اوتاوا تقدم يحي فضل الله وعصام عجيمي في تداعيات ايدلوجيا الخراب
اتحاد الفنانين بكندا..يدعوكم لحفله..٤ ابريل..بدار الجالية بتورونتو.
احتفال المراة بجالية انتويرب (بلجيكا) بيومها السبت 28 مارس
إلي عناية الاخوان المسلمين بداخل المنبر و خارجه ،،
مدارس السبت الإسلامية وليس مامون حميده
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 03-28-2015, 06:44 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2008م الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!!
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-16-2008, 09:55 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-16-2008, 09:56 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    وابتسم الأستاذ محمود محمد طه فى وجه الموت


    محمد الحسن محمد عثمان
    قاضى سابق
    [email protected]


    ما أحوجنا فى هذه الايام ان نسترجع ذكرى رجال من قادتنا من الذين ضحوا بارواحهم ثباتا على المبدأ وتضحيه من أجل الوطن ونحن فى أيام يتوارى فيها القاده حتى عن اتخاذ موقف او الثبات على مبدأ ماأحوجنا لاستعادة سيرة رجال فى قامة محمد أحمد الريح الذى رفض الاستسلام وظل يقاتل حتى ضرب المبنى الذى كان بداخله فانهار عليه المبنى ولم ينهار الرجل.

    ومثل شباب الحركه الاسلاميه حسن ورفاقه فى دار الهاتف الذين قاتلوا فى دار الهاتف وهم جوعى فاستمروا فى المقاومه رغم حصارهم وقذفهم بالدانات ولم يستسلموا الابعد ان نفذت ذخيرتهم … وعبد الخالق محجوب الذى تهندم للموت وكانه ذاهب لعرس.
    وفاروق حمد الله الذى فتح صدره للرصاص وقال الراجل بيضربوا بقدام… وبابكر النور الذى ظل يهتف وهو يضرب بالرصاص عاش كفاح الشعب السودانى … ورجال الانصار الذين قاتلوا فى شرف فى 76… واولادنا السمر فى الجبهه الشرقيه الذين ضحوا من أجلنا ولانعرف حتى اسماؤهم وكانوا على استعداد لمواصلة الدرب لولا خيانة قياداتهم السياسيه.
    انه الشعب السودانى سيستعيد يوما سيرته الاولى وسيتجاوز قادته الأقزام ويزيل كل هذا العبث الطافى.

    ومحمود من القاده النادرين الذين عاشوا ماأمنوا به لم يكن فكرهم فى جانب وحياتهم فى جانب آخر…ولو كان قادتنا من أمثال محمود لارتفع صوتهم فى احداث ميدان المهندسين فمحمود كان منزله من الطين فى الحاره الأولى الثورة لم يكن له قصر فى الاسكندريه او شقه فاخره فى القاهره تجعله يختبىء ويفقد صوته عندما تقتطع مصر جزء من وطنه حلايب وشلاتين أو يتوارى عن الانظار عندما يغتال المصريون اطفالنا ويكشفون عورات نساؤنا فى القاهره ….لم يشبع محمود فى الطعام فقد كان نباتيا واختلف مع الذين نادوا على التركيز على افكار الرجل وليس اعدامه وماقيمة الفكر اذا لم يصمد صاحبه ويقبل التضحيات فى سبيله وهل كان الفكر سيلقى كل هذا الزخم ويصمد اذا انهار صاحبه وتاب فى مواجهة الموت … وهل كان الجمهوريين من تلامذته سيرفعون صوتهم اذا انكسر معلمهم …. واين الاب فيليب غبوش الذى هدده نميرى بالاعدام فقال كما ورد على لسانه (قلت ياود يافيلب احسن تلعب بوليتيكا) فلعب الاب فليب بوليتيكا وتاب على روؤس الاشهاد فكسب حياته وضاع فكره .. ويبقى اننى ليس جمهوريا ورايت الاستاذ محمود لاول مره فى ساحة المحكمه كانت الساحه السياسيه فى عام 85 مائجه بعد أحداث اضراب القضاه فى83 وخروج نميرى من هذه المواجهه مهزوما واعلانه بعدها لقوانيين سبتمبر فى محاوله منه لتشتيت الانظار عن تراجعه ومن ناحيه اخرى كان نميرى مرعوبا من الثوره الايرانيه التى اطاحت بالشاه رغم حماية امريكا له فارعب نميرى المد الاسلامى واراد ان يلتف عليه ويتقدم هذا المد …واصدر الاستاذ محمود محمد طه منشور هذا …. او الطوفان

    وقد ذكر الاستاذ فى هذا المنشور ان قوانيين سبتمبر جاءت فشوهت الاسلام فى نظر الاذكياء من شعبنا وأساءت لسمعة البلاد فهذه القوانين مخالفه للشريعه ومخالفه للدين
    وفى فقره اخرى: ان هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد وقسمت هذا الشعب فى الشمال والجنوب وذلك بما اثارته من حساسيه دينيه كانت من العوامل الاساسيه التى ادت لتفاقم حرب الجنوب وطالب الاستاذ بالغاء قوانيين سبتمبر وحقن الدماء فى الجنوب واللجؤ للحل السياسى والسلمى.

    تم القبض على الاستاذ محمود وتقديمه لاحدى محاكم العداله الناجزه وقاضيها المهلاوى وهو شاب صغير السن كان قاضيا بالمحاكم الشرعيه وهو قريب النيل ابوقرون مستشار رئيس الجمهوريه وأحد مهندسى قوانيين سبتمبر وكان المهلاوى يعوزه الإلمام بقانون الاجراءت الجنائيه وقانون الجنايات وهذا مايفسر ارتباكه فى ذلك اليوم عندما مثل امامه الاستاذ محمود الذى احضر لمجمع المحاكم بامدرمان ومعه مجموعه مدججه بالسلاح احاطت بالمحكمه … كان الاستاذ يرتدى الزى الوطنى وفى الصفوف الاماميه كان المحامين الوطنيين الذين اعتدنا رؤيتهم فى مثل هذه المحاكمات السياسيه متطوعين مصطفى عبد القادر فارس هذه الحلبات (شفاه الله) وامين مكى مدنى والشامى والمشاوى وعلى السيد وآخرين
    استمع المهلاوى ومن ربكته نسى ان يحلف المتحرى مع انه الشاهد الوحيد وارتجل الاستاذ كلمته الخالده التى ردد فى بدايتها رايه فى قوانيين سبتمبر كما جاء فى المنشور واضاف: أما من حيث التطبيق فان القضاة الذين يتولون المحاكمه تحتها غير مؤهلين فنيا وضعفوا اخلاقيا عن ان يمتنعوا عن ان يضعوا انفسهم تحت سيطرة السلطه التنفيذيه تستعملهم لاضاعة الحقوق واذلال الشعب وتشويه الاسلام واهانة الفكر والمفكرين واذلال المعارضين السياسين ولذلك فانى غير مستعد للتعاون مع أى محكمه تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت ان تكون اداه من ادوات اذلال الشعب واهانة الفكر الحر والتمثيل بالمعارضين السياسيين (وماأشبه الليله بالبارحه ياأستاذ) وشكر الاستاذ المحاميين الوطنيين للتطوع عن الدفاع عن الجمهوريين واضاف ان الجمهوريين سيتولون مباشرة قضاياهم بانفسهم

    واصدر المهلاوى حكما باعدام الاستاذ محمود

    فحين يسود الرعب والوهن
    ويبطىء الشهود والقضاء والزمن
    ينفلت القاتل والمقتول يدفع الثمن

    أيدت محكمة استئناف العداله الناجزه الحكم وايده نميرى الذى قال انه بحث فى كل كتب الفقه فلم يجد للاستاذ مخرجا وهذا لا يعقل فكيف رجع نميرى فى ايام معدوده كل كتب الفقه ونميرى لا تمكنه مؤهلاته العقليه من قراءة كتاب المطالعه الاوليه بدون ان يخطىء عشرات الاخطاء.

    جاء يوم 18/1/1985م يوم التنفيذ تقاطر المئات نحو بحرى واغلبهم كان يعتقد ان الاعدام لن يتم لاسباب شتى وبعضهم بين مصدق ومكذب لكل هذه المهزله ان يعدم بشر لاصداره منشورا .. اوقفت العربات للقادمين من الغرب عند خط السكه حديد وساروا على الاقدام متجهين نحو سجن كوبر …. دخلت ساحة الاعدام بسجن كوبر وهى ساحة واسعه فى مساحة ملعب كرة قدم ووجدت مجموعه من الناس جلست على الارض فى الجانب الشرقى وفى الجانب الشرقى كانت منصة الاعدام تنتصب عاليه فى الجانب الجنوبى منها صفت كراسى تحت المنصه مباشره فى الصف الاول مولانا فؤاد الامين رئيس القضاء والمكاشفى طه الكباشى رئيس محكمة استئناف ما أطلق عليه المحاكم الناجزه وبجواره الاستاذ عوض الجيد مستشار رئيس الجمهوريه ومولانا النيل ابو قرون مستشار رئيس الجمهوريه وبجوارهم مولانا محمد الحافظ قاضى جنايات بحرى ومولانا عادل عبد المحمود وجلست فى الصف الاول وكنت اقرب الى المنصه وفى الصفوف الخلفيه ضباط شرطه وسجون… وعلى الحائط الغربى وعلى مسافه من المنصه اصطف الجمهوريين المحكوم عليهم بالاعدام كانوا يلبسون ملابس السجن ذقونهم غير حليقه يبدوا عليهم التشتت وكانوا مقيدين …رجال الامن منتشرين والشرطه باسلحتها منتشره فى المكان …كان هناك رجل طويل القامه بصوره ملفته اسمر اللون يحمل شنطه فى يده يقف خلف المنصه مباشره ونفس هذا الرجل رايته فى المحاكمه … المكاشفى كان يتحرك متوترا ويتبسم حتى والسن الذهبيه تلمع فى فمه .

    احضر الاستاذ محمود محمد طه يرتدى زى السجن مقيد الرجلين مغطى الوجه بغطأ احمر… اقتيد حتى سلم المنصه حاول السجانان الممسكان به مساعدته فى الصعود الى المنصه ولكنه لم يعتمد عليهم تقدمهم وبدأ يتحسس السلالم بقدمه ويطلع درجه بعد درجه

    انتصب الاستاذ محمود واقفا فوق المنصه وهو مغطى بالغطأ الاحمر … تلى مدير السجن من مكرفون مضمون الحكم وتلى أمر التنفيذ ….الاستاذ محمود ذو 76 سنه واقف منتصب .. حبل المشنقه يتدلى بجواره …قرىء عليه أمر تنفيذ الاعدام عليه ويمسك المكاشفى بالميكرفون ليسمع الاستاذ آخر كلمات فى هذه الدنيا فيسب الاستاذ محمود ويشير اليه فى كلمته بهذا المرتد الذى يقف امامكم .. وتستمر الكلمه زمن والمكاشفى يزبد ويرقى .. يطلب السجان من الاستاذ محمود ان يستدير يمينا .. ويستدير الاستاذ ويواجهنا تماما يتم كشف الغطاء عن وجه الاستاذ .. يبتسم الاستاذ وهو يواجه القضاة الذين حكموا باعدامه ابتسامه صافيه وعريضه وغير مصنوعه .. وجهه يشع طمأنينة لم أرها فى وجه من قبل …قسماته مسترخيه وكانه نائم …كان يشوبه هدوء غريب …غريب ..ليس فيه ذرة اضطراب وكأن الذى سوف يعدم بعد ثوانى ليس هو … والتفت الى الجالسين جوارى لارى الاضراب يسودهم جميعا .. فؤاد يتزحزح فى كرسيه وكاد يقع ..عوض الجيد يكتب حرف نون على قلبه عدة مرات .. والنيل يحتمى بمسبحته فى ربكه (النيل تعرض لاتهام بالرده فى عهد الانقاذ وتاب) كان الخوف والرعب قد لفهم جميعا والاستاذ مقيد لاحول له ولاقوه …ولكنه الظلم جعلهم يرتجفون وجعل المظلوم الذى سيعدم بعد لحظات يبتسم !!التف الحبل حول عنق الاستاذ محمود كان مازال واقفا شامخا (قيل ان الشيخ الترابى حضر مره قطع يد سارق فاغمى عليه) وسحب المربع الخشبى الذى يقف عليه الاستاذ وتدلى جسده (وكذب من قال انه استدبر القبله) هتف الرجل طويل القامه الواقف خلف المنصه .. سقط هبل .. سقط هبل ردد معه بعض الفغوغاء الهتاف .ويحضرنى صلاح عبد الصبور فى ماساة الحلاج

    صفونا .. صفا .. صفا
    الاجهر صوتا الاول والاطول
    وضعوه فى الصف الاول
    ذو الصوت الخافت والمتوانى
    وضعوه فى الصف الثانى
    أعطوا كل منا دينار من ذهب قانى
    براقا لم تمسسه كف
    قالوا صيحوا زنديق كافر
    صحنا زنديق كافر
    قالوا صيحوا : فاليقتل انا نحمل دمه فى رقبتنا
    صحنا:فاليقتل ان نحمل دمه فى رقبتنا

    كان هناك من هتف من بين الجمهور شبه لكم .. شبه لكم
    تم القبض عليه وتم ضربه اما رئيس القضاء اوقفهم مولانا محمد الحافظ (عرفت من الاستاذ بشير بكار الدبلوماسى السابق انه هو الذى هتف) خرج الحضور من القضاة عن طريق سجن كوبر….وعندما مروا بزنزانات المعتقلين السياسيين كان هتافهم يشق عنان السماء

    محمود شهيد لعهد جديد … لن ترتاح ياسفاح … مليون شهيد لعهد جديد … لم يغطى على هذا الهتاف حتى أزير الطائره التى يقودها فيصل مدنى وحملت جثمان الشهيد لترمى به فى وادى الحمار (وهذا حسب ماتسرب لاحقا) وكان محمود شهيد لعهد جديد .. وسقطت مايو

    بعد 76 يوما من اعدام الاستاذ

    هادئا كان آوان الموت
    وعاديا تماما
    وتماما كالذى يمشى
    بخطو مطمئن كى يناما
    وكشمس عبرتها لحظة كف غمامه
    لوح بابتسامه
    قال مع السلامه
    ثم ارتمى وتسامى
    وتسامى……وتسامى
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-17-2008, 01:57 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    البروفيسور عبدالله أحمد النعيم لـ(الصحافة)«3 - 4»
    الإسلام هو الأقدر من الفكر الفلسفي على تحقيق الاشتراكية
    حاوره في واشنطن: صلاح شعيب

    بروفيسور عبدالله أحمد النعيم يعتبر وجهاً مشرفاً للمفكرين السودانيين في المحافل الإقليمية والدولية، واستطاع ببحوثه وكتبه الفكرية القيمة حول الإسلام والمسلمين وحقوق الإنسان وقضايا التحرر الإنساني والقانون الدولي أن يقدِّم مساهمات ثرّة في الجدل الدائر منذ فترة عن هذه المواضيع الشاغلة للذهن الإسلامي بشكل خاص والإنساني بشكل عام. فوقاً عن ذلك أسهم النعيم في ترجمة بعض الكتب من الإنجليزية إلى العربية والعكس ولعل آخر اسهاماته في هذا المضمار نقله رواية البروفيسور فرانسيس دينق إلى قراء العربية »طائر الشؤم«.
    وفي المجال الأكاديمي، والذي استهل مشواره محاضراً في جامعة الخرطوم التي تخرج فيها، عمل بالعديد من الجامعات العربية والأفريقية والأوربية والأمريكية محاضراً واستاذاً زائراً. وظل على مدار العقدين الماضيين يسهم في مجال تخصصه »القانون الدولي« حيث يعمل الآن استاذا للقانون بجامعة ايموري بالولايات المتحدة، وشارك بتقديم المحاضرات وأوراق العمل حول تلك القضايا الفكرية والسياسية التي إنشغل بإجلاء وجهة نظره حولها، وبالتوازي مع هذه المجهودات الأكاديمية الرفيعة شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية حول العالم وانصب عمق مشاركاته داخل الولايات المتحدة التي استقر بها.
    وبوصفه تلميذاً وفياً لأستاذه محمود محمد طه، والذي قدّم نفسه شهيداً في ميدان الفكر الديني والسياسي، لعب البروفيسور النعيم مع بعض تلاميذ آخرين للأستاذ دوراً مقدّراً في إبراز وتوضيح وتفسير مقولات مؤسس الفكر الجمهوري عبر العديد من الكتابات والندوات الثقافية.
    وأخيراً صدر للبروفيسور النعيم كتاب جديد حول العلمانية بالإنجليزية -وترجم إلى ثماني لغات- وصاحب هذا النشر تلبية لعدد من الدعوات لتوضيح الفكرة الاساسية للكتاب وقدم إلى منطقة واشنطن بدعوة من قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة جورج تاون وقدم محاضرة هناك، وأعقبها بأخرى أقامتها مدرسة الجالية السودانية بالميرلاند بالتعاون مع الجالية السودانية.
    (الصحافة) انتهزت فرصة وجود البروفيسور عبدالله أحمد النعيم وأجرت معه هذا الحوار الذي تطرّق لعدد من القضايا، فإلى الجزء الثالث منه:
    * هل انتهت فاعلية التنظيم في الحزب الجمهوري، وهل يعاني الحزب من أزمة قيادة وهل لا زلت جمهوريا وتصنف هكذا..أم أنك تجاوزت الفكرة الجمهورية فكريا؟
    ـ الحزب الجمهوري لم يكن حزبا سياسيا في يوم من الايام وإنما هو إطار تنظيمي لتقديم نموذج النبي عليه الصلاة والسلام كمنهاج في التربية الذاتية واشاعة العدل والسلام بين الناس وقد عاش الاستاذ محمود على ذلك النموذج ومات عليه وبذلك قدم التجربة العلمية المعاصرة والدليل العملي على صحة هذا المنهاج وحياة وفكر الاستاذ محمود متوفر للجميع وليس وقفا على تلاميذه الذين يعرفون بإسم الاخوان الجمهوريون فكل من اقتنع والتزم بممارسة المنهاج النبوي كما قدمه الاستاذ محمود معاشا في الدم واللحم فهو جمهوري، وكل من تنازل عن تلك القناعة والالتزام فليس بجمهوري حتى ولو كان في يوم من الايام من قيادات حركة الاخوان الجمهوريون بالسودان. هذه هي القاعدة التي ارى بها بحيرات الايام والتجارب الشخصية لكل من اطلع أو يمكنه الاطلاع على فكر وحياة الاستاذ محمود محمد طه.
    أما عني شخصيا فانا تلميذ للاستاذ محمود وارجو أن أكون أهلا لهذا الشرف العظيم في حقيقة حالي واقوالي واعمالي جميعها. وحسب علمي وجهدي وقناعتي الشخصية فأنا لم أتجاوز الفكرة الجمهورية ولا ينبغي لي، وإنما كل محاولاتي أن أكون صادقا وامينا في اتباع هذه الفكرة قدر جهدي وطاقتي .. فكل همي أنني دون هذه القامة لانها غاية سرمدية لا تنتهي ولأنها هي الاسلام. فقولي بإني لا يمكن أن اتجاوز الفكرة الجمهورية هي قولي.. أرجوا أن ابقى على الاسلام حتى يتوفاني الله.
    * قلت سابقا أن «الفكرة الجمهورية لا تقدم منهج اتفاق حول كل القضايا» ولكنك في ذات الوقت تؤكد أنها منهج الطريق النبوي، هل هذا يعني أن الفكرة الجمهورية هي مبادئ عامة أكثر من كونها منهج تفكير مساعد في فهم تفاصيل الواقع...؟
    ـ الفكرة الجمهورية هي دعوة للإسلام ويصح في حقها ما يصح عن الإسلام، وفي الإسلام المبادئ العامة وفيه كذلك منهج تفكير وعمل يساعد المسلم في فهم تفاصيل الواقع. ومعلوم أن كبار الصحابة قد اختلفوا في كثير من الأمور الكبرى التي واجهت مجتمعهم الأول بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، كما جرى في أمر ما يسمى بحروب الردة حين خالف عمر أبي بكر في قوله بوجوب قتال القبائل التي منعت الزكاة عن بيت المال. وكما هو الحال في الإسلام، فإن المبادئ العامة تعين على تقريب وجهات النظر حتى أن الخلافات بين المسلمين إنما تكون في مدى محدود وبطريقة تعين على تحقيق الاتفاق من خلال الحوار الموضوعي المؤدب وسعة الصدور على احتمال الخلاف في المكان الأول. وهذا صحيح في حق الفكرة الجمهورية كما هو صحيح عن الإسلام نفسه.
    * برغم تأكيك هذا إلا أننا نلاحظ أن وجهات النظر بين الاخوة الجمهوريين حول بعض المسائل الفقهية والسياسية تختلف بين شخص وآخر. ألا يطرح هذا الاختلاف سؤالا حول قدرة الفكرة الجمهورية في إعطاء منهج راسخ في معالجة مشاكل الواقع، خصوصا وأنك تقول إنها تتبع الطريق النبوي الصحيح ؟
    ـ بما أن الفكرة الجمهورية هي الإسلام كما قلت فإنها لا تمنع تلاميذ الاستاذ محمود من الاختلاف حول بعض القضايا، بل من المتوقع الخلاف بين الجمهوريين لأن تحقيق الأصالة في إطار تقليد النبي عليه الصلاة والسلام هو الغاية المطلوبة لتلاميذ الاستاذ محمود، فبما أن الاصالة والفردية هي الغاية فإن الفكرة الجمهورية لا تقدم منهجا للأتفاق حول كل القضايا وإنما منهجها هو منهج لإحترام الرأي الآخر والسماحة والسعة لبعضنا البعض عندما يكون بيننا اختلاف الرأي، فليس العبرة بالاتفاق السطحي تفاديا لمظهر الاختلاف، وإنما هي في تنظيم مناهج الحوار الودي والتفرد في معارج الحرية الفردية.
    * هناك جدل متواصل حول الفكر الماركسي في أعقاب نهاية تجربة الاتحاد السوفيتي، كقارئ للفكر الماركسي هل ترى أن الماركسية تحمل الاجابة على أسئلة الصراع الانساني..وهل تفرق بين النظرية والممارسة لتخلص إلى القول ـ مثلا ـ أن الماركسية ستظل اضافة جذرية للفكر الانساني وتبقى نظرية علمية لم يتم تجاوزها حتى الآن؟
    ـ الفكر الماركسي هو أحد الروافد للفكر الفلسفي والسياسي الانساني بصورة عامة، وله في ذلك مساهمات مفيدة كما أجد فيه نقاط ضعف عميقة وخطيرة من المنظور النظري..وقد ظهر بصورة واضحة لدى الممارسة العملية في الاتحاد السوفيتي وغيره من الأنظمة الماركسية خلال القرن العشرين، وقد كان من الخطا الزعم بأن الفكر الماركسي يقدر منفردا على حل جميع المشاكل التي تواجه البشرية وكذلك من الخطأ اليوم رفض كل ما يتعلق بالفكر الماركسي كأنه باطل مطلق لا يقدر على المساهمة في حل المشاكل. فمساهمات ماركس في فهم علائق الانتاج وطبيعة الصراع الطبقي مقبولة عندي إلا أني أعارض رفضه للدين وتضحيته بالفرد في سبيل الجماعة فالفرد عندي هو الغاية والمجتمع من اهم وسائلها.
    * قلت إن النظام الاشتراكي المقصود عند الأستاذ محمود يساهم في الاستجابة لضروريات الحياة، هل هناك علاقة لمرجعية الاشتراكية في الفكرة الجمهورية بالإسلام أم أن الاستاذ وظف الفكر الاشتراكي في سياقه الفلسفي الحديث ..؟
    ـ في اعتقادي إن الإسلام هو الأقدر من الفكر الفلسفي على تحقيق الاشتراكية، بل إن الاشتراكية عندي لا تحقق إلا من خلال الإسلام. ففي التعريف البسيط والمباشر، الاشتراكية تعتمد على استعداد الإنسان على استهلاك أقل مما ينتج، كما تعتمد على إقامة الإنسان نفسه رقيباً على سلوكه في السر والعلن بدلا من الاعتماد على رقابة ومحاسبة أجهزة الدولة التي تتعرض لعوارض الفساد والغرض. والتربية الدينية هي الأقدر على ضمان هذه الشروط لتحقيق الاشتراكية أكثر من الفكر الفلسفي.
    هناك جوانب عديدة لهذه المسألة لا يمكن معالجتها في هذا المجال الضيق، ولكن يمكن الإشارة بإيجار إلى أمرين قد يتبادرا إلى ذهن القارئ. أولاً الإسلام المقصود في هذا الحديث هو القوة الفاعلة الكبرى في تحقيق مكارم المعاملة بمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، في صدق وإخلاص، وهذا لا يكون بإكراه الأجهزة الرسمية فيما يسمى بالدولة الإسلامية. ولهذا فأنا (عبد الله أحمد النعيم) أعارض مفهوم الدولة الإسلامية لأنه يتعارض مع منهج النبي عليه الصلاة والسلام في التربية. والأمر الآخر هو أن هذا لا يعني الاستغناء عن الدولة نفسها أو رفض أي دور للأجهزة الرسمية.
    فللقانون والقضاء والإدارة وأجهزة الأمن دور هام في تحقيق الاشتراكية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على أن يقوم كل ذلك على قاعدة التربية الدينية الخاصة والخالصة. فالاعتماد على أجهزة الدولة في غياب التربية هو عبث لا يجدي لأن التربية هي أساس عمل تلك الأجهزة. فإذا قامت التربية على منهج النبي على الصلاة والسلام في العبادة والعمل في خدمة الناس فيمكن لأجهزة الدولة القيام بدورها الصحيح.
    * كأنك بهذا تقول إن الاشتراكية فكرة سابقة على المناهج العلمية الحديثة، كما أن ردك يوحي بأن الاسلام لا يتناقض مع الاشتراكية.؟
    ـ فكرة الاشتراكية لم تبدأ بالماركسية ولم تنته معها ولا تعدو الماركسية أن تكون أحد المناهج أو المداخل على الاشتراكية وقد فشلت التجربة الماركسية السوفيتية إلا أن ذلك ليس فشل لمفهوم الاشتراكية نفسها وأعتقد أن المنهج الديمقراطي أقدر على تحقيق الاشتراكية والمحافظة عليها من المنهج الشمولي لرأسمالية الدولة الذي كان ساريا في الاتحاد السوفيتي والصين الماووية.
    * وكيف ترون مسألة البنوك الاسلامية التي قدمها الاتجاه الاسلامي كأجتهاد فقهي وما هو موقفك من الربا بوصف أنه محرم بنصوص من القرآن الكريم؟
    ـ أبدأ بتكرار القول إني لا أتحدث بإسم الاستاذ محمود محمد طه ولا ينبغي لي ولا نيابة عن الجمهوريين وإنما فقط أصالة عن نفسي وعلى مسؤوليتي الشخصية فأنا عبد الله النعيم أقول بأن فكرة البنوك الاسلامية هي خدعة كبرى وتحايل على تحريم الربا من أجل تكديس الاموال والثروات في أيدي قيادات الاسلام السياسي وفي خدمة مآرب ذلك المشروع، وقد جلبت فكرة البنوك الاسلامية أوخم العواقب السياسية والاقتصادية على السودان بالتحديد منذ ادخال هذا النظام الربوي المستتر في نهاية العقد السابع من القرن لعشرين وأنا أقول كذلك إن تحريم الربا هو الحكم الشرعي الواجب على كل مسلم ومسلمة ولكن هذا لا يعني تحريم الدولة التعامل مع البنوك وبيوت الاعمال..على هذا الاساس على الدولة عدم التدخل في هذا المجال وللمسلم الالتزام بواجب تجنب الربا في تعاملاته وحسب فهمه لمعنى ومدى تحريم الربا شرعا.
    * كتابك الجديد يعزز أهمية العلمانية في واقع المجتمعات الإسلامية، والبعض من المفكرين السلفيين يعتبرونها تتعارض مع الإسلام وأنها بضاعة مستوردة نشأت في سياق تاريخي مختلف عن واقع المسلمين ... هل هناك استنادات من القرآن الكريم والسنة النبوية تؤكد ضرورة فصل الدين عن الدولة ..؟
    ـ كما كان الأستاذ محمود طه يؤكد باستمرار فإن العبرة هي في فهم النص وليس في توهم وجود نص قطعي لا يقبل الاختلاف في الفهم. صحيح أن الآية 7 من سورة آل عمران تقول أن من القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، لكن القرآن لا يحدد ما هي هذه الآيات المحكمات كما أن البني عليه الصلاة والسلام لم يحددها في السنة. فأي الآيات محكم وأيها من المتشابهات هي في مجال الفهم والاختلاف بين المسلمين، مثل موضوع تفسير كل القرآن والسنة النبوية المطهرة.
    وحقيقة الأمر في الدولة هي أولا أنه لا يوجد نص قطعي بوجوب الدولة الإسلامية ولا بضرورة فصل الدين عن الدولة. وأكثر من ذلك، فإن مفهوم الدولة لا يرد في القرآن على الإطلاق ولا مرة واحدة. كما أن القرآن دائما يخاطب الفرد المسلم والجماعة المسلمة، ولا يخاطب مؤسسة أو هيئة يمكن وصفها بأنها الدولة، ولا يستقيم عقلا أن يخاطب القرآن غير الإنسان المكلف شرعا. لذلك فنقرر أن حجة من يدعو إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية أو يعارضها إنما تقوم على فهم نصوص وملابسات موضوعية في أمور تنظيم شئون السياسة والحكم والقضاء وما إلى ذلك. هذه الحقيقة واضحة في غياب أي خطاب عن الدولة الإسلامية بين علماء المسلمين على مدى التاريخ قبل القرن العشرين، وإن مفهوم الدولة الذي تقوم عليه دعاوى المودودي وسيد قطب وغيرهم ممن ابتدعوا مفهوم الدولة الإسلامية في أواسط القرن العشرين هو مفهوم أوروبي للدولة الاستعمارية التي تقوم عليها أحوال المسلمين اليوم. وأنا أقبل ضرورة الدولة في إدارة أمور المجتمعات الإسلامية كغيرها من المجتمعات الإنسانية على مدى التاريخ البشري، وإنما يقوم اعتراضي على وصف الدولة بأنها إسلامية لأن هذا القول يزعم قداسة الإسلام لمؤسسة هي بالضرورة بشرية وهي بذلك عرضة للخطأ والظلم وعن ذلك يتسامى الإسلام.
    ولعله من المفيد أن نشير إلى الآيات 44 إلى 47 من سورة المائدة التي كثيرا ما تساق للدليل على وجوب الدولة الإسلامية. والسؤال هنا من هو المخاطب بهذه الآيات وغيرها من النصوص المتعلقة بالحكم بالعدل والقسط. بحكم طبيعة القرآن والإسلام نفسه، فهذه النصوص إنما تخاطب الفرد المسلم والجماعة المسلمة، في إقامة ما أنزل الله في حكم أنفسهم أولاً، فإذا فعلوا فسوف ينعكس ذلك على إدارتهم لأمور الدولة. ولكن بما أن الدولة هي جهاز مشترك لجميع المواطنين، فإن إتباعها لأحكام الإسلام إنما يكون من خلال أخلاق وأعمال القائمين على أداء المهام والأدوار المختلفة، وليس من خلال توهم أن الدولة أو أجهزتها يمكن أن تكون إسلامية بصورة مباشرة. وكما يجري التفصيل في كتابي عن علمانية الدولة، فمن الضروري التمييز بين الإسلام كدين والدولة كمؤسسة بشرية حتى لا يقع التضليل على المسلمين بأن أعمال الدولة هي الإسلام نفسه، مما يجعل المعارضة السياسية للحزب بالحاكم خروج على الإسلام
    * قلت أنه لا ينبغي الحكم على المجتمعات الإسلامية بما عليه الآن في إطار حديثك عن الصراع بين السنة والشيعة .. ولكن يبدو أن هذا الصراع سيؤثر على مستقبل المسلمين نظرا للمد الشيعي الذي وجد مساحات للعمل في أفريقيا والعالم العربي.. وماذا تقول عن المظالم التاريخية التي يشكوا الشيعة أن السنيين اقترفوها في العراق وأجزاء أخرى من العالم العربي..؟
    ـ ما قصدت إلا القول إن الاختلاف بين المذاهب السنية والشيعية وحتى داخل كل مذهب مسألة قديمة وطبيعية، ولن تنتهي ولكن يجب التمييز بين هذا والصراع السياسي بين قطاعات الصفوة الحاكمة التي تنتسب للمذاهب السنية أو الشيعية، وهو صراع يجري بين الصفوات الحاكمة التي تنسب إلى نفس المذهب السني أو الشيعي، كما نرى اليوم فى السودان و إيران، كما يحدث بين اهل المذاهب المختلفة. وقد كانت هذه الصراعات كذلك على مدى التاريخ الإسلامي، وفيها تعرض بعض أهل السنة للظلم من الشيعة، وكذلك تعرض بعض الشيعة للظلم من أهل السنة. فقولي أنه يجب أن نفهم هذه الظواهر والصراعات، مذهبية كانت أو سياسية، كمسائل تتعلق بالطبيعة البشرية وكيف أن «كل قوم بما لديهم فرحون» كما يخبرنا القرآن. وهذا قائم الآن بين الدول العربية فيما بينها، رغم ان الحكام فيها ينتسبون للمذاهب السنية.
    فبدلا من توهم أن الاختلاف المذهبي أو الصراع السياسي يمكن أن ينتهي تماما، على كل منا أن يركز على تقصيره هو في فهم الإسلام والالتزام بأخلاقه السمحة، وأن تتسع صدورنا للاختلاف ونقيد شهواتنا في السلطة والجاه... فإذا فعلنا أمكننا ان نضيق من شقة الخلاف وأن نرفع الظلم عن بعضنا بعضاً عندما نختلف سياسياً. فليس المشكلة في الاختلاف ولا في الصراع، وإنما في التشدد والفجور في الخصومة، والذي يكون حتى بين أعضاء الجماعة السياسية الواحدة كما نرى الآن بين قيادات الجبهة القومية الإسلامية في السودان.
    * التجربة التركية، هزيمة النخبة العلمانية في الانتخابات الاخيرة..ثم عودة حزب العدالة والتنمية الاسلاموي للسلطة هل هذه مؤشرات على فشل العلمانية في تركيا ورغبة نحو البرنامج الاسلامي..؟
    ـ التجربة التركية الراهنة هي تصحيح لمفهوم الدولة العلمانية ومراجعة لتطرف الجمهورية الاتاتوركية، فحزب العدالة والتنمية يقبل ويلتزم بمبدأ الدولة العلمانية في تركيا ولذلك لا يمكن اعتبار استمراره في الحكم هزيمة أو فشل العلمانية كما يقول سؤالك وهنا نميز بين رأي وفهم الصفوة الاتاتوركية في الدولة العلمانية على المنهج الفرنسي والفهم الاصح للدولة العلمانية في كتابي عن «علمانية الدولة» فصل كامل في تقييم التجربة التركية وهو نقد للتطرف العلماني بنفس القدر الذي انتقد به مفهوم الدولة الاسلامية..

    http://www.alsahafa.sd/News_view.aspx?id=48475
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-17-2008, 10:54 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    كيف نوفق بين حرية المعتقد في القرآن وحد الردة في السنة




    لا إكراه في الدينتعتبر قضية الردة من المواضيع الخلافية التي اشتد حولها النقاش في السنوات الأخيرة وذلك لصدور فتاوى وأحكام قضائية – بل وتهديدات مؤخراً - عديدة تعلن ردة بعض المفكرين والأدباء المسلمين. ولذلك شن الغرب حملات تشهير ضد الإسلام بصفته ديناً يعتدي – بزعمهم - على أعلى قيم العصر وهي الحرية. وإشكالية حد الردة في الإسلام تكمن في كون القرآن الكريم يدعو إلى حرية المعتقد بصورة واضحة لا تحتمل اللبس ولا التأويل: (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر). ولكن السنة النبوية الشريفة توجد بها أحاديث تدعو إلى قتل المرتد، وهناك أيضا قضية حروب الردة. فكيف نوفق بين حرية المعتقد من جهة وحد الردة من جهة أخرى؟ يطرح الشيخ الدكتور طه جابر العلواني في كتابه الذي يحمل عنوان «لا إكراه في الدين» اجتهاده في إشكالية حد الردة، التي يخشى الكثير من علماء الدين المعاصرين الاجتهاد فيها والجدير بالتذكير أن معظم علماء الدين المحافظين والتقليديين ينتقدون اجتهادات بعض المفكرين المعاصرين في موضوع حد الردة نظراً لأنهم، كما يقولون، مجرد مثقفين لم يتخصصوا في الشريعة الإسلامية ولا يملكون الأدوات العلمية لجعل اجتهاداتهم تكتسب أية مصداقية. ومن هنا تكمن أهمية هذا الكتاب، لأن مؤلفه ليس مجرد مثقف عادي أو مفكر إسلامي غير متخصص، بل شيخ أصولي وعالم دين عراقي حاصل على الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر عام 1973. وهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس جامعة قرطبة بالولايات المتحدة، والرئيس السابق للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية. ومصدر قوة هذا البحث أنه لم يخضع للمؤثرات الليبرالية في تفسير مفهوم الحرية، بل استعمل المنهج الإسلامي الأصيل في التعامل مع الخطاب القرآني والنبوي.

    ويعترف العلواني بحساسية الاجتهاد في هذا الموضوع وخطورته، إذ يشير في المقدمة أنه أعد مسودة هذا الكتاب عام 1992 ولكنه تردد في نشره خوفاً على علاقات المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أمريكا الذي كان يرأسه آنذاك مع بعض المؤسسات الدينية المحافظة في العالم العربي. ولكنه بعد تركه رئاسة المعهد، وتقدمه في العمر، قرر نشر هذا البحث الجريء خوفا من كتمان العلم رغم ما قد يسببه له من إحراج شخصي مع تلك المؤسسات. ومن دون شك أن مثل هذا الاعتراف مؤسف للغاية، ويصور بدقة البيئة المحيطة بحرية الاجتهاد والبحث العلمي في القضايا الدينية.


    الشيخ الدكتور طه جابر العلوانيويشير العلواني إلى أن حد قتل المرتد أصبح في حكم المجمع عليه رغم مخالفته لآراء فقهاء كبار لهم وزنهم مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وغيرهم. ولذلك فهو يشكك في دعوى الإجماع. ولولا تحديات الحضارة المعاصرة التي جعلت النقد والمراجعة خطوات منهجية لها صلاحية مطلقة في تناول أي شيء بالنقد والتحليل لما فُتح ملف الحديث والجدل حول هذا الموضوع في العصر الحديث منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مروراً بمحمود شلتوت ومحمد أبو زهرة إلى حسن الترابي وغيرهم في وقتنا هذا.

    ويستعرض العلواني أشهر قضايا الردة في العقود الثلاثة الأخيرة. فيتطرق إلى قضايا محمود محمد طه، وسلمان رشدي، وفرج فودة، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، ونوال السعداوي، وأخيراً الأفغاني عبد الرحمن عبد المنان. وبسبب تلك القضايا – يقول العلواني - اشتد هجوم الغرب على الإسلام كدين متهم بهدر حقوق الإنسان. ويتساءل العلواني - بذكاء – قائلا: لو كان حد الردة قائما ومطبقا في بلاد المسلمين كلها، هل كان أولئك الذين تبنوا تيارات فكرية إلحادية أو مناقضة للإسلام ثم عادوا من أنفسهم ودون تدخل قضائي ليكتشفوا هويتهم، ويتبنوا من جديد نهج الإسلام، هل كان هؤلاء اليوم أحياءً يدافعون عن الإسلام؟ وهذا السؤال الجوهري هو ما دفع العلواني لدراسة حد الردة. وهو يؤكد أن قضية البحث الأساسية هي الردة الفردية المسالمة بمعنى: تغيير الإنسان عقيدته بطريقة مسالمة ليس فيها رفع للسلاح أو خروج على الجماعة أو دعوة لهدم الإسلام.

    ثم يناقش العلواني حقيقة الردة في القرآن الكريم. فيسرد ويفسر الآيات المتعلقة بهذه القضية. ومن ذلك يتضح أن حرية العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود، وأن القرآن المجيد لا يحتوي على حد للردة أو عقوبة دنيوية لها، لا إعدام ولا دون ذلك، ولم يشر لا تصريحا ولا على سبيل الإيماء إلى ضرورة إكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، وأن العقوبة على الردة هي عقوبة أخروية موكولة إلى الخالق لقوله تبارك وتعالى ?ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون?.

    ويتناول العلواني قضية الردة في السنة النبوية حيث يشير إلى أنه يستحيل عقلا وشرعا أن يأتي في السنة النبوية - الثابتة الصحيحة - شيء يناقض مبادئ القرآن الكريم، فضلا عن أن ينسخه. وإذا كانت مبادئ القرآن الكريم قد حددت بوضوح إطلاق حرية الاعتقاد، وأحاطتها بسائر الضمانات، وجعلت جزاء المرتد لله تعالى في الدار الآخرة، فلا يتوقع من السنة أن تأتي على خلاف ذلك. خاصة وأن هذا الأمر لم يرد في آية واحدة، أو اثنتين، بل جاء في ما يقارب مائتي آية بينة وكلها متضافرة على تأكيد حرية الاعتقاد. ونطالع سردا لعدد من وقائع الردة التي حدثت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وبعد الهجرة إلى يثرب لنخلص منها أن الرسول لم يقتل مرتدا أو زنديقا طيلة حياته إلا في حالة كونه مرتكبا لجريمة أو محاربا.

    ثم يعرض العلواني للسنة القولية وأشهرها حديث «من بدل دينه فاقتلوه» فيورده بكل طرقه ومتابعاته وأقوال العلماء فيه. ويخلص العلواني إلى أن هذا الحديث حديث آحاد يعد في المراسيل في الغالب، ولا يؤخذ على إطلاقه ومعناه الحرفي، بل يرتبط بواقعة محددة وهي مؤامرة اليهود التي ذكرها القرآن الكريم «وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون» بهدف تحطيم الجبهة الداخلية للمسلمين وزعزعة ثقتهم بدينهم، خاصة من هم حديثو عهد بالإسلام. وبدون مثل هذا التقييد، يؤدي الأخذ بهذا الحديث على إطلاقه إلى نسخ أو إيقاف العمل بما يقرب من مائتي آية قرآنية كريمة نصت على إطلاق حرية الاعتقاد، ونفي الإكراه على الدين، وعدم ترتب أي عقوبة على مبدل دينه في الدنيا إذا كان مسالماً ولم يرتكب جرائم أخرى كما ذكرنا سابقاً. وهذا ما لا يقبله العقل. ويستشهد المؤلف كذلك برد الرسول على من اقترح عليه قتل بعض المنافقين: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه».

    ثم يناقش العلواني مذاهب فقهاء جميع الطوائف الإسلامية ليخلص إلى أن هؤلاء الفقهاء كانوا يعالجون جريمة مركبة غير التي نعالجها اختلط فيها السياسي والقانوني والاجتماعي بحيث كان تغيير المرتد دينه يصاحبه خروج على المجتمع والقيادة السياسية والنظم التي تتبناها الجماعة.

    أما بخصوص حروب الردة، فيؤكد العلواني أنها كانت سياسية في المقام الأول. فهي لم تكن بسبب الامتناع عن أداء الزكاة فقط، بل لإلزام مواطنين هددوا وحدة الأمة وسيادتها واستقرارها على الخضوع للسلطة الشرعية.

    ويخلص العلواني في نهاية بحثه القيم إلى أن الإنسان المكرّم المستخلف المؤتمن أكبر عند الله وأعز من أن يكلفه ثم يسلب منه حرية الاختيار، بل إن جوهر الأمانة التي حملها، والتي استحق بها القيام بمهمة الاستخلاف، إنما يقوم على حرية الاختيار التامة الكاملة: ?لا إكراه في الدين?.

    أخر خبر تفتح باب النقاش الجاد الملتزم حول هذا الموضوع لقرائها الذين نتمنى عليهم ردودا مختصرة وذات معنى وعلى الخير والمحبة دوما نلتقي .
    {mosextranews off}

    http://www.akherkhabar.net/index.php?option=com_content...view&id=24&Itemid=40
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-17-2008, 10:55 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    شاكر النابلسي: العلمانية ستنتصر في العالم العربي وجرائم الإرهاب هي النزع الأخير للأصولية




    د. شاكر النابلسيتوقع المفكر الليبرالي الامريكي من أصل أردني شاكر النابلسي انتصار العَلْمانية في نهاية المطاف في العالم العربي، معتبرا أن العَلْمانية هي الحل الأمثل لإقامة دولة ومجتمع ديمقراطي.

    وقال في حديث نشرت صحيفة الأيام البحرينية أجزاءا منه وينشره موقع آفاق كاملا إن "جرائم الإرهاب التي ترتكب هذه الأيام ما هي إلا النزع الأخير للأصولية، ودليل على كسح العَلْمانية ومبادئها للعالم العربي".

    لكن النابلسي استدرك بالقول "إن الدولة الدينية القائمة الآن في إيران وفي غزة، هي شرط من شروط تحقيق التجاوز إلى الدولة العَلْمانية كما سبق وقال الفيلسوف هيجل. فلا بُدَّ أن نمر بمرحلة الدولة الدينية لكي نتجاوزها إلى الدولة العَلْمانية. وأنا أنتظر بشوق كبير حكم حركة الإخوان المسلمين في مصر وغير مصر، لكي نستطيع تجاوز الدولة التي سيقيمونها إلى الدولة العَلْمانية وبدون ذلك فلن نحقق التجاوز المنشود".

    واستبعد النابلسي أن تتحقق شراكة حقيقية بين الإسلامويين والعَلْمانيين في إدارة شئون الدولة، قائلا "من الصعب أن تتحقق مثل هذه الشراكة، في ظل سعي الإسلامويين لإقامة دولة دينية. أما إذا تخلّوا عن هذا المطلب، فالشراكة ستكون مثمرة".

    وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

    1- ما مفهوم العَلْمانية لديك؟ وكيف تراها؟
    العَلْمانية تعني فصل الدين عن الدولة، وإبعاد رجال الدين عن العمل بالسياسة وعدم السماح للأحزاب الدينية بالعمل. وكل هذا من أجل مصلحة الدين، لكي يبقى المقدس (الدين) بعيداً عن المدنّس (السياسة). حيث – على مرِّ العصور – استفادت السياسة من الدين وأُضرَّ الدين بمجامعة السياسة، فكسبت السياسة وخسر الدين على مرِّ العصور. وكذلك، من أجل أن يُحاسب السياسي على فعله السياسي ولا يحتمي بمظلة الدين من الحساب والعقاب. فرجل الدين الذي يجمع بين الدين والسياسة من الصعب معارضته أو محاسبته.

    والحال، أن عملية فصل الدين عن السياسة أهون في المذهب الشيعي منها في المذهب السُنيّ. فالهيئات الشيعية نشأت مثل نشوء الكنيسة، والتراتبية في الهيئات الشيعية شبيهة بالتراتبية الكنسية، بحيث بقيت كلا التراتبيتين منفصلتين عن الدولة.

    على عكس الهيئات السُنيّة التي اندمجت في الدولة منذ عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان. وبهذا استعملت الدولة الهيئات السُنيّة أكثر من استعمالها للهيئات الشيعية التي ظلت خارج نطاق الدولة العربية الإسلامية. وهكذا يخيّل لنا، أن فصل الدين عن الدولة في المذهب السُنيّ المندمج كليةً في الدولة، أصبح من سابع المستحيلات، نتيجة لاندماج الدين بالسياسة والسياسة بالدين، وزوال الحدود بينهما والقيود منهما، بحيث أصبحنا لا نُفرّق بين ما هو من الدين وما هو من السياسة.

    وتلك هي الحيلة التي تفوّق بها الحكام العرب منذ عهد معاوية بن أبي سفيان إلى الآن، وتجلّت في تحويل الحاكم إلى ظل الله على الأرض، وتحويل "بيت مال المسلمين" إلى "بيت مال الله"، بحيث لا يصرف الحاكم منه إلا بأمر من الله، ولا يتلقى أمر الله غير خليفته وخليفة نبيه على الأرض، كما قال معاوية بن أبي سفيان منذ 1400 سنة. وهذا ما يؤكده الداعية الأصولي أنور الجندي ويطلق عليه "مفاهيم الإسلام" في كتابه (الإسلام والدعوات الهدامة، ص271-293)، حيث يؤكد ضرورة دمج الاقتصاد والسياسة والاجتماع بالدين، وهي الخطوة الأخيرة نحو إقامة دولة الخلافة الإسلامية، حيث يندمج الدين (حسب المذهب السُنيّ) بالدولة كليةً، كما يقول المفكر اللبناني عادل ضاهر في كتابه (أولية العقل، ص 210).

    أما الترجمة العربية لكلمة "العَلْمانية" - بفتح العين وليس بكسرها- فهي حديثة في الأدبيات السياسية العربية. وهي نسبة إلى العَالم وليس إلى العلم؛ أي إلى الدنيا التي نحياها. والعَلْمانية ليست واحدة، بل هي عدة عَلْمانيات، وحالها كحال الديمقراطية. فالعَلْمانية الفرنسية تختلف عن الألمانية، وعن الإنجليزية، وكذلك عن الأمريكية، وعن الكمالية التركية.

    وعلى العموم، فالعَلْمانية ليست قالباً واحداً، ولكنها عدة قوالب. والأهم من هذا كله، أن لا عداء بين العَلْمانية والدين. ولكن العداء بين العَلْمانية ورجال الدين. ولذلك، فرجال الدين هم الذين رموا العَلْمانية بالكفر والإلحاد، وليس الدين نفسه. يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "إن الدعوة إلى العَلْمانية بين المسلمين معناها الإلحاد والمروق من الإسلام" ("الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف" 1984، ص112)، وتتكرر هذه العبارة عدة مرات في كتاب القرضاوي الآخر (الحل الإسلامي فريضة وضرورة). ورجال الدين الذين قاوموا العَلْمانية، كانوا يدركون أن العَلْمانية تحرمهم من مميزات سياسية اجتماعية ومالية وثقافية كثيرة، وتحصر مهمتهم في الدعوة والإرشاد الديني فقط، وبين جدران المساجد.

    وبذا، لن يعود رجال الدين نجوماً سياسية أو إعلامية، ويفتون بكل صغيرة وكبيرة كما هم الآن، مما سيحرمهم من امتيازات كثيرة لدى السلاطين. أما الدين فهو باقٍ. بقي الدين في فرنسا وفي جميع أنحاء أوروبا وكذلك في أمريكا، بل ازداد عدد الكنائس، وإن قلَّ المصلون. فالعَلْمانية لا تنكر الله، ولا تتطاول على أديان التوحيد. وأن كان هناك بعض الفلاسفة والمفكرين العَلْمانيين في الغرب والشرق أنكروا الألوهية، فذاك شأنهم، ولا يلزموا بهذا النكران الآخرين.

    ونلفت النظر، إلى أن رجال الدين ليسوا وحدهم الذين أنكروا العَلْمانية واستنكروها، ولكن هناك أيضاً بعض المفكرين الليبراليين العقلانيين كمحمد عابد الجابري المفكر المغربي المعروف، وصاحب "تكوين العقل العربي"، الذي طالب عام 1990، وعلى صفحة مجلة "اليوم السابع" التي كانت تصدر في باريس، بإلغاء كلمة "عَلْمانية"، وسحبها من قاموس الفكر العربي.

    2- هل يمكن أن تتحقق شراكة حقيقية بين الإسلامويين والعَلْمانيين في إدارة شئون الدولة؟ وهل هناك فرصة للتعايش والتزاوج بين الطرفين؟
    من الصعب أن تتحقق مثل هذه الشراكة، في ظل سعي الإسلامويين لإقامة دولة دينية. أما إذا تخلّوا عن هذا المطلب، فالشراكة ستكون مثمرة. فالدولة الدينية هي دولة الحاكمية لله التي قال بها المفكر الباكستاني/الهندي أبو الأعلى المودودي، مؤسس حزب "جماعت إسلامي" الهندي الباكستاني، وأخذها عنه سيّد قطب ومحمد قطب. بمعنى أن الله هو الذي يضع دستور هذه الدولة، وكافة الأحكام والقوانين. أي أن رجال الدين – وهم فقهاء الدين وحماته، والعَلْماء هم ورثة الأنبياء – هم الذين سيحكمون فقط، لأنهم وحدهم هم العليمون والقادرون على تفسير الأحكام الدينية وتمييزها. كذلك، فإن الإسلامويين، لا يقرون نظام الأحزاب والتعددية، ويعتبرون أن "حزب الله" ؛ أي أن حزبهم هم، هو الحزب الوحيد المرخّص له بالعمل السياسي، وإن كانت هناك أحزاب دينية أخرى فهي تنضوي تحت مُسمّى "حزب الله".

    وهناك فتوى لحاكم إيران الديني علي خامئني تقول بأن "معارضة الحكومة الإسلامية كفر بالله".

    كذلك، فالإسلامويون، ينكرون عدم التفرقة بين المواطن والمؤمن، ويصرّون على هذه التفرقة، ويعتبرون أن المواطن هو المسلم فقط. وكل هذه المباديء ينكرها العَلْمانيون، الذين يؤمنون بأن المجتمع والدولة لا يصبحان ديمقراطيين إلا إذا سادت العَلْمانية. فالديمقراطية شرطها العَلْمانية. ولا ديمقراطية بدون عَلْمانية. لأن العَلْمانية هي التي تساوي بين جميع المواطنين بالحقوق والواجبات، بغض النظر عن جنسهم ومذهبهم ودينهم وعرقهم، وذلك هو لُب الديمقراطية وعقلها.

    3- كيف يمكن للعَلْمانية إدارة الدولة الإسلامية المبنية على أيدلوجيات؟ وهل بإمكاننا خلق عَلْمانية إسلامية؟
    لا يمكن للعَلْمانية أن تدير دولة إسلامية كإيران الآن مثلاً. كما أن الدولة الإسلامية ليست مبنية على عدة إيديولوجيات. الدولة الإسلامية أحادية الجانب. بمعنى أنها تدار من خلال مفهوم ونظام ديني واحد. وأعتقد بأن العَلْمانية العربية هي عَلْمانية إسلامية حين تطبّق حرية الفكر والعقيدة ومساواة الرجل بالمرأة في الحقوق والواجبات، وبالتعددية الحزبية، وبمداولة السلطة، ومساواة كافة المواطنين بالحقوق والواجبات بغض النظر عن دينهم وجنسهم وطائفتهم وبالعدل.

    ولا مجال في العَلْمانية للحاكم "المستبد العادل" الذي قال به جمال الدين الأفغاني. فالعدل أساس الإصلاح. والحاكم المستبد يعدل بالاستبداد، والحاكم العادل يستبد بالعدل. ولو لم يكن كمال أتاتورك عادلاً لما استطاع إسقاط الخلافة عام 1924.

    وقد شهدنا تطبيق العَلْمانية الإسلامية في عهد حكم البويهيين والسلاجقة في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي وما بعده فقط، حين كان الخليفة العباسي هو الخليفة الديني، والسلطان البويهي أو السلجوقي هو سلطان الدنيا. وهذا أول فصل حقيقي في تاريخ الدولة الإسلامية بين الخليفة والسلطان، أو بين الدين والدنيا.

    4- هل ترون في إرساء مبادئ الدولة العَلْمانية حلاً لمحاربة الإرهاب والتطرف؟ وكيف يمكن للعَلْمانية الحفاظ على المعتقد الديني دون المساس بتشريعاته وأحكامه حين تسيطر على مفاصل الدولة؟
    الإرهاب في العالم العربي لم يقم لغاية دينية ولكنه قام لغاية سياسية. والإرهابيون لا يريدون بإرهابهم تطبيق الإسلام المطبق جيداً في كثير من الدول العربية. الإرهابيون يريدون السلطة السياسية، وهم غير مؤهلين لها بتاتاً. هل تعتقد بأن ابن لادن أو أيمن الظواهري يصلحان أن يكونا حاكمين لدولة في العصر الحديث. ربما ينفعان لحكم دولة كدولة طالبان، أو لدولة ما في القرون الوسطى. وما سعي الإسلامويين في أفغانستان والعراق وفلسطين ومصر وغيرها إلا طمعاً بالحكم.

    وسوف يخسر الإسلام بحكمهم الشيء الكثير. فالأخبار من غزة التي حكمتها وتحكمها "حماس" حتى الآن، تقول بزيادة نسبة الجريمة، والسرقة، وخطف النساء، والاعتداء على الممتلكات، وقلة المصلين في المساجد، وانتشار البطالة، وانتشار تجارة التهريب.

    5- في إحدى مؤلفاتك، ذكرت بأن القرن الحادي والعشرين سيشهد تجاذب بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة العَلْمانية، وتيقنت بأن التيار العَلْماني سيتغلب في النهاية. هل ما زالت مؤمناً بأن التيار العَلْماني سينتصر؟ وعلى ماذا يستند الدكتور النابلسي بانتصار العَلْمانية ؟
    سبب هذا التجاذب هو اقتراب العالم العربي أكثر فأكثر من العَلْمانية غير المُعلنة أو ما أُطلق عليه (العَلْمانية المقنّعة). فلو نظرت حولك في المغرب والمشرق العربي، فسترى أن أجزاء من العَلْمانية مطبّقة، وهي الأجزاء التي تكفل بقاء السلطة بيد من هم في السلطة الآن. هذا جيد، لأن الخطوة التالية ستكون البدء في مساواة المرأة بالرجل.

    وقد تمَّ تطبيق هذا في كثير من أنحاء الوطن العربي، وكذلك في بعض دول الخليج. وسبب تغلّب التيار العَلْماني في العالم العربي في النهاية، هو كون العَلْمانية حتمية تاريخية، وكأس لا بُدَّ من شربها، وإن كانت مُرَّة، بل شديدة المرارة بالنسبة للإسلامويين. العالم كله تعولم والأصولية في العالم كله تتقزم. والقرن الحادي والعشرون هو قرن العولمة في العالم العربي.

    وما جرائم الإرهاب التي ترتكب هذه الأيام إلا النزع الأخير للأصولية، ودليل على كسح العَلْمانية ومبادئها للعالم العربي. والي الآن ومنذ أن تأسست جماعة الإخوان المسلمين في 1928؛ أي بعد مضي ثمانين عاماً، لم تستطع هذه الجماعة إقامة دولة دينية إلا في قطاع غزة. وانظر إلى موقف العالم منها، والمصير الذي انتهت إليه؟

    كذلك، فإن المجتمع العربي متعَلمن إلى حد كبير. فالحدود الشرعية – رغم كل هذا الزعيق والطبل الأصولي – غير مُطبَّقة إلا في دولة عربية واحدة فقط، من ضمن أكثر من عشرين دولة. ونسبة المحجبات في العالم العربي لا تتجاوز العشرة بالمائة، ونسبة من تزوجوا بأربع نساء لا يتجاوزون الخمسة بالمائة. والعالم العربي ساوى في معظمه بين الرجل والمرأة، حتى في دول الخليج، وإن لم تكن هذه المساواة تامة وكاملة كما نريدها حتى الآن، ما عدا دولة واحدة، وذلك بسبب ظروفها الدينية والتاريخية والسياسية، التي لا تسمح لها بتخطي خطوطٍ حمراء معينة.

    وبدون تشريع مدني واضح، يتجه المجتمع العربي بحكم حتمية التاريخ ومنطق العصر، ومسار العالم إلى العَلْمانية، وهي برأيي "عَلْمانية توحيدية"، وليست عَلْمانية كافرة وملحدة، كما يُطلق عليها رجال الدين في هذه الأيام. فالعَلْمانية الملحدة لم تُوجد حتى في فرنسا، ولا في أية دولة غربية، وإنما وُجدت في ثلاث دول فقط، وهي الاتحاد السوفيتي المنهار والمكسيك وكوبا.

    إن قولنا بانتصار العَلْمانية أخيراً، ناتج عن كوننا نرى في العَلْمانية الحل الأمثل لإقامة دولة ومجتمع ديمقراطي. ولقد جرّب الآخرون في الشرق أنظمة غير النظام العَلْماني فماذا كانت النتيجة؟ إن العَلْمانية لا يمكن لها أن تأتي أُكلها إلا بالديمقراطية. فلقد كان الاتحاد السوفيتي السابق نظاماً عَلْمانياً ملحداً، ولكنه لم يكن ديمقراطياً، فكانت عَلْمانيته ناقصة وغير مفيدة، فانهار.

    كذلك الحال مع النازية والفاشية والماوية. وفي العالم العربي، هناك دول عَلْمانية ولكنها ليست ديمقراطية. لذا، فإن عَلْمانيتهم مزيفة وعبارة عن قشرة ذهبية لخواتم من تنك وزنك، يفتضح أمرها من أول حكّة. فمن الممكن أن يتمَّ تحديث صناعي وعلمي في ظل الديكتاتورية العَلْمانية، كما جرى في فرنسا في عهد نابليون الثالث، وفي ايطاليا الفاشية، وألمانيا الهتلرية، وروسيا الستالينية، ومن الممكن أن تتمَّ إقامة ديكتاتوريات عَلْمانية معادية للدين كما تمَّ في المكسيك والاتحاد السوفيتي وكوبا، ولكن لا ديمقراطية بدون العَلْمانية.

    6- ذكرت في إحدى مقالاتك: "لا نظام سياسياً دينياً يمكن أن يحكم ويسود في هذا العالم العَلْماني، بعد أن تعلْمَن العالم" . كيف بنيت أن العالم متجه للعَلْمانية على الرغم من وجود دول دينية قائمة، وجماعات أصولية استطاعت الوصول لحكم الدولة عبر الانتخابات العامة؟
    في العالم هناك دولة دينية واحدة فقط، وهي إيران. ولكن هذه الدولة الدينية تحكم الشعب الإيراني بالحديد والنار والقهر. والحرس الثوري الديني الإيراني (باسدران) هو الحاكم الفعلي في إيران. ويتألف - حسب تقديرات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن- من 350 ألف عنصر. وهو يذيق الشعب الإيراني القهر إلى الحد الذي أصبح معه الشعب الإيراني أكبر مستهلك للحشيش والأفيون في العالم حسب تقارير الأمم المتحدة، وذلك نتيجة لحجم الظلم والقهر الذي تمارسه الدولة الدينية ممثلةً بالحرس الثوري عليه.

    وطبقا لتقرير المخدرات العالمي عام 2005، الذي أصدرته الأمم المتحدة عن مدمني الأفيون في العالم، توجد في إيران أعلى نسبة من المدمنين في العالم، إذ أن 2.8 في المائة من السكان الذين تزيد أعمارهم عن 15 سنة مدمنون على نوع من المخدرات. والي جانب إيران، توجد دولتان فقط في العالم تتعدى نسبة المدمنين فيهما 2 % وهما موريشيوس وقيرغيزستان.

    وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن عدد سكان إيران يصل إلى 70 مليون نسمة، وأن بعض الإدارات الحكومية الإيرانية، تعتقد أن عدد المدمنين يصل إلى 4 ملايين شخص، فإن ذلك يضع إيران على قمة عدد السكان المدمنين في العالم على المواد المخدرة، بما في ذلك الهيروين. فهذه هي الدولة الدينية التي تسعى الفصائل الدينية الإرهابية في العالم العربي إلى إقامة مثيل لها.

    إلى جانب ذلك، ومن الناحية الدينية، فإن الأرقام التي أذاعها رئيس الشؤون الثقافية في بلدية طهران، الشيخ محمد على زام، مؤخراً، عن نسبة الالتزام الديني لدى الشعب الإيراني، وخاصة الطلاب والشباب، فيما يتعلق بأداء الصلاة والإباحية الجنسية والإدمان على المخدرات، أحدثت نوعاً من الصدمة والدهشة والذهول لدى المراقبين والإسلاميين خارج الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأثارت قلقاً شديداً على مستقبل التجربة الإسلامية في القرن العشرين، ودفعتهم للتفكير، وإعادة النظر في مخططاتهم الحركية، وبرامجهم للحكم في المستقبل.

    فقد كان الإسلاميون في أواسط القرن الماضي يتجادلون فيما بينهم حول الطريقة الفُضلى لإقامة المجتمع الإسلامي، وفيما إذا كانت التربية قبل مرحلة السلطة ، أم السلطة قبل مرحلة التربية ؟ وجاءت الثورة الإسلامية في إيران في نهاية السبعينات لتحسم ذلك الجدل الطويل، بعد انضمام قطاعات واسعة من الشعب الإيراني إلى المشروع الإسلامي، وخضوعها لقيادة رجال الدين، ودعمهم في إقامة حكم إسلامي.

    وكان ينتظر أن يواصل رجال الدين الذين استلموا السلطة في إيران أسلمة ما تبقى من المجتمع والقضاء على جذور الفساد والانحلال والانحراف، إلا أن الأرقام التي أذاعها المسئول الثقافي الإيراني، وكشف عنها خلال مؤتمر صحفي، يُعدُّ الأول من نوعه من حيث الشفافية والصراحة والنقد الذاتي، أشارت إلى تراجع نسبة الالتزام الديني لدى غالبية الشعب الإيراني وخاصة الشباب حيث تجاوزت نسبة غير المصلين الثمانين بالمائة، وتجاوزت نسبة الإباحية الجنسية الستين بالمائة، وبلغت نسبة المدمنين على المخدرات عشرين بالمائة، وهي أرقام مرعبة حقا في مجتمع إسلامي تحكمه حكومة دينية، وتسيطر فيه على وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون، ويوجد فيه حوالي نصف مليون رجل دين!

    ورغم أن الحكومة الإسلامية بذلت عناية فائقة في إعداد برامج دراسية دينية للأطفال منذ نشوئهم في المدارس الابتدائية وغيرها، إلا أن حصيلة تجربة عقدين من الزمن كانت ابتعاد الشباب والطلاب عن الدين بنسبة عالية جداً. كما قال أحمد الكاتب في بحثه (لماذا يتراجع الإيرانيون عن التزام الديني؟).

    من ناحية أخرى، يقول الكاتب الإيراني جاسم الحلوائي في سلسلة مقالات تحت عنوان (سنوات بين دمشق وطهران)، إن العواقب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لسيطرة رجال الدين على السلطة في إيران كثيرة، ومنها بعض المعطيات ذات الدلالة الهامة، وهي مستقاة من دراسة للدكتور أمان الله قرابي، الخبير الاجتماعي والأستاذ الجامعي، تتناول معالجة ظاهرة البغاء التي تشمل 300 ألف من بنات الشوارع في طهران وحدها، وتتراوح أعمارهن بين 11 إلى 18 عاماً. وفي الوقت الذي يؤكد فيه الباحث، بأن الظاهرة تشير إلى ضعف القيم الدينية في المجتمع ( في استطلاع أجرته الصحف الرسمية الإيرانية، تبين أن 85% ممن ولدوا بعد الثورة لا يمارسون الشعائر الدينية)، إلا أنه يؤكد بأن أسباب الظاهرة اقتصادية بالأساس. فهناك أربعة ملايين عاطل عن العمل.

    والبلد بحاجة إلى مليون فرصة عمل جديدة سنويا، في حين إن ما يتحقق هو من 400 إلى 500 ألف فرصة. وتبلغ البطالة من 20 % إلى 27% في أوساط الخريجين. وهناك تسعة ملايين عازب وعزباء، بينهم 5.5 ملايين من العازبات. ويوجد خمسة ملايين مدمن مخدرات، ويعيش مليونان من سكان طهران في ضواحيها حياة بائسة (صحيفة "ميهن"، عدد 96، 2006).

    والعدالة التي ينادي بها رجال الدين ليلاً ونهاراً كانت نتيجتها، وهم في قيادة السلطة لأكثر من ربع قرن، زيادة الأغنياء غناً وزيادة الفقراء فقراً في إيران، حيث "يعيش أكثر من نصف الشعب الإيراني تحت خط الفقر، وتفتك البطالة بأكثر من عشرين بالمائة من الشعب الإيراني. ويتعاطى ثمانين بالمائة من الشعب الإيراني المخدرات، حسب آخر تقرير دولي نشر، كما ذكرنا سابقاً.

    إن الاتجاه الحامل للمشروع الحداثي مقصر في صراعه الفكري مع الأصولية، لأنها هي التي تمثل بمشروعها الديني العتيق والظلامي خطراً فعلياً على الإسلام. وهذا ما برهنت عليه التجارب الأصولية الثلاث الإيرانية، والسودانية، والأفغانية. فإيران الأصولية شجعت الإيرانيين على ترك المساجد خاوية حيث 75 ٪ من الشعب و86 ٪ من الطلبة تركوا الصلاة. وقد تكون الجمهورية الإسلامية أول دولة مسلمة تبيع المساجد المهجورة، فهل بعد هذا الإفلاس إفلاساً؟

    إن انتصار الأصولية في إيران، كان تدشيناً للعودة بالعالم الإسلامي إلى القرون الوسطى.

    والحال، أن معارضي ثورة 1979 الخمينية، لو كانوا منطقيين مع أنفسهم بما فيه الكفاية، لاعتبروا هذه الثورة خطوة حاسمة لتجاوز الإسلام التقليدي والأصولي للانتقال إلى الحداثة، تطبيقاً لمبدأ فلسفة التاريخ الهيجلية: "التجاوز شرط التحقيق".

    7- ما مستقبل الدول الإسلامية القائمة؟ وهل باستطاعتها الصمود نحو ما أسميته "المد العَلْماني"؟
    لقد سبق وأجبنا على هذا السؤال، وهو أن الدولة الدينية القائمة الآن في إيران وفي غزة، هي شرط من شروط تحقيق التجاوز إلى الدولة العَلْمانية كما سبق وقال الفيلسوف هيجل. فلا بُدَّ أن نمر بمرحلة الدولة الدينية لكي نتجاوزها إلى الدولة العَلْمانية. وأنا أنتظر بشوق كبير حكم حركة الإخوان المسلمين في مصر وغير مصر، لكي نستطيع تجاوز الدولة التي سيقيمونها إلى الدولة العَلْمانية وبدون ذلك فلن نحقق التجاوز المنشود.

    8- سؤالي الأخير، هناك من ينتقد شاكر النابلسي، ويوجه اليه انتقادات لاذعة، تخرج عن اللياقة في بعض الأحيان.. برأيك هل هذا النقد نابع من خصومة أم مقارعة وصراع للفكر العَلْماني؟

    الانتقادات التي تعتبرها لاذعة، هي أهون الشرور الأصولية. وهي أهون من الانتقادات الأصولية التي وُجهت إلى من هم قبلنا من الليبراليين. إقرأ ما قالته وما فعلته الأصولية بطه حسين، وعبد العزيز الثعالبي (مؤسس الحركة الوطنية بتونس)، ومنصور فهمي، وعلى عبد الرازق، وخالد محمد خالد، وفرج فوده، وحسين مروة، وفرح أنطون، وغيرهم. لقد أعدمت الأصولية السودانية بقيادة حسن الترابي المفكر الإسلامي محمود محمد طه عام 1985 في عهد "أمير المؤمنين" جعفر النميري، لأنه نفى إمكانية قيام دولة دينية، وقتلت الأصولية المصرية فرج فوده (صاحب الحقيقة الغائبة) عام 1992 ، بسبب مناظرة فكرية بينه وبين محمد عمارة في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، وأنكر فيها فوده إمكانية قيام الدولة الدينية. وحاولت الأصولية المصرية قتل نجيب محفوظ عام 1994. وحديثاً كفّرت الأصولية السعودية وطلبت محاكمة اثنين من الكتاب الليبراليين السعوديين (عبد الله العتيبي ويوسف أبا الخيل). إذن، فنحن في خير عميم الآن، إذا ما توقف العدوان الأصولي عند حد الشتم، والسباب البذيء، والاتهامات الباطلة فقط. والحال، أن هذه التصرفات كلها نتيجة لإفلاس الأصولية، وعدم مقدرتها على مقارعة الفكر بالفكر، لجهلها التام بواقع الفكر الإنساني المعاصر.
    فلا يوجد في العالم العربي رجل دين أو "فقيه" يستطيع الوقوف أمام مفكر أو فيلسوف شرقي أو غربي. ولقد طالب المفكر التونسي العفيف الأخضر الشيخ راشد الغنوشي الأمين العام لحركة "النهضة" الإسلامية التونسية بالحوار على إحدى الفضائيات، أو في قاعة من قاعات الجامعات، إلا أن الأخير رفض، خوفاً من انكشاف سطحية وتهافت الفكر الأصولي. والأصولية لا تردُّ على الفكر بالفكر، لأنه لا فكر لديها، ولكنها تردُّ على الفكر بالنار، والأحزمة الناسفة، وكاتم الصوت، والسياط، والسكين، والسيارات المفخخة، وبالسباب، والتكفير، وتُهم الإلحاد، وذلك أضعف الإيمان!

    عن آفاق



    http://www.akherkhabar.net/index.php?option=com_content...ew&id=1283&Itemid=31
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-18-2008, 04:00 AM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    مدرسة السقوط
    أو الأبناء الذين أكلوا ثورتهم
    بلى ياصديق ..
    عشنا وشفنا عصر الردّات وزمن الجزْر ، وسمعنا الثورات التى أكلت بنيها وجماعات تسرق الثورات ومدرسة " الشباب" المشاغبين ، والأبناء يأكلون ثورتهم و"أمّتهم" وأمَتهم ، ينتبذون بها زمكاناً قصياً ثم يغتابونها و"يصلبونها فى جميزة البنك" –حقوق محمد محى الدين- ثم يمشون فى جنازتها ..
    ألم يكتب ع.ع. أبراهيم الشهر المنصرم عدّة مقالات عن من ينعون ثورة اكتوبر ويسومونها الهوان؟؟

    دعنى أسوق محكيّتين كدليل أعتباطى ترويان عن تيار أو مدرسة تخوض مع الخائضين فى وحل الردّة أياه.

    مشهد تاج السر الحسن..

    كنا جماعة فى شتاء 1985 الحزين – كونه أخذ شهيد الفكر- فى معيّة أستاذنا الوارف الدكتور عبدالمحسن صالح (خضّرالله ضُراعه) فى منزله بمدينة أم درمان ، الصديق منيف عبدالباقى وبدرالدين (لا أذكر أن كان معنا الصديق كباشى ، أم اعتذر عن الحضور) وشخصى وكانت الدعوة أحتفاء بأربعتنا. وكان أن التحق بالدعوة باكرا الشاعر تاج السر الحسن ، شاعر آسيا وافريقيا (هل نشر تاج السر الحسن أيضا مع الشاعر الفذ على عبدالقيوم؟) . ولعلّ الصديق عبدالمحسن رأى أن يعرّفه بمجموعة يفتخر بتدريسها كما ذكر فى تلك الجلسة.
    المهم دار النقاش عن ساس يسوس والشعر والاكتوبريات ونميرى وأستوزاراته للنخب وسارع تاج السر بتأكيد الأشاعة التى سارت حينها بين الناس أنه كان مصطفى لأحد وزارات الثقافة وأن نميرى تحدّث معه حول نيّته فى استوزاره وكيف انه رفضها الخ..
    وحين أستبدّ بنا نخْب أكتوبر الميمون وسلافها و"فخر ذاك الجيل!" قلنا نكافئ لحظتنا سماع نشيد "آسيا وأفريقيا" من خشُم سيدو ...غير أن الخشم كان معتّتاً وصديدياً.. كان تاج السر يخرج مجموعة أوراق من جيب جلبابه بيدٍ ويمنع بيده الأخرى نسائم الحوش الذى نتوسطه من أطفاء نار الشمعة التى تتوسّط أحد التربيزتين بعد أن أنطفات الكهرباء. واصبح يعدنا بقراءة قصيدة "طازه" وحارّة كتبها من توّه . حلف بدينو وأيمانو الاّ يقرأ آسيا وأفريقيا لأنه ببساطه لن يتشرّف بقراءة تلك القصيدة الناشز. وكنا ، صديقى منيف وشخصى نكيل له كيلا يستحقّه جملة بعد اخرى حتى فاض الكيل .
    اقترحنا عليه ، والعواطف الأكتوبرية مجروحة تطلب ثأرا، بأن يدخّّل تلك القصيدة الدافئة فى موضع آخر. فلا شأن لنا بها ولاتلزمنا من بعيد أو قريب بعد أهاناته الشخصية لثورة أكتوبر، وأقتطفنا فى كيل غضبنا المضرى المستشرى بالطبع من"هام ذاك النهريستلهم حسنا" و"القيود اشتعلت جدلة عرس فى الأيادى" والقمح والتمنّى وكل جمايل ودالمكى الستينيّة المبذولة والتى التقطها ودالمكى بعدسة عقل حسّاسة وشفافه حينها.
    همّ تاج السر بأنصراف سريع حين أنسرف الكيل وأنفضّ السامر باكرا ونحن نطمّن أستاذنا على ما لا يد له به.

    و ..عبدالكريم الكابلى ....

    أظنه فى صيف 1998 حينما أستضافته الجالية السودانية فى تورنتو فى جلسة استماع تحدّث فيها عبدالكريم الكابلى عن ثقافة سودانية ون ويى one-way مستقيمة وعرجاء فى آن ، وغنى لها بالعود من الشمال والغرب والشرق كناية عن تعددها .. وضِمن السائلين أبتدرته متسائلا وفى البال أغنيته السياسية المسوّسة (هل من اغنية غير سياسيّة؟) "مسكين القمر" والتى كانت صدىً فنياً باهتا ورخيصا لنبيح كلب أذاعة أمدرمان (جركاس؟؟) الصباحى ضد معارضة الفنادق وكان أبناء الوسط العربسلاميين حينها يُخرَجون أفواجا من العمالة "للصالح العام" ويدخلون أفواجاً فى بيوت الأشباح ودم التنظيف العرقى فى جبال النوبة لما يجف بعد.
    كان يتبرّج فينا الكابلى متثقّفا ويختال وهو الذى يتقدّم أحتفالات الأنقاذ السنوية والتعبوية والجهادية.
    سألته : أين الكابلى الذى أمامنا من "هبّت الخرطوم فى جُنح الدجى ؟" وأينه من القابضين على الجمر من رفاقه محمد الأمين وابو عركى؟ وأينه من آسيا وأفريقيا و"باندونغ" والملايو وكل الكلمات والمشاهد الفنية السينمائية التى نستدعى بها نيم ثورة أكتوبر ومتاريسها وركوض الأقدام فى ساحة القصر وحقل النار (الواحة التى حضنت روح نصّار) ، روينا ورودتك دم ثوار، شتلنا فضاك هتاف أحرار، وشلنا الشهدا مشينا ونهتف ... الرصاص لن يثنينا.. ... الرصاص لن يثنينا.. شلنا تلك المشاهد معنا فى جميع المراحل الدراسية والمظاهرات وطبقناها فى انتفاضة "بيان بالعمل" – شكرا هاشم صديق الصمد –
    قلت له أينك من:
    "أى صوت زار بالأمس خيالى
    طاف بالقلب وغنى للكمال
    واشاع النور فى سود الليالى
    واذاع الطهر فى دنيا الجمال"
    واضح أننى قد افسدت على الجميع سعادتهم فهمو يصفّقون بين رده على بدون لباقه بين الزبد وقلّة الأدب والبلاغة حول حبّه للمراة السودانية والتغنّى لها وخلافه ، و"رفس" المايكرفون بيده التى كانت تلعب فى الفضاء بلا وجهة محددة وقال أنه لا يفخر بآسيا وافريقيا ولن يغنيها فهى من طيش الشباب وزمن الضياع .. وحين شعر مقدّم الجلسة بان وقار الكابلى قد ذهب طلب استراحة..

