الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة..

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-10-2018, 06:01 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة د.ياسر الشريف المليح(Yasir Elsharif)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
26-03-2008, 10:06 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26989

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها من أزهريين ومن سعوديين (Re: Yasir Elsharif)

    في أغسطس من عام 1975 كتب الجمهوريون كتابا عنوانه "بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها من أزهريين ومن سعوديين".. في تقديري أن هذا الكتاب فيه مواجهة شديدة جدا لسلطة مايو ممثلة في واحدة من وزاراتها وهي وزارة الشئون الدينية والأوقاف.. وفيه أيضا مواجهة لرابطة العالم الإسلامي والأزهر.. وبعد شهر واحد من ذلك الكتاب وقعت محاولة الإنقلاب العسكري بتدبير من الطائفيين والإسلامويين السلفيين في سبتمبر 1975..



    Quote: الأخوان الجمهوريون




    بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها



    من أزهريين ومن سعوديين








    الطبعة الأولى شعبان 1395 هـ ـ أغسطس 1975 م



    الإهداء

    إلى الذين قال تعالى فيهم:
    "وإذا سمعوا اللَّغْوَ أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أعمالُنا، ولكم أعمالُكم.. سلامٌ عليكم، لا نبتغي الجاهلين.."

    بسم الله الرحمن الرحيم
    "ولولا فضل الله عليكم ورحمته، في الدنيا والآخرة، لمسَّكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تَلَقَّوْنه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم.."
    صدق الله العظيم

    المدخل:
    على "الدعوة الإسلامية الجديدة"



    الدعوة الإسلامية الجديدة، دعوة إلى إحياء وبعث السنة الأحمدية التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، والتي بشَّر بإحيائها في حديثه المشهور حين قال "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قالوا من الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنتي بعد اندثارها".. وقال أيضاً عن الغرباء، في رواية ثانية "هم فئة قليلة مهتدية، في فئة كبيرة ضالة".. ونحن، بفضل الله، لعلى يقين تام، بأن هذه الدعوة التي رفع لواءها الأستاذ محمود محمد طه، منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، هي الإسلام، عائداً من جديد، وهي الدعوة الوحيدة الناطقة اليوم عن المصحف، في مشارق الأرض ومغاربها.. ولقد بشَّر بها الأستاذ محمود في وقت نَصَل فيه المسلمون عن دينهم، وأصبحوا يعيشون على قشوره، بعد أن أحاطت بهم تيارات الحياة المادية المعاصرة.. ثم هي قد جاءت أيضاً في الوقت الذي انبهمت فيه سبل الإرشاد، وضربت فيه الإنسانية في التيه، وقد عزَّ، وحار، بها الدليل.

