائعاً لفن الرسائل، ومن تلك الرسائل الرسالة التي كتبها لزوجته التي أحالت حياته جحيماً، بسبب عدم إيمانها بتعاليمه ومبادئه، وأوغرت صدر أبنائه عليه، وحاولت سرقة الوصية التي تنازل فيها عن جميع حقوقه في مؤلفاته للشعب. غير أن غيرتها عليه التي إتسمت بسمات مرضية والتي كادت أن تأكلها أكلاً كانت من أهم الاسباب التي جعلته يُسطِّر لها هذه الرسالة التي ترجم فيها كل ألمه واحباطه. قال فيها :
    «عزيزتي الكونتيسة لن أرجع إليك هذه الليلة وسأمكث في بيت صديقي فيودور حتى أطمئن على مستقبلي معك وأثق أن كل شيء فيك قد تغيَّر، وقد تدهشك مني هذه الجرأة وهذا العزم ولكن ما حيلتي لم أعد أحتمل فحياتي بالقرب منك أصبحت بليدة وخاملة بحيث بت أخشى منك على شخصيتي وعلى عملي وعلى ما كنت أحلم به من عظمة ومجد، وأرى من واجبي في هذه الساعة الفاصلة أن أشرح لك كل شئ وأصارحك بالسبب الذي من أجله عقدت عزمي على مغادرة البيت. أنت يا عزيزتي إمرأة مصابة بجنون الحب والغيرة، لم يكد القدر يحقق أحلامك ويجعل منك زوجة لي حتى اضطرب عقلك واستعرَّت عواطفك وخيِّل إليك أن الزواج لم يخلق إلا ليكون وسيلة مشروعة يجب ان تسخَّر لخدمة الحب والغيرة، فالحب في نظرك ـ ولا سيما الحب المتقد غيرة وشكاً ـ هو المجهود الفرد الذي يجب ان تبذله المرأة في ظل الزواج وهو الغاية الوحيدة التي من أجلها نتزوَّج وهو المتعة الدائمة التي يجب أن يقدرها الرجل ويعيش فيها ولها، وهكذا أحببتني حباً صاخباً عنيفاً زيَّن لك خيالك الجامح أنه لا يجب أن يضعف ولا يجب أن يفتر ولا يجب أن يسبقه شئ أو أن يقف في وجه سيله الجارف أي شئ، وكنت أحبك أيضاً ولكني شعرت وواأسفاه أنك تحبين حبك وغيرتك أكثر مني وتحبين ملذاتك ونزواتك أكثر من صحتي وتحبين غرائزك اضعاف حبك لواجبك البيتي، على أن واجب البيت عندك هو الحب، فالعناية بشؤون زوجك لا تهمل، وتربية أطفالك لا تهمل، ومسؤوليتك حيال عملي وجهادي لا تهمل أيضاً، كل هذه الواجبات المقدَّسة تخضعيها لعاطفة الحب المقرونة بالغيرة، وما دامت هذه العاطفة مشتعلة في صدرك فأنت مبتهجة وأنت سعيدة وأنت معتقدة بل مؤمنة بأن زوجك هو الآخر لا بد أن يكون سعيداً، ولا بد أن يكون مثلك مؤمناً بأن ملذات وآلام الحب والغيرة ينبغي أن تظل فوق مصلحة العائلة ومصلحة الأبناء ومصلحة الكل وقانون الحياة بأسره، تلك هي نزعتك الطائشة ذلك هو شيطانك المسيطر، أنت عاشقة لا زوجة أنت انثى لا إمرأة أنت غريزة تسعى لا مخلوق إجتماعي عاقل متزن يعرف ما له وما عليه، وإني لأصارحك هنا بأمر حبك العاصف الغيور المخبول الذي أرهقني وأضجرني ولفني في شبكة مروِّعة من البلادة والكسل والخمول والظلام، والحق اني بت أبحث عن نفسي ولا أجدها وافتقد عقلي وأهيب بارادتي فلا اقع إلا على أعصابي الخائرة وقوايَّ المحطمة وعزمي المسلوب، نعم انها عدواك سرت إليَّ فأنا اليوم خائف منك وخائف من نفسي أن أطاوعك فأجهز بيدي على أحلامي ومستقبلي، وهذا الخوف المزدوج هو الذي دفعني إلى الرحيل إذ كيف يمكن أن أعيش مع زوجة تأبى إلا أن تمثل دور العاشقة المفتونة الغيور؟ إن الحب يا عزيزتي جميل ولكنه ليس كل شئ في الحياة وأروع ما في الحب هو التضحية فإذا لم تضحي ببعض حبك من أجل اسرتك وأولادك وزوجك فأية قيمة لهذا الحب؟ إنه ليتحول إذن إلى أنانية قاتلة، وأنا أحس أن حبي لك سيموت من فرط حبك وغيرته وجبروته المتسلِّط الأعمى، فثوبي الى رشدك وفكري وأمعني النظر وافهمي أن على الرجل فرضاً آخر غير الحب وعملاً آخر غير العاطفة ورسالة اخرى غير الفناء والموت بين أحضان إمرأة، فالرجل يعيش للبيت والعالم، للقلب والعقل، للأسرة والإنسانية، فلا تحبسيه بين جدران قلبك، ولا تسجنيه بين خبايا ضلوعك، ولا تقتليه في حيوانية بدنك، إنك إن أطلقت الرجل كسبته، وإن حررتيه أنقذته، وإن عفوت عنه ولو لفترات سموت به وقويته وشجعته وأغريته بعظائم الأعمال، فاطلقيني من ربقة حبك المجنون وإلا أطلقت نفسي، مكنيني بتضحيتك في سبيل أولادك وبيتك من أن اضحي أنا الآخر ببعض قوتي وشبابي في سبيل إنقاذ نبوغي وتوكيد عبقريتي وخدمة العالم، وأن أجد المرأة التي لا تتشبث بحب الرجل بل في استخدام حبها وحنانها في خلق الرجل، فأخلقيني بحبك بدل أن تقتليني، انقذي البقية الباقية من قوتي بدل أن تجهزي عليَّ، ولكنك لو استرسلت في غيك واتباع شيطان حبك وغيرتك فسيثبت لك الزمن أن في مقدوري أن ادافع بمفردي عن شخصيتي وأدافع وحدي عن عملي واستغني آخر الامر عن حبك كما استغنيت عن التفكير في مصلحتي. هذه رسالتي إليك فاقرئيها بإمعان وفكري ولا تنتظري أن أعود إلى البيت قبل إنقضاء شهر على الأقل فإذا عدت ووجدتك المرأة الطائشة نفسها والعاشقة المفتونة الغيورة نفسها فسأقبل يدك شاكراً وأعتمد بعد الله على نفسي وأودعك الوداع الأخير. {زوجك تولستوي}
    إن الصدق الذي كمن بين طيات رسالة تولتسوي التي استعرضناها هو من أهم عناصر فن الرسائل، وهو فن لا يستقيم بغير الموهبة والشجاعة والشفافية والايمان بالطرح، ويقيني أن الرسالة الناجحة هي التي يتحرر كاتبها من كل القيود ومن كل التيارات، فكتابة الرسالة هي التحرر بكل معانيه وأشكاله، سواء كان ذلك تحرراً عاطفياً أو اجتماعياً أو نفسياً أو سياسياً، لأن الحرية هي كل هذه الاشكال والمعاني، فهي ليست كلمة تقال أو طبولاً تقرع أو حفلات تقام أو مؤسسات تشيَّد، إنها كالطائر الطليق الذي لم تلده الاساطير، أو تقيده الجهات والأمكنة، فكتابة الرسالة الفذة جواد لا يستطيع ركوبه إلا الشجعان، وجبل لا يتسلقه إلا الأقوياء، ومملكة لا تفتح أبوابها إلا للمنتصرين.