    فى زمن الأنحسار الأجتماعى الثقافى الكوكبى والمحلّى يتغرّب المنتج من حصاده والجسد من روحه الاّ من رحم ربى من ذوى الأفق البعيد.

    هذان دليلان جزافيان من كثير فى الخاطر فأصحاب الصمود والرفاق يولّون الأدبار واحد واحد - ترا أنحنا مسردبين فيها أبدا ان شاء الله .

    مودتى
    الفاضل الهاشمى

    http://sudaneseonline.com/forum/viewtopic.php?t=2042&post...8ad71d4dd16a8098de08
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-18-2008, 04:06 AM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    شغل" الكبار".

    الأخ محمد سيدأحمد
    تسألني لماذا سكت قلمي عن مؤاخذة عبد الله علي ابراهيم على ما اعتبرته في مقام التواطوء السياسي مع نظام الإنقاذ و على هجومه على قرنق و على محمود محمد طه بينما أنا آخذ على محمد المكي ابراهيم إنكاره لشعر شبابه؟
    قبل مباشرة الإجابة تلزمنا وقفة عند الإضمار الماثل في ثنايا العبارة: " مواقف كبارنا".فضمير الجماعة يغطي مجمل أعلام حركة الحداثة في السودان بدون فرز.أعني بدون فرز بين المبدعين( في حزب الفن) و الناشطين السياسيين ـ ولا يغيب على فطنتك أن حكاية " حزب الفن " دي دايرة ليها جكـّة براها فاصبر علي ـ.
    أقول : أن عبارتك " كبارنا" تبيّت إضمارا لا يفرز بين كبار مبدعينا و كبار ساستنا.و ربما أمكن تفسير غياب الفرز بتداخل الحدود بين الممارسة الإبداعية و الممارسة السياسية عند عدد من مبدعينا الذين يتعاطون السياسة و عدد من سياسيينا الذين عرّجوا على أرض الإبداع في لحظة من لحظات مسارهم السياسي ، ناهيك عن ميل المؤسسة السياسية الطبيعي للإنتفاع بالثقل الإعلامي للمبدعين حين تتبدّى فرص تكريسهم ـ بشكل أو بآخر ـ كأيقونات سياسية في مقام" شاعر الشعب" أو " فنان الأمة " أو " صوت الجماهير" إلخ.
    و اللبس بين" حزب الفن" و حزب السياسة باب كبير في كتاب التاريخ السياسي الحديث ، ربما لأن هذا التاريخ الذي تأسس ضمن ملابسات النضال ضد المستعمر، إنما انكتب في السودان بأقلام أشخاص كانوا يمارسون السياسة كنوع أدبي( رومانتيكي) مثلما كانوا يمارسون الخلق الأدبي كنوع سياسي ( طوباوي )فقبل" القيود" التي " اشتعلت جدلة عرس في الأيادي " كتب إدريس جمّاع في ديوان " لحظات باقية" عن طغيان الحاكم العام البريطاني الذي مسخ البلاد سجنا كبيرا للوطنيين:
    "
    طغى فأعدّ للأحرار سجنا و صيّر أرضنا سجنا مشاعا
    هما سجنان يتفقان معنى و يختلفان ضيقا و اتـّساعا ".

    إلى آخر كلام الشعراء لو كان لكلامات الشعراء آخر.
    ولو جاز لي القول بأن حركة العمل العام السياسي قد استفادت كثيرا من طاقة المبدعين الأدباء و حماسهم الوطني ، فمن الصعب الإقرار بالعكس.
    بل أن عادات الخلق الأدبي المنخرط طوعا في ضرورات العمل العام السياسي قد ساهمت ـ بطريقة أو بأخرى ـ في إفقار الممارسة الأدبية و حجبها عن التوغل في دروب المغامرة الوجودية للكاتب كذات ناطقة عن فرادة النفس المبدعة.
    ترى هل يصلح هذا الكلام كتفسير لكون أدباء السودان ظلوا ـ لأجيال ـ يحتفون بصيغة الـ " نحن" و يتجاهلون صيغة الـ " أنا" ؟
    هل يصلح هذا كتفسير لكون كتاب السودان ظلوا ـ لأجيال ـ ينطقون عن جسد الـ " أمة " الخيالي أدبا يحجب جسد " الزول" الفرد و يغمطه و يزدري به، بل و ينفيه من ملكوت الواقع الحي الحيوان؟
    و هل يمكن القول بأن كل هذا الإحتفاء المفرط بصورة الـ " نحن" المجيدة ما هو إلا مكيدة بائسة من طرف أولاد المسلمين للهرب من مواجهة شقاء صورة الـ "أنا" المقهور المسحوق المدمّم؟
    و هل يمكن تفسير حظوة كاتب كالطيب صالح بدون التأنـّي عند حساسيته الأدبية عند تقاطع نص الجسد و جسد النص؟ و بدون الإشاره إلى خروجه من مقام جسد نص الجماعة،الذي هو مقام نص جسد الجماعة الحضرية العربسلامية المتصلب المعسّم الذي" لا تملك الخمر لبه و لا يثقب سمعيه اليراع المثقّب"؟(البارودي)
    مندري؟
    لكن لو عدنا للتعارض بين حزب الفن و حزب السياسة ضمن المشهد السوداني للمسنا بسهولة أن أهل السياسة إنما يلجأون لأرض الفن حين تضيق بهم أرض السياسة أو حين تنبهم أمامهم دروبها. و الأمثلة كثيرة. فأكثرنا لم ينس لحظات القهر البوليسي الحالكة بين 1972و 1973 التي كابدها الديموقراطيون المتعاطفون مع الشيوعيين السودانيين.في تلك اللحظات انكمش كل حضور الأدب السياسي الواسع للحزب الشيوعي السوداني المستشري في المشهد العام منذ " ثورة اكتوبر 64، انكمش لبضعة وريقات تحوي كلمات محجوب شريف،كلمات شاعرات وقفن سدّا باسلا ضد طوفان البروباغاندا الإنتقامية التي غمرت الإعلام الرسمي و طالت بعض أعلام الأدب و الفن الغنائي و المشهدي و محقت كرامتهم و سحقتها سحقا في بعض الحالات. كان الناس يتناسخون كلمات محجوب شريف العنيدة تلك بحدب و يمرّرونها خلسة، من يد ليد، كمثل شمعة ممنوعة بأسها الرمزي مجدول من بساطة شكلها الشعري و من هشاشة وسيطها المادي، مرة منسوخة بالكربون و مرات منسوخة، بتضامن أكثر من يد، على ورق الدفاتر المدرسية الرخيص. و في منتصف السبعينات تبنّى الحزب الشيوعي استراتيجية إستغلال أشكال العمل العام المشروع لتنظيم المقاومة السياسية ضد نظام النميري. في ذلك الزمان لعب المبدعون الديموقراطيون المتحركون في مجالات الفن الغنائي و الفن التشكيلي و الأدب و المسرح دورا كبيرا في صيانة " جبهة" الإبداع بعيدا عن متناول أجهزة البروباغاندا المايوية.و قد جاءت وثيقة الحزب " نحو حساسية شيوعية تجاه الإبداع و المبدعين"، و التي صاغها قلم عبد الله علي ابراهيم( قومسير الحزب السياسي المتفرغ لـ " جبهة الأبداع")، جاءت تحمل تعريف الحزب الشيوعي للعلاقة مع المبدعين و لدور "جبهة الإبداع" ضمن مشهد العمل العام السياسي الذي يهيمن عليه
    " كساد الردّة".و قد توصّلت ورقة " نحو حساسية.." (في أبريل 1976)،و
    " بإطمئنان"، إلى الإقرار بأن " جبهة الأدب و الفن إجمالا ، تتخطى حاليا الإنعكاس الخصوصي للردة وسطها. فهي تبطل سياسيا مشروع الردة الديماغوغي الذي افترض، و ما يزال ،تطور هذه الجبهة في غير شروط الحرية..".و في الوثيقة توجيه للشيوعيين بمظاءرة المبدعين و دعمهم في وجه السلطة السياسية، بناءا على قولة ماركس: " الشعراء بحاجة إلى فيض إعزاز". و قد قرأت للصديق الفنان صلاح حسن عبد الله في موقع " سودان أرتيستس غاليري" أن الحزب الشيوعي أصدر جزءا ثانيا من و ثيقة " نحو حساسية" و أن الصديق الفنان أحمد البشير الماحي ساهم في إعداد جزء ثالث من نفس الوثيقة في الفترة التي غادر فيها عبد الله الحزب الشيوعي في نهاية السبعينات.

    و" إعزاز" المبدعين في منظور الحزب الشيوعي إنما ينبني ـ من جهة أولى (جهة لينينية) ـ على مبدأ العناية بـهذه الـ " جبهة" ذات المردود السياسي النوعي الثمين في بلد كالسودان، قدرة مبدعيه على بناء علاقة ثقة مع الناس تفوق بمراحل قدرة سياسييه. و من الجهة الثانية، فعناية الشيوعيين بالمبدعين و إعزازهم إنما تقوم على بداهة القربى العضوية لقوم تمخض عنهم رحم واحد هو رحم حركة اليسار في السودان.ذلك ان معظم الكتاب و الفنانين في حركة الثقافة الحديثة إنما شبّوا (و شابوا) في ظل الخطاب الطوباوي اليساري الذي استنبته الشيوعيون السودانيون و صانوا لبُعده المحلي جسورا و أنفاقا متنوعة مع حركات التحرر العالمية ،و هو حال تشهد عنه "حفريات" الذاكرة الديموقراطية في تجربة الشعب الذي ما زال يطرب لـ " تحية آسيا و أفريقيا"( و إن تملص عنها شاعرها و مغنيها كما روى الفاضل الهاشمي).
    إعزاز المبدعين ما هو إلا واحد من دروس العمل السياسي الحديث التي بذلها الشيوعيون السودانيون لحلفائهم، مثلما بذلوها لخصومهم، في المؤسسات السياسية السودانية.ورغم أن نظام النميري كان هو أول من ثبّت " إعزاز" المبدعين في أداء مؤسسات الدولة إلا أن نظام النميري لم ير في إعزاز الدولة للمبدعين أكثر من بُعد المكيدة السياسية ذات العائد السياسي السريع ، كون الدولة البوليسية تنتفع بالتكريم الدوري للمبدعين ، من جهة أولى، في ترميم التردّي اللاحق بصورتها كدولة ديكتاتورية عسكرية دموية، مثلما تنتفع بع، من جهة ثانية، في رشوة رموز الحركة الإبداعية بالأوسمة و الأنواط و العطايا و المناصب التي يجود بها رئيس الدولة بشكل دوري.ولم يغب على المبدعين السودانيين في عهد النميري أن النظام الذي كان يوسّمهم بأوسمته المدمّمة إنما يفعل ذلك لإختلاس شيئ من رصيد الإعزاز العفوي الطبيعي الذي يتمتعون به وسط السودانيين، مثلما لا يغيب علي المبدعين الذين تداهنهم مؤسسات نظام الإنقاذ الراهنة في هذه الأيام غاية الإستخدام الأداتي لرصيد شعبيتهم بين الجماهير.
    و سلطات نظام الإنقاذ ـ في نهاية تحليل ماـ لم تفعل أكثر من مواصلة تقليد مداهنة المبدعين الذي استنته سلطات نظام النميري.
    لكن " إعزاز " المبدعين لم يعد شأنا يخص المتربعين على سدة السلطة وحدهم، فالمعارضون في ساحة السياسة السودانية انتبهوا لضرورة مقاربة المبدعين و مخاطبتهم في الشأن الأبداعي كشأن إجتماعي ذي عواقب سياسية.و ليس من مثال أنصع من مثال الصادق المهدي الذي تجشم مشقة إجتراح " مشروع قومي للفن التشكيلي" في المنتدى الذي نظمته مؤسسة أروقة للثقافة و الفنون بالتعاون مع الإتحاد العام للتشكيليين السودانيين و جمعية التشكيليين السودانيين و المجلس القومي للثقافة و الفنون في 5 مارس عام 2003.و أنتباه مؤسسة سياسية تقليدية كحزب الأمة لحضور المبدعين في نسيج العمل العام السياسي يعبر عن نقلة نوعية جبارة في أسلوب عمل هذا الحزب الذي قيل أنه أشاح بوجهه متوجسا من طلب العضوية الذي قدمه محمد عبد الحي.تلك الواقعة ـ لو صحّت ـ فهي بلا شك حسرة مؤلمة لمحمد عبد الحي (افتحوا حراس سنار أبواب المدينة)، لكنها في منظور حزب الأمة
    " طبزة" سياسية كبرى.
    و في الورقة التي قدمها، يخاطب الصادق المهدي التشكيليين السودانيين" في موضوع مشروع قومي للفن التشكيلي في ظل مشروع ثقافي قومي للسودان" و يقول:
    "منذ حين تعاظم في ذهني ان نجاة السودان من التردّي رهينة بمولد ثان مبرّأ من عيوب المولد الأول. و في كتابي ".."[ الصادق المهدي، السودان و حقوق الإنسان، دار الأمين ـ القاهرة 99ـ ـ ترجمة عبد الرحمن الغالي"] تناولت شروط المولد الثاني في كافة المجالات.ههنا سوف أتناول الجانب الثقافي عموما و أركز على الفني منه.خطابي هذا المساء يقع في ثلاثة أقسام:
    القسم الأول : متعلق بمشروع قومي ثقافي.
    القسم الثاني:يتناول الشبهات حول الدين و الفن.
    القسم الثالث: يرسم الطريق نحو مشروع قومي للفن التشكيلي في ظل المشروع القومي الثقافي"( أنظر"جهنم" رقم 23 ـ أبريل 2004).
    و تفاكير الصادق المهدي تملك ان تتجاوز منطقة إعلان النوايا الطيبة و شبهة مداهنة المبدعين المهتمين بالتشكيل لو استطاع حزب الأمة ان يوفر لها الكوادر المبدعة التي تتولى تجذيرها في تربة الحوار الفكري الدائر بين السودانيين حول دور الإبداع في دفع أسئلة الديموقراطية و التنمية الإجتماعية في السودان.السؤال الذي لا يملك أحد الإجابة عليه حاليا،ـ و هو سؤال يتجاوز أهل حزب الأمة ليشمل كل القائمين على المنظمات السياسية السودانية ،هو: ما مصلحة السياسي الحالي في صيانة محل حقيقي للمبدع داخل الآلة السياسية السودانية ؟و لو شئت قل: ما مصلحة المبدع السوداني في مرافقة السياسي الذي لا يوليه اعتبارا إلا حين تستفحل الأزمة و تنبهم دروب السياسة فيصير في مكان حرج من الوزّة و يتوكّل و " يفتح خشم البقرة".أي و لله "خشم البقرة" فتحه نفر من أعلام السياسة السودانية و وجدوا فيه أبيات محمد عبدالحي الشهيرة في هويولوجيا التمازج و استغنوا بها عن قراءة بقية أثر الشاعر و تناسوا ان عبد الحي شاعر(" و الشعراء قليل") خارج حدود الفضاء السياسي لـ :" العودة إلى سنار"


    و قد جرّتني ملابسات المناقشة التي ثارت حول دعوة نظام الإنقاذ لعدد من أعلام الإبداع السوداني لفعاليات " الخرطوم عاصمة الثقافة العربية"، إلى الخوض في موضوع الفرق بين المبدع و السياسي ضمن مشهد العمل العام الذي يجمعهما.فقد أثارت تلبية الطيب صالح وابراهيم الصلحي ( و آخرين) لدعوة " هؤلاء الناس" حفائظ نفر واسع من مثقفي السودان المعارضين لنظام الإنقاذ، فاستهجنوا و استعاذوا و فيهم من عيّر الطيب صالح بالخيانة عديل. و في هذا السياق كتب عادل عبد العاطي، الناشط الشيوعي السابق ،متخذا هيئة من يدافع عن الطيب صالح ، بينما هو يصفي حساباته القديمة مع رفاق الأمس،كتب بأن الطيب صالح ليس وحده يحمل عار التواطوء مع " هؤلاء الناس"، لأن شخصية قيادية يسارية في وزن سكرتير الحزب الشيوعي قد انخرطت في زفة " الخرطوم عاصمة الثقافة العربية".و قد جاء عنوان بوست عبد العاطي في منابر الأسافير الآتي:
    :" ما رأي من جرّموا الطيب صالح؟ نُقُد في فعاليات عاصمة الثقافة".
    و قد علقت حينها على اللبس الماثل في عنوان عبد العاطي الذي يضع المبدع و السياسي في سلة واحدة.
    "و قد أدهشني وضع عادل عبد العاطي لكل من الطيب صالح و نقد في موضع المقارنة.و ذلك رغم أن عادل بخبرته السياسية و الادبية يعرف الفرق الكبير بين طبيعتي دوريهما.فالطيب صالح مبدع ينطق عن فرادة نفسه و أصالتها الوجودية، بينما نقد كادر سياسي ينطق عن ارادة المنظمة السياسية التي فوّضته. و لو مات نقد غدا فان منظمته السياسية ستفوض غيره ليواصل الحديث باسمها،اما لو مات الطيب صالح غدا فلن يكون هناك في الوجود من يمكن أن يواصل الحديث باسمه.و فرادة الطيب صالح حظوة ما بعدها حظوة كونها تخلّقت على قاعدة المصداقية الابداعية المجانية التي لا تأبه بالكسب المادي الشخصي (و التي لا يأبه بها أهل السياسة). و هذه الصفة تكسب سلوك المبدع ثقلا خاصا يميزه عن السياسيين من كل المشارب. و في هذا المنظور تتأسّس شرعية المبدعين كـ" أقلية ساحقة" في مواجهة السلطات السياسية و غير السياسية. وفي تحليل نهائي ما، يبدو لي أن الفرق بين الطيب صالح و نقد لا يغيب على فطنة عادل عبد العاطي ، و أغلب الظن أن الاخ عادل عبد العاطي قد سعى لاستخدام الطيب صالح لنيل بعض الكسب السياسي بالطعن في المصداقية الاخلاقية و السياسية لخصومه السياسيين في أرض اليسار السوداني الذي يمثله نقد. و الطيب صالح في هذا المشهد ليس سوى" شاشة" يسقط عليها خصوم السياسة السودانية حزازاتهم و تظلّماتهم أمام الجمهور الحاضر في الصالة بذريعة الطيب صالح.أو قل أن الطيب صالح يصبح رهينة يتخاطفها الخصوم السياسيون و يبتزّون باسمها عواطف الجمهور الاعزل من النقد ، كونهم استشعروا أن الجمهور قمين باتباع المدافعين عن رموزه الابداعية العزيزة كلما شعر بأن هناك خطرا يتهددهم .."(أنظر " دليل الفالح في استخدامات الطيب صالح"، سودانفورأول دوت أورغ).


    شغل الــمُـصانـِِع:
    محمد سيدأحمد،
    لنقفل، مؤقتا، قوس الأستطرادات في عواقب ضمير الجماعة الماثل في عبارتك " كبارنا"، و لنرجع لبقية الكلام في الفرق بين عبد الله علي ابراهيم و محمد المكي ابراهيم.
    لو رغبت في إجابة بسيطة لقلت لك أن الفرق بين عبد الله علي ابراهيم و محمد المكي ابراهيم هو أن عبد الله لم يكتب " امتي"(وقد"لا ينبغي له").و هذه ـ في نظري الضعيف ـ إشادة عالية بقدر" شاعرنا"ـ و لو شئت قل هي :" فيض إعزاز" عديل ـ و ذلك دون ان تكون إقلالا من شأن عبدالله السياسي.
    ذلك أن الشاعر ساحر يخلّق المعاني تخليقا من فرادة روحه و من قلقها الوجودي قبل أن يجود بها ـ و" الجود قطعا في الجلود" ـ للفقراء والغاوين و أبناء السبيل، أبناء الشعب، فتسكّن الأفئدة الملتاعة و أيهان.
    ذلك أن الشاعرـ " ذلك المحسن حيّاه الغمام" ـ يبرّنا بحياته حين يفتح صدره ليطعمنا من لحمه ويسقينا من دمه حتى تكون لنا( و لهُ) " حياة أبدية".
    ذلك أن الشاعر خارج معارض لكل الأنظمة السياسية و غير السياسية مثلما هو أيضا صنايعي مخترع خامته لغة موجودة بين اللغة المتاحة وتلك الكامنة في رحم المجهول ، لغة يعرف كيف يَئـِر لنارها في لحم الخاطر حتى يكون الدفء في القلوب اليتيمة فنحيا و نهزم الفقر بأي وسيلة و.. أيهات.
    محمد سيد أحمد،
    لو قبلت إجابة بسيطة فقل أن محمد المكي ابراهيم ( بتاع "أمتي") شاعر ـ " و الشعراء قليل" في نظر مولانا الأمين علي مدني ـ بينما عبد الله علي ابراهيم سياسي يتمتع بـ "حساسية شيوعية " تجاه الممارسة الشعرية. عبد الله ناشط سياسي "مساوم" و" مُصانِع"( و لو شئت ضف " مشاكس") من طينة الرجال البراغماتيين كبابكر بدري أو الشيخ أبوالقاسم أحمد هاشم أو " فيدل كاسترو" بينما محمد المكي ابراهيم شاعر من نسل الأمين علي مدني و" أرتور رامبو" و " شي غيفارا" و غيرهم من المجانين الذين لا يخافون الله و لا خليفة المهدي زاتو.و الشاعر بعشوم " مابوالف كان صغير ربّوه" كما تعبّر حكمة الأهالي.فماذا يا ترى أصاب "شاعرنا" شاعر" أمتي"(أمتنا؟) حتى استكان و نام هذه النومة الطويلة في دهاليز الشعر الدبلوماسي قبل أن يوقظه مرض بولا ،العملاق السوداني، و يذكّره بقيمة شعر " أمتي"؟..( أنا جاييك يا شقليني لحكاية الشعر الدبلوماسي بتاع ناس أدونيس و وزير الداخلية "الشيراكي" دومينيك دوفيلبان )
    المهم يازول
    محمد المكي ابراهيم (بتاع "أمتي" و أشياءا شيقة أخرى) شاعر " بلا قيد و لا شرط".و الشاعر " بلا قيد( و بلا أجندة خارج اجندة الكتابة الإبداعية) رجل مشاتر و " مجنون" ( جن الأمين علي مدني )، وشتارته غير مأمونة العواقب كونه ينساق وراء اللعب بالكلمات و لا يبالي بما قد يصيب أهل التشاشات في سوق النزاع السياسي.طبعا المشكلة مع الشاعر المجنون هي أنه لا يجد من يصدقه لو عن له أن يترك جنونه و يتلبس لبوس الرصانة. و الرصانة في الشاعر أشنع من السرج على الكلب.و يبدو ان جنون الشاعر هداه ـ في لحظة جذب ـ إلى الخوض في ماء الرصانة الذي يحيط بـ : "الفكر السوداني" فأوقعه ذلك في شر أعماله. بينما عبد الله علي ابراهيم، الذي أنفق عقدا من عمره" تحت الأرض"، متفرغا للعمل العام داخل المؤسسة الحزبية اللينينية، رجل سياسي لا يعرف اللعب إلى قلبه سبيلا. عبد الله سياسي يتوسل للعمل العام بوسيلة الباحث الأكاديمي و بحساسية الناشط اللينيني الذي يعجم أدواتهو يعرّف اولوياته و ينبري لا يلوي على غيرها.و عبدالله يقيم بيننا ضمن قلة من السياسيين السودانيين المتمكنين من وسيلة اللغة و العارفين بفنون القول .و هو لا يني ينقـّب ويقلّب صفحات المتاع الشعري صفحة صفحة و يفاوض الكلم كلمة كلمة بسبيل الوقوع على:
    "إفتح يا سمسم"...
    تلك الكلمة السحرية التي تسحر الجمهور و تفتح مغاليق الواقع السوداني.
    و في مساره الطويل خبر الرجل أكثر من كلمة سحرية ابتداءا من " يا عمال العالم و شعوبه المضطهدة اتحدوا" لـ " الصراع (الطبقي) بين المهدي و العلماء" ،مرورا بصيانة الهويولوجيا العربسلاميةفي مواجهة (أو في مقارنة مع) الهويولوجيا الأفريقانية، لغاية رد الإعتبار للميراث الحقوقي للقضاء الشرعي.و من الضروري التنويه إلى أن مسار عبد الله ـ و تقافزه ـ بين كلماته السحريات ارتهن دوما بالسعي الجاد لفهم و تحليل ملابسات الواقع السياسي السوداني من موقع المراقب و الباحث الميداني.و هذه ميزة لا تتوفر في الكثيرين من أهل الأدب السياسي في السودان.و لا عجب فعبد الله يرتاد أرض العمل العام السياسي دون أن ينسى أدوات الباحث الميداني مثلما هو يركّب نصوصه السياسية دون ان يهمل هم التعبير الأدبي "والتعبير نصف التجارة"كما جاء في الأثر .


    محمد سيدأحمد،
    لو قبلت بتعريفي لعبد الله كسياسي فذلك يجعلنا نحاكمه محاكمة السياسيين.
    و في هذا الأفق فـ " هجوم " عبد الله على قرنق أو على محمود محمد طه إنما ينطرح كحديث سياسي يخاطب خصومه السياسيين.و في هذا المشهد
    " السياسي" فأنت مطالب بتفصيل قولك لأبعد من مجرد تلك العبارة العجولة التي أطلقتها في حق عبد الله لمجرد أنه حضر مؤتمر الإنقاذ الأول أو كتب يدافع عن هوية العربسلاميين أو أيّد عمر البشير أو هاجم جون قرنق.و لعبد الله ـ و لغيره ـ الحق في تناول قولك بالنقد أو بالتأييد و كل حشاش يملا شبكتو.و في نهاية تحليلي أشك في أن عبدالله يحتاج لدفاع أو لتبرير يمكن أن يصدر من جهة غيره. فالرجل موجود في ساحة المناقشة السياسية كل يوم و هو يدافع عن اطروحاته بكفاءة يحسد عليها.و أنا شخصيا اتفق مع عبد الله في بعض تفاكيره و أختلف معه في بعضها الآخر. لكن شرح خلافي مع تفاكير عبدالله ـ السياسية (و الجمالية)، ومع تفاكير آخرين غيره، ليس في قائمة أولوياتي الراهنة.و لو كنت أنت يا صديقي مستعجلا على تصفية حساب عبدالله علي ابراهيم فدونك الرجل و نصوصه مبذولة لكل من يرغب في التصدي لها. و سننتفع جميعنا بكل نقد " بنـّام "(و هو النقد البنـّاء الهدّام) يطال تفاكير عبدالله المركبة، سيّما و أننا نقرا كل يوم في كلامات الحانقين على عبدالله من مختلف المشارب (و المآكل) نصوصا لا علاقة لها بالنقد ،ناهيك عن نصوص " أولاد العرب" الخارم بارم التي لا علاقة لها بـ"كلام العرب" و لا "كلام الطير" و لا حتى بأي كلام.


    قلت ان عبد الله سياسي، وبحكمة السياسي الواعي بقدر نفسه و العارف بسعة ماعونه توصّل لموقف المصانع المساوم كخيار سياسي، و هو موقف غير مريح فداحته ووعورته تملك أن تثني أشجع أبطال المسرح السياسي السوداني، إلا أن عبد الله الذي لا ينشد الراحة زاهد في منصب "أشجع أبطال المسرح السياسي"، و لو شئت الدقة لقلت بانه الأشجع بين ذلك النفر الذي يعرّف في التقليد المسرحيي بعبارة "ضد البطل"( "آنتي هيرو")
    Anti hero

    على صورة الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم، مؤسس معهد أمدرمان العلمي، الذي وقع عبد الله في سحر شخصيته الوطنية المغايرة و انتفع به ، كـ " ضد البطل" ، في التأسيس لمفهوم " نقد الذهن المعارض" ضد الصورة الأيقونية البسيطة للبطل الوطني التي لا تستغني عن صورة " الخائن الوطني".و إختصار التاريخ لمجرد " إذاعة ذكر الأبطال و تحقير الخونة" هو ، عند عبدالله زوغان عن " الشوف الشامل" في الظاهرة التاريخية.و " ادراك " الشوف الشامل"( و الحقوق محفوظة للشاعرة عائشة بت الملازمي) لا يكون بغير " ذكرى المصانعين" من نوع" ضد البطل" " ممن لن تكتمل معرفتنا بالأبطال بغيرهم، فضلا عن عدم جواز التاريخ ـ كعلم ـ إلا بهم" ( جريدة الصحافة 5 ـ 4 ـ 1980 أنظر " عبير الأمكنة " دار النسق 1988)


    .و أظن ان جذور موقف المصانعة عند عبد الله تعود لسنوات ما بعد أحداث يوليو الدامية التي تكشف للرجل فيها أن الحزب القوي المتجذر في تربة المجتمع السوداني، الحزب الذي صنع " ثورة أكتوبر" والذي كان الإعلام الغربي و العربي يوصّفه بصفة " أقوى حزب شيوعي في المنطقة" قد انمسخ بين يوم و ليلة دامية لحفنة من الناشطين المعزولين المطاردين المضطرين للحياة تحت الأرض.
    و لوكان لعبد الله أن يبقى في حصن المؤسسة الحزبية لبقي آمنا و لما كلفه ذلك جهدا.فهو كان يحتل منها موقع حظوة كمشرف على جبهة الثقافة في الزمن العصيب. و أغلب الظن انه كان سينمسخ إلى نوع من أيقونة لينينية للبطولة أو نوع من شيخ ثوري حكيم يحفظ تجارب الحزب و يوزّع النصائح للشباب الناهض مقابل آيات التبجيل و الرضاء العام و هو مرتاح في صدفة المؤسسة الحزبية.فالحزب درع عالي الكفاءة يحمي أهله كما الحصن الحصين.لكن عبد الله فضّل المخاطرة و المشاجرة مع خلق الله في العراء.و مرق للتلاف يناكف خصومه و يثير حفائظهم بأدواته النقدية الفتاكة و لا يوفـّر حتى حلفاء الآيديولوجيا و المتعاطفين معه من تقدميي الطبقة الوسطى " الهاربين " في الغابة من عسف الصحراء، فيتحرّش بهم،و يهجوهم هجاء غرائب الإبل و يزعزع طمأنينة الأعيان و الوجهاء بين عشائر التقدم، فكأنه يبذل الجهد الجهيد ليبقى مخلصا لموقف " شِقِتـّت" الشقي الذي " كان يمسح رجله بالزيت و يعرض للناس في "درب الترك" فإذا اتسخت بالغبار جعل ليلهم أظلم من سجم الدواك".(من "الإهداء" الذي صدّر به عبدالله كتابه الأول" الصراع بين المهدي و العلماء")


    اختار عبد الله " الشقي"، " حنك البليد البوم"، المخاطرة و المشاجرة في منطقة" المصانعة"و "المساومة" الحرجة و ظهره مكشوف للمؤججين من هواة الضربات السهلة بين رفاق الأمس الذين صاروا يصمونه بوصمة الخيانة و الإرتزاق و يكفنون في ثوبه "ميته" معارضتهم الطقوسية و هم في مأمن داخل حصن الرضاء الغوغائي العام.لكن "الفولة ابتمّلي و الفلاتة بجوا"،و ترجمتها في لغة " أولاد أمدرمان": الحساب ولد.
    أقول أن انخراط عبد الله في خيار المصانعة و المساومة قديم و سابق بسنين لمساومته و مصانعته مع نظام الإنقاذ.. فالمصانعة في الأصل موقف دفاعي.بل هي ـ في تجربة الحزب الشيوعي السوداني مكيدة استراتيجية أصيلة ، بدونها ما كان لهذا لحزب " الطليعي"(إقرأ : الصفوي) الصغير عدديا أن يبقى و يقيم على كل هذا البأس الرمزي الذي يتمتع به، " حدّادي مدّادي"، وسط قطاعات واسعة من السودانيين المتعاطفين مع أطروحاته دون ان يجرهم التعاطف للإنخراط في الحزب كعضوية منظمة. و ضمن استراتيجية الدفاع تمكن الشيوعيون السودانيون في أكثر من مناسبة ،من استثمار قوة خصومهم المهاجمين و تحريف إتجاهها و تملكها كوسيلة في رد الأذى السياسي عن جسم الحزب المعنوي و المادي.
    و في هذا يحفل ادب الحزب بلقيّات مقدّرات مثل رد فعل الشيوعيين السودانيين على الهجمة المركّبة التي كابدها الحزب، من داخله و من خارجه في نفس الوقت ، في منتصف الستينات، و القوم مازالوا سادرين في إجترار مجد الحزب بعد ثورة أكتوبر 1964.فقد فوجئ الشيوعيون السودانيون بحل الحزب الشيوعي المصري عام 1965 تحت تأثير الصعود الثوري للناصرية ضمن ملابسات الحرب الباردة.و قد ارتفعت أصوات تقدمية تتساءل عن ضرورة حزب طليعي ماركسي لينيني في مجتمع كمجتمع السودان.و برزت في تلك الظروف " الدعوة الى تكوين حزب اشتراكي و حل الحزب الشيوعي و دمجه في ذلك الحزب الذي ما زال في طور التكوين، و إنشاء تنظيم في داخله يسمى " القلب الثوري"(أنظر محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي 1999، ص 173)و في نفس الوقت تم استهداف وجود الحزب من خارجه فيما عرف ب" حديث الإفك في معهد المعلمين" ، حين وقف طالب، أعلن انه ماركسي ، في ندوة نظمتها جبهة الميثاق الإسلامي حول موضوع البغاء،" و قال إن الزنا كان يمارس في بيت الرسول".."و فجر الحديث مشاعر غاضبة وسط جمهور الطلبة " .." كما اصدرت رابطة الطلبة الشيوعيين بيانا وضحت فيه ان الطالب ليس عضوا في الحزب الشيوعي".."و يبدو أن الأحزاب السياسية قررت استغلال الحادثة لتصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي" (القدال، 153)
    و قد تميز رد فعل الشيوعيين على حادثة طالب معهد المعلمين(نوفمبر 1965) الذي استغلته الأحزاب اليمينية لحل الحزب و منع نشاطه و للتخلص من نواب الحزب في البرلمان.تميز بذكاء سياسي كبير،فقد قام الشيوعيون بتنظيم دفاعهم على محورين ، محور قانوني و محور سياسي. فعلى المستوى القانوني " رفع الحزب الشيوعي ثلاث قضايا دستورية، الأولى ضد تعديل الدستور ،و الثانية ضد قرار الحل، و الثالثة ضد طرد النواب. و أدى رفع القضايا الدستورية إلى نقل الأزمة من إطار التهريج باسم الدين و وضعها في حجمها السياسي" (القدال 159). و على المستوى السياسي تمكن الشيوعيون من أستنفار شبكة واسعة من الشخصيات و المنظمات و الهيئات الحزبية و النقابية، ليس للدفاع عن الحزب الشيوعي، و إنما للدفاع عن الديموقراطية.فانتشرت مسيرات الإحتجاج في مدن الأقاليم " و بلغت المسيرة في العاصمة 60 ألفا"( القدال 159).و قد استفاد الماركسيون المتمسكون بمفهوم الحزب اللينيني الطليعي من زخم التضامن الشعبي حول الحزب للتخلص من دعاوى خصومهم الذين كانوا ينادون بحل الحزب و دمجه في الحزب الإشتراكي الجديد.
    محمد سيدأحمد
    كما ترى فشجون الحديث عن دروس الحكمة الدفاعية للشيوعيين السودانيين طويلة، لكني لست بصدد بحث تراث " غريزة البقاء" في مشهد حزب الشيوعيين السودانيين، و إنما جرني لهذا الإستطراد إهتمامي بتقصي أصل مسلك المصانعة و المساومة عند قيادي شيوعي من عيار عبد الله علي ابراهيم.و أظن ان المصانعة عند عبدالله هي المرحلة الأولى من المساومة، فالمصانع شخص محاصر و ظهره للحائط و أولويته كسب الوقت الضروري لطرح مادة المساومة، و المساومة عملية تعليمية غايتها تفهيم الخصم القوي بمصلحته في الإبقاء على الخصم الأضعف.و على أثر المساومة تتم المفاوضة و هكذا.
    و قد استرعى انتباهنا فترة الصمت الطويل نسبيا الذي التزم به عبد الله أثر خروجه من الحزب الشيوعي في نهاية السبعينات .أذكر انني عند وصولي لفرنسا بعدها بحوالي عام سألني بولا: " و عبد الله عامل كيف؟" في معنى: عبد الله رأيه شنو؟ فقلت له شيئا مثل: عبد الله عامل ميّت..أعني ميتا كما الثعلب الذي يتظاهر بالموت حين يحس بالحصار يضيق عليه في مسد ضيق.و أظنها فترة تشاغل عبد الله فيها بشاغل البحث الأكاديمي و تراجع السياسي ليفسح المجال للباحث في الثقافة الشعبية و وقائع الشأن الثقافي العام.و أظن أن عبد الله قد بدأ ينظّر لمفهوم المعارض المساوم مع مطلع الثمانينات حيث أتاحت له الملابسات مسافة حرية مريحةفي التفكير و في التعبير باستقلال عن رفاق المؤسسة الحزبية التي هجرها و مسافة عمل عام مواتية بالنسبة لأجهزة النظام السياسي المايوي التي لم ينخرط فيها.كانت تلك أيام الثعلب المتظاهر بالموت و و العدو من ورائه و العدو أمامه.و لا أعرف بعد إن كان عبد الله قد ساوم ثمن مسافة الحرية التي حصل عليها من رفاق الأمس و كم دفع مقابل النجاة من طوائل " معارضة التأجيج و الفضح السياسي" ، فعبد الله لا يسهب في الحديث عن ملابسات خروجه من الحزب.لكنه بالمقابل لا يتردد في شرح و تبرير موقف المعارض المساوم الذي داوم عليه في ثمانينات عهد النميري و واصله في تسعينات عهد الإنقاذ.و هو شرح و تبرير موضوعه " نقد الذهن المعارض" كما جاء في عنوان مقدمته لـ " عبير الأمكنة".( الصادر عن دار النسق، 1988)
    كتب عبد الله عن مساهمته بالكتابة في صحف نظام النميري في 1980 ، و هي النصوص التي جمعها في كتابه " عبير الأمكنة"،
    "كتبت هذه الكلمات مساوما.
    كتبتها في صحيفة هي لسان حال الحزب الفردي الحاكم.. الإتحاد الإشتراكي سيء السمعة. و كانت المعارضة الرسمية لنميري لا ترى بشكل عام صواب الكتابة في مثل هذه الصحيفة لإلتزامها الحرفي بسياسة النظام " رضينا أم أبينا". و في هذا الموقف صواب كثير و خطل كثير أيضا. فالتزام الصحيفة بسياسة النظام و حجرها على كل نقد له مما لا يحتاج إلى بيان.غير أن هناك مساحة للحركة ما تزال و لا ينبغي ان تلغى جزافا. و لنتذكر ان الحركة الثقافية، الرازحة مثل غيرها تحت ترسانة القوانين المعادية للحريات ـ واصلت في الصحف المؤممة تطوير أفضل تقاليدها و هو الصفحات و الملاحق الثقافية و الأدبية".."و بهذا فقد كتبت هذه الكلمات في الحيز الذي سمح به النظام. بالأحرى كتبت هذه الكلمات في الحيز الذي يفرضه، بإطلاق، صدور صحيفة ما حتى على نظام موسوس مثل نظام نميري.
    و كتبت هذه الكلمات معارضا في المعاني التي ذكرتها آنفا. و هي معارضة قد استهون خبرها المعارضون المعتمدون لنظام نميري. و خطرها عندي أخطر لأن ثمارها عي الثمار المؤكدة التي نحملها معنا كتقليد فكري بعد زوال الطغيان لنستعين به في إعادة بناء الوطن في مثل الذي نحاول الآن.و هو تقليد يقوم على تنمية الحس بالملاحظة ، و النفاذ إلى الدقائق بالكشف المحيط للظاهرة للوقوف على نطاح الجدل فيها. و هذا التقليد شرط أول في معرفتنا بقسمات الوطن و اعلان باكر محبتنا له. و من شأن هذا الأداء الفكري أن ينزل بمعارضتنا من خفوق الشعار إلى رؤوس التفاصيل الشائكة الملهمة، و أن ينقلها من التباكي إلى الفعل. و سيغيرنا ذلك تغييرا كبيرا حين يحررنا من قلة الحيلة المستعان عليها بشراسة التعبير إلى التعبير المزلزل، المغير فالمنجز. و حينها تكون الكتابة شفاء في الوطن لا تشفيا منه".


    و لو تفحّصنا مصانعة عبد الله فهي محيرة حين ننظر إليها من مشهد المصانع الكلاسيكي الذي يلجأ للمصانعة كمكيدة تيسر " الفايدة" و الكسب الشخصي السريع.فهي مصانعة بلا فائدة ، مصانعة " حاصل فارغ". ذلك ان عبد الله الذي يعتبره بعض خصومه من " عملاء" نظام الإنقاذ لم يقبض ثمنا يليق بـ " عميل" من عياره الثقيل النادر.فهو لم يتول أي من تلك المناصب، ذات الفائدة، التي يتقاتل من أجلها بعض التقدميين السابقين ( ناس خالد المبارك و الشوش و منو و منو) ممن انبطحوا تماما أمام نظام الإنقاذ.و حتى طلبه بتصديق لاصدار صحيفة لم ينجح في الحصول عليه من سلطات نظام الإنقاذ. فما معنى هذه المصانعة التي لا تعود على صاحبها بأي منفعة مادية؟
    و لو تفحّصنا مساومة عبد الله فهي ليست مساومة الناطق الرسمي باسم مؤسسة جمعية حزبية أو عرقية أو دينية، إنها مساومة فرد ناطق بالأصالة عن ذاته ، لا بغرض الحصول على منافع فردية و إنما للحصول على شروط افضل لممارسة تكاليف العمل العام.و هذا الواقع يمسخ عبد الله لمقام ذلك الرجل الواحد الشجاع الذي يصنع أغلبية("إيميرسون" كان ما نخاف الكضب).و عبد الله بيننا رجل أغلبية،أو هو على اسوأ الفروض: " أقلية ساحقة".
    لكن صبر عبد الله الطويل على شبهات المصانعة و على وحشة المساومة ، ضمن مشهد السياسة الدامي، يحيرني و لا أجد له تفسيرا مقنعا.لماذا يعرض عبد الله نفسه لمكاره موقف " ضد البطل" و البيزنيس البطولي السهل في متناول يده في أي لحظة شاء؟
    هل يمكن تلخيص أمر عبدالله بأن المسألة برمتها ليست سوى تعبير ملتو عن مكابدات شاعر " مجنون" مُحبَط ضل طريقه إلى أرض السياسة ؟و هل انمسخ شاغل الشعر عند عبدالله، الشاعر السرّي ، إلى نوع من إنشغال سياسي عصابي يصعّد الممارسة السياسية لمقام الهاجس الشعري؟ مندري؟، لكن فضاء العمل العام السياسي كان سيفقد الكثير لو كان عبد الله قد استغنى بصناعة الشعر عن صناعة السياسة. و" رزق المساكين عند (الشعراء)المجانين" كما تعبّر حكمة شعبية من تحريفي.

    شغلنا كلنا


    http://sudaneseonline.com/forum/viewtopic.php?t=2042&post...8ad71d4dd16a8098de08
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-20-2008, 05:32 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الجزء الرابع والأخير 4-4
    بروفيسور عبدالله أحمد النعيم

    بروفيسور عبدالله أحمد النعيم يعتبر وجهاً مشرفاً للمفكرين السودانيين في المحافل الإقليمية والدولية، واستطاع ببحوثه وكتبه الفكرية القيمة حول الإسلام والمسلمين وحقوق الإنسان وقضايا التحرر الإنساني والقانون الدولي أن يقدِّم مساهمات ثرّة في الجدل الدائر منذ فترة عن هذه المواضيع الشاغلة للذهن الإسلامي بشكل خاص والإنساني بشكل عام. فوقاً عن ذلك أسهم النعيم في ترجمة بعض الكتب من الإنجليزية إلى العربية والعكس ولعل آخر اسهاماته في هذا المضمار نقله رواية البروفيسور فرانسيس دينق إلى قراء العربية »طائر الشؤم«.
    وفي المجال الأكاديمي، والذي استهل مشواره محاضراً في جامعة الخرطوم التي تخرج فيها، عمل بالعديد من الجامعات العربية والأفريقية والأوربية والأمريكية محاضراً واستاذاً زائراً. وظل على مدار العقدين الماضيين يسهم في مجال تخصصه »القانون الدولي« حيث يعمل الآن استاذا للقانون بجامعة ايموري بالولايات المتحدة، وشارك بتقديم المحاضرات وأوراق العمل حول تلك القضايا الفكرية والسياسية التي إنشغل بإجلاء وجهة نظره حولها، وبالتوازي مع هذه المجهودات الأكاديمية الرفيعة شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية حول العالم وانصب عمق مشاركاته داخل الولايات المتحدة التي استقر بها. وبوصفه تلميذاً وفياً لأستاذه محمود محمد طه، والذي قدّم نفسه شهيداً في ميدان الفكر الديني والسياسي، لعب البروفيسور النعيم مع بعض تلاميذ آخرين للأستاذ دوراً مقدّراً في إبراز وتوضيح وتفسير مقولات مؤسس الفكر الجمهوري عبر العديد من الكتابات والندوات الثقافية. وأخيراً صدر للبروفيسور النعيم كتاب جديد حول العلمانية بالإنجليزية -وترجم إلى ثماني لغات- وصاحب هذا النشر تلبية لعدد من الدعوات لتوضيح الفكرة الاساسية للكتاب وقدم إلى منطقة واشنطن بدعوة من قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة جورج تاون وقدم محاضرة هناك، وأعقبها بأخرى أقامتها مدرسة الجالية السودانية بالميرلاند بالتعاون مع الجالية السودانية.
    (الصحافة) انتهزت فرصة وجود البروفيسور عبدالله أحمد النعيم وأجرت معه هذا الحوار الذي تطرّق لعدد من القضايا، فإلى الجزء الرابع والأخير منه:
    * قيم الليبرالية الغربية بدت في حالات تمدد أكبر في ظل التأثير السياسي والثقافي والاقتصادي للولايات المتحدة وأوروبا، هل تمثل هذه القيم التي أثبتت فاعليتها حتى داخل البلدان الشيوعية نهاية لتاريخ الصراع الانساني للبحث عن قيم للتعايش وهل تؤمن بتيئة هذه القيم على مستوى العالم الاسلامي، خصوصا حرية نقد الاديان وحمايتها وحماية حقوق المثليين وحرية اقامة المعابد الدينية؟
    ـ أولا لا اقبل أو ارفض المبادئ لانها غربية أو إسلامية أو لنسبتها لهذه الحضارة او تلك وإنما أدعم ما أراه حقا وأعارض ما أراه باطلا بغض النظر عن الجهة التي ينسب لها المبدأ.. وكذلك أرى أنه لدى البحث المتروي في أعماق التجارب الانسانية التاريخية والمعاصرة فإننا سنجد أن المبادئ المنسوبة اليوم للولايات المتحدة أو الغرب أو الشرق، الاسلام أو المسيحية أو غيرها من الاديان والفلسفات هي في الحقيقة خلاصة التجارب البشرية المتنوعة والمتفاعلة مع بعضها البعض في كل زمان ومكان.
    ومن هذا المنطلق فاني أقف مع حقوق الانسان والقانون الدولي مع العدل والسلام مع التنمية والعدالة الاجتماعية ، وكل ذلك من خلاصات التجارب البشرية، وليس بمقتضى نسبة هذه المبادئ لأي من المجتمعات الانسانية دون غيرها من المجتمعات . فحرية الاديان وحق النقد والتعبير هي من المبادئ الأصولية عندي كمسلم إلا أن هذه القيم غير مطلقة ولا تفهم وتمارس بمعزل عن السياق التاريخي . فحقوق الانسان هي ما اجمعت البشرية عليه من خلال حوار الثقافات والحوار الداخلي في كل مجتمع، ولكنها دائما مقيدة بحقوق الآخرين . فحرية الدين والمعتقد لاي شخص مقيدة بضرورة احترام حقوق الآخرين في الكرامة والمعتقد أيضا. والقول بأن الحرية الجنسية مثلا من حقوق الانسان لا يعني أنها كذلك لمجرد أن المجتمع الامريكي والاوربي طالب بذلك.
    فالمطالبة بهذا الحق وطريقة تعريفه وعلاقته بحقوق الانسان القائمة اليوم هو مجال للحوار والنقد حتى تقبله أو ترفضه المجتمعات الانسانية على مدار الكوكب. فإذا تم قبول الحق أو رفضه فذلك لإجماع الانسانية على هذا الحكم، وليس لأن المجتمعات المتقدمة ماديا قد قبلت هذا الحق وفرضته على باقي المجتمعات الاخرى. واضيف هنا أن الصراع الانساني والاختلاف هي الصفة اللازمة للطبيعة البشرية وستبقى كذلك حتى يوم القيامة فمن العبث والصلف القول بان الليبرالية الغربية هي نهاية التاريخ..فالصراع والاختلاف كان منذ بداية التاريخ وسيبقى بين البشر، وذلك قبل أن تكون هناك ولايات متحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو السعودية أو الصين وستكون بعد أن تنتهي كل هذه الدول وتزول حضاراتها...
    * كانت لديك تجربة في ترجمة أعمال للبروفيسر فرانسيس دينق..طائر الشؤم وخلافه، كيف تثمن فكر دينق وكيف تنظر لعمله الروائي داخل حقل الرواية الافريقية والسودانية..؟
    ـ أنا أكاديمي في مجال القانون بخاصة، ومعرفتي بالادب محدودة للغاية، كما أن معرفتي بفكر وأدب الدكتور فرانسيس دينق غير كافية بحال من الاحوال ..ولكن من حدود ما أعرف فإني أعتقد أن الدكتور دينق قد قدم مساهمات قيمة للغاية في مجالات القانون والانثربولوجيا ودراسات الهوية والسلام على المستوى الافريقي والسوداني بخاصة. ولعله من دواعي محن السودان المتواصلة بأن افكار خيرة ابناءه وبناته، مثل الدكتور فرانسيس دينق غير معروفة لدى غالبية المتعلمين السودانيين. وقد كانت ترجمتي لرواية «طائر الشؤم» محاولة مني في التعريف بفكر وأدب الدكتور دينق بين قراء العربية في السودان والمنطقة العربية عموما.
    * إذن ما هو الاستنتاج الذي خرجت به من قراءة ثم ترجمة رواية «طائر الشؤم»..؟
    ـ لقد حرصت على ترجمة رواية طائر الشؤم بخاصة لأنها تتعلق بجوهر صراع الهوية وأزمة القومية السودانية وهي قضايا مرتبطة بالحرب الأهلية في دارفور كما في الجنوب، فترجمتي لتلك الرواية كانت مساهمة في الحوار القومي السوداني وليس فقط لنقل ادب وفكر انساني إلى القارئ العربي والسوداني بخاصة.
    * اتفاقية نيفاشا مثلت منعطفا جديدا في واقع السودان وافرزت حقائق جيدة على مستوى العمل السياسي السوداني بإعتبارك خبير في مجال القانون كيف تقيمها ؟
    ـ لا أعتقد ان الاتفاقيات في حد ذاتها كافية لتغيير الواقع أو إفراز حقائق جديدة في العمل السياسي في اي مكان. فإذا وعيت القيادات السياسية وعرف عامة الشعب أن الحرب لا تجدي وانه لا بد من التفاوض والتعاون لتحقيق السلام الشامل والعادل وتواصلت هذه المعرفة والوعي مع إرادة التغيير فيمكن أن تقوم الاتفاقيات بدورها في توفير الاطار القانوني والمؤسسي للعمل المتواصل لتحقيق أهداف الاتفاق. فأنا كقانوني سوداني أرى اتفاقية نيفاشا كبداية ممكنة لتحقيق السلام في السوداني لكني أعرف أيضا ان هذا لا يكفي إذا لم يكن تعبيرا عن ارادة السلام لدى عامة الشعب السوداني ومحور العمل الدائب من جميع القيادات السياسية السودانية فالسؤال عندي هو ماذا فعلنا باتفاقية نيفاشا منذ ابرامها وكيف نواصل الجهد لجعل السلام حقيقة معاشة وليس مجرد امان في الحبر على الورق..؟
    * بدت أيران بخلفيتها الشيعية قوى جديدة في منطقة الشرق الأوسط وهناك تمدد للفكر الشيعي في البلدان الاسلامية ..هل سيكون الصراع في المستقبل بين الفكر السني والفكر الشيعي؟
    ـ كما سبق القول فإن الاختلاف هو سنة الله سبحانه وتعالى في البشر ولن ينتهي بحكم نصوص كثيرة في القرآن، وقد بدأ الاختلاف بين المسلمين يوم توفى النبي عليه الصلاة والسلام، ونتج عن ذلك ما يسمى بالجماعات الشيعية والسنية خلال قرون عديدة وفي مواقع مختلفة ..وقد تداولت هذه الجماعات الغلبة فيما بينها في مختلف انحاء العالم الاسلامي على مدى التاريخ، بما في ذلك بعض الدول كمصر وتونس المعروفة الآن بانها سنية والتي كانت الشيعة الاسماعيلية هي الغالبة فيها ايام الدولة الفاطمية في شمال افريقيا. وكذلك الحال في اليمن وانحاء من الجزيرة العربية، وفي إيران التي كانت غالبية اهلها من السنيين قبل أن تتحول إلى الشيعة الاثني عشرية.
    لذلك لا ينبغي الحكم على مستقبل المجتمعات الاسلامية بما عليه اليوم، وليس الامر هو غلبة فريق دون آخر، فهذا المنظور البسيط ـ مثل تمييز السودانيين بين الهلال والمريخ ـ لا يليق ولا ينطبق على القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات الاسلامية والانسانية جمعاء اليوم وفي المستقبل. فالسؤال عندي ماذا تفعل المجتمعات السنية بسنيتها وماذا تفعل المجتمعات الشيعية بشيعيتها في الماضي والحاضر وفي المستقبل..؟
    * ولكن كيف يتم وضع حد للخلافات المذهبية بين السنة والشيعة والتي أهدرت الكثير من الارواح والاموال وهل من الممكن تقديم مساهمة فكرية في هذا الجانب..؟
    ـ هناك خلافات عديدة وواضحة بين السنيين والشيعة من المسلمين كما توجد الخلافات بين قطاعات مختلفة في كل فريق، فمثلا نجد الشيعة الزيدية هم أقرب إلى السنينيين منهم إلى فرق شيعية أخرى، وفي هذا المجال فالمطلوب هو مواصلة الحوار الفقهي بين كل قطاعات المسلمين بطرق موضوعية وودية وسلمية فهذا ما كان بين هذه الجماعات في صدر الاسلام وما ينبغي أن يكون الحال الآن وفي المستقبل..إلا أن هذا الجانب الفقهي والفكري يختلف عن التنافس والتنازع بين هذه الدول في المنطقة العربية وعلاقتها بإيران وهذه صراعات سياسية حول مطامع الثروات والنفوذ السياسي تكون في مختلف المواقع وللعديد من الاسباب، وقد كان ذلك النوع من الصراع السياسي بين مصر والسعودية حول اليمن أيام عبد الناصر كما كان بين الكويت والعراق ايام صدام حسين وهذا يشير إلى الصيغة السياسية لهذه الصراعات أكثر من انطلاقها من الاختلاف العقائدي كما كان الصراع السياسي ولن ينتهي ذلك في الحاضر ولا المستقبل، فوحدة المسلمين لم تتحقق منذ أن إلتحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى.المهم هو تأسيس مبادئ الخلاف الموضوعي والتفاوض على الخلافات السياسية بدون اللجوء إلى العنف بدلا من التمني بالوحدة التي لم ولن تكون.
    سياسة التعريب والتعليم العالي كيف تنظر إليها بوصفك كنت محاضرا بجامعة الخرطوم؟
    لقد كانت سياسة التعريب كارثة كبرى على التعليم العالي في السودان لانها فرضت بطريقة عشوائية ومتسلطة في غياب الامكانيات والوسائل اللازمة لمعالجة القضايا التعليمية الكبرى..فما دام ظللنا في تبعية للغرب في مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والمجالات التقنية فلا بد لشبابنا من المقدرة على دراسة هذه المواد في اللغات الاوربية والتعامل مع الوسائل العلمية في البحث بتلك اللغات فالتعريب انما يكون بتنمية قدراتنا على انتاج المعرفة والمساهمة في تطوير العلوم وليس بقرارات فوقية عشوائية ومتعسفة ..محنة التعليم العالي في السودان هي أحد الخسائر الفادحة التي عانى منها السودان تحت وطأة الدولة الشمولية الدينية وأملي ان نكون قد وعينا هذا الدرس حتى لا ننكرر امثال هذه التجارب الهوجاء.
    * هل هناك مساهمات للفكر الامريكي الحديث في الاجابة على الاسئلة العالمية لفتت نظرك؟
    ـ لا أرى أن هناك فكر امريكي شامل ومتميز عن غيره من التيارات الفكرية في جماع الفكر والجهد البشري العام. فيمكن الاطلاع مثلا على انتاج المفكرين في مجالات الفلسفة والعلوم الاجتماعية أو غيرها من المجالات ومنهم من هو امريكي الجنسية أو ينتمي إلى غير ذلك من بلاد العالم ..ويمكن قياس تلك المساهمات بمعايير المجال العلمي نفسه وليس على أساس انتساب الباحث لهذا البلد أو ذاك.
    ولكن ما يمكن أن يقال في هذا المجال ان السؤال هو كيف توفر الظروف والمناخ الذي يعين على الانتاج الفكري والعلمي المتقدم وسنجد في ذلك أن الولايات المتحدة من انجح بلاد العالم في دعم وتطوير الابداع والعلمي بضمان الحريات العامة وتنمية الامكانيات المادية والمؤسسية لتنمية وتطوير المناهج الفكرية والعلمية. فأين نحن في السودان وباقي انحاء العالم الاسلامي من هذا المستوى وحقيقة الامر أن تخلفنا الراهن هو بسبب عجزنا عن معايشة قيم الاسلام في التسامح والتفكير العقلاني.
    * ولكن معظم تيارات الفكر الامريكي متواطئة مع المشاريع الامبريالية للولايات المتحدة..؟
    ـ اختلف معك في هذا الرأي فالفكر الامريكي يتنوع من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وكل المراحل والدرجات بين هذا وذاك. كما هناك من الفكر الامريكي ما خاطب ويخاطب قضايا التحرر ويناهض مشاريع الامبريالية العالمية وأعتقد كذلك أن البيئة الامريكية تساعد على وجود مفكرين وناقدين للتجربة التاريخية الامريكية بأكثر مما هو موجود وممكن في العالم الاسلامي عموما والمنطقة العربية بالتحديد..وهكذا فإني أختلف معك في كل اطراف السؤال المطروح..فغير صحيح أن جميع تيارات الفكر الامريكي متواطئة مع المشاريع الامبريالية. وغير صحيح أن الفكر الامريكي يفتقر للجانب النقدي والناقض للتجارب التاريخية إلا أننا لا نطلع على أغلب جوانب وانتاجات الفكر الامريكي إلا فيما يتعلق بالمنطقة العربية والصراع الفلسطيني الاسرائيلي أو المسائل الاسلامية عموما. وحتى في ذلك المجال الضيق نميل إلى ملاحظة ما يوافق رأينا ورؤيتنا للمسائل ولا نرى سعة وتنوع الانتاج الفكري الامريكي على حقيقته. وكذلك نتأثر بالعرض الاعلامي الضيق والمغرض ونعتمد على «FOXNEWS» و «CNN» و لا نشاهد «CSPAN» و « NPR»
    * هل يمثل المحافظون الجدد الذين نشطوا خلال إدارة الرئيس بوش مقابلا موضوعيا للاصولية الاسلاموية؟؟
    ـ من يسمون بالمحافظين الجدد أو الاصوليين هم تيارات فكرية وسياسية انتجتها ظروف موضوعية معينة في سياق تاريخي محدد. ولا اعتقد أنه من الممكن الحديث الموضوعي عن هذا التيار أو ذاك بأعتبارها ظواهر ثابتة ودائمة بل هي تيارات فكرية وسياسية ومؤقتة ومحدودة كما أن هناك تنوعا وخلافا بين مختلف اعضاء هذا التيار وذاك بحيث يصعب تصنيفهم جميعا بصورة قاطعة تميزهم عن غيرهم من المفكرين والناشطين ..فلا المحافظة هي وقف على المحافظين الجدد ولا الاصولية هي وقف على الاسلاميين ففي الليبراليين من هو محافظ في بعض المسائل وبين العلمانيين من هو اصولي في ضيق افقه وضعف فهمه للمسائل.
    * كان للاساذ محمود محمد طه مساهمة فكرية لحل أزمة الشرق الأوسط..إلى اي مدى يمكن التنبؤ بمستقبل هذه الازمة..؟
    ـ لقد أثبتت الاحداث بصورة قاطعة صحة وحكمة تحليلات ومقترحات الاستاذ محمود محمد طه حول قضية الشرق الاوسط ، وإذا إطلعنا اليوم على كتابات الاستاذ محمود حول هذه المسائل في منتصف الستينات من القرن العشرين فسنجدها نظرة مطلع على الاحداث اليوم وكأنها ماثلة أمامه. والمحزن في الامر أن الامور كانت ستنتهي إلى السلام العادل اليوم لو كانت النصيحة التي قدمها الاستاذ محمود قد وجدت القبول يوم أن قالها. ولكن لا يزال من الممكن إتباع تلك النصيحة والعمل بها لتخيف الضرر الذي وقع على القضية الفلسطينية وعموم حال الدول العربية.. وإذا لم يقبل العرب تلك النصيحة الحكيمة فسوف يواصلون في دفع الثمن الغالي وتبديد الجهد والارواح والاموال في مطاردة الاوهام والسراب. وأقول بضرورة الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها اليوم لتحقيق القدر الممكن من المكاسب للشعب الفلسطيني ثم الانصراف إلى إصلاح الحكم الديمقراطي والتنمية الشاملة ..فكما قال الاستاذ محمود منذ أكثر من ربع قرن فإن اسرائيل ليست المشكلة وإنما المشكلة هي أن العرب لا يزالون على قشور من الاسلام وقشور من الحضارة الغربية العلمية المادية . وقد قال الاستاذ محمود إن اسرائيل هي الكرباج الذي يقود العرب إلى الاسلام الصحيح الذي يربي النفوس ويصلح العقول ..فلنا أن نفهم حقيقة ما قال ونعمل به أو نواصل تحمل الهزائم والمهانة والمذلة بتبعيتنا العمياء للغرب حتى بين من يزعمون بعث الاسلام فينا..فالاستعمار لا يزال في العراق اليوم وسيبقى بصورة مختلفة في مختلف انحاء العالم الاسلامي ما دام بقينا نحن على قشور من الاسلام وقصور من الحضارة العلمية المادية ..هذا هو قولي في أمر مشكلة السرق الاوسط وجميع المشاكل الكبرى التي تواجه المجتمعات الاسلامية في كل مكان..
    * ولكن قد يقول قائل يا دكتور أن تأسيس اسرائيل تم بناء على الفكر الصهيوني لأرض الغير..فكيف يتم الاعتراف بها..؟
    ـ حقيقة وجود اسرائيل كدولة تعود إلي ظروف الحرب العالمية الثانية وانحسار الاستعمار في منطقة الشرق الاوسط مع نهاية الامبراطورية ونشأة الدول في هذه المنطقة فلم تكن الاردن موجودة قبل أن أن يخلقها الاستعمار البريطاني الذي شكل العراق وكذلك الاستعمار الفرنسي الذي انتج لبنان وسوريا فإذا أمكن مراجعة بدايات دولة اسرائيل وفكرة تأسيسها فإن ذلك ينطبق على جميع دول المنطقة العربية أيضا.
    وإسرائيل الآن دولة ذات سيادة دولية وعضو في الامم المتحدة ومعترف بها من جميع دول العالم ما عدا بعض قليل من الدول العربية ..حتى بين الدول العربية اليوم فليس هناك أدنى شك في قبولها جميعها لوجود اسرائيل وحقها في البقاء كدولة مستقلة ذات سيادة فالقول بعدم الاعتراف بإسرائيل هو مغالطة وعناء طفولي لا يخدم القضية الفلسطينية ولا قضايا التحرر والاستقرار في المنطقة العربية عموما. فالسياسة الحكيمة هي التعامل مع الواقع كما هو بدلا من الاسترسال في الاحلام والاماني أن يكون الحال كما نرجو وليس كما هو حقيقة على الارض.
    صحيح أن الدول الغربية تتعاطف مع حق اسرائيل أكثر مما تفعل مع حقوق الفلسطينيين وهذا أمر يعود إلى عدد من العوامل والاسباب منها الشعور بالذنب لما حدث لليهود ومنها كذلك مقدرة اسرائيل على تقديم نفسها كحليف موثوق به للدول الغربية في المنطقة العربية، والسؤال عندي هو لماذا تنتظر من الدول الغربية الاستعمارية نصرة القضية الفلسطينية ..؟ لقد ناصبت الدول الاوربية العداء للعرب والمسلمين منذ وقت طويل وغزت واستعمرت الدول العربية وكذلك فعلت الولايات المتحدة ولا تزال تفعل اليوم في العراق ومع كل هذا لما نستغرب اضاعة العالم الغربي لحقوق الفلسطينيين ولماذا تنتظر الدول الغربية غير ذلك...؟ وأهم سؤال عندي هو ماذا نفعل نحن العرب والمسلمين في نصرة القضية الفلسطينية وحفظ حقوق الفلسطينيين..جميع الدول العربية اليوم، جميعها وكل واحدة منها معتمدة تماما على الغرب في اقتصادها وفي تسليح وتدريب وتأهيل اقتصادها وفي تسليح وتدريب قواتها المسلحة. هل ننتظر من الغرب أن يمكننا من هزيمة اسرائيل وازالتها حتى نقيم دولة فلسطين الحرة..؟ هذا لن يكون ونحن أضعف من تغيير هذا الواقع ومع ذلك نخدع انفسنا بالاماني الساذجة.

    http://www.alsahafa.sd/News_view.aspx?id=48532
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-20-2008, 05:39 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    مع اقتراب الانتخابات..
    العمل الجبهوي ومحطات التحالفات السياسية
    عداد: عمرو شعبان صالح