    ولقد أصدرت الدعوة الإسلامية الجديدة، في سبيل رسم، وتأمين، خط العودة إلى الدين، نحواً من ثلاثين مؤلفاً، وزعت مئات الألوف من النسخ، بلغ بعضها مستوى الطبعة الثامنة، ولا يزال الطلب عليه متزايداً، يضاف إلى ذلك مئات من المنشورات، والكتيبات، والمقالات، التي حملتها الصحف، وجرى بها النقاش في مئات المحاضرات، والندوات، والتي أقيمت على طول البلاد وعرضها.. ونحن من وراء كل ذلك السعي، نستهدف تأسيس الدعوة، حتى يقوم التبشير بها على بينة وبصيرة.. ومن تلك البصائر النيِّرة، إصرارنا على تقديم الدعوة مبرأة من أوضار الجهالات، ومباذل التعصب، وحرصنا على مخاطبة الناس على قدر عقولهم وطاقاتهم الجديدة في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين.. ولعله من الضرورة بمكان أن نؤكد أن مخاطبة إنسانية القرن العشرين على قدر طاقاتها الهائلة المتجددة، وحاجاتها المتزايدة، ليس بالأمر العفوي، كما يفعل كثيرون اليوم، وإنما هي، وخاصة في أمر الدين، تتطلب الداعية المروض، الحاذق، الفطن، المتأدب بأدب الحق وأدب الحقيقة، والقادر، من ثم، على تقديم الدين في مستوى تلك الطاقات، والحاجات الهائلة التي لا تقع تحت حصر، وعلى يكاد يكون به الدين جديداً في الأرض! وإلى هذا المعنى وردت الإشارة من قوله تعالى "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً".. ثم إن هذه الدعوة على شمولها وعمقها، ودقتها، التي تتسع لأعم المفكرين، هي في ذات الوقت في متناول الرجل العادي الأمي، أو من هو على شاكلته من محدودي العلم والثقافة، ذلك أنها، وكما سبقت الإشارة، دعوة على بعث السنة المطهرة التي تتجه بالناس إلى تقليد النبي صلى الله عليه وسلم، في أسلوب عبادته وفيما يطيقون من أسلوب عادته، حتى يكون قدوتهم، وإمامهم، ووسيلتهم.. وعلى هذا النهج من السلوك تتعلق الهمم بالتجويد وتصبو للكمال.. وهذا ما قامت عليه محاولة الجمهوريين اليوم، وقد عقدوا العزم أن يتشبهوا بحال أستاذهم المعبر عنه بالكلمات في قوله: "لن يهدأ لي بال حتى أرى الإنسانية قاطبة وقد قام ما بينها وبين ربها على الصلاة، وما بينها، فيما بينها على الصلة".

    وحجة الدعوة الإسلامية الجديدة في مخاطبة الناس اليوم، ليست في هذه المعرفة المحمولة في الكتب فحسب، وإنما هي، وبقدر أكبر من ذلك، في أبنائها وحملتها الذين تربوا على نهجها في سلوك السنة، فأصبحوا يعيشون بفضل الله ثم بفضل توجههم، وحسن إقبالهم، الشمائل النبوية، في غير تعمُّل، ولا تكلُّف، ولا رياء.. ثم هم يحاولون، دائماً، وفي كل يوم، تجسيدها في لحمهم ودمهم.. وبحمد الله فقد "وجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً".
    المقدمة:
    في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل الوعي في بلادنا غدا السودان الحبيب وشعبه العملاق، هدفين من أهداف الأطماع الخارجية المتربصة، والمحدقة، بشعبنا، وببلادنا.. وهي تتمثل في أظهر صورها في الجهل المسيطر على الأنظمة الرجعية في كل من مصر والسعودية، وفيما يدور في فلكيهما من جهلاء الشعوب الإسلامية والعربية، المتصدرين للزعامة والرئاسة، تحت ستار حماية الدين، والذود عن الإسلام!!

    ومنذ أيام قلائل وقعت في أيدينا ثلاث رسائل: الأولى من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة"، والثانية من "الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر"، وهاتان الرسالتان موجهتان للشئون الدينية بالسودان.. وفي كلتيهما تدخل سافر، وغير كريم، في أخص شئوننا الداخلية، لا ترضاه نفس حر، ولا يقبله عقل كريم!.. ذلك أنه يحظ من قدرنا كأمة لها اعتبارها، وكشعب له كينونته، ومميزاته، ثم هو بعد ذلك كله، يقدح ويجرح من كرامتنا التي اشتهرنا بها على مر العصور، وفي أحرج الأوقات.. والتي عبَّر عنها يوماً الأستاذ محمود محمد طه في خطاب مفتوح للمرحوم جمال عبد الناصر [محمد نجيب] قال فيه: "إن السودانيين قوم يؤذيهم أن يطمع طامع فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون".. فيجب علينا اليوم أن نردد، بحالنا وبمقالنا، هذه العبارات، هذه العبارات المضيئة المشرقة لتنير لنا طريق الحرية، ولتفتح أمامنا أبواب المجد، فنحفظ تراثنا، وندفع عن كرامتنا..