    مقتطفات عن علاقة الجنوح والإبداع عند الأديب الفرنسي "جان جينيه"





    جان جينيه






    سيمون دي بوفوار مع جان بول سارتر


    مقتطفات عن علاقة الجنوح والإبداع عند الأديب الفرنسي "جان جينيه"
    إن الصلة بين حياة الأديب الفرنسي المعاصر (جان جينيه) 1910 ـ 1986 الذي نزع نحو الجنوح والشذوذ وإبداعه الأدبي هي صلة وثيقة تقع في إطار فهم الظاهرة الإبداعية لديه ويجب ألا نتحاشى ذكرها عند دراسة إبداع هذا الأديب المؤلف تحدياً للحقيقة وامتثالاً لمقولة إنه لاحياء في العلم وإن إماطة اللثام عن هذا الأديب الذي فضح نفسه ـ شأن الكثير من الأدباء العالميين ـ بصراحة شديدة واعترافات مذهلة تضع القارئ العربي أمام حقيقة أن الحرية التي يتمتع بها الكاتب الغربي تتضاءل أمامها تلك الحرية المزعومة التي يتمتع بها الكاتب العربي ، وفي هذا الإطار يعلق جان جينيه أهمية قصوى على حرية التعبير عن أفكاره مهما بدت غريبة في أعين الآخرين، وأنه ليس مولوداً بالشر والإنحراف كل ما هناك أنه يستسلم لنوازعه دون أن يحس فيها بأدنى عيب أو غضاضة، ويقول فيما يتعلق بالنوازع المثلية لديه: أنه لايعرف عنها شيئا بالمرة، ويتساءل: وماذا يعرف الناس عنها؟ ويجيب قائلاً: إن هذه النوازع المثلية فُرضت عليه كما فرضت على عينيه ألوانها. غير أن الكاتبة(سيمون دي بفوار) عشيقة صديقه الفيلسوف( جان بول سارتر) تقول إن مؤلفنا ـ تعني جينيه ـ كان منبوذاً من المجتمع منذ أن رأت عيناه النور، فلا غرو إن رأيناه لا يكن أي إحترام لهذا المجتمع، وأن يحاول الإنتقام منه عن طريق السلوك الشائن المعيب.
    ولكننا نجد أن نشأة وسيرة جان جينيه تلقي ضوءً أكثر من ذلك الذي قالت به سيمون، مما يجعله أكثر عرضة وإغراءً لقراءة أدبه قراءة نفسية. فقد تشكل فيه الإنحراف وتوثقت عرى العلاقة بين أدبه ونفسيته. فجان جينيه الذي إختارته في العام 1976 مؤسسة لاروس كواحد من أدباء فرنسا العظام، ولد لإمرأة غير متزوجة إسمها(كامبل جابراييل جينيه) التي عهدت به إلى ملجأ لرعاية اللقطاء في العاصمة الفرنسية باريس، وبما أنه مجهول الأب فقد نسب إلى أمه فأضحى اسمه جان جينيه، وقد نشأ نشأة تضافر فيها الجنوح والإضطراب، ورغم أن حياته تقلبت ما بين التشرد والترحال والإملاق والثراء العابر الذي كان يجنيه من نشر كتاباته إلا أنه في كل الأحوال لم يتورع من إرتكاب جرائم السرقة، مما قاده للسجن أكثر من إثني عشر مرة، ولا يفتأ أن يعترف بلصوصيته كما حدث وأخبرنا خلال سيرة حياته الروائية( يوميات لص ).
    وقد تأثر جينيه تأثراً عميقاً بالكاتب المنحرف( جوهاندو) الذي إلتقاه وتعرف إليه خلال سجنه عندما قال له: إن السجن ليس سجناً بل هو المهرب والحرية ففيه يستطيع الإنسان الهرب من تفاهات الحياة كي يعود إلى جوهرها. وعندما قال جان جينيه: إنه يتوق إلى الإقلاع عن السرقة وأن يكسب قوته عن طريق التأليف والكتابة. فإذا بجوهاندو يعترض على ذلك قائلاً: يا صديقي إنه من المؤكد إنك تمتلك نوعاً من الموهبة في الكتابة، ولكن لاتحاول إحترافها وإلا أفسدت كل شيئ، وإذا شئت أن تصدقني فينبغي عليك الإستمرار في السرقة.
    إن مناصرة جينيه للمضطهدين والسود والعرب والفقراء والمشردين والقضية الجزائرية والفلسطينية هي نتاج تحويل تجاربه في الحياة ــ كما يقول ــ إلى تجربة عامة يحس فيها بآلام الموجودين من البشر في كل مكان. على أننا نجد أن علاقاته مع أصدقائه كلاعب السيرك الجزائري( عبد الله بنتاجا ) والتي أثمرت عن بعض إبداعاته ككتابه( فنان الأسلاك العالية) ومسرحيته ذائعة الصيت ( السواتر) وهناك الكثير من الشواهد الدالة على أن شخصية سعيد المحورية في هذه المسرحية مستمدة من شخصية عبد الله الذي يعتبره جينيه من أهم عشاقه المقربين في حياته على الإطلاق، والثاني هو( ديكارتين) وهو يساري إنخرط في مقاومة الإحتلال النازي لفرنسا.
    كان جينيه في إعترافاته بهذه العلاقات المثلية الشاذة يتباهى في صفاقة لاتدانيها صفاقة إلا صفاقة ذلك الجندي الأمريكي الذي أفشل كميناً نصبه الفيتناميون وقتل منهم عشرة جنود فمنحوه وساماً وعندما قبضوا عليه متلبساً بممارسة الشذوذ مع أحدهم فصلوه من الجيش الأمريكي فأرسل رسالة لإحدى الصحف قال فيها: منحوني وساماً عندما قتلت عشرة رجال وفصلوني من الجيش عندما أحببت رجلاً واحداً..!
    لعلنا واجدون في قصيدة جينيه المعروفة(الرجل المحكوم عليه بالموت) إسقاطات بذيئة وإعترافات بجنوحه وشذوذه وقد أنشأها بين جدران السجن الذي يعتبره المكان الأمثل للكتابة والمهبط الذي يؤثره الوحي الشعري وهو نفس المكان الذي كتب فيه رائعته ( معجزة الوردة ) وهي رواية تزخر بالرموز المستمدة من حياة القرون الوسطى وتقع أحداثها في دير تابع لعائلة (البوربون) المالكة قبل أن تندلع الثورة وتحوله إلى سجن والمعجزة التي تناولتها الرواية تتلخص في أن الأغلال التي يرسف فيها السجين تتحول إلى أكاليل غار وورود والرواية تصور حياة السجين على أنها شيئ مقدس فهي أقرب ما تكون إلى حياة النساك والرهبان والقديسين وهي تخلو تماماً من متاع الدنيا.
    شق جينيه طريقه نحو الشهرة والمجد عند توزيع روايته (عزراء الزهور) فقد أراد جينيه من منطلق النتوءآت التي نمت في أعماقه بسبب الجنوح والشذوذ أن يبصق على وجه المجتمع الفرنسي البرجوازي المنافق وأن يفضح بصدق كل مظاهر الزيف والإدعاء من حوله فلم يجد وسيلة إلى هذا غير الإمعان في الفحش والبذاءة والكتابة عنهما.
    كان حريَّاً بجينيه أن ينضم إلى منظومة كتاب فرنسا العظماء كما رأت مؤسسة لاروس فقد كان كاتباً شاملاً ومبدعاً حقيقياً كتب الشعر والرواية والمسرحية وسيناريوهات الأفلام ومارس الإخراج السينمائي عندما أخرج فيلماً سينمائياً بعنوان (أغنية الحب) عن كتاب له وغير ذلك كثير من الأعمال الإبداعية في مجال الأدب مما لم نتعرض له بقدر إعراضناـ بسبب الإيجازـ عن تلك الجوانب الأكثر قتامةً في حياة هذا المؤلف الذي إستطاع أن يذيب النوازع الفتاكة القابعة في دواخله في بوتقة الخلق والإبداع الأدبي والفني الذي أخذت آثاره تنداح في العقول والمشاعر وتمكنه من تغيير نفسه على نحو مذهل عندما إسودت الدنيا في ناظريه وتكررت محاولاته للإنتحار واعتبر نفسه لعنة.
    في مرحلة متأخرة بعض الشيء من حياته إتخذ جينيه من المغربي (محمد القطراني) عشيقاً له وهو أصلاً مفتون بالشرق الذي جاب نهاده ووهاده وعندما أصيب بسرطان الحلق وشعر أن برودة الموت بدأت تسري في أوصاله أوصى أن يدفن في مدينة (لاراش) المغربية ولم ينس أن تشمل وصيته المالية في قسم كبير منها على عشيقه لاعب السيرك عبدالله بنتاجا ومحمد القطراني وإبنه الذي أطلق عليه جينيه إسم عزالدين تأثراً بأحد المناضلين الفلسطينيين.
    في باريس وعند حلول ليلة الرابع عشر من شهر إبريل العام 1986 رحل جينيه عن الدنيا فأصر محمد القطراني أن يأخذ جثمانه حسب ما أوصى ليدفن في مدينة لاراش المغربية واختار البقعة التي كان يلعب فيها مع ابنه عز الدين لتكون مثواه الأخير وهي قريبة من المنزل الذي إشتراه جينيه هدية لصديقة محمد القطراني الذي بكاه مر البكاء وفي يأسه استقل سيارته ـ كانت هي الأخرى هدية من جان جينيه لأبي عزالدين ـ ليرتطم بشجرة ويتوفى في هذه الكارثة التي كانت أقرب للإنتحار منها إلى الحادث.
    شعر المغاربة بالفخر لأن هذا الكاتب العظيم دفن في ثراهم وكانت الحكومة المغربية قد عرضت إيفاد فرقة موسيقية عسكرية لإستقبال الجثمان عند الطائرة حال وصوله بيد أن أصدقاء جينيه رفضوا هذا الجو الرسمي في تشييع الفقيد الذي آثر البساطة ونبذ الغنى والمظاهر الزائفة.