    تعتبر ظاهرة التحالفات السياسية في الساحة السودانية من أبرز الظواهر وأكثرها انتشاراً وتمتلك رصيداً تاريخياً يكاد يكون مقارباً لتاريخ تكوين الدولة السودانية الحديثة، وهو ما يجعلها ظاهرة جاذبة للإنتباه في سياق التجربة الوطنية السودانية ومن الملاحظ أن أدب التحالفات والعمل الجبهوي، كان ينشط في فترات مصادرة الديمقراطية كتعبير عن وحدة العمل المعارض في مواجهة الأنظمة الحاكمة وبنيتها الأحادية مما يقود للقول إن ظاهرة التحالفات السياسية السودانية مثّلت وما زالت، قمة النضج السياسي في الحزبية السودانية، ولعل أبرز نموذج لهذه التحالفات «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي ضم معظم ألوان الطيف السياسي السوداني ومؤسسات المجتمع المدني السودانية ونقاباته، كل هذا الزخم فتح الشهيّة في محاولة لسبر أغوار هذه الظاهرة في خضم بحر السياسة المتلاطم الأمواج بفعل المتغيّرات المحلية والإقليمية والدولية وما تلقيه من ظلال على هذه الظاهرة ومحاولة استنتاج حول التحالفات المستقبلية لوطننا الذي لا تزال سفينة استقراره تبحث عن معادلة حلٍّ مع أمواج الواقع المتمرِّدة.
    في ظل أسئلة حول الملامح التاريخية لهذه الظاهرة ومدى نجاحها، حملت «الصحافة» أسئلتها وراحت تبحث واستهدفت أعضاء أحزاب سياسية وناشطين ومهتمين فكانت الحصيلة:
    ? المهندس هيثم جمع الله- المكتب السياسي- الحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري:
    هنالك دوماً سؤال يفرض نفسه عند الحديث عن التحالفات السياسية: هل هي غاية في حدِّ ذاتها أم وسيلة لتحقيق الحد الأدنى أو إيجاد الحد الأدنى من حلول مشتركة لقضايا الوطن؟ أي هل هي رغبة جامحة فقط في التحالفات وهواية أم العكس؟ إن الإجابة في اعتقادي تمثل مدخلاً مناسباً لتفكيك هذه الظاهرة في السياسة السودانية.
    فإذا نظرنا لتاريخ التحالفات القائمة في السياسة السودانية، نجدها تعبِّر عن غاية في ذاتها لتحقيق مآرب المكونين لها، أي التحالفات. وليس لأهداف التحالف المتمثِّلة في برنامج الحد الأدنى والذي يمثّل أيضاً مساهمة المكونين له عبر حوار داخلي عميق وديمقراطي أي تحقق أهداف لا تمثّل ما تواضع عليه التحالف ككل. والدليل، أن كثيراً من التحالفات تتصدّع وتنقسم بمجرّد أن يلوح في الأفق كرسي السلطة، وهذا دليل واضح على غايته -التحالف- الذاتية، والأمثلة على ذلك تتعدد.
    ? إذاً، هل ينطبق هذا على التجمع الوطني الديمقراطي؟
    = التجمع الوطني، تجمع قوى الانتفاضة، تحالف الجبهة الوطنية... إلخ، فتحالف الجبهة الوطنية أفضى للمصالحة مع النميري، ودخل الاتحاد الاشتراكي، برغم وجود قوى في الاتحاد الاشتراكي لها رأي في الاشتراكية نفسها. لكنها رأت أن الدخول يحقق مصالحها وأهدافها فدافعوا عنها، وانقلبوا عليها عندما تبدّلت مصالحهم وعادوا في أوقات أخرى وكفّروها -أي الاشتراكية-، كذلك تحالف قوى الانتفاضة، لم يستفد من التحالف السابق له المتمثّل في الجبهة الوطنية لذا تكررت الأخطاء برغم تحقق الهدف الظاهر بسقوط نميري، ويبقى الهدف الخفي المتجدد دوماً وهو الصراع على السلطة. ولكن هذه المرّة عبر الانتخابات وبالوصول للكراسي عادت الكرة. ائتلافات داخلية تعضد التمسك بكراسي السلطة فيتم لفظ البعض وانقلاب على الشرعية، وهكذا استمرت الدائرة المفزعة المعروفة في السياسة السودانية، تحالف جديد ضد الشمولية ينشد الحرية ثم ينقلب أصحابها عليها. وينشدون العدالة وهم أبعد ما يكونون عنها. والدليل على ذلك أن هناك تحالفاً قام من أجل اسقاط نظام شمولي ثم فاوضوا ثم دخلوا في السلطة فرادى، وعضّدوا مواقفهم في السلطة، أي أن النظام الشمولي والذي كان قيام هذا التحالف رد فعل على انقلابه على الشرعية الديمقراطية أصبح أولئك شركاء له في السلطة وهكذا.
    وما يدهش في الأمر أن هنالك أحزاباً تشارك في السلطة وتتحالف في المعارضة لاسقاط نفس السلطة التي تشارك فيها في الوقت ذاته، وهذا يعني بالتأكيد تضاربا في الأهداف وفي المفاهيم وفي الوسائل، وهذا إن دلَّ فإنه يدل على تخلّف القوى السياسية وعدم المنهجية العلمية في قراءة الواقع قراءة صحيحة وبالتالي وضع الحلول الصحيحة للمشكلات.
    ? في تقديرك ما هو الحل من أجل الوصول لصيغ تحالفية سليمة، خصوصاً وأن الانتخابات قد اقتربت كثيراً؟
    = في تقديري أن الحل للخروج بصيغ تحالفية سليمة تمثل استجابة لمطلوبات الواقع في ظل تقارب للرؤى السياسية بين أحزاب سياسية، يتمثّل هذا الحل في الجنوح نحو العلمية كصفة ملازمة للتطوّر نحو الأفضل في إطار النظر لكل المشكلات السياسية من أجل الاستفادة من الأخطاء السابقة. مع ذلك أعتقد أن مسألة التحالفات هي جزء من عملية الجدل الاجتماعي والذي يمثّل قانون تطوّر المجتمعات في الاشتراك في معرفة المشكلة ووضع الحلول وتنفيذ هذه الحلول، بالعمل وهذا لن يتأتى إلا في ظل واقع ديمقراطي داخل التحالف نفسه بإبداء الرأي بحرية والمساهمة في تنفيذ الحل برغبة صادقة وأكيدة تحرّكها الدوافع الوطنية أو الإرادة الوطنية الصادقة.
    الأستاذ الكاتب الصحفي بالزميلة الأيام تاج السر مكي:
    أشهر تحالف في تاريخ السياسة السودانية الحديثة هو تحالف الاستقلاليين في الجبهة المعادية للاستعمار الذي ضم الحزب الشيوعي وحزب الأمة والحزب الجمهوري، وما تجدر الإشارة إليه أن الحزب الجمهوري الاشتراكي يختلّف عن الحزب الجمهوري أو الجمهوريين، فالحزب الجمهوري الاشتراكي نشأ من زعماء القبائل، وكان هؤلاء بمثابة أول تحالف سياسي في مواجهة الاتحاديين. وعموماً داخل الجبهة هناك أحاديث كثيرة.. حيث تحدّث حزب الأمة عن تكوين علاقة خاصة مع الإنجليز والاستقلال على شاكلة «الكمنولث» على غير موقف الشيوعيين، وحزب محمود محمد طه الذي تحدّث عن استقلال مطلق. انتهت هذه الجبهة بمجرّد إعلان الاستقلال وعلى العكس، أصبح الحزب الشيوعي أقرب للاتحاديين والجمهوريين، وأصبح موقفهم مستقلاً، وداخل الاتحادي الديمقراطي الذي نشأ من طائفة الختمية ودعاة الاتحاد مع مصر بما فيهم الأبروفيون، والذي يمكن تصنيفهم مجموعة من نخبة مثقفة، متأثرين بالاتجاهات الغابية، وأصبح في النهاية حزب الشعب والاتحادي الديمقراطي، ولا يمكن قول ذلك على حزب الأمة، برغم تكوينه التكنوقراط والأنصار، ولتكوينه تمت مخاطبة السيد عبد الرحمن المهدي وعبد الله خليل والشنقيطي وغيرهم، وتكون حزب الأمة بشرط أن يكون على رأسه صديق المهدي وعبد الله خليل، وأخيراً محمد أحمد المحجوب.
    كذلك في عام 1956م تحالف حزب الأمة مع حزب الشعب الديمقراطي، وتكوّن ما يسمى «بحكومة السيدين» واستمرت حتى انقلاب نوفمبر 1958م. ويبدو أنه تحالف للوصول للسلطة وليس له أساس برنامجي لأنه بمجرّد استيلاء العسكريين على السلطة، جاء ما يشبه التأييد من السيد عبد الرحمن والسيد علي وسرعان ما حدثت الخصومة عندما تم اعتقال القيادات السياسية في حزب الأمة وحبسهم ومنهم عبد الله خليل، نقد الله، أحمد سليمان، عبد الخالق محجوب، أزهري وشاخور مشجع المريخ. والحديث عن 1958م مرتبط كما قال عبود بالتعليمات التي جاءته من وزير الدفاع، أي أن هناك اتهاماً عاماً أن الإنقلاب تسبب فيه حزب الأمة لأن تحالفه مع الشعب كان مهدداً بالانهيار، وعلى الرغم من انتهاء العلاقة بين الانقلاب وحزب الأمة إلا أن الشعب أيَّد بوثيقة شهيرة «كرام المواطنين» وموقعة بعدد كبير من القيادات متوهمين أن انقلاب عبود شبيه بعبد الناصر خاصة في حماسة الانقلاب لتعريب الجنوب وأسلمته.
    عموماً، في أثناء فترة الحكم العسكري كانت هنالك جبهة عريضة ضمت الاتحاديين والشيوعيين وحزب الأمة، لكنها لم تستمر، فقامت أكتوبر 1964م وتحالف الحزب الشيوعي مع حزب الشعب، وبصفة عامة فإن الخلاف الرئيسي بين حزب الأمة وحزب الشعب كان هو قبول المعونة الأميركية، كذلك كانت هناك العديد من التحالفات أبرزها التجمع الاشتراكي الديمقراطي كذلك الاتحاد النسائي واتحاد المزارعين واتحاد العمال، ولم يتم الاستفادة من هذه التحالفات بسبب مقاطعة حزب الشعب للانتخابات، ولكن هنالك كيانات وتحالفات على شاكلة تحالف الشيوعيين والديمقراطيين والذي برز في جامعة الخرطوم وعرف باسم «الجبهة الديمقراطية»، وقبل ذلك برز في الجبهة المعادية للاستعمار، كذلك نشأ تحالف بعد حلّ الحزب الشيوعي وتكوين جبهة الدفاع عن الديمقراطية وانضمت لها أحزاب صغيرة وكيانات وجمعيات وتنظيمات مستقلة، وشرائح من الحزب الاتحادي الديمقراطي، لكنها لم تشكِّل كياناً مستقلاً لعدم وجود برنامج سوى القضية المحددة قضية الدفاع عن الديمقراطية، كذلك تكوّنت جبهة الهيئات وهو تحالف بين النقابات، بعد ذلك جاءت فترة ما بعد أكتوبر بدون تحالفات، وانقسم حزب الأمة إلى كيانين بقيادة الصادق المهدي، وكيان بقيادة الإمام الهادي، وكان سبب الخلاف حول دور الإمام السياسي، وتشكّلت تحالفات مؤقتة بين الاتحادي وبين الصادق المهدي، ثم بين الاتحاديين وبين حزب الأمة جناح الإمام من أجل تكوين الحكومة «ائتلاف»، في هذه الأثناء شرع في تكوين الحزب الاشتراكي في كيانات بسبب نشاط الحزب الشيوعي، وفكرته لم تستمر.
    من ثم قامت مايو، وتكوّنت تحالفات عديدة للمعارضة بين الأمة والاتحادي من تحالف الجزيرة أبا، أثناء وجود الشريف الهندي وجبهة الميثاق ثم كيانات متعددة باعتبار أنها ما يسمى الجبهة الوطنية، ولم يشارك فيها الحزب الشيوعي، وجاء انقلاب يوليو 1976م وأحداثه المعروفة، وبعد ذلك العديد من المناهضات السياسية العادية..
    وأخيراً تكوّن التجمع الوطني الديمقراطي، وهو تحالف يضم حزب الأمة والاتحادي والشيوعي والنقابات. وعلى ضوئه اندلعت الانتفاضة، وبعدها تم تحالف جزئي بين كل القوى السياسية في دائرة الخرطوم «الصحافة» لاسقاط حسن الترابي، وقد كان ذلك.
    في تقديري، أن أهم تحالف ضم القوى السياسية هو التجمع الوطني الذي تكوّن بعد انقلاب 1989م وهو الأهم لسبب بسيط لأنه اشتمل على مراجعة كاملة للنشاط السياسي في الفترة الديمقراطية، وأبرز عيوبها وهشاشتها، كما ولأنه ضم كتحالف لأول مرة حركة جنوبية شاملة، وكالعادة بدأ يتفتّت، وبرغم ذلك ترجع له القيادات السياسية من وقت لآخر. وآخر حديث قاله السيد الصادق في ندوة المفصولين وكان يتحدث عن نيفاشا، فقال «لقد أعددناها في مؤتمر القضايا المصيرية أسمرا، وهو المؤتمر الأساسي الذي نوقش فيه ماضي ومستقبل السودان، فالتحلل من اتفاقية نيفاشا يُعد تراجعاً كبيراً جداً.
    ? ألا ترى أن التجمع الوطني بوثيقته التاريخية والتي يقال إنها في خبر كان، يمثِّل نقطة تحوّل تاريخية في مسار التحالفات السياسية السودانية، مما يدفع في اتجاه المحافظة عليه ودفعه للعمل خصوصاً في ظل ظروف المرحلة الحالية، على أساس أنه يمثّل قمة النضج السياسي للعقل السياسي السوداني؟
    = أ. تاج السر مكي: التحالف في التجمع الوطني، وضعه مختلف، فقد أعاد السياسيين لمراجعة كل عملهم بل أعمالهم السياسية وغفلتهم تجاه التنوّع الكثيف في التقانات والمسائل العرفية والتهميش، وساعد في ذلك وجود الحركة الشعبية كجزء منه، وكذلك وجود تمثيل للجيش سواء «عبد العزيز خالد» أو القيادة الشرعية، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ السياسة السودانية. من ثم فإن قراءة التحالفات القادمة في تقديري هي تحالفات «مشاريع سياسية» أكثر من أن تكون تحالفات للحكم، أي أنضج بسبب أهمية المرحلة. وفي تقديري أن هنالك تحالفاً قد ينشأ بين الاتحادي وحزب الأمة، فقد أكثر السيد الصادق الحديث عن الوسط، وأرى من الممكن أن يستحوّذ على خانة اليمين الإسلامية، منفردين وأرى كذلك من الممكن أن يتحالف الحزب الشيوعي مع الحركة الشعبية، بالإضافة إلى أحزاب صغيرة تمثل اليسار عموماً، بالإضافة لحركة تحرير السودان «دارفور» وجبهة الشرق، ولكن ذلك رهين بشروط كثيرة تغيّر صورة هذه التحالفات.
    عموماً، ما زال الإسلاميون يراهنون على تحالف مع الحركة الشعبية اعتماداً على فكرة اقتسام السلطة والمسألة برمتها رهينة بالحراك السياسي القادم.
    د. حيدر ابراهيم- مدير مركز الدراسات السودانية:
    لا أرى مثل هذه الظاهرة في سياستنا السودانية، لغياب الحد الأدنى والمشترك، فعند الحديث عن أي ظاهرة في الدولة السودانية الحديثة، يمكننا أن نقسّمها إلى حقب الديمقراطية، وحقب الديكتاتورية أو العسكريات أو الشموليات. والشموليات يمكن تحديدها بفترات مختلفة، والديمقراطيات كذلك، فهناك ديمقراطية ما بعد الاستقلال والتي كان لها مهامها المختلفة. وديمقراطية أكتوبر وما بعد أكتوبر بمهامها المختلفة أيضاً، كذلك ديمقراطية ما بعد انتفاضة «مارس أبريل» 1985م بمهامها المغايرة.
    أما بخصوص التحالفات فأنا لا أرى تحالفات سياسية ذات وزن، باستثناء ما يحدث في الانتفاضات الشعبية، أي أن الشيء الذي يجمع الأحزاب هو موقفها ضد الديكتاتوريات لكن بعد سقوط الديكتاتوريات تعجز عن عمل برنامج يكون متوفراً فيها البديل، لذلك اكتوبر حدث لها ما حدث والانتفاضة في «مارس أبريل» كذلك حدث لها ما حدث.. إذاً، ليس هنالك تحالفات قائمة على برامج بل تكون على أساس شعارات، على شاكلة «لا لحكم الفرد» و«لن يحكمنا العسكر»... وهكذا، وهذا بالتأكيد لا يمثل تحالفاً، هذا يمثل عملاً تعبوياً وحشداً للناس فقط.
    عموماً، يمكن أن نتوقّع ما تسميه أنت تحالفات هي لن تكون تحالفات أيضاً، هي ستكون ضرورات خوض الانتخابات في شكل جبهات، هذا ما سيحدث، ولكن عندما نأتي إلى التحالف والذي أصر على الزامية قيامه على «برنامج حد أدنى» مكوّن من برنامجين أنت برنامجك فيه كذا، وأنا برنامجي فيه كذا، ونحن نلتقي في كذا، يمكن في هذه الحالة فقط قيام تحالف. وبشكل عام التحالفات أنا أضعها دوماً بين قوسين لأنني غير مقتنع بالمصطلح، فهي وقتية ومؤقتة وكثيراً ما يكون فيها قدر من الانتهازية لتجاوز مرحلة معينة معاً، ومن ثم ليس هنالك تحالفات بالمعنى الصحيح، فالأحزاب تعمل بالقطاعي، أو بسياسة رزق اليوم باليوم، وهذا ليس تجنياً على الأحزاب، وإلا ما كان حدث ما حدث، بالطبع التحالف الذي يؤمّل فيه هو تحالف اليسار، لأنه يمثل القوة الأساسية، والمفترض هذه القوى هي التي تبادر به إلا أن العكس هو دائماً ما يحدث، فهي تقف حجرة عثرة في طريق قيامه كالحزب الشيوعي فهو برغم رفعه لشعار «وحدة القوى الثورية» كما هو أكثر التنظيمات السياسية التي تتحدّث عن العمل الجبهوي، لكن في نفس الوقت هو أكثر القوى السياسية التي لم تحاول أن تنقل هذا الحديث من جانبه النظري إلى الجانب التطبيقي والعملي والواقعي. إن تحالف ووحدة اليسار هو تحالف مهم لأنه وليد كتلة كبيرة من الأحزاب الصغيرة والأفراد ومن التيارات ومن الأفكار والاتجاهات، وهو التحالف الذي نحتاجه فهو تحالف حقيقي وبرنامجه غائب، البرنامج المتضمّن للتنمية وللديمقراطية الحقيقية، والديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هذا هو الغائب عندنا الآن. فقد جرّبنا القوى السياسية والأحزاب فترات طويلة، وقد حكمت سواء فترة قصيرة أو طويلة، لكنها حكمت وهذا هو المهم، البرنامج الذي يحتاج أن يلتف الناس حوله والمراد تطبيقه، هو ما يسمى بالبرنامج الغائب، هو برنامج القوى الحديثة، برنامج التغيير، لأن السودان بعد «52» عاماً في حاجة حقيقية ليحدث فيه نوع من التغيير بمقومات ثلاثة ديمقراطية حقيقية وتنمية وسلام، لأن ذلك يقود لشكل من شكال الوحدة الوطنية التي يمكن من خلالها تكوين دولة وطنية حديثة، وهذا في اعتقادي الحلف الوحيد المطلوب وهو غائب حتى الآن.
    ? د. حيدر هل ينسحب ما قلته سابقاً عن التحالفات على التجمع الوطني الديمقراطي برغم ما حملته وثيقته التاريخية في مؤتمر القضايا المصيرية «أسمرا 1995م»، وما أكدته من نضج العقلية السياسية السودانية؟
    = د. حيدر: التجمع الوطني الديمقراطي دفن وثيقته وقتلها. وهو يمثل شكلاً من أشكال العجز السياسي الكامل، لأنه كان ينقصه المصداقية والجدية في التعامل مع الأطراف الأخرى، والتجمع تاريخياً يمثّل أحد سلبيات العمل السياسي المعارض حقيقة، ولقد كانت لديه الفرص الجيدة، وكان يمكن أن يكون معارضة وبديلاً للنظام في السودان، لكنه أكثر شكل مناقض للعمل الجبهوي لأنه كان عبارة عن قوى سياسية موجودة بجوار بعضها البعض، لكنها كانت متوازية غير مندمجة بحيث تكون لديها رؤية واضحة.
    أنا كشخص عاصرت التجمع الوطني لسنوات طويلة في القاهرة، فليس من الممكن أن يكون كياناً سياسياً وليس لديه مقر، وليس لديه صحيفة وليس لديه ميزانية، ولا عضوية.. كل ذلك غير موجود، لذا أنا أعتقد أنه كان أحد أوهام السياسة السودانية وللأسف أضاع من عمرنا أكثر من خمسة عشر عاماً وفي النهاية وجدناه موجوداً في البرلمان، وهذه فرصة لتقديم التحيّة للأستاذ «علي محمود حسنين»، لأنه رفض أن يكون ديكوراً في برلمان لا يمثّل فيه شيئاً.. التجمع داخل البرلمان وموافق بهذا، بل ويشارك في احتفالات انقلاب الانقاذ، الذي كان يعمل ضده، كل ذلك بدون مقابل فالانقاذ لم تقدم تنازلات حقيقية، كما أن هنالك فَرقاً في أن تجعل هذه التنازلات حقاً أصيلاً لك أو أن تكون هبة يمكن لمانحها في أي لحظة أن ينتزعها منك. النظام يقول تحول ديمقراية، لكنه في أي لحظة يمكنه ضرب الصحافيين ويمكنه فصل الطلاب أي يمكنه أن يقوم بكل ما هو ضد مسألة التحول الديمقراطي لأنه أصلاً هبة، وبالتالي في أي لحظة له الحق في انتزاعها وسحبها، وواضح أن التجمع عاد بلا أسس ولم يعد يمثل قوى ضاغطة، والانقاذ تتعامل معه بازدراء شديد، وأنظر للطريقة التي يتعامل بها المجلس الوطني -على سبيل المثال- في موضوع الاستجوابات، عضوية التجمع أنفسهم يشتكون من ذلك، بالفعل كان التجمع الرديف للانقاذ وعليه يمكن أن نقول نحن كمعارضين عانينا من الانقاذ وعانينا أيضاً من التجمع لأنه ولّد في الناس قدراً كبيراً من الإحباط.
    ? أخيراً، د. حيدر.. ومن خلال الرحلة الطويلة لتاريخ التحالفات السياسية في السودان وعلى ضوء سلبياتها وايجابياتها هل يمكن استنتاج مؤشر علمي يمكن من خلاله قراءة قيام تحالفات مستقبلية في السودان؟
    = حقيقة، منحتني فرصة أن أسألك هل للسودان مستقبل؟ أي مستقبل يمكن أن تعنيه، هل الواقع الموجود اليوم يبشر بشيء اسمه مستقبل، لا يجب أن نكون خياليين، أي مستقبل لبلد اسمه السودان، هل هناك مستقبل لسودان موحّد بعد عمليات الخصخصة والرأسمالية الطفيلية الموجودة الآن؟ هل هناك مستقبل لاقتصاد سوداني يقوم بعملية تنمية وتوزيع عادل؟ هل هناك مستقبل لتعليم حقيقي ينتج إنساناً سودانياً مسلّحاً بالمعرفة وبأشكال التعليم التي نراها الآن في العالم، في ظل فقر ونسبة انحلال وايدز ومخدرات.. كل ذلك يتم تحت مشروع إسلامي حضاري يعني الأساس فيه اكمال مكارم الأخلاق؟! من هنا يمكنني القول إن الانقاذ مثّلت نهاية تاريخ الدولة والمجتمع السوداني. إن المستقبل في نظري كارثة ستقع في أي لحظة. ونحن في انتظار وقوعها، وليس في انتظار النجاة منها بل في انتظار وقوعها ثم بعد ذلك نتحدّث عن ما بعد الكارثة، وأي حديث عن أن الكارثة لن تحدث هو حديث هراء ومجرّد أضغاث أحلام، وبالتالي أنا لا أرى أي مستقبل للسودان في ظل ما نراه يومياً.
    الكاتب الصحفي الأستاذ الحاج وراق- الأمين العام السابق لحركة القوى الديمقراطية الحديثة (حق)، تحدث قائلاً:
    ظاهرة التحالفات ظاهرة قديمة في السودان وحتى الاستعمار في السودان، جاء على شكل تحالفات كذلك الثورات والدويلات التي قامت هي تحالفات كتحالف الفونج والعبدلاب، كذلك المهدية، حديثاً وجدت الجبهة الاستقلالية، والجبهة الاتحادية، وأسهمت هذه التحالفات في استقلال السودان، وبشكل عام فالنظم الديكتاتورية تصدّت لها تحالفات نظام عبود ونظام نميري وفي عهد الانقاذ نشأ التجمع الوطني الديمقراطي -كتحالف يضم معظم القوى السياسية، من ثم يمكن القول إن هناك تاريخاً للتحالفات في السودان، لكن أبرز عيوب هذه التحالفات أنها لم تصمد لانجاز مهامها التاريخية، فمثلاً التحالف القبلي في المهدية بعد الوصول للسلطة تصدّع، كذلك تبعثرت الأحزاب بعد تحقق الاستقلال، مما فتح الباب للانقلابات التي شهدتها السياسة السودانية، كذلك الجبهة الوطنية تصدّعت في فترة نميري، والتجمع أيضاً كان فيه العديد من المخاوف بين أطرافه.
    بشكل عام فإن التحالف يعد اتجاهاً رئيسياً في السياسة السودانية، كذلك الاتجاه للتبعثر أيضاً اتجاه رئيسي في السياسة السودانية.
    ? هل يمكن رسم ما يسمى بخارطة طريق للوصول لتحالفات نموذجية وناجحة في تحقيق أهدافها؟
    = الحاج وراق: يمكن القول بمبادئ أساسية تسهم في انجاح التحالفات:
    أولها: المراهنة على قضية حيوية من أجل الشعب، كتصفية الشمولية وتحقيق الاستقلال الوطني.
    ثانيها: أن يكون تحالفاً مبدئياً، بمعنى المتفق عليه معلن، والمختلف عليه معلن، والحدود بين المتفق عليه والمختلف عليه واضحة ومعلنة.
    ثالثها: الواجبات والمسؤوليات الواقعة على أطراف التحالف معلنة.
    رابعها: التعامل بأخلاقية لتحقيق أهداف التحالف المعلنة.
    خامسها: الديمقراطية في طرح القضايا ومناقشتها، وذلك يعد جزءاً من الشفافية، وقد كان ذلك أحد أسباب تبعثر التجمع.
    سادسها: أن يكون مفتوحاً لدى الشعب ليراقب أداءه وخلافاته ويراقب قيادته.
    إذا توافرت هذه الشروط يمكن للتحالفات أن تنجح، وإذا لم تتوفر فإن ذلك يقود للفشل والتبعثر، ويجب استيعاب أن أي تحالف يستبطن اختلافات في التقاليد التنظيمية المختلفة، وثقافة مختلفة، وآيديولوجية مختلفة، لذا يحتاج لسعة الأفق والصدر.
    عموماً، فإن التحالفات تطرح حالياً باعتبارها أحد أدوات تصفية الشمولية ولا يعني ذلك تصفية المؤتمر الوطني بل مصادرة وتصفية النهج الشمولي، ومن ثم فإن هذا ما يخيف المؤتمر الوطني في موضوع التحالفات، لذا تجده حريصاً على عدم قيام تحالفات في الساحة السياسية، ومن ثم فإن كان حريصاً على تحول سلمي وآمن، عليه أن يدرك ضرورة تصفية نهجه الشمولي والاحتكاري ويتوحّد مع التيار الرئيسي في السودان من أجل وحدته وأمنه وسلامته، وإذا كان المؤتمر الوطني يخاف من الإقصاء فعليه إذاً أن ينشيء قانوناً للانتخابات يقوم على التمثيل النسبي.. فذلك خير للبلد وله.. بذلك فقط يضمن وجوده.

    http://www.alsahafa.sd/News_view.aspx?id=48476
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-22-2008, 02:02 PM

Hani Abuelgasim

تاريخ التسجيل: 10-26-2003
مجموع المشاركات: 1103
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)

    أ. عبدالله عثمان

    تشكر على هذا المجهود المقدر أمضيت بعض الوقت أقرأ الاستطلاع في أول البوست، لاحظت أن معظم الفتيات اللواتي تم استلاطع آرائهن لا يعرفن عن الأستاذ شيئا وهو أمر مخيب ومحبط جدا.


    وأيضا شكرا لإيرادك الورقة التي أعددتهامنذ سنوات بعنوان مصرع القداسة على أعتاب السياسة ضمن توثيقك لما كتب عن الأستاذ محمود ولو ضمنيا ..
    Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-23-2008, 03:19 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: Hani Abuelgasim)



    مفاكرة الجمعة
    نحو نظرية جديدة للمعرفة
    الشيخ عمر الأمين أحمد
    اشكالية استلاف المصطلح للمرة الأخيرة ناقشنا فى حلقتنا الماضية إضاءات هامة ومفصلية حول عملية استلاف مصطلح (علم) ومصطلح (عقل)، فباينتنا غرابة تصريف كلمة (علم) على النماذج اللغوية الأوروية ـ كاللغة الإنجليزية مثلاً ـ إلا بعد إجراء عملية استبداله بآخر هو مصطلح (معرفة). فالمصطلح (علم) فى اللغة الإنجليزية لقيط يتيم الأبوين لا تعرف له اشتقاقات. فالكلمة الإنجليزية (ساينس) و تعنى (العلم) لا تسلك سلوك أختها الكلمة (نوليدج) ذات التصريف الإنجليزى الأصيل، فالفعل المضارع (نو) وترجمته (يعرف) يقع ضمن تصريف نستنتج منه أصالة هذا المصطلح فى اللغة الإنجليزية. أما المصطلح (ساينس) فلامضارع أو ماضى له فظهر ككلمة دخيلة على القوالب اللغوية الإنجليزية تحتاج لعملية توليف و ترقيع تخرجها تماماً من حظيرة المصطلحات ذات الأصل الإنجليزى الأصيل. و مما أراه محتاجاً للمزيد من التركيز، هو عودة على بدء التركيز المصطلحى ببذل المزيد من الشروحات مما سبق لى تنزيله فى مفاكرات سابقة بعنوان (أهى اسلامية للمعرفة أم اسلامية للعلم)، عالجت فيها شأن التفريق بين العلمى والمعرفى، وله فى هذه الأطروحة جيوب أخرى يتداعى فيها شأن التفريق بين مصطلحين آخرين هما (العقل والذهن). تعريفات ومصطلحات 1/ المعرفة : و نعنى بها ذلك الكم المتحصل من المعلومات المستخرجة من ممارسات الإنسان و معايشته مع المجتمع و مع الطبيعة . و أسلوبها الأساسى هو الإستنباط المعلوماتى عن طريق الإلتصاق بالطبيعة وبالمجتمع لمعالجة ذلك الكم المعلوماتى باختبارات عن طريق الصواب والخطأ . وتؤدى المعرفة فى أقل مقاديرها الى عدم تكرار الخطأ مرة أخرى. فى حين أنها إذا ما توفرت منها مقاديرغزيرة ومتنوعة ، فربما يؤدى ذلك الى تراكم ربما يؤدى الى نجاح فى انجاز مشاريع على درجة عالية من الكفاءة. و تعمل المعرفة وفق هذا الفهم فى مجموعة من الأبعاد منها البعد الفرى و يختص بالتجريب على نطاق الفرد بوصفه وحدة تحقيق معرفى ذات استقلالية تامة و محترمة من حيث سعة فى التجريب تختص بالمزاج والخيارات الفردية التى ربما لا تؤثر فى خيارت الجماعة بصورة مباشرة. ومنها كذلك أبعاد معرفية لمجموعات بشرية تتمايز باختلاف البيئة المجتمعية أو الطبيعية التى تعيش فيها. و يمكن ملاحظة تباين معرفى واضح مركب على هذه التمايزات فنقول : معرفة بدائية أو معرفة طفولية أو معرفة معاصرة أو معرفة عصرية. بل ويمكننا أن ننسبها الى أقليمية أو إثنية مثل أن نقول : معرفة هندية أو يمانية الخ من التمايزات ذات الخصوصية مما يمكن أن تتميز به أى من تلك المجموعات. ومنها كذلك أبعاداً معرفية عامة ومشاعة تختص بالتجريب على عموم البشرية نتيجة لأسباب مختلفة، ربما تكون لعوامل إقتصادية أو أخرى ثقافية. وتتحقق المعرفة فى كل هذه الأبعاد الثلاثة أعلاه بما يجعلنا نستل استلالاً مصطلح ( معرفة علمية ) رغبة فى أن لا نخلطه مع أى منها من أجل مزيد من التخصيص، فنعتبر العلم ــ رغم أنه معرفة فى نهاية أمره ــ فهو بالتأكيد معرفة ذات خصوصية و تفرد درجة القول باختلاف نوعى بينه وبين مطلق المعرفة درجة القول إنه كامل التحرر من البدائية و الطفولية أو الجهوية و التحضر الخ .. مما تتميز به المعرفة مما أسلفنا قوله. وسنبرزفيما يليه كيفية استلال مصطلح (علم) و خصوصيته وتمنعه على الذهن. 2/ العلم : ويمكن أن نعرفه تجاوزاً بأنه (معرفة). لكنها مميزة بكونها قد تم الثبت منها بأن تم اختبارها والبرهنة على صحة مقولاتها ومن ثم تعميمها كمعلومات صحيحة لا يلتبث إليها الشك ولا يعتورها خوف من الخطأ. والعلم وفق هذا الفهم واجب أمر تمييزه عن المعرفة فى التصاقها بالحيوى و الطبيعى . فالعلم بعد البرهنة على مقولاته يصبح محلقاً أعلى من المعرفى كتجريد للحقائق فى شكل مقولات علمية تقع خارج التداخل المعرفى العشوائى ، بل يقتضى أمره الإعتبار بارتفاعه عن البيئة ــ مجتمعية كانت أم طبيعية ــ ليصير حاكماً عليها أكثر من كونه خاضعا لها، فليس هو تقليل من شأن الأرض أن تعرفنا لاحقاً على أنها ليست مركز الكون الجغرافى ، بقدر ما كانت تلك حقائق جعلتنا نتراجع عن اعتبار خاص لأمومة أرضية لنا نحن البشر ، الى اعتراف بأننا فى الأرض أكثر ضآلة من هذا الإدعاء المعرفى العريض الذى تراجع أمام عناصر الإثبات و البرهنة العلمية. وتجريد الحقائق العلمية يؤكد دواعى تحليقها أعلى المعرفة و تفريدها ، فيتحول العمود المثبت على الأرض الى مجرد خط بين النقطتين ( أ ، ج ) ويصبح الوتر المشدود بزاوية من قمة العمود الى الأرض هو الخط ( ب ، ج ) و قاعدتة ( أ ، ب ) هى قاعدة (مسلة) قدماء المصريين باعتبار الوتر هو الظل الواقع على الآرض ، فتتحول هذه الصورة المعرفية الملموسة الى تجريد لا تقتصر على طريقة لضبط ارتفاع العمود وضبط ظلاله بقدر ما هى ( حساب للمثلثات ) غض النظر عن وقوعها على (مسلات ) أو (جملونات ) أو خلاف ذلك من قيم تطبيقية يمكن استخراجها بسهولة تبعاً لعلم تم تجريده وتحريره بعد ذلك يسمى علم حساب المثلثات. كذلك تتحول عند تجريدها العلمى مجموع برتقالات ما عند ( صابر) و ما عند (مفيد) عدد عشر برتقلات الى معادلة رقمية كالآتى 6: + 4 = 10 حيث تصير 6 و 4 و 10 مجرد أرقام مجردة لا على معان معرفية تطبيقية، بنفس القدر الذى تصير فيه الدورة الدموية فى علم الأحياء رسومات بيانية لنسق منتظم من أوعية حاملة حمولة توصيلية أو حمولة ترجيعية بصورة مقارنة لا تميز ما بين القط والأرنب و الأسد و الناموسة والإنسان. عليه يكون العلم مصطلح لما نتأكد من بلوغ أمر صحته درجة اليقين، ويستند الى براهين غير ذات التباس. و هو فى تجريده وتحليقه موضوع بمعزل عن تجريبيتنا. فعلوم الكيمياء و الفيزياء و البايولوجيا مثلاً، لا تكتسب مشروعية وجودها بحكم أنها عمل ومعرفة بشرية، فهى كاملة الوجود بمعزل عنا ، علمنا بها أم لم نعلم. فهى ذات أصول ناموسية كونية لا نمتلك إزاءها سوى تلقي أخبار أو التشرف بالتعرف عليها من خلال ارتفاع قامتنا الى مقام متعال كمصحح وحاكم لا يتقيد بمعرفيتنا، بل بأصوله من القوانين الكونية الناموسية الأكبر و الأكثر إحاطة من تجريبيتنا المعرفية البسيطة الساذجة المتنطعة. ونشير فى ختام تلخيصنا لعلاقة ناشبة بين المصطلحين (معرفة وعلم) أن المعرفة بما هى تجريب وعمل يقع ما بين البدائى المتخلف و بين المتحضر المعاصر، يشير السهم الذى يوضح وجهة سريانها أن اتجاهها من أسفل الى أعلى، فهى متصاعدة متى ما تجنب الإنسان تكرار أخطائه. أما العلم ومن خلال تصحيحه للمفاهيم المعرفية كشأن كروية الأرض فسهم اتجاهه يشير الى تنزله من أعلى الى أسفل. فالعلم متنزل والمعرفة متصاعدة. وقبل أن ندلف الى تلخيص وتعريف لمصطلح عقل ومصطلح ذهنية، أظن أنه ينبعى علينا إحسان تأويل أصولهما و مكوناتهما الأولية. وقبل ذلك فلا بد من فك الإشتباك بارجاع الديون الى أصحابها الأصليين بقول فصل حول عملية الإستلاف والتى لا تشكل اتهاماً للأوروبى يدمغه بالقيام بها، إذ لا يستقيم له استحداث قوالب لغوية جديدة دون أن تبدو مصطنعة، بقدر ما يقوم بما قام به فعلاً من استدراج للمصطلح لعملية ترقيع لغوية كما فى الكلمة (بوليس) ذات الأصل الأوروبى الذى تم استلافه عربياً فخرجت منها عبارة كقولك (رواية بوليسية ). وذلك ترقيع يتيح القول بعبارة مثل (هذا تفكير بوليسى) مع ذلك تستعصى هذه (البوليسية) أن تستجيب لتصريف يستخرج منها أفعالاً للمضارع أو الماضى أو الأمر. لكن يبدو أن صاحب الإستلاف هو المترجم الوطنى الغرير الذى يظن لغشامته أن (العلم) هو ترجمة صحيحة للكلمة (ساينس) وأن أصولها و مرجعياتها اللغوية أوروبية، فصار عنده (العلم) مولود كمصطلح ـ وبالتالى كوجود وفعالية ـ فى بيئة أوروبية خالصة. وليس ذلك إلا بسبب عماء علمى و معلافى، قاده إليه تبدل مرجعيات المناهج التعليمية بعد الحقبة الإستعمارية، كان من الطبيعى أن يسود بعد أن تيتم جراء ذلك العقل وهام على وجهه مفتقداً البيئة الصالحه لنموه. ويبدو أن تيتم ظاهرة العقلانية وكان السبيل لاستحداث وسائل ومناهج جديدة بعد استعمار العالم برمته ـ ومنه الشرق ـ بواسطة قوة السلاح الأوروبى الفتاك. و ليس ذلك سوى إفساح للدروب لأجل استحداث وسائل ومناهج جديدة للتعليم منبتة الجذور، دون أى اعتبار لمناهج ملغاة لم تجد ما يكفى من الفرص لنمو طبيعى و مستقر، فانطبق عليها المثل الشعبى (جدادة الخلا الطردت جدادة البيت). فمصطلح (عقل) بائن الغرابة على كافة اللغات الأوروبية، وذلك ناتج طبيعى لانعدام البعران (ومعناها جمع بعير) فى كل القارة الأوروبية، وبالتالى انعدام فعل (التعقيل) نتيجة انعدام ما (يعقل) به هذه البعران كما أسلفنا القول فى المفاكرة الماضية. فالعقال ذو نشأة عربية صرفة، ومن تصريفاته الكبرى (العقل)، وما تمت نسبته إليه كإصطلاح لا يخرج عن كونه ناتج من نتائج عملية (التعقيل) هذه والتى يراد بها الدلالة على تربيط وتكتيف آلية التفكير ألا وهو (الذهن). والتكتيف هنا لا يؤدى الى حجر عملية التفكير بقدر ما يؤدى الى ضمان مراقبة الذهن بكابح يمثل آلية أخرى تسمى (العقل)، ويقصد به الذهن نفسه، لكنه فى هذه الحالة مكتف (بتقوى) تمنعه من موارد التهلكة. أنظر لقوله ـ جل وعلا ـ ألم أعهد اليكم يا بنى آدم ألا تعبدو الشيطان إنه لكم عدو مبين (( وان اعبدونى هذا صراط مستقيم(( ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون( سورة يس. فبنو آدم هنا يفكرون بلا أدنى ريب أو شكوك. و لا ينتفص من استحقاقاتهم التفكيرية هذه أنهم اتجهوا الى عبادة الشيطان، وتتمثل فى التفكير بطريقة تقود الى التجافى عن موارد الفلاح، فيتجافون عن (تفكير آخر) يدعوهم الى ما يخرجهم من هذا التضليل (الشيطانى) والذى هو فى معناه و مبناه يمثل الذهن غير (المعقول) الذى لا يفسح مجالاً لذهن معقول يتأدب فيطرق السمع للرحمن، فى منهج للتلقى الطوعى مقابل ومضارع لمنهج الشيطان. و ما نستنتجه مباشرة من هذا الخطاب أن العقل لا يقوم بعملية التفكير على إطلاقها مما يؤدى الى حالة تنقيص لموجبات المعرفة السليمة وفيها كامل استحقاقات التجريب، خطأ أو صواب. لكننا إن (عقلنا) أى كتفنا و قيدنا ذهنيتنا، فسنتعرف الى ما هو مكفول لنا من تجريب يجنبنا المزالق الخطرة كالمزالق الشيطانية. وذلك قول يخرج العقل من الذهن المطلوق السراح خروج الشعرة من العجين، ويحوله الى تالى له مقيد ومكبل بمنهج معطى ومضاف كخبر من أعلى الى أسفل لا يتضمنه المعرفى بصحبة ورفقة الذهن المطلوق السراح. أنظر الى قوله ـ جل وعلا ـ بلسان سيدنا الخضر لسيدنا موسى ـ عليهما السلام ـ (وكيف تصير على ما لم تحط به خبراً). ومما هو تخليط فى ترجمة هذا المصطلح، فقد صارت الكلمة (عقلانية) ترجمة للكلمة الإنجليزية (راشونال) و التى يقولون بها دائماُ كترميزالى التفكير المستقيم ذو المنطق المقبول على نطاق الإتزان و الحكمة وهو مصطلح يشير فى نهاية أمره الى حالة انسجام مع المنطق السليم وهو نفسه (الحكمة) ومنها (الفلسفة)، وكلاهما إحكام للبدايات و النهايات التفكيرية الى المنطق السليم و الموزون. وما يبدو فى الحق أن المصطلحين ( عقلانية و راشونال) قريبان من بعضهما البعض درجة التداخل. لكن الحق نفسه يقتضى حسن الفرز، فالحكمة ناتج معرفى قد يؤدى الى (العلمنة) مع ذلك فقد تخطئ العلم وقد تصيبه. وهى و إن اصابته أو أخطأته فذلك لا يغير من صفة كونها (عمل) و (تجريب) بشرى، فيه تجريب مفضى الى الخطأ و فيه تجريب يصيب الصواب. وكلتا التجربتان ـ المصيبة و المخطئة ـ معرفة هى بلا أدنى شك ذات فائدة معتبرة . وقد يكون مقبولاً كذلك التقرير أن (تجربة خاطئة) قد تقود الى الحكمة، إذ أن تجريب الخطأ والصواب هو منهج معرفى مؤكد ومضمون النتائج، ومن ذلك ما يكثر ترديده كقول قرأته للأستاذ الشهيد محمود محمد طه لا أدرى له من مصدر غيره يقول فيه: (كل تجربة لا تورث حكمة، تكرر نفسها). أما فى مقام (العلم) فلا يسمح بأى هامش من الخطأ. فما نعتبره (العلم) فذلك لا ينبغى أن يكون موصوفاً إلا بالصحة المطلقة التى لا يعتورها أدنى قدر من الإنتقاص. فبقدر ما بامكاننا القول بعبارة (تجربة خاطئة لكنها مقبولة) فلا يمكننا أن القول بعبارة (علم خطأ)، فالكلمتان فيهما من التناقض ما يجعل هذه العبارة مقززة ومقرفة، تثير الريبة و الإشمئزاز. وتمايز العلم و المعرفة هو نفسه تمايز العقل والذهن، حيث يرتبط العقل بالعلم برباط وثيق. نفس الرباط يقع بين الذهن والمعرفة. و ذاك سادتى موقف عظيم يحتاج لإفراد خاص، أمنى النفس بإثارته في المفاكرة القادمة ـ إن شاء الله ـ والله من وراء القصد وعليه التوكل إنه نعم المولى و نعم النصير.

    http://www.alsahafa.sd/Raay_view.aspx?id=48823
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-24-2008, 04:01 AM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    ها أنت ذا تعلو على كل الهمم ....متنسما أعلى القمم
    متوسدًا نبضَ الدقيقةِ والحقيقةِ... و الشعور
    في الحس والمعنى تدور...
    نَحنُ الغيابُ وأنتَ ذا كلَ الحضُور
    ما انفك نورك في قلوبِ ألعاشقيك.. ماانفك آ يُكُ في الصدور
    نحنُ الغيابُ وأنتَ ذا كلَ الحضُور
    هذه العذراء حبلى تنتظر.... أزعجت صيحاتها صمت القبور
    راحيل تبكي زغبها الجوعى ...قد هدها الصبر الطويل ماذا أقول لها وكلُ القَوْلُ بعدك صار زُورْ ماذا أقولُ.. إذا انزوت أفكارنا ... وتوسدت صمت القبور
    ماذا أقول لها.. وكلُ القول قولك ياأبي .. لم تترك لنا شيئا نقول
    وما عُِلمْتَ حرفاً من شِعر وما ينبغي شعراً تَقُولْ
    اصدح بأمرك ياأبي اصدح بأمرك في القدر
    واحشد حضورك في الغمام
    واسري بنا في منتهاك
    في ليلة القدر الختام
    واجمع بها في جمعتك ...أرواحنا
    في ليلة الفجر السلام
    مَنْ للجياع !مَنْ للعراِة بِغير مأوى؟..مَنْ ِلأبناء السبيل!
    من يوقف النزف الحريق ؟ من يطفئ الفتن الجسام ؟
    من غيركُ ... ؟ هل نحنُ غيركُ ننتظر؟ صبراً...صبراً جميلْ جميلْ... صبراً جميل
    عوض الله الفادني
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-24-2008, 04:06 AM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    د. عبدالله على ابراهيم: " لمن عسى يحتاجون لتوضيح"
    الصلح مع اسرائيل ليس "هرجا" ولا "وهنا"
    عبدالله عثمان
    جامعة أوهايو – أمريكا
    ==
    "وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهرتها بالمدامع"
    (الى روح العم عباس عيسى الحلو– الأمير – الذى رحل عن دنيانا منذ أيام. لا أزال أذكره: عينان شاخصتان فى محراب الأستاذ محمود محمد طه، كهلا، ذا أرث ونحن أيفاع ولا أرث لنا، ثم لا نبذل بذله!! "عين" بصيرته رأت أن "رايته" – أى كان لونها - قد نصبت "حدا بيت الجالوص" فنبذ الجاه ويمم شطرها وأخذ ينشد مع منشد القوم عندنا "قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون". نصح مع الجمهوريين أهله الأنصار فى أحداث الجزيرة أبا المشئومة، ثم فى أحداث 1976، لم تقيده عصبية أو طائفية بأن يخرج الى الشارع حاملا كتب الجمهوريين "هذا هو الصادق المهدى"، "الصادق المهدى: القيادة الملهمة والحق المقدس" وغيرها. ذلك عقل "العالم" وهو الذى عناه الأستاذ محمود بـ "العقل الغير متأثر بالرغبة" ولذلك سأعود لاحقا...
    عزاؤنا: الوالدة أم مهل عبدالله الحلو، أختى أمانى عباس، زوجها د. عبدالرحيم الريح محمود، أخوانى وأخواتى الجمهوريين أن عينا عم عباس قد ذهبتا الى "أب أرحم" كما تجىء عبارة الأستاذ محمود. عينا عم عباس فى "عيون ونهر، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر")
    ====
    عينان نضاحتان:
    عبدالله الطيب، العالم النحرير، رجل تعبق لغته الثرة بأريج القرآن الذى بسّطه وحبّبه لعوام الناس فأحبوا القرآن وأحبوا عبدالله لحبهم للقرآن. عبدالله أحب محمودا لأنه يشم فيه شميم "خلق القرآن" فـ "شجاه مصابه" فأنهمرت ملكته الفريدة شعرا تسير به الركبان ويكتب فى صحائف الذهب:
    قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شـهـيد
    وطنيّ مجــــــاهد وأديــب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
    وخطـيـبٌ مـؤثر ولــديـه سرعـة الـرّد والذكاء الفريـد
    أما عزيز التوم، صاحب العبارة الجذلة والروح الوثّاب، فقد أعداه هو الآخر الحال، حال من ذهب الى ربه ثابت الجنان، راضيا،وهو حال، لا شك، يعدى صاحب كل ضمير، فبكى محمودا بدالية تتقاصر دونها كل دالية، كيف لا وهى قد صدحت بالحق وللحق ممجدة قيم الرجال:
    يامـاشـيا ثبت الجـنان كأنمـا نوديت من ذي الوعد لا المتوعد
    يامـن عـرفت الله معرفة النهي وشـققت صـفو تهجـد وتعبد
    أقسـمت يامحمـود أنك ملحـد بقـرار مخـتل العقـيدة ملحـد

    أكتفى بهاتين العينين "الثرتين" والا فالعيون كثيرة: عالم عباس، عادل الباز، عبدالله الشيخ "أجراس الحرية"، عبدالله الشقلينى، عبدالله بولا، عبدالقادر الكتيابى، عمر الكارب، عبدالعظيم الحسن، عبدالله الحسن المحامى وغيرهم وغيرهم ....
    تذكرت عقل عم عباس "الغير متأثر بالرغبة" وأنا أطالع مؤخرا مقالا نشر بالرأى العام للأستاذ د. عبدالله على ابراهيم "ع. ع" بعنوان قرار عبد الواحد الرجيم: الصفوة والوهن من فلسطين. عجبت للأستاذ الدكتور وهو يذهب ليصور لنا إجتهادا فريدا مثل إجتهاد الأستاذ محمود محمد طه فى أمر الصلح مع إسرائيل بأنه "وهن صفوة" ورجيم فى ذلك، وقد وصفه من قبل فى منبر للصحافة بأنه "هرج" وعرّف الهرج بأنه "حيلة طبقية واجتماعية الهدف منها التضليل" فلنرى من يضّلل من؟!!!
    أصدر الأستاذ محمود كتابا "مشكلة الشرق الأوسط" و"التحدى الذى يواجه العرب" وعلى هداهما وبإشرافه كتب تلاميذه الجمهوريون كتيب "أصطلحوا مع أسرائيل" وكتيبات أخرى نحت نفس النحو الذى ترّفع عن التدليس، وتمويه الحقائق، وتمليق الشعور، ودغدغة العواطف النواضب، فقد اشتملت جميعها على استقراء تاريخى للمشكلة، ثم تبيين لضعف العرب الذين لا يصنعون الآلة ولا يحسنون استخدامها، فأبانت تمسك العرب بقشور الإسلام وقشور الحضارة الغربية وتفريطهم فى اللباب، ثم خلصت الى أن اسرائيل، ولضعف العرب الآنى، لا يمكن رميها فى البحر: إذن فما المخرج؟ ذهب الأستاذ محمود لحل علمى على مرحلتين، حل عاجل وحل آجل إشتملا على تبويب وتقعيد موضوعيين وكل ذلك مدّون فى منبر الفكرة الإسفيرى فليطالعه من يشاء. www.alfikra.org
    ثم لنرى ماذا قدّم الأستاذ "ع. ع"، فبمطالعتنا للقاءه مع منبر جريدة الصحافة – المنشور على الشبكة الإثيرية – وبمقاله فى الرأى العام المشار اليه عاليه، نرى أنه لم يقدم غير عبارات طنانة وألفاظ ومعميات مثل "الوهن" و"الهرج" و"النفايا" وما الى ذلك ظنا منه أنه يمكن أن يملأ بذلك فراغ فكر بين فى أطروحته التى لا تقوم الا على عواطف متأثرة بالرغبة والرهبة كليهما. وهذا حديث قد يطول.
    ثم بغير ما مبرر، وبتعسف إعتدنا عليه من الرجل، يذهب "ع. ع" مشككا فى "إستشهاد" الأستاذ محمود محمد طه ويخلص الى أنه كانما فرضه "الرجل" عليهم فأرتضوه، يقول ذلك بينما يذهب الكاتب نفسه فى مبحثه "الشريعة والحداثة" مستسخفا موقفه من المشاركة فى موكب لتأييد إعدام سيد قطب وعدّ ذلك "عارا عظيما".. لا أدرى ما هى معايير الأستاذ "ع. ع" للشهادة فهو يمنحها ضمنا لسيد قطب ولعبدالخالق على الطرف الآخر وهو يهدى له مبحثه المشار اليه عاليه مثمنا سيره فى طريق الشهادة "ذلك طريق إخترت أن تذهب أنت فيه وبقيت أنا" ويمنح ذات الشهادة للدكتور قرنق – منبر الصحافة المشار اليه عاليه – يمنحها لكل هؤلاء ويضن بها على الأستاذ محمود أول سجين سياسى وأصلب من قاوم الإستعمار عندما كان القضاة الشرعيون يتجلببون بجلاليب الشرف!! الأستاذ محمود الذى سجن دفاعا عن شرف وعرض المرأة السودانية فى "حادثة رفاعة" والذى قدّم نفسه فداءا للشعب السودانى عندما قطّع إمام آخر الزمان أوصال بؤساءه بيينما مترفيه من الإسلاميين يتطاولون فى البنيان، هذا الرجل يضن عليه الدكتور "ع. ع" بالشهادة!!! فلمن تمنح إذن؟؟
    والألقاب هذه التى يمنحها الدكتور من "جرابه" لكل من أرتضى تجده بها شحيحا فى مقام الأستاذ محمود، فلقد يمنح الدكتور ألقابا ضخاما للراحل أبوالقاسم حاج حمد(لو ما الزمان كان ليل) ثم لا يشير للأستاذ محمود، فى ذات المقال، الا بـ "المرحوم" - وهى كلمة رغم برائتها الا أن لها ظلال نفسية سلبية لا تخفى على أحد - او يسميه تارة "المنشق الغردونى" أو فى مقال آخر بـ "محمود أفندى طه"!! ثم من هو حاج حمد هذا؟؟ ليست لى عداوة شخصية مع الرجل ولكن الرجل لا يعدو أن يكون تلميذا غير مخلص للأستاذ محمود محمد طه. حاول كثيرا دفع هذه التهمة عن نفسه ولكن "المريب" لم يزد على أن قال خذونى. كتب عن تلك "التلمذة" دكتور محمد عمارة ثم أخيرا بروفسير إبراهيم محمد زين (راجع أعمال ندوة حاج حمد – هلتون الخرطوم).
    وفى مقال آخر ينعى فيه الكاتب البروفسير عون الشريف قاسم، بمنحه ذات الألقاب، ثم يحشر إسم الأستاذ حشرا لينال منه ويخلص لأن عونا نفر من "العصبة" (ولها ظلال العصبية) بينما أرتضاها الأستاذ، وقد لا يغيب عن الدكتور كتب الجمهوريين فى البروفسير عون والتى ذهبوا فيها ليصورون كيف أن الرجل أرتضى ان يضع "علمه" فى خدمة السلفيين يستغلونه كمخلب قط للنيل من الجمهوريين.
    ثمة مقال آخر يذهب فيه للإشادة بالمرحوم الشيخ الجزولى – قاضى المحكمة العليا الأسبق - وكيف أن قد صلى لروحه السمح التقدمى بمقابر حلة حمد الخ الخ ولقد عجبت للعبارات إياها وكأنه يريد أن يأتى بعكس ما كتب به الجمهوريون عن شيخ الجزولى وبحثه الذى قدمه لـ "سمنار المرأة" بالدويم (1975) والذى وصفه الجمهوريون بأنه "تخلف" عن العصر و"قصور" عن الشريعة (راجع: المنشور السادس بمناسبة عام المرأة العالمى عام 1975 قانون وقضاة الاحوال الشخصية قصور عن الشريعة وتخلف عن العصر: حول بحث الشيخ الجزولى نائب رئيس المحكمة العليا لسمنار المرأة والتنمية بالدويم: الأخوان الجمهوريين) ولقد يزداد عجب المرء والأستاذ الدكتور يصف شيخ الجزولى بالروح "السمح" التقدمى وشيخ الجزولى رئيس لجهاز يصرح أحد مرؤوسيه فيه (الشيخ صديق عبدالحى) لسائل يسأله فى الإذاعة السودانية عن "الكفارة" فيجيب، وفى بلد تتعدد فيه الأعراق و"الحساسيات" بأن (تعتق رقبة) ... هكذا!! ثم لا نسمع لحس شيخ الجزولى التقدمى ببنت شفة، ألم يكن شيخ الجزولى أولى بالنصح من د. منصور خالد الذى ذهب دكتور عبدالله ليعطيه درسا فى تلكم المسائل حين نصحه أن "يستوثق أنه قد نقى لغته من مصطلح الميزة العرقية الذي نفرت نفسه منه. فهذا مصطلح خبيء دسّاس مثل العرق، لو استلفنا من قاموس للعرق بغيض. وهو باق في مطاوي الثقافة المستعلية لا يزول" (ومنصور خالد 11 سودانيزأونلاين)
    يمكن للمرء أن يتابع الكثير من ذلك، خاصة وان الرجل لا يكاد يكتب الا والأستاذ محمود حاضرا فى ذهنه، وتراه، فى كثير من الأحيان، متعسفا تعسفا لا يدانيه تعسف "كبير المكابراب" (عبدالله الطيب: من نافذة القطار) للنيل من الأستاذ وتلاميذه فلننظر له مثلا وهو يكتب عن "شيبون" ولدد الخصومة وما الى ذلك ثم يدلف فجاة ليشير للجمهوريين – فى غير ما موجب – بأنهم "عتالة نصوص" .. ويعجب المرء لرجل يقيم فى محراب الاكاديميا الغربية ثم ينعى على الناس استخدام النصوص. إن تحدث عن الدب "تيدى" لابد هو حاشر إسم الأستاذ، وإن سلق منانا بالسنة حداد فليكن اسم الأستاذ حاضرا، وإن زار دار الشيخ الجعلى بعطبرة فالأستاذ أمامه على الباب ولا بأس من التنويه بما قد يحمل أوجها من "مفارقة الشرع"، والأستاذ محشور ما بين "قدو قدو" اسماعيل عبدالمعين وظلم الغردونيين لقضاة الشرع، إن تحدث عن حسن سلامة، أو رقصة العجكو، عن الأمين داؤود او "قوالات" منصور خالد فلا يضير كثيرا أن يغشى "المرحوم" ببعض عبارات قد يظن أنها تدعه "يتقّلب فى مرقده" كما تقول دارجة الساكسون، ولكن لا ضير، فستكتب شهادتهم ويسألون.
    قد يحار المرء عن أى "ع. ع" يكتب؟؟ هل عن عبدالله العائد "الى الدين بعد طول اهمال" كما تجىء عبارته، الفانى فى محراب لاهوت الحداثة "الترابى" المستسخف لموقفه من إعدام سيد قطب، أم عن "عبدالله" المتّوله فى شيخه الأستاذ عبدالخالق محجوب، عنه "عرّاب" الحداثة أم عن عبدالله "حفيظ" التقاليد الذى يريد أن يعيد الحياة للقضاء الشرعى ببيت طاعته و"عبيده" وا"لإماء" (الشريعة والحداثة) عن عبدالله الصارخ فى برارى أثيوبيا "وا أسلاماه" أم عبدالله المتغزل فى "حسان تلك الهضبة "وقد اثمرت منهن النهود والأرداف" كما "نخل السيد خضر على مصطفى بقرية عتمور بدار الرباطاب" (منبر الجالية الأمريكية) وهم ذات الأحباش الذين استل لهم الكاتب من قبل، استلالا، بيتا من "ميمية" مدثر البوشى إزراءا وتقبيحا. مهما يكن من أمر فإننا ومهما ضقنا بـ "سخائم" الرجل فلن نبلغ ان نقول له ما قاله للسيد نور الدين منان "من أين أتى هؤلاء"!!! (الصحافة) او أن نذكره بما قاله محمد التوم التجانى – نديد الأمهات الذى ينذرنا بتكسير الضلوع (الرأى العام) أو نقول له كما قال هو لأحدهم "......." بتاع فنيلتك!!!

    =====

    ينشر هذا المقال بصحيفة أجراس الحرية صفحة المنبر الحر – صفحة 8
    السبت 23 مايو 2008
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-25-2008, 01:23 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    مايو (إتولد) وعاش ثم مات
    تقرير: التقي محمد عثمان

    يحكى ان اصدقاء الشاعر الراحل علي عمر قاسم كانوا يسخرون من مطلع قصيدته الشهيرة (مايو إتولد.. قالوا النجوم زادت عدد). عبر اخذه في آخر الليل الى منتصف حوش السمر ، مشيرين الى السماء قائلين له (حدد لنا اين الزيادة في هذه النجوم)، وسواء اجابهم الشاعر ام ابدى امتعاضه وانصرف الا انه كان صادقا تجاه الحقيقة التاريخية (مايو إتولد) فما عرف بثورة مايو انطلقت فجر الخامس والعشرين من مايو 1969م بتدبير من تنظيم الضباط الاحرار بقيادة العقيد جعفر محمد نميري لتستمر في الحكم حتى 6 ابريل 1985م.
    ومرت مايو باربع مراحل في سنى عمرها الستة عشر، امتدت الاولى بين مايو 69 ويوليو 1971م، حين تسنمها الشيوعيون وغنوا لها (يا حارسنا ويا فارسنا.. كنا نفتش ليك زمن وجيتنا الليلة كايسنا)، الى ان اودعتهم السجون والمقابر فكتبوا عنها (مرة شافت في رؤاها حيطة تتمغى وتفلع في قفا الزول البناها. طيرة تأكل في جناها)، وتمضي مايو في مسيرتها الظافرة ، كما يقول قائدها، الى المرحلة الثانية بعد 19 يوليو 1971م، يتقدمها التكنوقراط والمنشقون من الحزب الشيوعي مرددين (تحسبوا لعب) لتنتهي هذه المرحلة بلقاء اللواء جعفر نميري والسيد الصادق المهدي بمدينة بورتسودان في 1977م، وتوقيع اتفاق المصالحة الوطنية ، وتستمر هذه المرحلة حتى اصدار قوانين سبتمبر 1983م، وتسنم الاسلاميون قيادة الامور في حقبة المشير الإمام التي تنتهي في ابريل 1985م، عبر انتفاضة شعبية كان شعارها « (بلاء) وانجلي»..
    وعلى كل فإن مايو تقترب الان من سن الاربعين اذ تكمل اليوم 39 عاما من عمرها (ان كانت الاعمار بالمدد)، واصدر المشير جعفر نميري بيانا قال فيه (الاخوة الثوار الاحرار ابناء وبنات ثورة مايو الشرفاء احييكم واحيي عبركم جماهير الشعب السوداني الابي واهنئكم واهنيء الشعب السوداني الوفي باعياد الثورة المجيدة اعادها اليه علينا والسودان يرفل في حلل القوة والعزة والنصر)، وقطعا بان هذا الخطاب القادم من ازمنة قديمة لا يمنعنا من اقرار موت مايو وان تشبثت بالبقاء ، فقط الدكتور اسماعيل الحاج موسى يفرّق في حديثه معي امس بين الميت في مايو والحي منها فبحسبه: (مايو كتنظيم سياسي حاكم - الاتحادي الاشتركي- فهذه انتهت ولكن فكرها وتوجهاتها ونهجها في التعامل مع قضايا الوطن فهذا حي)، مضيفا (مايو تاريخ وانجازات ماثلة في الارض).
    وقبل ان تدلي بتوضيحاتها حول (التجربة الايجابية الوحيدة في التجارب السياسية السودانية)، كما وصفتها، تكشف عن الموقع الذي تتحدث منه بقولها (انا لدي ولاء شديد جدا لهذه التجربة رغم خروجي عن التنظيم في عام 1999م، بسبب عودة المشير جعفر نميري في اطار التصالح مع النظام القائم»، لتمضي بعدها الاستاذة آمال عباس في تبيان تفوق مايو المتمثل في الرؤى الواضحة وميثاق العمل الوطني الذي عملت به، مشيرة إلى ان مايو «كانت نقلة في تفكير الانساني عبر التربية السياسية التي وفرتها وأظهرت للناس ما هو الحكم وما هي عضوية اللجنة الشعبية ومجلس الشعب وتحديدها في الميثاق لكيف يحكم السودان وبمن» ، مؤكدة ان لمايو رؤية «تحتاج لها اليوم وإلى يوم القيامة»، منوهة بمدرسة مايو في التربية السياسية والتنظيمية التي قادت المواطن لأن يعرف أكثر من انتمائه البدائي ويجيد الكلام السياسي المنظم.
    وهنا يشير الدكتور الحاج موسى إلى اهتمام مايو بالجوانب الثقافية عبر اهتمامها بمهرجانات الثقافة التي دأبت على تنظيمها ، وإلى الجوانب الاعلامية عبر تطوير جهازي الاذاعة والتلفزيون، وجعلهما يبثان لكل ارجاء الوطن. متنقلاً لتعداد مآثرها في مشاريع التنمية من لدن كنانة والرهد مروراً بالمعالم الاساسية في الخرطوم من ناحية العمران وانتهاء بالبترول الذي كان الفضل فيه لمايو «وطورته الانقاذ».
    لا ضير في أن تكون لميت مآثر، ولكن هل يقر المايويون بموت مايو، في خطابه الذي قرر فيه «تعليق الاحتفال بأعياد الثورة المجيدة هذا العام للظروف الأمنية التي تمر بها البلاد» ، يدعو المشير نميري أنصاره إلى «النزول إلى القواعد والالتصاق بالجماهير واعادة بناء التنظيم واحكام نظمه ولوائحه وتوسيع مواعين التمويل والعمل على اثراء الساحة السياسية باللقاءات والندوات والمؤتمرات» ،مما يعني أن المشير يريد أن يمضي قدماً، الأستاذة آمال عباس تتجاوز السؤال وتقول: لمايو كثير من الايجابيات التي يجب استصحابها، منادية بتحديد الايجابيات بلا عصبية.وحين اصر على سؤالي حول «العوامل التي جعلت مايو تموت» تجيبني بعد أن تضع تعديلاً طفيفاً على السؤال «ما هي العوامل التي جعلت مايو تلكأت» ثم تدلف إلى القول «أولاً القطاعات التقليدية لم تفهم مايو في اطارها الفكري الكبير وانما كجهة أخذت منها السلطة، فالاحزاب التقليدية دخلت في صراع مع مايو من هذا المنطلق، ثانياً أسلوب المعارضة المستحدث في حمل السلاح والارتماء في احضان الأجنبي ولجوئها إلى التضييق على الشعب بشراء السلع ورميها في البحر، ثالثاً ان مايو لم تلتزم بميثاقها وعلى رأس ذلك انها لم تلتزم بقيادة القطاع العام والاقتصاد، رابعاً انها لم تستطع تحويل ميثاق العمل الوطني إلى قناعات فكرية لعضويتها، خامساً الطامة الكبرى المصالحة الوطنية في 7791م لأنها لم تتم على اساس واضح واستفادت منها جبهة الميثاق ونخرت في النظام، سادساً الجريمة الكبرى وخطيئة النظام الكبرى إعدام محمود محمد طه» ، ومع ذلك لا تنسى آمال أن تجدد دعوتها بالجلوس على الارض ودراسة تجربة مايو والاستفادة من ايجابياتها الكثيرة.

    http://www.alsahafa.sd/News_view.aspx?id=48922
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-25-2008, 01:27 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    قراءة في اتفاق التراضي الوطني (1-3)
    د. عمر القراي

    الاتفاق الذي وقع قبل أيام، بين حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر الوطني، وسمي اتفاق التراضي الوطني، جاء مخيباً لآمال كثير من المثقفين، الذين كانوا يحترمون السيد الصادق المهدي، وكثير من أعضاء حزب الأمة الحريصين على مصلحة الحزب ومصلحة الوطن.. ولقد كان السيد الصادق يطمئن أعضاء حزب الأمة، الذين اعترضوا على التقارب بين حزب الأمة والحكومة -ولم يقبلوا بدخول ابن زعيمهم الذي يقود المعارضة للنظام، في جهاز أمن ذلك النظام- بأن الاتفاق مع الحكومة لن يتم، إلا إذا غيّرت الحكومة من سياستها، والتزمت في أدائها بالاتفاقية وبالدستور.. ولما طال الأمد، ولم يبدو شيء من ذلك، ولم يطق السيد الصادق مع البعد عن (كرسي) الحكم صبراً، هرع إلى الاتفاق، دون أدنى اعتبار لرأي اتباعه ومريديه.. ولعل أعضاء حزب الأمة الصادقين، تأكدوا الآن، أن زعيمهم كان يخدعهم، واأن الاتفاق لا جديد فيه، غير التمهيد لدخول حزبهم (الديمقراطي) العريق، في جلباب هذا النظام الشمولي العتيد!!
    ولقد كان من أبرز اعتراضات السيد الصادق المهدي، على اتفاقية نيفاشا، زعمها بأنها تريد أن تحل مشاكل كل الوطن، ثم إنها وقعت فقط بين طرفين، فما هو زعم اتفاق التراضي؟! ولماذا لم يصر السيد الصادق، على أن يكون الحوار بين كل الأطراف، حتى يجيء الاتفاق شاملاً، بدلاً من تكرار نفس الخطأ، الذي صرّح بأن الحركة الشعبية، قد وقعت فيه؟! والحق ان السيد الصادق كان في عجلة من أمره، لأنه إنما يسابق الأحزاب الأخرى، وخاصة الحزب الاتحادي على السلطة، التي لا يثق في أن حزبه يمكن أن يوصله إليها، دون تحالف مع حزب المؤتمر الوطني.. وفي سبيل تلك السلطة الزائلة، تجاهل السيد الصادق تاريخ حزبه في معارضة النظام، وإدانته للسيد مبارك الفاضل، حين خرج ولحق بالنظام من قبل، ثم رجع بخفي حنين، بل تجاهل ما كان يصرح به مراراً، من أنه لن يضع يده، في يد النظم الشمولية.
    إن ما سمي باتفاق التراضي الوطني، هو في الحقيقة اتفاق ثنائي، بين حزبين، لا توجهه إلا مصالح أفراد فيهما، ولا علاقة له بالوطن من قريب أو بعيد.. ذلك أن ما يرزح تحته الوطن من مشاكل، إنما حدثت في الماضي، بسبب حزب الأمة، واستمرت في الحاضر، بسبب المؤتمر الوطني!! فحزب الامة، تحت قيادة السيد الصادق، في فترة حكمه الأخيرة (1986-1989م) استمر في حرب الجنوب، ورفض اتفاقية السلام، التي وقعها السيد محمد عثمان الميرغني مع الراحل قرنق. بل قام باعتقال بعض اساتذة جامعة الخرطوم، واتهمهم بالعمالة، بسبب زيارتهم للحركة الشعبية في أمبو بأثيوبيا، وتفاوضهم معها حول السلام!! والسيد الصادق هو أول من سلح القبائل العربية في دارفور، واغراها بمساندة حكومية على الاعتداء على القبائل الأخرى.. كما سلح القبائل العربية في منطقة ابيي المشتعلة الآن، مما جعل تلك القبائل تعتدي في مجازر بشعة على قبائل الدينكا، في منطقة الضعين. وحين كتب الاستاذان عشاري وبلدو كتابهما (مأساة الضعين) صودر الكتاب واعتقلا بسببه، في ظل النظام الديمقراطي الذي كان السيد الصادق على رأسه!! والمؤتمر الوطني أكمل ما بدأه حزب الأمة، وزاد عليه أن ضم هذه القبائل بعد ان زاد تسليحها، الى الدفاع الشعبي، واعطاها صبغة حكومية، مكنت لها من الاعتداء الآثم، الذي حول دارفور إلى مأساة عالمية، أدت الى تدخل القوات الدولية فيها، وهي الآن توشك ان تدخل أبيي.. أما كان اشرف للحزبين وأوقع في وجدان الشعب ان يعترفا في وثيقة الاتفاق بدوريهما في ماسأة دارفور قبل أ ن يطرحا تصورهما للحل؟!
    تناقضات الاتفاق:
    جاء في مقدمة الاتفاق (إدراكاً من الحزبين لأهمية الحوار بوصفه الوسيلة الفعالة في معالجة القضايا والمشكلات الوطنية.. واستلهاماً لتطلعات الشعب السوداني في التحوّل الديمقراطي والسلام العادل الشامل.. وسعياً نحو حشد الطاقات وتكامل القدرات للارتقاء بالوطن نحو آفاق الحرية والديمقراطية والشورى والسلام والعدالة والتنمية والاستقرار والكرامة والرخاء والعيش الكريم انعقدت اللجنة المشتركة بين الحزبين وعقدت ستة عشر اجتماعاً امتدت لعدة أشهر...) (السوداني 21/5/2008م). فإذا كان هذا الحوار، يستهدف التراضي الوطني، وهو قد تم بغرض حل مشاكل الإنسان السوداني، وتوفير العدالة والتنمية والكرامة له، فلماذا لم يطلع الشعب على هذا الحوار؟! لماذا لم يكن الحوار علنياً، ومنقولاً عبر وسائل الإعلام، من أجل المصداقية والشفافية، ليرى الشعب هل حقاً تحاور الحزبان حول همومه ومشاكله، أم تحاورا حول مصالحهما الذاتية الضيقة؟! وهل كان الحوار حقاً (تراضيا) (وطنيا) أم كان (تراضيا) (شخصيا) باع فيه السيد الصادق حزبه، وتاريخة السياسي، وقبض الثمن؟! وما معنى (الارتقاء بالوطن نحو آفاق الحرية والديمقراطية والشورى)؟! فإذا كانت الديمقراطية هي الشورى في فهم الحزبين، فماذا لم يكتفيا بكلمة بواحدة دون حاجة للتكرار؟! وإذا كانت الشورى ليست هي الديمقراطية فعلى أيهما اتفقا؟! أم كتبت كلمة (الديمقراطية) ارضاءً لحزب الأمة، وكتبت كلمة (الشورى) ارضاء للمؤتمر الوطني، وكلاهما لا يقصدان في الحقيقة أياً منهما؟!
    جاء تحت موضوع الثوابت الدينية:
    1-2): حرية العقيدة والضمير.
    1-3) التزام قطعيات الشريعة.
    1-4) التسامح في الإختلافات الإجتهادية.
    1-5) التعايش السلمي بين الأديان) (المصدر السابق).
    إن هذه الفقرات جميعها متناقضة، ولا يمكن أن تقوم في أي مجتمع في وقت واحد. وذلك لأن قطعيات الشريعة، لا يمكن أن توافق على حرية العقيدة. ولو كانت الشريعة الإسلامية توافق على أن يعتقد كل شخص ما يشاء، لما قام الجهاد، وأحكم السيف في رقاب المشركين حتى يسلموا، وفي رقاب أهل الكتاب حتى يعطوا الجزيّة عن يد وهم صاغرون. قال تعالى في حق المشركين (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم). وقال في حق أهل الكتاب من المسيحيين واليهود (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزيّة عن يد وهم صاغرون). وقال في حق الكفار عموماً (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب). وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وأمرهم إلى الله). هذه هي نصوص الشريعة القطعية في التعامل مع غير المسلمين، فماذا سيفعل السيد الصادق والمشير عمر البشير بها؟! هل يتفقان على تطبيقها ومحاربة المسيحيين والوثنيين من المواطنين السودانيين؟! أم انهما لن يستطيعا ذلك، وإنما أتوا بها هنا من باب المزايدة السياسية، ودعوى الاتفاق على الثوابت؟! أليس في مجرد القول بالالتزام بهذه القطعيات، مخالفة ظاهرة لحرية العقيدة والضمير، التي نص عليها هذا الاتفاق؟! أليس فيها استفزاز مقصود لغير المسلمين، واشعار لهم بأنهم مواطنون منبوذون، سيشن عليها تحالف حزب الأمة والمؤتمر الوطني الحرب الدينية، متى ما استطاعا ذلك عملياً؟! وهل يمكن أن يكون كل هذا من ضمن التراضي الوطني، الذي ينبغي ان يشمل كل السودانين مسلمين وغير مسلمين؟!
    والتعايش السلمي بين الاديان لا يتم بتراضٍ زائف، وانما سبيل تحقيقه، هو الاحتكام لإحدى مرجعيتين لا ثالث لهما: أولهما اصول القرآن، التي وفرت حرية العقيدة، لكل انسان، في قوله تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وهذا المستوى من الاسماح منسوخ بالشريعة، التي أحكمت آيات القتال التي أشرنا إليها أعلاه، ولا يمكن تطبيق الاسماح وهو أصل ديننا إلا بتطوير الشريعة.. ومن أجل تطوير الشريعة، لا بد من بعث الآيات المنسوخة، واحكامها، لتقوم الدعوة بالتي هي أحسن، بدلاً عن الجهاد، ويقوم الاسماح بدلاً عن الإكراه، وهذا ما دعا له الأستاذ محمود محمد طه دون سائر علماء المسلمين.. وثانيهما المرجعية العالمية لمواثيق حقوق الإنسان، التي نصت في كافة تلك المواثيق على حق كل إنسان في أن يعتقد ما يشاء.
    ومن قطعيات الشريعة، عقوبات الحدود في قطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن، فهل سيطبقها تحالف الحزبين؟! أم انهما يعلمان انها لا يمكن ان تقوم، الا على خلفية من العدل الاقتصادي والاجتماعي، ليس محققاًً اليوم؟! ومنها أيضاً قتل المسلم، اذا غير دينه، فقد ورد في الحديث (من بدل دينه فأقتلوه)، وعلى هذا الفهم، ما زالت الردّة موجودة في قانون العقوبات السوداني، ولقد اكد على بقائها هذا الاتفاق العجيب، حين نص على ايجاد قانون يحكم على اجتهادات المفكرين، وذلك حيث جاء (يكون القانون حكماً في الاختلافات الاجتهادية)!! هذا مع انه كان قد نص على (التسامح في الاختلافات الاجتهادية)!! (المصدر السابق). فما معنى دخول القانون، ليجرم اجتهاد شخص، ما دام هنالك تسامح في اختلاف الاجتهادات؟! وحتى نتصور مبلغ السوء في هذا الاتجاه، الذي التقى عليه هذان الحزبان، يمكن ان نفترض ان د. الترابي، قد أذاع اجتهادات عديدة، مثل قوله بجواز زواج المسلمة من مسيحي، أو امامة المرأة للرجال، أو تصريحه بأن الحور العين هن طالبات الجامعة الإسلامية، أو غيرها مما نسب إليه من اجتهادات مؤخراً.. فإذا لم يوافق تلاميذه القدامى في المؤتمر الوطني، على هذه الاجتهادات، فإنهم بدلاً من حواره حولها، واثبات باطلها للناس، يلجأون الى ذلك القانون، الذي يكون حكماً على الاختلافات الاجتهادية، ليحكم لهم على اجتهاد شيخهم بالبطلان، ثم ما يترتب على ذلك من عقوبة على المجتهد، ربما كانت مادة الردّة نفسها؟! أرأيت كيف تأخذ هذه الاتفاقية العجيبة بالشمال، ما منحت باليمين؟!
    تجربة المجرّب
    في المثل السوداني يقولون: «من جرّب المجرّب حاطت به الندامة».. وقد جاء في نص اتفاق التراضي الوطني (4-6 احترام العهود والمواثيق) (المصدر السابق). ولقد وقع المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية، اتفاقية السلام لعام 2005م، ووقع على الدستور الانتقالي.. وقد حوت هاتان الوثيقتان، كافة الحقوق الأساسية، التي يمكن أن تحقق العدل والمساواة والتحول الديمقراطي، فهل إلتزم المؤتمر الوطني، داخل حكومة الوحدة الوطنية، بتنفيذ هذه الاتفاقيات؟! فإذا كانت الاجابة بنعم، وان المؤتمر الوطني قد نفذ كل الاتفاقيات، وتحقق السلام والحريات، والتحول الديمقراطي، فما الداعي الى اتفاقية التراضي الوطني هذه؟! وإذا كان المؤتمر الوطني، لم يلتزم بتنفيذ الاتفاقية، رغم أنه قد أشهد عليها المجتمع الاقليمي والدولي، ورغم ان عدم تنفيذها، قد يؤدي الى اشعال الحرب مرة أخرى، مما قد يدفع بالتدخل الدولي الشامل، فما الذي يجعله يلتزم باتفاقه مع حزب الأمة، الذي حوى نفس الاشياء التي وقع عليها من قبل، ولم ينفذها؟! هل يظن السيد الصادق ان المؤتمر الوطني سينفذ الاتفاق لأن هنالك نصاً فيه يقول: «احترام العهود والمواثيق»؟! إن ما يسعى إليه المؤتمر الوطني، هو أن يورّط السيد الصادق، ثم يلفظه اذا اختلف معه، أو يبقيه تابعاً ذليلاً اذا لم يجرؤ على الاختلاف معه.. وكان يمكن لتجربة السيد مبارك الفاضل، ان تكون عظة للسيد الصادق، فتبعده عن هذه الصفقة الخاسرة، لولا ان الطمع يعمي ويصم!!
    لقد أقنع السيد الصادق اتباعه، بأنه لم يدخل مع المؤتمر الوطني في هذا الاتفاق، إلا لأن المؤتمر الوطني وعد بالإلتزام باتفاقية السلام، وبالتحول الديمقراطي، وهذا خلاف الحق.. فلقد سبق للسيد الصادق، ان عقد اتفاقاً مع حكومة الانقاذ الوطني، حتى قبل أن توقع اتفاقية السلام، وحين كانت تصعد عملياتها العسكرية في الجنوب، تحت شعارات الجهاد.. وفي ذلك الوقت صرّح بأنه سار الى اتفاق جيبوتي، وهو يظن انه سيصيد (أرنباً)!! فإذا به يصطاد (فيلاً)!! ولكن سرعان ما اكتشف انه رجع خال الوفاض، وان جماعة الانقاذ قد خدعوه، فقال «لقد عقدنا مع الانقاذ (نداء الوطن) عام 1999.. وحقاً وصدقاً صفينا وجودنا الخارجي، ووضعنا السلاح، ونبذنا العنف، ودخلنا مع النظام في تفاوض جاد لتحقيق المطالب الوطنية المشروعة. لم يبادلنا النظام حقاً بحق، ولا صدقاً بصدق، بل عاملنا بالمناورة، والمراوغة...) (بيان السيد الصادق للشعب السوداني: سودانايل 7/6/2004م) حتى اضطر السيد الصادق في ذلك الوقت، لوصف حلفاء اليوم بقوله: «المؤتمر الوطني وحكومته ظلا أسيرين لشعارات فارغة ربطت الإسلام بالدكتاتورية والقهر والنهب» (المصدر السابق). فلماذا صدقهم الآن بعد تلك التجربة المريرة؟! هل تريدون الحق؟ أن السيد الصادق المهدي لا يهمه ان يطبق هذا الاتفاق أو لا يطبق، ولا يهمه ما ورد فيه بشأن السودان، وانما يهمه هو ان يقبض الثمن، تحت مسمى تعويضات آل المهدي!! ألم يرد في هذا الاتفاق تحت بند تهيئة المناخ (3- تنفيذ توصيات هيئة الحسبة والمظالم)؟! وما هي توصيات تلك الهيئة، التي يهتم بها السيد الصادق حتى يجعلها بنداً من بنود التراضي، ألم تكن تعويضات آل المهدي؟! وليت هذه التعويضات التي باع من أجلها السيد الصادق مبادئ الحزب، حين يقبضها يوزعها على أهلنا البسطاء من جماهير الأنصار في الجزيرة أبا فإن حالتهم لا تسر صديقاً ولا عدوا!!


    http://www.alsahafa.sd/Raay_view.aspx?id=48917
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-25-2008, 01:40 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    إلا قليلا
    طبقة رسوبية !
    كمال حنفي

    نهايات أنظمة الحكم مثل نهايات الانسان لا يدرى نظام ماذا يكسب غدا و لا يدرى نظام بأىّ أرض يموت ... يشهد على ذلك نظام الحكم الذى أتى فى مثل هذا التاريخ و اليوم : الأحد 25 مايو ! نظام مايو طوال فترة خدمته و بقائه و تقلباته و تقاطعاته الاقليمية و الدولية واجه عددا من السيناريوهات التى تصلح نهايات سياسية ... لكن كانت تلك السيناريوهات تبدأ بمشهد مايو المردوعة ثمّ تنتهى بمشهد مايو الرادعة ! النظام بدأ اشتراكيا فحشد كل من ينطق بالاشتراكية لمحاربة غير الناطقين بها من القوى الرجعية و التى حصرها بالإسم (الأمّة و الاتحادى الديمقراطى و الاخوان المسلمين) و بنى حسابات مواجهاته على هذا الحصر ! كانت أول المواجهات الدموية مع تلك القوى فى جزيرة أبا و حى ود نوباوى الذى شهدت امدرمان أيضا فيه معركة ضارية بمقاييس ضراوة تلك الأيام ! و الثانية كانت مواجهات الانقسام بين الثورييّن الاشتراكين أنفسهم و التى خرج فيها الرئيس نميرى من معتقله مستحقّا جائزة الرؤساء فى القفز العالى بعدما قفز سور القصر ! شهد النظام بعدها انتفاضة شعبان الطلابية المسنودة بالجبهة الوطنية (القوى الرجعية) ... ثمّ حركة حسن حسين التى استلم فيها العاصمة صباح ذات جمعة و سلّمها فى ضحاها ... و بعدها بأقل من عام عمل مسلّح من محمد نور سعد و من ورائه الجبهة الوطنية تتنكّر فى ثياب مرتزقة و التى سيطرت على شوارع العاصمة و لم تسيطر على ميكروفون الاذاعة ! استطاع النظام تصفية من غير العسكريين الهادى المهدى و عبد الخالق محجوب و الشفيع أحمد الشيخ و محمد صالح عمر و جوزيف قرنق و عباس برشم وعبد الاله خوجلى و عبد الله ميرغنى ... و محمود محمد طه ! استدار النظام مثلما يستدير الزمان فأصبح اصدقاؤه هم الاخوان المسلمون و اعداؤه الشيوعيون ! لم تأت نهاية مايو الا حين عجز النظام الذى اعتاد على الردع من اخراج مسيرة الردع !

    http://www.rayaam.info/Raay_view.aspx?pid=0&id=12379
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-26-2008, 04:18 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الرحيل المفاجئ لـ د.جون قرنق، أين كنت وقتها، كيف كان تأثير الخبر عليك؟
    < حقاً كان الحدث زلزالاً، كنت في بريتوريا، وكان هنالك فريق من أبناء وبنات الحركة يتلقون تدريباً دبلوماسياً في بريتوريا تحت إشراف حكومة جنوب إفريقيا بمساندة بعض جامعاتها تمهيداً لانتمائهم لوزارة الخارجية، وكنت هناك لإلقاء محاضرة أدرجت في البرنامج، وجاءني الخبر، لم أصدق، ثم تأكدت منه. كان حدثاً مؤسفاً محزناً، وحتى الآن لا أريد أن أصدق أن رجلاً بحجم الدنيا قد رحل عن الدنيا.
    > لم ترثه برغم هذا الحزن الكبير فدموعك عبر القلم أبلغ، عندما توفي محمود محمد طه ذهبت تبكيه بالورق فلماذا كان جون قرنق استثناءً؟
    < جون قرنق يحتاج إلى أكثر من مقال، وأنا أعد كتاباً، صحيح أنه كتاب يتناول اتفاقية السلام ولكنه في الحقيقة يتناول دور جون قرنق في اتفاقية السلام.

    http://www.almshaheer.com/modules.php?name=Stories_Arch...ve&sa=show_all&min=0
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-26-2008, 04:21 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-26-2008, 04:41 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    Re: هيئة علماء السودان (التقييم: 1)
    بواسطة بازوكا في الأربعاء 14 مايو 2008

    من الذى اختاركم علماء للسودان ... كما قال الشهيد الاستاذ محمود محمد طه ... والله فعلا علماء للسلطان ..وحساب الاخرة حساب عسير ....والعزة للسودان

    بازوكا...


    http://www.almshaheer.com/modules.php?name=News&file=co...&mode=&order=&thold=
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-26-2008, 04:43 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    ضرب بالرصاص في الخرطوم واعلان حظر التجوال (التقييم: 0)
    بواسطة Anonymous في السبت 10 مايو 2008
    اين الحكومة هى عبارة عن عصابة تحمى نفسها فقط وهذه الفتنة الجديدة زرعها هذا النظام الجائر الخبيث وهذا ما زرعه وعليه تحمل تبعاته والشعب السودانى برى مما يحدث وحركة العدل والمساواة هى جزء اصيل من هذا النظام والكتور خليل كان هو المسئول الاول عن تجييش الشباب للجهاد فى الجنوب ولخلاف بين اعضلء هذه العصابة على السلطة والمال الذى سرقوه اختلفوا هناتحضرنى كامة الشيخ المرحوم محمود محمد طه عندما حكموا عليه بالاعدام قال لهم حكمتم السودان جزئيا الان وستحكموه كاملا وستدمروه كاملا وهذا هو الطوفان ونفس ما قاله الشيخ يحدث الان الشعب السودانى لم ينتخب هذه العصابة لكى تحكمه وهذا فخار يكسر بعضو عاى الشعب رص الصفوف لدحر هذه العصابات التى تسعى لتمزيق نسيجه الاجتماعى والشعب برىء من هذه الخلافات وهذه الحكومة لاتمثل اهل السودان ابدا وعليها ان تذهب غير ما سوف عليها والتحية للشعب السودانى الفضل

    http://www.almshaheer.com/modules.php?name=News&file=co...&mode=&order=&thold=
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2008, 08:22 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    شاهد على العصر يحكي ذكرياته في أيام حكم النظام المايوي
    خلف الله الرشيد رئيس القضاء الأسبق: محاكم العدالة الناجزة عجلت بزوال شمس حكم النميري
    الإسلاميون بايعوا النميري كأمير للمؤمنين وقتل محمود محمد طه خطأ وظلم
    الشيوعيون دمروا الاقتصاد السوداني بتأميم البنوك والشركات لكن النميري انتهى من حزبهم



    جلس اليه ـ عبدالوهاب موسى:
    مولانا خلف الله الرشيد ولد في 1930م درس ما قبل الجامعة بمدني والثانوي بحنتوب ثم القانون بجامعة الخرطوم، عمل مساعد قضائي في الابيض وسنجة والقضارف ثم قاضي درجة اولى بشندي ثم صار كبير مستشاري وزارة العدل، وتلقى الدراسات فوق الجامعية بلندن وكامبردج وهو اول سوداني يتقلد موقع المحامي العام في اعوام 1967م حتى 1969م، ثم عين في عهد حكومة مايو رئيساً للمحكمة العليا والقضاء.
    تحدث إلينا في هذه المساحة كشاهد على العصر في عهد حكومة مايو التي يرأسها آنذاك المشير جعفر نميري.. فتحدث بدون (فلترة) وقال العجب العجاب وحكى بدون تردد فماذا قال؟!