    أما الرسالة الثالثة، والتي حملت رد الشئون الدينية على رسالة الأزهر، فقد كانت بكل أسف، مثلاً من أمثلة الطيش والتهافت، لا تشرِّف كاتبها، وتدمع، في نفس الوقت، جهاز الشئون الدينية بالغدر، والتآمر، على قضية الدين، والفكر، بهذا البلد.. وقد اتجهت الرسائل الثلاث إلى الخوض في عرض الجمهوريين على غير هدى، ولا بيِّنة، ولا كتاب منير، وبجرأة على الحق لا يملكها العارفون.. ولقد عمدت تلك الرسائل إلى تشويه أفكارنا، وإثارة الفتن حول دعوتنا، على نحو لا يليق إلا بتلك الجهات المشبوهة التي تحكي، وتدَّعي الدين، بلا دين.. ومما يدعم رأينا، ويؤكد اتهامنا بتآمر تلك الجهات، مجتمعة، على دعوتنا، أنهم قد اتجهوا جميعاً، وفي خبث واضح، إلى استعداء السلطة علينا، ومطالبتها بتحريم نشاطنا، ومصادرة أفكارنا، ولكن هيهات!! فإن الله معنا وهو حسبنا، ونعم الوكيل!!

    وحسب أشياخ الشئون الدينية من الهوان أن يصبحوا غرضاً من أغراض الطامعين، وهدفاً من أهدافهم، يستخدمونهم في كبت الأفكار، ومصادرة الحريات..

    أما بعد، فإن الجمهوريين يرفعون النذير العريان، كعهدهم دائماً، وقبل فوات الأوان.. لكي لا تزلَّ قدم بعد ثبوتها..

    والآن، فإن التآمر الخارجي لم يقف، ولن يقف عن الجمهوريين وحدهم، وإنما سيتجاوزهم كلما وجد سبيله سهلاً وممهداً إلى مكتسبات الشعب ليرمي به مرة أخرى في أحضان الطائفية والرجعية، لتلتقي النظارئ بالنظائر، وتنضم الشكول إلى الشكول.. ولكن ذلك لن يكون، فإن الله لهم بالمرصاد.. فقد قال، وهو أصدق القائلين: "ويمكرون ويمكر الله.. والله خير الماكرين"..


    الرسالة الأولى:
    من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة":ــ


    قلنا في مقدمة هذا السفر أننا قد وضعنا أيدينا على ثلاث رسائل، ولم نشأ أن نفصل عنها في ذلك الموضع من الكتاب، بأكثر من الإشارة الإجمالية عنها.. كما سنمسك الآن عن التعليق عليها حتى نورد نصها كاملاً لنوجد المشاركة الفعلية بيننا وبين القارئ فنتفق على واضحة منها أو نختلف عليها.. وها نحن فيما يلي نورد النص الكامل لرسالة "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة":ــ
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا))
    رابطة العالم الاسلامي .. الرقم 1 ـ 723/
    الأمانة العامة. التاريخ 5 ربيع الأول 1395 هـ
    مكة المكرمة. المرفقات..
    حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور/ عون الشريف قاسم
    وزير الشئون الدينية والأوقاف ـ الموقر.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
    أفيد معاليكم بأنّ من ضمن القضايا الاسلامية التي ناقشها المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي في دورته السادسة عشرة (محمود محمد طه) السوداني الذي ادعى الرسالة وأنكر ختم الرسالة وأنه المسيح المنتظر كما أنكر الجزء الثاني من الشهادة الى آخر ما جاء في ادعاءاته الباطلة.. وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه أصدر المجلس حكمه بالاجماع بارتداد المذكور من الإسلام وتأييدا لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم وأنه يجب على المسلمين أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.
    أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذه خاصة وقد صدر من مجلس يضم نخبة من العلماء والزعماء الممثلين من معظم الشعوب الإسلامية في العالم. وانتهز هذه الفرصة للإعراب عن صادق شكري وتقديري لتعاونكم الدائم مع الرابطة فيما يرفع شأن الاسلام والمسلمين وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام.
    التوقيع
    الأمين العام ـ أحمد صالح القزاز