    الفصل الرابع
    شذور متفرقة
    مـــــا بيـن
    الموروث القصصي والشعر













    الشُّمُوسُ تَمشي في الدِّماءِ جِهَارا

















    (أ)
    الشُّمُوسُ تَمشي في الدِّماءِ جِهَارا
    إنها قصةٌ نشرتْ علينا مأساتها وعِبَرَها من غور التاريخ وقلب الزمان، فأحداثها العجيبة كما روى صاحبُ الأغاني وقعت في عهدٍ سحيق، بموضع يقال له {اليمامة} كانت تقطنه قبيلة يقال لها{جديس}، وقد ساد {عمليق} ملك {طسم}هذه البلاد في ما ساد من أرض، وقد كان عمليق بن لاوذ يمت بصلة رحم لأهل جديسٍ إلا أنه أذاقهم الأمرين، إذ عُرِفَ عنه الفساد والظلم والبطش، وقد لقي منه أهل اليمامة أبشع صنوف الذل والمهانة التي يمكن أن تصدر عن حاكم متسلط متجبر، ومن صور ظلمه البشعة ما فعله بإمرأة من جديس يقال لها {هزيلة}، فقد جاءته مختصمة زوجها في أمر إبن لهما أراد الزوج أن يأخذه عنوة، فأمر عمليق أن ينتزع من كليهما وأن يُجعل في غِلمانه، فخرجت هزيلة يتملكها حزن عظيم وشعور بالضيم لا حد له، فأخذت تهجو العمليق شعراً، وفي ذلك قالت:

    أتينا أخا طَسمٍ ليحكُمَ بَيْنَنَا
    ** فأنْفَذَ حُكماً في هزيلةَ ظالِمَا

    لَعَمْرِي لقدْ حَكَمْتَ لا مُتَوَرِعاً
    ** ولا كُنتَ فِيمَا تُبْرِمُ الحُكْمَ عالِمَا


    ولأن للعمليق عيونٌ وآذانٌ مبثوثةٌ في كل مكان ـ كفعل كل متجبر جبان ـ جاءه على جناح السرعة خبر الهجاء الذي قالته هزيلة، فأصدر فور ذلك أمراً قاهراً وقاسياً ومدهشاً ولكنه يتسق وفحولته الآثمة وظلمه البين وشهوانيته الحيوانية المدمرة، فقد أمر العمليق ألا تتزوج بِكرٌ من جديس وتُهدى لزوجها حتى يفترعها هو قبل زوجها..! فلقي أهل جديس من ذلك بلاءً وذُلاً لاحد له، ولا أحد يعترض، حتى كاد الأمر يجري فيهم مجرى العادة، وكاد منظر الأبكار من العرائس وهي تُحمل إلى العمليق ـ وسط الأهازيج والأغاني ـ أن يعرف كطقس من طقوس زواج الأبكار. غير أن هناك صبيةً من جديس كانت تشب عن الطوق، وكانت الثورة تعتمِلُ في نفسها، وعندما بلغت مبلغ الحلم كانت قد بلغت منتهى جمالها، كأنما النور قد شق لها ثوباً من محاسنه، فالوجهُ للشمسِ والعينانِ للريمِ، كانوا يدعونها{الشموس} وكان اسمها { عُفيرة بنت عبادة}، والشموس مع ثورتها مع لم تكن معتدة بحسنها النبيل، إذ كانت غاضبة الفؤاد، متخثرة الوجدان، آسية لما يفعله العمليق بقومها وبأبكار القبيلة من عرائسها الفتيات، بيد أنها كانت تتوجسُ خِيفةً، ففي غدٍ ستطلب إلى الزواج، وعليها ستدور دائرة العمليق، وهو أمرٌ لن تقبله أبداً ولن ترضى به مطلقاً، ولكن ما حيلتها؟ فكرت في الأمر فوجدت نفسها بين خيارين، أفضلهما تحريض قومها على العمليق لقتله والتخلص منه، وثانيهما أن تضرب على نفسها سياجاً قوياً ضد الزواج برفضه تماماً. وعندما لم تنجح في إثارة ثائرة قومها ضد العمليق ـ وكان منهم شقيقها الأسود بن عبادة ـ بكل ما تملكه من أسلحة التحريض التي كان أقواها شاعريتها القوية والناضجة ،عمدت إلى حبس نفسها، وأبدت إعتراضها لكل من طلبها إلى الزواج. إنها حقيقة ترغب في الزواج، ولكن ليس في وجود العمليق، الذي أصدر أوامره الملكية بمنع عذراوات القبيلة عند زواجهن من الذهاب إلى أزواجهن، قبل زيارتهن له، ليفترعهن واحدة تلو الأخرى، ويفض بكارتهن، يا للعجب ويا للذل. وعندما أعياها التفكير أسعفها البعض بوعد لطالما اشتهته. فثلةٌ من قومها بذلوا لها وعداً غليظاً بحمايتها من العمليق، وإن دعا الحال إلى قتله. وعليها الآن أن تفكر في أمر زواجها، فعاد وجهها إلى إشراقه القديم، وامتلأ قلبها بحب الحياة، وانطلقت في فرحة وحبور ترتاد الشواطئ والجنائن، وتسامر رفيقاتها، فيتعاطين سراً أشعار العشق والهوى، وعندما طلبها للزواج من هوته لم تتردد في الموافقة. وفي يوم عرسها أشرقت كالشمس، وبدت كأجمل بنات القبيلة، وأخذ يغزوها الطرب، والغناء يغزو مسامعها وكأنه يصدر من كل شئ، من الدور التي تكاد تغني، ومن الإيوان الذي يتمايل رقصا، ولكن تباً لهؤلاء المسلحين الذين هجموا على الإيوان بغتةً فأسكتوا كل صوت، وهم يقولون بأصوات آمرة: إن عمليق يطلب أن تُحمل الشموس إليه في قصره في الحال. فتلفتت الشموس يمنة ويسرة فما من حراك أو صوت، وعندما أقترب منها رجال عمليق أدركت أن قومها قد جبنوا، فتوسلت إليهم توسلاً أبدت فيه كل ما تعرفه من كلمات الإستعطاف والتحريض، وأخذت تذكرهم بوعدهم لها بالحماية ولكن لاحياة لمن تنادي. وعند ذلك بدأ طقس في الزواج ما كانت الشموس لتربغ فيه، فقد أمر رجال عمليق جوقتهم من القيان ليبدأن الغناء، والشموس محمولة على هودج فبدا لها كالنعش، وصوت الغناء يرتفع ويخاطبها في غير طرب:
    أبدي بِعمليقَ وقومي واركَبي
    ** وبادِري الصبحَ لأمرٍ مُعْجَبِ