    * حكومة نميري تقلبت في اتجاهاتها الفكرية والسياسية فتارة كانت مايو الشيوعية وفي اخرى كانت اسلامية وغير ذلك.. لكن بين هذه المراحل المتعددة لمايو كانت هناك محطات؟
    مشكلة مايو الاساسية أن مجلس الثورة ليس له تفكير سياسي معين فهم ـ أي الاعضاء ـ كانوا يقولون إن الحكومات السابقة كانت فاسدة وإنهم يبحثون عن حكومة غير فاسدة ولكنهم في نفس الوقت غير منسجمين وظلوا هكذا حتى حل نميري مجلس الثورة وأصبح هو رئيس الجمهورية.
    * لكن الشيوعيين كانوا محطة أساسية في بداية مايو؟
    نميري في الفترة الأولى سيطر عليه الشيوعيون لحين قيام حركة هاشم العطا، وبعدها قتل نميري الشيوعيين وانتهى من الحزب الشيوعي، وكنت وقتها رئيساً للقضاء والمحكمة العليا.
    * كأنك تقول إن الشيوعيين لا تأثير لهم في حكومة نميري؟
    يا ابني في الفترة الأولى الشيوعيون سيطروا على الحكومة وعملوا أشياء لكنها أثرت سلباً على الاقتصاد السوداني وضمنها تأميم البنوك والشركات.
    * ماذا عن قوانين الشريعة في عهد نميري؟
    قوانين الشريعة عورضت بشدة من الكثيرين لأنه لازمها تقييد للحريات وآخرون عارضوا القانون الجنائي آنذاك.. فالاخوان المسلمون استغلوا نميري وحققوا أهدافهم على حسابه.
    * قطعاً نميري له إيجابياته.. أليس كذلك؟
    نميري كان مهتماً بالسيادة الوطنية ولم يربطنا بتحالفات أجنبية وحتى الآن نميري له نزعة وطنية واذكر آنذاك أن القذافي ما كان ـ مبسوطاً ـ من نميري وحسين هبري حاكم تشاد وحاربهما، فالنميري كان يحترم القضاء رغم أن مجلس القضاء العادل كان يرأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه رئيس القضاء وهو المشرف على النظام القضائي.
    * لكن هناك بقع سوداء في حكم النميري والنظام المايوي من بينها محاكم العدالة الناجزة؟
    محاكم العدالة الناجزة ما كانت صورة مشرفة وهي من المسائل السلبية التي أودت بحياة مايو.
    * بحكم قربك من نميري هل كان ناصرياً يا مولانا؟
    نميري كانت له ميول ناصرية لكن أغلبها كان شعارات غير عملية.
    * انجازات لمايو ونميري؟
    النميري كان مهتماً بتسليح الجيش وكان يمنحه الكثير من العناية ونصح بأن يُنتبه للبنى التحتية، ولكن كانت أولوياته بناء البرلمان وقاعة الصداقة وفندق قصر الصداقة كأشياء يخلد بها اسمه، ولم ينتبه للسكة الحديد إلا في أواخر أيامه واهتم بالسكة الحديد، رغم أنه في البداية شرّد العمال.. في مايو السلع كانت غير ـ مطلوقة ـ والمعيشة كانت «كويسة».
    * ماذا عن بيعة نميري كأمير للمؤمنين؟
    الإسلاميون ساقوا نميري وبايعوه هناك أميراً للمؤمنين لأنه كان يدين للمتصوفة وزار أبوحراز وأم ضواً بان وكانوا دايرين يعملوا ليه نائب كأمير للمؤمنين عشان يسيطروا عليه.
    * في رأيك من الذي قتل محمود محمد طه.. وهل كان قتله حق؟
    أنا قلت وقتها إن قتل محمود محمد طه خطأ رغم أنني كنت لا اتفق معه سياسياً، والقتل خطأ لأنه لم تُوجه له أية تهمة.. لأن قانون 1983 ما فيه حد الردة فيه خمسة حدود ولم يتم الاتفاق على حدي البغي والردة أي ما في قانون يحرّم الردة.. فكانت التهمة الموجهة هي إثارة الكراهية ضد الحكومة ومحكمة الاستئناف قبلت القضية وقالت يحاكم بالردة، فقلت لهم أية محاكمة بدون سماع للمتهم فهي باطلة (لأن الله تعالى قال لإبليس مالك لا تسجد)، وقلت لهم سماع أقوال المتهم حق إلهي.. وقلت لهم المحاكمة باطلة، لكن المحكمة الدستورية ألغت الحكم واعتبرته ظلماً، ولكن كل الظلم ارتكبه الإسلاميون لأن المحكمة التشريعية التي قضت بتكفير محمود محمد طه ليست لها صلاحية أن تصدر الحكم والفتوى.
    * البعض كان يقول إن النميري ظالم ويبطش بأعدائه؟
    النميري كان حاسماً وكان يتخذ القرار ويتابعه.. كان لا يحب الاستفزاز وأن يتفلسف عليه الآخرون.. وكان يسمع كلام من يصلحه لكنه لا يريد التحدي.
    * هل كانت لكم تجارب في نقل الخبرات والتواصل مع الآخر على مستوى القضاء؟
    أرسلنا وفد صداقة مع مصر ولكن لم نأت بخبراء منهم فقط جئنا بخبراء لصياغة القوانين ولم نرسل أناساً يتدربون ولم يأتنا مدربون.
    * دستور ناجح في عهد مايو؟
    دستور 1973 هو أفضل دستور في نظام مايو لأنه اخضع الدولة لحكم القانون، ولكن الخطأ الذي وقع فيه نميري هو عدم إشراك كل المعارضة في المصالحة التاريخية 1977م.
    * ما هي العبرة من تاريخ مايو الطويل الذي حكم البلاد؟
    مشكلتنا الأساسية نحن السودانيين إذا درسنا تاريخنا السياسي نجده معتمداً على الشعارات فقط، فالأحزاب كانت تناضل من أجل طرد المستعمر ولكن لم يكن لها برنامج كما أن الأحزاب أيضاً لم تأخذ الفرصة الكافية وحتى الديمقراطية غير مفهومة بالصورة الحقيقية، فالشورى أعم من الديمقراطية، كذلك على الجميع أن يعترفوا بعاداتهم المحلية، فنحن لا نريد آراء فلسفية بقدر ما أن المطلوب دراسة المجتمع ومعرفة أحواله، ويجب ألا نتقيد بالنظريات وأيضاً أرجو الرجوع إلى الله فهو أهم شئ والواجب أيضاً محاربة الفساد بالتربية.
    * هل كنت مؤمناً بالانخراط في نظام مايو؟
    نعم، أنا اشتركت في نظام مايو وكنت عضواً بالاتحاد الاشتراكي وعضواً بالمكتب السياسي.



    **

    http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=10056&bk=1
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2008, 08:23 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    امرأة من زمن النميري..
    بدرية سليمان تدقق في دفاتر مايو
    لــم انتمِ إلى مايـــو لأننــي أكـره الاشتراكيــــــة
    حرمت من العمل بوزارة الخارجية لأنني كنت اتحادية..
    الترابي لم يضع حرفاً واحداً في تشريعات سبتمبر ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد..
    مايو كانت دولة مؤسسات ونميري رجل دولة حقيقي..



    بدرية سليمان.. اسم تردد في اكثر من مكان وزمان داخل مؤسسات الدولة في السودان خلال الثلاثين عاماً الماضية.. الا أن ارتباط صاحبة هذا الاسم بنظام الرئيس الاسبق جعفر محمد نميري جعلها لدى الكثيرين موصوفة بالمايوية. وهو الشئ الذي نفته نفياً قاطعاً اثناء الحوار الذي اجرته معها «الوطن» في اطار توثيقها لهذه الفترة.. وظلت تؤكد طوال زمن الحوار و«بشدة» على أن علاقتها بمايو لم تكن اكثر من ارتباط وظيفي مهني «بحت» وأن دورها لم يتجاوز حدود مواصفاتها القانونية التي اهلتها لشغل العديد من الوظائف العليا، ومن بينها عملها كمستشار قانوني برئاسة الجمهورية.. والحوار بطبيعة الحال تطرق إلى جوانب أخرى للاستاذة بدرية سليمان تبتعد كثيراً من دائرة وجودها داخل أضابير مايو وما صاحب تلك الفترة من قرارات وتفاعلات و«انفعالات» مازالت تداعياتها تتردد حتى اليوم في السودان، ومن بينها يكفي فقط أن نذكر ما اتفق الناس على تسميته بقوانين سبتمبر وتصر الاستاذة بدرية على اطلاق صفة «التشريعات الاسلامية» عليها وما بين هذا ذاك كان الحديث التالي:



    * حوار: هويدا الشوية *
    * أنت من بين عدد من النساء اللائي كان لهن حضوراً متميزاً داخل مؤسسات مايو.. ما هي حدود علاقتك مع هذا النظام طيلة تلك السنوات؟
    ليست لدي اية علاقة بمايو..
    * الجميع يعرف أنك كنت واحداً من أعمدة مايو.. فلماذا تنكرين الآن؟
    (؟؟؟).. دعيني اقول لك واكرر أنني لم تربطني بمايو أية علاقة سياسية.
    * إذن ما هو نوع العلاقة التي سمحت بوجودك داخل القصر الجمهوري في تلك الفترة؟
    مثل غيري عقب تخرجي في جامعة القاهرة فرع الخرطوم بكلية القانون، حاولت في البداية الالتحاق بوزارة الخارجية الا أنني فشلت في تحقيق هذه الرغبة.
    * لماذا؟
    لأنني كنت أقود تنظيم رابطة الطلبة الاتحاديين داخل الجامعة وكان هذا كافياً لابعادي من أية وظيفة بالخارجية.
    * ثم ماذا؟
    بعدها التحقت بالعمل بوزارة العدل كمستشار وكنت ثاني امرأة تعمل في هذه الوظيفة بالسودان وتدرجت حتى وصلت إلى رئاسة الجمهورية كرئيس لإدارة التشريع والشؤون القانونية في العام 1982م.
    * هل يعني هذا أنه لم تكن لديك أية ميول سياسية في تلك الفترة؟
    أنا كرست كل جهدي في العمل المهني القانوني بحكم تخصصي وخبرتي في هذا المجال.. وعملي في رئاسة الجمهورية لم يكن في أي يوم من الأيام له علاقة بالجوانب السياسية.
    * لماذا تجهدين نفسك لرد تهمة العمل مع نظام مايو؟
    بالعكس، العمل الذي قمت به ليس فيه ما يشين، بل أنني اعتز به جداً.. من الذي لم يعمل مع مايو؟ كل الشعب السوداني فعل وأنا واحدة من هذا الشعب.
    * ما الذي منعك إذن من المشاركة في نظام نميري ومؤسساته السياسية وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي؟
    كنت ومازلت اكره كلمة (الاشتراكية) ومعلوم أن مايو أتى بها الشيوعيون، لذلك لم افكر يوماً ما أن يكون لي أي دور سياسي في حكومة نميري.
    * وإن كنت تنفين أية علاقة سياسية لك بمايو، إلا أنك أحد (عرابي) قوانين سبتمبر.. ماذا تقولين في ذلك؟
    أولاً أنا لا أسميها قوانين سبتمبر، بل التشريعات الاسلامية هو الاسم الحقيقي لهذه القوانين لأنها مستمدة من القرآن والسنة.
    * ولكنها صدرت في سبتمبر 1983م لذلك تعرف الناس عليها بذلك الاسم؟
    هذا ليس صحيحاً فهذه التشريعات لم تصدر في سبتمبر، فهي مجموعة قوانين بلغت 15 قانوناً من بينها: قانون المعاملات المدنية وقانون أصول الأحكام القضائية وقانون الاجراءات المدنية وقانوني العقوبات والاجراءات الجنائية اضافة إلى القوانين الخاصة بالنائب العام والقوات المسلحة والشرطة والزكاة والضرائب وغيرها.. ومع ذلك لا يعرف منها إلا قانون العقوبات الجنائية!
    * ما هي مساهمتك بالتحديد في هذه القوانين؟
    كنت عضو اللجنة الفنية التي قامت بإعداد هذه القوانين وصياغتها قبل أن تقدم للمصادقة عليها.
    * ومن هم الأعضاء الآخرين؟
    النيل ابوقرون ومولانا عوض الجيد محمد أحمد..
    * وأين كان د. الترابي من هذه القوانين وكان يشغل وقتها منصب مستشار الرئيس نميري للشؤون القانونية؟
    للحقيقة والتاريخ أن د. الترابي لم يكن له أيه علاقة بهذه القوانين من قريب أو بعيد وأنا اقول هذا الحديث ود. الترابي وكل الذين كانوا بالقصر موجودون.. تستدرك.. واذكر أن المرة الوحيدة التي حاول فيها د. الترابي التدخل أن عدداً من الجهات الحكومية تقدمت بمذكرة لاستثناء السفارات والأسواق الحرة من منع استيراد الخمور واستخدامها من قبل هذه الجهات. وبحكم منصبه كمستشار قال لنا ارفعوا مذكرة للرئيس.
    * وماذا قال الرئيس؟
    رفض بشدة أية استثناءات وقال إن الذي يريد أن يعمل في السودان عليه القبول بهذه القوانين والالتزام بها.
    * الكثيرون أعابوا على قوانين سبتمبر سوء التطبيق الذي صاحب الكثير من القضايا التي خضعت لأحكامها خاصة تلك المتعلقة بالجرائم الحدية.. كيف ترين ذلك؟
    إذا تحدثت عن دوري فإنه لم يتجاوز مرحلة الإعداد والصياغة القانونية.. والحديث عن التجاوزات التي حدثت في تطبيق قانون العقوبات مبالغ فيه.
    * يقال إن عدد الأيدي التي تم قطعها بموجب تلك الأحكام تجاوز مجموع حالات القطع التي شهدتها الدولة الاسلامية منذ دولة الرسول «صلى الله عليه وسلم»؟
    هذا حديث لا أساس له من الصحة ومبالغ فيه وقصد منه التشويش على هذه القوانين ومحاربتها..
    * الواقع وربما السجلات تقول بذلك فلم تنكرين؟
    * دعيني اقول لك إن للقاضي سلطات تقديرية يمكنه استخدامها حسب الظروف الموضوعية لكل قضية ولا استطيع أن اصدر رأياً حول أي حكم صدر بموجب التشريعات الاسلامية.
    * ومقتل محمود محمد طه هل كان أيضاً بناءً على هذه السلطة التقديرية؟
    محمود محمد طه استوفت قضيته كل الشروط اللازمة للحكم الذي صدر بحقه.. والرئيس نميري رفض كل محاولات إيقاف تنفيذ الحكم التي قام بها عدد كبير من القيادات السودانية حينها ومع ذلك فقد استشار في تنفيذ هذ الحكم عدداً كبيراً من علماء الدول الاسلامية وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي وعدد من علماء مكة والأزهر الشريف.* كانت محاكمة سياسية؟
    بل كانت حكماً بالردة تمت استتابته وقع فيه ثلاثة أيام مثلما قالت الشريعة والعلماء إلا أن محمود لم يرجع ونفذ فيه الحكم.
    * هل أنت نادمة على مشاركتك في هذه القوانين؟
    بالعكس أنا اعتز بهذه المشاركة واعتبرها شرفاً لي.
    * بعيداً عن قوانين سبتمبر وبعد كل هذه الفترة كيف تصفين جعفر محمد نميري؟
    نميري كان رجل دولة حقيقياً ويعتمد على المؤسسية في ادارة الحكم.
    * هل تعتقدين أن لمايو انجازات تحسب لمصلحتها؟
    نعم.. والدليل على ذلك الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي صاحبها طيلة 16 عاماً من عمرها، وما ميز مايو عن غيرها من الحكومات في السودان، الديمقراطية منها والعسكرية أن جعفر نميري كان يعتمد على التكنوقراط في تكوين حكوماته المتعاقبة.

    http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=10056&bk=1
    ___
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 03:14 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    بين ذبح محمد طه وقتل الاستاذ محمود



    د. أسامة عثمان

    نيويورك





    هكذا قد انقضى أكثر من شهر على مصرع الأخ محمد طه محمد أحمد ولم نسمع أن الشرطة قد توصلت إلى شيئ قد يقود إلى معرفة الجناة وليس في تصريحات وزير الداخلية ما يدعو للاطمئنان، وقبل ان يدخل الحدث شيئا فشيئا في عالم النسيان دعونا نحاول قراءة دلالة الحدث ونتخذه مدخلا لتقديم مقترح قد يسهم في إيقاف نذر ما قد يكون الحدث بداية له.

    كتب عن محمد طه محمد احمد الكثير، وعبر الجميع عن فجيعتهم إما لمعرفة شخصية بالقتيل أو لبشاعة الشكل الذي تم به الاغتيال وإمعانه في التوحش والبربرية أو لأن الحدث يعتبر نتيجة منطقية لسياسات قادت إليه وقد تقودنا إلى مآل مظلم إن لم يتم تدارك الأمور.

    أما أنا، فقد كانت فجيعتي للأسباب الثلاثة مجتمعة حيث تعود معرفتي بالأخ محمد طه إلى أيام مروي الثانوية عندما كانت تعج بنشاط طلابي كثيف يتوزع بين الأخوان المسلمين والجبهة الديمقراطية وتنظيم الاشتراكيين العرب، كان محمد طه عروبي الهوى معجبا بعبد الناصر والعقاد وطه حسين يقرأ ويلتهم كل ما يأتي من مصر بشراهة وكان الطلاب النابهون يتوزعون بين التنظيمات الثلاثة وكان من المتوقع أن ينضم محمد طه إلى تنظيم الاشتراكيين العرب لميوله العروبية ولكنه فاجأ الجميع ذات يوم حين أعلن انضمامه لتنظيم الأخوان المسلمين وأحسب أن ذلك يعود لروح تمرد وثورية كامنة في نفسه أزكتها الاخبار التي كانت تأتينا من جامعة الخرطوم وبطولات أعضاء الاتحاد الذي يقوده الاسلاميون في مواجهة سلطة مايو فيما عرف بحركة شعبان 1393 هجرية أو حركة أغسطس 1973 ميلادية وليس شعبان 1973 كما تجدها في بعض الكتابات. كنا نتسقط أخبار تلك الأحداث وننظر إليها بإجلال من أقاليمنا النائية.

    كان انضمام محمد طه للاخوان المسلمين كدخول عمر بن الخطاب إلى الإسلام حيث رجحت به كفتهم وعلا صوتهم وصار صوت محمد طه وجداله يسمع في كل مكان ولم يعرف محمد طه التدرج في أسر الاخوان المسلمين وسلمهم التنظيمي فصار بعيد انضمامه مسؤول التنظيم السياسي ولم يقطع خياره السياسي الذي كان بعيدا عن خياراتي ماكان بيننا من صلة قوامها تبادل الكتب والمجلات المصرية التي يعز العثور عليها في ذلك الصقع النائي.

    ما من شخص كانت له صلة بجامعة الخرطوم في الفترة من 1975- 1985 إلى وقد شاهد محمد طه في ركن نقاش أو ندوة أو شاهده يعلق جريدة "أشواك" فلقد ظل على صلة دائمة بالجامعة حتى بعد أن تخرج منها.

    صرت التقيه مصادفة بعد أن فارقنا الجامعة في لقاءات قصيرة وعابرة ولكنها ذات دلالة ومفيدة انتقي منها هنا بعض مواقف ربما يكون في ذكرها فائدة.

    عاد إلى الجامعة ذات يوم وعلق في شجرة النشاط خطاب فصل صدر في حقه ممهورا باسم النائب العام "حسن الترابي" حيث أنه كان قد التحق مستشارا قانونيا بالديوان عقب تخرجه والحق بديوان المراجع العام وقد كان يجاهر بانتقاد النائب العام الذي كان رئيسا لما كان يعرف وقتها بلجنة تنقية القوانين لتتوافق مع الشريعة الاسلامية وكان ينعي على اللجنة بطئها في الأمر وخوفها من نميري!. لا شك أن ما من أحد كانت له صلة بالجامعة في الفترة المذكورة إلا وله قصه مع محمد طه.

    قابلت محمد طه راجلا، كعادته، ذات يوم في أحد شوارع حي الرياض في أيام الانقاذ الأولى في فترة كان مغضوبا عليه فيها وابعد من صحيفة الانقاذ التي كان يكتب فيها متخفيا في أيامها الأولى لمناصرة الانقاذ وهي لا تزال في المهد.

    عرضت عليه أن أوصله بسيارتي إلى حيث يريد فوافق وانطلق في الحديث دون مقدمات وكان متبرما من كل شيئ ومضي محللا لحدث الساعة إلى أن قال: "لن ينصلح حال هذه البلاد إلى بعد طلوع الروح، وكان يشير بذلك إلى الدكتور حسن الترابي الذي كان بين الحياة والموت في كندا بعد الضربة المعروفة التي تعرض لها، ومضى متبرعا لي بالكثير من المعلومات ليدلل على أن مأساة الحركة الإسلامية والسودان عموما سببها الأول حسن الترابي ثم أصدر كتابا بعد ذلك بقليل لم يذكر فيه، لدهشتي، شيئا مما صرح به دونما سؤال في تلك الرحلة! انزلته أمام أحد المنازل في الرياض عليه لافتة مكتوب عليها اسم مؤسسة ما للانتاج الإعلامي سألته ما سر كثرة الأسماء الإعلامية في هذه الأيام ففاجأني بقوله: دعك من اللافتات فكلها بيوت أمن! ومضى شارحا ان ارتباط الأمن بالإعلام يضر بالإعلام والأمن معا ولم يكن سعيدا كصحفي بهذا الارتباط فقلت له أوَ لم تتخفى أنت نفسك تحت اسم "محمد أحمد جنقال" تماهيا مع الكذبة التاريخية للانقاذ وكنت تمجد الانقلاب وتحاول ترسيخ الإنقاذ؟ فقال بربك هل في هذا الاسم اختفاء وإن كنت قد اختفيت وراء هذا الاسم لدى الكثير فقطعا لا استطيع إخفاءه ممن لهم صلة بمروي ومدرستها فالجميع يعرفنا بأولاد جنقال، قلت على كل حال إن اسلوبك يدل عليك مهما كان المسمى.

    ومرت سنوات لم أقابل محمد طه بعدها حتى التقيته قبل بضع سنوات في إحدى ساحات المحاكم التي كثر تردده عليها. كان يوما مشهودا صحبت فيه أحد الأصدقاء الذي كان قد رفع دعوى في قضية نشر ضد الاستاذ كما حسن بخيت سويت لاحقا خارج المحكمة. ربما كان ذلك اليوم مخصصا لقضايا النشر ما أن غادر الأستاذ كمال قفص الاتهام حتى ظهر محمد طه ليحل محله ليمثل أمام القاضي في دعوى رفعها ضده الدكتور مصطفي عثمان أسماعيل وزيرالخارجية وقتها بسبب مقالات نشرها محمد طه في جريدته انتقدته وانتقدت سياسته واشتملت على اتهامات متعلقة بالمال العام وتبديده. ولقد كان مسار الجلسة وخلاصتها حدثا بكل المقاييس وكنت أحسب أن محمد طه سيفرد لوقائع المحكمة ومرافعة القاضي الصفحة الأولى من جريدته في اليوم التالي ولكنه أوردها كخبر عادي دون تعليق. لقد كانت الحيثيات التي قدمها القاضي في تلك الجلسة متميزة وأدهشني القاضي حقا في عهد شهدنا فيه بعض القضاة من الشباب الجهادي في عهد الإنقاذ يدخلون قاعة المحكمة بزي الدفاع الشعبي ويصدرون أحكاما قد تصل إلى حد الإعدام. بدأ القاضي حيثياته بتعريف جامع مانع للشخصية العامة في مقابل الفرد العادي مستشهدا بأساطين القانونيين ثم طبق تعريفه على وزير الخارجية فانطبق عليه تماما. ثم مضى في تفصيل مطول عن الدوافع في بناء أركان الجريمة فخلص بعد استعراض مقنع إلى أن المحكمة لم تر دافعا شخصيا وراء النقد الذي ورد في الصحيفة حيث لم يكن بين الشاكي والمدعى عليه من تنافس أو تخاصم في أمر شخصي وخلص من ذلك إلى أن ليس للمتهم من دافع، فيما ترى المحكمة، غير المصلحة العامة وإلى أن ماكتب في حق المدعي مما أورد ممثل الاتهام من نوع "إن مصطفي عثمان هو أفشل وزير خارجية منذ استقلال السودان" ليس حقيقة مطلقة وإنما يدخل في عداد الرأي وليس على الرأي حجر بحسب القانون والدستور. ثم مضى القاضي في حيثياته في مناقشة أمر تبديد المال العام وإشارة المتهم إلى أن الوزير يصرف بدل السفرية ويقيم في منزل السفير ويتنقل بسيارة السفارة فكيف يستحل ذلك المال العام. قدم الاتهام مكتوبا من مدير الشؤون الإدارية والمالية في وزارة الخارجية يشهد فيه بأن السيد الوزير كان يرد لخزينة الوزارة بعد عودته من الخارج بدل السفرية إن لم يكن قد انفقه في رحلته. قلل القاضي من قيمة هذه الشهادة بل استبعدها تماما لأنها صادرة عن مرؤوس للمدعي وبالتالي هي مقدوح فيها. ومضى أكثر من ذلك إلى القول بأن المتهم قد استدل على ما يقول بما ورد على لسان سفير السودان في الدولة المعنية في مقالات منشورة في الصحف وترى المحكمة أن ذلك المصدر مصدر حسن لأنها لا ترى سببا في التشكيك في صحة ما أورد شخص على قدر من المسؤولية جعلت الدولة تعينه سفيرا ووزيرا فيما ما مضى وذكر أن مما يحمد للمتهم انه لم يستشهد على قوله بمن يعارضون الوزير وحكومته وإنما جاء بأدلته ممن هم في معسكر حكومة الوزير. ثم قال القاضي: لكل تلك الأسباب ولتيقن المحكمة من حرص المتهم على توخي المصلحة العامة في مجموعة المقالات موضوع الاتهام رأت المحكمة رفض الدعوى وإخلاء سبيل المتهم, ولا أدري إن كان السيد الوزير قد حاول الاستمرار في التقاضي لمرة أخرى، وربما آثر الأخ محمد طه عدم التعليق تحسبا لملاحقة قد تستمر في مستوي آخر من التقاضي.



    سودت الصحف بمداد كثير بعد جريمة ذبح الأخ محمد طه الكثير منها يحمل الحكومة، بل الدولة في عهد الانقاذ، قدرا من المسؤولية فيما حدث بخلق وتشجيع النهج الاقصائي الذي يقود إلى إلغاء الآخر حتى إن كان ذلك بتصفيته جسديا في إطار خلفية من التكفير والتجريم في جو مفعم بالهوس الديني وخطاب الغلو. اتبع أهل الإنقاذ نهجهم الثابت في الصمت والتجاهل على الرغم من خطورة الاتهام والتجاهل هو النهج الذي يردون به على الاتهامات المتكررة عندما يتعلق الأمر بالفساد والمحاباة وإهدار المال العام مما يجعل المرء يتسآل عن جدوى حرية الصحافة ومعاناة الصحفيين التي قد تقودهم إلى حتفهم دونما يحدث ذلك تغييرا في موقع أحد أو تقديمه لمحاسبة.

    ما من زعيم أو سياسي أو صحفي أو مفكر إلى وكان قد أدان وشجب واستبشع جريمة ذبح الصحفي محمد طه محمد أحمد وذلك بغض النظر عن الموقع السياسي أو الفكري وأكد الجميع على مبدأ حرية الرأي وحرية الصحافة ولكن حتى نستشعر أن من قالوا بذلك يعنون ما يقولون دعنا نضعهم على المحك فالقول ينبغي أن يؤكده العمل.

    في اعتقادي أن لحدثين اثنين مهمين دلالة كبرى في مسار تاريخ السودان الحديث ومسألة الحريات وممارسة السياسة ولن يستقيم الأمر إلا بعد الوقوف عندهما مليا وتقييمهما وتقييم مواقف الجميع استنادا على مواقفهم من هذين الحدثين. أول الحدثين هو قضية حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان وعدم الاستجابة لقرار المحكمة الذي أبطل القرار. فالحدث ملئ بالدلالات من حيث دراسة الملابسات التي قادت إليه والنهج الذي اتخذ لتهييج الشارع ثم المكايدة السياسية وما قادت إليه وعدم الامتثال لأمر القضاء ودلالة ذلك في الحياة القضائية والسياسية. على الجميع أن يحددوا لنا رأيهم في الحدث بعد مرور أكثر من أربعين عاما عليه. أورد دكتور الترابي في أكثر من مرة أن حل الحزب الشيوعي كان إجراء دستوريا لا حرج فيه ولقد ظل يكرر هذا الرأي حتى مفاصلته مع الانقاذ ولا ندري إن كان قد اهتدى إلى غير هذا الرأي بعد محنته مع من جاء بهم. أما السيد الصادق المهدي فقد اشيع أنه قد أرسل في بداية التسعينات لسكرتير الحزب الشيوعي السوداني رسالة أقر فيها بخطأ حزبه في تلك القضية وخطأ موقفه الشخصي نأمل أن يكون ذلك يكون صحيحا وليته جاهر بهذا الموقف واثبته للتاريخ وهو لا يزال لاعبا أساسيا في الحياة السياسية في السودان. ما هو موقف بقية أهل السياسة والحكم في هذه القضية الجوهرية لا شك أن الكثيرين يعنيهم أن يسمعوا رأي الرئيس البشير ونائبيه والدكتور إبراهيم أحمد عمر وغير ه من رجال حزبه، ما هو رأي أستاذنا الحبر يوسف هل يتفق مع رأي السيد صادق عبد الله عبد الماجد الذي ظل يردد ما كان يقوله في عام 1965 بحزافيره عندما استضافه عمر الجزلي مؤخرا في برنامج توثيقي.

    الحدث الثاني المهم هو قتل الاستاذ محمود محمد طه بدعوى الردة أو محاربة الدولة أو الزندقة أو ما شئت من التهم. أننا لن نثق في سياسي أو مفكر أو صحفي أو زعيم يكلمنا عن حرية الرأي وحرية التعبير أو الحرية الدينية وهو ممسك بأن يقول لنا صراحة ما هو رأيه فيما حدث صبيحة يوم الجمعة 18 يناير 1985 في ساحة الاعدام في سجن كوبر(يسميها البعض ساحة العدالة!) كما كتب كثيرون إنا نعتقد أن محمد طه محمد أحمد قد ذبح هو أيضا في ذلك اليوم، فتصفيه الخصم الفكري أو السياسي وان اتخذت شكلا قانونيا حتى وإن كان صوريا في مثل محاكمة الاستاذ محمود لاتختلف عن تصفية صحفي باختطافه من منزله وجز رأسه وإلقائه في العراء.

    دعونا نستعرض بعض آراء من عبروا عن رأيهم في هذه القضية: سئل الرئيس جعفر نميري عن إن كان نادما على قتله الاستاذ محمود فأجاب أن "محمودا كافر وزنديق ومرتد وأنه ليس نادما على التصديق على اعدامه ولو بعث من جديد لامر باعدامه مرة أخرى" هذا رأي واضح لا لبس فيه وفيه تحمل للمسؤولية وليس محاولة للاختباء خلف عبارات من نوع "إن حل الحزب كان أمرا دستوريا" كما رأينا قبلا، أو أن هذا" أمر محكمة وليس بوسعي التعليق" كما سنرى لاحقا. ربما كان نميري صريحا فيما قال لأنه يدرك أن قوله ليس مما يعتد به حاليا أو لسبب يتعلق بقواه العقلية وتأثرها بعامل السن! ولناخذ سياسيا آخر قبل أن نعرض لرأي الثور الأسود في أكل الثور الأبيض.

    ذكر الدكتور حسن الترابي في حوار مع أمينه النقاش نشرته صحيفة الأهالي بتاريخ 1 مايو 1985 في رد على سؤالها: لماذا وافقتم على إعدام زعيم الحزب الجمهوري الشيخ محمود محمد طه؟

    أجابة الدكتور كانت اشبه بالمرافعة حيث قال " لأن الشيخ طه مرتد، واصبح قاعدة للغرب، لأنه يريد أن يجرد المسلمين من فكرة الجهاد، كما يريد أن يدخل الماركسية والرأسمالية والليبرالية الغربية في بطن الاسلام، كما جعل من نفسه إلها ينسخ أركان الشريعة، كما ظل يدعو للصلح مع إسرائيل منذ الخمسينات وأيد نظام نميري في قتل الانصار في أبا وقتل الشيوعيين ثم عارض مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية وأحسب أنه قد لقي جزاءه" ثم اردف ردا على سؤالها الثاني: هل معنى ذلك أنك تطالب بإعدام من يخالفونك الرأي؟ "هنالك طبعا فرق بين المخالفة في الرأي وبين الردة الدينية السياسية والعمالة للغرب وإسرائيل"

    هذا هو رأي الدكتور حسن الترابي في عام 1985، هل يا ترى أجرى الدكتور مراجعة لهذا الرأي بعد خلوته الأخيرة في سجن كوبر التي صرح بعدها بآرائه الفقهية ومن بينها عدم قتل المرتد؟ ماذا يقول بعد ان صدر عليه حكم بالردة من بعض الجماعات وفي مثل هذه الاحكام تستوي جماعات الغلو مع محاكم الغلو وغلو الحكام، نتمنى أن نسمع للدكتور حكمه الحاضر في "الردة الدينية والسياسية والعمالة للغرب وإسرائيل" .

    كتب السيد الصادق المهدي في كتابه عن الإسلام في السودان بضعة اسطر عن الحركة الجمهورية التي سماها في شيئ من السخرية "الحركة الطاهوية" لم اقع له على رأي في مسألة الردة وإعدام الاستاذ محمود تحديدا نرجو أن نسمع رأيه في هذه القضية الاساسية فهي محك ومقياس، فيما نرى، لمصداقيته الفكرية والسياسية.

    في مقابلة متميزة أجراها الصحفي ضياء الدين بلال مع الصحفي محمد طه عندما حكمت عليه بعض الجماعات بالردة وطالبت باعدامه وربما كانت ضالعة في تصفيته من يدري ونتائج التحقيق لم تظهر بعد، وأعاد نشرها بعد مقتله، كان محمد طه قد عبر فيها عن رأيه في مسألة الردة حيث قال ردا على سؤال ماذا تعلمت من الفكر الجمهوري غير الاحتجاج؟ " الفكر الجمهوري به إضافة مهمة جدا ألا وهي تأكيده على فكرة العدالة الاجتماعية، فحياة الجمهوريين وحياة الاستاذ محمود فيها كثير من الزهد، محمود كان بيته من الجالوص، وفيهم الكثير من حياة الأشعريين، ولولا بعض شطحات محمود محمد طه لاتبعه كل السودانيين... فهو قدوة في السلوك"

    هل أنت حزين لاعدامه؟

    "شوف دا سؤال خطير، وأنا زي ما بتمنى لنفسي الهداية...كذلك كنت أتمنى لمحمود الهداية... وهذا ما قاله شيخ أبو زيد كذلك.."

    الاجابة غامضة هل تعتقد أن اعدامه كان خطأ؟

    " والله دا قرار محكمة وليس بوسعي التعليق"

    لم يقتنع الصحفي اللحوح بهذه الاجابة الهروبية ولاحقه بسؤال آخر: بناء على الحيثيات التي اعدم على إثرها وأنت القانوني ماذا تقول؟

    " لعادل إبراهيم حمد إجابة ذكية هي أن محمود لم يكن طارحا نفسه كبطل ولكن كصاحب دعوة...." ومضى النهج الهروبي دون الإجابة على السؤال المحدد ولماذا الاستشهاد بشيخ أبو زيد وعادل إبراهيم حمد وكلاهما حي يرزق يمكن أن يعبر عن رأيه في أكثر من منبر؟ ألم أقل لكم أن الإجابة عن هذه المسألة هي مربط الفرس كيف صار محمد طه فجأة مراوغا وجميع إجاباته في المقابلة قبل وبعد هذا السؤال في غاية الوضوح والمباشرة. تحدث عن "قرار محكمة" ويعلم وهو القانوني الحاذق أن القضاء السوداني قد برأ نفسه من سبة تلك المحكمة عندما أصدر أمرا لاحقا في العهد الديمقراطي أبطل فيه قرار محكمة المكاشفي تماما كما برأ القضاء نفسه من مهزلة حل الجمعية للحزب الشيوعي فأصدر حكما ببطلان ذلك القرار أدى لاستقالة القاضي بابكر عوض الله كما هو معروف, بالطبع لا نتوقع إجابة من محمد طه وهو بين يدي الله ولكن نتوقع من الأحياء من أهل الفكر والصحافة والسياسة أن يقولوا لنا رأيهم في هاتين المسألتين حتى يكون لحديثهم عن حرية الرأي والتعبير معنى عند من يستمع إليهم ليت الصحافيون يجعلون السؤال عن هاتين المسألتين سؤالا ثابتا في كل مقابلة تجرى مع أحد الزعماء أو المفكرين أو رجال السياسة. نسأل الذين هتفوا في ساحة الاعدام، وفيهم أساتذه جامعة، وهو يشاهدون جسد الاستاذ محمود معلقا في الهواء "لقد سقط هبل" وعادوا إلى الجامعة يهللون ويكبرون واشاعوا جوا من الارهاب لن ينسى.

    لقد كتب الكثير عن اسهام الحكومة والدولة في إشاعة جو الهوس الديني والفكري والتمكين للفكر الاقصائي بل طالب البعض بمحاكمة البعض كمسؤلين مباشرين عن جريمة القتل النكراء ولا نريد أن نجرم أحدا ولكن نذكر الجميع بمسؤلياتهم تجاه الوطن والمواطنين بسبب موقفهم المهادن في أحسن الظروف لأصوات التطرف والغلو إننا لا نستطيع أن نفهم كيف تصدر جماعات احكاما تكفيرية وتطالب بما تسميه إقامة الحد أو إنفاذ أمر الله في أفراد يخالفونهم الرأي بل يرصد بعضها الجوائز لمن يأتيهم برأس أحد الذي ورد اسمائهم في القوائم ولقد أوردت الصحف مؤخرا شيئا من ذلك ولم نشاهد تحركا لوزير الداخلية أو الشرطة للتحري في الأمر أو إيقاف أصحاب هذه التصريحات. إن من شأن هذا الصمت المتواطئ أن يخلق الجو المناسب لإلغاء الآخر الذي يتم التعبير عنه بصور تتفاوت في الشكل وليس في المضمون، إننا نشاهد توحدا في الرسالة عندما يكتب محمد طه مثلا في صفحة الوفاق الأولى " ما في تاني مكانة لفكر علماني" نقلا عن النشيد المشهور الذي يتردد باستمرار في ساحات الفداء، ثم يشرح في مقاله كيف أن الأمة قد حسمت أمرها ووجهتها وأن الفصل الأخير في تاريخ السودان قد كتب ولقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، ثم تجد رأس الدولة يردد أمام جمع من الجمهور وعبر الاثير وهو في حالة نشوى "مافي تاني مكانة لفكر علماني"، ثم يأتيك من يصدر قائمة بإقامة الحد على فلان وعلان بتهمة العلمانية وتضم جهة الفتوى مفتى شاب يفتح له التلفزيون القومي وقتا كبيرا للخوض في أمور الدين والأمة ولم يسآله أحد عن ارتباط اسمه بهذه الفتاوى التي يجرمها القانون حتى في نسخته الانقاذية. كيف يسأل ألم يقل الرئيس نفسه أن لا مكانة لفكر علماني؟ ألا يرى من يرددون هذه الأقوال بأن هنالك صلة وإن لم تكن مباشرة بين ذلك وبين ذبح محمد طه؟ هل هم على استعداد للقيام بخطوات معلومة لتنقية الجو وتفعيل القوانين ومحاربة الغلو أم أنهم ينتظرون حتى يذبح شخص آخر ليعلنوا إدانتهم وشجبهم للحادث البشع المعزول؟ا



    د. أسامة عثمان

    نيويورك



    http://www.sudaneseonline.com/ar/article_5802.shtml
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 03:50 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    قراءة نقدية لخطاب المهدية الجديدة
    الصادق المهدي في آخر تجلياته
    أبكر آدم إسماعيل
    القاهرة ـ يناير 2001م
    ====


    مقدمة:

    تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة نقدية لخطاب المهدية الجديدة، الذي هو خطاب الصادق المهدي، وفي آخر تجلياته، كتاب العودة، الذي صدر مؤخراً، وقامت جريدة الحياة بنشره مسلسلا في أكثر من عشر حلقات، وفي توقيت متوافق مع تحركات الصادق المهدي لدرجة قادت بعض الناس إلى إطلاق إشاعات حول تواطؤ تم بينه وبين الجريدة. ومهما يكن من أمر، فهذا جزء من طرائق عمل أجهزة الإعلام العربية في التعامل مع الشأن السوداني، الذي يعتبره البعض انحيازا تقليديا لخطاب المركزية ذات التوجهات الإسلاموعربية.

    على أية حال، فكتاب العودة، هو في رأينا تلخيص لعناصر الخطاب المهدوي الجديد. وهو في الواقع شكل من أشكال الترحُّل النصي لمقولات سابقة، إذ أننا وجدنا أن أغلب المقولات الرئيسية هي إعادة إنتاج لأفكار الصادق المهدي السابقة، وكتابه "تحديات التسعينات" بالخصوص.

    ولأن الكتاب لم يقم على منهج واضح في تسلسل موضوعاته، وهو أقرب إلى الجالوص منه إلى العمارة، وتكثر فيه التكرارات، وخاصة المقولات المنفستوهاتية، لذلك، فإننا سنحاول الإمساك بالأفكار الجوهرية والمقولات المفصلية (النمطية) والعناصر الأساسية، ومن ثم تفكيك كل منها وإرجاعه إلى حقله الفكري الأيديولوجي، وأساسه الموضوعي ـ الإجتماعي التاريخي؛ أي أن نقدنا يقوم على منهج وصفي تحليلي.

    من ملاحظاتنا، أن الصادق المهدي قد زين خطابه بمقولات تصور الأشياء بشكل لا يتسق مع واقعها في كثير من الأحيان، وعلى أساس هذه الصور، استلف المنفستوهات الطافحة فوق الأزمة السودانية وألحقها بآليات، فصلها مثل "قمصان عامر" وألبس كل عامر قميصه (وعامر هنا موديل صوري قابل للتغيير باستمرار حسب ما رغبة الصادق المهدي وما يقتضيه التكتيك). وحتى أن المهتمين والمراقبين بدأوا يتساءلون من فرط (عقلانية) "الأطروحة": إذا كان الأمر كذلك، فما هي المشكلة إذن؟

    طبعا الصادق المهدي شخص ذكي، ولديه القدرة على (اصطناع) المنطق الشكلي في حلبة اللامنطق (السياسة السودانية). ولما للأمر من أهمية قصوى تتعلق بمصير ومستقبل شعب في لحظات فارقة، فإننا ـ كما كنا دائما ـ نسعى إلى تفحض دقيق لهذا (المنطق)، إنطلاقا من شكنا المنهجي في المقولات السياسية عامة، ولمفارقة هذا (المنطق) وتلك (العقلانية) للواقع. وبالتالي ليس أمامنا إلا إعادة النظر في الخطاب بالاحتكام إلى السيرورات التاريخية، وإرجاع المقولات إلى منطلقاتها ودوافعها؛ المصالح والرغبات التي تحركها، أهدافها وغاياتها، ومواقع قائليها في حلبة الصراع. هذا لأننا نسلم بأن أي خطاب هو في الواقع تعبير عن أيديولوجيا وأي أيديولوجيا هي بالمقام الأول تبرير مصالح (مادية أومعنوية أو الإثنين معا) في حلبة الصراع التي هي (بنية/بنيات اجتماعية محددة).

    ملاحظة أخرى، أن الخطاب المعني هنا، قد شُيّد ليشمل مجالات تأثير متعددة ومتباينة، لأنه في الأساس خطاب سياسي يعتمد على الاعتقادات أكثر من اعتماده على البراهين، ويعتمد أيضا على أساليب اللعب على المجاهيل والغوامض؛ فستقوم استراتيجيتنا في هذه الورقة على تقديم مقارابات نظرية وتعريفات وتحديد لبعض المصطلحات الضرورية، وأيضا على مقاربات تاريخية نتسلح بها وعلى أساسها نتفحص مقولات الخطاب المعني بالنقد.
    مقاربات نظرية وتعريفات:

    الخطاب:
    هو سلسلة من العبارات/المقولات/المفاهيم، الإشارات/الدوال، التي تصدر عن منتج للخطاب وتستند على/ تستثمر رأس مال رمزي للتعبير عن أيديولوجيا محددة في حلبة الصراع الاجتماعي، ليصل إلى مجال تأثير محدد في البناء الإجتماعي. ومن هذا التعريف، تصبح العناصر الأساسية للخطاب هي: المنتج، رأس المال الرمزي، الأيديولوجيا ومجال التأثير في البناء الاجتماعي.

    رأس المال الرمزي:
    هو مفهوم مرتبط بنظام الاستعدادات والتصورات عند أفراد المجتمع يؤسس للقبول بأي مقولة أو ممارسة لـ(سلطة). فالإنتماء الديني ـ في مجاله ـ مصدر لرأس المال الرمزي والإنتماء للحضارة السائدة مصدر له في مجال تنافس الحضارات، وكذلك أوضاع مثل الغنى، الشرف، المركز الاجتماعي/موقع القوة. وعلى مستوى الدولة، وبحسب بيير بورديو "يعود كل شيء إلى تمركز رأس مال رمزي من السلطة المعترف بها والذي يظهر، على الرغم من كل النظريات عن الدولة كشرط، أو على الأقل، كشيء مرافق لكل الأشكال الأخرى حتى لو كانت هذه الأخيرة، على الأقل لفترة من الزمن. فرأس المال الرمزي يعني أية خاصية (لأي نوع من رأس المال الفيزيائي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي) عندما تدرك من قبل الفاعلين الاجتماعيين ويعترف بها وتعطى قيمة (مثلا الشرف في المجتمعات المتوسطية..)، وبالتحديد، إنه الشكل الذي يأخذه أي نوع من رأس المال عندما يدرك من خلالفئات الإدرات التي هي نتيجة لتقسيمات أو تعارضات مسجلة في بنية توزيع هذا النوع من رأس المال (قوي/ضعيف، كبير/صغير، غني/فقير، مثقف/جاهل.. إلخ). يستنتج بأن الدولة، التي تستحوذ على وسائل لفرض وتلقين مبادئ ثابتة عن الرؤية والتقسيم المتوافقة مع بناها الخاصة هي المكان المفضل لتمركز وممارسة السلطة الرمزية"[1].

    الأيديولوجيا:
    هي كما يعرفها د. نعمان الخطيب: "مجموعة من الأفكار الأساسية التي تنبثق من العقائد والقيم المتصلة بتراث حضاري معين، لتصور بصفة شاملة ما هو كائن وما سيكون. وترسم بذلك حركة الجماعة السياسية وتحدد ملامح أهدافها"[2] أما عند بولانتزاس فـ"... لا تتكون الأيديولوجيا من منظومة من الأفكار والتصورات فحسب، بل تنصب على سلسلة من الممارسات المادية والأعراف والعادات وأسلوب الحياة، وتختلط كالأسمنت مع بنية مجموع المماراسات الاجتماعية بما فيها روابط الملكلية الاقتصادية والتملك، وفي تقسيم العمل الاجتماعي داخل علاقات الإنتاج. كما لا تستطيع الدولة إعادة إنتاج وتوطيد السيطرة بالقمع والعنف العاري لوحدهما. وإنما تستعين بالإيديولوجيا لإضفاء الشرعية على العنف.."[3] ويؤكد إريك فروم: "أن التحليل النفسي يستطيع أن يبرهن أن الأيديولوجيات هي نتاج بعض الرغبات، الميول والغرائز، والمصالح والحاجات، وهي بمعظمها لا واعية، ولكنها تتمظهر (عقلانيا) بشكل أيديولوجي"[4] أي أن الأيديولوجيا هي في النهاية "الخطاب النسبي والخاص الذي يريد إيهامنا بكونه مطلقا وشاملا"[5] بحسب ديكومب.

    إذن، بهذا المعنى، لا أحد بلا أيديولوجيا، مهما ادعى تبرؤه منها، بل التبرؤ نفسه يصبح شكل من أشكال ممارسة الأيديولوجيا (!).


    البناء الاجتماعي:
    هذا موضوع مترامي الأطراف، ولكن بقصد الاختصار، نعرفه بأنه: شكل الوجود الاجتماعي ـ أي التراتبية الاجتماعية (Social Stratification) ونظامه؛ أي العلاقات التي تحكمه والمحتوى الثقافي داخل الأطار التاريخي، أي الطابع العام للشكل والنظام الإجتماعيين. وإذا نظرنا إلى البناءات الاجتماعية القائمة في عالمنا الراهن، يمكن أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين في حدود ما يخدم غرض البحث هنا.

    1ـ بنية المجتمع البرجوازي الرأسمالي: هو مجتمع طبقي بالمعنى المادي للطبقة. أي أن شكل الوجود الاجتماعي يقوم على تراتبية اجتماعية رأسية متمايزة. أساس الفوارق هو علاقات الإنتاج. ويتجلى ذلك في ثلاث طبقات رئيسية: الطبقة الارستقراطية، الطبقى الوسطى/البرجوازية، والطبقة العاملة. وينقسم النظام الاجتماعي البرجوازي انقساما واضحاً إلى بنيتين: بنية تحتية أو القاعدة الاقتصادية، وبنية فوقية قوامها أجهزة الدولة ومؤسساتها والأيديولوجيات المرتبطة بها[6]. وأبرز سمات هذه البنية الاجتماعية هي:

    ـ هيمنة علاقات الإنتاج الرأسمالية.

    ـ الوعي الطبقي هو المحرك للصراع.



    2ـ بنية المجتمعات ماقبل البرجوازية/ماقبل الرأسمالية:

    ويمكن تقسيمها إلى شكلين:

    أ/ المجتمعات (ماقبل الرأسمالية) التقليدية:

    وهي المجتمعات القرابية (قبائل، قوميات، طوائف، عصبيات) ووجودها الاجتماعي يخفي طبقيته الرأسية في أشكال أفقية من مراكز وهوامش لا تكون الهيمنة في أساس الفوارق فيها لعلاقات الإنتاج فحسب، وإنما تتداخل الأبعاد الأخرى؛ العرقية، الدينية، المذهبية.. إلخ. "ولا يعرف النظام الإجتماعي هنا التمايز الواضح بين البنيتين التحتية والفوقية، بل الغالب فيها هو تداخل عناصرهما بصورة تجعل نظام المجتمع برمته عبارة عن بنية كلية واحدة مما يخفي الصراع الطبقي، وبالتالي ضعف الوعي الطبقي. وأبرز سمات هذه البنية هي:

    ـ هيمنة العلاقات الطبيعية (القرابة، العصبية، القبيلة) والعلاقات الإيديولوجية (الدينية، الطائفية، والمذهبية..).

    ـ سيادة (الوعي الفئوي)[7] (العصبية القبلية، التعصب الطائفي، التضامن الحرفي/أو الإقليمي أحياناً).



    ب/ المجتمعات ماقبل الرأسمالية المشوهة: التراتبية المزدوجة:
    هي الطابع العام لمجتمعات الدول التي صنعها الاستعمار، المكونة من مجتمع أو مجتمعات قرابية متعددة أُلبست شكل الدولة الحديثة، فصارت لا هي تدار بالشكل الذي يتناسب وبنيتها وإمكانيات تطورها الداخلية، ولا هي استطاعت تغيير بنيتها لتتناسب مع شكل الدولة الحديثة، فأصبحت حقلا من التناقضات الرأسية الطبقية، والأفقية الإثنية الثقافية (الكلية)، وهو ما نسميه تناقضات المركز والهوامش. أي أن التراتبية الاجتماعية ذات طابع مزدوج، فصعود الفرد يحدده البعد الرأسي المتعلق بعلاقات الإنتاج وفي نفس الوقت يحكمه وضعه الإثني الثقافي (القرابي) في الوضعية/الدولة.



    الدولة:
    بحسب ماكس فيبر "الدولة هي هيئة بشرية تطالب بنجاح باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف الفيزيائي في أرض محددة... ]وهي بحسب بورديو[ شيء مجهول (X) (للتحديد) تطالب بنجاح باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف الفيزيائي والرمزي على أرض محددة وعلى مجمل المجموعة السكانية المرتبطة بها"[8]. ]ومن تطبيقاتها لهذا المعنى في الحقل الثقافي أنها[ "تحاول توحيد السوق الثقافية واللغوية، وجعل الثقافة المهيمنة ثقافة وطنية مشتركة وشرعية وشاملة ورفض اللغات والثقافات الأخرى كلغات وثقافات محلية... وفرض مبادئ الرؤية والتحليل أو التصنيف التي تتوافق مع مصالحها الخاصة (عن طريق المدرسة والتربية ومادة التاريخ تحديدا وتنشر أسس (الدين المدني) والمفترضات المسبقة الأساسية للصورة (الوطنية) عن الذات"[9] وهناك تعريفات أخرى كثيرة[10].



    اقتصاد الريع والخراج:
    الريع ـ بحسب الجابري ـ هو "الدخل النقدي أو العيني الذي يحصل عليه الشخص من (ممتلكاته) أو من (الأمير) وبصفة منتظمة ويعيش منه دون الحاجة إلى القيام بعمل إنتاجي. فكل دخل خام (هبات الطبيعة، أعطيات الأمير) لا يبذل فيه صاحبه جهدا إنتاجيا ولا هو نتيجة استثمار هو "ريع" سواء كان مصدره من داخل البلد أو من خارجه... ]أما الخراج فـ[ نقصد به ليس فقط ما تعنيه هذه الكلمة في استعمال الفقهاء المسلمين بل نقصد به جميع ]ما تأخذه الدولة[ ... كجباية ... "الخراج" هنا ما يفرضه الغالب على المغلوب من ذعائر وأتاوات وضرائب، دائمة أو مؤقتة، سواء كان الغالب أميرا أم قبيلة أم دولة، وسواء كان يتولى أخذ ذلك بنفسه أم كان يحصل عليه بواسطة ملتزمين ووسطاء من أي نوع كانوا، سواء كان المغلوب أتباعا ورعايا للغالب أم كانو أجانب، قبائل أو شعوباً أو دول. والفرق بين مفهوم "الخراج" كما نستعمله هنا وبين مفهوم "الضريبة" بالمعنى الحديث هو أن هذه تؤخذ باسم المصلحة العامة وبنوع من الرضا وتتحدد بقانون ويدفعها الجميع حاكمين ومحكومين.."[11] وبهذا المعنى لا نستطيع أن ندعي أن ما يمارس في السودان هو (ضرائب)، أو ننفي خلفيات تاريخية:

    السودان: الدولة الإعتباطية:

    السودان القائم اليوم، هو امتداد للامبراطورية التي أسسها محمد علي باشا (الاستعمار التركي ـ المصري) بعد غزوه للمنطقة ابتداءاً من عام 1820م، وقد امتدت الامبراطورية "من حلفا شمالا حتى جنجا في البحيرات جنوباً، ومن ودّاي (تشاد) غرباً إلى هرر (إريتريا) شرقاً... وشملت الامبراطورية دولاً وقبائل ومناطق مختلفة كانت تمر بمراحل متباينة من التطور الاجتماعي، ولكنها ضُمت كلها في كينونة سياسية واحدة شكلت أساس الدولة السودانية الحديثة مع بعض الحذف الذي اقتضاه التطور السياسي وتوازن القوى في المنطقة. فهي كينونة سياسية فرضتها احتياجات مصر في القرن التاسع عشر، وتوازن القوى الدولي، والأهداف البعيدة للإمبريالية، ولم تكن نتيجة للتطورات المحلية لتلك المجتمعات. ثم فُرض على تلك المجتمعات إيجاد صيغة مشتركة للتعامل. وجاءت السياسة الإدارية والاقتصادية للحكم التركي ـ المصري لتعقد كثيرا من مسار تطورها"[12]. كانت تلك المجتمعات المتباينة (ونشدد هنا على المعنى النسبي التاريخي) مجتمعات ما قبل رأسمالية قرابية، أغلبها ينتمي إلى نمط العشيرة الأبوية، وبينما وصل بعضها في تطوره التاريخي من الناحية السياسية إلى مرحلة المملكة/السلطنة (مروي القديمة، الممالك المسيحية (علوة، المقرة)، ثم بعد، الممالك ذات الطابع الإسلامي (الفونج، الفور، المسبعات)، فقد ظل بعضها في طوره القبلي، وأخرى ـ ربما ـ في طور العشيرة المتجولة (؟). أما فيما يختص بعلاقات الإنتاج، فقد كان لكل مجموعة نمط يتناسب مع مستوى تطورها التاريخي وبيئتها الطبيعية، وتكاد تكون جميعها في مرحلة الاقتصاد الإكتفائي بدرجات متفاوتة "فنجد الملكية المشاعية القبلية للمراعي في حزام السافنا، وملكية الأرض على ضفاف النيل في أواسط السودان، وقد امتزج في بعض تلك الأنظمة أنماط إقطاعية وشبه إقطاعية. كما نجد عمل الرقيق الذي يمثل الشكل الشرقي للعبودية، الذي هو جزء من العشيرة الأبوية"[13]. هذا الأساس، هو الذي حكم التطور التاريخي للدولة السودانية: وفي الوقت الذي ما يزال فيه التباين قائماً حيث "يوجد في المليون ميل مربع التي تشكل مساحة جمهورية السودان الحالية 570 قبيلة ويستخدم قوس قزح القبلي هذا 595 لغة... وقد أعاد الباحثون تصنيف هذه القبائل في 56 أو 57 فئة إثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والخصائص الإثنوغرافية الأخرى.."[14] فقد آلت مركزية السلطة إلى الكيان الإثني الثقافي الإسلاموعربي الذي هو شكل نموذجي لنمط العشيرة الأبوية الاستبدادية التي تعي وتمارس الإقتصاد الطفيلي (الريع العشائري على مستوى "الاقتصاد الجزئي" والخراجي على مستوى "الاقتصاد الكلي = اقتصاد الدولة") (راجع تعريف الريع والخراج)، وتقسيم العمل العبودي (علاقات الإنتاج)، والثقافة التي تعيد إنتاج نفسها على أساس المقدس. وقد نشأت وتطورت هذه المركزية ضمن نشأة وسيرورة الدولة (الحديثة)، حيث تم تشكّل البنيان الإجتماعي المشوه (المجتمع السوداني) ذو التراتبية المزدوجة: أي أن الترقي إلى قمة الهرم الاجتماعي/الاقتصادي/السياسي تحكمه قوانين جدلية المركز والهامش، أي التعارضات الرأسية (الوضع الطبقي) والأخرى الأفقية (البنيوية) = (الوضع الإثني الثقافي) داخل الدولة التي هي في نفس الوقت "الهيئة البشرية التي تطالب باستمرار باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف الفيزيائي والعنف الرمزي".

    وقد كان للدولة التركية ـ المصرية دورا تأسيسيا وعميقا في تشكيل هذه الوضعية ولكنها عجلت في تكوين مضاداتها بسبب أسلوبها النهبي الميال للعنف مما أدى إلى قيام الثورة المهدية. عنه أنه الخراج بعينه لماذا كانت الثورة (مهدية)؟

    الإسلام في السودان وتضخُّم الوعي الأسطوري:

    إن دخول وانتشار الإسلام في السودان قد ارتبط بظروف تاريخية معينة، فالغالبية العظمى من الناقلين للثقافة (العربية الإسلامية) للسودان، عبر تلك القرون المتتطاولة، كانو في الواقع من الأعراب، الذين يمثلون القبائل والفئات الهامشية في الجزيرة العربية والمناطق الأخرى من الامبراطورية الإسلامية. وهم بذلك لم يكونوا ذوي (علم) بالإسلام، فكان من الطبيعي أن ينقلوا معهم الطابع الأسطوري، ليضيفوه إلى مخزن الأساطير المحلية. وبمرور الزمن، تفاعل هذا المخزون، ثم دخلت (المدرسية) في الأنماط الصوفية، التي هي الأخرى ذات طابع أسطوري في الأساس، وتعقدت المسألة بكون غالبية صوفية السودان هم من الطبقات الدنيا أو الهامشية بين الصوفية في مراكز الحضارة الإسلامية، فكان من الطبيعي أن تكون النتيجة تضخم الوعي الأسطوري، ويمكن الرجوع إلى "طبقات ود ضيف الله" للوقوف على جانب من مدى هذا التضخم.



    الثورة المهدية:

    لأي ثورة ظروفها الموضوعية. والظروف الموضوعية لقيام الثورة المهدية معروفة لحد كبير، أما محدداتها فهي في محل (جدال). ولا شك في أنها ثورة مكتملة ولا تضاهيها في الجسارة إلا القليل من الثورات. ولكن لماذا اتخاذها الشكل الديني الاسطوري المتمثل في فكرة (المهدي المنتظر) التي لم تفلح في مراكز الحضارة الإسلامية؛ مجال إنتاجها الأصلي؟؟

    يعزي د. سمير أمين ذلك إلى الوضعية الهامشية للمجتمع السوداني، على مستوى الإطار الحضاري العربي ـ الإسلامي وعلى مستوى التفاعلات الحضارية الحديثة[15]. ويذهب أبو القاسم حاج حمد[16] إلى رأي مشابه، والصادق المهدي ضمنا في قوله "كان ]السودان[ قطرا مغمورا ليس له شأن فحققت له ]المهدية[ الشهرة والتعريف"[17]. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أنه في المجتمعات ما قبل الرأسمالية عموما، يعظم دور الدين، (أيا كان هذا الدين) وأن المحددات والمحركات في مثل هذا النمط من البناءات الاجتماعية من الراجح أن تكون ذات طابع ديني. أما أن تكون (مهدية) فهذا يفسره تضخم الوعي الأسطوري في واقعنا. وإذا رجعنا إلى مفهوم رأس المال الرمزي فهو قد يتركز في (الصوفي صانع الخوارق) لذلك وجدت فكرة (المهدي المنتظر) الطريق ممهدا، وأضفى إليها (المهدي) المصداقية بممارساته. ولكن المهدية نفسها، التي صارت أساسا أيديولوجيا لمعتقديها تحولت إلى رأس مال رمزي أعاد إنتاجه (السيد) عبد الرحمن المهدي عبر آلية الوراثة، وقام باستثماره لتحقيق أهدافه الخاصة، التي هي في الأساس مصالح مادية ومعنوية تتناقض مع (مبادئ المهدية الأم)، وقام بإعادة بناء (عشيرة أبوية استبدادية)، "مقدسة"، ليضيفها إلى رصيد البلاد. ثم أورثها بعد لحفيده الصادق المهدي عراب المهدية الجديدة التي نحن بصددها هنا بنية الصراع في السودان:

    مع نشأة وسيرورة الدولة السودانية، وتشكل الوضعية التاريخية (جدلية المركز والهامش)، ومن خلال التناقضات الاقتصادية والسياسية والجيلية والإثنية الثقافية والتحولات التي تمت مثل توسيع أشكال الحياة المدينية وتوسع قاعدة التعليم والإنفتاح على العالم، ومن ثم تطور وعي الهوية ووعي المصلحة، تطورت بنية الصراع في السودان وانقسمت إلى مستويين:

    أ/ مستوى فوقي: مستوى الصراع حول كراسي السلطة: وهو صراع داخلي في حقل الثقافة الإسلاموعربية السائدة وكياناتها الإجتماعية، وعلى أساس "ثوابتـ"ها من أجل الاستمرار في السيطرة على جهاز الدولة من قبل العشائر الارستقراطية التاريخية (البيوتات الطائفية، الزعامات الصوفية، الزعامات القبلية) ومن أجل ارتقاء سلم التراتبية من قبل "الطبقات" أو الشرائح الأدنى في الكيان الإسلاموعروبي والقوى الحديثة المتواطئة معها أيديولوجيا.

    ب/ مستوى الصراع الإثنى الثقافي بأبعاده الإقليمية، أي صراع الهويات (الصراع الكبير، صراع الكليات ضد كليات، أو بنيات تصطدم ببنيات)، وبعبارة أخرى، صراع المركز والهامش، الذي تطور إلى حرب أهلية قائمة على مستويات وعي متفاوتة. ولكن الشعار العام المضاد، في جوهره، هو رفض الهيمنة الإسلاموعروبية والمطالبة بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مغايرة. وهو ما نسميه (التحول التاريخي) أي الإنتقال من جدلية المركز والهامش إلى (جدلية التنوع داخل الوحدة).

    وقد ظلت الصراعات حول المستوى الأول (أ) تغطي على جوهر الصراع في السودان. ولم يتم الإنتباه إلى ذلك إلا مؤخرا وخاصة بعد ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان
    المهدية الجديدة؛ مشروع الصادق المهدي الأيديولوجي:

    المهدية الجديدة هي تأسيس على البناء الذي أقامه الجد عبد الرحمن المهدي، الذي يسميه الصادق: الدعوة الثانية، وآخرون، المهدية الثانية. وهو بناء يتكون من:

    1/ كيان الأنصار كمؤسسة دينية مرتبة بشكل هرمي يقوم على أساس قرابي باصطفاف الناس في قبائل تحت الشيوخ، واصطفاف الشيوخ تحت الوكلاء. ويتم التواصل مع قمة الهرم (الإمام والعشيرة المهدية) عبر المناديب، وهم مبعوثون دوريون إلى الوكلاء والقبائل. وقد تم ويتم استثمار (الراتب) وخاصية الوراثة كرأس مال رمزي ومحاور للتماسك العاطفي الضروري لعمل الأيديولوجيا، ومن ثم التحريك السياسي (الإشارة). والواقع أن كيان الأنصار هو كيان طائفي ـ ديني محافظ أشبه بالفيدرالية الإثنية منه إلى أي شيء آخر ويعيد إنتاج نفسه من خلال إعادة إنتاج علاقات القرابة والجهل كآليات تسمح للوعي الأسطوري بالإستمرار في إعادة إنتاج نفسه، ومن ثم التغطية على التناقضات الموضوعية في الحياة الاجتماعية بـ"الوعي المزيف". وعلى أية حال، فقد أثبت هذا الكيان عدم قدرته على التمدد في مجالات مستنيرة نسبياً.

    2/ حزب الأمة: كمؤسسة سياسية هو في الواقع كيان الأنصار مطعما ببعض المثقفين/الأفندية، ومعظمهم من الإنتهازيين الذين يقايضون الطائفة بمؤهلاتهم لتقوم بتوصيلهم إلى قمة الهرم السياسي/الإجتماعي/الاقتصادي.

    3/ دائرة المهدي: كمؤسسة اقتصادية، هي مؤسسة تمثل شكل من أشكال الإقطاع السوداني. إذ تقوم علاقات الإنتاج بين (السيد) و(الأتباع) على نمط (خليط من القنانة والعبودية)، فـ(الأتباع/الأقنان/العبيد) يقومون بالعمل الإنتاجي، وتكون الملكية (وسائل الإنتاج) للسيد؛ مالك الأرض وما عليها من موارد، على أن (يعلفهم) بالحد الأدنى من المعيشة مادياً و(يرعاهم) (روحياً): يعدهم بالجنة. وهذا من جانب آخر مثال واضح لنمط الأقتصاد الريعي العشائري ذي القاعدة العبودية الذي لم يتغير في جوهره حتى الآن.
    أركيولوجيا الثروة:

    مات الإمام المهدي، ولم يكن (يملك) ـ تقريبا ـ إلا سيفه الذي قدمه (السيد) عبد الرحمن المهدي للملك جورج ملك بريطانيا عدو المهدي الأول عربونا للولاء والإخلاص[18]. والمعروف ـ أيضا ـ أن الإمام المهدي، كان نجارا يأكل من عمل يده عملا بالحديث الشريف: "ما أكل ابن آدم قط طعاما خيرا من عمل يده".

    وحتى عهد الخليفة، يقر (السيد) عبد الرحمن المهدي قائلاً: "لم يكن ما لدينا من مأكل وملبس يفوق شيء مما لدى عامة الأنصار..."[19]، ولكن في أيام الحكم الإنجليزي، تبدل الحال. إذ كان "أول المستفيدين من سياسات الحكم الإنجليزي هو السيد عبد الرحمن المهدي... ]فقد[ منحته الحكومة مقاولة تجهيز أخشاب لخزان سنار الذي شُيّد لري مشروع الجزيرة. ومن خلال استثمار رأس المال الذي كسبه ]من عمل الأتباع[ من هذه العملية وضع الأساس لنشاطه الاقتصادي الواسع إنطلاقا من زراعة القطن في جزيرة أبا... وبالإضافة إلى هذه الجزيرة وأراضيها الواسعة في النيل الأبيض ـ ]التي استولى على جزء منها من الأهالي وحولها إلى ملكيته بتواطؤ مع الحكومة الإنجليزية. المذكرات:18: 56[، كان السيد عبد الرحمن يملك مشاريع أخرى مولتها الحكومة بتكلفة بلغت 28000 جنيه... وفي الجزيرة نفسها بلغت مساحة الأراضي التي كان يديرها في 1931م حوالي 9600 فدانا. وبالإضافة للأرباح الكبيرة التي حققتها له الزراعة، علينا أن نضيف الزكاة، التي كان يجمعها من الأنصار منذ سنة 1919م سنويا وكذلك الهدايا التي كان يقدمها له أثرياء الأنصار. وهكذا أصبح السيد عبد الرحمن في عام 1935م من أبرز أغنياء السودان بكل المقاييس. وفي حالة السيد عبد الرحمن لم ينحصر الدعم في المشاريع الزراعية والمساعدات المالية فقط... ولكن الفنيين الزراعيين والمهندسين التابعين للحكومة قدموا له مساعدات كبيرة في تخطيط القنوات واستغلال الأراضي وتركيب الطلمبات. وهكذا، من خلال مثل هذه الأساليب قامت الدولة الكلونيالية بمساعدة السيد عبد الرحمن في بناء قاعدته الاقتصادية ليقود المهدية التي ورثها عن أبيه إلى طور جديد. هذه (المهدية الجديدة) أكدت قدرتها على قيادة جموع الأنصار، ولكنها كانت مجردة كلية من محتوى المهدية الأصيل المعادي للكلونيالية. وفي هذا الخصوص يشير نقد الله إلى القصص الشعبية التي تقول إن السيد عبد الرحمن استطاع تنظيف أراضي الجزيرة أبا من الأشجار وزراعتها عن طريق استخدام الأنصار، الذين كان يقول لهم أن كل واحد منهم يقطع الأشجار من شبر من الأرض ويزرعه سيعوضه الله نفس المساحة في الجنة..."[20].

    ورث الصادق المهدي هذا البناء، وهو يجلس الآن على قمته، يأكل من ريعه، ويلعب البولو ويترفه، ثم يأتي لـ(يحجِّي) الناس عن (العدالة، الديمقراطية، الشمولية، والشمولية الإثنية... إلخ). وبالإضافة لكل ذلك، من هو الصادق المهدي؛ منتج الخطاب؟ فبناءاً على تأكيدات إريك فروم، وطالما أن الأيديولوجيات ـ في جانب من جوانبها ـ عبارة عن (رغبات) وبنى (لاواعية) (نزعات)، وهذه من محدداتها: الوضع والتربية، فلنتفحص منتج الخطاب حتى لا تتأشكل علينا تداخلات النزعات والبنى اللاواعية في ما سيأتي:
    منتج الخطاب:

    خلفيات النزعة التنظيروية التجريدوية:

    ولد الصادق المهدي عام 1936م، في كنف العشيرة المقدسة، تحت جناح جده عبد الرحمن المهدي لحظة بلوغه قمة الوجاهة الاجتماعية/الاقتصادية ـ وهو طبعا يملك الدينية ـ وبروز طموحه في "القيادة السياسية للمثقفين" (المذكرات:18: 13) ومن ثم السعي "بالتدريج للوصول إلى سودان مستقل تكون له ولأسرته فيه السلطة السياسية الكاملة" (نفس المرجع: ص17). وكان من المفهوم أن يتم إعداد الصادق لمهام الوراثة. و(السيد) عبد الرحمن يعرف جيدا مفاتيح المستقبل. وفي رحلة الإعداد هذه تم زرع الرغبات والحاجات الإضافية إلى رغبات وغرائز ومصالح من هم عاديين من الناس. فإبن العشيرة (سيد) منذ ميلاده، زعيم في طور التكوين، يأمر فيطاع، يشير إلى أي شيء فيصبح ملكه (بوضع الإشارة، على وزن وضع اليد ـ ذلك القانون الذي تم بواسطته الاستيلاء على الكثير من أراضي شعب السودان)، هو لا يلعب سكّج بكّج مع (رفاقه ـ إن جاز التعبير) في المدرسة أو الحي! فهم يعملون له ألف حساب، لأنهم يعرفون وضعهم (الطبقي) من هذا (السيد) (المقدس)! وهو أيضا يشعر بذلك، وربما يدركه. كان متفوقا في (حفظ الكتب والنظريات)، فسار في الطريق إلى الحد اللازم للمهمة التي (خُلق) من أجلها: أن يحكم الناس. قبل سنين الدراسة، وأثنائها، وبعدها، لم يعمل أي عمل سوى رئيس حزب، ولما بلغ الثلاثين من عمره، عمل رئيس وزراء. ولهذه أناخ أخطر رجال الدولة السودانيين (المحجوب)؛ وبانت بعض خصائصه للناس:

    أ/ معرفته بالواقع (بُرجعاجية ـ بتعبير صحافة الديمقراطية الثالثة)، (فهو يعرف سكج بكج، ولكن من مشاهدة الملازمين (الخدم) لها أو من حكاية حكاها له أحدهم؛ وسياحية على شاكلة: "بعد تخرجي من الجامعة في بريطانيا أحسست بالغربة التي اتصلت أثناء سنين التعليم لدرجة آليت على نفسى ألا أغادر السودان مرة ثانية!... كان هذا عام 1958م. وصح هذا العزم لنحو عشر سنوات بقيت أثناءها داخل السودان مترحلا داخله إلى أن طفته مرتين"[21] ثم بعد ذلك إنضافت إلى وسائل المعرفة بـ(الواقع) التقاريروية الحزبية، على شاكلة (دراسة وتوصيات الورشة زودتني بمادة استفدت منها وكتبت ورقة بعنوان: ... إلخ)، وليست المعرفة السياحية والتقاريروية عيبا في حد ذاتها، ولكن العيب في اعتماد أن تكون هي المصدر الأساس ويُظن بأنها أو يتخذ منها الطريقة المثلى (أو على الأقل الكافية) للمعرفة بـ(الواقع)؛ وهو في ذلك ضحية وضعه، فلسوء حظه أن المعايشة وإحساس المساواة المتبادل هو شرط أساسي من شروط المعرفة الحقيقية بالناس. وهذه مشكلة الرؤساء الأزلية، فحتى (أبناء التراب) عندما يصيرون رؤساء ينفصمون عن الواقع.. فما بال الذي ولد رئيساً!). ولكن مشكلة الصادق المهدي لا تتوقف عند هذا الحد.