    بهذا الخطاب الجاهل المغرض قد تأكَّد، واستعلن، بُعد المسلمين ومفارقتهم لجوهر دينهم، والتي لم تعد شيئاً خلافياً يقع الإختلاف عليه، كما كان الحال قبل وقت مضى، وإنما أصبح بفضل الله، ثم بفضل الحوادث التي يسوقها لنا أمراً ظاهراً، ومشهوراً، يتفق عليه جميع الناس، اللهم إلا من مكابر أعماه التعصب، وطمسه الحقد عن رؤية الحق الأبلج، أو من طابع استذله حب الدنيا، فسعى ليأكلها بتغفيل الناس وإيهامهم أنهم على الجادة وأنهم بخير .. ولئن جاز مثل هذا العبث، وهذا التضليل على بعض البسطاء والسُّذج من المسلمين اليوم، فلن يجوز عليهم غداً، وذلك بفضل المجهودات الهادفة، والوعي النامي المتزايد، الذي زحمت به الدعوة الإسلامية الجديدة أجواء الحياة في بلادنا على نحو لم تسبق عليه، مما أثار، وحرَّك، أطماع المغرضين من ذوي النفوس المريضة، فسعوا بالفتنة والشقاق حتى تم لهم ما أرادوا من إصدار تلك الأحكام، وتلك الفتاوى، التي حواها خطاب الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي للدكتور عون الشريف.. والتي ظنوا أنها ستقضي على الفكرة الجمهورية بجرة قلم، ولكن هيهات! فإن هذه الدعوة لم تؤسس قواعدها على أكوام الرمل، وإنما بنيت على الحجر الصلب! فواعجبي من هؤلاء الذين لا يعرفون قد أنفسهم ولا قدر خصومهم.

    إن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة تقف بعملها الطائش هذا، وغير المسئول، كأكبر دليل على أن المسلمين قد أصبحوا اليوم غثاء، كغثاء السيل، لا يبالي الله بهم.. وسنرى أدلة كل أولئك مفصلة في مناقشتنا لما حواه ذلك الخطاب العجيب! :ــ


    دَعْوَى الرِّسالة:

    جاء في ذلك الخطاب العجيب زعمهم أن الأستاذ محمود محمد طه قد "ادعى الرسالة" فهل هذا صحيح؟ أم أنهم قد تورطوا في هلكة؟؟ قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".. فهلاَّ تذكر محررو ذلك الخطاب المتهافت هذا النذير الإلهي، فأراحونا وأراحوا أنفسهم من هذه الهلكة وهذه الغثاثة التي يتورطون، ويسوقون الناس جهلاً إلى التورط معهم، فيها، إذ يخوضون فيما ليس لهم به علم؟! نحن نطالبهم باسم الشعب السوداني الذي يستهدفونه من وراء هذه الأباطيل وهذه الإتهامات الجوفاء، أن يثبتوا لنا أن الأستاذ محمود محمد طه قد ادعى الرسالة قولاً، أو كتابة، وألاَّ يلقوا بالقول على عواهنه، ودونكم مؤلفات الأستاذ، ودونكم محاضراته، وندواته، ومجالسه الخاصة، فإن ظفرتم من ذلك بشيء تطمئن إليه نفوس المؤمنين فافعلوا، وإلاَّ فاستحيوا من أنفسكم قبل غيركم، وأنم الذين تدَّعون قيادة المسلمين! من غير أن تحتكموا لآداب الإسلام على نحو ما رأينا في النذير القرآني قبل قليل.. أما نحن فننفي هذا الإدعاء، نفياً قاطعاً، لعلمنا أنه لم يقع مطلقاً، ثم لعلمنا أن إنسانية اليوم ليست بحاجة إلى رجل يعلن عليها أنه رسول، وإنما هي بحاجة حياة أو موت إلى داعية يحلم أحلامها، ويعيش مشاكلها، ثم هو قادر على تقديم الحلول الناجعة لمشاكل أفرادها، ومجتمعاتها، على نحو يفضي بالوسائل إلى غاياتها فيقوم المجتمع السليم المعافى الذي ينجب الأفراد الأحرار.. هذه هي حاجة إنسانية اليوم.. وقد فعل الأستاذ محمود في هذا السبيل فعلاً يتقاصر أمام عظمته كل داعية، ويتأدب من هيبته كل دَيِّن اطلع على حقائق الدين وخبر كرامة الفكر.. هذا ما نحن عليه، وهو واضح لا يحتاج إلى دليل، إلا إذا احتاج النهار إلى دليل.. ولكننا برغم ذلك الوضوح نسوق للشعب الحقائق حتى يكون على بينة منا ومن دعوى المدَّعين علينا:ــ