    فَسَوفَ تَلْقِينْ الذي لمْ تَطْلُبي
    ** ومَا لِبِكْرٍ عِنْدَهُ مِنْ مَهْرَبِ


    ثم طغى صوت الشموس على كل صوت عداه،يخاطب قومها و يحمل في نبراته أسىً وغضباً وثورةً وعنفاً:أين وعدكم؟ أين وعدكم يا أشباه الرجال؟ بل أين وعدكم يا إناث؟! ويتكرر سؤال الشموس في قوة وعنفوان، ولكن كما كان يتفرق الجمع كان هتاف الشموس يضعف ليتلاشى والموكب يسير موغلاً إلى حيث قصر العمليق، الذى كان ينتظر وتكاد تصرعه الشهوة، وعندما أدخلوها إليه في مخدعه ورأى فيها من الحسن ما رأى، إستبدت الشهوة بعروقه وساقته إلى القرب منها، فابتعدت، فعاود الإقتراب، فغالت في الإبتعاد، فتأججت أشواقه، وشبت الحرائق في كيانه الذي يماثل كيان بغل مُعْتنىً به، فأسرع ووقف قبالتها والشهوة تمزقه، ولما رأت الشموس أن خطراً يكمن في وجهه القبيح، عاجلته بصفعة مدوية، أودعتها كل ما نفسها من غِلٍ وثورة على الذل والمهانة، فاحتدمت في الوجه القبيح ثائرةٌ من شبقٍ وغضب، فدفعها أرضاً بكل قوته ليرتطم رأسها على الرخام وتستريح إلى غيبوبة، وأخذ الملك يمزق ثيابها وتمكن منها، وفضها، وأفرغ فيها ما إستطاع من شهوته التي تحملها فحولته المهووسة، وأخذ يكرر ويكرر، ومن بعد أمر أن تُحمل شبه عارية إلى خارج القصر حتى تكون عبرة لكل من تسول له نفسه التطاول على الملك أو معاندة رغباته، ثم رسمت الدماء طريق خروجها المُذل، والوعي يعود لسيدة العنفوان رويداً رويدا، وعندما اكتمل، أدركت الشموس أن مأساتها قد إكتملت، فجرجرت أثمالها الدامية وأرجل الغضب تحملها نحو قومها، فأقبلت عليهم سائلة الدماء شاقة درعها وهي في أقبح منظر لتبتدرهم راجزة هاجية متسائلة:
    لا أحدَ أذلُ مِنْ جَدِيسْ
    ** أهكذا يُفْعَلُ بالعروسْ؟

    وترتفع لديها وتيرة الغضب، وتحتوش ذاتها الشاعرة المحرضة بأقسى نوع من أنواع الهجاء الذي يمكن أن يذم به رجل أورجال، قالته وهي تتفرس في وجوههم، وتدور حولهم، وينطلق شعرها الذي سارت به الركبان:
    أيَجْمُلَ ما يؤتى إلى فَتَياتِكمْ
    ** وأنتُم رِجَالٌ فيكُم عددُ النملِ

    وتُصبِحُ تمشي في الدماءِ عُفَيرةُ
    ** جِهاراً وزُفَّتْ في النساءِ إلى بَعْلِ

    ولو أننا كُنا رِجالاً وكُنتُمْ
    ** نِساءً لكُنا لا نقرُ بِذا الفِعْلِ

    فموتوا كِراماً أو أمِيتُوا عَدُوَكُمْ
    ** ودِبوا لنارِ الحربِ بالحطبِ الجَّزلِ

    وإلاَّ فَخَـلُّوا بَطْنَهَا وتَحَمَــلُوا
    ** إلى بـلدٍ قفرِ وموتـُـوا من الهزلِ

    فللبينِ خَيرٌ من مقامٍ على أذى
    ** وللموتِ خيـرٌ من مقامٍ على الذُّلِ

    وإنْ أنتـُم لم تغضبُوا بَعدَ هذه
    ** فكونوا نِساءً لا تُعابُ من الكُحْلِ

    ودونَكُم طِيبُ العروسِ فإنما
    ** خُلِقْتُمْ لأثــوابِ العروسِ وللغُسْلِ

    فبُعداً وسُحقاً للذي ليسَ دافِعاً
    ** ويختالُ يمشي بيننا مِشيةَ الفَحْلِ

    أضرمت القصيدة اللهب في وجدان وقلوب قوم الشموس، وأحالت مواتهم إلى حياة، وسكونهم إلى بركان، فقام فيهم شقيقها الأسود بن عبادة، وكان فيهم سيداً مطاعا، فخطب فيهم خطبة الثورة على العمليق وأذنابه السفلة، وقرر الجميع إستدراج عمليق ومن معه من الوزراء و الحاشية والجند إلى وليمة، غرضها الظاهر الإحتفاء به وتقديم فروض الولاء والطاعة له، وهدفها المستتر القضاء عليه ومن معه. ونجحت الخطة التي رسمها الأسود ، فعندما جاء عمليق في موكبه الفاخر لوليمته الملكية جلس إلى جوار مضيفه الأسود إبن عبادة، وعندما إمتدت الأيدي إلى الطعام كانت أيدي قوم الشموس تمتد إلى السيوف، والشموس من خلف خبائها تراقب المشهد، وقلبها الحر ينتفض بما وسعه من الدماء، وبلغ أوج إنتفاضته عندما رأت سيف شقيقها يتجه مباشرة صوب قلب العمليق إلى أن غاب فيه واخترق ظهره. وما فعله الأسود فعله أبناء جديس كل بقرينه الذي يجالسه من قوم الملك المقتول. ثم التفتوا إلى ما تبقى من السفلة وأعملوا فيهم السيوف حتى قضوا عليهم عن بكرة أبيهم، فخرجت الشموس من خبائها وناظِرُها باللؤلؤ الرطبِ دامعُ، وهي تهتف لقومها هتاف العزة، وتكيل لهم من أشعار الحماسة والمدح ما خطر لها، وشقيقها الأسود يجاوبها ويقول:
    ذوقي ببغيكِ يا طسمُ مُجللةً
    ** فقد أتيتِ لِعَمري أعجبَ العجبِ

    إنا أبينا فلمْ ننفكُ نقتلَهُم
    ** والبغْيُّ هَيَّجَ مِنَا ثورةَ الغضبِ

    ولن يعودَ علينا بغيهم أبدا
    ** ولن يكونوا كذي أنفٍ ولا ذنبِ

    وإن رعيتُم لنا قُربى مؤكدة
    ** كنا الأقارب في الأرحامِ والنسبِ


    وهكذا تحرر قوم الشموس بعد مقتل العمليق وبطانته بعد سنوات من الذل والمهانة والخضوع، غير أن الشموس لم تتحرر من ذكراها الأليمة التي أخذت تتجدد في كل يوم عند كل حركةٍ يتحركها عمليق الصغير في أحشائها، وكأنه يعلن لها أن أباه يقاوم الموت ويرفض أن يسافر ليطل بعد قليل بوجهه القبيح. هداها تفكيرها للإتجاه صوب عرافة القبيلة لتستشيرها في أمر حملها المشئوم، فقالت لها العرافة مذعورة: ستلدين يا شموس صبياً، ولن يكون لك في تربيته يد، نجمه شؤم، ومعدنه لؤم، سيكبر ويتجبر، ويكون من بذرته في جهات العرب نسل كثير من الطغاة اللئام. وبعد أعوام كانت قبيلة الشموس ضحية لغارة قبلية غادرة، فوقع عمليق الصغير سبياً في أيدي الغزاة، وتفرق قوم الشموس أيدي سبأ، وعمليق الصغير وحده يواجه مستقبلاً مجهولا، لايعرف سره ولعنة الدهر في نسله غير عرافة القبيلة والشموس القتيلة...!!