    ب/ تعامله مع الأفكار يتم بطريقة تجار الملجة: أولاً؛ حسب المواسم وحسب "الماشي في السوق"، وهو في الغالب لا يعنى كثيرا بطريقة الإنتاج ولا بالفائدة للناس، وإنما بما سيكسبه في ملجة السياسة السودانية. في الستينات، أيام المد الإشتراكي والإبداع الرأسمالي، خرج الصادق المهدي على الناس بدعوى السندكالية (Syndicalism) وهي مذهب أنتجه البعض في الغرب الرأسمالي: ويعرّف بأنه مذهب ثوري يسيطر العمال بموجبه على الاقتصاد والحكم عن طريق الإضراب العام، أو هي ـ السندكالية ـ نظام اقتصادي يملك فيه العمال مختلف الصناعات ويديرون شئونها، أما المعنى الثالث، ونرجح أن هذا ما كان يقصده الصادق المهدي؛ أنها نظرية في الحكم مبنية على قاعدة التمثيل النقابي، لا على قاعدة التمثيل الإقليمي/الجغرافي. الصادق المهدي يدعو إلى هذه النظرية ولكنه لم يسأل نفسه ـ والغريبة لم يسأله أحد في ذلك الوقت! ـ عن أي نقابة سيرأس حتى يصبح رئيسا للوزارة؟ لأنه حتى ذلك الوقت لم يسمع أحد أنه له عملا (أو ينويه) غير رئيس حزب أو رئيس وزراء، وحتى ذلك الحين لم يسمع الناس بنقابة إسمها "نقابة رؤساء الأحزاب" أو "نقابة رؤساء الوزراء"، أضف إلى ذلك استهلاكه الراهن لمصطلحات مثل التنمية المستدامة (Sustained Development) والديمقراطية المستدامة.. إلخ.
    / موقعه الأيديولوجي:

    يقول د. منصور خالد: "لا يعد الصادق المهدي مجرد عضو نمطي ضمن الصفوة الشمالية، بل نموذجها الأصيل. وبما أن هذه الصفوة الشمالية ظلت مقتنعة بسموها وتفوقها الإثني، الثقافي، وبالفضيلة الكامنة فيها، فإنها بذلك لا تشعر بوخذ الضمير في سلوكها بفرض نفسها وصيا وموجها للآخرين..."[22] وتتجلى هذه الوصائية في كثافة استعمال الصادق المهدي لكلمة "ينبغي". وبالرغم من اتضاح ملامح الشخصية الاسبدادية في ممارسته القائمة: الإمساك بزمام كل شيء، فهو المفكر، رئيس الحزب والإمام والناطق الرسمي لدرجة أنه يطابق شخصه بـ"الحزب" ـ وهذه حقيقة يحاول إنكارها دوما بإدعاءات التجديد والاهتمام المستمر بالهيكلات، إلا أن الإعتراف يغافله في مقولاته: ففي صفحة 134 من كتاب العودة، يقول أن "أحد المواطنين... كتب في جريدة الخرطوم... يدعو لمنهج علمي لتقويم القادة والزعماء، واقترح المقاييس الآتية ]وأورد المقاييس العشرة ثم قال[ بهذه المقاييس ينال حزب الأمة تقديرا إيجابيا" بالرغم من أن المقاييس المفترضة لا تتكلم عن الأحزاب وإنما عن الزعماء، ولكنه يطابق بين الحزب والزعيم (وهذا ما هو حاصل في حزب الأمة بالفعل في الوقت الراهن).

    وكل هذا على بعضه، قد يساهم في إضاءة الجوانب المتعلقة بالسيكولوجية/النزعة التنظيروية التجريدوية التي يلاحظها الناس في خطاب الصادق المهدي.
    نقد الخطاب:

    أ/ القضية الفكرية:

    1ـ التأصيل والتحديث:

    في الفصل العاشر، تحت عنوان البطاقة الفكرية لحزب الأمة، يلخص الصادق المهدي ملفاته الفكرية، وفي مقدمتها قضية التأصيل والتحديث. وتحدث عن التأصيل وقسمه إلى "تاصيل منكفئ" و"تأصيل مستنير"، وعرفهما باختصار، ولكنه سكت عن "التحديث"! لماذا يا ترى؟ هناك احتمالات عدة:

    ـ أن يكون الصادق المهدي قد نسي الموضوع.

    ـ أن يكون ظن أن التحديث هو التأصيل المستنير؛ أي أنهما مترادفان (Synonyms).

    ـ أن يكون اكتشف تناقضا جوهريا بين مفوهم التحديث والتأصيل (يشوشر) على خطابه التأصيلي، فسكت.

    ـ أو يكون لدى الصادق المهدي قصورا معرفيا بالتحديث والحداثة.

    ولقد قمنا بالبحث والإستقصاء في كتاباته السابقة علنا نعثر على إضاءة ما، وفي الفصل الثامن من كتابه "تحديات التسعينات" ـ ذي الطابع (الفكري) ـ عثرنا على بعض التفاصيل الإضافية التي يمكن إدراجها في سياق ما أسماه بالتأصيل المنكفئ والتأصيل المستنير ضمن المحاولات الشكلانية في سبيل (نسف) العلمانية. وعلى أساس النتائج التي توصل إليها خط "نهج الصحوة أو النهج التجديدي"[23]. ويمكن أن نفهم من هذه المحاولات موقفه الضمني من "التحديث".

    ومهما يكن من أمر، فإن هناك حقيقة هي؛ أننا لا نتكلم في فراغ تاريخي، والتحديث ـModernization ـ في السياق التاريخي الراهن، سواء بالمنظور الجدلي، أو بالمنظور البنيوي، هو فعل الحداثة ـ Modernity ـ التي هي الأساس الفلسفي/النظري القائم على قواعد أهمها:

    1/ مشروعية الإبتكار/ الإبداع/ الخلق، ومن ثم اتخاذ المستقبل معياراً والتوجه إليه هو الدافع.

    2/ العلمانية: بمعنى اعتماد نسبية المعايير على مستوى المعرفة والممارسة الإجتماعية، والقطيعة (بالمعنى العلمي/التاريخي/النسبي) مع البنى الفكرية الأسطورية والدينية الإطلاقية ـ أي جعلها مقيسة وليست مقياساً. ومن ثم القطيعة مع مشروعية الأسلاف وبناهم الإجتماعية، أي جعلها موضوعا للتحويل بمعايير المستقبل.

    وبهذا المعنى، فإن التحديث لا يعني التأصيل (الرجوع إلى أصل) المستنير بأي حال من الأحوال، بل هو النقيض البنيوي له ولأي تأصيل آخر. وإذا اكتفى الصادق المهدي بـ"التجديد" كان سيكون متسقا أكثر مع أسس خطابه الفكري، فالتجديد هو باختصار "إضافة عناصر أخرى إلى نفس البنية (الأصل) وبشروطها؛ وبالمعنى المبتسر جداً: تغيير شبابيك وطلاء الجالوص.. إلخ. بينما التحديث هو تفكيك بنية قديمة (الأصل) وإعادة إنتاجها في بنية جديدة مقترحة (أكثر تقدما) وبشروط البنية الجديدة. وبالمعنى المبتسر: إقامة عمارة مكان الجالوص.

    غير أن الشيء المهم هنا هو أن "الحداثة" كمعطى تاريخي، هي المرجعية الفلسفية للأفكار (العزيزة) التي (يدعيها بالمجان) خطاب التأصيل المستنير، وهي؛ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتعددية، ..إلخ إلخ، التي هي نتاج سيرورة الحداثة التاريخية. ولم تستمد مشروعيتها لا من البنى الفكرية للأسلاف (الأصل) ـ البنى الفكرية الأسطورية والدينية الإطلاقية، ولا من البنى الإجتماعية لهؤلاء الأسلاف (الأصل) ـ العشائر الأبوية الاستبدادية، بل هي نتاج كفاح ضد هذه البنى، وأن ما تحتله من حيز هو مقدار ما هدمته من هذه البنى وهي لا تتقدم في الفراغ، وإنما على حساب هذه البنى نفسها.

    أما دعوى "التنوع البشري الخلاّق" التي أطلقتها اليونيسكو، وأخذها الصادق المهدي ليحاجج بها حول (بديهة) أهمية مراعاة الإنتماء الديني، فهي في الأساس صادرة من موقع العقلانية، وتنتمي للحقل الفكري للحداثة والعلمانية، إعمالا لمبدأ النسبية الذي يسلم بعدم نفي الآخر وإنما "تحديده" ومبدأ مساواة الخصوصيات (ومنها الدينية) كشخصيات اعتبارية أمام الدولة أو الجهاز المسيطر الذي يشمل بأحكامه الجميع و"يطالب باحتكار العنف الفيزيائي والرمزي" ويفترض فيه الحياد ـ وهذا المبدأ يتكلم عن الأديان بشكل عام وليس الإسلام أو الأديان السماوية أو ما يسميه فقهاء الدساتير السودانية "كريم المعتقدات" فحسب، وإنما تسلّم بالمساواة المبدئية بين "اللاة" و"الله"، و"المهدي" و"الكجور". ولا نحسب أن الصادق المهدي صادق في (إيمانه) بمبدأ "التنوع البشري الخلاق"، فهذا مجرد تجلٍّ لطريقة تجار الملجة. وعلى أساس هذا التحليل، يصبح ما أسماه الصادق المهدي بـ"الموقف الصحيح"، وهو فعلا موقف صحيح، بالنسبة لقضية الدين والدولة، المستمد من مطالب العلمانيين وغير المسلمين في السودان، ومنفستو "اليونيسكو"، لا علاقة له به وإنما هو مجرد "كلام منفستوهات" على وزن "كلام جرايد"، والعلاقة بين الصادق المهدي و"الموقف الصحيح" علاقة غير حقيقية، لأنه يستعمل هذا الأخير هنا منبتاً عن سياق بنيته الفكرية وغاياته السياسية.

    2/ قضية الديمقراطية:

    لا نظن أن أحداً قد استعمل كلمة الديمقراطية وأدعى (إنتسابها إليه؛ فهو الأصل طبعا!) مثلما فعل الصادق المهدي، الذي يقرر أن: "الفرق الأساسي ]بين الديمقراطية والشورى[ هو وجود أو غياب مؤسسات" (العودة:146)، على أساس أن "الشورى قيمة إيمانية غير مصحوبة بمؤسسات... أما الديمقراطية فقد بلورت مؤسسات" (نفسه:146)، وهو يبدو متأكدا هكذا، وقاطعاً، حتى أنه لم (يتحرفن) ويقول مثلاً: (أهم الفوارق) أو (أحد الفروقات الأساسية)، فهل صحيح أن الفرق الأساسي ـ لاحظ الأساسي هذه ـ هو وجود أو غياب مؤسسات؟؟

    للإجابة على هذا السؤال، لابد أولا من تعريف المؤسسة، وهي ببساطة، وحسب القاموس:

    Institution is:

    … long-established custom, practice, group, etc. e.g. marriage is a sacred institution



    أي هي عادة، ممارسة أو جمعية راسخة. هكذا بكل بساطة. ومجلس العشيرة، أو مجلس القبيلة، أو أهل الحل والعقد أو مجلس الشورى، كل هذه أشكال قائمة لمؤسسات الشورى، بل يذهب هاني الدرديري في رسالته العلمية التي نشرها بعنوان "نظام الشورى الإسلامي مقارنا بالديمقراطية النيابية المعاصرة" إلى ما معناه أن الدولة في الحضارة الإسلامية هي مؤسسة الشورى ـ بغض النظر عن التجاوزات التي حدثت. (الدرديري،1991، بدون عنوان ناشر). والشورى ـ عموماً ـ ليست مجرد "قيمة إيمانية" كما يقرر الصادق المهدي، بل هي في جوهرها ممارسة تاريخية ملازمة لبنية إجتماعية معينة هي "بنية العشيرة الأبوية الاسبتدادية" بغض النظر عن (الدين الذي تتبناه هذه العشيرة المحددة)، وهي بالنسبة للإسلام ممارسة مستصحبة في الأساس، مع بعض التعديلات التي اقتضاها الاستصحاب، من الجاهلية. إذن، هذا ليس أساس الاختلاف أو التناقض في رأينا. ولتقصي تفاصيل القضية فلنستمع إلى شهادة د. حيدر إبراهيم: "ارتبط مفهوم الديمقراطية مع فكرة الشورى في الفكر الإسلامي المعاصر ضمن محاولات التجديد والمعاصرة، ولكن هذه المحاولة تدخل في إشكالية أساسية تنعكس على كل المجهودات التأصيلية والاجتهادات، خاصة حين يسعى المفكرون والمنظرون الإسلاميون عموما إلى إستخدام أدوات ومناهج إسلامية أصولية. فالرجوع إلى القياس أو الرأي أو الاستصحاب، لا يحل التناقض، لأن مفهومي الديمقراطية والشورى ينتميان إلى بنيتين فكريتين مختلفتين، ولهما عناصر وجزئيات ومكونات مختلفة ومتباينة، وتطورت ضمن سيرورات تاريخية وظروف اجتماعية مختلفة تماما، لذلك يظل إنتزاع مفهوم من سياق بنيته الفكرية عملية معقدة، وفي بعض الأحيان تضر بالإثنين، إذ يفرغ من مضمونه الأصلي، وفي نفس الوقت يصعب دمجه أو تمثيله في البنية الأخرى. ونعتمد هنا على التعريف الأنثروبولوجي الذي يقول بأنه لابد للبنية أو الهيكل من أن يكون نظاما، أي تراص العناصر، بحيث يكون كل تغير في عنصر ما تغيرا في كل العناصر الأخرى"[24].

    وبالرغم من ذلك، فالصادق المهدي لا يقر بوجود تناقض في الأسس النظرية بين الشورى والديمقراطية، وهو على هذا الأساس يقول "إننا ندعو للديمقراطية ونعتقد أن كل التوجيه المطلوب والتوازن المراد يمكن أن يضما في ميثاق وطني ملزم للجميع في نصوص الدستور الملزمة" وعلى أساس "التأصيل المستنير" الذي ينسفه هذا التحليل، فالديمقراطية عند الصادق المهدي "ينبغي أن تؤصل اجتماعيا وثقافيا لتلائم ظروفنا، لتصبح متجذرة في حياتنا السياسية" (العودة:148) وهو هكذا يتبنى الأجراء المقلوب، فبدلا من أن نوفق أوضاعنا الاجتماعية والثقافية وظروفنا لتتلاءم مع الديمقراطية (أي نقوم بتحديث أنفسنا بالقيام بتحولات جذرية في المجتمع) ـ لأن المشكلة في (أوضاعنا) وليست في الديمقراطية، (يؤصلها) الصادق المهدي! وإذا تأصلت الديمقراطية وتلاءمت مع ظروفنا (بنية العشيرة الأبوية الاستبدادية) فإنها بالتأكيد لن يبقى من ديمقراطيتها شيء يذكر، إلا الهياكل بلا مضمون، وهو بالضبط ما يريده ويمارسه الصادق المهدي سواء في حزبه أو حينما يحكم السودان.

    وبمثل هذا (المنطق) يرقد الحجر والبيضة في أمن وأمان! بعد أن تم تجريدهما من هويتهما؛ تجريد الديمقراطية من مضمونها وتحويلها إلى مجرد هياكل (تسمى مؤسسات) وإلباس (الأخت الشورى) بنطلون جينز للخروج بها إلى سوق العصر! وإخفاء التناقض، بالضبط كما يحدث في "حزب الأمة الجديد"!

    وما ينطبق على الديمقراطية، ينطبق على أطروحة حقوق الإنسان بالكامل، ولا داعي للتكرار.

    وإنطلاقا من هنا ـ الأسس الفكرية ـ يستمر الصادق المهدي في خلق الإلتباسات: ففي حديثه عن علاقة الدين بالدولة يرفض مبدأ فصل الدين عن الدولة/السياسة بحجة أن "الدين يدخل في الحياة، والسياسة جزء من الحياة. والمؤمن بدين لا يستطيع أن يستمر مؤمنا ويطرد دينه من حياته" وهذا شكل نموذجي للتلبيس! فأولا؛ لم يقل أحد في علاقة الدين بالدولة الديمقراطية بأن يطرد المؤمن دينه من حياته وإنما ألا يفرضه على حياة الآخرين. وثانياً، إذا كان الصادق المهدي يقر بأن السياسة (جزء) من الحياة، فلماذا لا يكون الدين ضمن أجزائها الأخرى؟ ولنحلل مقولته لنعرف كيف يصنع الالتباس:

    1/ السياسة = جزء من الحياة (معادلة الحقيقة)

    2/فصل الدين عن السياسة = طرد الدين من الحياة. (معادلة الإلتباس)

    لأنه يجعل من:

    3/ فصل = طرد (معادلة التلبيس)

    4/ السياسة = الحياة (معادلة التناقض)

    وضمن ألعوبة الألفاظ يتم إخفاء التناقض، ويقوم هو بإخفاء الإلتباس باستعمال متلازمة "ينبغي" فـ"المبدأ الذي ينبغي إقراره في هذا الصدد، أن المؤمن مهما استهدى بدينه ينبغي ألا يحاول إخضاع الآخرين له. وأن يحترم التعددية الدينية". هذا هو (المبدأ) العلماني، وهو صحيح ولم ينزل من السماء وإنما نشأ نتيجة سيرورات تاريخية وتجارب، وهو أساس التطبيقات في الدول العلمانية، والتجربة البشرية تقول أنه لم يتم تطبيق هذا المبدأ إلا حين تم فصل الدين عن الدولة/ السياسة. ونحن نطالب الصادق المهدي بإيراد مثال واحد طُبّق فيه هذا المبدأ في الدول غير العلمانية، والإسلامية بالذات خلال القرون الأربعة عشر التي مرت وفي التجربة المعاصرة حتى يكون كلامه (موضوعيا) وقابلا للإقناع. أما الإتكال على "ينبغي" فلا يحل المعضلة، ثم قوله أن الدولة لا تستطيع أن تعمل وكأن الدين غير موجود.. ]و[ أنه لا يمكن إلغاء الوجود الحركي للدين في المجتمع" فهو تحصيل حاصل وتقرير بديهة، بل الدولة لابد أن تعمل على تحديد الدين في حدوده أولا، ومنع المتدينين من محاولة إخضاع الآخرين لأديانهم. وهنا تتجلى الذهنية الإطلاقية: فهو يفهم مسألة الفصل القائمة على مبادئ النسبية فهما دينياً مطلقا ويعبر عن هذا الفهم باستعمال كلمات مثل (طرد، إلغاء،..إلخ) هذا عوضا عن ما بهذا الإستعمال من شبهة استغلال سياسي لتهييج المشاعر.

    أما محاولته للاستدلال على "تدّين" أهم ثلاث دول علمانية، بالإشارة إلى كنكردات (عهود) الدولة الفرنسية مع الكنيسة الكاثوليكية، وظهور الصليب في العلم البريطاني، ووجود اللوبي اليهودي ووجود النص "توكلنا على الله" في الدولار، فهي من جانب تلغي إطلاقاته في (طرد، إلغاء، ..) ومن جانب آخر تؤكد أن من يتابع الشكلانية تفضي به إلى السذاجة. فالحقيقة أن الدين في هذه الدول المذكورة قد وُضِع في حدوده بفعل السيرورات التاريخية والتحولات الاجتماعية التي أدت إلى ترسيخ العلمنة وفصل الدين عن الدولة وتجاوز الأشكال الاستبدادية في أنظمة الحكم إلى غير ما رجعة، وأن الدين بعد هذا (التحديد) الطويل، سلّم وتحول إلى مواطن عادي ضمن مواطني الدولة وليس الدولة أو فوقها. وهذه قيمة لم يفهمها المنظرون الإسلاميون بعد. وأن هذه الأشكال/الأدوار الرمزية، مجال الدين الحقيقي، التي ذكرها الصادق المهدي تنتمي إلى حقيقة أخرى، هي أن (الدين)، في المجتمع البرجوازي/الرأسمالي، بالفعل، "بنية فوقية". وأن "البنية التحتية" التي هي علاقات الإنتاج هي المهيمنة في بنية الدولة، لذلك لا يستطيع الدين أبدا أن يدّعي أنه الدولة ـ فهو يعرف قدر نفسه جيداً.
    ومشكلة الفكر الإسلامي عموماً أنه لم يتم حتى الآن تشكل بنى إجتماعية قادرة على إعادة طرح (الإسلام) خارج سياق بنية العشيرة الأبوية الاستبدادية وعلاقات الإنتاج الريعية الخراجية. أي أن التنظير في هذا المجال يتكل على "ينبغي"، وحتى على مستوى "ينبغي" هذه، تظل المشكلة في السودان أن مسئولية الرفض تقع على عاتق الدين (المختار) الإسلام وعلى الثقافة المختارة الإسلاموعربية، وفي الإثنية المستعلية المسيطرة الإسلاموعروبية التي يمثل الصادق المهدي نموذجها الأصيل. فهي الجهة التي تناقض شروط "ينبغي" التي يحاول الصادق المهدي أن يقنعنا بها عن طريق التقريرية الإعتباطية. ثم يأتي بعد ذلك ويطالب أن لا يحاكم الإسلام والعروبة! والسؤال هو: لماذا يحاكم الإسلام والعروبة في السودان؟ فبالإضافة لما ذكرنا سابقاً فالمحاكمة ليست فقط بسبب ممارسات الإنقاذ التي يريد الصادق المهدي أن يجعل منها كبش فداء، بل بسبب ممارسات الصادق المهدي وأسلافه أيضا. وثم أنه ليس فقط لأن الإسلام إسلام والعروبة عروبة، ولكن لأنهما ـ بكل بساطة ـ يحكمان الناس وبالقوة، وبالتالي، على الحاكم أن يتوقع المحاكمة من المحكومين. وهذه بديهة، فالناس في زامبيا أو نيكاراقوا لا يحاكمون الإسلام ولا العروبة. ولكن ـ من جانب آخر ـ فمستجدات العصر هي التي صارت تحاكم كل شيء.
    3/ قضية التنمية:

    التنمية المستدامة:

    يقدم الصادق المهد\ي تحت هذا العنوان طرحا جاء متماسكا نظريا في مجمله. والسبب في رأينا يرجع إلى تخليه عن أسلوب التلبيس الديني الذي ظل يمارسه في طرح القضايا الأخرى. وذلك ـ من ناحية أخرى ـ لسبب جوهري هو أن الصادق المهدي لا يسلم بوجود نظام إقتصادي إسلامي، فـ"على صعيد الاقتصاد: نزل الوحي بمبادئ عامة للاقتصاد مما لا يختلف عليه الناس مثل التعمير، والتكافل، ومنع الاستغلال وغيرها، ولا يوجد نظام إقتصادي بأجهزته وضوابطه لتحقيق هذه المبادئ ]والحقيقة أنه يوجد نظام إقتصادي إسلامي هو أقتصاد الريع والخراج الذي ظل يمارس على مدى تاريخ (الحضارة الإسلامية)، ولا يزال، وإن إختلفت بعض عناصره، والصادق ينكره لأنه يجرد الإسلام من تاريخه، حين تقتضي الضرورة، أي أنه يجعل منه مجرد كائن إبستيمولوجي ويتعامل معه على هذا الأساس[، الأجهزة والضوابط، أي النظام الإقتصادي الذي يوافق مقاصد الشريعة ]إذا فُهمت بأنها المبادئ العامة التي نزل بها الوحي تصبح تقرير بديهة لا تخص الدين فحسب[ هو من وضع البشر"[25]. وكان بالتالي، أن وضع التنظير للتنمية في موضعه الصحيح، ولم يحشرها في التأصيل المستنير باعتبارها (كائنا وضعيا) بالجملة والتفصيل، ولم يفصلها بالتالي عن سياق البنية الفكرية الحديثة عموماً، والتنظير الحديث "الوضعي ـ العلماني" خصوصا، باعتبارها تحولا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

    ولكن إذا نظرنا إلى الجانب الآخر ـ العملي ـ تبرز تناقضات الصادق المهدي مع خطابه في الواقع. فنحن لا ننمي الفراغ، وإنما هناك واقع (أصل) قائم وبه إشكالات جمة (التخلف). والصادق المهدي يتناول بالنقد جزءا من هذه الإشكالات، وقد اكتفى بنقد أنظمة الحكم الشمولية، وإلقى باللوم على الأنظمة "الديمقراطية"، ولم يتطرق إلى البنى الإجتماعية الإقتصادية! وبالتأكيد، فالوصف والتشخيص الصحيحان للواقع يسوقان إلى المعالجات الصحيحة والتطبيقات الصحيحة للتنظيرات الصحيحة. وكما ذكرنا سلفاً فإن الدولة السودانية هي وضعية تاريخية، وصفناها بأنها بنية مركز وهامش لمجتمعات ما قبل رأسمالية يسودها نمط العشيرة الأبوية الاستبدادية واقتصاد الريع العشائري على مستوى (الاقتصاد الجزئي) والخراج على المستوى (الاقتصاد الكلي) مع استمرار القاعدة العبودية في تقسيم العمل وعلاقات الإنتاج. والسبب في إخفاق الأنظمة "شمولية كانت أم ديمقراطية" في إقامة التنمية يرجع في الأساس إلى إشكالات هذه البنية الاجتماعية/الاقتصادية التي تتناقض مع التنمية، بل وتتجه سالبا في أغلب الأحيان، خاصة بعد اكتمال سيطرة العشائر الطائفية والصوفية والقبلية ـ المحافظة بطبيعتها ـ على جهاز الدولة وتحالفها مع البيروقراطية التي يقودها أبناه هذه العشائر. وتمتلك العشائر المذكورة وسائل الإنتاج وخاصة الأكثر تطورا، وتحرسها الأجهزة النظامية والبيروقراطية التي تكافئ نفسها بالغنى من الخراج (ريع الدولة) المسمى (الضرائب) التي تؤخذ من المواطنين ولا ترجع إليهم، أو في أفضل الأحوال منقوصة نقصا فادحا، أي أن البيروقراطية والنظامية، صارت تعطل دورة الإقتصاد التي أنشأها النظام الإنجليزي بتوجهه شبه الرأسمالي الذي يأخذ من الناس الضرائب ويقدم لهم الخدمات التعليمية والصحية ويقيم البنى الأساسية (أدوات الري، الطرق، السكة الحديد، التلفون.. إلخ إلخ) وهذا يعني أن النظام الاقتصادي قد تغير وعاد إلى أصله الريعي الخراجي بعد الإستقلال بواسطة (التأصيل المستنير الذي كان يسمى السودنة)، ولم يعد هناك بالتالي تنمية ولا يحزنون! لذا لن يحدث تغيير وتنمية ـ حقيقيين ـ ما لم يتغير الوضع من خلال تغير ترابط المصالح القائم اليوم،
    أي تغيرات جذرية في الأسس التي تقوم عليها الدولة والبنى الثقافية/الاجتماعية/ الاقتصادية، وخاصة أنماط المؤسسات مثل "دائرة المهدي". لأن "تحرير الإقتصاد" ـ إذا سلمنا بمبدأ الرأسمالية ـ يتطلب تحرير العبيد/الأقنان/الأتباع ليصبحوا عمالا (أحرار) في سوق العمل. وتحرير الأرض ووسائل الإنتاج من قوانين العشيرة الأبوية، وتحرير العقول من ثقافة احتقار العمل (عند السادة) واحتقار العمل اليدوي والحرفي الذي يعتبر (عمل العبيد) في الثقافة الإسلاموعربية المهيمنة في السودان وتحرير الآخرين منها وتحرير المرأة من قيود الفكر الديني خاصة، وتحرير أشياء أخرى كثيرة، وما لم يحدث ذلك، أو على الأقل يجري العمل عليه، فلن تقوم للتنمية أية قائمة.

    وخلاصة القول في الجانب الفكري، أن الصادق المهدي يمارس "التشبُّح" الفكري بوضع رجل في التقليد والأخرى في الحداثة، ويمارس التلفيق بنزع المقولات من سياق البنى الفكرية التي نشأت فيها ولزقها في أخرى بآلية أقرب إلى التقريرية الاعتباطية. وكما يظهر لنا من التحليلات أعلاه أن التناقض في خطابه الفكري يعكس تناقض وضعيته الاجتماعية؛ فهو رجل تعليمه ووسائل حياته حديثة، ويعيش على ريع مؤسسة غاية في المحافظة والتقليدية. وكما أنه يكسب "رزقه" (بدون عمل) فهو أيضا يكسب نظرياته (بدون عمل) ـ أي بطريقة وضع اليد. فهو حتى الآن، رغم كلامه الكثير، لم يمتلك شجاعة الأستاذ محمود محمد طه لتأسيس منهج للتأصيل المستنير (كنسخ الناسخ بالمنسوخ مثلا، الذي ضحى من أجله الأستاذ بحياته) نكافئه عليه.


    ب/ القضية السياسية:

    1ـ الخروج (تهتدون):

    لم الخروج؟ والإهتداء إلى ماذا؟؟

    يقول الصادق المهدي: "كانت هجرتي نتيجة للاستقطاب الحاد النافي للآخر المفضي إلى الاستئصال المغذي للاستئصال المضاد... ]ويفصّل ذلك بأن[ سياسات النظام ـ في ذلك الوقت ـ أدانت القوى السياسية الرئيسية في الشمال وخوّنتها، وعمقت المواجهة مع قوى المقاومة في الجنوب وكفرتها، واتخذت سياسات إقليمية ودولية توسعية، فأدى ذلك كله إلى تكوين تحالف عريض ضد النظام، تحالف سوداني، إقليمي ودولي"، وإذا حللنا الجزء الأول من المقولة بتاليه تصبح المعادلة كالتالي:

    1/ النظام "المشروع الحضاري" = استئصال (معادلة الفعل الخطأ)

    2/ تحالف سوداني إقليمي دولي "مقررات أسمرا للقضايا المصيرية" = الاستئصال المضاد (معادلة رد الفعل الصواب)

    3/ الصادق المهدي "برنامج تفلحون" = تهتدون "معادلة التواطؤ الأيديولوجي"

    والمعادلة الثانية إذا قرأنا تفاصيلها نجد فيها "برنامج وضعية دولة التنوع داخل الوحدة" ونجد ملامح تشكل "كتلة تاريخية" لاستئصال وضعية تاريخية متفسخة؛ "جدلية المركز والهامش" والوضعيتان المذكورتان نقائض تاريخية شرط تواجدهما التعاقب وليس التزامن، لذلك كان النظام منسجما في منطق إدانته للقوى السياسية الرئيسية في الشمال ـ كجبهات مركزية ـ وتخوينها لأنها في لحظة بدت حاسمة اختارت موقفا تكتيكيا مع نقيضها التاريخي: الهامش. ولكن الصادق المهدي كان له موقف آخر قائم على التواطؤ الأيديولوجي المباشر مع النظام، فعمل على:

    أ/ هداية حزب الأمة إلى "الصراط القويم"، بدفعه للكف عن المضي في برنامج التحالف لأنه سيؤدي، لو قدر له الإنتصار، إلى تغيير أساسي يضر بمصالح الصادق والقوى التكتيكية في نهاية المطاف، وبالمكاسب التاريخية للكيان الإسلاموعروبي عموما بتجريده من بعض امتيازاته غير المشروعة.

    ب/ هداية النظام إلى تغيير أساليبه، وتكتيكاته بالابتعاد عن سياسة التشدد واللجوء إلى سياسة النفس الطويل، للحفاظ على الوضعية التاريخية التي يستمد منها الكيان الإسلاموعروبي امتيازاته، خاصة وأن أي تغيير جذري للنظام سيحمل معه توازنا جديدا للقوى (وضع الحركة الشعبية كمعنى رمزي لقوى الهامش، وصورة أيديولوجية في ذهن الصادق للكتلة التاريخية) يخشاه الصادق المهدي والنظام بالطبع.

    وسواء كان الصادق المهدي قد خرج بتخطيطه الخاص أو بالتواطؤ مع النظام (كما تذهب بعض التحليلات والتخريجات)، فإن المسألة تبقى هي هي؛ فالدور الذي لعبه الصادق المهدي كان في مصلحة النظام ومصلحة التوجه الإسلاموعروبي في السودان ـ وهذا أمر عادي، فهو بخروجه قد حقق (أو ساهم في تحقيق) الأمور التالية:

    أولا: ساهم الصادق المهدي في إقناع الأنظمة العربية بالتهديد الذي تواجهه هيمنة الكيان الإسلاموعروبي في السودان، ومن ثم تخفيف العداء للنظام، وتهيئة المناخ لاستعادة النظام لعلاقاته العربية تدريجيا. وبالتالي أنقص التحالف السوداني الإقليمي الدولي جزءا إقليميا وأضافه في نفس الوقت إلى النظام.

    ثانيا: أرجع خطاب الأزمة إلى حلقة قديمة، بتصوير الصراع وكأنه صراع فوقي حول كراسي السلطة، أو آليات الوصول إليها، وصارت المناظرات تجرى بين الصادق المهدي والترابي، وهما في الواقع جبهتين في سياق أيديولوجي واحد، وبذلك أضعف الصادق الجزء السوداني من التحالف ضد النظام.

    ثالثا: نقل العلاقات بين حزب الأمة والحركة الشعبية إلى العداء بعدأن كان حزب الأمة "يدعو كل المليشيات القبلية في كردفان ودارفور والأجزاء الأخرى لبلادنا أن توقف فورا عداءها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، وأن توجه أسلحتها صوب العدو المشترك ]النظام["[26].

    ويمكننا أن نقرأ مواقفه من الجانب الآخر من الصورة، أي مواقف الإنقاذ. وإذا رجعنا إلى خارطة الصراع التي حددنا ملامحها سابقا، فإننا نرى أن الصراع بين الإنقاذ والصادق المهدي هو في مجمله صراع المستوى الفوقي حول كراسي السلطة، وليس فيه تناقض قومي أو أيديولوجي أساسي باعتبارهما من حقل أيديولوجي واحد "المركزية الإسلاموعروبية" والخلاف بينهما في آليات التنفيذ وكيفيات الممارسة وأولويات المصالح الفئوية. وقد تغيرت المواقف فيما بينهما حسب المراحل التي مرت بها الإنقاذ.

    ففي مرحلة التمكين، كان هم الإنقاذ الأساسي توطيد موقعها (التمكين) في السلطة والدولة والاقتصاد، ومن الطبيعي أن يكون موقفها عدائيا من الصادق المهدي الذي انقلبت عليه. وهذه هي المرحلة التي استقوى فيها الصادق بالحركة الشعبية.

    بعد أن مكنت الإنقاذ نفسها وحزبنت الدولة وزادت التناقضات بينها والآخرين مما أفرز الضغوط، الداخلية والخارجية، ولأجل توازن ما، لجأت إلى مرحلة الاحتواء، احتواء آثار ممارساتها ومغازلة القطاعات التي تقع في هامش مجال تأثير خطابها الأيديولوجي المتشدد بتوسيع مواعينها والتأرجح بين التشدد والاعتدال.

    بعد "مؤتمر أسمرا وقراراته حول القضايا المصيرية" اتجهت للاستقواء بجبهات المركزية الإسلاموعروبية المعارضة، وكان أقربها الصادق المهدي، فبات من الطبيعي أن يقوم بدور الـ(Buffer) في تقسيم العمل الأيديولوجي للمركزية الإسلاموعروبية في حلبة الصراع المحتد. وبعد أن أنجز مهمته التي ساعدته في إنجازها ظروف بتغيرات في الوضع الإقليمي، وتراجعات التجمع بسبب الإشكالات الداخلية (التناقضات الأيديولوجية، اتخاذ بعض التنظيمات من التجمع مظلة تخفي تحتها إنشقاقاتها الداخلية وعجزها عن العمل، هذا بالإضافة لعامل الزمن بإطالة أمد الأوضاع التحالفية دون تحقيق تقدم = جمودها) انتقل الصادق إلى مرحلة أخرى، هي مرحلة العودة أو ما أسماه "تفلحون".

    2/ العودة (تفلحون):

    يقرر الصادق المهدي أن النظام صار يقبل بجوهر المبادئ المطلوبة لاتفاق سلام عادل:

    المواطنة أساسا للحقوق الدستودرية والتعددية الدينية والثقافية (ويفسره بـ) الانتقال من هيمنة دين واحد وثقافة واحدة والدولة المعبرة عن ذلك إلى التعددية الدينية والثقافية والدولة المعبرة عن الجميع على أساس المواطنة ... والاستفتاء أساسا للوحدة الطوعية.

    وجوهر المطلوب لتحول ديمقراطي: التعددية الفكرية والسياسية ومراجعة هيكل الدولة. وإحلال دولة الوطن ـ كما يقول.

    وكل هذا مبني على تقرير مشكوك في صحته أن واقعا جديدا خلقه نضالـ"نا" (ويمكن تأويل الضمير هنا إلى عدة معاني) وأن النظام، الذي نراه كل يوم، تعامل معه والتطورات الداخلية والإقلمية والدولية في الفترة 1995ـ1998م، وبالتالي، صار يقبل المبادئ. وهذا الواقع يمكن قراءته من منظور آخر مرتبط بتحليلنا لتطورات الإنقاذ وتطورات مواقف الصادق المهدي:

    ـ فخروج الصادق المهدي والدور الذي لعبه في المجال العربي، والتحول في الموقف المصري من النظام، وبروز تناقضات التجمع، والحروب الإقليمية بين الجيران وجمود الموقف الدولي عموما تجاه القضية السودانية مؤخرا، والإنشقاق الذي حدث في الإنقاذ وإنقسامها إلى تيارين والإجراءات التي اتخذت ضد الترابي، وهو انقسام أساسه في الواقع الوسائل والمصالح وليس المبادئ، وكان من نتائجه تنفيس الغضب لاعتقاد الكثيرين من الناس أن الترابي هو المسبب الأكبر للمشاكل، والتغطية بالتالي على جوهر الصراع.

    وبالتالي، كان كل ذلك تحسين في وضع النظام، وفي مصلحة الكيان الإسلاموعروبي، واستراتيجية المدى الطويل. لذا، يمكن رد قبوله ـ أي النظام ـ للتفسير الإسلاموعروبي لـ"السلام العادل" و"التحول الديمقراطي" الذي يتفق مع تفسير الصادق المهدي الذي يرمي إلى تفادي أي تغيرات حقيقية للوضعية القائمة للدولة السودانية، وذلك لأنه في هذا الوقت بالذات فإن ميزان القوى يميل لمصلحته والصادق المهدي يريد أن يسرع لاستغلال هذه الفرصة "التاريخية" أي أن موقف الصادق المهدي والنظام موقف تكتيكي من قضية السلام العادل. ولكن المدهش حقيقة أن الصادق المهدي لا يكتفي بنسب هذه المبادئ لنفسه ويقسمها لجيرانه بل ويؤكد أن أن هناك رؤية مغايرة وينسبها للحركة الشعبية! والناس يعرفون أن هذه المبادئ التي ذكرها وسماها جوهر المطلوب، هي مطالب قديمة ظلت تقدمها جبهات الهامش وبعض القوى اليسارية والليبرالية وظلت تقاتل من أجلها جبهات في مقدمتها الحركة الشعبية، وهي بالذات التي ساهمت بالقدر الأكبر في عملية فرض هذه "المبادئ/المطالب" على طاولة النقاش والمنفستوهات رغما عن "نهج الصحوة". ولكن الصادق المهدي يقوم بالإستيلاء عليها هكذا بطريقة وضع اليد، ولا يكتفي بإدعاء مكليتها فحسب وإنما يوزعها على النظام بل وينفيها عن صناعها وملاكها الحقيقيين وينسب إليهم ضدها!! وهكذا، بمثل هذه الفبركة، تصبح الصورة معكوسة: فأصحاب المطالب الذين يقاتلون من أجلها يصبحون بـ"منطق" الصادق المهدي ضدها. والجهات المعنية بالمطالبة تصبح هي صاحبة المطالب/المبادئ!! هذه مفارقة غريبة وكأن المسألة كلها مسرح مخرجه الصادق المهدي، وكأن الجمهور ليس هو الجمهور. وقد يحسب البعض أن وراء ذلك المكر الشديد ـ وهذا أمر وارد في عالم السياسة ـ ولكننا نرجح أن ذلك يعود إلى شخصية "الطفل المدلل" الكامن تحت إهاب الصادق المهدي ـ الذي يحسب أن مجرد رغبته في الشيء تجعل منه ملكا له! يا صادق يا مهدي، أن هذه المطالب/ المبادئ لم تتحقق لأن هناك جهة تاريخية قائمة تمارس الأحادية الدينية والثقافية والشمولية..إلخ وليس هناك سببا واحدا يدعو الآخرين لرفضها ـ لأنها مطالبهم ـ إلا إذا كنت تعتقد أن هؤلاء يعانون تخلف (وراثي)، ولكنك أول المطالبين ـ بفتح اللام ـ بهذه المطالب.

    وأيضا "إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه": فالجهة المتعودة على العيش فوق رؤوس الناس واستغلال عرق جباههم، الجهة المتعودة على ممارسة الهيمنة والتهميش والإقصاء والأحادية والشمولية (بمعناها الجوهري) لا تستطيع تصور "المساواة"؛ فقاعدة فهمها هي "أما أن تهيمن أو يهيمن عليك = ومن لا يظلم الناس يظلم (التي تدرّس في المدارس الثانوية)!"، وهكذا الصادق المهدي مسكون بهاجس "الهيمنة المضادة"، الذي إنطلاقا منه يفصل قميص الشمولية الإثنية ويزركشه بالألفاظ المتشددة ليصبح "الإنقلاب الإثني" ـ وهذا مجرد تحول لفظي لموقف مسبق يصف كل محاولة لمقاومة الهيمنة الإسلاموعروبية بـ"العنصرية" التي لم تعد مناسبة بعد انضمام أبناء الشمال الإسلاموعربي إلى حركات الهامش ـ ثم يتبنى موقفا من شيء لا وجود له في الواقع كبقية المخلوقات الابستمولوجية (الغول، البعاتي، الشكلوتة، الإنقلاب الإثني.. إلخ) بينما الحقيقة الواقعة أن هناك شمولية إثنية وحيدة قائمة في السودان هي الشمولية الإثنية الإسلاموعروبية التي يجلس الصادق المهدي على قمتها، ويعترف بها بشكل استهبالي "نعم كان لثقافة المركز في السودان هيمنة": يموه هيمنة الحاضر بـ"كان" ويموه عن كيانها الإثني الذي يمارس الشمولية الإثنية بـ"ثقافة المركز" ويسكت عن الطرف المهيمن عليه الذي هو في الواقع 55 مجموعة إثنية ثقافية. ولنفترض على سبيل الجدل، أن السلطة آلت إلى المجموعات، فبأي منطق يسمى ذلك شمولية أو إنقلاب إثنى؟! وما هو المعيار الذي على أساسه توضع المجموعة الإثنية الإسلاموعربية في مقابل 55 مجموعة إثنية أخرى؟ المعيار طبعا هو مبدأ اللامساواة النابع من الاستعلاء التاريخي والهيمنة القائمة في الواقع. ولكن حتى لو افترضنا أن الصادق المهدي يريد أن يقول أن هذا الإنقلاب سيقوم به الدينكا بقيادة جون قرنق، فهذا مجرد تصور يشف عن شيئين:

    الأول: احتقار الصادق المهدي للوعي السياسي للدينكا ولجون قرن باعتبارهما جهات قاصرة عن فهم التاريخ. وبالتالي ستكرر أخطاء الاسلاموعروبية في السودان، أو قاصر عن الفهم في كل شيء فتقلدها.

    والثاني: المكر الأيديولوجي: وهو سلوك في أغلبه لاواعي، يهدف إلى مبدأ فرق تسد، من خلال تخويف الجماعات الإثنية الأخرى من "عدو" نظري ومصطنع، والتمويه عن الـ"عدو" القائم بالفعل، وبالتالي سد الطريق أمام/ أو تأجيل قيام كتلة تاريخية قادرة على خلق التوازن الضروري ـ في القوة والوعي ـ لتحقيق مشروع التحول التاريخي في السودان.
    تحليل معادلات الصراع:

    أ/ المعادلة التي يصنعها الصادق المهدي للصراع على أساس الموقف من مبادئ/مطالب السلام العادل والتحول الديمقراطي لأسباب مؤقتة، سواء كانت حقيقية أو متوهمة:

    الصادق المهدي = المبادئ/المطالب (استنتاج نظري)

    النظام = يقبل (مجبر)

    التجمع = يماحك (ليس هناك تبرير واضح)

    الحركة الشعبية = تغاير (وليس ترفض فحسب، بل تخطط للإنقلاب الإثني)



    يصبح قطبي التناقض هما الصادق المهدي والحركة الشعبية، وهذه نتيجة صحيحة في مضمونها، خاطئة في شكلها وتبريرها. ولكن إذا قرأناها بتفسير مبادئ السلام العادل والتحول الديمقراطي تفسيرا جوهرياً بمعنى ضرورة التحول التاريخي من وضعية جدلية المركز والهامش المأزومة إلى جدلية التعدد داخل الوحدة، مع الوضع في الاعتبار قانون الصراع الذي يقول "أن أي تغير جوهري/ أساسي لا يقوم إلا رغما عن أشياء قديمة قائمة"، تصبح المعادلة كالتالي:

    الحركة الشعبية = التحول التاريخي (صاحب المطالب والمصلحة الأكبر)

    التجمع = يقبل (صاحب مصلحة)

    النظام = يرفض (متضرر)

    الصادق المهدي = يغاير (المتضرر الأكبر)

    وفي هذه المعادلة يبدو النظام في موقع أقرب نسبيا للتحول من الصادق المهدي، وذلك لأنه:

    أولا: من الناحية النظرية، النظام أقرب نسبيا إلى الحداثة منه إلى التقليد باعتبار وسائل كسبه ومجال كسبه ذي الطابع المديني في المقام الأول، وهذا يعني قدرته على المنافسة والاستمرار في مجال التحول.

    ثانياً: ارتباط مصالحه بتوجهات أقرب نسبيا إلى الرأسمالية منها إلى الريع الخراجي (بسبب الطابع المديني العام).

    ثالثاً: بعد إنجاز (التمكين) تحولت الدولة إلى عبء أكبر من كونها مصدرا للكسب بعد التدهور الشامل، وهذا ـ في رأينا ـ ما جعل الترابي يبتعد ويستعد لدور جديد ومواجهة احتمالات أخرى.

    إذن لماذا يرفض النظام التحول التاريخي؟

    أولا: لطبيعته الأيديولوجية وموقعه المسيطر نسبيا

    ثانيا: للتغيرات التي ذكرناها سابقا التي صبت في مصلحته، ولم يعد مضطرا بالدرجة الكافية لتقديم تنازلات جذرية.

    ثالثا: لم تتشكل القوى البديلة بعد، بعد أن ضعف التجمع.

    رابعا: هامش المناورة: فموقف النظام المبدئي من قضية الحرب والسلام مختلف جذريا، وأساسه الإيمان بالإنفصال بين الشمال والجنوب، وإنفراد التحالف الإسلامي العريض المكون من الحركات الإسلامية بجبهاتها العديدة مع قيادات حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي بالسيطرة على دولة الشمال الإسلاموعربية. والنظام يعلم أنه ـ في هذه الحالة ـ لن تكون هناك معارضة جدية في المدى القريب، ثم أن الموقف الدولي سيتغير كلية تجاه الدولة الإسلاموعربية التي ستقوم في الشمال وسيتعامل معها ضمن سياق الدول العربية ـ الإسلامية.
    ويتضح من ذلك أن قبول النظام الذي يتحدث عنه الصادق المهدي هو في الواقع قبول شكلي تكتيكي مثلما قبل من قبل مبادئ الإيقاد وظل التفاوض المباشر ـ الذي يعطيه الصادق المهدي أهمية قصوى ـ مستمرا، ولكنه لم يُحدث أي تقدم. وإذا قرأنا هذا مع واقع توصل الحركة الشعبية إلى إتفاق مع التجمع (بما فيه حزب الأمة في مرحلة تهتدون) على قرارات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، فإن ذلك دليل على أن النظام والصادق المهدي هم الذين يرفضون مبادئ "السلام العادل" بالمعنى الجوهري، أي التحول التاريخي للدولة السودانية. ومن الأساليب التي يتبعها الصادق المهدي إيراد أسانيد سماعية مثل "قال لي الرئيس اليوغندي موسفيني أن قرنق يريد كذا وكذا" في مسائل ليس فيها سرية أو تحتاج إلى شهادات من موسيفيني مثل أن قرنق يريد "تغيير هوية السودان أو أفرقته" ولكن ذلك رغبة منه للإيحاء بوجود مؤامرة في موضوع ليس سريا لأن مسألة تغيير هوية السودان أصبحت مسلمة في كل المنفستوهات بما فيها المنفستوهات التجريدية للصادق المهدي نفسه، أما مسألة أفرقته، فهذه أطروحة مثلها مثل احتمالات عروبته أو أسلمته، ومذكور حتى من الصادق على سبيل الاحتمالات، أليست (أو) تعني الاحتمال؟ ولكن المغزى الضمني هو (إقصاء) الاحتمالات الأخرى لهوية (السودان) في ذهن الصادق عبر صيغ الاستنكار هكذا.

    وبعد أن يقوم الصادق المهدي بإلباس نقيضه ـ الحركة الشعبية، قميص "الشمولية الإثنية"، يعود لصيغة "كلمة الحق التي يراد بها الباطل"، يقول "المجموعات الوطنية السودانية مهما كانت ثقافاتها وانتماؤها الإثني تستطيع أن تتطلع لأية مراكز تريدها ما دامت تحترم حق المواطنة للآخرين بالوسائل الديمقراطية، ولكن المرفوض أن تتطلع إلى السلطة بالقوة تحت أي شعار أيديولوجي" (العودة:5) هذا الكلام صحيح في الإطار النظري، ولكن الواقع أن التطلع إلى السلطة لا يتم في الفراغ، والمنطق هو أنه إذا توفرت الوسائل الديمقراطية والفرص العادلة فلا نعتقد أن هناك مجموعة وطنية تتطلع إلى السلطة بالقوة إلا إذا كان لديها (أوهام استعلائية)، وهذا ينطبق على مجموعة واحدة فقط في السودان هي المجموعة الإسلاموعروبية. ثم أنه إذا كانت هناك جهة تحتكر السلطة وتمارسها شموليا، ولا تزال لا تؤمن إلا بالقوة فما هي الوسائل البديلة للقوة لمقاومتها؟ ثم ما السبب الذي يجعل الصادق المهدي يمنح حق "الاستفتاء أساسا للوحدة الطوعية" للجنوب فقط دون أبيي والأنقسنا وجبال النوبة طالما المشاكل هي من نفس النوع؟

    تقول الفقرتان (ط) و(ي) من نداء الوطن[27]:

    ط/ إكمال تلك الإجراءات في فترة إنتقالية قدرها أربعة أعوام، في نهايتها يستفتى جنوب البلاد بحدوده عام 1956م ليختار بين وحدة طوعية بسلطات لامركزية يتفق عليها أو الإنفصال.

    ي/ معالجة قضيتي جبال النوبة والأنقسنا بما يحقق مطالبهم في القسمة العادلة للسلطة والثروة ]والقسمة العادلة للسلطة والثروة عبارة عن تكرار لفقرة عامة هي الفقرة (ز)[، في إطار السودان الموحد.

    وهذا يؤكد إزدواجية معايير الصادق حول ما يدعيه حول السلام العادل.
    الإخفاء والإظهار

    في كيفية تفصيل الرؤى والاستراتيجيات والأجندات:

    بعد أن فصّل الصادق المهدي الرؤى إلى اثنتين في البداية لتناسب نظام الكفتين وأقطاب التناقض: إلى رؤية المبادئ والرؤية المغايرة للحركة الشعبية، عاد ليقسم "الساحة السودانية الآن إلى ثلاث رؤى اساسية تتصارع:

    ـ الثقافة المركزية ودولتها الشمولية، وهي رؤية ما زال يوجد من يتمسك بها وإن عدل من أساليبه ]فإذا تعاملنا هنا مع كلمة شمولية بمعناها الجوهري، فإن هذا بالضبط هو موقع الصادق المهدي[.

    ـ رؤية المواطنة المتساوية وتعايش الأديان والثقافات والوحدة الطوعية والتحول الديمقراطي. ]وهذا يتناقض جوهريا ـ كما بينا سابقا ـ مع الأساس الفكري والأساس الموضوعي للصادق المهدي الذي يستمد منه مصالحه ووضعيته، ولكنه (يتسلبط) لاحقا في هذه الرؤية عن طريق منهج التقريرية الاعتباطية الذي ينتهجه كثيرا[

    ـ رؤية الإنقلاب الإثني ودولته الشمولية الجديدة. ]افتراضية["

    وبعد هذه الترسيمة، يقفز إلى ما يسميه صراع الأجندات:

    في الفصل السادس من كتابه ـ العودة ـ يوزع احتمالات التحالف والمواجهة بين القوى السياسية السودانية على اربعة أقسام (أجندات)؛ وطنية، حربية، شمولية، وتدويلية، وينسب لنفسه ـ بالطبع ـ الأجندة الوطنية، ويكرر في مقدمة "أمورها الأربعة" و"نقاطها السبع" التي هي تفاصيل الأمور الأربعة: للسلام العادل والتحول الديمقراطي. ويقرر بأن التسليم بهذه المبادئ (النقاط) يعني فتح صفحة جديدة تسمح بتحقيق تطلعات الشعب المشروعة، ويقرر أيضا أن الحريات الأساسية وتمكين القوى السياسية من تنظيم صفوفها لتمارس دورها المشروع والتسليم بالاحتكام للشعب لحسم الخلافات السياسية وبالتداول السلمي الانتخابي للسلطة يعني إلغاء أي مبرر لحمل السلاح ]ويبقى بالتالي[ اتخاذ التفاوض المباشر وسيلة لتحقيق تطلعات الشعب.."

    إذن هذه هي النتيجة التي أراد التوصل إليها بعد كل تلك التفصيلات.

    ولكن من المقصود بهذا الكلام؟ المقصود طبعا الجهات التي تحمل السلاح: الحركة الشعبية، التحالف، والتجمع (افتراضا)، ويستضمن هذا الكلام، إذا قرئ مع تقرير سابق بأن النظام صار يقبل جوهر المبادئ المطلوبة للسلام العادل والتحول الديمقراطي، يبقى في كفة السلام الصادق والنظام. ومن واجب الجهات الأخرى أن تأتي إلى المفاوضات المباشرة (المفترضة). وهكذا فبالإضافة لتجلي النزعة التصوراتية التجريدة التي تجعل من الأمر وكأنه اختلاف بين جهات تتصارع على إناء فارغ وحول من سيملأه أو كيف يملأ هذا الإناء الذي هو الدولة! وتصبح المطالبة بإلقاء السلاح لمجرد الإقرار بإعلان مبادئ (أي النظرية الهبنقية) مثله مثل بقية الإعلانات، والتي استمر التفاوض على أساس آخرها لعدة سنوات دون الوصول إلى شيء. هكذا يظهر تحيز الصادق المهدي الإيديولوجي للنظام، فالنظام غير مطالب بإلقاء السلاح بالرغم من أنه يسيطر على الدولة ويعيد صياغة كل شيء بالقوة وهو في نفس الوقت "يتفاوض"!: والصادق المهدي يعرف (ولو نظرياً) أن "توازن القوى" أمر ضروري لأي "إتفاق عادل". وبالنسبة للسلام العادل والتحول الديمقراطي هو أمر أكثر ضرورة من كل النظريات. فلماذا يصر الصادق على تجريد أحد أطراف الصراع من مصدر قوته الوحيد المعترف به؟ إذن السلام العادل عند الصادق المهدي ليس هو "السلام العادل"، ثم أن ما ذكره هو مجرد نقاط مُختلف حول تفسيراتها اختلافا كبيرا، ويمكن لأي أحد أن يتبناها نظريا ويبقى بالتالي الضمان الوحيد لتحقيقها في الواقع هو توازن القوى. ومن ضمن وسائل هذا التوازن حمل السلاح الذي يسميه الصادق المهدي الأجندة الحربية، كأنما الحرب حفلة لأكل البوظة!! يجعلها الناس أجندة بمزاجهم!! والغريبة أنه ينسب هذه الأجندة للحركة الشعبية دون الجهات الأخرى التي تحمل السلاح، ومن ضمنها الأجندة الحربية التي تحكم السودان لزمان طويل والتي تطورت إلى "أجندة جهادية" تجد دعما من بعض الجهات العربية والإسلامية!

    عندما يأتي دور النظام، يفبرك المسألة بطريقة ماكرة، يقسم فيها النظام إلى لوبيات، ينسب إلى بعضها الأجندة الشمولية، والبقية طبعا الأجندة الوطنية، و"الدبابين" ليسوا أجندة حربية ولا يحزنون! وهو بهذا يبرر "تفلحون"، ويبرر شمولية النظام في نفس الوقت. أما في الحركة الشعبية فلا توجد لوبيات يمكن أن يوجد من بينها من يتبنى الأجندة الوطنية، فهي حربية جملة وتفصيلا، وهنا يتجلى أحد مضامين خطاب المركزية؛ "الإقصاء الرمزي"، فهم، أينما كانوا لا يخلون من الوطنية، أما الآخرون فليس فيهم احتمال لوبٍ واحد وطني: "فكلهم في الهم بلوة"!
    الاستراتيجيات:

    وبنفس الطريقة التي يتبعها في تفصيل الرؤى والأجندات، على المقاسات التي يريد أن يلبسها لنفسه وللآخرين، يقرر أن هناك استراتيجيات تحكم آليات التفاوض، وحددها في استراتيجيتين:

    أ/ استراتيجية تهدف لأفرقة الشأن السوداني، وتحجيم دور الشمال داخليا، وإبعاد الشمال الأفريقي إقليميا؛

    ب/ استراتيجية تعترف بالواقع السوداني العربي الافريقي وتطلع إلى تجاوز مظام الماضي...إلخ

    ولكنه يسكت عن أهم استراتيجية:

    أـ1/ الاستراتيجية الأزلية: استراتيجية الأسلمة والاستعراب "السودان جسر العروبة والإسلام إلى أفريقية" وهي الاستراتيجية التي يتبناها الصادق المهدي والنظام، وتتبناهم جهاتها، وإن كان يرجع الفضل لأحد في ابتداع آلية تتناسب مع هذه الاستراتيجية، فإنه يرجع إلى الصادق المهدي بمساهمته في "تخليق" "المبادرة الليبية ـ المصرية"، أو ما يسمى بـ"المبادرة المشتركة"، التي يضعها الصادق المهدي كآلية أساس، لما أسماه بالحل السلمي الشامل، ويكثر من مقارنتها بالإيقاد، المعترف بقصورها الذي يتمثل في:

    1/ حصر أطراف المفاوضات في النظام والحركة الشعبية.

    2/ حصر القضية محل النزاع في منظور شمال ـ جنوب.

    ولكن الصادق المهدي لا يتكلم عن مزايا الإيقاد، وهي:

    1/ ركزت الإيقاد على القضايا الجوهرية محل النزاع. وطرحت القضية بوضوح بالنص على علمانية الدولة أو تقرير المصير. وبهذا أغلقت باب المناورات بالمنفستوهات والتخريجات التي تنتهج أسلوب المداورة في قضية الدين والدولة مثلما يفعل الصادق المهدي بتمويه القضية في جملة "المواطنة أساسا" التي تحتمل التأويلات الواسعة.

    2/ ترتيبها للأولويات منطقي، إذ أنها لا تفترض وقف إطلاق النار الشامل قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

    أما المبادرة المشتركة، فمن إيجابياتها:

    جمع أطراف النزاع السوداني، (وهذه قد لا تعدو عن كونها نقطة شكلية)

    أما سلبياتها فهي:

    أ/ تضع وقف إطلاق النار الشامل في أول بند من بنودها. (وهذا يتطلب إجراءات مثل: تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وتحديد مدى زمني للوصول إلى اتفاق أو إعلان فشل المفاوضات المباشرة، وهذه أمور بالغة التعقيد، ويمكن للنظام أن يتلاعب عليها بسهولة كما حدث بالفعل).

    ب/ تسكت عن تقرير المصير، (يعني تراجع القضية وتجاوز لمسلمة أصبحت أمرا واقعا لدى كافة أطراف الصراع في السودان.)
    والصادق المهدي بعد أن (دبّس) التجمع في "المبادرة المشتركة"، عاد للمنطق الشكلي باللعب على المجاهيل المطعمة بالسخرية قائلا: "والغريب أن الحركة الشعبية وهي تقود إصرار الفصائل على منع برنامج المبادرة المشتركة ما لم ينفذ النظام السوداني إجراءات بناء الثقة، وما لم يتم التنسيق مع مبادرة الإيقاد ]وهي تفاوض النظام منفردة في نفس الوقت[". وطبعا، بالمقارنة بين المبادرتين نكتشف زيف هذا المنطق، فالصادق يلعب على إمكانية جهل القارئ بمحتويات المبادرتين، فالسبب الواضح في المطالبة بإجراءات بناء الثقة أو ما يسمى بتهيئة المناخ ـ سواء جاء من التجمع أو من قبل الحركة الشعبية هو وضع بند الوقف الفوري لإطلاق النار ووضع آلية مراقبة في البند الأول في المبادرة المشتركة، بينما الإيقاد ليست في حوجة إلى كل ذلك لأن وقف إطلاق النار يأتي بعد إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام في ظل "توازن ما للقوى". أما مسألة تفاوض الحركة منفردة فهذا يرجع في الأساس لرفض النظام لإضافة أطراف أخرى، لأن استراتيجيته تقوم على حصر القضية في منظور وسياق (شمال ـ جنوب)، ويسميها "مشكلة الجنوب" وهذا مرتبط بما ذكرناه سابقا حول موقف النظام المبدئي القائم على رؤية الإنفصال. أما مسألة رفض الحركة (في السر) لتوسيع الإيقاد، فهذا تخريج سيء من الصادق المهدي لخطابه (فيا ترى كيف عرف الصادق المهدي بهذا السر الكبير؟)، ثم أنه ليس للحركة أية مصلحة في ذلك، فالتجمع هو حليفها ووجوده يقويها بأقصى درجة ممكنة، ولكنها رغبة الصادق المهدي في إلباس الحركة الشعبية قميص اللوم بمناسبة وبدونها لأنها حاضرة دائما في ذهنه في صورتها الرمزية المخيفة، كمثال للنقيض الإيديولوجي/التاريخي، ورحم الله امرئا عرف نقيضه الإيديولوجي.

    وهكذا، لعب الصادق المهدي دوره وعاد إلى حقله الإيديولوجي بعد أن ساهم في إمكانية استمرار الوضعية التاريخية المأزومة، أي تعليق إمكانية الحلول الحقيقية وقرّب النظام من هدفه الرامي إلى فصل الشمال. عاد والتقى بالجبهة الإسلامية لمواصلة العمل في توحيد جبهة الكفاح الداخلية (الإسلاموعروبية) من أجل البقاء في موقع "المطالبة باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف المادي والرمزي" بعد أن وصل الاستخدام غير الشرعي إلى مداه وأنتج مضاداته:

    وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
    يظنان كل الظن ألا تلاقيا
    والحقيقة أن ما بين الشتيتين مجرد حماقات سلطة، ولكنهما في الهم شرق. وإن ما هو جوهري ليس في الكلمات التي تصاغ في المنفستوهات بقدرما هو في الخلفيات والمرجعيات الموضوعية/ التاريخية التي هي قادرة على جمع الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا.



    الهوامش:

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] نقلا عن د. علي سالم: بيار بورديو (6) نظام الاستعدادات والتصورات، الدولة: اكتشاف بورديو للبعد الرمزي، مجلة أفكار معاصرة. ويشرح د. علي سالم مفهوم رأس المال الرمزي بقوله: يعني رأس المال الرمزي القبول أو الاعتراف بسلطة من يملك مزايا أكثر.. وأن رأس المال الرمزي مرتبط بأهمية الموقع المحتل أو بالقيمة المعطاة من قبل الناس، أو بالتسمية المعطاة لشيء. ومما لا شك فيه أن هذه القيمة تتعلق بإنظمة الاستعدادات والتصورات للأشخاص المتوافقة مع البنى الموضوعية القائمة.

    [2] نعمان الخطيب؛ الأحزاب السياسية ودورها في أنظمة الحكم المعاصرة، ار الثقافة للنشر والتوزيع، 2 شارع سيف الدين المهراني، 1983م، ص 167.

    [3] نيكولاس بولانتزاس؛ نظرية الدولة، ترجمة ميشيل كيلو، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1987م، ص 25.

    [4] إريك فروم؛ أزمة التحليل النفسي، ترجمة طلال عتريسي، الطبعة الأولى، المؤسسة العامة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1988م، ص50.

    [5] ديكومب؛ الذات والآخر، (نعتذر عن ضياع بقية تفاصيل عنوان المرجع).

    [6] محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي 3: العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، المغرب، 1990، ص 17.

    [7] المرجع السابق، ص 28.

    [8] د. علي سالم؛ المرجع السابق، ص126. ويخلص بورديو في تحليله إلى أن الدولة تعتبر نتيجة لعملية التوافق بين البنى الموضوعية والبنى الفكرية أو نتيجة العلاقات المباشرة العفوية اللاواعية بينهما. أو أنها نتيجة للواقع أو الشروط الاقتصادية والاجتماعية وبعبارات أخرى، ليست مفهوما مقدسا، أو جوهرا قائما بذاته، وإنما مفهوم له بعد اجتماعي، وبهذا ففهم الدولة يكون من خلال القطيعة مع نظرية الجواهر أو الحقائق المطلقة ومن خلال العودة، بالتالي، إلى المنطق التاريخي والسيرورات التاريخية.

    [9] نفسه، ص129.

    [10] يعرف ماركس الدولة بأنها"أداة أو آلة لخدمة البرجوازية، أو كجسم طفيلي مخيف". أما دوركهايم فيعرفها بأنها "جهاز من المجتمع يؤدي إلى إقامة علاقات من التضامن بين أعضائه ويراقب تربيتهم... أو كأجسام اجتماعية لها صفة التحدث والتصرف باسم المجتمع أو كبنية مميزة عن بنى أخرى (أو أنظمة) تتضمن التوازن الاجتماعي بمجمله، أو كشكل للسلطة محدد بالصراعات الطبقية الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، وبعلاقات الإنتاج، أو كشكل يلعب دورا أساسيا في تكوين علاقات الإنتاج. (بولانتزاس) نفسه، ص132.

    [11] الجابري، المرجع السابق، ص48.

    [12] محمد سعيد القدال؛ تاريخ السودان الحديث 1820ـ1955م، مطابع شركة الأمل، 1993م، ص53.

    [13] المرجع السابق، ص16.

    [14] د. شريف حرير ود. تيرجي تفيدت؛ السودان الإنهيار أو النهضة، ترجمة مبارك على عثمان ومجدي النعيم، الطبعة الأولى، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1997م، ص 19.

    [15] د. سمير أمين، مقال، ، مجلة المستقبل العربي، عدد

    [16] أبو القاسم الحاج حمد، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل: جدلية التركيب، المجلد الأول، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1996م.

    [17] الصادق المهدي، السودان إلى أين: إعلان الجهاد المدني، دائرة الإعلام الخارجي، حزب الأمة، 1993م، ص7.

    [18] مذكرات الإمام عبد الرحمن المهدي، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1996م، ص7.

    [19] المرجع السابق، ص28.

    [20] د. تيسير محمد أحمد؛ زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1994م، ص37.

    [21] الصادق المهدي؛ كتاب العودة: من تهتدون إلى تفلحون، القاهرة، 2000م، ص1.

    [22] نقلا عن د. فرانسيس دينق: صراع الرؤى ونزاع الهويات في السودان، ترجمة عوض حسن، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1999، ص387.

    [23] الصادق المهدي؛ تحديات التسعينات، شركة النيل للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، 1990م، ص 126.

    [24] حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996م، ص 139.

    [25] الصادق، تحديات، مرجع سابق، ص 127.

    [26] حزب الأمة؛ الحرب والسلام، البيان المشترك بين حزب الأمة والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، بتاريخ 17/2/1990م، ص 6.

    [27] حالة الوطن؛ التقرير الاستراتيجي السوداني الأول 1999ـ2000م، مركز الدراسات السودانية، 2000م، ص89.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 03:52 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    قضية الخفاض بالسودان
    تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح

    قصي همرور - مارس 2008

    إن الكتابة عن قضية الخفاض تحتوشها الصعاب، وذلك لعدة أسباب، منها أن القضية تختزل في طياتها قضايا مجتمعية شائكة، تنعكس على الفرد والأسرة والجماعة والدولة، بصور ومستويات شتى، وبالتالي فإن الحديث عنها يقتضي التعامل الموزون مع كافة هذه الانعكاسات.. من الأسباب أيضا أهمية السياق الذي يفيد فيه الحديث المسهب عن القضية، وهي الآن تشهد في السودان مرحلة جديدة نسبيا من مراحل المواجهة، فيها ظهور لحركة وعي متكافلة وإيجابية، وفيها أيضا صور من المواقف والقرارات غير الحكيمة، بحسن نية وبسوئها، من أطراف النزاع المختلفة.. أحد الأسباب أيضا يكمن في انشغال شخصي بالقضية، سببه الإحساس بمسؤولية تجاهها، كإنسان صاحب رأي في قضية إنسانية، لكن الرأي الذي لا يتبعه اتساق في العمل لا ينفع، بل يضر، ومن هذا المنطلق فهذه الورقة أضعف الإيمان، كجهد المقل في سبيل هذه القضية المهمة جدا.. ولا أزعم أن في هذه الورقة فتحا فكريا أصيلا، أو حلا ناجزا للمشكلة، بل فقط أشارك القارئ بما يردني في الأمر، عله يكون مفيدا.. تتزامن هذه الورقة أيضا مع ذياعة البرنامج العالمي ضد الخفاض (بشتى أشكاله حول العالم)، والذي دشنته مؤخرا منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، بهدف معلن هو تقليل عدد ضحايا الخفاض في العالم بنسبة 40% بحلول عام 2015، مع العمل على إنهائه كليا خلال جيل واحد من الآن.
    أنطلق في مكتوبي هذا من أرض التأييد لموقف الفكرة الجمهورية من هذه المسألة، لكن ليكن واضحا أن رأيي هنا لا يمثل سوى فهمي لموقف الفكرة، ما يعني أني مسؤول عنه مسؤولية مباشرة.. إني، ببساطة، لا أريد أن يحمل غيري مسؤولية ما قد يظهر من قصور فكري في هذا المكتوب، بيد أني أيضا لا أريد أن أدعي ما قد يظهر فيه من قاعدة فهمية حصيفة مستمدة من تاريخ الفكرة الجمهورية، في القول والفعل، المتعلق بهذه القضية، فاستنادي على هذه القاعدة الحصيفة لا يعني أني سأحسن استعمالها وأخرج بنتائج جديدة متسقة معها، لكني بالطبع أرجو ذلك.خريطة هذا المكتوب ستكون كالأتي: بداية تأسيسية بفذلكة تاريخية عامة لموقف الجمهوريين من قضية الخفاض في السودان، ومقارنة عامة باتجاهات أخرى، يليهما تحليل عام لما يمكن أن نستخرج من نتائج معيارية عامة، ثم أخيرا طرح خطوط عريضة لما نرى أن يكون عليه خط العمل العام في سبيل المواجهة الناجعة لهذه القضية في سياقنا المعاصر.

    فذلكة تاريخية

    ظهر قانون الخفاض في السودان الانجليزي/المصري في ديسمبر 1946، بصورة فوقية من السلطة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نفاذ وثيقة الأطلنطي التي تكفلت بتقرير المصير للشعوب المستعمرة الجاهزة للاستقلال .. عارض الجمهوريون القانون منذ صدوره، واتهموا الاستعمار بأنه لم يسن القانون اهتماما بالمرأة السودانية، بل لإذلال الشعب السوداني وإظهاره بمظهر الشعب المتخلف الذي لمّا يستحق تقرير المصير بعد.. كانت الملابسات السياسية التي ظهر قانون الخفاض نتيجة لها واضحة للمتابعين، وبما أن عادة الخفاض كانت متأصلة في الشعب السوداني حينها، ومربوطة لديهم بالعرض والشرف، فقد كانت مخالفته لهذا القانون متوقعة ومحسوبة، بل ومرغوبة من قِبل الاستعمار لتكون له دليلا أمام المجتمع الدولي على تخلف الشعب السوادني.. وقد عمل الاستعمار على تطبيق هذا القانون بشدة وغلظة، ليستثمر غرضه السياسي منه لأقصى ما يمكن.
    أما الجمهوريون فقرروا استثمار هذا القانون لمصلحة الشعب السوداني، ليملأوا فراغ الحماس فيه ضد الاستعمار لينهض الشعب على المستعمر الدخيل الذي يريد "تمدينه" بصورة فوقية.. لكن الجمهوريين، حين أرادوا استثمار هذا القانون، كانوا أيضا حريصين منذ البداية على توضيح منهجهم، وأنهم ليسوا بصدد الدفاع عن عادة الخفاض بل هم ضد تغييرها بالقوانين الفوقية الصادرة من حاكم لا يبغي مصلحة الشعب فعلا، لأنه غريب في الأصل عن هذا الشعب ومفاهيمه، وتاريخ وجوده في ذلك المنصب منذ بدايته يسطر سيرة القهر والاستغلال.. أصدر الجمهوريون بيانهم الأول بخصوص هذه الحادثة، وقالوا فيه:"لانريد بكتابنا هذا أن نقف موقف المدافع عن الخفاض الفرعوني، ولانريد أن نتعرّض بالتحليل للظروف التي أوحت به لأهل السوان، والضرورة التي أبقته بين ظهرانيهم إلى يومنا هذا – ولكننا نريد أن نتعرض لمعاملات خاصة، وأساليب خاصة، وسنن خاصة سنتها حكومة السودان، أو قل، ابتدعتها ابتداعا وأرادتنا أن ننزل على حكم ابتداعها إرغاما (...) من الآيات الدالّة على سوء القصد، في هذه الأساليب، إثارة مسألة الخفاض الفرعوني في هذا الظرف.. وأساليب الدعاية التي طرقتها له، والطرق التي ارتأتها مناسبة لإبطاله، والقضاء عليه، ولقد جاءت هذه الآيات دليلا واضحا على التضليل المقرون بسبق الإصرار".

    كان موقف الجمهوريين واضحا وقويما موثقا منذ البداية، ولا يضيره اليوم محاولات بعض المثقفين تشويهه ووصفه بالرجعية، منذ نهاية ستينات القرن الماضي وحتى هذه الألفية الجديدة، وهم – أي هؤلاء المثقفون – الذين لم يستطيعوا فهمه جيدا، برغم وضوحه، أو لم يقاوموا إمكانية تسجيل نقاط سياسية، متوهمة، تنفعهم في صراعهم الفكري مع الجمهوريين.. المسألة ببساطة هي هكذا: دخل الانجليز السودان منذ عام 1898، فلماذا لم يثيروا قضية الخفاض بهذه الصورة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نفاذ وثيقة الأطلنطي؟
    وهكذا فقد صعّد الجمهوريون قضية الخفاض، كقضية اجتماعية، إلى مستوى العمل السياسي، بدون أن تصدر منهم شبهة تأييد لعادة الخفاض، وما هذا إلا لأنهم يملكون منهجا مغايرا لمحاربة هذه العادة، وغيرها من العادات الضارة التي تكتنف الشعب السوداني، كغيره من الشعوب.

    "حين ناهض الأستاذ محمود محمد طه، قبل نصف قرن من الزمان، اتجاه السلطات البريطانية لإصدار [قانون الخفاض]، ذكر، ضمن ما ذكر، حينها، أن الانجليز ليسوا أحرص منا على صحة بناتنا ومستقبل حياتهن.. كما ذكر أن العادات الضارة لا تحارب بسن القوانين وتطبيقها، وإنما تحارب بالتعليم وبالتوعية وبالأخذ الجاد بأسباب النهضة الشاملة.. وقال بالتحديد إن على الانجليز، إن كانوا صادقين فيما يزعمون، أن يسارعوا بفتح المدارس في كل أرجاء القطر، ودفع القطر نحو النهضة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، بدل العمل على تجريم الأميين على عادات ورثوها من آبائهم وأجدادهم".

    في سبتمبر 1946، ظهرت أولى نتائج القانون، فقد اقتيدت سيدة شابة في رفاعة، في غسق الليل وبإزار النوم، للسجن لأنها خفضت بنتها.. اقتيدت السيدة كمجرمة لأنها مارست عادة اجتماعية غائرة ومتوارثة في بيئتها، ولم تجد من التعليم والتوعية ما يثيرها لمخالفتها (بل إن مخالفتها في تلك البيئة كانت تقود لنتائج اجتماعية فادحة عليها وعلى ابنتها معا، فالسيدة لم تخفض ابنتها إلا حرصا عليها في الأساس، حسب فهمها).. وضعت السيدة في سجن عمومي، هو الوحيد في رفاعة (فلا يوجد سجن للنساء).. حينها اتصل الأستاذ محمود محمد طه وثوار رفاعة بالمفتش الذي حكم عليها محتجين، فاعترف بعدم صلاحية السجن للنساء في رفاعة وأطلقها بضمانة، لكنه بعد عودته للحصاحيصا أمر بإعادة الفتاة للسجن!
    من تلك اللحظة تداعت الأحداث وتصاعدت، وعُرفت في التاريخ السياسي السوداني بثورة رفاعة، ولا نريد هنا المضي في تفاصيل الثورة، لأننا غير معنيين بها مباشرة هنا، ويمكن العودة لتفاصيلها في مصادر أخرى .. ما يهمنا هنا هو تأكيد الحيلة السياسية القذرة التي أرادها الاستعمار من هذا القانون، وتأكيد أن ثورة رفاعة لم تقم تأييدا لعادة الخفاض، بل قامت نضالا ضد وصاية المستعمر الدخيل.. إثر تلك الأحداث انتبه كثير من المثقفين ومتابعي السياسة لخطورة القانون، وتجاوبوا مع موقف أهالي رفاعة والجمهوريين، فجاء في إحدى افتتاحيات جريدة الرأي العام، في أكتوبر 1946، الآتي:

    "أصبح واجبا لزاما علينا أن ننبه الحكومة، على ضوء ماحدث أخيرا، في أول تجربة لتطبيق هذا القانون، إلى الخطر الذي ينجم من التسرع في تطبيقه، وإلى النكبه الاجتماعية الخطيرة التي ستتعرض لها المرأة السودانية عند تطبيق هذا القانون عليها (...) هناك خطر جسيم لا بد من التنبيه عليه، ذلك أن المرأة السودانية الشريفة الحرة لم تتعرض حتى الآن إلى محنة السجن بحكم حياتها الاجتماعية التي تنأى بها عن مواطن الجريمة، وقانون الخفاض بوضعه الحالي سيخلق عقابا لجريمة سوق تتعرض لها بالتأكيد كرائم النساء السودانيات اللواتي لا يرين ان في الخفاض جريمة بحكم ما يسيطر على عقولهن من سلطات العادات والتقاليد المتبعة، ومعنى هذا انه من المحتمل جدا أن يتعرض لسطوة القانون هذا النوع من السودانيات المحصنات، ويقينا أن إلقاء هؤلاء في السجن، بغض النظر عما يثيره في رجالهن وذويهن، فإنه من ناحية النظرة الاجتماعية المحضة يقضي على سمعتهن وكرامتهن قضاء مبرما (...) إذن فالعقاب بالسجن لمثل هذا النوع من النساء لا يعد إصلاحا وتهذيبا لنفوسهن ولا يردع غيرهن، وهذا هو الغرض من سجن المجرم".