    رِجَالٌ يُحْبَسُونْ وأعْنَاقٌ تُدَقُ وشُعَراءُ يَأْسَونْ

    هاشم الرفاعي ايلياء ابوماضي





    جوزيف قرنق الشيخ عبدالعزيز جاويش








    (ب)
    رِجَالٌ يُحْبَسُونْ وأعْنَاقٌ تُدَقُ وشُعَراءُ يَأْسَونْ
    السجنُ تجربةُُ يستعصي إستيعابُ كُنهِها علي من لم يدخُل فيها، ففيه يتعطل الزمان وينعدم المكان ، ويصير الأسير فيه نهباً لديمومة الهواجس المقلقة، وهو مقبرة الأحياء، فالداخل فيه مفقودٌ والخارج منه مولود. ودق الأعناق هي أقصى وأقسى ما يمكن أن يلحق بالإنسان من عقوبة. وكل هذا يثير قرائح الشعراء ويلقي بهم إلي أبعد مواجد الأسى والحزن، ويكون الأمر أبعد أثراً وأقوي تأثيراً إذا ما إنطلقت القافية ممن يكابد التجربة كقول الشاعر الراحل هاشم الرفاعي الذي كان يتهيأ للموت كما يتهيأ الشاعر الصامد، فعندما أزفت ساعة شنقه أرسل رسالةً شعرية لوالده أسماها (رسالة في ليلة التنفيذ) وهي قصيدة طويلة من نحو سبعين بيتاً نجتزئ منها الأبيات التالية:-
    أبتاه ماذا قد يخط بناني
    ** والحبل والجلاد منتظرانِ

    هذا الكتاب إليك من زنزانة
    ** مقرورة صخرية الجدرانِ

    لم تبق إلا ليلة أحيا بها
    ** وأحس أن ظلامها أكفاني

    أبتاهُ إنْ طَلَعَ الصّباحُ على الدُنى
    ** وأضَاءَ نُورُ الشمسِ كُلّ مَكانِ

    واسْتَقبَلَ العُصْفُورُ بين غصُونِهِ
    ** يَوماً جديداً مُشرق الألوانِ

    وَ سمِعتَ أنغَامَ التفَاؤُلِ ثرةً
    ** تجْرِي علي فَمِ بائعِ الألبانِ

    وأتى يَدُقُ كَما تَعَوَّد بَابنَا
    ** سَيدُقُ بابُ السِجْنِ جلاّدانِ

    وأكُوُنُ بَعَدَ هُنيْهَةٍ مُتَأرجحَاً في
    ** الحبلِ مَشْدُوداً إلى العيدَانِ

    وإذا سمعت نشيج أمي في الدجى
    ** تبكى شبابا ضاع في الريعان

    وتُكَتِّم الحسرات في أعماقها
    ** ألماً تواريه عن الجيران

    فاطلب إليها الصفح عني إنني
    ** لا أبتغي منها سوى الغفران

    والآن لا أدرى بأي جوانح
    ** ستبيت بعدى أم بأي جنان

    وقد جاء في ترجمة هذا الشاعر المصري الذي تم إعدامه في أواخر العقد السادس من القرن الماضي أن إسمه الحقيقي هو سيد جامع هاشم مصطفى الرفاعي ولكنه أشتهر بإسم جده هاشم تيمناً به لما عرف عنه من فضل وعلم وقد التحق بمعهد الزقازيق الديني التابع للأزهر الشريف سنة 1947م وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية في عام 1951م، ثم أكمل دراسته في هذا المعهد وحصل على الشهادة الثانوية سنة 1956م ثم التحق بكلية دار العلوم وتم إعدامه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر قبل أن يتخرج سنة 1959م.
    ورؤية هاشم الرفاعي الشعرية المؤثرة في تجربته القاسية قد تختلف دروبها عن رؤية شاعرنا القومي الراحل كباشي الذي تم إعدامه شنقاً بسجن كوبر علي أن التجربتين تشربان من منهل واحد هو الأسى، فعندما أخبروا كباشي بأنه سيرحل في غده من سجن الأبيض بالقطار إلي سجن كوبر توطئةً لتنفيذ حكم الإعدام عليه، وفي ليلته الباردة تلك سمع صافرة القطار فبرزت صوفيته المؤتلفة في ذاته لتختلط بأنفاسه الشعرية مع مزيج من مأساته وهواه وحبه للحياة وأخذ يقول واللحظات تحتشد بكل مشاعر الأسى أبياتاً يحن فيها للنسائم وقد أودعها لواعج أشواقِ بعيدة لمحبوبةٍ ترفل في ثوبها البنغالي المنمق ويرن في قدمها ساعة السحر حجلها الأنيق:
    بابُور التُرُكْ الليله نَوَى بالنجعَه
    والسَاده اجمعين انا بندهم للرجعَه
    البنقالي والحِجِلْ البِنَقِّرْ هجْعَه
    شَغَلَنْ بالِي والنْسَّامْ بِزيدْ الوَجْعَه


    ياله من إطارٍ حزين يقود إلي عالم شجي من عوالم الشعراء وفيه أقلقني صوت الشاعرة قتيلة بنت الحارث مثلما أقلق سيد الخلق سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات والتسليم فبعد أن أمر الرسول الكريم سيدنا علياً كرم الله وجهه بقتل النضر بن الحارث بن كلدة وهو أحد بني الدار و قام بدق عنقه بالأثيل، قالت قتيلة بنت الحارث علي أثر ذلك والتي أُتُّفِقَ أن شعرها كان من أكرم الشعر الموتور وأحسنه:
    يا راكباً إن الأثيل مظنة
    ** من صبح خامسة وأنت موفق

    أبلغ بها ميتاً بأن تحية
    ** ما إن تزال بها النجائب تخفق

    مني إليك وعبرة مسفوحة
    ** جادت بواكفها وأخرى تخنق

    هل يسمعني النضر إن ناديته
    ** أم كيف يسمع ميت لا ينطق

    أمحمد يا خير ضنء كريمة
    ** في قومها والفحل فحل معرق

    ما كان ضرك لو مننت وربما
    ** منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق

    أو كنت قابل فدية فلينفقن
    ** بأعز ما يغلو به ما ينفق

    فالنضر أقرب من أسرت قرابة
    ** وأحقهم إن كان عتق يعتق

    ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
    ** لله أرحام هناك تشقق

    صبراً يقاد إلى المنية متعباً
    ** رسف المقيد وهو عان موثق

    قال ابن هشام: فيقال والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه.
    وليس بعيداً عن أذهاننا ما جري لشاعرنا القومي الفحل عمر ود الشلهمة فعندما أخذت تفصل بينه وبين المقصلة خطوات قليلة قال له شقيقه طه ود الشلهمة مُشجعاً ومُؤازِراً:
    قلْبَكْ مُو لحمْ مِن الدبادِب طايرْ
    صنديدْ وقعةْ العركةْ الخيولا دمايِرْ
    الموت يا جليس ام رُوبَه كاساً دايرْ
    سماحتُو عليك مِتِلْ نورةَ العريس السايرْ

    إنجليزي ثم أمسك شقيقه الآخرالشاعر الفنجري بيديه المقيدتين وقال له مودعاً وهو آسٍ فشقيقه سيلقى حتفه بأمر قاضٍ كافر وليس على صهوة جواده في معركةٍ يكون فيهاالموت عزةً وكرامة:
    موتك دُرتو فوق أصدا ومَخَمَّسْ دافِرْ
    يابِسْ فوقْ سِروجِنْ ماهُو حاكمَكْ كافِرْ
    يا مُقْنَعْ كواشفْ أُمَّاتْ وضيباً وافِرْ
    ما دامْ العُمُرْ عارِيَه خَلُو يسافِرْ

    في دراسةٍ إجتماعيةٍ قيمةٍ لباحث إجتماعي أمريكي مرموق خلص فيها إلى أن العلاقات التي تنشأ أو تتكرس في مواطن الشدة كالسجن ـ إن كانت خالصة ـ يأتي ترتيبها ثانياً في العلاقات الإجتماعية بعد علاقة الزوجية، ولديَّ نموذج هام في هذا الصدد، فعندما تزامن إعتقال الشاعر محمد الواثق مع صديقه جوزيف قرنق في خريف العام 1971 بسجن كوبر تكرست العلاقة بينهما فكانت تلك الدمعة الحرى التي ذرفها محمد الواثق عندما أُقتيد صديقه جوزيف من جواره ليعدم بمشنقة سجن كوبر العتيدة وأخذ يقول قصيدة منها :
    صديقي المثابر جوزيف قرنقْ
    ترامى قُبَيلَ احتدامِ الشفقْ
    إلى سجن كوبر حيثُ شُنِقْ
    فيا ربِ هلْ
    على روحهِ أقرأُ الفاتحة
    فقد عدِمَ القبرَ والنائحة
    وأُلحِدَ في التُربِ كيفَ اتفقْ
    ** ** **
    وكان إذا جاشَ مِواره
    تدافعه روحه الثائرة
    وصادمت الكونَ أفكاره
    وكم أنبت الكونُ من زهرةٍ ناضِرة
    فكنتُ إذا
    تمادتْ به الفكرةُ الجانحة
    أشيح إلى مكة القرية الصالحة
    أعوذ نفسي بربِ الفلقْ
    على أن جوزيف قرنقْ
    كما شهدت دمعتي السافحة
    جميل المحيا جميل الخُلُقْ
    فياربِ هلْ
    على روحهِ اقرأ الفاتحة
    فقد عَدِمَ القبرَ والنائحة
    وأُلحِدَ في التربِ كيف اتفقْ
    ** ** **
    تذكرتُ في السجنِ أطفاله
    يعاودهم شبح المقصلة
    وزوجته
    تُباغمُ في الليلِ تمثاله
    لواعج تعرفها الأرملة
    مدامع في خدِها تَستبِقْ
    ويُورِثُهَا طيفُ جوزيف قرنق
    حرائق في قلبِها جَائحة
    هواجر في صدرها لافحة


    والشعراء لايأسون ويحزنون فحسب عندما تثب المحن على أحبائهم وأصدقائهم إنما يرفدونهم بالصبر والتشجيع والمدح رفداً يتسق وقيمة الوفاء للعلاقة وفي ذلك نماذج شعرية كثيرة بعضها خلده التاريخ كقول الشاعر البحتري الذي آسى صديقه محمد إبن يوسف وقد كان محبوساً عن الإفك والظلم بأبيات شعرية خلدها الزمان وسارت بها الركبان، قال فيها :
    وما هذه الأيامُ إلا منازِلٌ فمن
    وقد دهمتك الحادثات وإنما
    أما في نبي الله يوسُف أُسوةٌ
    أقام جميلَ الصبرِ في السِجنِ بُرهةً
    ** منزلٍ رَحْبٍ إلى منزلٍ ضنَكِ
    صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبكِ
    لمثلِك محبوسٌ عن الظُلمِ والإفكِ
    فآلَ به الصبرُ الجميلُ إلى المُلكِ

    **
    **
    **


    ومن النماذج الحديثة في هذا الشأن تلك القصيدة التي أبدعها الشاعر العظيم إيليا أبوماضي وقد أنشأها عقِب إيداع الشيخ عبد العزيز جاويش السجن وكان الشيخ عبد العزيز يهاجم الإحتلال وينتقده إنتقاداً مراً . يقول في بعضها:
    لإنْ حَجَبُوكَ عنْ مُقَلِ البَرَايَا
    وإنْ تَكُ قدْ حُبِسْتَ وأنْتَ حُرٌ
    كَبِيرُ القَوْمِ أكبرهم خطوباً
    لقد إعتليتَ قدْرَ السِجْنِ حتى
    ولا عَجَبَ إذا أُسْكِنْتَ فيه
    تَعددتِ الطِيُور فلا حَبِيسٌ
    ** فما حجبُوا هواكَ عن الصدورِ
    فكم في الحبْسِ من أسدٍ هصُورِ
    لذاك رميت بالخطبِ الكبيرِ
    أحب السجن أهل القصورِ
    فكم في الليلِ من قمرٍ منيرِ
    سِوي الغُرَّدِ الجمِيلِ من الطيورِ

    وهنالك من الشعراء ممن عاقروا مرارة التجربة وصبرو عليها مبدين ثباتاً وشجاعة كشاعرنا الفحل جبر الدار محمد نور الهدى المحكوم عليه الآن بالإعدام و الذى تعرضنا لسيرته في مقال سابق ومن هنا نناشد الأسرتين الكريمتين أسرة المرحوم أولياء الدم وأسرة جبر الدارللوصول إلى وفاق وتراضي فهما عائلة واحدة وأحسب أنهما كغصني شجرة أيهما قُطِعَ أوحش صاحبه . يقول جبر الدار وهو يحكي مفارقة عجيبة وهي أنه يلبس الآن القيود الحديدية التي تصنعها الشركة التي كان يعمل بها.. وهو قولٌ علاه الشوق وبان فيه الفِراق ، قال يخاطب زوجته أم أحمد:
    أم احمد عزيز وصلك بقالنا مُحالْ
    وطالت الغيبه ما ختيت عصا الترحالْ
    بعد ما كُتْ أفندي وفي جِياد شغَالْ
    لِبِستَ قِيودا،معليش الزمان دوالْ

    وطائفة الشعراء من المهاجرة لا يأبه غالبيتهم بالسجن وقد يزدرونه فالسجن في توقعاتهم دائماً ، وفي أدبهم الشعبي يتناولون تجربتهم فيه بالفخر كما أن لهم في ذلك طرائف وحكم ، ويحلو لي كختام لهذا المقال أن أورد مربعاً للشاعر الطيب ود ضحوية أمير المهاجرة وأمير قوافيهم ففيه حكمة بالغة حول السجن تأخد بتلابيب الشامتين وتسخر في صدرها من ما نسميه الآن بالإكراه البدني فحقاً إن هذا الشاعر سبق عصره. يقول :
    السِجنْ أبْ حَجَرْ والقيدْ المَبَرْشَمْ دَقُو
    ما بِجِيبُو حاجَه للزولْ المِوَدِرْ حَقُو
    يَا مَاشْ أَرْبَعِينْ قُولْ ليْ فَاطنَه بِتْ البَرْقُو
    أَنِحْنَا مَرَقْنَا والبِتْقاَنَتُو اللِّنْشَقُو!!