    بعد تلك الأحداث مضت عقود من محاولات التوعية التي قاد طليعتها جمع من النساء المتعلمات السودانيات (ونخص بالذكر الاتحاد النسائي)، وغيرهن أيضا (كالشبكة السودانية للقضاء على ختان الإناث التي تأسست مؤخرا عام 2002)، وأثمرت شيئا من الوعي، خصوصا مع زيادة نسبة السوادنيات المتعلمات ومستوى تعليمهن، إلا أن العادة ما زالت مستوطنة عند الشعب السوداني، فوسط كل الأحداث التاريخية والمستجدات المعاصرة بقيت نسبة المخفوضات لليوم 90% من السودانيات القاطنات في الشمال والوسط ضمن الفئة العمرية بين 15 و 49 عاما، وفقا لإحصاءات منظمة اليونسيف .. تقل هذه النسبة، لنفس الفئة العمرية، في الشرق إلى 87%، وفي دارفور أكثر إلى 65% (لا توجد حتى الآن إحصاءات للجنوب).. أما الإحصاءات الأكثر خطرا فتقول إنه في عام 1990 كان النساء من نفس هذه الفئة العمرية، في عموم السودان، يؤيدن استمرار عملية الخفاض بنسبة 79%، ثم ينقسمن إلى نصفين تقريبا بين مؤيدات لاستمرار الخفاض الفرعوني ومؤيدات لاستمرار الخفاض الذي يسمى بالسنة .. ما تدل عليه هذه الإحصاءات بوضوح هو أن المزيد من التوعية ورفع مستوى المرأة التعليمي ما زال مطلوبا بشدة، وقد تضافرت عوامل شتى، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لحجب أغلبية الشعب عن مسيرة الوعي.. بهذا فإن حملات التوعية التي جرت في هذه الفترة وأثمرت لم تستطع نشر المد الوعيوي بصورة كافية لأسباب عدة، تتعلق بمسائل لوجستية وسياسية أكثر من تعلقها بمنهجية التوعية (وإن كانت هذه أيضا بحاجة للتطوير دوما).
    كان خطأ الاستعمار في إصدار قانون الخفاض واضح، وما زال، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، كما قد مرت على السودان قوانين فوقية كثيرة منذ قانون 1946، وتراوحت بين منع الخفاض الفرعوني أحيانا ومنع جميع أشكال الخفاض الأخرى أحيانا، والتجاهل أحيانا أخرى، لكنها جميعا فشلت في التأثير الواضح على مدى الممارسة وأشكالها.. وقد استجاب بعض المفكرين الغربيين لدروس التجربة بعد سنوات، إذ يرد في كتاب الأستاذ إبراهيم يوسف عن ثورة رفاعة حديثا للبروفيسورة ألين قرونبوم، في كتاب لها عن الخفاض "بعد خمس سنوات من البحث الميداني عن فشل الغربيين في التعامل مع عادات المجتمعات الشرقية مثل عادة الخفاض، حين حاولوا التعامل معها بالقوانين بدون أي اعتبار للعوامل الأنثروبولوجية".
    في بداية ثمانينات القرن المنصرم، قامت جامعة الأحفاد بحملة مناهضة للخفاض، وكان أن أقيم يوم توعية ودراسات عامة للموضوع في الجامعة نفسها، حضره الأستاذ محمود محمود طه ومجموعة من تلاميذه، وعاد منه مستاء من الصورة التي يحاول بها المثقفون والمثقفات التعامل مع هذه القضية الحساسة، بصورة تقليدية للأسلوب الغربي القديم، جليب المستعمر، في التعامل معها، وكانت هذه هي الحادثة التي خرج إثرها كتيب الجمهوريين عن الخفاض الفرعوني (أكتوبر 1981).. وفي الفترة الأخيرة، تحت حكم جماعة الإنقاذ الوطني، نحا الكثير من عموم أهل اليسار العريض، داخل السودان وخارجه، إلى تصعيد هذه الحملة ضد الخفاض الفرعوني بنفس الصورة الغربية القديمة وأكثر، بالتشنيع بها ثقافيا، كعمل شيطاني، في مواجهة خيال البسطاء من ممارسيها (الذين لا يحسبون أنهم يؤذون بناتهم ولا يرضون أن يوصفوا بذلك)، وبتحريض المؤسسات الغربية على السلطة في السودان بسبب هذه العادة (وليت السلطة الحالية كانت هي من اخترعت هذه العادة، أو أنها من يمكن أن توقفها)، وبمخاطبة أجهزة الحكم لإصدار قوانين فوقية لإبطال العادة أكثر من مخاطبة الشعب منهجيا لتوعيته بمضار العادة.. إن ظلال الهدف السياسي المقصود من هذه الحملة، في تشديد الضغط العام على الحكومة الحالية على شتى الأصعدة، واضح، والعيب ليس فيه، إذ من المؤكد أننا هنا لا نشير لعدم أهمية مواجهة قضية الخفاض، واضطهاد المرأة عموما، على المستوى السياسي كما الاجتماعي، لكننا نشير لضرورة الحكمة في التعامل والتحليل الاجتماعي الواقعي للبيئة السودانية، حتى حين الفعل السياسي.
    إلا أن الاتجاه الأخطر هو ما آلت له الحكومة الحالية في السنوات الأخيرة، فهي قد دعمت هذه العادة بوسائل عدة، قصدا أو بغير قصد؛ إذ قامت بإفساح سبل الدعاية لمؤيديها في أجهزة الإعلام الرسمية، وهي اتجهات ترويجية للخفاض باسم الدين، لتضع قداسته درعا لعادة اجتماعية ضارة (و هي عادة تمارسها شعوب عديدة متباينة الأديان، حول العالم وفي السوادن نفسه).. المؤسسات الدينية المدعومة، ماديا وإعلاميا، من الحكومة يتخذ كثير منها موقفا مؤيدا للعادة، برغم الموقف العام المذاع للحكومة في معارضة الخفاض وتصريحات وزير الصحة عام 2003 في اتجاه الوعود بمحاربة الحكومة للعادة بالقانون والتوعية معا، ففي مايو 2005 صدرت فتوى عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرئاسة الجمهورية تقول إن "ختان السنة مستحب وواجب، وإذا تم فهو فعل مأجور".
    أثارت مؤخرا قصة الطفلة انعام، التي ماتت في ديسمبر من عام 2005 جراء التهاب حاد نتيجة لخفاضها، موجة إعلامية كبيرة مناهضة للعادة، بصور شتى، ليس من جانب أجهزة الإعلام الرسمية في الدولة، بل من جانب قنوات التعبير الحديثة التي صارت بمتناول الكثير من فئات المجتمع خارج إدارة الدولة، خصوصا منتديات الحوار والصحف الالكترونية في الانترنت.

    قراءة تحليلية

    إن قضية الخفاض لهي أحد الأمثلة القوية على ضرورة التعامل العلمي الرصين مع واقع التراث المحلي في عملية تغيير مثالبه، بدون التعرض غير الحكيم وغير مدروس الجرعات، للعقل الجمعي للشعوب في قضاياها الحساسة التي تحتاج مبضعا ماهرا، يعالج الجروح دون تشويه الجسد، فهناك مسائل في تراث الشعوب تقوم على أسسها نواة مجتمعاتهم، كالقوانين والعادات المرتبطة بالعلائق الجنسية في المجتمع، ولهذا تظهر حساسية المجتمعات تجاه التغيير فيها أكبر من حساسيتها تجاه القضايا الأخرى بكثير، ويكفي أن ننظر لتاريخ الغرب الحديث لنعرف كيف أحدثت الاتجاهات الجديدة، والتي ظهرت تدريجيا، في التعامل مع علائق الجنس، تغييرا واضحا لصيغ تلك المجتمعات، في كل أنماط تفكيرها وممارساتها، فلم يعد الغرب بعد سقموند فرويد وويلهيلم رايخ وسيمون ديبوفوار كما كان، بل ولم يعد العالم كله كما كان.. لكن، هل يعلم الناس مقدار التسلط الذكوري على جسد المرأة الغربية اليوم، مما تجلى ويتجلى يوميا للآن في صور الرقابة الذاتية للمرأة لتطابق مواصفات النظرة التسليعية لها في المجتمع الغربي الذكوري، ما أتى بصور جديدة من الأمراض والآلام الجسدية والنفسية التي تعانيها المرأة في الغرب اليوم جراء ضغوط المجتمع على جسدها ونمطي حياتها وتفكيرها؟ الغرض من ذكر هذا هو أن الموضوع معقد ومتشابك، ويتصل بقوانين المجتمع التي يفرضها على أفراده من الجنسين، وبالتالي فإن الحكمة تقتضي أن نعمل على حل مشاكلنا في سياقاتها، لا باستيراد حلول اجتماعية من مجتمعات مغايرة.
    هل قضية الخفاض قضية عاجلة؟ نعم! وأليس وضع المرأة في السودان عموما، عبر تاريخه، موسوم بالاضطهاد والتجني؟ بلى! وهل ينبغي أن نقوم بفعل ينهي هذه الأزمة بأسرع ما يمكن؟ بالتأكيد! لكن الحديث هنا عن السؤال الصعب.. عن "كيف؟".. أدناه سنحاول عرض تحليل قد يفيد في الإجابة على هذا السؤال.

    لمحة من التاريخ

    إن الخفاض موروث من تاريخ قهر الجماعة للفرد، والذي كان ضروريا في بدايات تاريخ المجتمع من أجل الحفاظ على نسيجه، وقد كانت الغريزة الجنسية أولى الغرائز التي جرى تنظيمها بصرامة شديدة، ذلك لأنها مربوطة بمسألة الغيرة الجنسية الموروثة عند البشر منذ بدايات التطور، ونجدها ماثلة لليوم في مجتمعات الحيوان.. وهنا يحسن التطرق لمسألة فكرية مهمة، مرتبطة في أذهان كثير من اليساريين بأصل الغريزة الجنسية، ومن تحليلها الخاطئ تظهر بعض المنهجية الخاطئة اليوم في التعامل مع القوانين المرتبطة بالجنس في المجتمع، كما هو الحال في قضية الخفاض.
    يرى فريدرك إنجلز، والماركسيون من بعده، ومن تأثر بهم عموما، في مسألة الغيرة الجنسية ورغبة الاستحواذ بالشريك الجنسي دون الآخرين أنها ظهرت في المجتمعات البشرية بعد ظهور الطبقات والصراع على وسائل الإنتاج، ما أدى لإنتاج نظم اجتماعية تنظم العلاقة الجنسية بصورة أكثر حزما مما كانت عليه في المجتمعات المشاعية، وذلك لغرض حفظ المصالح المادية للطبقات والفئات المتناحرة، والتحكم في الإنتاج البيولوجي للمرأة من قبل مؤسسي المجتمع الأبوي.. حقيقة الأمر أعمق من هذا التحليل، وهي أن الغيرة الجنسية ظهرت قبل المجتمعات البشرية بكثير، منذ مرحلة المجتمعات الحيوانية، وصور الغيرة الجنسية واضحة جدا في المجتمعات الحيوانية، خصوصا تلك القريبة للإنسان في سلم التطور (كالقردة العليا والحيوانات الداجنة، ثم الثديات عموما)، وقد ورثها البشر متأصلة فيهم بمجرد ظهورهم على سطح المعمورة، رجالا ونساء، ولهذا كانت أهم أسس تشكيل قوانين مجتمعاتهم (ولكل مجتمع قانون، حتى في الغابة)، منذ بداياتها، لأن تنظيمها كان السبيل الوحيد لقيام المجتمع، والتاريخ يرينا صورا متعددة في أشكال هذا التنظيم الجنسي، وذلك مما لا ينفي أهمية التنظيم بل يشير إلى تنوعه واختلافه بحسب البيئة والتجارب الموروثة المتعددة التجليات (حتى في نفس مراحل الإنتاج المجتمعية، بخلاف ما يشير له إنجلز من أن تعدد شكل التنظيم الجنسي يعود أصلا إلى المرحلة التاريخية الإنتاجية للمجتمع).
    نستمر بعد هذا فنقول إن القهر الجنسي على الفرد في المجتمع تم على الجنسين، لكنه في المجتمع الأبوي كان على المرأة أكثر، لأنها مخزن النسل الذي كان هناك حرص على وضوح سلسلته، كما ان استثمار المرأة كان، وما زال، في العلاقة الجنسية أكبر من استثمار الرجل فيها، فالمرأة هي التي تتحمل نتائج الممارسة الجنسية ليوم واحد على مدى تسعة أشهر من الحمل، وبعدها أكثر من ذلك من الرضاعة والعناية المباشرة بالطفل، وكل ذلك يجعلها في حالة استنزاف وقت وطاقة عظيمين ((وهْنـًا على وهن))، ما يجعلها ضعيفة ومعتمدة جدا على من حولها في تلك الفترة، خصوصا رجال الأسرة والقبيلة الذين يوفرون الغذاء والمسكن والحماية لها، فمعظم النساء الأخريات يعشن عموما تحت وطأة نفس الاستنزاف.. لأسباب كهذه، وهي كثيرة ومتشابكة، كان قانون المجتمعات الأبوية حاسما تجاه الممارسة الجنسية للمرأة أكثر منها للرجل، وساعيا لضبطها بكل الحيل الممكنة، فكان الخفاض إحدى تلك الحيل.. هناك أيضا عوامل ثقافية أخرى ساهمت في توطين العادة على مدى التواريخ المتوارثة، مثل ضرورة مرور الأفراد – رجالا ونساء – بطقوس تتطلب نزيف الدم كشرط وعلامة للانتماء العشائري (والطقوس الدموية معروفة في القدم).. عليه يتضح أن مشكلة الخفاض تكمن في الملابسات الاجتماعية التاريخية التي أدت لظهوره وبقائه.

    الأثر النفسي

    هناك قضية مهمة أخرى تتعلق بفهم أثر الخفاض على المرأة، فبالرغم من الأضرار الجسدية التي تصحب العادة غالبا (وهي تتفاوت حسب الظروف البيئية التي تجري فيها العادة)، إلا أن الضرر النفسي هو الأعظم، فالحق أن الألم الجسدي في عملية الخفاض له ما يشبهه، شبها غير قليل، في عادات شعوب كثيرة تمارس على الرجال أيضا، مثل وشم الجسد كاملا بالآلات الحادة، والتي تؤدي لإفراز كميات خطرة من الدم ولتلوث الجروح لمراحل قد تصل للموت، وعادة الوشم هذه ممارسة كثيرا عند عدد من القبائل الافريقية المعاصرة، وبطقوس متنوعة تفيد ضرورة مرور الفتيان بهذه التجربة ليصبحوا رجالا في نظر مجتمعهم القبلي، ما يشكل ضغطا نفسيا يجعل الفتى وأهله يصرون على العادة رغم خطورتها.. هذا علاوة على أن الألم الجسدي الذي يواجهه الذكور في عملية الختان، بالأدوات البدائية، معروف، ويؤدي لمضاعفات صعبة قد تؤدي لعاهات مستديمة أحيانا كثيرة، وربما لأخطر من ذلك.. لا نقصد هنا بالطبع استسهال الآلام الجسدية المزمنة للخفاض، إنما نقصد فقط أن الألم الجسدي ليس ما يميز عادة الخفاض، برغم خطورته، خصوصا في الظروف البيئية البدائية.
    الأثر النفسي الغائر عند الفتاة المخفوضة هو أن الخفاض إعلان لدونيتها الإنسانية، وكأنه يقول لها ان أهميتها، في نظر المجتمع، ليست في وعيها أو مشاعرها أو قيمها أو مهاراتها، بل في جسدها، كما هو إعلان للشك في قدرتها على العفة وحفظ قيم مجتمعها بوازع شخصي، برغم أنها موكلة منذ البداية لحمل عبء شرف الأسرة والقبيلة.. بهذا فإن المرأة واجهة عِرْض الأسرة، وهو مقام خطير، وفيه فخر (فهذه المجتمعات تفخر أكثر ما تفخر بعفة نسائها وشجاعة رجالها)، لكن الفتاة رغم ذلك مصدر شك من البداية، بدليل أن عفتها تحتاج لضمان الخفاض! بهذا فإن المجتمع يضع المرأة في وضع "الجسد" المشكوك فيه والمحذور منه من البداية، ويعلن لها أنها تحت الوصاية الغليظة، والرقابة المشددة، لضمان الأخلاق، سواء التزمت بها بوازع شخصي أو بدونه.
    وعليه يتضح أن الخفاض في الأساس ليس المشكلة، بل هو نتيجة من نتائج المشكلة، أما المشكلة الأصلية فتكمن في نظرة المجتمع للمرأة، وإعادة إنتاج هذه النظرة عبر الأجيال حتى من قِبل النساء الكبريات اللائي مررن بنفس مراحل المحنة وتقبلنها بعد ذلك كضرورة اجتماعية، ومن ثم نرى اليوم كثيرا منهن أكثر إصرارا من الرجال أحيانا على خفض البنات الصغيرات، وهي أعمق مراحل الاضطهاد تلك التي وصلنها جدّاتنا السودانيات، حيث يصبح المضطـَّهد نفسه حارسا أمينا لأسباب اضطهاده، لأنه لم يعد يعرف احتمالا آخر للحياة خارج مؤسسة الاضطهاد.. من هنا يستبين أن حل مشكلة الخفاض يكمن في حل مشكلة المرأة عموما بإزالة الظروف التي أدت لظهور العادة، فالطبيب الماهر يعالج أصل المرض ولا يعالج أعراضه الظاهرية فقط.. ويجب أن نعرف أن محاربة عادة الخفاض لا تعني بالضرورة محاربة اضطهاد المرأة عموما، فهناك مجتمعات، تاريخية ومعاصرة، لم تعرف نساؤها الخفاض، لكن عرفن الاضطهاد جيدا وما زلن يتعرضن له يوميا.. في بادرة من بوادر الفهم الأوضح لهذه المشكلة، تقول الدكتورة ناهد فريد طوبيا:

    "إن ما قيل عن الخفاض في العشر سنوات الأخيرة [أي من 1985 إلى 95]، وخاصة من قبل الإعلام الغربي والمنظمات الدولية، قد خلق جوا من الحساسية تجاه الموضوع من قبل بعض الجهات المختصة في مجتمعاتنا. فقد تعامل الغرب مع ظاهرة الخفاض وكأنها اكتشاف لوباء خطير قاموا وحدهم بالاستدلال عليه ثم حولوه إلى موضوع الساعة في الأوساط الدولية للمرأة بمساعدة الإعلام الغربي. كما صوروه على أنه دليل واف على بربرية وبشاعة بعض المجتمعات المتخلفة بل أصبح دليلا ضمنيا على تخلف العرب والمسلمين والأفارقة في آن واحد".

    وتواصل الدكتورة بعد ذلك في سرد المضار النفسية والجسدية لموضوع الخفاض، مصطحبة أثر الضغط والفهم المجتمعي الذي يجعل من الصعب تغيير هذه العادة في المجتمع بعصا سحرية، سواء كانت في شكل قانون رادع أو تناول صفوي لا يقترب كفاية من واقع الأهالي، وتقول إن اختيار ممارسة هذه العادة يكون أحيانا تضحية في سبيل إمكانية البقاء المجتمعي، إذ أن الفتاة تفقد فرصتها في الزواج ومن ثم فرصتها في الحياة في مجتمع لا قيمة فيه للفتاة بدون زواج، فالمشكلة مجتمعية قبل أن تكون طبية، ولهذا لا بد من مواجهتها مجتمعيا لا طبيا فقط، ولا يكون التغيير الاجتماعي بإصدار القوانين الفوقية.. تقول ناهد:

    "أما من الناحية النفسية والجسدية (للمرأة السودانية) نفسها وإمكانية نمو الوعي بحقوقها ومطالبها بأعضاء جسدها فذلك صعب دون خلق ذلك الوعي من الخارج. فالمرأة السودانية لم تعرف في تاريخها القريب أي حالة أخرى يمكن أن تكون عليها سوى أن تكون مخفوضة (...) إذن يجب أن نعود للتفكير في كيفية تغيير مفاهيم العائلة الموسعة والجماعة ولا نكتفي بأساليب الإقناع الفردي العقلاني فهو ضعيف أمام ضغوط الجماعة. يجب أن نوجه مجهوداتنا لخلق لغة تخاطب مع المجتمع ككل وإيجاد فوائد لدعواتنا تعود على الجماعة وليس على الفرد فقط ذلك بجانب مخاطبتنا أيضا لعقلية الفرد المثقف المتميز الذي يستطيع أن يساهم في التغيير".

    يمكن القول ان الفرق الزمني بين تاريخ دراسة الدكتورة ناهد أعلاه واليوم جعل هناك صورة مجتمعية جديدة نسبيا، تتطلب تعاملا مختلفا بعض الشيء، كما يمكن أن نقول نفس الشيء عن موقف الجمهوريين في إطاره الزمني السابق (والجمهوريون دعوا لاستمرار تجديد مستويات التعامل، وساهموا فيه)، إذ الواقع اليوم يشير لأن الكثير من المجتمعات المتعلمة نسبيا في السودان قد خطت خطوات طيبة في تجاوز موضوع الخفاض وصارت تتجه لتركه بالنسبة لأجيالها المعاصرة، لكن هذا لا ينطبق بعد على أغلبية سكان السودان في معظم المناطق البعيدة عن تأثير تيار التوعية الاجتماعية.. تصبح هناك إذن حاجة لخطة عمل عامة جديدة نسبيا، ضمن خطة العمل الكبيرة في التغيير الاجتماعي عموما، وفي تغيير وضع المرأة خصوصا.

    خطوط عريضة للعمل

    هنا سنعرض اقتراحات عامة لما يمكن أن يكون عليه العمل، بتشجيع وتطوير حملات التوعية التي بدأت فعلا منذ زمن وما زالت مستمرة، وحصر الاتجهات القانونية الفوقية التي تضر أكثر من نفعها، وعرض مسارات جديدة تستحق الاعتبار.
    نحن بحاجة، بجانب حملات التوعية لمضارالخفاض، لتوفير الخدمة الصحية المناسبة للأسر التي تصر على تنفيذه، حرصا على سلامة البنات ومن أجل تخفيف الضرر عليهن لأقصى حد ممكن، ونحتاج التدريج في مسألة المنع القانوني لهذه الممارسة، حتى لا يؤدي العسف القانوني غير المصحوب بتوعية ملائمة إلى نتائج عكسية لا تخدم مصلحة ضحايا الخفاض.. ليست هذه دعوة لجعل الخفاض متاحا بسهولة في مرافق الصحة في البلاد، ولا لمباركة الدولة له أو السكوت المتواطئ عليه.. هي دعوة لاستثمار مرافق الصحة وأجهزة الدولة في تعليم الشعب ليترك عادة الخفاض بسرعة، لكن حين تكون هناك حالات إصرار على إجرائها فلا أقل من أن نوفر سبل هذه العملية في مناخ طبي، بأدوات معقمة وأيدي متدربة وحريصة على تخفيف ضرر العملية لأقصى ما يمكن، من أجل مصلحة البنات، ويجب ألا يكون هناك قانون تجريمي للعادة يقود الأسر المصرة عليها لإجرائها بسرية، بعيدا عن أعين القانون، فهذا مما يضاعف احتمالات إجرائها في ظروف غير آمنة طبيا، ببيئات ملوثة، تضاعف من ضررها على الضحية.. المنطق هنا هو نفس منطق الطبيب الماهر حين لا يستطيع استئصال المرض تماما بعد، فهو يعمل على تخفيف الألم على المريض قدر المستطاع، ريثما يستطيع استئصاله، والمريض هنا ليس ضحية الخفاض فقط، بل المجتمع ككل.
    لم لا نعمل من أجل توفير بيئة وأدوات طبية أكثر صحية في عملية الخفاض ما دمنا لا نستطيع إيقاف هذا الأمر فيها بالسرعة المرجوة؟ أوليس هذا من المصلحة المباشرة لضحايا هذه العادة؟ وبهذا العمل يمكن التقرب أكثر لهؤلاء الناس، وإحصائهم بدقة (خصوصا الضحايا)، لتوعيتهم القريبة بسيئات وأخطار العادة.. يسمى هذا الاتجاه عالميا بـ"تطبيب الخفاض"، وله مؤيدون ومعارضون، ومن المؤكد أنه مثير للاحتجاج بين بعض مناهضي الخفاض في السودان، خصوصا وهو مماثل لأحداث جرت في مصر في العقد الماضي واستمرت للآن، فقد كان الخفاض يجرى في المستشفيات في مصر منذ سنين (نسبة المخفوضات 97% من الفئة العمرية المذكورة سابقا)، إلا أن ضغوط بعض الناشطين المحليين لحقوق المرأة والطفولة، وبدعم المنظمات الدولية، جعلت الخفاض ممنوعا قانونيا الآن بمصر، فثارث أيضا ثائرة الأوساط المحافظة فيها وقامت بردود فعل مضادة.. برغم أن لدينا رأي عام بخصوص ما يجري هناك إلا أن ما نقوله اختصارا هنا إن ما يجري بمصر من الأحداث شبيه بما يجري بالسودان، بحكم أن عادة الخفاض متأصلة في مواريث شعبي البلدين، لكن اختلاف الأوضاع السياسية والاقتصادية والمدنية يجعل من الصعب الحكم على إحدى التجربتين مقارنة بجارتها، ولهذا نفضل في هذا السياق حصر الحديث على السودان، فهذه القضية على العموم لها ملابسات خاصة داخل كل الثقافات التي تمارسها حول العالم، في عموم افريقيا والشرق الأوسط كما في بعض مناطق آسيا.
    إن ما يقلق معارضي هذا الرأي – أي تطبيب الخفاض – أنه قد يساهم في توطين الخفاض أكثر، بتمويه مساوئه وتثبيط المسيرة الاجتماعية لإزالته، لكننا نرى من الواقع، ومن الإحصاءات المذكورة آنفا، أن هذه العادة لا يمكن توطينها في السودان أكثر مما هي عليه الآن فعلا (فنسبتها العامة لم تتغير طيلة العقود الماضية)، وعلى العموم فالشعوب لا تتشجع لممارسة العادات كهذه حين يصير إجراؤها متوفرا في ظروف أكثر أمنا صحيا، فممارسو هذه العادة لم تردعهم المخاوف الصحية طيلة تواريخهم، فهم قد مارسوها قديما في ظروف صحية أسوأ وبنسبة أخطار ووفيات أعلى، لكنهم كانوا، وما زالوا، يخافون أكثر من العواقب الاجتماعية إذا لم يمارسوها، فالأمر عندهم أخطر من مجرد صحة البعض لأنه يتعلق بصحة نسيج المجتمع ككل، حسب فهمهم.. الرعاية الصحية الرسمية للخفاض لا يمكن أن تساهم في تشجيعه ما دام خط التوعية مستمرا قويا وفعالا، بل هي فقط تقلل من خطورته على الطفلات، وتنقذ بعضهن من الموت (كقصة انعام).. تقول اليونسيف إن أقل من 1% فقط من ضحايا الخفاض في السودان يتعرضن له تحت ظروف طبية آمنة، ما يعني أن الأغلبية الساحقة تتعرض له تحت ظروف وخبرات طبية سيئة، كما تقول إن الممرضات المتدربات، من اللائي يمارسن هذه العملية بطلب الأسر (بعيدا عن المرافق الرسمية)، أكثر ميلا لإجراء نوعي الخفاض الأخف من الفرعوني، بخلاف الخافضات الشعبيات غير المتدربات واللائي يملن أكثر للفرعوني وبأساليب أسوأ طبيا، وهن الأغلبية.
    ما نريد تأكيده أن اتجاهنا هذا ليس فيه تشجيع للخفاض على الإطلاق، لكنه تعامل مع الواقع، فهذه العادة تمارس اليوم على الأغلبية العظمى من الطفلات والفتيات السودانيات، وعدم توفير المناخ الصحي لهذه الممارسة لا يعني سوى إنكار الواقع وتسبيب المزيد من الضرر لضحايا العادة.. أكثر من ذلك فإن اقتراب المرافق الرسمية من عامة الشعب يصنع ثقة بين بسطاء الناس ومتعلميهم في تلك المرافق، ما يتيح فرصا أكبر للوصول لممارسي هذه العادة مباشرة ونصحهم، نصحا بليغا ملحاحا، وتوعيتهم بعواقب العادة، كما فيه رصد لضحايا العادة لمتابعة مشاكلهم الصحية المستقبلية الناتجة عن مضاعفاتها، ومن ثم تخفيفها بقدر الإمكان (خصوصا في ظروف الولادة للمخفوضات فرعونيا)، بصورة تخطيطية مدروسة تصطحب حكمة الممارسة الصحية وحكمة التوعية الاجتماعية معا.. بهذا الأسلوب تستطيع مرافق الصحة التكافل مع المجتمع المدني المحارب لهذه العادة، بتوفير الإحصاءات والمعلومات عن الخفاض وأماكن كثافته الديمغرافية، ودراسة عقلية ممارسيه للخروج باستراتيجيات أكثر فاعلية في محاربته، على مستوى الأسر ومستوى الجماعات.. إن القضية عامة وشاملة، وتتطلب تبعا لذلك اعترافا عاما وشاملا، وتعاملا شفافا، من جانب جميع المؤسسات الاجتماعية ذات الصلة بالقضية، وأولها مرافق الصحة ومنظمات المجتمع المدني.
    وبالنسبة للقانون العقابي، فمن الواضح أن ليس من مصلحة ضحية الخفاض عقاب والديها، أحدهما أو كلاهما، إلا إذا كانت الحالة عبارة عن رغبة مضمرة ومقصودة لتعذيب الطفلة وتشويهها، ومن غير المعقول أن تكون هذه نظرتنا للمجتمعات السودانية الكثيرة التي تمارس هذه العادة.. كما ان عقاب من يقوم بتنفيذ عملية الخفاض كأجير من طرف الأسرة أيضا غير منطقي، فهذا الأخير لا يقوم سوى بتلبية رغبة الأسرة، ولولاها لما كان له سلطان.. علاوة على ان هذا النوع من العقاب يتطلب إمكانيات رقابية شديدة للدولة لا يملك السودان ربعها، ومن الخير له ذلك، فأي دولة تضطر لمراقبة جماهير الشعب داخل بيوتهم هي دولة فاشلة على التحقيق.. بعض الآراء ترى حرمان الأسرة من الطفلة (أي أخذها منها وتربيتها بعيدا عنها، عقابا للأسرة) إذا ثبتت ممارسة الخفاض، وهذه أيضا عقوبة غير منطقية، فنحن نجعل من الطفلة المخفوضة ضحية للحرمان من البيئة الأسرية أيضا، فصارت مشكلتان على كاهلها بعد أن كانت واحدة.. هذا علاوة على أن إمكانيات السودان الاقتصادية الحالية تجعل من الخيال توفير الضرورات اللوجستية لمثل هذا "العقاب" الأخير، لأن ملايين الطفلات السودانيات سيتم اقتلاعهن من ذويهن، بموجب هذا القانون، وتعهدهن من جانب الدولة الفقيرة.. القانون العقابي ببساطة، بجميع أشكاله، لا ينفع مع مشكلة الخفاض في السودان الآن.
    التقنين المانع لهذه العادة يمكن أن يأتي في مرحلة متقدمة، بعد أن يصبح واضحا أن هناك رأي شعبي عام، غالب في الريف والحضر على أن هذه العادة ضارة، وتقل ممارستها لنسبة 25% أو أقل.. حينها يمكن منع ممارستها بالقانون باعتباره تجسيدا لوعي الأغلبية العظمى للشعب، ودرءا لممارسات مجموعة قليلة لا تستجيب لمد الوعي بعد كل هذا، وعلى العموم فإن حركة التوعية الاجتماعية دينامية الخصائص، فهي إن استطاعت إقناع خمس الممارسين للخفاض اليوم بضرره، مثلا، فإن هذه النسبة ستبدأ بالتزايد بعجلة تسارعية لتصل لغيرهم بسرعة أكبر بكثير من التي بدأت بها.. نفس هذا الاتجاه يمكن أن يقال عن التعامل مع أشكال أخرى من اضطهاد المرأة والطفل في السودان، فالعمل الأول يكون باتجاه التعليم والتوعية العامة، الأجدى أثرا، حتى إذا بقيت فئة قليلة من الشعب لا تستجيب للمد الوعيوي فحينها تُمنع بالقانون.. أما تجريم هذه الممارسات بالقانون اليوم فيعني أن أغلبية الشعب مجرم في نظر الدولة، وليس هذا بالوضع الصحي في علاقة الشعب، أي شعب، مع دولته، من أي النواح أتيته.. إن القانون يصبح فاعلا في التغيير الاجتماعي حين يكون الشعب على قدر كاف من الوعي الذي يجعله يحترم القانون، ويشارك في صنعه وتطبيقه، لمعرفته بالمصلحة الفردية والجماعية في هذا النشاط.. أغلبية الشعب السوداني اليوم لم تصل لهذا المستوى من العلاقة بالقانون، بسبب عوامل شتى، كضعف الاستقرار السياسي والاقتصادي وضعف شبكات المجتمع المدني، وأهم من كل هذا نقص المعلومات الوافية، الضرورية للتوعية، بين أغلبية الشعب.
    هنا يستحسن، للمزيد من التمحيص، أن نتطرق لمواقف المنظمات العالمية بخصوص الموقفين أعلاه (تطبيب الخفاض ومنعه بالقانون).. تقف اليونسيف ومنظمة الصحة العالمية ضد تطبيب الخفاض، لنفس الأسباب التي ذكرنا آنفا، كما تدعو هيئة الأمم المتحدة الحكومات عموما إلى اتخاذ خطوات رسمية وقانونية لتوعية الشعوب توعية واسعة النطاق ومتعددة السبل لترك الخفاض، وأيضا تدعو لاتخاذ خطوات لمنع الخفاض قانونيا، لكنها لا تحدد نوع تلك القوانين وعقاب من يخالفها.. من ناحية أخرى فإن اليونسيف تدعو اليوم، بعد تجارب عدة، للتوعية الصبورة غير الإجبارية للشعوب لترك العادة (نلاحظ هنا التناقض الواضح بين ما تدعو له هيئات الأمم المتحدة بمنع الخفاض قانونيا وما تدعو له من التوعية غير الإجبارية، فالقانون العقابي وعدم الإجبار لا يمكن أن يكونا خطين متسقين في نظام واحد إلا لو اعترفنا ضمنيا بأن القانون لن يجد الاحترام المطلوب ولن يجد مساحة واقعية للتطبيق).. نقول هنا إننا بالطبع نتفق مع هذه المنظمات في قضية أهمية دور الحكومات في مناهضة الخفاض بدعم حملات التوعية وتسخير أجهزة إعلام الدولة لذلك، لكننا، كما هو واضح، لا نتفق معها في عدم تطبيب الخفاض وفي منعه بالقانون، خصوصا بالسودان، وقد ذكرنا أسبابنا للاثنين أعلاه بصورة وافية.. ما نريد الإشارة له هنا هو أن منظمات الأمم المتحدة تركز على دور القانون بطبيعتها لأنها تتعامل مع الحكومات أكثر من تعاملها مع المجتمع المدني (والحكومات تتحدث لغة القوانين)، فهيئات الأمم المتحدة لا تمارس أنشطتها في أي بلاد بغير تنسيق مع حكوماتها أولا، ما يجعلها تضطر للحديث مع الحكومات بلغة القانون، أما المجتمع المدني فيشمل نواح ثقافية/دستورية أكبر من القانون بكثير، ولهذا فإن عمل المنظمات المدنية المحلية قد يكون أكثر حكمة من توجيهات هيئات الأمم المتحدة أحيانا، ومن المعروف تاريخيا أن هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تتبنى مواقف شاملة لعلاج القضايا المتعلقة بشعوب متعددة حول العالم، فهي لا تصنع استراتيجيات خاصة لكل شعب حسب سياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولهذه فمواقفها كثيرا ما تكون توفيقية عامة أكثر من كونها عملية تفصيلية، وهو أمر واضح في تناقض مواقفها المذكورة أعلاه.. إن السودان من أسوأ حالات انتشار الخفاض في العالم، ما يعني أن وضعه متميز، فهل يعقل أن نرسم له استراتيجية حل عامة مشابهة لتلك التي نرسمها، مثلا، لكينيا وتنزانيا واليمن؟ لأن هذا هو ما تفلعه هذه المنظمات حين تضع استراتيجيات عالمية كهذه، لا مجال فيها لاعتبار خصائص المشكلة في البلدان المختلفة.. لا نريد بهذا أن نهدم مصداقية هذه المنظمات، فهي تؤدي دورا مهما، ولكن يجب ألا نجعل لآرائها واقتراحاتها قداسة في غير موجب، فالتجارب السياقية لكل شعب، حسب ظروفه الخاصة، تسمح للكثير من أهله الواعين بأن يتوصلوا لحلول أكثر حكمة وعملية لمشاكلهم من تلك المقترحة من هذه المنظمات.
    وعلى العموم فمن الواضح أن الخط العام والأهداف مشتركة، ويبقى التباين فقط في تفاصيل الاستراتيجيات المتبعة للوصول لهذه الأهداف.. لهذا نصر، بناء على استنتاجاتنا، على موقفنا من تطبيب الخفاض والمنع القانوني، خصوصا في ظروف السودان الحالية، ويتغير موقفنا بتغير هذه الظروف التي دعت له.. وعلى العموم أيضا فمن الواضح في تقاريرها أن المنظمات العالمية هذه تعول أكثر على الحركة الاجتماعية وقدرتها على التغيير وسبله، وعلى أن التغيير الأقوى يكون عندما يأتي من داخل المجتمع وليس بالقوانين الفوقية، وعلى أن تكون هذه القضية مرتبطة مباشرة بعموم قضايا حقوق المرأة والطفولة وليس بمعزل عنها، وهو ما نعول عليه أيضا.. الصحيح عندنا هو العمل على نطاقات ثلاث:

    1. توعية الأوساط الممارسة لعادة الخفاض لأن الغرض منها، كما تتصور تلك الأوساط، لم يعد مخدوما، وأن المفاهيم السابقة التي قالت بجدواه خاطئة، ومن ثم فهو لا يأتي اليوم بغير الألم والمزيد من المشاكل الاجتماعية.. هذا الاتجاه يختص بالخطاب الاجتماعي الشامل، وباستثمار تأثير الزعامات المحلية في وعي الشعوب، مثل الرسالة التي وقع عليها حوالي 30 من زعامات الطرق الصوفية في السودان، عام 2004، والتي تجرد الخفاض من أي مشروعية دينية، من أجل إزالة وهم الارتباط لدى ممارسيه بالدين .. لهذا الاتجاه العام في العمل الاجتماعي الكبير أثر مشهود وتجارب يمكن التعلم منها، فقد أعلنت جراءه بعض القرى والبلدات في غرب افريقيا التزامها جماعيا بترك الخفاض.
    2. توعية الأسر للأضرار الجسدية والنفسية البالغة للخفاض وتشجيع هذه الأسر على مواجهة مفاهيم المجتمع المتخلفة من أجل صحة بناتها.. من المهم ألا نتجاهل قدرة الأسرة على الوقوف في وجه المجتمع أحيانا كثيرة، كما من المهم أن نستثمر شبكة العلائق الأسرية في مشروع التوعية نفسه، فتأثير الأسر بعضها على بعض قوي وفعال، والأسر الواعية تستطيع أن تؤثر على آراء الأسر الأخرى من حولها في الحياة العامة.
    3. آخر النطاقات، وأوسعها، هو تبني برنامج كبير، متعدد الأنشطة والمجالات، لتوعية وتعليم المرأة في السودان بصورة شاملة لإعدادها لمواجهة جميع صور الاضطهاد، داخل الأسرة وخارجها.. يجب أن يكون واضحا لنا أن القضية الأساسية هي قضية المرأة ككل، منذ طفولتها المبكرة، وأن العمل الذي لا يتكامل مع الاتجاه العام للقضية محكوم عليه مسبقا بالفشل.

    وفي النطاق الثالث هذا يكمن الصراع الكبير الذي تحسم نتائجه ما يكون عليه الشكل العام للمجتمع، ولهذا فهو يشتمل على أصعدة متعددة، من أهمها، في نظرنا، إعادة تنظيم علائق العمل داخل الأسرة، نواة المجتمع، وإعادة التقييم المنصف لإنتاج المرأة، داخل وخارج محيط الأسرة، مع وجوب مشاركة الرجل لها في جهد رعاية الأطفال، وما إلى ذلك من المقاربات التي تعيد للمرأة كرامتها المعنوية والمادية في المجتمع، فالواقع المعاش أن عمل المرأة الإنتاجي، في الأسرة وفي المجتمع، لا يقل قيمة عن عمل الرجل، إن لم يزد عليه، لكن أنظمة الاقتصاد الرأسمالي المعاصرة تجعل قيمة الأعمال التي يقوم بها الرجال عادة أكبر من تلك التي يقوم بها النساء عادة، كما انها، بالاشتراك مع ثقافة المجتمع الأبوي، تعمد لإبقاء النساء بعيدا عن مواقع صنع القرار التنموي (الاقتصادي/اجتماعي والسياسي) وعن وسائل إعادة تقييمهن أنفسهن لدورهن التنموي المستدام، قديما وحديثا، وبالتالي يصبحن محصورات في نفس الأعمال المهمشة والمستمرة برتابة تضعف قدرتهن على التجديد الخلاق.. يكفينا، دليلا على كل هذا، الإحصاءات التالية من الدول النامية:

    • تمثل مساهمة المرأة الإنتاجية 66% من ساعات العمل في العالم، بينما تكسب فقط 10% من الدخل العالمي وتمتلك فقط 1% من الممتلكات على مستوى العالم.
    • تقضي النساء في المتوسط 6.5 ساعة أسبوعيا في سحب وحمل الماء.
    • في المتوسط تعمل المرأة 63 ساعة في الأسبوع في الأعمال مدفوعة وغير مدفوعة الأجر، مقارنة بالمتوسط بين الرجال حيث يبلغ 50 ساعة في الأسبوع.
    • تقضي المرأة الريفية في إنجاز الأعمال المنزليه 8 أضعاف الوقت المبذول من الرجل.
    • تصل نسبة الأسر التي تعولها امرأة حوالي 21% وترتفع في بعض المناطق الي 33%.
    • تشكل المرأة 80% من منتجي الغذاء بافريقيا بينما تتلقى 2% إلى 10% فقط من الخدمات الإرشادية.

    خاتــــمـة

    وبعد، فإن الرأي المعروض هنا قد يستدعي ردود فعل متفاوتة، لا نستطيع التنبؤ بمستوياتها، لكن حسبه أنه طرح يسعى لحل عملي جوهري لهذه المشكلة، ضمن إيمان راسخ بأن هذه العادة إلى زوال بلا شك، لكن يبقى العمل من أجل إسراع زوالها.. من غير البعيد أن يقول البعض، لسبب أو لآخر، بأن هذا الرأي يعتبر مهادنة زمنية في قضايا المرأة الملحة، وهي غير قابلة للتجزئة.. الإجابة عليهم هي أن قضايا المرأة فعلا ليست عرضة للتجزئة، لكنها عرضة للترتيب الأولوي الحكيم، كسائر قضايا التغيير الاجتماعي الواعي الذي يتبنى خط الثورة المتزنة (فلا هو بطيء متردد ولا هو عجول مضطرب).. ليتنا نستطيع الاستيقاظ غدا لنجد جميع مشاكلنا الاجتماعية قد حلت، بقوانين فوقية أو بغيرها، لكن ذلك من غير مشاهد الواقع المعاش الذي لا بد لنا من التعامل معه.
    بهذا الاتجاه المعروض هنا نرى أن الخفاض يمكن التخلص منه في مدة لا تتجاوز الجيل الواحد فعلا في السودان (بخصيصة الحركة الدينامية المذكورة آنفا)، كما هو الطموح العالمي الذي ظهر مؤخرا بصوت هيئة الأمم المتحدة، في إطار التخلص من جميع أشكال اضطهاد المرأة قريبا جدا، إذ هذه المدة هي التي سيصبح فيها الجيل القادم في صدارة الحركة الاجتماعية في البلاد، فإن كان مسلحا بالمعرفة والوعي الكافيين فذلك سيعني بداية عهد جديد للمرأة، وعهد جديد للمجتمع ككل، فتموت عادة الخفاض موتا طبيعيا.

    هوامش وإحالات
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 04:12 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2008, 02:24 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    رأي
    إجحاف القراي وتراضي الصادق المهدي(1)
    محمد عيسي عليو

    لا أنفي أني من المتابعين لمقالات د. عمر القراي ، لما فيها من الاعجاب والاستعجاب، ويأتي استعجابي دوماً عندما يتناول أمرا يتعلق بالسيد الصادق، فهو ينفذ إليه مباشرة دون أدنى دبلوماسية، وكأن القراى «محرش» أو موكل من جهة خصصته في السيد الصادق المهدي ... لقد تناول د. القراى إتفاق التراضي في حلقة أولى من ضمن ثلاث حلقات.. وكان لي من التعليق رغم أن حلقاته لم تنته بعد، وذلك لسببين، الاول أن القراى قال زبدة حديثه في السيد الصادق في حلقته الأولى، والسبب الثاني فإني مسافر لجهة يصعب الحصول على صحيفة «الصحافة» فيها، فخشيت إن عدت أجد أن الموضوع قد فقد بريقه.
    وليسمح لي د. القراى بالتعليق.. لقد قال القراى في صدر مقاله إن إتفاق التراضي الوطني، جاء مخيباً لآمال الكثير من المثقفين الذين كانوا يحترمون السيد الصادق المهدي، وكثير من أعضاء حزب الأمة الحريصين على مصلحة الحزب ومصلحة الوطن.
    أولاً: أسأل القراى هل يمكنه أن يعرف لي من هم المثقفون وكيف عثر على إحصائياتهم التي من خلالها علم أن آمالهم قد خابت؟ ثم هل هم شريحة قائمة بذاتها، ثلة منفصلة عن القوى السياسية الحزبية التي نعرف آراءها جميعاً ومنطلقاتها، أم هم ينتشرون في كل الأحزاب؟ ولا شك أن هناك فئة مثقفة لا تنطلق من أى من الأحزاب، وهي على قلتها وحسب ما لمسناه من بعض كتاباتهم يميلون وحريصون على الوفاق الوطني والتراضي الوطني، وأي مسمى يجمع السودانيين على كلمة سواء.. فأين مثقفو القراي الذين خاب أملهم في الصادق المهدي؟!. اما حديثه عن أعضاء حزب الأمة والذين يقول إن الاتفاق خيب آمالهم، نقول إن هذا الاتفاق مرَّ على كل مؤسسات الحزب الرئاسية والتنفيذية والسياسية، ولم يشذ فرد في رفضه حتى الآن... صحيح هناك تحفظات ذكرت في جلسات التداول، وهذا شيء طبيعي، ولكن الجميع أيد الاتفاق إذن من أين لك بهذه المعلومة ؟! إلا اذا كان حديث أشخاص قابلهم القراى بالمصادفة لهم اعتراضاتهم هذا ممكن، ولكن هؤلاء قد فوضوا مؤسسات الحزب، وهي التي اتخذت القرار، فأين الديمقراطية إن لم نلتزم بها، إلا اذا كان القراى يتشكك في الديمقراطية، او يتشكك في إن حزب الامة ليست لديه مؤسسات منتخبة تتخذ القرار.
    ولكن فلنتابع القراى، وقد خرج من الموضوع برمته، وهو التراضي، الى موضوع ابن رئيس الحزب الذي قال انه دخل ضابطاً في جهاز الأمن، هذا الموضوع كما يعلم الجميع، فإن مؤسسات الحزب اتخذت فيه قرارا منذ أكثر من ثلاثة شهور، والتزم به المعنى بالأمر، وأيده رئيس الحزب الذي كان خارج البلاد بكل رحابة صدر، فما علاقة ذلك بالتراضي الوطني؟ هل إذا ابن القراى اتخذ قراره بأن يعمل في مجال الأمن وهو بالغ راشد، أيحق للقراى أن يرفض ذلك البتة ! هل يريد القراى ان ينكأ الجراح التي اندملت ليجدد عذابات الآخرين؟ هل نقول إنها سادية القراي أم هي قذف السهام في كل اتجاه، كنت اعتقد أن الأمر مقارنة علمية لنظريات فكرية علمية. إلا أن القراي ذهب بعيداً. ثم قال القراى إن السيد الصادق لم يطق البعد عن كرسي الحكم صبراً فهرع إلى الإتفاق دون أدنى اعتبار لرأى اتباعه ومريديه، دي كبيرة يا دكتور..!! ما بالك بشخص بإمكانه الدخول في حكومة الانقاذ في الاسبوع الأول من قيامها، ثم يصبر عشرين حجة، ثم تقول إنه لم يطق صبراً الجلوس بعيداً عن كرسي الحكم، ثم القراي يستكثر كلمة اعضاء الحزب، بل لمزيد من التحقير يدلف الى كلمة أتباع، فهو لا يرى للحزب مؤسسات، بل يرى أن الحزب هو الصادق والصادق هو الحزب.. ولو ذهبت في تحليلاتك هذه لخدعت الكثيرين ثم يكتشفون ذلك ولو بعد حين.. ولا أدري أين سيذهبون بكتاباتك.
    ثم يكرر القراي المنوال الالتفافي في محاولة منه لكسر عنق الحزب، عندما يقول إنه تمهيد لدخول حزبهم في جلباب النظام الشمولي العتيد.. طيب يا دكتور تدفع كم إذا لم يدخل حزب الامة جلباب المؤتمر الوطني؟.. في تقديري أقل شيء يمكن أن تدفع به إذا تحقق أنك قد ظلمته، هو أن تدفع بيديك مبايعاً الحزب غسلاً للإثم الذي حاك في صدرك، ومحواً للبهتان الذي رميت به إخوتك في الوطن، وحتى لا يراودك تعذيب الضمير. وحتى لا ندخل في مهاترات أن الصادق المهدي قبض الثمن، نذهب الى التحليل الآخر، وهو أن هذا الاتفاق ثنائى، ونحن نقول لظروف بلادنا لم نمنع أى طرفين يوقعان إتفاقا ثنائياً، ولكن نقول ضرورة عرضه على الآخرين، وهذا ما فعله إتفاق التراضي الذي التزم بالمؤتمر الجامع الذي سيناقش الاتفاق وغيره، حتى يصل السودانيون الى كلمة سواء.
    ثم هذه المرة يخرج القراي خارج الحلبة مطروداً لمخالفته المتكررة في الخروج من صلب الموضوع، وهو التراضي، ليذهب إلى التهجم الشخصي خارج قانون اللعبة، حيث يقول دون ادنى مقدمات إن الصادق المهدي سلَّح القبائل العربية في دارفور عام 1986م.
    وصدقني يا قراى لو كنت في مقام الصادق المهدي لفتحت بلاغا ضد شخصكم، وستدان بعدم وجود إثبات الاتهام حتى لو استعنت ببلدو وعشاري كما ذكرت.. والطامة الكبرى والكذب الصراح للقراى عندما قال إن الصادق المهدي سلَّح القبائل العربية في أبيي المشتعلة الآن، مما جعل تلك القبائل تعتدى بمجازر بشعة على قبائل الدينكا في منطقة الضعين.. قل لي بربك أين الضعين من أبيي؟ الضعين يا دكتور تقع في جنوب دارفور، وأبيي تقع في جنوب كردفان، والمسافة بينهما مئات الكيلومترات، فكيف تسليح العرب في أبيي يؤدي الى هجوم الدينكا في الضعين.
    نحن فعلاً محتاجون لدروس الجغرافية في ثالثة اولية مرة أخرى، أين تقع بابنوسة ويامبيو وود سلفاب والقولد، حتى نعرف أين تقع أبيي من الضعين.
    ويذهب القراي في قوله إن المؤتمر الوطني واصل سياسة الصادق المهدي، إذ ضم القبائل العربية في دارفور الى الدفاع الشعبي وزاد تسليحها، وهذه القبائل تمكنت من الاعتداء الآثم الذي حول دارفور إلى مأساة عالمية، كل القبائل العربية في دارفور مرة واحدة، سبحان الله..!!
    لا أدري أين سيقف القراى في اتهامه للقبائل العربية، مرة يقول القبائل العربية في أبيي، ومرة ثانية القبائل العربية في الضعين، وثالثاً القبائل العربية في دارفور؟! يا إلهي القراي لم يستثن احداً، ولم يبق له إلا أن يقول القبائل العربية في النيجر.
    أخى القراى إن كنت تقصد القبائل العربية في الضعين، فدونك الضعين، ويمكنك الذهاب اليها وستجد قهوة ود القراى هناك ترحب بك، وسيطوف مناديبها معك شمالاً. وستجد أن قبائل دارفور التي اضطهدت من جراء الحرب، هي الآن في حماية أهلك القبائل العربية في الضعين، وإذا جُلت في جنوبها اى جنوب الضعين، ستجد أكثر من مائتي ألف جنوبي نزحوا اليها من عشرات السنين، وهم في أمان سلام. وليس من رأى كمن سمع، لقد سمعت لبلدو وعشاري، والأمانة العلمية تدعوكم للنظر بالعين، وإلا تكون غير عادل، والمظلومون منك سيقابلونك يوم المحشر العظيم، فماذا انت وقتها قائل لهم.
    وفي المقال القادم إن شاء الله سأكتب عن الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، الذي نسخ به القراي السيد الصادق المهدي من ملة المعتدلين، إلى ملة المتطرفين.. وإلى لقاء. ===
    التعليقات

    1/ ابوركشة - (السودان) - 2/6/2008
    الاستاذ المحترم محمد عيسي ماكنت اود ان تعلق علي هذا الرجل النائب الكبير للمرتد محمود محمد طه...ان انكر علي ابن الصادق فان اسرة القراي الكبيرة تنكر عليه جمهوريته واتباعه لمحمود..حلال عليك حرام علي الاخرين...انا حضرت وقت صلاة جماعة في مناسبة معه ..فا نكر بشدة صلاة الجماعة وقال ماهي من الدين(. تصور هذا وضع رجل يحافظ علي امر جماعة في حياته كلها)ووالله ان تركه صلاة الجماعة حدث امامي ولو سالته لاينكر بل هو علي يقين...القراي جاء موتورا مغبونا حتي اسرته الكبيرة لايزور صلة رحم ولايعرف له صلة رحم فهو قطع ارحامه جميعا ارجوك لا تتعب نفسك ...؟ وترد عليه واتركه يلهث ...؟

    http://www.alsahafa.sd/Raay_view.aspx?id=49355
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2008, 02:32 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    قراءة في إتفاق التراضي الوطني (2-3)


    الغموض والتضليل :
    لقد جاءت معظم بنود إتفاق التراضي غامضة، بغرض التضليل عن حقيقة ما ترمي اليه ، حتى تجوز على جماهير حزب الأمة وعلى عامة الشعب . وفي سبيل ذلك ، جنح الاتفاق الى التركيز على قضايا ليست من أولويات المشاكل العديدة التي يعاني منها الوطن . ومن ذلك مثلاً جاء تحت بند تهيئة المناخ ( تكوين لجنة لمراجعة أسماء الشوارع والمنشآت لتعميم الرمزية القومية) !! فهل مشكلتنا هي أسماء الشوارع ؟! بل هل مشكلة الشوارع نفسها هي اسماؤها ؟! أم ان الشوارع متسخة وضيقة وغير مرصوفة ، وغير مضاءة، وليس بها مجار للأمطار ولا يجد من يقف بها مواصلات ؟! إن بعض الشوارع الآن مسماة باسماء شخصيات إسلامية قديمة، لا يعرف كثير من السودانيين عنها شيئا،ً وبعضها إطلق عليه اسم شبان من الجبهة الاسلامية، لا يعرفهم الشعب السوداني ، قتلوا في حرب الجنوب ، واعتبروا شهداء، فهل يريد السيد الصادق ان يغير هذا الوضع ، ام يضيف عليه اسماء من رموز المهدية ؟ ولقد حكم حزب الامة بعد الاستقلال ، وفي الحقب التي تلته ، فلماذا لم يسم الشوارع ، باسماء قومية ؟! واذا كانت الرموز الوطنية ، مخالفة للسيد الصادق ، فهل ستقوم لجنته المقترحة ، التي لا نعرف من هم اعضاؤها ، بتسمية الشوارع بهذه الاسماء، التي تعارض الصادق، وتعارض المؤتمر الوطني ، فنرى شارعاً باسم الاستاذ محمود محمد طه ، أو د. جون قرنق، أو الاستاذ عبد الخالق محجوب ؟!
    وكلما اقتربت الاتفاقية من القضايا الحساسة ، التي لا يريد المؤتمر الوطني ، حتى مجرد ذكرها، يرتفع معدل التعميم فقد جاء ( النظر في اطلاق سراح المحكومين سياسياً في جميع انحاء الوطن ) (الرأي العام 21/5/2008م) . فلماذا النظر بدلاً من إطلاق سراحهم فوراً ؟! الا يمكن ان تكون الحكومة لجنة لتقوم بهذا ( النظر) ، ثم تقرر بعد ذلك ، انهم يستحقون البقاء في الحبس ؟! ثم هل توافق الاتفاقية ، على ان اعتبار تعاطي السياسة ، بما فيها المعارضة السياسية ، جريمة حتى تطلب ( النظر) بدلاً من اطلاق السراح الفوري ؟ ثم لماذا لم تتم الاشارة للمعتقلين السياسيين دون محاكمة ، وتطلب اطلاق سراحهم ، اثناء الاحتفال بتوقيع اتفاق التراضي الوطني ؟!

    ولأن هنالك قضية مطروحة حول ضرورة المساءلة والمحاسبة ، ولأن هنالك قضايا مرفوعة من المواطنين ضد شخصيات محددة ، قاموا بتعذيبهم في بيوت الاشباح ، فقد جاء في اتفاق التراضي الوطني ( الإسراع في تكوين آلية للحقيقة والمصالحة والانصاف للوقوف على تجاوزات الماضي عبر الحقب وبيان حقيقتها وافراغ النفوس من مرارات الماضي ) !! (المصدر السابق) . فلماذا الحديث عن ( آلية) وليس لجنة تحقيق ؟! ولماذا ذكرت العبارة (المصالحة) قبل ( الإنصاف) ؟! هل رأيتم كيف اعاد الاتفاق موضوع ( عفا الله عما سلف) في استحياء وتضليل ؟! ثم كيف يحدث ( افراغ النفوس من مرارات الماضي ) دون القصاص أو العفو؟! واذا كانت نفس السيد الصادق ، سوف تفرغ من مراراتها بتعويضات آل المهدي، فلم يحدثنا البيان ، كيف ستفرغ مرارات من شردوا من وظائفهم بالاحالة للصالح العام، وكيف تفرغ مرارات من عذبوا في بيوت الاشباح حتى الإعاقة ، ومن قتل أهلهم ، واغتصبت نساؤهم في دارفور؟! أم ان السيد الصادق يريد لكل المتضررين ان ينسوا ما لحق بهم ، ويصالحوا الحكومة ، لأنه هو فعل ذلك ؟! ألم نقل مراراً ، ان هذا الرجل يدور حول نفسه، ولا يرى الا مصلحتها ؟!

    مأزق دارفور :
    إن اكبر ما يدلل على ان اتفاق التراضي ، انما هو مجرد خداع للشعب ، ما ورد بشأن دارفور. جاء عن ذلك ( ان جذور الإختلال الأمني بالمنطقة تعود الى ما قبل الاستقلال ولكن ظل التفاقم في مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الآن بسبب التنافس على الموارد الطبيعية والزعامات الإدارية والمظالم السياسيةالمتراكمة مثل فرط المركزية في الإدارة والحكم وخلل التوازن التنموي والخدمي والاضطراب الامني في دول الجوار ... زاد الاستقطاب السياسي الحاد والتصعيد في الآونة الأخيرة والتدخلات الخارجية من تفاقم الأزمة الأمنية ) ( المصدر السابق). إن حجة الصراع على الموارد ، قد ذكرها بعض الأكاديميين ، ثم تلقفها المؤتمر الوطني ، وهي لو بررت الصراعات البسيطة ، المتفرقة ، بين المزارعين والرعاة ، فانها لن تبرر الحرب الشاملة ، التي استخدمت فيها الأسلحة المتقدمة .. والدفع بهذه الحجة ، معروف ولا جديد فيه ، ولكن الجديد هو الاعتراف بالمظالم السياسية ، وهو اعتراف ينقصه الصدق، وتنقصة الشجاعة .. والا فمن هو الظالم ، ومن هم المظلوم، في احداث دارفور ؟! واذا عجز هذا الاتفاق ، ان يسمي الاشياء باسمائها ، ويحدد المسئولية ، فهل يتوقع منه ان يحل مشكلة دارفور ؟! ولقد اقترح الاتفاق لحل المشكلة ، اتفاق لوقف اطلاق النار، يطور الاتفاقات السابقة – حصر القوات ونزع سلاح مليشيات القوى العفوية في المجتمع ) !! ولم يخبرنا هذا الاتفاق بنوع وقف اطلاق النار، الذي يريده ، وكيف سيطور الاتفاقات السابقة ؟! واذا كان السيد الصادق المهدي ، الذي يزعم انه مهتم بدارفور، ومتعاطف مع أهلها ، لوشيجة علاقتهم الطيبة بالمهدية ، وبسبب ان معظمهم كانوا من الأنصار، يعجز عن ذكر اسم الجنجويد ويسميهم ( القوى العفوية) ، ارضاء للحكومة ، فهل يمكن ان يظل بعد ذلك محترماً ، عند أهالي دارفور، او مرجواً ليسهم في حل مشكلتهم ؟! إن ابسط مستويات التعاطف الانساني، وأقل درجات الإلتزام الأخلاقي ، تفرض على كل حر، شجب الممارسات الوحشية، التي قامت بها قوات الجنجويد، والتي كانت ترعاها ، وتسلحها ، وتحميها ، حكومة الانقاذ ، وليس دون تقرير هذه الحقائق اعتبار للحق والعدل .

    جاء في اتفاق التراضي ( لقد شكلت اتفاقية أبوجا الموقعة في مايو من عام 2006م خطوة نحو الحل لم تكتمل بسبب عدم توقيع بقية الفصائل عليها والتدخلات الاجنبية وتشظي الفصائل غير الموقعة غير ان كافة الجهود الوطنية يجب ان تبذل لاستكمال عملية السلام والاستقرار) ( المصدر السابق) . ولم يسأل المتحالفان أنفسهما لماذا لم توقع بقية الفصائل على اتفاقية ابوجا ؟ ولم يطرحا تحفظ تلك الفصائل ، ويجيبا عليه ، بما يطمئنها ويحثها على التوقيع . وما دام الاتفاق قد دعا الى الحوار الدارفوري ، وذكر ( حوار وتراض أهل المنطقة من خلال مشاركتهم في إدارة الشأن العام بعدالة وشفافية ) ، فلماذا لم يقم حزب الأمة بادارة هذا الحوار ، وينظمه لابناء دارفور المنتمين للحزب ، وغير المنتمين ، وبناء على نتائج ذلك الحوار، يتفاوض مع المؤتمر الوطني ، حول قضية دارفور ؟! أليس ذلك أكرم لحزب الأمة، من ان يتبنى رئيسه ، وجهة نظر المؤتمر الوطني ، ويهمل صوت أهالي دارفور؟!

    ومن الحلول التي اقترحها اتفاق التراضي ، ووقع عليها رئيسا الحزبين ( اطلاق سراح المعتقلين لاسباب سياسية بأزمة دارفور) ( المصدر السابق). فهل يشمل هذا العفو المعتقلين من أعضاء حركة العدل والمساواة ، الذين لم يشاركوا في الهجوم على أمدرمان ؟! أم ان اولئك يشملهم ما جاء في خطاب السيد رئيس الجمهورية ، في نهار نفس يوم توقيع اتفاق التراضي الوطني ؟! وذلك حيث قال ( أي زول ينتمي الى العدل والمساواة لا يصبح في بيته لازم يتم قبضه والتحفظ عليه ... ما بنعرف لا طالب ولا عامل ولا موظف ...) ( الصحافة 21/5/2008م) ؟!

    لقد فرح أهالي دارفور، بدخول القوات الافريقية والأممية ، لتحميهم من هجمات الجنجويد، ولكن هذا الاتفاق العجيب ، يريد ان يغير دور القوات الدولية ، ومهمتها ، وفق رؤية جديدة ، بخلاف الاهداف التي وضعتها لها الامم المتحدة ، وذلك من خلال خلق تجمع لقوى سودانية، يسوّق دولياً لدور جديد لهذه القوات، يجعلها تقف محايدة ، فلا تضرب الجنجويد المعتدين على أهالي دارفور!! جاء في الاتفاق ( ان القوات الافريقية الأممية المشتركة بموجب قرار مجلس الامن رقم 1769 والتي وافقت عليها الحكومة تكون محايدة بين اطراف النزاع وتكون مهمتها قاصرة على حماية المدنيين ومراقبة وقف اطلاق النار وتأمين الاغاثات والاشراف على متابعة ما يتفق عليه اطراف النزاع السودانية ويعمل الطرفان على تسويق هذه الرؤية دولياً ) ( المصدر السابق) . ومعلوم ان مثل هذه الرؤية ، لو كانت تتفق مع واجبات القوات، كما حددها القرار الدولي، فانها لا تحتاج الى تسويق . وهي ان كانت مخالفة لذلك، فلن يستطيع الحزبان تسويقها دولياً ، أو بين اطراف النزاع .. ومصلحة الحكومة وحزبها ، في ان تقف القوات الاممية مكتوفة الايدي ، بدعوى عدم التدخل ، فلا تضرب الجنجويد ظاهرة ، ولكن ما هي مصلحة السيد الصادق في ذلك ، غير ارضاء الحكومة ، لتوقع معه هذا الاتفاق ، ولو كان على حساب ابناء دارفور .

    ولمزيد من التضليل ، والقاء صبغة دينية على هذا الاتفاق الخائر، تحتوي على ارهاب روحي وتضليل للبسطاء ، وصف السيد الصادق اتفاق التراضي الوطني ، بانه سفينة نوح ، في اشارة مقصودة ، الى تشبيه نفسه ، بنبي الله نوح عليه السلام !! والذي نراه هو ان موقف السيد الصادق المهدي، وقد خالف اجماع الشعب السوداني ، بما فيه الشرفاء من ابناء حزب الامة وكيان الانصار ، يشبه موقف ابن نوح ، الذي خالف أباه والعقلاء من قومه ، واتبع الغاوين فغمره الطوفان ، وحين يقع الندم ، ويدرك السيد الصادق الغرق، يلتمس له هذا الشعب المغفرة ، فيقول بلسان حاله ، ما قاله نوح عليه السلام بلسان مقاله ( رب ان ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين ) !! وعند ذلك يسمع ارباب القلوب، من أودية الغيوب ، قول العزيز المتعال ( أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني اعظك ان تكون من الجاهلين ) !!

    د. عمر القراي
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2008, 02:44 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    بين مزمار محمود وصليل سيف الجلاد!

    صراع الرؤى الإسلامية حول مفاهيم الثقافة والجمال في السودان (1)

    عبد الجبار عبد الله*

    توطئة


    كان في تصوري المبدئي أن أتناول مادة هذه الدراسة في دفعة واحدة عبر كتابة مطولة تأتي على الموضوع كله من شتى جوانبه وتشعباته كما يتوقع في دراسة يطمح فيها القارئ إلى الوقوف على كيف يكون التقابل الصارخ الحاد بين رقة وعذوبة ألحان المزمار وصليل وقعقعة السيوف التي تصطك لها الأرواح قبل الأسنان وكيف يكون صراع الرؤى حول مفاهيم الثقافة والجمال في تراث وفكر الشهيد محمود محمد طه من جانب وفي عيون وفكر خصومه وجلاديه الذين زهدوا كدأبهم في الفكر والحوار واختزلوا طريق الخلاف المضني الطويل، بحبل المشنقة القصير وحد السيف والحرابة من الجانب الآخر. ولكني آثرت لأسباب عملية –يخصني الجزء الأعظم منها- التأني في دراسة الموضوع وتناوله، وتقسيمه إلى حلقات متصلة، تنشر عبر هذا الموقع، وتتاح لها فرصة الإفادة والإثراء بالنقاش والحوار التفاعلي مع القراء، كي تصل إلى هدفها وتحقق غرضها وهي أكثر وثوقاً واطمئناناً إلى ملامستها كافة جوانب الموضوع الذي تناقش، واستيفائها دون تعجل لشروط ومتطلبات البحث العلمي. بهذه القناعة، وحرصاً مني على الإسهام الجاد في إحياء ذكرى اغتيال الشهيد محمود محمد طه، وتأمل معاني ذلك الاغتيال، أبدأ بنشر الحلقة التمهيدية الأولى من هذه الحلقات. وآمل أن تلاقي هذه الفكر ة، هوى في نفوس القراء المكدودين مثلي والموزعين بين شتى هموم الحياة ومشاغلها التي يصعب الفوزفي خوض سباق ماراثوني أعرج معها.

    رحلتي إلى الجحيم!

    في لفحة نهار يوم صيفي قائظ الحر من عام من عام 1984، اختطفتني إحدى عصابات الأمن إلى مكاتب "القسم العقائدي" بمقر جهاز الأمن العام. وبعد تحقيق متوتر لئيم مقتضب، أحلت إلى زنازين السجن الداخلي –التي عرفت لاحقاً وعلى المستوى العالمي ببيوت الأشباح، سيئة الذكر في بدايات هجمة الإنقاذيين الغاشمة على الحياة والإنسان وحقوق الإنسان- وهناك طال أمد إقامتي، وعرفت كيف للإنسان أن ينام نوم الديك حرفياً، مع هبوط كل طائرة محملة بالسودانيين القادمين من ليبيا يومي الاثنين والخميس إن لم تخني الذاكرة في مطار الخرطوم. كنت حينها أشفق على الزنزانة الصغيرة الضيقة التي لا تزيد مساحتها على بضعة أمتار تكفي لتمديد القدمين، حين تغص بعدد كبير يستحيل جلوسهم على الأرض ناهيك عن التفكير في الإغفاء أو النوم. عندها تمضي الساعات الطوال ونحن نرفع رجلاً وننزل أخرى مثل طيور الرهو والبجع، ولا يكون ثمة مهرب في نهاية الأمر من نوم الديك، حين تتهادى الساعات السلحفائية الثقيلة، وحين يسري التعب والإنهاك في خلايا ومسام الجسد الجوعان المكدود، بطيئاً وقاتلاً كسريان السم.

    أما معتقلو الطائرات الليبية المجني عليهم، الذين ذاقوا الأمرين كما يقول محمود، وعانوا أشد ألوان التحقير والعذاب على يد جلادي الأمن، فكان معظمهم من أبسط بسطاء السودانيين الذين ضاقت بهم الحياة في بلادهم، فذهبوا إلى ليبيا حيث امتهنوا مهنة الرعي أو عملوا في أشغال البناء وخطوط أنابيب النفط وخفر المباني وغيرها من المهن التي لا تتطلب كثير خبرة ولا تأهيل. وكان معظمهم أمياً حتى لحظة انتقاله إلى سجن كوبر حيث فك منهم من فك الحرف ومحا أميته هناك. وصادقت الكثير منهم من داخل الزنازين وأنشدنا وغنينا ومثلنا معاً في الليالي التي أقمناها داخل السجن لمختلف المناسبات الوطنية لاحقاً، ونشأت بيننا أجمل العلاقات التي يستطيع السودانيون خلقها في عز صحراء العبث والعدم. كان اعتقالهم بالعشرات والمئات جريمة كبيرة بحق مدنيين أبرياء ما عرفوا للسياسة سبيلاً ولا وعياً ولا حماساً.

    وحين رأيت الفوج وراء الفوج يأتي ويمر عبر زنزانتي إلى سجن كوبر، وأنا وحدي الذي كتب عليه أن يحمل "صخرة سيزيف"، يجوع عمداً وينام نوم الديك مرتين في كل أسبوع على الأقل، قررت أن أبدأ إضراباً منفرداً عن الطعام. وبررت رفضي تناول الطعام بطلبين تقدمت بهما إلى مسؤولي الأمن. أولهما استعادة كتبي التي صودرت مني لحظة اعتقالي –كان بينها الأعمال الكاملة لشكسبير ونسخة مترجمة إلى الإنجليزية من القرآن الكريم- وثانيهما تقديمي إلى محاكمة عادلة وإدانتي أو إطلاق سراحي فوراً. فيما يتعلق بمطلب استرداد الكتب، كنت جاداً وعازماً على الموت من أجلها إن دعا الأمر. وبالفعل نجحت في استعادة 8 من جملة 13 كتاباً منها، مرفقة باعتذار مكتوب من ضابط في جهاز الأمن عن بقية الكتب التي لم يعثروا عليها. كان اسم ذلك الضابط "جلال" فيما أذكر. أما المطالبة بالمحاكمة أو إطلاق السراح، فلم تكن سوى مناورة تكتيكية مني، كان هدفها تحقيق حلم "الترقية" السريعة إلى سجن كوبر والتخلص من جحيم زنزانتي اللعينة، وأنا الزاهد في حلم الحرية بعدما رجموني به من شتائم واتهامات عويصة يندى لها الجبين، تؤكد جميعها طول إقامتي في السجن.

    عودة إلى زنزانة الأمن اللعينة تلك، كنت قبل دخولي إليها قد قرأت تعريفاً للكاتب الفرنسي الكبير هونريه دو بلزاك، ورد في معجم أدبي أنيق رصين متخصص في سير الشخصيات الأدبية العالمية جاء فيه كناية عن معاناة بلزاك في حياته الفقيرة المعذبة "كان بلزاك يسكن في بيت لا يوجد فيه إلا بلزاك نفسه"! لا أورد هذا التعريف تنطعاً أو تلميحاً إلى رغبة سرية منى في مضاهاة نفسي ببلزاك، ولكنها لعنة الأمكنة البائسة الشقية، التي صورت لي بيت بلزاك الخاوي من كل متاع الدنيا ومباهجها، إلا من ساكنه، قصراً دافئاً مرفهاًِ ومخملياً حسدته عليه، وأنا حبيس زنزانتي البائسة الخاوية إلا من بلاطها الخشن الذي كنا ننام عليه مباشرة دون فرش أو لحاف حين لا تهبط الطائرات الليبية، أو "تطب"علينا مجموعة جديدة من المعتقلين الداخليين. في مثل تلك الحالات الهادئة كنت برفقة اثنين آخرين مستديمين، أحدهما سوداني مختل العقل يدعى إبراهيم، وآخر مجزوم يدعى محمدو من جمهورية مالي. وحتى لحظة خروجي منهما، كنت قد استأنست من وحشة المكان بحضورهما، ولكني كنت في الوقت ذاته، حزيناً لوجودهما في ذاك المكان الغريب، ومنشغل التفكير دائماً بطبيعة تلك المؤسسة الشريرة التي تطال مخالبها الشرسة حتى أمثال إبراهيم ومحمدو. بالمناسبة كانت المرة الأولى والوحيدة في حياتي التي ألعب فيها أوراق "الكوتشينة" مع ابراهيم، وكان يفوز علي دائما، ويعقبها في كل مرة بضحكة مدوية ومترعة بنشوة الانتصار والفرح وهو يصيح في وجهي وأذني بعبارة "كيشا ... كيشا ... كيشا".

    ولعنة الأمكنة البائسة الشقية نفسها، هي التي أحبطت لاحقاً حلم "ترقيتي" إلى سجن كوبر. وكان تشبثي بذلك الحلم، تشبث الموعود بالانتقال من كوخ تعيس كئيب إلى فندق مهيب فخم من فنادق الخمس نجوم! ولكن هيهات وليس أمام الظمآن سوى سراب الصحراء. فقد طار قلبي من الفرح، حين استعدت كتبي المسروقة، مصحوبة بقرار الانتقال أخيراً إلى "كوبر". وبعد دهليز وراء الآخر، وانحناء وركوع وقيام، عبر الأبواب والمنافذ الضيقة التي شقت عبر الجدران الحجرية السميكة العتيقة، دلفت أخيراً إلى حيث يريدون إنزالي. وكان حظي كالحاً حين ذهبوا بي إلى قسم "الورشة". وهي ورشة بحق كانت تستخدم لهذا الغرض، إلى أن اتسع عدد السجناء والمعتقلين وفاض بهم السجن، فما كان من بد من التوسعة على "عباد الرحمن" فكانت نعم الورشة، وكنا نعم العباد!! هندسياً كانت مثل كل ورش النقل الميكانيكي والسكة الحديد وغيرها، مصممة من عنبرين طويلين ماهلين، شيدا من السيخ والحديد والأسلاك، وسقفا بصفائح الزنك الحارق نهاراً والبارد برودة الثلج في زمهرير الشتاء ليلاً.

    ونظراً لنقص المراتب والأسرة التي تسد حاجة كل "عباد الرحمن" المعتقلين، فقد لفت نظري لحظة دخولي مباشرة، أن عدداً كبيراً من الأسرة كان يسع الواحد منها لسجينين بدل الواحد! كيف؟ أرجو ألا يشتط بكم الخيال إلى أسرة الـ double bed)) في داخليات البركس وغيرها من داخليات جامعة الخرطوم ومعهد الكليات التكنولوجية سابقاً. فالمقصود هنا أن "عباد الرحمن" ينقسمون كيفما اتفق إلى "طبقتين"، بعضهم يتمدد كما البشر العاديين فوق سرير مفروش بملاءة نظيفة على الأقل، وإن كانت مهلهلة ومهترئة وعفا عليها طول "السهك" والانبطاح. أولئك هم المحظوظون من أبناء "الطبقة العليا" الذين أنعمت عليهم الورشة بفيض رزقها وكرمها المعطاء. أما أبناء "الطبقة السفلى" فهؤلاء هم أهل الدرك الأسفل من الجحيم، ولم يكن أمامهم من بد سوى الانبطاح كيفما اتفق تحت السرير، على ملاءة أو بطانية أو بدون. قلت وأنا أدخل القسم واستسلم لقدري الذي لا مفر منه: "إن كان حظك بين أبناء "الطبقة السفلى" فمن الأحرى بك أن تتمرن من الآن على مد اللسان طويلاً من بوابة القسم، حتى تتقن فن لهاث الكلاب التي ترقد تحت الأسرة والعناقريب عادة في البيوت، عندما يشتد بها هجير حر الشمس! تأملوا بالله عليكم لحظة، ما كانت تفعله "شريعة الكيزان" بعباد الرحمن، الذين ورد ذكر إكرام كل واحد منهم وإعزازه ورفع منزلته في كافة نصوص القرآن الكريم! ولكن عفواً .. يا سادتي للخطأ الفادح، إذ كنا في واقع الأمر فئراناً وصراصير وجرذاناً في عيون الكيزان المستبدة الصلفة بحكم التربية والتكوين السياسيين. فأين مزمارك العذب، أين أنت من كل هذا يا محمود؟ لقد كنت رجلاً من غير ذاك الزمان.. كنت فيهم غريب الوجه واليد واللسان... فكيف لا يكفروك ويصلبوك ويقتلوك؟! طوبى لروحك .. طوبى للغرباء كما قال المسيح.

    مشاهدات حية من جوار ساحة العدالة الناجزة

    ولما شرعنا في الولوج الوئيد التدريجي إلى صلب موضوعنا الرئيسي، فقد كانت "الورشة" مجاورة لما كان يعرف باسم "ساحة العدالة الناجزة" سيئة الذكر، التي تعيد للأذهان رعب وذكريات مقصلة سجن الباستيل الرهيب. ففي تلك الساحة كانت تنفذ أحكام الإعدام وتجز الرؤوس وتكسر الأسنان وتفقأ العيون، تقطع الأيادي ويصلب المحكومون بأحكام الحرابة. لم تنفذ أحكام فقأ العيون ولا كسر الأسنان بالطبع، لكنها المكان الذي خصص لهذه الأغراض، وحتى لحظة خروجنا من السجن في السادس من أبريل 1985، كان أحد المحكومين في انتظار تنفيذ حد السن بالسن عليه. من هناك ومن أمام عيوننا مباشرة كانت تمر طوابير الرعب والوحشية والبربرية المريعة كل أسبوع تقريباً. والمثير للسخرية في تلك الطوابير، أن أبسط المحكومين وأدناهم وعياً وتعليماً كان يتقدم الطابور وهو على علم بمدى عبثية ولا معقولية تلك المؤسسات والقوانين التي تحيل المجرم الحقيقي بحق بلد بكامله، إلى قاض ومفت وجلاد، وإلى خصم وحكم في آن، يدعي لنفسه حقاً وتكليفاً إلهياً بتقويم السلوك الاجتماعي. ولا أشك لحظة في أن الشاعر محجوب شريف هو من استعار من أولئك المحكومين في إحدى "حضراته الشعرية" المسكونة بحب الناس ومعرفة خلجات ومكنون نفوسهم، ما كان يردده كل واحد لنفسه سراً وهو أمام الطابور من عزاء شخصي للذات:

    "حليلك بتسرق سفنجة وملاية

    وغيرك بيسرق خروف السماية....

    تصدق في واحد بيسرق ولاية؟!!"

    وفي عيون ووجوه وضحكات وابتسامات أولئك الذين كانوا يقادون إلى ساحة "عدالة الإخوان الناجزة" رأيت سخرية وهزءًَ بتلك المسرحية الهزلية السخيفة، الباعثة على الغثيان والضحك رغم مأساويتها ووحشيتها. وفي وجه كل واحد من المحكومين، رأيت شيئاًَ من سخرية وفلسفة بطل رواية "الغريب" للكاتب والفيلسوف الفرنسي البير كامو. فقد كانوا مثله في زهدهم عن الدفاع عن أنفسهم، أمام طائلة عبثية وكوميديا لامعقولية القوانين والمؤسسات الاجتماعية التي جرمتهم وأدانتهم. وعلى رغم الحواجز الشاهقة وتجهم ملامح الطابور الدموي، تبادلنا الضحكات والابتسامات وكلمات الوداع الأخيرة، مع عدد من المحكومين بالقصاص –بمن فيهم المحكومون بعقوبة الإعدام- وهم يقطعون خطواتهم الختامية المفضية بهم إلى الموت. ولم يكن غريباً أن يفلت أحدهم من أمام الطابور ليخطف سيجارته أو "تخميسته" الأخيرة من أحد أصدقائه الواقفين منا وراء سياج الورشة، علماَ بأننا كنا نشكل دائماً جمهور المودعين الأخيرين إلى مسرح العرض الدموى.

    وما هي إلا لحظات تتلى فيها الإدانة والمصادقة القضائية عليها، فيعقبها ذلك الصوت المدوى الذي يصم الآذان، فتسقط على إثره الجثة هامدة في جب بئر المشنقة المظلمة. عندها تتحول السخرية والنكات على عبثية الوجود كله، إلى غصة حنظلية المذاق، يصعب على الحلق ابتلاعها أو احتمال مرارتها. وفي خلايا الجسد المستباح المصعوق، تسرى رعشة وحمى غريبة، لا يعرف مصدرها حين يخلد الواحد منا إلى فراشه. وأنى لك النوم والكوابيس المفزعة، وأنت ترى إنساناً مر من أمامك سليماًَ معافى يهز الجبال قبل لحظات، ولم يخرج من "مسلخ العدالة" إلا وقد تحول إلى رميم أو حطام إنسان مبتور الأوصال، أو خرج منها محمولاً على آلة حدباء بعد أن حولوه إلى جثة هامدة لا حراك فيها! من هناك مر الواثق صباح الخير، وبعده عشرات ... عشرات آخرون، قبل أن يمر منها أخيراً المفكر الشهيد محمود.

    عندما استيقظت على مقام محمود

    من القراء التمس المعذرة إن أطلت في الوصف والتقديم، ولكن كان من المهم جداًَ أن أرسم صورة الأجواء القانونية والسياسية والنفسية والأخلاقية التي أحاطت بمحاكمة الأستاذ وتجريم فكره وتعليقه على حبل المشنقة قبل تصفيته جسدياًَ والتخلص منه مرة واحدة وإلى الأبد... ولكن هيهات. وقبل أن تكون هذه الكتابة شهادة من داخل السجن على ما جرى قبيل الإعدام وفي عشيته وصبيحته، أستشعر من خلالها أولاً وقبل كل شيء، واجباً فكرياً وأخلاقياً معاً، إزاء الكشف عن تلك المؤسسة الظلامية الغاشمة، التي استلهمت عقلية "محاكم التفتيش" من أضابير وتجاويف القرون الوسطى، واستنهضت تقاليد القمع الفكري والسياسي كلها –برصيدها الإسلامي والمسيحي معاً- لتستخدمها أداة وسيفاً مسلطاً على رقاب خصومها السياسيين والفكريين، بل لتشطب بها الإسلام كله بضربة لازب واحدة، فلا تبقى منه سوى حد العقوبة والسيف.

    كان ذاك هو فحوى المحاكمة المهزلة التي شاهدناها وتابعنا تفاصيلها من داخل السجن. وكان ذاك هو مضمون "الاستتابة" التي سخر منها محمود قبل غيره، أيما سخرية ومضى سامقاً فارع القامة والطول إلى أعواد المشنقة، مستعيداً بذلك في لحظة تاريخية غريبة مفارقة، صورة تلك المحاكمة المهزلة التي تعرض لها الحسين بن منصور الحلاج، وما أعقبها من صلب وجلد وحز للرأس وتقطيع للأوصال، بعد أن أدانه قضاة بوزن وفقه "مهلاوي ومكاشفي" ذلك الزمان بتهمتي الزندقة والإلحاد اللتين وجهتا إليه. وللمفارقة فقد كانت تلك أيضاً دولة بوليسية يحكمها العسس وسواري ليل بغداد عام 301 ه. ولم يكن جرم الحلاج إلا أن له عقلاً مفكراً وأنه أبصر ما لا يبصره الآخرون من خلال فلسفته ورؤيته الصوفية الشفيفة القائمة على فكرة الإيمان بوحدة الوجود التي يرقى فيها الإنسان في علاقته بربه إلى مرحلة نورانية روحانية من "الحلول". وما جرم الحلاج إن عجز قصور عقول أعضاء محكمة التفتيش تلك عن تأويل قوله شعراً:

    أنا من أهوى ومن أهوى أنا

    نحن روحان حللنا بدنا

    فإذا أبصرتني أبصرته

    وإذا أبصرته أبصرتنا

    وإلى أعواد المشنقة تقدم محمود واثقاً، ثابت الخطى وباسماً، لا لجرم ارتكبه سوى عقله المفكر وقدرته على رؤية ما لم يره الآخرون –سيما خصومه المتشددون من ذوي البصيرة المسدودة- كما سنرى من خلال دراستنا لجانب واحد فحسب من تراث فكره المتصل برؤيته للثقافة والفنون في سياق ريادته لحركة التجديد الفكري الديني وانتمائه إلى الاستنارة والحداثة من مواقع الفقه الديني نفسها.

    ذاك محمود، ذاك ثوبه البسيط الناصع البياض، ذاك إبريق مائه وتلك فروته.. ذاك زهده وطهره وطهارته ... كيف تقتلوه؟ رأيت كل ذلك حيث كان في لحظاته الأخيرة، من زنزانة مقابلة لزنزانته، كانت قد حشرتنا فيها حشراً سلطات السجن التي أفرغت قسم الورشة بكامله حتى لا نشهده مباشرة وهو يتقدم طابور الإعدام. عندها كنت أهتف مع المحتجين وأشاركهم هز جدران السجن وأركانه بأصواتنا التي عانقت أصوات آلاف المتظاهرين والمحتجين في شوارع وبيوت كوبر المحيطة بالسجن. ولكنني بين نفسي كنت قد أدركت مقام الرجل، صحوت من غفوتي وغفلتي في إمعان النظر إليه مبكراً. لحظتها اجتاحني نهم عارم لكل ما كتب وقال، وندمت ندماً ما بعده على عدم زيارتي لحلقات إنشاده وحواره التي كان يقيمها بانتظام في منزله في بداية مدينة الثورة بأم درمان وأنا الغادي والرائح عبرها كل يوم! تلك هي اللحظة التي يشعر الواحد منا أن ثروة عظيمة قد تبددت وتسربت من بين أصابعه، دون أن يدري قيمتها أو يفيق من غفلة الحياة وتفاصيلها اليومية العابرة ليفتح عينيه على كنوز الذهب.

    عادة قبر الرموز!

    وإن كانت قد نازعتني منذ ذلك الوقت رغبة في قراءة فكر محمود كله والكتابة عنه، فقد تآكلت روحي سنيناً وسنين، حسرة على استهانة بلادنا كلها، دولة وشعباً ومؤسسات، وتفريطها المستفز في تراث ومكانة أعظم مفكريها وعلمائها ومثقفيها ومبدعيها في كافة المجالات. أين بالله تكون مكانة العشرات والعشرات من أذكى وأنبغ بنات وأبناء السودان من الشعراء والأدباء والفنانين والعلماء والباحثين النوابغ في مختلف المجالات، لو أنهم كانوا ينتمون إلى جنسيات أخرى، وأنجزوا ربع ما أنجزوه في بلد آخر وواقع آخر.. غير واقعنا نحن وغيربلادنا نحن؟ إلى متى هذه الخيبة المبينة وإلا متى نظل نقبر الرموز وهم أحياء وأموات؟! وبعض التجاهل يصدر عن "طيب خاطر وحسن نية" سودانيين. وبعضه ناشئ وقائم في ضعف أو غياب المؤسسات الثقافية نفسها، وكامن في ظاهرة الانقطاع في ممارستنا الثقافية واعتمادها على الظرفية وعادات المشافهة السيئة. وفي ظل واقع كهذا، كثيراً ما يعتمد الإبداع الفكري والثقافي على المبادرة الذاتية، بكل ما يحيط بها من ظروف حياتية ضاغطة ومكابدات عنيدة مع معركة توفير الحد الأدنى الضروري لحياة المفكر والمبدع، الذي يسعى مثل غيره إلى تحقيق شرط وجوده البيولوجي أولاً قبل أن يشطح إلى سماوات الإنسانية والإبداع!

    كل هذا مفهوم ومن الممكن بل من الواجب معالجته. ولكن بعض الإهمال لئيم ومقصود ومتعمد، ويستمد لؤمه وقبحه من قبح وبدائية تقاليدنا السياسية السيئة، التي تربي الأفراد على بناء حاجز نفسي آيديولوجي سميك، يحجب البصيرة ويسد البصر، ويدفع الفرد في كثير من الأحيان، إلى تقديم الانتماء الحزبي السياسي الضيق، على المصلحة الوطنية العامة. ومن هذا الباب فما أضخم تراث الكيد السياسي البائر في حقل تقييم الفكر والإبداع. ولئن كانت الممارسة السياسية للجبهة الإسلامية "مشاترة" ومفارقة في كل شيء، لدى إصدارها قاموساً للشخصيات السودانية، حذفت منه بجرة قلم واحدة أسماء وقامات لا يستقيم للقاموس نفسه أن يحمل صفته تلك بدونها إلا إن كان قاموساً خاصاً بشخصيات من جزر القمر أو الكناري –شملت القائمة المحذوفة محمود محمد طه، فاطمة أحمد إبراهيم، عبد الخالق محجوب، الأمير عبد الرحمن نقد الله، الشفيع أحمد الشيخ- وغيرهم من الأسماء التي يطعن غيابها في قيمة القاموس، وفي نواياه ومحصلته، إن كانت تلك هي المشاترة العمياء بعينها، فما الذي يفسر سلوك برنامج توثيقي تلفزيوني قومي مخصص هو الآخر للتوثيق لحياة الشخصيات السودانية؟ أشير هنا إلى برنامج عمر الجزلي "أسماء في حياتنا" الذي لفت نظري فيه تلك العين الآيديولوجية الفاحصة في اختيار الشخصيات التي يوثق لها ويقدم. صحيح أن جعفر نميرى مثلاً كان اسما في حياتنا، ولكن أي اسم؟ مقابل ذلك تلاحظ غياب شخصيات كثيرة، هي التي تحمل وتعبر عن اسم البرنامج بمعناه الإيجابي بحق. دون أن أخوض في التفاصيل أسأل عمر الجزلي: ألم يكن مصطفى سيد احمد مثلاً اسماً كبيراً في حياة ملايين السودانيين ووجدانهم حتى بعد رحيله؟ وما هو المعيار الذي يحدد أن فلاناً أو علاناً كان اسماً في حياتنا نحن المفترى علينا؟ قبل ذلك، استضاف عمر الجزلي جعفر نميري فهل تذكر أن يستضيف محمود، أم أن هذا الأخير يندرج تحت قائمة "نكرات في حياتنا" المخبوءة في مكان ما بين أضابير الجزلي؟

    عودة إلى أهمية دراسة تراث محمود وإسهامه الحداثي التنويري، فلا يزال من واجبنا حتى الآن، أن ننهض بهذه الدراسة كمفكرين ومثقفين، وأن نبين حجم الخسارة الفادحة التي ألحقها خصومه وجلادوه بثقافتنا وفكرنا وبحركة التجديد في الفكر الإسلامي كله. وما لم ننهض نحن بهذا الواجب فمن ننتظر أن يقوم به بالوكالة عنا؟ من جانبي كنت ولا أزال أطمح للقيام بهذا الواجب على مستوى أكاديمي مؤسسي، أضطلع فيه بتناول فكر وفلسفة محمود التنويرية، تناولاً مقارناً بفكر التيار الأصولي المتشدد، الذي ترضع اليوم من أثدائه كافة الحركات الإرهابية الناشطة على نطاق العالم، من السودان وحتى أفغانستان. ولتكن هذه الحلقة والحلقات التي تليها، المخصصة لدراسة جانب محدد من فكر وتراث محمود، ترجمة عملية لبعض هذه النوايا.




    *عبدالجبار عبد الله

    ناقد صحفي ومترجم
    محاضر سابقا بجامعة الخرطوم وجامعة أمدرمان الأهلية 1994-2000 في علوم الترجمة

    http://www.sudaneseonline.com/sections/kitabat_naqdiya/pa...ljabbari_mizmar.html
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2008, 04:15 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    في ظلام غيبة الوعي
    أشياخ التكفير .. أساتذة جامعات؟! (1-5)
    د. عمر القراي

    ) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم(
    صدق الله العظيم
    اطلعت مؤخراً، على كتيب بعنوان ( فتاوي العقيدة والمذاهب)، مؤلفه هو د. عبد الحي يوسف. ولقد لفت نظري في البداية، ان كاتبه مشار إليه بلقب (الدكتور) بدلاً من )الشيخ)!! كما ان الكتاب ليس فيه اسم الجهة التي أصدرته، أو دار النشر التي طبعته، ووزعته، الأمر المخالف لكل نظم المسؤولية، في التوثيق العلمي.. وحين اطلعت على الكتيب، وجدت انه ملئ بالفتاوي المتطرفة، التي تجنح للتكفير، والإثارة، والتحريض، والاستعداء على فئات مختلفة من الشعب السوداني.. مما يعد جهلاً بحقائق الدين، واستهتاراً بالدستور، وباتفاقية السلام، التي ارتضت التباين الديني، والفكري، والثقافي، والسياسي.. وأقرت مبدأ الحق في العيش الكريم، لأبناء الوطن الواحد، رغم اختلاف أديانهم، ومعتقداتهم..
    ولقد افتتح الكتاب، بكلمة للناشر- الذي لم يورد اسمه - جاء فيها (وهذه المجموعة تمثل نماذج منتقاه لبعض الأسئلة التي وردت إلى موقع شبكة المشكاة الإسلامية وأجاب عليها فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم)!! ولم يوضح لنا الكتيب، لماذا قدمت هذه الأسئلة لذلك الموقع بالذات، ولا عن اي جماعة إسلامية، يعبر ذلك الموقع، الذي يفخر بنشر فتاوي التكفير، ولماذا قدم الموقع الأسئلة للشيخ عبد الحي، دون سائر الفقهاء والوعاظ، الذين درجوا على إصدار الفتاوي قبله..
    ولقد كان من الممكن ان نتجاوز عن هذه الفتاوي الجاهلة، الحاقدة، البعيدة عن واقع العصر، لو انها صدرت من شيخ عادي، بسيط، لا يتجاوز علمه "متن العشماوية"، أو "ألفية ابن مالك"، وما شابهها من الحواشي والمتون.. ولكن ان تأتي الفتاوي المتطرفة، من شيخ بلقب (دكتور) في جامعة الخرطوم، ثم هو، رغم هذه العقلية، المسؤول عن الثقافة الإسلامية، في هذه المؤسسة العريقة، فأمر لابد من الوقوف عنده .. ذلك ان هذه الظاهرة الغريبة، انما تشير الى أمرين خطيرين: أولهما انتشار التيارات الدينية المتطرفة، التي تسيء إلى الإسلام أبلغ الإساءة، بما تعكسه من ممارسات إرهابية، تخالف جوهر الدين، وتشوه صورته، في نظر العالم.. ثم هي منسوبة بصورة أو أخرى، لحكومة الوحدة الوطنية، التي سمحت بها، رغم أن الحكومة تحاول جاهدة، تبرئة ساحتها، من تهم الإرهاب، وتصرح مراراً، بانها تسعى لإقرار السلام، في دارفور، كما أقرته في الجنوب، علها بذلك تمحو تهمة الإرهاب، وتدفع شبح تدخل القوات الدولية، التي دخلت دارفور، من التدخل في غيرها من بقاع السودان، وهي تعلم ان تدخل المجتمع الدولي، لا يبرره شئ مثل الإرهاب والعنف..
    أما الأمر الآخر فهو تسرب هذه الاتجاهات الارهابية، التكفيرية، الى مؤسسات التعليم العالي، دون كفاءة علمية، ودون اعتبار للوائح، والنظم، ومعاييرالتعيين، في هذه المؤسسات.. مما أسقط هيبة الجامعات، وحد من قدرتها على المنافسة، في التقييم العالمي، وأثر سلباً على تربية، وتأهيل النشئ ، وأكد ما ظلت المنظمات الدولية لحقوق الانسان تردده، من ان ما حدث للتعليم العالي، في السودان، يرقى الى حد الانتهاك لحقوق الانسان..
    داعية الفتنة.. كيف يفكر؟
    والشيخ عبد الحي يوسف، لم يبدأ الفتنة بهذه الفتاوي العجيبة، وانما درج على تصدر كافة المناسبات العامة، التي تتعلق بأي موقف سياسي، أو فكري، ليحولها الى مأساة، بزرع بذور الفتنة، والفوضى، وتهديد أمن المواطنين.. فقد قاد مجموعة من الشبان، تهتف (الحد الحد للمرتد) أمام قاعة المحكمة، التي برأت المرحوم محمد طه محمد أحمد، من تهمة الردّة، التي حاول جاهداً أن يلصقها به!! وسبق أن هاجم معرض الأخوة المسيحيين، بجامعة الخرطوم، وحرض عليه، واستنكر وجوده، مما اثارسخط المتطرفين، فقاموا بحرقه، واهدروا بذلك، حق اولئك المواطنين، في التعبير عن معتقداتهم، وعرضوا ارواحهم للخطر، واتلفوا ممتلكاتهم!! ولقد كانت تلك الفتوى الجاهلة، مخالفة واضحة، لقوله تبارك وتعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين)، ولقوله تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن).. ثم إنها مخالفة للدستور، واخذ للقانون في اليد، وكل ذلك لا يليق بالطالب الجامعي، فأعجب ان يقوم به الاستاذ الجامعي، داخل الحرم الجامعي!! ثم لا يساءل عما اقترف من جريمة التحريض!! لقد كان أجدر بالشيخ عبد الحي ان يعرض للافكار التي يختلف معها فيبين حقها من باطلها، ويمكن ان يحاور اصحابها فيهدي الله لنوره من يشاء ، ولكن اسلوب التكفير والاثارة وتحريض البسطاء، ليقوموا هم نيابة عنه، بما يدعي انه واجب ديني، حتى يكون هو بمعزل عن المساءلة القانونية، انما هو عمل ينقصه الصدق، وتنقصه المروءة!!
    ولم يكن سبب تحريض عبد الحي، ضد المسيحيين، غضب مفاجئ، لم يستطع تمالكه، وانما يرجع الى ايمانه الراسخ، بعدم التقارب بين الاديان المختلفة!! فقد سأله أحدهم (كثر الحديث هذه الأيام عن التقارب بين الأديان فما صحة هذا القول؟ ) فاجاب عبد الحي (... فان الدعوة الى التقارب بين الاديان يراد من ورائها التسوية بين الحق والباطل والهدى والضلال والكفر والايمان..... فالتقارب بين الاديان بدعة ضلالة تولى كبرها الماسون ومن خدع بهم أو باع آخرته بدنياه) (فتاوي العقيدة والمذاهب - الجزء الأول صفحة 20).. ولو كان الشيخ عبد الحي، يعرف اقل القليل، عن الاديان، لعرف انها متقاربة لأن مصدرها واحد، وأصلها واحد، وغايتها واحدة .. أما مصدرها فهو الله سبحانه وتعالى، واما أصلها فهو كلمة التوحيد " لا اله الا الله "، واما غايتها فهي تجسيد كلمة التوحيد، في الخلق.. قال تعالى عن وحدة الأديان (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب)، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (خير ما جئت به انا والنبيون من قبلي لا اله الا الله).. ولو كان الشيخ عبد الحي يعرف، لعرف ان من اسباب التقارب بين الاديان، ان ما جاء به القرآن، هو ما ورد في الكتب المقدسة قبله، قال تعالى (ان هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى).. وان الاختلاف وقع في الشرائع، قال تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) لاختلاف الزمان، وحاجة كل زمان لما يناسبه من التشريع.. فالتقارب إذاً هو الاساس، والاختلاف فرعي، وهو لا يبرر التباعد، الذي افتعله الجهلاء، من اتباع الأديان، وليس ادل على ذلك من هذه الفتوى!!

    ومن نماذج الفتاوي، التي تنطوي على النفاق، تحريم الشيخ عبد الحي، العمل في الأمم المتحدة!! فقد سألته إحدى النساء (بحكم عملي أخالط كثيراً من النصارى، نتناول الطعام سوياً أثناء العمل، اشاركهم في بعض الدعوات والحفلات في منازلهم وبعض الاماكن العامة فما مدى حرمة ذلك؟ مع العلم بأني التزم بالزي الاسلامي حتى في هذه الحفلات) فكانت اجابة عبد الحي ( فالحكم على عمل ما بالحل أو الحرمة يتوقف على معرفة ماهية ذلك العمل، وهل يندرج تحت التعاون على البر والتقوى أم التعاون على الإثم والعدوان؟ وها هنا أسئلة تستطيعين من خلال الجواب عنها معرفة حكم عملك في تلك الهيئة: هل الأمم المتحدة تنتصر لقضايا المسلمين أم العكس؟ هل هي في احكامها ونظمها تخضع لما انزل الله أم العكس؟...... أما مخالطتك لهم وانت أنثى فما ينبغي لك ذلك بل المطلوب من المسلمة أن تلزم حدود الاسلام بالا تخالط الرجال الا لضرورة أو حاجة، وحسبك ان تعلمي ان النبي صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال بالنساء حتى في المسجد وفي الصلاة، فاتقي الله في نفسك ودينك) (المصدر السابق ص (22-23)). هل كان الشيخ عبد الحي، صادقاً في هذه الفتوى، وهل هو مطبق لها في الجامعة، حيث الطلاب والطالبات في المعمل، وفي المكتبة، وفي الفصل، وفي فناء الجامعة، في حالة اختلاط؟ وهل يطلب الشيخ عبد الحي، من أي طالبة تسأله في الجامعة سؤالاً، أن تخاطبه من وراء حجاب؟! وهل ركب عبد الحي، يوماً، المواصلات العامة، أو ركب الطائرة، وجلست بقربه امرأة، فترك المركبة في الحال؟! واذا كانت الأمم المتحدة، لا تخضع في أحكامها، ونظمها، لما انزل الله، فمن أولى بان يقال له ذلك، موظفة بسيطة، أم حكومة السودان، التي تتعامل، وتتعاون، وتستلم المعونات من الأمم المتحدة؟!
    ====
    في ظلام غيبة الوعي
    أشياخ التكفير .. أساتذة جامعات؟! (2-5)

    تكفيره للحركة الشعبية
    لقد ورد السؤال كالآتي: (مارأي الشرع في انضمام رجل مسلم الى الحركة الشعبية كتنظيم سياسي مع العلم ان قيادتها لم يكونوا مؤمنين؟ ) فاجاب الشيخ عبد الحي (فلا يجوز لعبد يؤمن بالله واليوم الآخر ان ينضم لحركة تعادي الإسلام وأهله سواء ن كانت الحركة الشعبية أو غيرها من الاحزاب الإلحادية والعلمانية التي تجاهر بعدواة الاسلام أو تكون برامجها مشتملة على الدعوة الى إقصاء الدين عن الحياة... والحركة الشعبية على وجه الخصوص لم تخف في يوم من الأيام عداوتها للإسلام وأهله واعلنت مراراً عن نيتها وسعيها لإقامة ما يسمونه بالسودان الجديد يعنون بذلك سوداناً علمانياً لا مكان للدين فيه، كما انهم قد بدت البغضاء من افواههم تجاه كل ما يمت للعروبة بصلة، وما فتئوا ينادون بان سكان السودان الأصليين هم الزنوج وأن العرب الجلابة ليسوا الا غزاة الى غير ذلك من الترهات التي يبثونها ويدندنون حولها مراراً وتكراراً، وان المرء لا ينقضي منه العجب حين يرى منتسبين الى الاسلام يسارعون فيهم لنيل عرض من الدنيا قليل يبيعون من اجله دينهم ويوادون من حاد الله ورسوله فاذا عوتبوا يقولون "نخشى ان تصيبنا دائرة" وهم يجهلون حكم القرآن الواضح "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين") (فتاوي العقيدة والمذاهب: د. عبد الحي يوسف صفحة 24-25)
    إن فتوى الشيخ عبد الحي، لا عبرة بها، من حيث الفهم الديني السليم. ذلك ان الحركة الشعبية، قد حاربت بشرف، وحين جنحت للسلم، حق على محاربيها، ان يجنحوا له أيضاً، نزولاً عند قوله تبارك وتعالى (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم).. ولأنه في أصل الدين، فان الانسان حر ان يختار الاسلام او يختار غيره.. قال تعالى في ذلك (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)!! ومن احترام الاسلام لانسانية الانسان، بغض النظر عن معتقده، فقد أمر بحسن معاملة غير المسلمين، قال تعالى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين)، وقال جل من قائل (ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)!! فاذا قال الشيخ عبد الحي ان هذه الآيات منسوخة، وان الآيات المحكمة هي آيات القتال، فليسأل نفسه لماذا أنزل الله، هذه الآيات الانسانية الرفيعة، اذا كانت لن تطبق مطلقاً؟! لقد أنى للمتصدرين لأمر الإسلام، أن يعلموا أن النسخ إنما هو إرجاء، وليس إلغاء.. وان الآيات التي تدعو للسلام، والمودة، والحسنى بين المسلمين وغير المسلمين، هي أصل الدين، وهي صاحبة الوقت اليوم، ولا بد من بعثها، ومعيشتها، حتى لا يتناقض ديننا مع حياتنا، فيقبل الشيخ عبد الحي، ان يكون زعيم الحركة الشعبية، نائباً لرئيس الجمهورية، ومسؤول عن كل البلد، في حالة غياب الرئيس، ومسؤول عن المؤسسات التابعة لرئاسة الجمهورية، بما فيها مجمع الفقه، الذي يعمل عبد الحي موظفاً فيه، ثم هو وكل اعضاء تنظيمه، يعتبرون مع كل ذلك، في نظر عبد الحي كفاراً!! أما كان الأجدر بعبد الحي، ان يستقيل اولاً، عن كل مؤسسات الحكومة، ويعلن معارضته لها، لأنها والت الكفار، ولم تتبع الآية التي اوردها لنا، في حديثه أعلاه، وهي قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)، قبل أن ينصرف عن هذا الواجب المباشر، الى تكفير الذين انضموا للحركة الشعبية ؟!
    ولو ترك الشيخ عبد الحي، أمر التكفير جانباً، وفضل تقبل الفهم، لشرحنا له كيف ان الآية التي اوردها ومثيلاتها، آيات فروع، تنزلت عن الأصل، مناسبة لطاقة المجتمع في الماضي، حيث العرف السائد قد كان القتال.. واما العرف اليوم، فهو السلام، ونحن مأمورون باتباع العرف، إذا لم يخل بغرض من أغراض الدين.. قال تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين).. هذا العرف، انما يدعونا الى احسان معاملة المسيحيين، التزاماً بآيات الأصول، مثل قوله تعالى (ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهباناً وانهم لايستكبرون)!! ولو انشغل الشيخ عبد الحي، بالتفكير، عن التكفير، لدعوناه ليتأمل، قوله تعالى (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) !!
    أما من حيث الفهم الانساني، فان هذه الفتوى جريمة نكراء، لانها مخالفة تبلغ حد الاستهزاء بالدستور، وباتفاقية السلام، ثم هي خطيئة لا تغتفر، في ميزان الديمقراطية وحقوق الانسان، حيث حرية الاعتقاد، حق راسخ، نصت عليه كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ثم انها بالاضافة لكل ذلك اثارة للبسطاء، والمضللين باسم الدين، ليأخذوا القانون في أيديهم، فيثيروا الفوضي ويقتلوا زعماء الحركة الشعبية، أوالمتعاونين معهم!! ولقد حدثت مثل هذه الفتن، من قبل، في يوم الاثنين المشؤوم، وأزهقت فيها أرواحاً بريئة، دون ذنب ، فلماذا يريد عبد الحي ان يكررها ؟! ثم ان الدعوة لعدم التعاون مع الحركة الشعبية، بعد توقيع الاتفاق معها، نكوص عن العهد، وخيانة للاتفاق (وان الله لا يهدي كيد الخائنين)!! ومن هنا، يجب عدم السكوت على هذه الفتوى الحمقاء، او قبولها باعتبارها مجرد رأي ديني، من حق الفقهاء اشاعته بين الناس.
    وحين حرض الشيخ عبد الحي، المواطنين المسلمين، على عدم موالاة اعضاء الحركة الشعبية، أورد الآيات التي تحذر من ذلك، وتعتبر المسلمين الموالين للنصارى مثلهم، كقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين ) !! والمواطنين الذين يحذرهم الشيخ عبد الحي، لم يوقعوا اتفاقية السلام، وانما وقعها قادة حكومة الإنقاذ الذين أوقفوا الحرب.. فهل يقصد الشيخ عبد الحي - بايراده لهذه الآية - بان رجال الإنقاذ خرجوا عن الدين، واصبحوا مثل النصارى؟! وإذا كان هذا هو رأيه الخفي، في قيادات الحكومة، فلماذا يتعامل معهم، ويأتمر بأمرهم، وهم في رأيه قد خرجوا على أمر الله ؟! أليس في هذا نفاقاً، لا يبقي لأحد ديناً ولا يذر؟! إن خطورة مثل إشاعة هذه الفتاوي الجاهلة، هي ان يسمعها بعض البسطاء، المضللين، فيعتدوا حتى على من كانوا قادتهم في الجماعة الاسلامية، من رموز الحكومة، بحجة أن عبد الحي قد قال انهم مثل أهل الكتاب، لأنهم موالين لهم وشركاء معهم في حكومة واحدة!!
    تكفيره للجمهوريين
    ولقد كفر الشيخ عبد الحي الجمهوريين، دون ان يناقش افكارهم، ودون ان يحاورهم فيها، وظن من الشذرات، التي بترها عن قصد، من هنا وهناك، ان امر تكفير الاستاذ محمود، والجمهوريين، بداهة لا تحتاج حتى ان يتردد في اطلاقها، ولذلك يقول: (فان الفكر الجمهوري الذي كان داعيته والمنظر له الهالك المذموم "محمود محمد طه" فقد حوى جملة من المصائب والطامات تجعل الحكم عليه بيناً... إنكاره لأمورقد علمت من دين الاسلام بالضرورة كوجوب الحجاب على المرأة ووجوب الزكاة واباحة تعدد الزوجات.... سوء ادبه مع الله وانبيائه ورسله ودينه وقد طفحت بذلك منشوراته ومؤلفاته..... بلغ من زندقته وفساد عقله ان ظن ان احكام الاسلام موقوته وان اختلاف الزمان يأتي على اصلها.... واذا تبين مروق هذه الفرقة من دين الاسلام فانه لا يحل لمسلم أن يتزوج من نسائهم لقوله تعالى "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" ولو استبان لزوج ان إمرأته تعتنق هذا الفكر لوجب عليه فراقها إن لم تتب، لقوله تعالى "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" ولا يحل لمسلمة كذلك أن تتزوج رجلاً يعتنق هذا الفكر، لقوله تعالى "ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم")(المصدر السابق ص 28-33).
    ولو كان الشيخ عبد الحي، يملك من الورع، ما يجعله ينقل من كتب الجمهوريين، نقلاً صحيحاً، غير مبتور، لناقشنا الحجج التي اوردها، في فتواه البائسة. ويمكن لمن اطلع، على كتب الاستاذ محمود، ان يدرك دون عناء، ان معظم ما أورده عبد الحي، مزور، ومحرف، ومبتور بقصد، حتى يعطي فهماً معاكساً.. ونحن هنا، نكتفي بمثال واحد، مما أورد، لندلل على كذب هذا الشيخ !! فقد كتب عبد الحي (رابعاً: سوء أدبه مع الله وانبيائه ورسله ودينه وقد طفحت بذلك منشوراته ومؤلفاته حيث وصف رب العالمين جل جلاله بالحقد حين يخلد الكفار في النارفقال في كتابه الرسالة الثانية ص78 "وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار وداخله الجنة حين تستوفي كتابها من النار وقد يطول هذا الكتاب وقد يقصرحسب حاجة كل نفس الى التجربة ولكن لكل أجل قدر ولكل أجل نفاد، والخطأ كل الخطأ في ظن ان العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً فجعل بذلك الشرأصلاً من أصول الوجود وما هو بذلك، وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقدة) (المصدر السابق صفحة 30).
    أما النص الحقيقي فهو كالاتي (وما من نفس الا خارجة من العذاب في النار وداخلة الجنة، حين تستوفي كتابها في النار، وقد يطول هذا الكتاب، وقد يقصر، حسب حاجة كل نفس الى التجربة، ولكن، لكل قدر أجل، وكل أجل الى نفاد. والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً، فجعل بذلك الشر اصلاً من أصول الوجود، وما هو بذاك. وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقده، لا مكان فيها للحكمة، وعن ذلك تعالى الله علواً كبيراً) (الرسالة الثانية صفحة 104-105)
    وحذف الشيخ عبارة (وعن ذلك تعالى الله علواً كبيراً)، وانهاء النص عند كلمة "حاقدة"، ليصل الى غرضه المبيت، في اتهام الاستاذ بما ذكر، بالاضافة الى دلالته على ضعف الاخلاق، والكذب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يكذب المؤمن)، انما يدل ايضاً على عدم الأمانة العلمية، وضعف التدريب في مجال البحث العلمي، الذي يقتضي الرجوع الى المراجع، ودقة التوثيق.. وهو ما يفترض ان يكون الشيخ قد حصل فيه على درجة الدكتوراة، التي يفضل ان يوصف بها، دون ان يملك ابجديات مقدماتها!!

    اجراس الحرية
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-04-2008, 07:42 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    [size=24]صباح الخير يا حكام أفريقيا السابقين والحاليين

    لماذا تظل الأنظمة السابقة تطارد الأنظمة التي تليها..؟!
    منقستو خاف من الإمبراطور الميت فدفنه تحت مكتبه
    وزيناوي يلاحق منقستو - الحي الميت - في زيمبابوي
    عيديد سمح بدفن جثمان سياد بري في قرية بعيدة بعد جهد جهيد!
    أزهري طارد نظام نميري فسجن أبو الاستقلال.. ومات مهملاً بالمستشفى!



    الأنظمة الجديدة في العالم الثالث أو «الرابع عشر» في الحقيقة تضيّع نص عمرها عندما تأتي للحكم بوسيلة أو بأخرى «ليس من بين هذه الوسائل صندوق الانتخابات» في الغالب - في ملاحقة من سبقها من الحكام لدرجة، أن النظام الجديد - المنقلب على انقلاب أو نظام ديمقراطي ينسى بنود ووعود «بيانه الأول»!
    إننا وقبل أن نأخذ أمثلة لندلل على ما قلنا، فإن مناسبة هذا الحديث هي ما أعلنته الحكومة الأثيوبية الحالية برئاسة - الدكتور - مع وقف التنفيذ أو التخرج - ملس زيناوي، الذي قاد ثورة مختلطة «شعبية وعسكرية وقبلية»، ضد نظام منقستو هيلي ماريام، الذي حكم عليه في الأسبوع الماضي غيابياً بالاعدام..!
    وغيابياً لأن منقستو ومنذ نحو 18 عاماً يعيش في العاصمة الزيمبابوية هراري، بناء على قرار دولي وأفريقي الشكل، وأمريكي بريطاني الأصل، ذلك لأن أمريكا وبريطانيا وربما إيطاليا - على خفيف - هي الدول التي اتخذت عام 1991 قرارين هامين في تاريخ أثيوبيا، إذ كان القرار الأكثر تاريخية وأهمية، قد اتخذه منقستو هيلي ماريام في منتصف السبعينيات من القرن الماضي عندما ألغى النظام الإمبراطوري التاريخي الذي حكم أثيوبيا لمئات السنين..!
    كان القرار الأمريكي الغربي المذكور، الذي أنهي حكم منقستو عام 1991، هو أن يتسلم الرئيس زيناوي، والذين معه، من قادة تحالف هش - يشبه تحالف المؤتمر الوطني القوي مع عناصر ومجاميع حزبية ضعيفة ومنقسمة على أحزابها، أن يستلموا الحكم في أثيوبيا، وأن يقيموا انظاماً جمهورياً ديمقراطياً على قياس أثيوبيا، ووفقا لمقتضيات الحال فيها..!
    كان القرار الثاني الصادر من - مؤتمر لندن - الأمريكي البريطاني الايطالي الغربي، هو أن تستقل أريتريا بعد حربها الطويلة ضد الاستعمار الأثيوبي لها..!
    وكان توقع أهل القرار ذاك، هو أن تصل أثيوبيا- زيناوي، وأريتريا - أفورقي - وهما أقارب بالقبيلة والحدود والجغرافيا والفكر الماركسي الماوي - إلى الوحدة - الطوعية - في المستقبل، وألا تكون أثيوبيا الدولة الكبرى، والقائدة أفريقيا ودينياً، دولة مغلقة، وبلا إطلالة على البحر الأحمر..!
    طبعاً فيما بعد، وحتى يومنا هذا، أتت رياح ذاك الاتفاق بين زيناوي وأفورقي بما لا تشتهي السفن الغربية، أو حتى الأفريقية أو الأثيوبية الأريترية، حين نشب خلاف حدود بين الشريكين في زمن النضال ضد منقستو، وأدى الخلاف إلى طرد أثيوبيا - زيناوي - من سواحل البحر بمنطقة عصب، بل وإلى قفل أثيوبيا الكبرى - 65 مليون نسمة في مقابل إطلالة واسعة على البحر الأحمر لدولة لا يتجاوز عدد سكانها الـ «6» ملايين نسمة على أفضل التقديرات، حيث خارجها الآن كلاجئين ونازحين وهاربين ما يزيد عن نصف هذا العدد..!
    إن الباحثين عن سبب الصراع بين أفورقي وابن خالته أو عمته - زيناوي - عليهم أن ينظروا لسواحل البحر الأحمر، ولا شيء سواه، إذ إن التاريخ قد يعيد أثيوبيا للاطلالة البحرية، ولكن بموجب أحد أمرين، إما بالاتفاق مع حاكم أريتري غير أفورقي، أو باجتياح أريتريا وإعادة استعمارها من جديد..!
    ولقد قلنا إن الأنظمة الجديدة تلاحق من سبقها في الحكم، وتهدر وقت الشعب وقدراته، وذلك في مناسبة القرار الأثيوبي الجديد بالحكم على منقستو هيلي ماريام بالاعدام..!
    ولقد سبق منقستو بديله زيناوي، وأصدر قراراً بإعدام الإمبراطور هيلاسلاسي معنوياً، حيث أصيب انقلاب منقستو في منتصف السبعينيات بالدهشة والأحساس بالغين والظلم والاحتقار..!
    ذلك ووفقاً للروايات الأثيوبية لأن الإمبراطور هيلاسلاسي كان هو الذي ربى منقستو في قصره، إذ كانت أمه الأمهرية تعمل في القصر الإمبراطوري، بينما كان والده - الأرومي - يعمل في وظيفة ما بالدولة الإمبراطورية، ويدين بولاء شديد للامبراطور، الذي كان مقدساً عند معظم الأثيوبيين والامهرا خاصة..
    يوم موت الإمبراطور هيلاسلاسي الذي حشره منقستو في سيارة - فلكس واجن بالية - ليبعده من القصر ليموت داخل السيارة، أو على مقربة منها، اتخذ منقستو - المهووس - قراراً عجيباً، وهو أن يدفن الإمبراطور هيلاسلاسي تحت تربيزة مكتبه.. «أي مكتب منقستو بالموقع الرئاسي»..!
    كان ولا يزال التفسير لذلك القرار العجيب الذي نفذه منقستو بالفعل مجهولا، وهو العسكري الأحمر، الماركسي الادعاء، والديكتاتوري النزعة، والذي انتهج الخط الماركسي ليلاحق الماركسي الآخر، سياد بري، الذي كان يدعمه الاتحاد السوفيتي ضد هيلاسلاسي الغربي الانتماء..!
    عقب وصول زيناوي لحكم عام 1991، قام بحفر مكتب سلفه منقستو، ليجد جثة الإمبراطور هيلاسلاسي تحت مكتب منقستو بالفعل، وليتم دفنها على نحو يليق بالإمبراطور، الأمر الذي خلق نوعا من التهدئة، وبعض الود بين ملس زيناوي - التيجراوي القومية - وقومية الأمهرا التي حكمت أثيوبيا من خلال الأباطرة - منليك - وهيلاسلاسي- وما بينهما من أباطرة وملوك، كانوا قد انتزعوا السلطة أصلاً من الإمبراطور يوحناس - الذي قتله الخليفة عبد الله التعايشي، إثر خلاف شهير بينهما..!
    إن الإمبراطور يوحناس، ذاك هو جد الرئيس الحالي ملس زيناوي، أو على الأقل هو آخر أباطرة الحبشة التيجراي، والذين عاد أو أعيد إليهم الحكم، ولو باسم مختلف تحت زعامة زيناوي الذي استبدل الاسم الامبراطوري بالاسم الجمهوري..!
    عودة لموضوع الملاحقات بين الحكام القدامى والجدد في أفريقيا على الأقل نتوقف اختصاراً عند المحطات الآتية..
    ونبدأ بأنفسنا «أي السودان» عقب انقلاب عبود عام 1958 - 1964م، نشطت مخابرات نظام نوفمبر في ملاحقة زعامات الأحزاب الحاكمة - الأمة.. الاتحادي بصورة رئيسة.. فكانت الملاحقات.. وكان سجن الرجاف.. وكانت مصادمات المولد بين عبود والأنصار..!
    * عقب ثورة أكتوبر الشعبية 1964 - 1969 - رفع الشيوعيون وحكومتهم الانتقالية شعار - التطهير واجب وطني - وهو شعار القصد منه ملاحقة الخصوم النوفمبريين - ومن حالفهم..!
    * أما نظام مايو 1969 فكان من أكثر الأنظمة التي أهدرت وقتها ووقت الشعب ومصالحه وأمواله ومقدراته في ملاحقة الخصوم القدامى والجدد.. ليبدأ النظام بمحاربة وقتل نصفه - الشيوعي - بعد أن حارب خصمه الأنصاري في أبا وود نوباوي، لينتهي النظام بمحاربة - الجمهوريين - ليغتال زعيمهم الشيخ محمود محمد طه، الذي طالما أبدى هو وأعوانه نوعاً من التعاطف مع نظام مايو، وهو موقف أملته مواقف الحزب الجمهوري التاريخية ضد الطائفية، وغيرها من مكونات الأمة، المراد التمرحل لأجل استبدالها بمفاهيم دينية ووطنية عصرية، وفقاً لرؤية الجمهوريين..!* بعد سقوط نظام نميري 1969 - 1985 - جاءت الفترة الانتقالية العسكرية الطابع، ومداها عام واحد، لتكون الأقل ملاحقة لمايو ورموزها إلا في مسألتين - هما الفلاشا - وبيع البترول - ليأتي النظام الديمقراطي 1986 - 1989 - ويغرق في مشاكل حاضره إلى أن ينتهي به الأمر عند نظام الانقاذ 1989م، حتى يوما هذا، حيث لا يمكن القول بأن النظام الانقاذي كان الأقل إهداراً للوقت والجهد والمال في محاربة الماضي، بل وفي خلق واقع جديد ومعقد ليصبح الصراع مع الحاضر وفي الحاضر أكثر منه ضد الماضي، الذي سبق الانقاذ..!
    وأفريقياً هذه ملامح من عمليات إهدار الوقت في ملاحقة الماضي.
    * يوغندا طرد نظامها الجديد برئاسة ملتون أبوتي وبعون من تنزانيا في نهاية السبعينيات، طرد الرئيس السابق عيدي أمين، وأهدر وقتا طويلا في ملاحقته، هو وأعوانه، حيث عاش ومات في السعودية، ولكنه كان ملاحقاً رغم صمته المنقفل عليه، إذ إن الحكومة اليوغندية في عهدي أبوتي والرئيس الحالي موسيفني - كانت يطاردها شيطان عيدي أمين، لدرجة رفع عدد أعضاء بعثة الحج اليوغندية بسبب - حجاج المخابرات - الذين عليهم الوقوف - على حال عيدي أمين وليس «الوقوف على عرفة»..!
    * وسياد بري 1991 - 2008 - طورد من جانب الجنرال عيديد، حتى مات سياد بري في المنفى بنيجيريا، ليسمح عيديد بأن يدفن الرجل وفي صمت شديد داخل الصومال، وفي منطقة نفوذه القبلي - بقربهري - على الحدود مع كينيا..!
    ولكن مالنا نذهب بعيداً هكذا.. ألم يمت مؤسس السودان المستقل، ورافع العلم اسماعيل الأزهري في مستشفى عام نتيجة - اليوم أو الاهمال - وليذاع خبر وفاته بقرار من نميري في نشرة الساعة الرابعة المخصصة للوفيات، وليقال إن المدرس السابق أزهري، قد مات اليوم..!
    حيث مُنع الشعب السوداني من الاشتراك في تشييعه، بل وألقي القبض على بعض من شيعوه، أو اشتركوا في تشييعه، وبين هؤلاء للتاريخ، صديقنا وزميلنا الصحفي ناشر - الخرطوم - الباقر أحمد عبد الله، الذي كانت واقعة اعتقاله في مايو يوم رحيل ودفن الأزهري، نقطة التحول في حياته، ولعمره المديد بإذن الله، حيث وقف الباقر يومها وفوق المقابر، ليرثي الزعيم وليدفع الثمن..!![/size]

    http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=10289&bk=1
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-05-2008, 04:51 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)




    AM

    سعودة المجتمع السوداني دق ناقوس الخطر

    أمجد إبراهيم
    [email protected]

    الملاحظ في الفترة الماضية تزايد ملحوظ لارتداء النقاب السعودي (واعني ما أقول بكلمة سعودي لأنني لا اعتبره إسلاميا) من قبل النساء السودانيات بلونه الأسود الداكن، وانتشار ظاهرة عدم المصافحة في الأيدي بين الرجال والنساء حتى بين الأقارب. ومنع النساء من أداء العديد من الأعمال بحجة حفظ كرامتهن في بلاد مات فيها أكثر من مليوني شخص في حرب أهلية دامية وحرمت العديد من النساء من العائل مما اضطرهن للقيام بالعديد من الأعمال. مثل العمل في الطرمبات والمطاعم. كما أن الألسن تتناقل العديد من المواقف الحادة داخل العديد من الأسر بالحجر على حرية المرأة وممارسة ضغوطات كبيرة على سلوكها وانسانيتها..
    أورد هنا بعض من مظاهر هذه الأزمة التي تعصف بالمجتمع وخطورتها و تجذرها فيه بصورة ملفتة حتى وسط المتعلمين، و يعود ذلك إلى الانتشار الواسع لمذهب أنصار السنة في السودان (وهو مسمى للهروب من الاسم الأصلي ذو الدلالات السياسية وهو المذهب الوهابي السائد في السعودية). حيث أن كتيباتهم توزع مجانا داخل السودان وبكميات هائلة في ظل عدم وجود أي نشاط ثقافي لمجموعات ثقافية وسياسية أخرى تنشر وعي متحرر ومتقدم على المجتمع. وتعمل على نشر فكر ديني متسامح في ظل دولة متشددة دينيا في المقام الأول.
    الإشكال الرئيسي في تحليلي لقبول هذا التيار المتشدد هو قدومه من السعودية بالذات، وبما أنها هي مركز الديانة والثقافة فهناك نظرة رومانسية لها على أنها مركز الدين الصحيح في الوعي الجمعي السوداني، و ما عداها هو هرطقة وتجديف. الإشكال هنا نفسي لحد بعيد فمن تحليل د. الباقر العفيف لمسألة الهوية السودانية في ورقته الشهيرة (قوم سود ذوو ثقافة بيضاء) ، نجد أن السودان يوجد في هامش الثقافة العربية، وهناك سعي دائم من الهامش للتشبه بالمركز و نقل ومحاولة إعادة إنتاج هذا المركز في الهامش حتى يتشبع به، لذا نرى انعاكسات هذا المركز (متمثلا في الدول العربية المختلفة) المتعددة في الهامش (الذي يمثله في هذه الحالة السودان)، مثلا نرى أن هناك في السودان حزب البعث عن بعث العراق كما هناك ممثلين لحزب البعث السوري، و هناك اللجان الثورية من ليبيا، ، هناك ممثلين للحزب الناصري المصري.. الخ من الأمثلة، بينما لا نجد مثل ذلك الانعكاس من الواقع السوداني في تلك الدول.
    عندما يصل الأمر للشأن الديني نجد تجليات هذا التحليل ظاهرة في النموذج السعودي للتدين، الذي ينتشر بسرعة كبيرة داخل المجتمع السوداني، و لذلك نجد أن العديدين مدفوعين إليه لان النموذج التديني للسعودية هو الأصل بالنسبة لهؤلاء بحكم وجود مركز الديانة هناك فكل ما يحدث في السودان من تدين متسامح هو انحراف عن النموذج يستوجب التقويم، و قد أتاحت لي الانترنت و الحوارات العديدة مع الكثير مع الأهل تلمس ذلك جليا، بل أن البعض عاد بعد عطلات قصيرة في السعودية بهذا التفكير ويدافعون عنه دفاعا مستميتا من نفس منطلق أن ذلك هو النموذج الصحيح وأننا في السودان عارضين برة النقارة كما يقول أهلنا.
    هناك عامل آخر و هو انحسار المد الصوفي بعد أن جفت موارده و تحول الأطفال إلى المدارس وبعدهم عن مؤسسة الخلوة في التعليم الأساسي مما خلق فراغا دينيا تمددت فيه قوى الإسلام السياسي المتطرفة على حساب الطرق الصوفية المتسامحة، و توسع الفكر الوهابي السعودي في السودان مستفيدا من أجواء الحرية و التسامح في الوطن على الرغم من اختلاف البلدين. و مستفيدا من الدعم اللا محدود من السعودية مما سهل حركة منتسبيه خاصة و أن الأوضاع في الفترة الأخيرة صديقة لهم حيث لا تضاد واضح بينهم و بين الحركة الإسلامية التي تعتبرهم حليفا يمكن تفعيله بسهولة عند الدق على وتر العاطفة الدينية و هذا ما كان يحدث دائما في الانتخابات الطلابية في الجامعات. و لكن يبدو أن السحر قد بداء ينقلب على الساحر فقد زاد عدد متبعي هذا الفكر بشدة و انفتحت شهيتهم للعب دور سياسي بعد أن كانوا يتظاهرون بالزهد حيال الدنيا، و انتقل الوهابيون السودانيون من مرحلة الكمون إلى مرحلة الفعل السياسي حتى ضد حلفاء الأمس و قد أدى موقفهم السياسي هذا إلى خسارة تيارات الإسلام السياسي لانتخابات جامعة الخرطوم على الرغم من الأغلبية الميكانيكية لها في تلك الساحة. هناك ظاهرة أخرى و هي تزايد عنفهم اللفظي و الشخصي في الشارع السوداني، و نشوء جماعات دينية مناوئة ضدهم تستخدم أساليب أكثر عنفا منها الهجوم المسلح على المساجد في ظاهرة لم تكن موجودة مطلقا في السودان، و نجد تناسبا طرديا بين تزايد عددهم و ذلك العنف مما يبشرنا بطالبان جديدة في السودان إذا لم نولي الأمر الانتباه اللازم، و من مظاهر الاهتمام بالشأن السياسي ذهاب شيخ الهدية إلى مفاوضات نيفاشا الأخيرة. و نزاعه مع نائبه على من يتولى الزعامة بعده و هو صراع سياسي في المقام الأول مهما حاول الكثيرين إسباغ القداسة عليه.
    هناك تغيير في استراتيجيات و أولويات التيار الوهابي السوداني فبعد أن كان يستهدف بعدائه الطرق الصوفية و يدعو إلى تكفيرها و مهاجمتها في معاقلها كمناطق كسلا، و استهداف مناطق جبال النوبة باعتبارها مناطق عذراء يسهل الدعوة فيها، و كما وجه سهامه تجاه عطبرة باعتبارها معقل لليسار، نجده في سودان الإنقاذ يستهدف الجامعات و المدن الكبيرة و من يذهب إلى السودان يتلمس هذا جليا في تزمت العاصمة الواضح مقارنة بالأقاليم التي تكون متحررة غالبا، هذه الأقاليم تمثل عمق الثقافة و الهوية السودانية المتحررة و المتسامحة، مما خلق واقعا معكوسا عن المنطق إذ أن المعروف أن المدن الكبرى و العواصم في مختلف الدول تكون في الغالب أكثر تحررا من الأرياف و القرى. هناك عامل آخر ساهم في انتشار المذهب الوهابي و هو عودة أبناء المغتربين من السعودية إلى الدراسة في السودان بما يحملونه من مفاهيم و مسلمات وهابية تحدو بهم إلى تكفير المجتمع من حولهم مما حذا بهم إلى الانخراط في التنظيمات التي تسعى لإرجاع هذا المجتمع إلى جادة الصواب، و من الملاحظات الملفتة للنظر أن أبناء المغتربين العائدون من دول الخليج الأخرى يكونون أقل تشددا نسبة للمجتمعات المنفتحة نسبيا التي عاشوا فيها، و بالطبع فان هذه الظواهر ليست مطلقة و لست هنا بصدد إصدار أحكام نهائية بل هي ظواهر ينبغي الوقوف عندها و تأملها. لان تأثيرها قد يتعدى نطاق متبعيها حتى يصل إلى السلطة نفسها و هذا ما شهدناه جميعا عندما أصدر السيد مجذوب الخليفة قرارات منع النساء من القيام ببعض الأعمال و المهن.
    لقد دخل الدين الإسلامي سلميا بعد هزيمة جيش عبد الله بن أبي السرح حربيا على أيدي رماة الحدق من أجدادنا على التخوم الشمالية مع مصر، وبعد ذلك ساهم المتصوفة في نشر الدين سلميا، لذلك نجد أن التدين السوداني غلب عليه طابع التعايش مع الموروث الثقافي للحضارة السودانية الضاربة في القدم، و قد نشاء عن ذلك تدين صوفي متسامح تمثل في تقديم المتصوفة لنموذج سلوكي ايجابي متواضع للتدين زاهدا في المتاع الدنيوي ثر بالقيم المعنوية مما حذا بالكثيرين لإتباعه حتى صار دين الدولة السودانية دون أن تسفك نقطة دم واحدة، هذا النموذج الفريد ساهم مساهمة حقيقة في تشكيل النموذج الديني و الاجتماعي في السودان، مما خلق دولة متماسكة دون شطط و دون حروب دينية بين طوائف متعددة كالتي عرفتها المجتمعات الإسلامية الأخرى.
    إن النظر للنموذج السوداني للتدين على انه انتصار لرسالة الدين الأساسية في حرية الدين و المساواة و الدعوة بالحسنى، هو من أهم شروط إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة لتناغم ذلك الضرب من التدين مع المزاج السوداني و الذي تطور بالكثير من التجارب و التعايش. و للأسف لم يتعلم السودانيون احترام و تقدير ما أنتجته ثقافتهم المشتركة بعد، بل أنهم يهرعون دائما لما ينتجه المركز الثقافي لهويتهم المفترضة حتى و أن جلب عليهم ذلك الويلات، و لان التاريخ ولوع بتكرار نفسه فقد تماهت قوى الإسلام السياسي السودانية مع مثيلاتها المتطرفة في الدول العربية المجاورة في السعودية و مصر، لتغتال مفكرا سودانيا مسالما استنبط عصارة الإسلام السوداني المتميز في عبارة (الحرية لنا و لسوانا) و هو الأستاذ محمود محمد طه انزل الله علي روحه شآبيب الرحمة و الغفران، في مسرحية سيئة الإخراج قبل أكثر من عشرين عاما، في تنكر واضح لمزاج السودانيين المسالم و في هرولة غير منتظمة تجاه مناهج متطرفة تسفك الدماء حول العالم يوميا.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-05-2008, 11:39 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الذكرى الثامنة عشر

    --------------------------------------------------------------------------------


    المصدر: جريدة الحرية فى الخامس والعشرين من نوفمبر

    -------------------------------------------------------------
    الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاد الاستاذ محمود

    منظمات حقوق الانسان العربية والعالمية تحتفل بيوم الحرية والفكر يوم حقوق الانسان

    بقلم: ابراهيم يوسف

    القوى السياسية تدين

    قوانين سبتمبر ومحاكمها

    كان سبب محاكمة الاستاذ محمود واغتياله هو نقده لقوانين سبتمبر في منشوره الشهير «هذا او الطوفان» الذي مما جاء فيه «وجاءت قوانين سبتمبر 1983 فشوهت الاسلام في نظر الاذكياء من شعبنا وفي نظر العالم واساءت الى سمعة البلاد فهذه القوانين مخالفة للشريعة ومخالفة للدين» ومواجهته لمحاكم القصر العشوائية اذ وجهت له تهمة نقد قوانين سبتمبر فواجهها بقوله «انا اعلنت رأيي مرارا في قوانين سبتمبر 1983 من انها مخالفة للشريعة وللاسلام اكثر من ذلك انها شوهت الشريعة وشوهت الاسلام ونفرت عنه يضاف الى ذلك انها وضعت واستغلت لارهاب الشعب وسوقه الى الاستكانة عن طريق اذلاله ثم انها هددت وحدة البلاد هذا من حيث التنظير

    اما من حيث التطبيق فان القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنيا وضعفوا اخلاقيا عن ان يمتنعوا عن ان يضعوا انفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لاضاعة الحقوق واذلال الشعب وتشويه الاسلام واهانة الفكر والمفكرين واذلال المعارضين السياسيين ومن اجل ذلك فإني غير مستعد للتعاون مع اي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت ان تكون اداة من ادوات اذلال الشعب واهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين» انتهى

    وحين كان الاستاذ قد اغتيل بسبب نقده لقوانين سبتمبر ومواجهة لقضاتها فان القوى السياسية والاحزاب الدينية الكبيرة بعد الانتفاضة قد جهرت بادانتها لقوانين سبتمبر كما ان القضاء المستقل بعد ان استرد موقعه قد طهر ساحته مما نسب اليه من حكم سياسي وليس قضائيا حسب تعبير المحكمة العليا في القضية الدستورية التي صدر فيها الحكم بتبرئة الاستاذ بتاريخ 18/11/1986م في القضية الدستورية نمرة ع/ق د/ 2/ 1406

    ولكل ذلك فان قوى التجمع التي برزت احتجاجا على الحكم الجائر وقادت المعارضة والانتفاضة حتى اجتاح النظام «الطوفان» كانت هي وسائر القوى المستنيرة الحرة تحتفل بالاستاذ محمود كشهيد للفكر وللحرية ولكن لما حلت ببلدنا كارثة الشمولية المتدثرة بالدين اصبح الفكر يتيما في بلدنا الحزين ووئدت الحريات ولم يكن هناك متنفس لمنظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني بل ان النقابات اجتاحها الاجماع السكوتي وفي هذه البيئة قد توقف الاحتفال بالاستاذ في السودان ذلك البلد الذي يعزه الاستاذ وقد فداه وقدم له من الفكر الاصيل والمواقف المشرفة ما يشرف السودانيين على اختلاف آرائهم لو كانت نظرتنا قومية تقدر القيمة وتكبر العطاء ولا تصادر الآخر وتئد الاختلاف

    وقد كان مسلمو السودان بطبيعتهم الصوفية يعترفون بالآراء ولا يغمطون حق الرأي المخالف ولذلك امكن التعايش السلمي مع الاديان الأخرى، ومع اصحاب كريم المعتقدات فصوفيتنا مثلا كانت تغلب عليها الطريقة القادرية ولكن لما برزت السمانية بنفحة بارزة لم يتحرجوا من الاعتراف بها اعترافا بالعطاء واكبار للقيمة اين كانت ونبذا للتعصب

    كان هذا هو شأن مسلمي السودان قبل ان تغزوهم وافدات الهوس الديني والاسلامي السياسي والارهاب

    وفي الوقت الذي وقفت فيه الاحتفالات في بلدنا الحزين فان الاخوة العرب عامة والاخوة المصريين خاصة ظلوا يحتفلون بالاستاذ بمواقفه المشرفة فقد قامت في القاهرة ندوة عن «حقوق الانسان في الوطن العربي والتي حضرها لفيف من كبار المفكرين ورجال القانون والسياسة والادب في العالم العربي وقد ذكرت مصادر القاهرة بأن الحشد الذي شهدته الندوة يعد من اكبر التجمعات العربية التي حضرت الى العاصمة المصرية منذ اوائل السبعينات» وقد مثل فيها السودان «ومن اهم التوصيات التي خرجت بها الندوة هي اعتبار يوم استشهاد المفكر محمود محمد طه يوما لحقوق الانسان في الوطن العربي»

    كان الاستاذ فتحي رضوان رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان قد قال عن موقف الاستاذ «ويشرف المواطن العربي ان يوجد من بين اخوانه في هذا الوطن من يواجه طغيان الحكام بثبات ورباطة جأش رافضا ان يتعاون مع هذا الطراز من المحاكم والقضاة وان يتمسك برأيه حتى حينما يصل الامر بالتهديد بالموت»

    كما ان مركز دراسات حقوق الانسان بالقاهرة كان يحتفل بالاستاذ ويعرض شريط حديث الاستاذ في المحكمة ويقدم احد المحامين السودانيين ليشرح خلفيات المحاكمة مثل الاستاذ طه ابراهيم وكذلك مركز الدراسات القانونية لحقوق الانسان والاستاذة الفضلى عطيات الابنودي لما شاهدت شريط المحاكمة وهي المخرجة السينمائية البارزة قد اخرجت فيلما تسجيليا عن المحاكمة بعنوان «القتلة يحاكمون الشهيد»

    كما قالت في مجلة القاهرة «هانذا مواطنة مصرية اعمل كمخرجة سينمائية احس بعد كل هذه السنوات بأن الاستاذ محمود محمد طه وافكاره اصبحا ملكا لنا وليس للسودايين فقط او لما كان يسمى بحركة «الاخوان الجمهوريون» لقد اصبح ملكا لكل من انتمى الى الثقافة العربية الاسلامية ملكا للمسلمين وغير المسلمين في اوطاننا المتحدثة باللغة العربية ثم هو اولا واخيرا ملكا للتجربة الانسانية جمعاء» كما انها نشرت كل حيثيات المحاكمة بمجلة القاهرة ـ مجلة الفكر والفن المعاصر ـ وقد قدمت المجلة الحيثيات بكلمة التحرير التي جاء فيها الحديث عن توافق «الامام» نميري والجبهة الاسلامية القومية وعرابها د الترابي «فكانت النتيجة قتل الرأي المسالم والفكر المستنير في حادثة تحمل العبر لا للسودان الشقيق وحده بل لكل بلاد العرب التي يراد لها ان تبقى في غياهب الظلام وعصور الجهل والقتل وكبت حرية الرأي والتعبير الذي هو حق طبيعي لكل انسان على هذه الارض التي ارتوت بدماء محمود محمد طه الزكية وهو يكتب صفحات من النور في طريق حرية الفكر والاستنارة» القاهرة يناير 1994م

    ولم تخرج السودانيين عن وصمة الصمت عن الاحتفال وقيمه وعبره ومواقفه في ظل الشمولية الا مجموعة «حق» التي بادرت واقدمت فاخترقت المحاذير والمعوقات فاحتفلت بالاستاذ يناير عام 2001م وقد جاء في كلمة امينها العام الحاج وراق عن الاستاذ انه قد «كان مثالا للسلام والرحمة والرحمة بالاحياء والاشياء ما امتشق سلاحا ابدا سوى سلاح الفكر فجاء اغتياله نموذجا صافيا من غير لبس او تشويه لاغتيال حرية الفكر والضمير» كما جاء فيها ان «ابتسامة الشهيد الاستاذ محمود محمد طه ستظل عنوانا لنهضة حرية التفكير في مواجهة ايدلوجيا التكفير» «واننا لنرجو في هذا اليوم يوم ذكرى اغتيال الاستاذ محمود ان تتوحد وتتحرك مؤسسات المجتمع المدني كما توحدت وتحركت عقب اغتياله للضغط لالغاء القوانين المقيدة للحريات»

    وكان الاحتفال تجربة ناجحة ومشجعة دلت على ما يختزنه الشعب السوداني من اكبار للاستاذ بل حزن على التفريط في نصرته مما يجعل الاحتفال السنوي هو اقل ما يجب في حق الرجل والمباديء وحق انفسنا علينا كمواطنين في عالم الالفية الثالثة

    ولذلك كان احتفال يناير 2002م على قصر وقت التحضير احتفالا ناجحا اقامته المجموعة السودانية لحقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني: مركز عبد المجيد امام ـ مركز التنمية البشرية «الفنار» جمعية التنوير الثقافية ـ مركز الدراسات السودانية ـ نشطاء حقوق الانسان كما شاركت في النشر والاحتفال كل الصحف السودانية الحرة وكان مخططا ليوم الاحتفال الختامي الذي تبناه الطلبة بمسرح نشاطهم بجامعة النيلين ان يكون احتفالا رمزيا بعد ان اوفت الصحف كل الجوانب والتفاصيل وان يكون قوميا انتظمت للمشاركة فيه جل الوان الطيف والشخصيات الوطنية والشخصيات الصحفية والفكرية والمهتمون بالعمل العام ومآلات الحرية

    وكان الاحتفال حول مبدأ الحرية والفكر حول مبدأ الاستاذ محمود «الحرية لنا ولسوانا» اذ ان تقديس الاستاذ للحرية وتجسيدها في حياته بمثابرته الصميمة الخالية من العنف ونصرته للمستضعفين وللمباديء كان «نموذجا صافيا» يحرك حماية الحرية وقداستها في صدر كل حر ولكن في الوقت الذي كانت تقام فيه الاحتفالات في مختلف اصقاع العالم وحتى البعيدة مثل امريكا وبريطانيا فإن حكومة الانقاذ غلبت طبيعتها على تطبعها الذي كانت تمليه الضغوط والمراقبة الخارجية ومراجعة سجلها في حقوق الانسان فاذا بمحسوبيها في نقابة المحامين وفي جامعة النيلين يفضحونها ويحرجونها فيعترضون على اقامة الاحتفال بذرائع مضحكة مبكية مما عرض مواقفهم لسخرية الصحف وكذلك امن النظام ووزيره الديني

    وقد صاح الاخ الاستاذ محمد طه محمد احمد منبها قومه لو كانوا «يسمعون الصايح» صاح فيهم ليتذكروا دستورهم وليتذكروا ما عليه العالم بعد حرب الارهاب وموقفه من مصادرة الحرية وحق التعبير فقال «ثم لماذا تتراجع السلطة لارضاء شرائح صغيرة تتحرك بعواطفها فقط كشأن بعض الجماعات الدينية التي تتناسى ان في البلاد دستورا يجب ان يحترم وان السودان ليس معزولا عن العالم وليس مستعدا لتلقي الضربات التي تلقاها الملا عمر في افغانستان من الداخل والخارج ان العالم يتغير وكما قال الرئيس البشير في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس اليوغندي موسيفني قال الرئيس البشير «نحن نعي جيدا المتغيرات في العالم بعد احداث سبتمبر»

    ورغم العوائق الرسمية فان دفقت روح الحرية وروح الاستاذ قد وفقت طلبة المؤتمر الوطني نفسه بجامعة النيلين نفسها ليقيموا ندوة عن فكر الاستاذ وكان من المتحدثين الاستاذ محمد طه محمد احمد الذي نبه في نفس الندوة لحالة الهدوء وحالة الامن التي كانت سائدة وقد قامت الندوة التي تحدث فيها جمهوري ايضا في نفس الساحة التي كانوا يزعمون ان الاحتفال بها سيخل بالامن فكانت الندوة برهانا على ان الفكر والحوار لا يهددان الامن الا في ذهن من يسقط تعصبه هو على الآخرين من المتعصبين والمهووسين او من ترعبهم الحرية

    واحتفال السنة الماضية على ضيق فترة تحضيره قد كان نموذجا ناجحا ومشجعا مما يجعل فرصة احتفال يناير 2003م اكبر واوسع وقد كان هذا طموح اللجنة منذ العام الماضي اذ يمكن ان ترعى الاحتفال المنظمات العربية خاصة ومركز دراسات حقوق الانسان بالقاهرة لم يكتف بالاحتفال بل اقام مؤتمرا لمنظمات حقوق الانسان العربية وكان موضوع المؤتمر ما هو السبب في صفوية حقوق الانسان في المنظمات العربية وقد انتهت المناقشة الى ان السبب هو ان الفهم التقليدي للدين هو فهم ضد حقوق الانسان ولذلك كانت حقوق الانسان صفوية وليست شعبية وانتهى الامر بالمؤتمر الى التوصية بدراسة اي محاولة تجديد وحمايتها بل رشح رئيس المركز للمؤتمرين كتاب الرسالة الثانية للاستاذ كما نشر المركز عددا من مجلة رواق عربي نشر فيها ثلاثة مواضيع عن فكر الاستاذ وذكر في مقدمته انهم اعطوا هذه المساحة لفكر الاستاذ لانه فكر تجديدي لم يجد الحماية والنشر

    كما ان المنظمات العالمية لحقوق الانسان والعالم كله بعد احداث سبتمبر اصبح يبحث عن وجه الاسلام «السلمي» «التقدمي» مما يظهر ان فكر الاستاذ محمود كان دفاعا مسبقا عن الاسلام بابرازه لوجه الاسلام السلمي في فكره وتجسيده للسلام مع الاحياء والاشياء في حياته وبمناهضته للهوس والجمود مما يجعل الاستاذ مفخرة للسودانيين على اختلاف آرائهم بما قدم من فكر سوداني اصيل وانساني رفيع

    والمحتفلون بالاستاذ وبمبدئه «الحرية لنا ولسوانا» يستظلون بالآية الكريمة «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وبعد ان شوه الهوس الاسلام عالميا فما هو موقع المنسوبين للاسلام الذين يحفلون بحكم محاكم الردة؟

    واخيرا فان الشعب السوداني شعب شجاع يعشق الشجاعة والصدق وقد جسد الاستاذ الشجاعة في قمة اسطورية مما خلق تلاحما وجدانيا بين الاستاذ والشعب به تمكن الشعب من اكتشاف زيف المحاكمة مهما تسترت بالدين ولذلك ظل الشعب السوداني ليلة التنفيذ في السودان وفي المهاجر ظل ساهرا مع الاستاذ وفى ضحى التنفيذ عندما حضروا لاخذ الاستاذ لمنصة المشنقة التي حولها الاستاذ الى منبر يعلن فيه كتابه الاخير «تعلموا كيف تموتون» فعندما ارادوا ربط يديه قال لهم دعوا يدي لاحيي بهما الشعب فقالوا اوامر!!

    وكما قال الشاعر عن وصية الاستاذ الاخيرة

    على منصة الاعدام يكتب الوصية

    وصية للاحرار ان يسهروا على الحرية

    وان يكون الدين دربهم الى الحرية

    وان يكون الخبز زادهم الى الحرية

    ون يكون وقتهم وقوتهم حرية

    فمن لم يمت على مصارع الحرية

    عيشته دنية ميتته دنية

    وصية موثقة منسوجة صدقا وحقا من حبال المشنقة

    ويسألونه قبل الصعود للمنصة هل تريد ان تقابل القاضي فيجيبهم وهل هناك قاض؟

    وهناك ابيات ابي تمام التي نشرها الدكتور منصور خالد ايام التنفيذ ومنها:

    وقد كان فوت الموت سهلا فرده اليه الحفاظ المر والخلق الوعر

    فاثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من دون اخمصك الحشر

    غدا غدوة والحمد نسج ردائه فلم ينصرف الا واكفانه الاجر

    تردى ثياب الموت حمر فما دجا لها الليل الا وهي سندس خضر

    مضى طاهر الاثواب لم تبق روضة غداة ثوى الا اشتهت انها قبر

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-07-2008, 04:14 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    نداء لطلبة جامعة الخرطوم ولرفاقي في الحركة الشعبية:

    فلنطفئ نار الفتنة في البلاد!