    ماءُ المآقي في قوافي العاشقين




    بدر شاكر السياب محمد مفتاح الفيتوري
    نزار قباني










    (ج)
    (ج)
    ماءُ المآقي في قوافي العاشقين
    عُنيت العربية بالكلام المقفى منذ أقدم عصورها وهي ميزة إتخذتها لنفسها كأداة تفوقت بها على غيرها من اللغات السامية التي لم نعرف لغة منها كان فيها للقافية ما كان لها في العربية وليس أدل على هذا مما حفلت به لغة التنزيل من أفانين السجع والمزاوجة أو سفر العرب الذي حفل بأمتع الفنون القولية الموشاة وبرنين الوزن ونغم القافية، وهذا التفوق جعل في نصوصها مسالك تلج بسهولة، ويسر وإمتاع الى أتون الذاكرة ومناحي الوجدان خاصة فيما يتعلق بضروب القافية الدامعة ووصف العاطفة الملتهبة وهو شأن يبرز بجلاء في شعر العاشقين فعندما تأخذهم تباريح الهوى كل مأخذ ويصيرون نهباً لآلام الفراق تتناوح عنادل شعرهم بألحان الفراق الأليم وتسبح جفونهم بماء الدمع السخين ومن الصور الرائقة التي تلح علينا بإيرادها هنا في معنى الفراق وسطوته الأليمة قافية ذلك العاشق القديم التي جاءت مُختالة في حُللٍ من حُسن الصوغ وجمال الصنع وقوة التأثير يقول:
    ولما تنادتْ للرحيلِ جمالُنا
    ** وجدَّ بنا سيرٌ وفاضتْ مدامعُ

    تبَدَّتْ لنا مذعورة من خبائها
    ** وناظرُها باللؤلؤ الرطبِ دامعُ

    أشارت بأطرافِ البنانِ وودعتْ
    ** وأومتْ بعينها متى أنت راجعُ

    فقلتُ لها والله ما من مسافرٍ
    ** يسيرُ ويدري ما به اللهُ صانعُ

    فشالتْ نقاب الحسن من فوق وجهها
    ** فسالت من الطرف الكحيل مدامعُ

    وقالت إلهي كُنْ عليه خليفة
    ** وياربِّ ما خابتْ لديك الودائعُ



    المتأمل لهذه الصورة يدرك أن ما فيها من الصمت هو شلال من الإيحاء إذ حوت حواراً صامتاً جاء كمناجاة بين روحين في مواطن الوجد والجمال وعلى صمتها ترن موسيقاها الحزينة وإيقاعها الملتاع وهو معنى وقع عليه أيضاً الشاعر عمر بن ابي ربيعة في بيتيه القائلين:
    ومما شجاني أنها حينَ ودعتْ تولتْ
    ** ودمع العينِ في الطرف خائرُ

    فلما أعادتْ من بعيدٍ بنظرةٍ
    ** إلىَّ التفاتا أسلمته المحاجرُ


    هذا التصوير الرائع الذي أشجانا به عمر بن ابي ربيعة هو من الفنون التي أجاد العزف على قيثارها والضرب على أوتارها ولا غرو في ذلك إذ أنه أحد الأفذاذ الذين صعدوا بفنهم الأدبي إلى ذُرى المجد وتسلقوا بعبقريتهم الشعرية على معارج الشهرة والعظمة والخلود.
    وقد وجدنا دماءً لليلى العامرية في شأن الدمع على قافية عاشقها ومجنونها قيس بن الملوح عندما قال:
    فلما تلاقينا على سفحِ رامةٍ
    ** رأيتُ بنانَ العامريةَ أحمرا

    فقلتُ أخضبتِ الكفَّ بعد فراقنا
    ** قالتْ معاذَ الله ذلك ما جَرى

    ولكنني لما وجدتُكَ راحلاً
    ** بكيتُ دماً حتى بللتُ به الثرى

    مسحتُ بأطرافِ البنان مدامعي
    ** فصار خِضاباً باليدين كما تَرى

    لاشك أن الفراق من الدواعي التي تدمع القوافي وتصيب قلوب العاشقين في مقتل ولنرى الآن ماذا قال في هذا شاعرنا العاشق القديم:
    لما اناخوا قبُيلَ الصبحِ عيسهمو
    ** وحملوها وســـارت بالدُمى الابلُ

    وقلبتْ بخلالِ السجفِ ناظرها
    ** يرنو إليَّ ودمـعُ العينِ ينـهملُ

    وودعتْ ببنانٍ زانه عندمٌ
    ** ناديتُ لا حملتْ رجلاكَ يا جمـلُ

    ياحادي العـيس عَرِجْ كي أودعهم
    ** ياحادي العيسِ في تِرْحَـالَكَ الأجلُ

    اني على العهدِ لم انقُضْ مودتهم
    ** ياليتَ شـعري لطولِ البُعدِ ما فعلـوا

    وللفراق لوعة أخرى أكثر غوراً عند أهل العشق والصبابة إن كان الفراق أبدياً فدمعة العشق الحرى التي ذرفها الشاعر العباسي (ديك الجن الحمصي) الذي عشق جاريته (ورد) حد الوله فخانته فقتلها وظلت تلك الدمعة تنساب من على عينيه وتنسال على محاجره مدى حياته ضارباً صفحاً عن أسباب الصبر ووسائل السلوان في محاولة في واقعها لن تجدي شروي نقير أو مثقال قطمير فنسج موسيقاه الحزينة عندما حكى قصة مأساته من فتائل الأسى والأسف على شاطيء اللوعة البالغة بقافية دامية تتقطع معها نياط القلوب وترج الوجدان رجاً إنه عاشق أفناه برج النوى وأضناه الفراق الأبدي.. يقول:
    يا طلعة طلع الحمام عليها
    ** وجنى لها ثمر الردى بيدها

    رويتُ من دمها الثرى ولطالما
    ** روى الهوى شفتيَّ من شفتيها

    حكَّمتُ سيفي في مجال خناقها
    ** ومدامعي تجري على خديها

    فوحق نعليها وما وطيَّ الحصى
    ** شيء أعز علىَّ من نعليها

    ما كان قتليها لأني لم أكن
    ** أخشى إذا سقط الغبارُ عليها

    لكن صننتُ على العيونِ بحسنها
    ** وأنفتُ من نظرِ الحسودِ إليها



    وأبيات ديك الجن هذه ألهمت شاعرنا المعاصر نزار قباني قصيدته(ديك الجن) التي أنشأها برؤية تتسق مع رسالته في الحب والحرية ويقول فيها:
    إني قتلتك و استرحت
    ** يا ارخص امرأة عرفت

    أغمدت في نهديكي سكيني
    ** وفي دمك.. اغتسلت

    وأكلت من شفة الجراح
    ** ومن سلافتها.... شربت

    وطعنت حبك في الوريد
    ** طعنته..... حتى شبعت

    ولفافتي بفمي فلا انفعل
    ** الدخان..... ولا انفعلت

    ورميت للأسماك لحمك
    ** لا رحمت.... ولا غفرت

    لا تستغيثي.. وانزفي
    ** فوق الوساد كما نزفت

    نفذت فيكي جريمتي
    ** ومسحت سكيني... ونمت

    ولقد قتلتك عشر مرات
    ** ولكني ........ فشلت

    وظننت والسكين تلمع
    ** في يدي..... إني انتصرت

    وحملت جثتك الصغيرة
    ** طي أعماقي..... وسرت

    وبحثت عن قبر لها
    ** تحت الظلام فما وجدت

    وهربت منك وراعني
    ** إني إليك ... أنا هربت

    في كل زاوية أراك
    ** وكل فاصلة..... كتبت

    في الطيب في غيم السجائر
    ** في الشراب.. إذا شربت

    أنت القتيلة.... أم أنا
    ** حتى بموتك ما استرحت

    حسناء... لم أقتلك أنت
    ** وإنما........ نفسي قتلت

    ليس ألم الفراق وحده عند العاشقين ما يجعل أعينهم تجود فاللقيا بعد طول الفراق تردهم إلى المورد نفسه وتسلمهم إلى دموع سابلة وقواف حزينة ولنرى ذلك في قول عاشق آخر يقول:
    وبدا له من بعد ما إندمل الهوى
    ** برق تألق موهناً لمعانه

    يبدو كحاشية الرداء ودونه
    ** صعب الذرا متمنع أركانه

    وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق
    ** نظراً إليه وصده أشجانه

    فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه
    ** والماء ماسحت به أجفانه


    وهذا للناظر إنعكاسة لما يعتلج بين الجوانح أو ما يشب بين الضلوع من أوار شمله اسلوب يميس في برود الإبداع والجمال وإن إمتزجت خيوطه بأصباغ حالكة السواد.. فالعشق وماء المآقي في قوافي العشاق اهون المصارع التي تكمن وراء الشوق والذكرى وهذا ما حمل شاعرنا شمس الدين محمد التلمساني الملقب بالشاعر الظريف الى مخاطبة رفيقه المحب الباكي والعاشق الكتوم بقوله:
    لاتُخف ما فعلت بك الأشواقُ
    ** واشرح هواك فكلنا عُشاقُ