    د.حيدر بدوي صادق
    [email protected]

    بالأمس، 6يونيو 2008، أريقت دماء في جامعة الخرطوم. أراقها من ظلوا يريقونها منذ تدنس هذا الحرم المقدس بأفكار وأقوال وأفعال من غابت عنهم سطوة الحجة الناصعة، قوة الفكر الناضج والقول الحق، فلجأوا للعنف وسيلة لمداراة عجزهم الأخلاقي. ظلت تهزم هؤلاء قوة الحق فظنوا أنهم سيهزمون الآخرين بالقوة الباطشة. منطق القوة عند هؤلاء تداعي بهم للتآمر على الشعب، وتضليله، والكذب عليه، والاستيلاء على السلطة بليل!!
    أريقت دماء طلبة من دارفور، دارفور التي أمدتهم بأعداد مقدرة من كوادرهم الباطشة، يوم ضلل هؤلاء باسم الدين وسيقوا إلى الموت زرافات ووحدانا. أراق دماء طلبة دارفور طلبة يزعمون أنهم حماة الإسلام، وأنهم، بزعمهم، حماة للعروبة!! لقد أصبحت عنصرية هؤلاء، إضافة إلى هوسهم، سافرة، كرابعة النهار!! أريقت دماء طلبة من دارفور ليترسخ في الأذهان قول الأستاذ محمود محمد طه عن أن الهوس الديني كان، دوماً، يهدد أمن ووحدة البلاد. واليوم، كما بالأمس، يتهدد البلاد شر مستطير يتمظهر أكثر ما يتمظهر في الهوس الديني المستحكم في تلافيف الحركة الطلابية هذه الأيام. على القارئ أن يتخيل طلبة علم يستخدمون أسلحة وسوائل نارية في داخل الحرم الجامعي ومن على أسطح عالية، بصورة سافرة! عليه أن يتخيل حرباً في عمق الخرطوم، في قلبها، يديرها طلبة مسلحون، والدولة تتغافل عن هذا الشأن الخطير!
    وفي حادثة أخرى، في يوم آخر، هو يوم الأربعاء، 29 مايو 2008، وأثناء انعقاد لقاء لجميعة "انفينيتي،" تناول طالب من منسوبي حركة "حق،" بكلية العلوم، جامعة الخرطوم، موضوع إستواء الرحمن على العرش رافعاً قارورة ماء ليضرب بها مثلاً يقرب به فهمه للطلبة. وكانت هناك جمهرة من الطلبة من منسوبي الوهابية وما يسمى بالحركة الإسلامية يشاركون في الركن.
    كشأن المغرضين دائماً، رأي الطلبة المهووسون في الأمر فرصة لتعزيز أجندتهم الانتخابية. فما كان منهم إلا أن أصدروا منشوراً طالبوا فيه الطالب بأن يعتذر خلال أربعة وعشرين ساعة، كأنه لم يعتذر في التو، أثناء إدارته للركن!! ودون أن يسمح هؤلاء الطلبة المهووسون حتى لمهلتهم نفسها بالانقضاء، حملوا أسلحتهم البيضاء وراحوا بطاردون هذا الطالب الأعزل، الذي لم يعنف بأحد، ولم يصدر منه غير رأي فطير أحاله الطلبة المهووسون إلى أمر خطير! وتوالت المنشورات التي تكفر الطالب مما دعاه للإنزواء خوفاً من آلة الهوس الديني المدمرة، السافرة، الماكرة.
    طلبة جامعة الخرطوم يتهيأوون هذه الأيام للتصويت لانتخابات إتحاد طلبة الجامعة. وإن عرف السبب بطل العجب!! هذا حال اليوم، وكانه الحال يوم كنت طالباً في جامعة الخرطوم (1980-1985). شهدت تلك الفترة تصاعداً لمشروع الهوس الديني في الجامعة وفي البلاد أدى إلى استشهاد الأستاذ محمود محمد طه ولانتفاضة الشعب ضد الهوس في أبريل. ثم انتكسنا بعد الانتفاضة، ليتحقق ما تنبأ به الاستاذ محمود محمد طه، فكان الطوفان.
    من كانوا لحمة وسداة مشروع الهوس في جامعة الخرطوم يوم كنت طالباً فيها أصبحوا لحمة وسداة مشروع دولة الهوس الديني كما هو معلوم. تسمت هذه الدولة بالمشروع "الحضاري" وظنت أنها ستجتاح الأرض وما عليها، ومن عليها، وبأن أميركا قد دنا عذابها. ويعلم الجميع الآن أن تلك الدولة استحالت إلى مستعطف لأميركا لترضى عنها بما يغضب الله (من بيع للكرامة في أسواق الاستخبار وغير ذلك من أفانين التلهف لنيل رضا دولة الاستكبار العظمى!!).
    في هذا المقال الموجز أتساءك: أين الأجهزة المسؤولة عن "أمن" المواطن، عن أمن الطالب الذي يتهدده الموت في هذه الساعة؟ أين جهاز الشرطة؟ بل أين جهاز "الأمن،" الذي لا يعرف مواطنو هذا البلد الكريم عنه غير الترويع والتعذيب والتقتيل والتشريد والحط من كرامة المواطن؟
    بحسب الدستور الانتقالي فإن مهمة جهاز الأمن هي جمع المعلومات ذات العلاقة بأمن المواطن والبلاد وتوفيرها لمنفذي القانون ومتخذي القرار. أو يعقل أن جهاز الأمن لم يتوفر على معرفة ما دار في الجامعة، وهو الذي خاض في أخض خصوصيات السودانيين، فقام حتى بين الزوج وزوجته، كان ذلك بالتهديد، بالترغيب، بالتشريد، أو بالتعذيب؟! أو يعقل أن يترك جهاز الأمن وجهاز الشرطة والنيابة العامة "أمن" البلاد لثلة من المتهوسين، يا خذون القانون بأيديهم، ويروعون الطلبة، ليهددوا أمن البلاد برمتها؟ أولا يدري المسؤولون في هذا الجهاز أن التهاون في الجرائم العنصرية، والإرهاب باسم الدين، والتهديد بالقتل، في أعقاب غزو أم درمان يعني التفريط الكامل في أمن البلاد؟
    لأبنائي وبناتي في جامعة الخرطوم أقول لا خير في الجامعة إن لم تستحيل إلى مشعل من مشاعل النور! وليعرف أبنائي الطلاب وبناتي الطالبات، بانهم وأنهن، لن يرتقوا أو يرتقين، إلى منازل التشريف بغير التي هي أحسن! وليقرأوا معي قول الكريم المتعال "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن." وليقرأوا معي أيضاً قوله تعالى "قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر." وليقرأوا معي الحكمة الكامنة في قول النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أن "الدين المعاملة،" أي أن أصل الدين في المعاملة الحسنة، لا التهريج بالنصوص. وليقرأوا معي قول الكريم، الشاخص في البيان "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء." هناك متسع، عند الله، الواسع، في أرض الله الواسعة، للجميع! وقد سميت الجامعة "جامعة" لأنها تجمع بين المختلفين في الفكر والرأي، ثم هي تحتفي بالاختلاف، لأن الاختلاف هو رافعة الابداع والتجديد، لو أحسن توظيفه. فلنتحاجج بالحسنى، ولنجعل جامعة الخرطوم مشعلاً حقيقياً من مشاعل النور، بعد أن أذاقنا خريجوها من الفشل ما أصبح معه هذا الفشل مرضاَ عضالاً، ومادة للإدمان المستحكم!! جيلكم هذا يجب أن يتعلم من أخطاء جيلنا، حتى تقوموا إعوجاجنا، بالتداول السلمي للرأي، لعلنا نستقوي بكم كحملة لمشاعل النور، لا للعصى والمدي، فنمارس، معكم وبكم، بفضل استنارتكم، برشد وحكمة، فضيلة التداول السلمي للسلطة!!
    أما لرفاقي في الحركة الشعبية فإنني أقول لا خير يرجى في المؤتمر الوطني، شريكنا في الحكم، إن لم يطفئ نار الفتنة في الجامعة (وهو الأدرى بها إذ لم يأت إلى السلطة الغاشمة إلا على سلاسل متتالية من الفتن الباتعة التي صنعها بعض من أصبحت تتفلت من بين أصابعهم اليوم ناصية الأمور). ولا خير في الحركة الشعبية إن استمرت في شراكة مع شريك لا يأبه لأمن الوطن والمواطن، شريك لا يجيد غير المكابرة والمرواغة والتضليل، ولا يعرف غير خيانة العهود عهداً حاكماً!
    إن لم تتدخل سلطة الدولة لكبح جماح الهوس الديني في جامعة الخرطوم، فإنها ستحترق كما احترقت أبيي. وسيظل ما يقوم به أدعياء الإسلام فيها خرقاً للدستور الانتقالي ولاتفاقية السلام الشامل من أي الوجوه أتيته. ذلك لأن حماية حق الإنسان في التعبير، وحق الإنسان في الحياة، لهو لب الدستور وروح الاتفاقية برمتها. ومن يتعاهد على حماية حق الحياة وحق الحرية، ثم ينتهكمها، أو يحمي من ينتهكمها، فهو مجرم أفاك. ومن يشارك مجرماً أفاكاً في الحكم، فهو مجرم أفاك، من حيث يدري ولا يدري!!
    أطالب رفاقي في الحركة الشعبية أن يتداولوا شأن جامعة الخرطوم في هذه الأيام الحرجة التي تمر بها البلاد في نفس السياق الذي تتم فيه معالجة أمر أبيي. ذلك لأن جامعة الخرطوم، في ظل الاستقطابات الحادة التي تمر بها اليوم، هي أبيي الشمال!! وليتذكر الجميع بأن الهوس الديني ترعرع في جامعة الخرطوم، فشب عليه فتية مهووسون، ثم جاءونا على ظهر الدبابات، فأدخلوا البلاد في فتنة ليلها كنهارها، ونهارها كليلها. فكان الطوفان!
    علينا في الحركة الشعبية، كشركاء في الحكم، أن نمارس الحكم، أي أن نكون فاعلين في توفير الأمن للمواطن، وإلا فإن تجميد الشراكة مع شريك يرعى الإرهاب ويحميه، لهو أوجب واجب أخلاقي نقوم به !!
    هذا، أو، الطوفان، من جديد!!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-07-2008, 10:35 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عن الطيب صالح
    عصمت العالم


    التحق بهيئة الاذاعة البريطانيه فىالفتره من 1952 الى 1956...كان يزامل الدكتور حسن عباس صبحى .. والذى وقتها كان يحضر للماجستير.. ووقع الاعتداء الثلاثى على مصر..

    رفض حسن عباس صبحى اذاعة النشرة التى فيها الخبر...وقدم استقالته احتجاجا..وطلب من الطيب صالح مساندته وان يستقيل فرفض بحجة ان هذا قطع عيش ..!! يا للهول..وعاد حسن عباس صبحى للسودان وهو كان فى امس الحاجة للتواجد فى بريطانيا لمشكلة نظره لكنه رفض .واشتغل بالتدريس فى السودان وبعثته الجامعة الاسلاميه لتحضيرالكتوراه..وبعثته لجنه من كتاب اسيا وافريقيا الى موسكو لعلا ج بصره.. الموقف الثانى تصريحه وهو يعمل بهيئة الاذاعة البريطانيه بقسم الدراما بان فقراء المسلمين يعيشون على نقود الدراما..!! اشارات عجيبه.. ثم انتقل للعمل مديرا لوزارة الاعلام بقطر...وكان رجاء النقاش مراسلا للدوحة فى القاهره..اتى به ... الى الدوحه... وقد كشف دكتور ثروت اباظة الرابط الادبى بين رجاء النقاش والطيب صالح بان رجاء يقبض ثمن مايكتبه فى اشاره ذكية تطعن بوضوح فى مقدرات الطيب صالح الفنيه..!! هذه المقابله تمت 1986 بتلفزيون سلطمة عمان...وعندما سئل الطيب صالح عن هذه الموضوع فى ايام زيارته لسلطنة عمان .... ذكر بانه لم يرد لانه اصل لا يعرف دكتور ثروت اباظه....وقد واصل دكتور ثروت اباظه حملته ضد الطيب صالح فى الصحف المصريه( قراتها ..لم احتفط بها)
    ثم موقف افادته هو شخصيا اعنى الطيب صالح عندما اتصلت به اساتذاة الادب الانجليزى باربره برى فى باريس الساعه 1 صباحا تتطلب منه تعليقا على اعدام محمود محمد طه تملص بانه فى موقع حساس فى اليونسكو.ولا يريد ان يعرض نفسه لمواقف اخرى. .وذكر لم ينم ليلتهاوهو صاحى الى الصباح..هذا ما اورده هو عن نفسه فى مجلة المجلة..بقلمه.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-07-2008, 10:42 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    في عدم سوية السيرة السياسية للجمهوريين
    عبد الودود منصور الرباطابي
    [email protected]

    كثيراً ما يتذكر المرء قصة " الإغراء الأخير للمسيح" Last temptation of Christ وهو يراجع ما يكتبه بعض أتباع المفكر "السوداني" الراحل محمود محمد طه خلال الفترة الأخيرة. ووجه الشبه كما لا يغيب عن فطنة القارئ هو الفراق البائن بين الصورة الحقيقية لزعيم الطائفة المقصودة والصورة التي عكف الأتباع على رسمها له بعد "مماته" لضرورات تجاوز الفقد الجلل الذي ألم بهم. هذا رغم أن كاتب قصة الفيلم الشهير – وهي قصة على أية حال- لم يشأ أو يجرؤ أن يمضي بالإفصاح إلى نهايته حيث عرض الأمر وكأنه طائف من حلم انتاب السيد المسيح وهو على الصليب. وشد ما يعجب الاحتفاء المشتط الذي شارك فيه بعضُ غير يسير من التيارات السياسية السودانية الأخرى والتي جعلت من الرجل سيد شهداء الفكر على الأقل بالنسبة للسودانيين خلال ربع القرن الأخير أو نحوه. والحق أن الثبات الذي أبداه الرجل والجسارة التي بدا عليها في خواتيم أيامه تؤهله لينال حظاً من ذلك. فالذي يراجع الكلمات التي واجه بها "الأستاذ" هيئة المحكمة التي بدت وكأنها تأتي من غياهب التاريخ البعيد لا يملك إلا أن يزيده في الاحترام والتقدير. بيد أن الثبات عند الممات لا يؤهل صاحبه لينال المكانة المتميزة والتقديس Divinity الذي يسعى أتباع محمود الآن ليوصموه به. هذا وليس بعيد عنا الثبات المنقطع النظير الذي أبداه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمام ذات الظروف تقريباً. هذا فضلاً عن الكثير من البواسل السودانيين الذين فقدوا أرواحهم بذات الثبات أمام المقاصل والدروات العسكرية.
    أما التاريخ السياسي للأستاذ محمود ومع احترامنا الكامل لأتباعه فإن الراجح أنه لا يختلف كثيراً عن تاريخ السياسيين الذين شاركوه اللعبة السياسية طوال الفترة التي تلت الاستقلال السياسي للسودان. بمعنى أنه لا يخلو من الأغراض السياسية والمناورات المعلومة. ولا يحتاج كاتب المقال أو غيره كثير عناء ليثبت مثلاً كيف أن الجمهوريين قد احتفوا بمقدم انقلاب مايو 1969 والذي جاء (في لحظة تاريخية دقيقة كانت الأحزاب الطائفية وقوى الهوس الديني تتهيأ فيها لفرض دستور يسمى "الدستور الإسلامي" ، ويهدف لتمكين تلك الأحزاب من فرض حكم شمولي يتلفح برداء الإسلام، ليصادر حرية الشعب ويهدد وحدته الوطنية، فأعلن الجمهوريون تأييدهم لحركة مايو باعتبارها قد حالت بين الشعب وبين فتنة كبرى كانت لتودي باستقرار الوطن والشعب، رغم إدراك الأستاذ محمود للطبيعة المرحلية لمايو ، ولقصورها عن شأو الحكم الصالح الذي ظل يدعو له طوال حياته. وقد ظل تأييده لمايو ملتزما بهذه المرجعية التي تأسست عند قيامها، لم ينحرف منه إلى الدخول في أجهزة مايو أو مشاركتها في تقلباتها السياسية) علماً بأن العبارة بين الأقواس منقولة بالحرف عن الموقع الالكتروني للجماعة. والعبارة نفسها تفضح بالطبع موقف الجمهوريين من ما أسموه " التقلبات السياسية لمايو" طوال الفترة التي سبقت المصالحة الوطنية والتي تتضمن بالطبع المجازر الفظيعة التي ارتكبتها مايو بحق العديد من القوى السياسية السودانية الأخرى. بل أن المخطوطات السياسية للجمهوريين كانت تحاول أن تجد لمايو العذر فيما ذهبت إليه من بطش بكل القوى الأخرى من غير الجمهوريين. هذا في الوقت الذي وجد فيه الرواقيون الجمهوريون الحرية شبه المطلقة في الترويج لأفكارهم دونما مقارعة حقيقية إلا في نطاق ضيق داخل الجامعات. هذا باستثناء اعتقال يبرره حتى الجمهوريون أنفسهم لقادتهم في ديسمبر 1976م نتيجة إصدار أغضب السلطات الدينية السعودية الحليفة لمايو آنذاك!
    وقد ظل الجمهوريون للأسف على ذات الجانب من قضايا الشارع السوداني حتى نهاية العام 1984. ويذكر الكثيرون ممن تلقوا تعليمهم الجامعي في السنوات القليلة التي سبقت محاكمة الأستاذ محمود كيف أن الجمهوريين قد دافعوا عن مايو في العديد من أركان النقاش التي كانوا يديرونها خاصة في جامعة الخرطوم. وقد تفنن الأستاذان محمد المصطفى دالي والقراي في الاستهزاء بالعديد من التحركات السياسية التي كانت تقوم بها القوى الوطنية الأخرى وتنادي بإسقاط مايو إلى الحد الذي دفع كليهما إلى السخرية حتى من مشاركة بعض طالبات الجامعات في المظاهرات ضد مايو في شوارع الخرطوم. والكلمات للأسف ما زالت ترن في آذان الكثيرين ممن تسكتهم المصالح الحزبية الآنية الآن من أن ينطقوا بالحق تجاه محاولات التقديس والتأليه (في الصفات) التي عادت لتنطلق من جديد.
    وقد فات الأستاذ وجماعته للأسف إدراك الطبيعة الحقيقية لنظام مايو في الوقت المناسب. وظنوا واهمين أن بإمكانهم إزالة الخطر عن أنفسهم بمجرد كتابة المنشورات التي تستجدي الإمام النميري أن يستفيق من غفوته واستلاب عقله الذي يقوم به خصومهم السياسيين والفكريين. ولو أن محموداً التزم منهاجه الذي سوّد به صحائفه جميعها تقريباً " الحرية لنا ولسوانا" لكان له حظاً أوفر في أن يجد له حلفاء يمنعون عنه حبل المقصلة ولو حتى حين. ولكنه لم يفعل. أما أتباعه فقد شغلهم ما توهموه من مكانة لزعيمهم من أن يروا الخطر المحدق به رغم الأصوات التي انطلقت تنبههم إلى ذلك عبر أركانهم. ولكنها للأسف وجدت آذاناً صماء. ولم يستفق الجمهوريون إلا بعد فوات الأوان. أنظر إلى العبارة التالية ألا توحي لك بذلك. يقول الموقع الالكتروني للجمهوريين: " وفي يوم الثلاثاء 8 يناير 1985م أصدرت المحكمة المهزلة حكمها المعد سلفا بالإعدام على الأستاذ محمود وتلاميذه الأربعة، لتغطى سماء البلاد موجة من الحزن والذهول. " هل انتظر الجمهوريون طوال الفترة من مايو 1969 وحتى يناير 1985 ليعلموا أن أحكام مايو تعد سلفاً؟؟؟ وغني عن التذكير هنا الإشارة إلى أن الحكم لم يكن غير "معارضة للسلطة وإثارة للكراهية ضدها" رغم أن خبثاء مايو قد حولوه إلى حكم بالردة بعد أن تيقنوا من أن محمود على استعداد لتقمص دور الضحية/المخلص حتى آخر نفس بدنياه من خلال الكلمات التي أدلى بها بالمحكمة الأولى. حتى إذا صعدت روحه سعد تلاميذه " بالابتسامة الوضاءة التي لفتت الأنظار فانفتحت بموقفه الأسطوري هذا ، وبابتسامة الرضا تلك ، دورة جديدة من دورات انتصار الإنسانية على عوامل الشر في داخلها وفى الآفاق."
    أما وقد كان ما كان فإنه حري بنا أن تذكر ما أدلى به الأستاذ عبد اللطيف رفيق الأستاذ محمود أمام عدسات التلفزيون عند الاستتابة الشهيرة والتي أتوهم أنها كانت كالتالي:
    - محمود وين يا عبد اللطيف.
    - محمود مضى.
    - مضى وين يا عبد اللطيف.
    - مضى إلى حال سبيله.
    - حال سبيله وين؟ مات؟
    - الموت سبيل الأولين والآخرين.
    هو ذاك الموت سبيل الأولين والآخرين. ولا يظنن ظان أن هذه المقالة جاءت لتنال من محمود. كلا إنها تنصفه. هو آدمي مثلنا جميعاً. والآن حيث هو الآن لا يستحق منا إلا الإنصاف والترحم عليه. وأسوة بما ذاع من قول لاستأذنا عبد الله الطيب رحمه الله فإننا نسأل الله له اللطف.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-08-2008, 10:56 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    انتقد سوداني يعمل استاذا في جامعة اميركية العلمانيين المسلمين، وقال انهم "رفضوا الاعتراف بسقوطهم." ودافع عن الاسلامويين. واعلن انه هو، نفسه، "انهزم امامهم، بعد ان استقال من الحزب الشيوعي السوداني، وكان مسؤولا فيه".
    وقال ان العلمانيين "مثل اغبياء ابرياء، يخدعون انفسهم بالاعتقاد بأن التطور لا يحتاج الى تضحيات كثيرة." واضاف: "بدلا من ان يفكروا تفكيرا عميقا في تصادم العلمانية مع الثقافة الاسلامية، لاموا كل شخص الا انفسهم على الخيارات السيئة التي اختاروها".
    جاءت هذه الآراء في كتاب جديد اصدره د. عبد الله على ابراهيم، استاذ تاريخ مشارك في جامعة ميسوري الاميركية. اسم الكتاب: "هذيان مانوي: التجديد الاسلامي والقضائية الثنائية الاستعمارية في السودان".
    ركز الكتاب على التطورات القضائية في السودان منذ سنة 1898، عندما غزت بريطانيا السودان، مع مصر، وحولته الى مستعمرة بريطانية مصرية، الى سنة 1985 عندما سقطت حكومة الرئيس نميري العسكرية، بعد ان حكمت لست عشرة سنة.
    قسم ابراهيم الكتاب الى ستة اقسام. تناول في الأول بداية القوانين المدنية التي وضعها البريطانيون، ثم تحدث عن المواجهات التي استمرت اربعين سنة تقريبا بين القضاء المدني والقضاء الشرعي، مسجلاً مراسلات مهمة بين كبير القضاة (الشرعي) والسكرتير القضائي (المدني).
    وتناول بعد ذلك سنوات ما بعد الاستقلال، وحكم الاحزاب السياسية، وميلها نحو اسلمة القوانين المدنية، حسب شعار "الدستور الاسلامي"، وحكم جعفر نميري العسكري الذي استمر ست عشرة سنة، وتقلباته بين اليسار واليمين، ثم اعتماده الشريعة. وخصص صفحات لمحمود محمد طه، الزعيم الديني صاحب "رسالة الاسلام الثانية" الذي اعدم خلال حكم نميري بتهمة الخروج عن الاسلام، وكذلك للدكتور حسن الترابي الذي قاد الاسلاميين لأكثر من عشرين سنة، حتى اوصلهم الى الحكم بعد انقلاب عسكري، وأخيراً تناول "القضاء الموحد" الذي اسسته الحكومة الاسلامية الحالية، خاتمة بذلك مائة سنة تقريبا من المواجهة بين القضاء المدني (الاوروبي)، والقضاء الشرعي (الاسلامي).
    الشيوعية والشريعة
    اضاف ابراهيم الى هذه الفصول التاريخية مقدمة وخلاصة طويلتين (عشرين في المائة تقريبا من الكتاب)، فيها آراء مثيرة، ومعلومات شخصية.
    في جانب المعلومات الشخصية، كتب عن انتقاله من الشيوعية الى الشريعة. وقال: "استقلت، في سنة 1978، من الحزب الشيوعي السوداني، بعد عشرين سنة تقريبا من العمل المكثف الذي آمل ان يكون جديرا بالتقدير. عملت كطالب نشط، وعملت في المجال الثقافي".
    لماذا استقال؟
    يقول: "انتقدت عدم قدرة الحزب الشيوعي على التغلب على كارثة سنة 1971، عندما قاد انقلابا فاشلا ضد حكومة نميري العسكرية، اليسارية في ذلك الوقت. وبعدها اعدم نميري عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب، و الشخصية الجذابة، والقارئ الجيد، والمتكلم الجيد". ويضيف: "نظر الحزب الى نفسه كضحية، ولا يزال، ومال نحو الغضب المتزايد بدلا عن التأمل في نفسه".
    ولهذا، فان "بحث الحزب عن الانتقام قلل من قدرته على ان يعود كحزب سياسي مختلف، كما كان. وفقد رغبته في دراسة نفسه، والعالم حوله. وصار حزبا عاديا يشترك في صراعات الصفوة المميتة".في نفس السنة استقال ابراهيم من الحزب الشيوعي، وتوفي والده. وكان ذلك سبب زيارته للمحكمة الشرعية، لأول مرة، لتسوية ورثة والده. وفتحت زياراته عينيه على شيئين:
    اولا، مناظر الفقر والبؤس داخل المحاكم الشرعية: "اطفال منبوذون، وعائلات فقيرة، ونساء اسيرات زواجات لا يقدرن على الخروج منها الا بأذونات من ازواجهن".
    ثانيا: نظرات الاستعلاء من جانب القضاة والمحامين المدنيين للقضاة الشرعيين، مثل عبد الله صالح، محامي (مدني)، وصديق منذ ايام المدرسة المتوسطة في عطبرة، و"شيوعي جيد". قال انه يحمل رخصة المثول امام المحاكم الشرعية، لكنه لم يفعل ذلك أبدا.
    وفي السر، قال له شيوعي سابق: "نحن مع الرجال والنساء الذين لا يحتاجون لمساعدتنا. لماذا لا نساعد البؤساء الذين ينتظرون من المحاكم الشرعية ان تنصفهم"؟
    كل ذلك أثر على قناعاته، إضافة إلى تأثير والده، الذي كان عاملا نقابيا في السكة الحديدية في عطبرة. لكنه اصيب بخيبة امل من مؤامرات النقابيين والسياسيين، حتى الشيوعيين. ولهذا، نصح ابنه ان يبتعد عن هؤلاء، وان يقدم نصائحه من على منبر جامع.
    ويقول ابراهيم ان كتابه هذا هو "فرصة لأن اعترف بهزيمتي على ايدي الاسلامويين. هزيمة بعد قتال طويل ضدهم عندما كنت نقابيا نشطا، وناشرا، وكاتب روايات، واكاديميا، وصحافيا، منذ ان دخلت جامعة الخرطوم في بداية الستينات.. وإنه فرصة لاعيد ثقتي، كحداثي لا ينكر تغربه وراديكاليته، في امكانية تحقيق وجود علماني داخل نظام اسلامي. واتهم "العلمانيين المسلمين" بانهم "فشلوا فشلا واضحا" في تأسيس "تقليد علماني داخل الاسلام".
    وقال ان الاسلاموية يمكن النظر اليها "كامتداد علماني اكثر من ان تكون معادية للعلمانية"، وان التجديد الاسلامي يمكن النظر اليه كنتاج للوطنية، ومرتبط بها ارتباطا قويا".
    الدين والهوية
    واستشهد ابراهيم بآخرين انتقدوا العلمانيين:
    اولا، جون اسبسيتو (مدير مركز الدراسات الاسلامية والمسيحية في جامعة جورجتاون) الذي حذر من "انحياز العلمانيين" عند تناولهم الاسلام وبقية الاديان، وقال ان كتابات بعض العلمانيين عن الاسلام صارت "مثل نعي، مثل تسجيل تاريخ شيء يموت".
    ثانيا، ديفيد كوديل (مؤلف كتاب "نحو نظرية تحليل نفسي قانونية") الذي قال ان العلمانيين ينظرون الى دور الدين في حياة الانسان وكأنه "انحياز يجب ان يوضع جانبا، بدلا من اعتباره دورا لا بد منه".
    ثالثا، لويس برينار (مؤلف كتاب"الهوية الاسلامية والتغيير الاجتماعي في افريقيا جنوب الصحراء") الذي أشار إلى عدم نزاهة العلمانيين الذين يكتبون عن الاسلام في افريقيا. ويؤمن مؤلف الكتاب بأنه يوجد شيء اهم من الشيوعيين، والاسلاميين، والعلمانيين، وهو: الحرية. إنها لا تحتاج الى نظريات وفلسفات، لأنها شيء بديهي، وفطري، وطبيعي. ولأن الانسان اما حرا، او ليس حرا. لا يوجد شيء اسمه نصف حرية، او ربع حرية.
    لهذا، لا يوجد فرق بين كل من يشترك في حكومات غير حرة، او يؤيدها، او يطبل لها: شيوعي، او اسلامي، او علماني. لكن، يوجد فرق بين هؤلاء، وبين الذي يعارضون هذه الحكومات الظالمة.
    ----------------------------
    ملاحظة
    * المؤلف.. من هو؟
    ولد ابراهيم سنة 1942 في القلعة، عمودية جيلاس، مركز مروي، في شمال السودان. ونال بكالوريوس، وماجستير من جامعة الخرطوم، ودكتوراه من جامعة انديانا. وعمل استاذا في جامعة الخرطوم، ثم زميلا في جامعة نورث ويستيرن الاميركية، قبل ان يلتحق بجامعة ميسوري.
    ومن كتبه عن السودان: «العين الحارة للرباطاب» و «صراع المهدي والعلماء» و«الديمقراطية والثقافة في السودان» و «فرسان كنجرت: تاريخ الكبابيش» و "الشريعة والحداثة" و «النهضة والمقاومة في ممارسة الحزب الشيوعي».
    " الشرق الأوسط_ 25 يوليو 2007 "
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-08-2008, 11:32 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الحزام السوداني.. نحو افريقيا

    قصي همرور
    فبراير 2008
    (نشرته جريدة الأحداث على جزأين، في 11 و18 من مارس 2008)

    لم يتسن لي الاطلاع على كتاب "الحزام السوداني" الصادر عام 2005 عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، لصاحبه عبدالهادي الصديق، إلا أواخر العام الماضي، وبلغني بعدها بقليل خبر انتقال الكاتب عن دنيانا، فحزنت لكوني لم أسمع بمفكر معاصر مثله إلا بعد وفاته.. لا علم لي أيضا بحجم ما أثاره الكتاب في الساحة الثقافية السودانية، بيد ان عدم لمسي لهذه الإثارة، وسط الساحات التي أتابعها، لمؤشر لأن الكتاب لم ينل ما يستحقه من الحفاوة اليوم.
    إنه من أثمن الكتابات السودانية التي قرأتها، وفيه ارتياد واضح لدرب فكري ما زال بكرا على عموم الساحة الثقافية السودانية.. درب سلكه قلة قليلة من قبل وأدلوا فيه بما أدلوا، لكن هذا الكتاب له ما يميزه بالتأكيد.. في هذا العرض الموجز أرجو أن أساهم في الدعاية له.

    الحزام: جغرافيته، تاريخه ومزاجه

    يبدأ الكاتب بوصف ما يعنيه بالحزام السوداني، فيقول إنه "المنطقة الممتدة أفقيا من المحيط الأطلنطي غربا إلى وادي النيل والبحر الأحمر حتى هضاب الحبشة شرقا. تلك المنطقة التي يقطنها السودان من ذوي السحنة (السودانية) وهي إلى الجنوب من المنطقة التي يقطنها (البِيضان) في الجهات الشمالية من افريقيا المتاخمة لشواطئ البحر الأبيض المتوسط".. يرمي الكاتب إلى توضيح الوحدة التاريخية والثقافية لأهل هذه المنطقة، وتأثير الإسلام على هويتها هذه، خصوصا الطرق الصوفية، إذ يقول إن هذه الوحدة التاريخية والثقافية تجعل أهل هذه المنطقة أقرب لبعضهم من الصورة العامة المتواترة اليوم، وإن الثقافة المشتركة فيها، الممتدة بالإسلام ومعه، متشابهة ومتشربة بالإرث الصوفي.. تنداح نتائج هذه الوحدة التاريخية والثقافية على الظروف الموضوعية المعاصرة بين شعوب وبلدان الحزام السوداني.
    لكي نساهم أكثر في التعريف بهذه المنطقة نقول إن وصف "السودان" كان قد أطلقه العرب على هذه المنطقة تمييزا لشعوبها، بلونهم، عن شعوب شمال افريقيا "البيضان"، وقد تضاءلت رقعة التسمية هذه عبر التاريخ حتى وصلت اليوم للحدود الجغرافية السياسية لدولة السودان، لكن الكاتب يعيد إحياء هذا المسمى بمداه العريض، أي الشريط الممتد من شرق القارة لغربها.. بخلاف المسمى فإن ما يربط هذا الحزام جغرافيا معروف في التصانيف البيئية بالمنطقة السودانو/ساحلية، كما هو وصفها لدى برنامجي الأمم المتحدة للتنمية وللبيئة .. تتعرف هذه المنطقة بيئيا بتشابه كمية الأمطار السنوية وطول مواسمها وأنواع النبات فيها، وهي محصورة بين جنوب الصحراء إلى خط العرض 14 شمال خط الاستواء (تقريبا).. تضم المنطقة، من الناحية السياسية، عدة دول اليوم، كالسنغال ومالي والنيجر وتشاد والسودان وارتريا، وغيرها.
    يسيح بنا الكاتب في الآفاق التاريخية/ثقافية للحزام، فيتطرق للموروث الإسلامي الافريقي الذي تشكل فيه عموما عبر الطرق الصوفية واندماجها مع ثقافات شعوبه الأصيلة المتشابهة، رغم تنوعها، بسبب تأثرها بالبيئة المشتركة والعلاقات الاقتصادية والسياسية المتواصلة منذ قديم الزمن، فصار الإسلام عموما في المنطقة جزءا لا يتجزأ من ثقافتها، راسخا فيها.. يشير الكاتب للكثير من الأمثلة التي تنازلت فيها الشريعة الإسلامية لصالح التقاليد المحلية، لتوطين الشعور الإسلامي كتحول وجداني جديد، ويحلل براعة وحكمة مشايخ الطرق الصوفية في الدعوة الدينية في المنطقة، حيث عاشروا شعوبها معاشرة لصيقة، وصاروا منهم، واتخذوا من ثقافاتهم المحلية وسائل جديدة للدعوة للإسلام، بتسامح وتعايش، فقبلهم الناس وارتاحوا لهم، وما يظهر من ذلك لنا حتى اليوم في تقاليد وطقوس الصوفية المشتركة على مدى الحزام (برغم ما لحق بالطرق الصوفية نفسها اليوم من صور التسلط والتعصب التي لا تشبه إرثها).
    يشير الكاتب أيضا للسمات المشترك للعديد من الممالك التاريخية التي ارتبطت بالإسلام في الحزام، كحضارات غانا ومالي وبرنو وسونغهاي بجانب الفونج وسنار، كما ينتقد على مدى الكتاب التشويه التاريخي المتعمد الذي مارسه الاستعمار الأوروبي لتاريخ المنطقة، كونه إحدى أدواته المشهورة (فرّق تسد)، وكونه أضر بحصيلة قرون من المساهمة التنموية المتبادلة بين شعوب المنطقة.
    في صور تفصيلية لدراسات الحالات يتناول الكاتب تأثير اتجاهين إسلاميين على المنطقة، وتأثيرها عليهما، هما المذهب المالكي والطريقة التجانية، غير أنه في ذلك المسار لا بد أن يذكر شتى المذاهب والطرق الأخرى التي تعرض بعضها لبعض في المنطقة.. يثير أيضا دور الحركات الجهادية التي قامت في الحزام كصورة من حركات التحرير الافريقي التي واجهت الدخول الأوروبي المشؤوم للقارة.. هذه الحركات التي تنسب للشيخ عثمان دان فوديو، والحاج عمر تال الفوتي، وساموري توري، ومحمد أحمد (المهدي)، ورابح فضل الله.. يتعرض لعلاقات الشبه الكثيرة في تكوين تلك الحركات المستمد من تراث المنطقة الديني، والعلاقات السياسية واللوجستية لبعضها ببعض.
    إلا أن من أجمل فصول الكتاب ذاك الذي سماه "المزاج السوداني"، ففيه يمحص أسرار الثقافة الفنية المشتركة، والتي تتجلى أكثر ما تتجلى في ثقافات الموسيقى والرقص ووسائلهما على مدى الحزام (خصوصا السلم الموسيقي الخماسي)، بيد أنها لا تخفى أيضا في الجوانب الأخرى، من طقوس المناسبات الاجتماعية من أعراس ومآتم وولادات، وتنصيب حكام ومشايخ، وأفراح أعياد دينية وموسمية، وأحاجي شعبية، إلى ما يتجلى حديثا في طابع الإنتاج الأدبي والدرامي، مسرحيا وسينمائيا وقصصيا.. كمثال نورد مقتطفات من الفصل حول شخصية اجتماعية لكل منا ألفة معها:

    "تلك هي شخصية القريو، والتي اتخذت صفة مشتركة وأسماء متعددة ومختلفة في بقية المناطق من الحزام. وظاهرة (القريو) تنتشر في منطقة غرب افريقيا وهي خليط من شخصيتي المؤرخ والمغني. ويطلق عليها بلغة الماندينغ (جيلي)، وبلغة الولوف (جويل). ولعل جميع هذه المترادفات والتي تحمل صفة وظيفة واحدة قد جاءت من التعبير العربي (جال) (يجول) فهوي (جيلي) أو (جوالا) وتعني في النهاية (المغني) الجوال أو التروبادور (...) أما تحوير معنى الكلمة من المغني الجوال إلى المادح الجوال فقد تمثلت في إطلاق لفظ (الجيلي) كما في لغة الماندينغ ذلك المادح الصوفي الذي يجول القرى ليمدح الرسول والأولياء الصالحين والشيوخ (...) وامتدت ظاهرة القريو عبر الحزام السوداني حتى وصلت إلى الحبشة ويسمى هناك العزماري (...) لقد برزت ظاهرة القريو في الإقليم السوداني منذ زمن بعيد حيث ظهر (القريو) كمغني للبلاط الملكي في مملكة غانا القديمة (...) فالقريو أو الجيلي أو مادح السلطان برز لأول مرة كمؤرخ حافظ لتاريخ الملوك والممالك".

    ومن بعد كل هذا لا ينسى الكاتب أن يخصص فصلا لآفاق الوحدة وإشكالية الخلاف بين شعوب الحزام السوداني اليوم، فيتطرق بالتلخيص لدراسات حالات من السنغال (مشكلة الكازامانس) ومالي والنيجر (مشكلة الطوارق) و نيجريا، وغيرها، ويختمه بآراء موجزة عن "إشكالية الخلاف رغم إمكانية الوحدة" و"إمكانية الوحدة رغم إشكالية الخلاف".




    منهجية التحليل وأصالة الطرح

    في كتابات سابقة لنا بخصوص ضرورة الالتفاتة الجادة لإرثنا الافريقي العام، سياسيا وأنثروبولوجيا، ذكرنا أن هناك كتابين، ننصح بهما كل افريقي مهموم بقضية القارة.. الكتاب الأول هو "الأصل الافريقي للحضارة" لصاحبه العلامة السنغالي شيخ أنتا ديوب ، والكتاب الثاني هو "كيف قوضت أوروبا تنمية افريقيا" لصاحبه الدكتور الشهيد والتر رودني ، الافريقي الكاريبي قاطن قـَيانا، وصديق دكتورنا جون قرنق، في الحس وفي معنى المشوار الفكري الوعر.
    قيمة هذين الكتابين، في نظرنا، هي أنهما يؤطران لبداية استقراء تاريخي محلي، بعيون محلية افريقية، ليست أوروبية أو امتدادا لها.. يختلف الكتابان في مجالي تناولهما السياقي والموضوعي، لكنهما يتكاملان في القضية العليا.. لسنا على توافق تام مع أي منهما، لكن نحتفي بهما كثيرا.. ما يؤكده لنا الكتابان أن أثر الاستعمار الثقافي/سياسي، الذي جرى معظمه لنا خلال القرنين الماضيين، كان كبيرا، وما زال، في الجوانب الاقتصادية والسياسية، لكن أثره على مؤسساتنا الثقافية أعظم وأجل، ما جعلنا لليوم منبتـّين بصورة محزنة، فلا نحن أصبنا شيئا أصيلا من حضارة المستعمر ولا بقيت صلتنا قوية بجذورنا الثقافية التي كانت قبل مجيء المستعمر.. بهذا فقدنا، حتى اليوم، حق التطور الطبيعي لفلسفاتنا الاجتماعية وأدواتنا وتقنياتنا الحضارية الإنتاجية.
    مشكلتنا تبدأ من هنا، وما يحاوله ديوب ورودني، في كتابيهما المذكورين، هو إخراجنا من هذه الحفرة التي لن تفيدنا الفرفرة من داخلها، ما دمنا داخلها في النهاية، بغض النظر عما إذا كان بإمكاننا أن نجعل تلك الحفرة "مكندشة" ومؤثثة بأثاث "كولونيالي" فاخر، وبها بعض الكتب الكلاسيكية والحديثة، و"كمان" فيها خدمات تلفون وانترنت.. ليس بإمكاننا أن نتطور فعلا إذا كانت مرجعيتنا الفكرية، وأدواتنا وتطلعاتنا المنهجية، مستوردة في مجموعها مما وراء البحار.. هذا القول ليس ضد الاستفادة التلاقحية من ميراث البشرية حول الأرض، إنما هو ضد المسيرة العمياء خلف خطوات الأوروبي أو ابن جزيرة العرب، بدون الالتفات لاحتمالات أكثر مواءمة لبيئتنا الطبيعية والمجتمعية.. بالتأكيد ليس ديوب ورودني وحدهما في الساحة الثقافية الفكرية من العاملين على إجلاء هذا الأمر، لكن ما يميز الكتابين تخصصهما في المسألة التاريخية التي تبيّن أصول الداء المعاصر، بمنهجية مصقولة وتحليل حصيف.. بيد أن كلا الكتابين لا يقدم بديلا فكريا يصلح لبـِنـَة بناء وترميم للمؤسسات الثقافية المحلية، فمثل هذا البديل نجده عند غيرهما، مثل ما نجد من إنتاج الأستاذ محمود محمد طه، كصرح فكري سوداني أصيل، متشبع بالإرث الافريقي الصوفي ومتمكن من ثقافة عصره في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ونجد أيضا ما يبعث الأمل في أمثال طرح السودان الجديد وفي مانفستو كوش.
    لنفس الأسباب التي ننصح من أجلها بقراءة كتابي ديوب ورودني ننصح أيضا بقراءة كتاب "الحزام السوداني"، فهو طرح غريب على الساحة السودانية المعاصرة، يمتاز بجرأة لا تـُحفّز الثورة الثقافية إلا بمثلها، ويمتاز أيضا بمنهجية تحليلية تاريخية ملفتة للنظر – حتى لمن لا يتفق معها – وبمبادرات فكرية أصيلة، محترمة، في توصيف الداء وبعض الدواء.

    تحفظات مختارة

    برغم إعجابنا بالكتاب فلنا عليه تحفظات، نذكر طرفا منها أدناه، ولعل أهم مافي الكتب الجميلة أنها تحرض فيك جذوة التفكير، ولا تريح العقل من ولوج أرض النقد والحوار – الداخلي قبل الخارجي – سواء أتفقت معها أم لم تتفق، وفي حالة هذا الكتاب فقد نجد فيه ما يثير عظيم الإعجاب كما نجد فيه ما يثير أدوات النقد الموضوعي الكامنة في كل قارئ، لكن المؤكد هو أن أحدنا لن يخرج من قراءته بخفي حنين.
    إحدى النقاط التي لم يوفق فيها الكاتب، في نظرنا، كانت في حديثه عن تاريخ العلائق الأولى للعرب المسلمين مع أهل منطقة السودان، ومنها الرق، وبرغم ان بعض الظروف الاقتصاد/سياسية في الأرض تدعم ضرورة نظام الرق، على سوءاته، في المراحل التاريخية القديمة (خصوصا بفترات الحروب)، ولذا مارسته كل شعوب المعمورة، إلا أن الكاتب نحا أكثر من اللازم للاتجاه الذي يمنح العرب المسلمين وصف "المتحضرين" مقابل "الأقل حضارة" بالنسبة للأفارقة السود، في لقاءاتهم الأولى مع بعضهما، ونحن نرى غير ذلك، كما نرى أن انتصارات العرب الحربية لم تعن تفوقهم الحضاري وقتها، ولنا على هذا أمثلة من التاريخ، فالشاهد أن هناك شعوبا كثيرة هزمت شعوبا أعظم حضارة منها لنفس سبب أن تلك الشعوب كانت أكثر حضارة! تمكن المغول في مراحل تاريخية من الانتصار الكاسح على جيرانهم الصينيين، وقد كان الأخيرون حينها في قمة حضارتهم، أما المغول فكانوا أهل حياة بدوية قاسية، غير متحضرين.. استطاع المغول ذلك لأنهم كانوا أكثر مراسا على الحرب كأسلوب حياة، بل كنهج اقتصادي، فكان جميع رجال المغول جنودا مرتاضين على الحرب وخشونة مأتاها، في حين كانت الصين وقتها ذات دعة في العيش، ما جعل المجتمع الصيني أكثر تخصصا واستقرارا، فكان منهم التجار والعمال والمزارعون والإداريون والجنود (فكانت الجندية تخصصا لنسبة من الرجال)، لذا كانوا ضعيفين أحيانا أمام المغول الذين اعتادوا كلهم على حياة الترحال والخشونة والقتال والنهب الدوري.. يشبه هذا ما جرى للمصريين أيضا حين غزاهم العرب أيام عمر بن الخطاب، فقد كان العرب حينها على غير حضارة، وكانوا مشحونين بعاطفة الدين الجديد الذي وحّدهم، كما كانوا أهل بداوة وشظف عيش وقتال، وكان المصريون حينها شعبا زراعيا، مرتبطا بالأرض والتخصص المهني والاستقرار، فلم يقو على الجيوش العربية المسلمة.. نفس الأمر حدث للممالك الإسلامية بعد ذلك مع التتار.. صحيح أن الصينيين كانت لهم كرّتهم على المغول في فترة لاحقة، كما كانت للمسلمين على التتار، لكن العبرة هنا في أن سجل الحرب يشهد بحقيقة مراحل تاريخية انتصر فيها الشعب غير المتحضر وسيطر، وقد كان هذا ما جرى للمصريين، وللنوبة أيضا (لحد ما)، مع العرب المسلمين حينها.. بعدها تغلغل الإسلام في الحزام السوداني سلميا، كما هو معروف.
    من النقاط الأخرى التي تحفظنا عليها ما نحا له الكاتب من التمجيد الزائد لحركة المهدية في السودان (ضمن تمجيده للحركات الجهادية في الحزام).. ما نراه أن المهدية لعبت دورا تاريخيا ما كان ليلعبه غيرها، وقد كانت إحدى البذور الهامة لدولة السودان بحدودها الجغرافية المعاصرة، إلا أن المهدية لم تكن خيرا مطلقا على السودانيين، والتاريخ يمدّنا بمرارات تجرعتها بعض شعوب البلاد منها، خصوصا تلك التي عارضتها واختارت الولاء لطوائف دينية أخرى، وقد مارست المهدية سبي النساء والرجال من القبائل المسلمة التي أنكرتها، كالكبابيش والشكرية والجعليين، ما حدا ببعضهم للتضرع للمسيحيين لإنقاذهم، حين قال الحردلو الشكري: "أولاد ناس عزاز متل الكلاب سوّونا.. يا يابا النقس، يا الانكليز ألفونا"، والنقس هو النجاشي ملك الحبشة (منصور خالد. "السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام". ص101).. وعموما نرى أيضا أن الكاتب أحيانا احتفل كثيرا بنقاط تاريخية غير جوهرية، وتجاهل أخرى جوهرية جدا.. والحديث ذو شجون، لذا نقف هنا ونشكر الكاتب المرحوم على هذا الذي ورّثنا له زرعا طيبا في بستان الثقافة السودانية.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-09-2008, 04:44 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    لا للهوس الديني * *

    لا ضلال ولا تضليل باسم الدين

    تعليقات في السياسة الداخلية

    فليتواصل النضل ضد هستيريا التكفير والهوس الديني واهدار الدماء

    يسهم في تحرير هذه الصفحة هذه المرة عشرات الكتاب والمفكرين والقادة السياسيين البارزين والعلماء بمختلف انتماءاتهم السياسية ومدارسهم وطوائفهم الدينية، وقفة مشهودة تتسم بعمق المعرفة والجرأة في الرأي والجسارة في الموقف والجهر بقولة الحق والدفاع عن شرف الكلمة وصدقيتها، دفاعاً عن الديمقراطية وحرية الرأي الآخر، وقيم الدين القيم ضد التشويه والابتذال، ودرءاً للفتنة، ومنازلة شجاعة لهستيريا الانفلات والهوس السياسي باسم الاسلام. وكشفاً وتعرية للدثار الذي يغطي المصالح الذاتية باسلام من صنع الكهنوت.

    في هذا الحيز نرصد اسهام بعض هؤلاء في الندوات والصحف المختلفة وغيرها ... وسنتابع ذلك في أعدادنا القادمة، بهدف ان تصل الحملة ضد الارهاب الفكري باسم الدين إلى نتائجها الطبيعية. وهي: اولاً: كشف ادعاء من يتحدثون كذباً باسم الاسلام وهم يدافعون عن الباطل والسلطان الجائر، والحكم الزائل، ولكي لا تتكرر مثل هذه المسائل التي تفتح الباب لكل من هب ودب ان يوزع التكفير دون دراية أو وازع وعن جهل وبقصد الدوافع والمنفعة الخاصة أو الطبقية والفئوية وغيرهامن الدوافع الدونية والدنيوية. ثانياً: تقديم هولاء للمحاكمة ان كانت السلطة صادقة في انه ليس لها يد في ما قام به هؤلاء. وفي هذا الجانب يستوجب على الحادبين وكافة القانونيين دعم الدعوة الشجاعة التي تقدم بها د. محمود الشعراني المحامي في 8/7/2003 ومتابعة سير القضية ضد مصدري الفتوى. (هيئة التحرير).

    * في ندوة اقيمت في جامعة الخرطوم تحدث فيها عدد من الأساتذة من بينهم نازك محجوب المحامية، والأستاذ يوسف حسين عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والأستاذ كمال الجزولي المحامي، كشفوا باسهاب المخطط الذي يستهدف جوهره الهجوم على الديمقراطية وعرقلة الحل السياسي الشامل وأعلنوا تضامنهم ومساندتهم التامة للقوى الديمقراطية في معركة الانتخابات. وقال الصحفي المخضرم الأستاذ محجوب عثمان حاول بعض الذين أصدروا الفتوى التقليل من آثارها ومخاطرها بالحديث عنها انها صدرت قبل عامين أو ثلاثة، وسواء صح هذا الدفع أو لم يصح فان خطر هذه الفتوى وطبيعة (الفتنة) فيها ما زالت قائمة. وتشكل انذاراً باننا مقبلون على مرحلة كتلك التي عاشتها جمهورية مصر قبل سنوات والتي ابتدأت بفتاوي التكفير ثم تبعها وترتب عليها سيل من الاغتيالات المعروفة..الخ (الأيام 9 يوليو 2000). وفي البيان الذي أصدرته مركزية الجبهة الديمقراطية، في 6 يوليو 2003 أكدت ان التكفير يستهدف إيقاف مفاوضات السلام والحل السلمي الشامل ضمن أهدافه الأخرى، كما ذكر الكاتب خالد فضل – الأضواء 9/7/2003 مستفسراً كيف يجوز لأستاذ جامعي يتقاضى أجراً من والد طالب يجلس أمامه فيلغي هذا الطالب ويكفره ويطلب وقف أي تعامل معه. أما الأستاذ حسن بشير كاتب العمود الشهير بالأيام فقد ورد في مقاله الرصين – 6/7/2003، ما هي الصفة لهم في مجال الفتاوي الدينية ثم يخلص إلى ان (الكتلة) التي افتت هي كتلة سياسية وليست كتلة دينية وكل ما ذكرته ليس له علاقة بالفتاوي الدينية بل ينحصر في إطار الصراع السياسي. والدكتور مرتضى الغالي صاحب العمود الساخر يورد في ذات العدد ان هذه الفتوى تطلق الفتنة من عقالها وتشكل خطراً حقاً على التعايش السلمي في السودان.

    * وفي حديث الشيخ عبد المحمود ابو الأمين العام لهيئة شؤون الانصار لصحيفة الوفاق 8 يوليو 2003 جاء، ان التكفير السياسي إرهاب فكري واصدار الفتاوي من حق المجمع الفقهي فقط. وقال الشيخ حسن ابو سبيب القيادي البارز في الحزب الاتحادي الديمقراطي في ذات العدد من الصحيفة، لا يجوز تكفير من نطق بالشهادتين وتكفير مسلم بهذه البساطة، وهي فتوى سياسية أكثر منها دينية لأنها اقترنت بانتخابات الطلاب. كذلك يقول القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي المهندس محمد فائق، انها فتوى سياسية صادرة من حزب له رأي سياسي مسبق في الذين صدرت بشأنهم الفتوى وان الاسلاميين الآن أصبحوا في مفترق الطرق والبلاد على اعتاب حقبة جديدة وهم لا يستطيعون دخولها بما يقنع الشعب، لذلك لجأوا لأسلحتهم القديمة ومنها التكفير واهدار الدماء. (ذات العدد في الصحيفة).

    ويرى عبد الرسول النور القيادي البارز في حزب الأمة، من الصعب ان لم يكن مستحيلاً تكفير المسلم، ويحذر من ادخال المسائل السياسية وخلطها بالمسائل الدينية لأنه يأتي بمردود ضد السلام الاجتماعي والاستقرار في البلاد. وليس من الاسلام في شئ ان يكفر المسلم المسلم الآخر بأي ذريعة سياسية.

    وكتب السيد عوض على الله – الأيام 7/7/2003، الرجل الجالس على مقعد في مقهى لا حجر عليه، ان ابدى رأيا متصل بعباد الله وشؤون الدنيا، فهذا حق طبيعي، ولكن ان يجلس قوم يتدثرون برداء الدين ويصدرون فتوى تحرم الانتماء إلى تنظيم بدعوى انه يدعو إلى الاشتراكية والشيوعية وتلصق بالمنتمين اليه تهمة الكفر والارتداد عن الدين الحنيف فهذا نذير شر مستطير. السلطات المختصة يركبها الجن الأزرق عندما تعقد المعارضة اجتماعاً ولا تكثرت لمصير العديد من الشباب الذين كفرتهم هذه الفتوى.

    وكتب د. محجوب هارون، الصحافة 9/7/2003، ان فتوى المجموعة الصغيرة المسماة من بعض العلماء والشيوخ، تطرح قضيتين كبيرتين يجب أخذهما مأخذ الجدية وكامل المسؤولية، ذلك انه يلزمنا ان نحدد مواقفنا بمنتهي الوضوح حتى نقدم للإنسانية ملامح نموذج اسلامي في سياق إنساني عريض، القضية الأولى هي استسهال الفتوى في قضية قطع فيها الاسلام بجلاء بلغ حد اباحة حرية الكفر حيث من شاء فليكفر.

    وقال الصفحي الناشط في منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان فيصل الباقر، ان هذا زمان التفكير لا التكفير، فقد انتهى إلى غير رجعة زمان التكفير ونحن نعيش عصر احترام التعددية والديمقراطية والسلام واحترام حقوق الإنسان في التفكير وحقه في التعبير وهي حقوق أصيلة كفلتها المواثيق الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان (الأيام 8/7/2003).

    أما الصحفي صاحب العمود المضئ (آفاق ورؤى) محمد موسى حريكة أورد – الأيام 8/7/2003 لم يتسرب استخدام (الدين) كعامل سياسي في تصفية الخصوم وبذلك الشكل المؤسسي إلا في عام 1967 بعد حادثة معهد المعلمين العالي الشهيرة والتي قادت إلى حل الحزب الشيوعي باختراق واضح للدستور وتكريسه لتصفية المناوئين سياسياً. وفي الثمانينات من القرن الماضي يعتبر المفكر محمود محمد طه رمزاً في مقارعة مؤسسة الاسلام السياسي والتي أخمدت انفاسه بحبال المشنقة في محاكمة (الردة) الشهيرة عام 1984، ويستيقظ الآن وبعنف في نسيج هذا المجتمع وفي الألفية الثالثة فتاوي الردة والتكفير وهي تشق طريقها للنيل من الأفراد وصولاً لتلك الحالة الشمولية في تكفير المؤسسات والتنظيمات السياسية.

    في الأيام 20/7/2003 أكد السيد ماجد يحيى القوني ان الجبهة الديمقراطية تحترم الأرث العقائدي والثقافي للمجتمع السوداني ولا يمكن الاساءة لهذه المعتقدات بأي حال من الأحوال، وتاريخ الجبهة الديمقراطية يؤكد حرصها على احترام المعتقدات الشعبية يدل عليه الفصل من عضويتها لكل من يشذ عن السلوك العام ... وحادثتي جامعة الخرطوم والسودان توضحان ذلك. ان جريمة تكفير الآخرين يمكن تجاوزها وعَييَّا، ولكنه يؤكد اصراره على سذاجة المبررات التي دفعت اولئك لإصدار الفتوى.

    وقال د. حيدر إبراهيم – الصحافة 12/7/2003، أما في الاسلام فلا يملك بعد الرسول (ص) أي فرد أو فئة سلطاناً دينياً، وهنا يتساوى الناس في كسبهم وأخذهم في الدين من اصوله دون واسطة او وصاية من أحد. ولقد خرج الشيعة فقط من هذه القاعدة بفكرة الحاكمية ودور المشايخ والحوزات الدينية.. لذلك علينا ان نتحاور في السياسة بلغة السياسة فقط. ويمكن ان اصف الخصم بانه رجعي أو طائفي، أو حتى عميل، ولكن من الخطر والحماقة ان أصف الخصم السياسي بالكفر والالحاد.

    وقال الأستاذ تاج السر مكي – الأيام 6/7/2003، لم يتخل الحزن عني، بل صاحبه غضب عظيم وانا أقرأ اسماء من شاركوا في تلك الملهاة وهم ممن دفع لهم شعب السودان مالاً وجهداً، ينتظر ان يتدفق علمهم رداً للجميل لكن أراهم قد تنكبوا الطريق وها هم يردون الجميل عقوقاً وجرعات من السموم القاتلة.

    وكتب الأستاذ مامون عيسى المحامي – الأيام 21/7/22003، ليس هناك كيان أو تجمع أو هيئة رسمية ذات شخصية اعتبارية حسب التعبير القانوني تسمى هيئة علماء السودان، فالأمر لا يعدو ان يكون مجرد مليشيا تجند موسمياً كلما جد خطب وادلهم أو ضاق خناق على الإنقاذ وهات يا تفصيل فتاوي حسب الطلب والمقاس. كل من التحى وتعمم ووضع على منكبيه ملفحة يمكن ان يفصل فتوى سواء كانت مجموعة أو فرداً.

    وأدلى بدلوه دكتور منصور خالد – الصحافة 16/7/2003 قائلا، حملات التكفير في حد ذاتها ليست جديدة في خارطة الاسلام السياسي المعاصر، من جمهورية افغانستان الاسلامية إلى جمهورية ابسيرديستان (Absordistan) الاسلامية والأخيرة تطلق عليها اطالس الجغرافيا اسم جمهورية السودان. فمنذ ان اقتسر النظام الراهن حكم السودان أعضل داء البلاد خاصة بعد تقسيم الوطن الواحد إلى دار حرب ودار سلام وجعل أهله اصنافاً تتمايز بالديانة، فيها المسلم والكافر والمشرك، ذلك التصنيف المختلق وما تخللته من ريب خبيثة الأصل. نكاد نلمح وراء هولاء الشخابين جماعة في النظام تتناصر بالخداع وتتوالس على الخصوم، تلك الجماعة ما فتئت تهرج بين الناس لتوقد نار الفتن بوعي كامل. لا تفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، وانما هو ترهيب لعباده. فعند هولاء الرهبوت خير من الرحموت.


    http://www.midan.net/nm/private/almidan/m1983/midan1983.htm
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-09-2008, 06:08 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    اجحاف القراى وتراضى الصادق المهدي (2-2)
    محمد عيسي عليو
    في المقال السابق تحدثنا عن اتهام القراي في أن هذا الاتفاق ما هو إلا محاولة لدخول حزب الامة في جلباب المؤتمر الوطني، وتحدثنا عن بهتان القراي في حق القبائل العربية سواء في أبيي أو الضعين أو كل القبائل العربية في دارفور، أكدنا له ان هذه كلها تهم مردودة، وهي لا تنطلق إلا من عدم معرفة أو حسد، أو تجنيد من جهات لهدم أحد أركان الدولة السودانية.
    لم نشئ أن نخرج من الموضوع كما خرج القراي، وندافع عن التهم الشخصية الموجهة للسيد الصادق المهدي ومنها انه قبض ثمن التراضي الوطني وان دخول ابنه بشرى في جهاز الامن احدى المقدمات، وفي هذه الحلقة نواصل ردنا على القراي في حلقته الاولى قراءة في التراضي الوطني.. يقول القراي لماذا لم يطلع الشعب على هذا الحوار؟ ولماذا لم يكن علنياً ومنقولاً عبر وسائل الإعلام!
    يا سبحان الله يا أخي القراي متى كان هذا الحوار سرياً، لم يسل القراي هذا السؤال إلا لحاجة في نفسه واما ان يكون القراي خارج الشبكة سواء كان مريضاً أو مسافراً أو غائباً عن الدنيا لفترة، ربما يكون في خلوة صوفية، أخي القراي لقد بدأ هذا الحوار علناً جهاراً نهاراً فوق الارض وتحت السماء على نور القمر وضوء الشمس في صباح يوم من ديسمبر 7002م حيث كون الحزب خمس لجان من ضمنها لجنة للمؤتمر الوطني واعلنت اسماء اللجنة والمؤتمر الوطني اعلن اسماء لجنته وبدأت الجلسات والاعلام السوداني كان متابعاً، تخللت تلك الفترة مؤتمرات صحفية، واخيراً اعلن الاتفاق على الملأ وخرجت الصحف في اليوم التالي بكل تفاصيله. أين السرية إذن في كل مراحل هذا الاتفاق، طبعاً يا أخي القراي وكما تعلم انه يستحيل اثناء الاجتماعات اخطار الناس بكل شئ، أي تفاوض في الدنيا لا تعلن كل تفاصيله في وقته وهذا شئ معروف.. العبرة بخواتيم الاجتماعات وهو ما اعلن لكم وهو ما سيعرض في المؤتمر الجامع.
    يخرج بنا د. القراي الى فلسفة قديمة تتجدد يتساءل عن كلمتي الشورى والديمقراطية واللتان وردتا في صلب الاتفاق فهو يقول لماذا كرر الاتفاق كلمة الشورى والديمقراطية، اذا كانت الديمقراطية هي الشورى في فهم الحزبين لماذا لا يكتفيان بكلمة واحدة دون حاجة الى التكرار ،واذا كانت الشورى ليست هي الديمقراطية فعلى أيهما اتفقا أم كتبت الديمقراطية ارضاءاً لحزب الأمة وكتبت الشورى ارضاء للمؤتمر الوطني وكلاهما لا يقصدان في الحقيقة أياً منهما.
    حقيقة القراي يريد ان يرجع بنا الى العصور البيزنطية، البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة، وهو يريد ان يعرف ماذا يقصدان بالتكرار أم هو يشكك في مصداقية الطرح أم يرى ان الديمقراطية هي غير الشورى والشورى غير الديمقراطية، الذي يعرف الديمقراطية ويعيشها لا يرى فيها اختلافاً عن الشورى.. وهذا موضوع طويل يا دكتور، ولكن ما نستطيع ان نقوله هنا وفي هذا الزمن الذي نعيشه وما يعنيه الاتفاق ان الديمقراطية هي الجامعة والشورى احدى كلياتها، يمكن لكل حزب ان يتشاور دوماً مع اعضائه أو اتباعه كما يحلو للقراي ان يردد، ويمكنه ان يتشاور مع الاحزاب الاخرى في اجتماعات متصلة، ولكن الديمقراطية هي الفصل في اتخاذ القرارات وهي التي تعطي شهادة البراءة، فما الغضاضة في ايراد كلمتي الشورى والديمقراطية في الاتفاق.
    هنا نأتي للفلسفة الدينية التي يحاول بها القراي اخراج الصادق المهدي من ملة المعتدلين الى المتطرفين، اذ يقول ان قطعيات الشريعة لا يمكن ان توافق على حرية العقيدة ولو كانت الشريعة الاسلامية توافق على ان يعتقد كل شخص ما يشاء لما قام الجهاد واحكم السيف على رقاب المشركين حتى يسلموا وفي رقاب اهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. واستدل في هذا بآيات تبيح قتل الكفار.. هنا نقول للآخرين لأن القراي عارف كل شئ ولكنه واضح جداً يميل إلى الجدال وهذا ليس مكانه ولا وقته ولكني اقول فقط وبكل قوة ان قطعيات الشرعية الاسلامية لا تختلف مع حرية العقيدة، وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم اعلن صحيفة المدينة وهي التي حددت وجوب التعايش بين المسلمين واليهود في المدينة المنورة، وعندما جاءه وفد النصارى من نجران استقبلهم هاشاً باشاً ومد إلى قائدهم مسنده ليتكئ عليه، وما أمنا مارية القبطية إلا تمازج للتعايش بين المسلمين وغيرهم والآية الكريمة تقول «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون» الممتحنة الآية 8-9.. لقد استدليت يا دكتور بكل آيات السيف لماذا لم تستدل بهذه الآية، لا فرق بينك وبين الذي تلا الآية لا تقربوا الصلاة.. ولم يتم وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» فالقراى لا يريد من الصادق المهدي إلا أن يكون كأسامة بن لادن أو كالقراي. لا يا سيد القراي هناك محطة وسطى أرجو أن ترخي لها سمعك وأذنك ولو دنيت لها بحق تطلب الحكمة لما خالفتنا كثيراً وسنثبت لك أن قطعيات الشريعة، تسمح بحرية العقيدة من أراد أن يؤمن ومن أراد أن يكفر،
    الأخ القراي يمعن في الاستفزاز ويقول ان النواحي الدينية التي وردت في الاتفاق استفزاز مقصود لغير المسلمين واشعار لهم بأنهم مواطنون منبوذون سيشن عليها تحالف حزب الامة والمؤتمر الوطني الحرب الدينية. هذا تخويف من القراي غير مبرر ولم يرد في الاتفاق ولن يرد في أي اتفاق يكون حزب الامة طرفاً فيه فليطمئن الجميع. واذا كان هذا هو فكرنا لماذا لا نقوم بذلك من زمان أننتظر حتى يولد ما يسمى المؤتمر الوطني ثم نتحالف معه لقتال غير المسلمين، إذن لكان عملناها مع الاخوان المسلمين ومن زمان! هذه فرية كبرى من أخي القراي لا تصدقوها، يريد ان يخرجنا بها خارج الحلبة، واذا أخرجتنا ما هو بديلك؟ حزب الأمة هو صمام الأمان لك ولغيرك بحق اذا أردت استقرار وطنك.. كدي روق المنقة شوية وحط الكرة تحت، خلي الناس تلعب معاك.
    لكن القراي رجع للحق في حيثيات حلقته عندما قال التعايش السلمي بين الاديان لا يتم بتراضٍ زائف وانما سبيل تحقيقه، هو الاحتكام لإحدى مرجعيتين لا ثالث لهما أولهما أصول القرآن التي وفرت حرية العقيدة، لكل انسان، نقف معك لحدى هنا. القطعيات التي قصدت في الاتفاق هي اصول القرآن التي ذكرتها يا دكتور أما قطع اليد ورجم الزاني اذا اختلفت معنا فيها فيكون لك كلام تاني، ولكن السؤال ما هي الضوابط التي بموجبها نقطع ونرجم، والاجابة هي كم يد قطعت منذ زمن النبي وحتى نهاية زمن الصحابة الأربعة وكم نفس رجمت بحد الزنى في كل تلك الأزمان، لا تتعدى أصابع اليد، إذن يجب أن لا نرفض المبدأ الإلهي ولكن يجب ان نركز على الضوابط.
    لقد قفزت فوق كثير من استفزازات القراي لأني لو تابعتها ستخرجني من طائلة الموضوع ولكني اشير الى نقطة اخيرة وفيها يكرر القراي اهاناته الى اعضاء حزب الامة، عندما يقول لقد اقنع السيد الصادق المهدي اتباعه بأنه لم يدخل مع المؤتمر الوطني في هذا الاتفاق إلا لأن المؤتمر الوطني وعد بالالتزام باتفاقية السلام وبالتحول الديمقراطي وهو يأخذ على الصادق المهدي انه وقع مع المؤتمر الوطني اتفاق جيبوتي والانقاذ تصعد عملياتها في الجنوب. طبعاً استفزاز القراي مستمر باستمراره بلفظ اتباع الصادق المهدي، أما استفزازه الآخر فهو يحاول ان يحرض علينا النوبيين بأننا سعيدين بضرب الجنوب، لماذا لا يفسر اتفاقنا في جيبوتي محاولة لايقاف الصراع المسلح في الجنوب أقلب الصفحة يا دكتور هل يعقل ان تكون في اتجاه واحد طول عمرك.
    ان حزب الأمة في الخمسينات ليس هو حزب الأمة في الستينات وحزب الأمة في الثمانينات ليس هو حزب الأمة في القرن الواحد وعشرين، التطور سمة من سمات الحياة لا شك ان القراي يؤمن بالتطور، ولكنه مع حزب الأمة فالأمر مختلف عند القراي.. صدقني لو حضرت معنا جلسة واحدة في المكتب السياسي لحزب الأمة لتغيرت رؤيتك، لا تظلمنا أرجو أن تتابع التطور في حزب الأمة، إذا فعلت ذلك، من يدري لعلك تكون في يوم من الأيام أحد أقطاب هذا الحزب العريق كما ذكرت في مقدمة مقالك.

    ==
    التعليقات

    1/ ابو ركشه - (السودان) - 9/6/2008
    حضرة الاستاذ عليوة شكرا لمقالك القوي وتفنيدك لكل ادعاءات هذا الرجل الذي لم يعرف حقا ولا باطلا مال حيث القوة تميل والدليل علي ذلك اذا ما عرفته معرفة شخصية تجده بهذه الصفة وايات السيف التي اوردها ..هذا غريبا جدا الا اذا اراد الرجع عما يعتقده لانه لايؤمن بايات السيف باعتبارها ليست الاسلام ولكن الاسلام القران المكي هو الاسلام الذي يدعو له المرتد محمود محمد طه والقراي نعرفه كما تعرف اقرب الناس اليك وربما يجهل العامة من هو القراي الذي عاد من اميركا قريبا بعد مكث كل العمر في الخارج من 1990من الاعوام الماضية وانظر في زواج الجمهوريون واختلاطهم ومصادمتهم للقران ..وقطعهم للارحام ..وهذا اعرفه واعايشه الان وانا اكتب هذا المقال بالذات لمدعي الدين القراي ... القراي يؤمن بالخرافة ولايؤمن بايات السيف ويؤمن بقران مكة ولا يعترف بقران المدينة مصائب كثيرة لايعلمها الله جلبها لنا المرتد محمود محمد طه ..وجزيت خيرا عليو علي ما تفضلت به وان كنت انا غير حزبي ..ولا انتمي لحزب معين والله شاهد علي قولي هذا

    http://www.alsahafa.sd/Raay_view.aspx?id=49733
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

06-11-2008, 12:13 PM

عبدالله عثمان

تاريخ التسجيل: 03-14-2004
مجموع المشاركات: 12050
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    زفرات حرى

    الطيب مصطفي

    بين عبد الله علي إبراهيم ومنصور خالد



    نقطع ما بدأناه حول الظاهرة الفرعونية المسماة بمعمر القذافي لنتيح المجال للمقال المدهش الذي خطه (الحفار) بروف عبد الله علي إبراهيم وأعني بكلمة (الحفار) التي استعرتها من الأخ الأستاذ صديق محيسي ـ رد الله غربته ـ أن بروف عبد الله لا يجارى من حيث قدرته على الغوص في الوثائق و(نبش) الماضي البعيد لإقامة الحجة وتقديم الدليل ودعم المنطق الذي يسوق به أفكاره ورؤاه وهذه ميزة لا تتوافر كثيراً في المجتمع السوداني بما فيه مجتمع المثقفين والنخب.



    أعيد نشر هذا المقال منوهاً إلى أن الاستشهاد بالقصة التي رُويت في المقال عن محمود محمد طه لا تعنى بأي حال رأياً إيجابياً أو تقديراً أكنه للرجل الذي لا يختلف رأيي فيه عن القرار الذي أصدرته حوله المحكمة التي قضت بردته.



    أود أن أطمئن بروف عبد الله بأن الوثائق التي ذكرها في مقاله باتت معلومة لدينا وأظن أن بروف عبد الله يقصد بعبارته (وسيكون من الطريف بالطبع أن يستجوب نبيل رفيقاً شيوعياً متى استدعته الانتباهة ليشهد لها) أظنه يقصد الأستاذ محمد إبراهيم نقد الذي لا نعلم ما إذا كان سيستجيب للشهادة ويفضح د. منصور خالد الذي وشى به للاستخبارات الأمريكية عندما كان طالباً في كلية الخرطوم الجامعية أو سمها جامعة الخرطوم!!



    مقال بروف عبد الله علي ابراهيم



    يمثل الأستاذ نبيل أديب عبد الله المحامي الدكتور منصور خالد في قضية إشانة السمعة التي رفعها ضد جريدة الانتباهة. ومع أن للمحاماة أعرافها في خوض القضايا إحقاقاً للحق بغض النظر عن رأي المحامي في طبيعة المتهم أو التهمة إلا أنني استغربت شيئاً ما أن يكون نبيل طرفاً في القضية لسببين. أما السبب الأول فهو رأي نبيل (الذي هو أميز من يكتب هذه الأيام عن مادة إشانة السمعة وحرية التعبير) أن هذه التهمة من مثبطات النقاش الوطني ومبطلات دوران الرأي في الشأن العام، فلو وقع لي حديث نبيل أديب فهو على الحجة التي ترى في دعوى إشانة السمعة مصادرة للحق في انتقاد الحكام.



    وبدا لي من عرضه الجيد لهذه المادة أن قانوننا يكفل هذا الحق لأنه استثنى من الحماية كل مشتغل بالعمل العام. وبدا لي أن نبيلاً ميال لأعراف القانون الأمريكي حول القذف دون سواه لأنه لا يتطلب من شانئ المشتغل بالعمل العام أن يثبت صحة أقواله عنه. فلو طالبناه بمثل هذا الاثبات لعطلنا النقاش الحر لأن الوقائع كثيراً ما خفيت. وهكذا يرخص القانون الأمريكي للمعلقين على رجال الشأن العام ونسائه حق الخطأ في إيراد الوقائع طلباً لليقظة تجاه أدائهم ومساءلتهم باستقامة لا تهدأ أو تكل. فمن مستحبات الأمريكان أن تخطئ. طالما أخطأت. على الجانب الصحيح من المسألة. وليس هذا الترخيص دعوة للسفه بإطلاق القول على عواهنه بالطبع. فالصحف من جانبها تأخذ هذه الطلاقة القانونية بجدية ومهنية تفلفل فيها قصصها فلفلة فلا تخرج الواحدة منها للنشر إلا بعد تمحيص لا يترك شاردة ولا واردة.



    أما السبب الثاني فهو أن نبيلاً، مثل كل اليساريين من جيلي، ترعرع على ذائعة عمالة منصور للأمريكيين التي هى موضوع القضية موضوع الحديث. وصحيح القول أن الانتباهة لم تبتدع تهمة هذه العمالة وإنما اتبعت الشيوعيين فيها حذو النعل بالنعل. وهى عبارة تعلمناها من حبيبنا صلاح أحمد إبراهيم. ولم نسأل جيل منصور من رفاقنا الشيوعيين على ما قالوا عن منصور خالد برهاناً. وكان آخر شائنة لمنصور من الشيوعيين بهذه العمالة في كتابهم الذي قوموا فيه اتفاقية أديس أبابا ٢٧٩١م. ثم أسقطوا التهمة بالتقادم وبغير شرح حين أعادوا نشر الكتاب بالقاهرة في التسعينات. ووصفت هذا الاختلاس الثقافي في وقته بـ »خفة اليد الثورية«. ووجدت الأستاذ محمد إبراهيم نقد في كتاباته قبيل خروجه من المخبأ عاتباً على رفاقه الذين تطفلوا على نص الكتاب. وسيكون من الطريف بالطبع ان يستجوب نبيل رفيقاً شيوعياً متى استدعته الانتباهة ليشهد لها.



    لو عامل الناس منصوراً بالمثل لما خرج من محاكم إشانة السمعة لحظة واحدة فالقذف سليقة تجري على قلمه. وليس ذلك لأن منصوراً سيئ الطوية بل لأنه خريج مدرسة التفاصح العربي التي تطغى فيها محسنات اللغة وبديعها بصورة تصبح الوقائع نفسها عرضاً. فاللغة عند أهل هذه المدرسة ليست حالة من الوعي بل هى لتسويد صحائف »في متونهن جلاء الشك والريب«. فقد وصف منصور الدكتور خالد المبارك مدير معهد الموسيقى والمسرح في آخر السبعينات وأوائل الثمانينات، في كتابه »المخيلة العربية« بأنه من المرابطين في ثغور مايو يأكل تمرها عن آخره قبل أن ينقلب عليها ويرميها بالنوى. وأنه التحق بجوقة المايويين مديراً لمعهد الموسيقى والمسرح، وأنه صوّت لصالح دعوة الرئيس نميري في وجه اعتراض بعض الأساتذة وكانت عقوبة هؤلاء المعترضين الفصل بتهمة الشيوعية. عقاب مايويتك يا منصور! لقد كنت طرفاً في هذه القصة كعضو بمجلس المعهد الاكاديمي. وأشهد الله ما رأيت في حياتي، وقد بلغت هذا المبلغ من العمر، رواية لواقعة افترسها سوء النية وشح النفس كمثل رواية حادثة معهد الموسيقى والمسرح، وقد أخذها منصور بذبابتها عن الشيوعيين لم يحقق فيها بصورة مستقلة فيسأل المعاصرين لتتكافأ فصاحته ووقائعه.



    أما أدق من نظر في فلتان منصور عن الملاحقة القضائية بإشانة السمعة فهو المرحوم الأستاذ محمود محمد طه وتلاميذه. فقد وقف الاستاذ وحواريوه بمحكمة بورتسودان العام ٥٧٩١ متهمين بإشانة سمعة القضاة الشرعيين. فقد كان نظم الجمهوريون معرضاً لهم بالمدينة ووضعوا بخط كبير على ملصق عبارة للأستاذ عن هؤلاء القضاة بعد حكمهم عليه بالردة في ٨٦٩١م قال فيها إن قضاة الشرع (أذل من أن يؤتمنوا على الأحوال الشخصية. لأنها أخص وأدق القوانين لارتباطها بحياة الأزواج والزوجات والاطفال. وفي كلمة واحدة ـ العرض.) وزادوا بكلمة أخرى من الاستاذ »متى عرف القضاة الشرعيون رجولة الرجال وعزة الأحرار وصمود أصحاب الأفكار«.



    ولما انعقدت المحكمة قرأ ا