    قد كان يخفي الحب لولا دمعك
    ** الجاري ولولا قلبك الخفاقُ

    لا تجزعن فلست أول مغرم
    ** فتكت به الوجنات والأحداقُ

    فسوف يعينك من شكوت له
    ** الهوى في حمله فالعاشقون رفاقُ

    واصبر على هجر الحبيب فربما
    ** عاد الوصال وللهوى أخلاقُ


    إن بث الشكاة للرفقة الأنيسة تخفف من ربقة الهوى ووطأة ذكراه وإلحاح أشواقه، وقد جنح كثير من شعراء العشق عندما تمازجهم هذه الآلام وتعاقرهم المنى إلى مخاطبة الرفيق مهما بدا وكيف كان كما فعل الطغرائي الحسين بن محمد الأصبهاني الذي ارتفع بنا إلى آفاق من الشجو الجميل وهو يخاطب حمامة نائحة فقال:
    أيكيةٌ صدحت شجواً على فننٍ
    ** فأشعلت ما خبا من نار أشجاني

    ناحت وما فقدت إنساً ولا فجعت
    ** فذكرتني أو طاري وأوطاني

    طليقة من إسار الهم ناعمة
    ** أضحت تجدد وجد الموثق العاني

    تشبهت بي في وجدٍ وفي طربٍ
    ** هيهات ما نحن في الحالين سيانِ

    ما في حشاها ولا في جفنها أثرٌ
    ** من نار قلبي ولا من ماء أجفاني

    ياربة البانة الغناء تحضنها
    ** خضراء تلتف أغصاناً بأغصانِ

    إن كان نوحك اسعاداً لمغترب ناءٍ
    ** عن الأهل ممنىً بهجرانِ

    فقارضيني إذا إعتادني طربٌ
    ** وجداً بوجدٍ وسلواناً بسلوانِ

    ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت
    ** مني الليالي ولا تدرين ما شأني

    كلي للسُحب اسعادي فإن
    ** لها دمعاً كدمعي وإرناناً كإرناني




    ومثل الطغرائي فعل أبو فراس الحمداني حينما قال:
    أقـول و قد ناحت بقربي حمامة
    ** أيـا جارتا هل بات حالك حالي

    معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى
    ** و لا خـطرت منك الهموم ببال

    أتـحـمـل محزون الفؤاد قوادم
    عـلى غُصُن نائي المسافة عال

    أيـا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
    تـعـالـي أقاسمك الهموم تعالي

    تـعالي تري روحا لدي ضعيفة
    تَـردد فـي جـسـم يُعذب بال

    أيـضحك مأسور و تبكي طليقة
    و يـسكت محزون و يندب سال

    لـقد كنت اولى منك بالدمع مقلة
    و لـكن دمعي في الحوادث غال

    وعندما يشتف الحب مشاشة العاشقين وتورق شجرة الوعد عن ثمر لا يسلم من جوانح الزمن تتفجر أعينهم بالدمع وتهطل من المحاجر تهانها كما تبرز لنا صورة بن زريق البغدادي الشاعر العباسي المعروف.. يقول:
    استودع الله في بغداد لي قمراً
    ** بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

    ودعته وبودي لو يودعني
    ** صفو الحياة وأني لا أودعه

    وكم تشفع بي أن لا أفارقه
    ** وللضرورات حال لا تشفعه

    وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحىً ** وأدمعي مستهلات وأدمعه


    فأماني الوصال المتعثرة تدر الدمع أيضاً عند الشعراء العاشقين ومنهم الشاعر النابه والناظم الساحر والناغم المؤثر بشار بن برد الذي اكتوى بحب عبيره التي قال عنها:
    نظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها ** ثم إنثنت عنه فظل يهيم
    ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ** وقع السهام ونزعهن أليم

    وفي وصله المتعثر قال:
    أبيت وعيني بالدموع رهينة
    ** وأصبح صباً والفؤاد كئيب

    ألا ليت شعري هل أزورك مرة
    وليس علينا يا عبيدُ رقيب


    ومن صور الشعر الحديثة في معنى العشق المعبر عنه بالقوافي الدامعة ما قال به في انشودة مطرة الشاعر العراقي المحدث بدر شاكر السياب في معنى لا يخلو من الطرافة يقول:

    أتعلمين أي حُزن يبعث المطر
    وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر
    وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع
    بلا إنتهاء كالدم المراق كالجياع
    كالحب كالأطفال كالموتى هو المطر
    مطر مطر مطر
    ومقلتك تطل مع المطر
    مطر مطر مطر
    وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع ثم إعتللنا خوف أن نلام بالمطر

    وفي زهر الكلمات قصيدة شاعرنا الذي يحلو لي أن أقول إنه سوداني محمد مفتاح الفيتوري يقول في قافيته عن دموعه:

    لم أجد غير نافذة في سمائك مبتلة بدموعي
    فألصقت عيني فوق الزجاج لعلي أراك
    لعلك تبصرني وأنا هائم مثل سرب من الطير
    منهمك في مداك...
    فالقوافي الباكية تجدد رؤاها على الألسنة العاشقة القديمة والجديدة لأن الهوى في كل قلب نابض قدر الإنسان مذ كان الأزل.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:28 AM
  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:37 AM
    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:38 AM
      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:41 AM
        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:45 AM
          Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:48 AM
            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:51 AM
              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:55 AM
                Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:57 AM
                  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 05:59 AM
                    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 06:01 AM
                      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 06:02 AM
                        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 08:57 AM
                        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى rosemen osman16-11-08, 11:43 AM
                        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah19-11-08, 09:45 PM
  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى قصي مجدي سليم16-11-08, 12:33 PM
    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى rosemen osman16-11-08, 12:41 PM
      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 03:06 PM
    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah16-11-08, 08:38 PM
  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى قصي مجدي سليم16-11-08, 01:32 PM
    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى rosemen osman16-11-08, 06:15 PM
      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi16-11-08, 11:42 PM
        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah17-11-08, 00:07 AM
          Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah17-11-08, 09:30 AM
            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah17-11-08, 07:18 PM
              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi18-11-08, 04:42 PM
                Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah18-11-08, 07:53 PM
                  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى الطيب شيقوق18-11-08, 08:06 PM
                    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah19-11-08, 09:14 AM
                      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah19-11-08, 09:01 PM
                        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi19-11-08, 11:17 PM
                          Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi19-11-08, 11:30 PM
                            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah20-11-08, 07:12 PM
                              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah21-11-08, 07:18 PM
                                Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah23-11-08, 10:01 AM
                                  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah23-11-08, 04:43 PM
                                    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah24-11-08, 08:59 PM
                                      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah25-11-08, 01:01 AM
  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى حسين محي الدين25-11-08, 03:28 PM
    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah25-11-08, 09:04 PM
      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah26-11-08, 11:19 AM
        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah26-11-08, 06:41 PM
          Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah27-11-08, 09:18 AM
            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah27-11-08, 09:57 PM
              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah30-11-08, 00:12 AM
                Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi02-12-08, 09:44 PM
                  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi02-12-08, 10:00 PM
                    Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah03-12-08, 07:49 PM
                      Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى سمية الحسن طلحة04-12-08, 08:52 PM
                        Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى قصي مجدي سليم06-12-08, 06:48 AM
                          Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى قصي مجدي سليم06-12-08, 07:05 AM
                            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi06-12-08, 07:51 AM
                              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى الشامي الحبر عبدالوهاب06-12-08, 08:22 AM
                                Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi06-12-08, 10:27 AM
                                  Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى munswor almophtah10-12-08, 08:18 PM
                            Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى سمية الحسن طلحة11-12-08, 07:26 AM
                              Re: شذرات متفرقه حول الأدب... إصدارة أسعد الطيب العباسى Asaad Alabbasi13-12-08, 01:20 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de