    جاء في كتابنا طريق محمد الطبعة الثالثة من قول الأستاذ "ويؤخـذ من دقائـق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة ـ الأصحاب ـ .. والأمة المسلمة ـ الأخوان ـ .. وأنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة ، والرسالة الثانية السنة التي أجملها ، ولم يفصلها إلا في معنى ما مارسها ، وعاشها دما ولحما.." جاء هذا في كتاب طريق محمد.. أما في كتاب الرسالة الثانية فقد ورد في الصفحة الخامسة من الطبعة الرابعة ما أكَّد أن الرسالة الثانية هي السنة النبوية، فاسمعوا إذن ما قاله الأستاذ في هذا المعنى: " فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به .. "هي مخاطبته هو على قدر عقله" .. وفرق كبير بين عقله ، وبين عقول عامة الناس .. وهذا نفسه هو الفرق بين السنة والشريعة .. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس"..

    من هذا يتضح، وبجلاء، أن موضوع الرسالة الثانية عندنا هو تفصيل ما عاشه النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجمل تبليغه بسيرته، وأن ذلك لا يكون إلا لرجل آتاه الله الفهم عنه في القرآن، وأذن له في الكلام.. فما رأي القراء إذن؟ وما رأي الشعب السوداني المستهدف وراء تلك الأكاذيب، وتلك المفتريات؟؟

    هذه واحدة.. أما الثانية فقد جاءت أهزل من سابقتها، وهي إن دلَّت على شيء إنما تدل على أن أشياخ "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، عوام لا يعرفون الدين، ومن باب أولى يجهلون القرآن.. فماذا قالوا عن ختم الرسالة:


    ختم الرسالة:

    قال "علماء رابطة العالم الإسلامي" في خطابهم الهزيل الذي مرَّ بنا قبل قليل في هذا الكتاب، أن الأستاذ محمود محمد طه "أنكر ختم الرسالة"".. ألقوها هكذا عارية، ومن غير أن يوردوا شيئاً من أقوال الأستاذ، إمعانا منهم في التضليل، وكتم الحقائق على الناس.. قال تعالى وهو أصدق القائلين "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا، فأولئك أتوب عليهم.. وأنا التواب الرحيم" فنعوذ بالله من وعيد الله..

    ومن جانبنا فإن هذا الصنيع منهم لا يضيرنا بقدر ما يدل علينا، حتى ينتبه الناس فيأخذوا دينهم على بينة، وعلى بصيرة.

    ومن هذه البينات، وهذه البصائر، قولنا بعدم ختم الرسالة، فإن هذا حق غفل عنه كل الناس، فدرجوا على ما ألفوا من غير هدى، وها نحن نحاول إيقاظهم بنجاح.. وأول ما يقال في هذا الأمر أن النبوة قد ختمت بنبينا محمد عليه صلوات الله وسلامه، ولكن الرسالة لم تختم، وبينة هذا الأمر يجليها قوله تعالى "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليماً" وفي هذا القول كفاية للعارفين، ولكن لا بد من تبسيطه، وتذليل صعوبات الفهم لمن هم دونهم، من المسلمين وغيرهم حتى يصبح الأمر جلياً وواضحاً.. فمن أجل ذلك نسوق في هذا الكتاب ما ورد عن الأستاذ محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام، الطبعة الرابعة الصفحة "10" والذي تكفل بشرح هذا الأمر شرحاً دقيقاً ووافياً.. فقد جاء في ذلك قوله "والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار.. وإنما هم يعترضون على الشكل.. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة ، تقتضي رسولا ، يقتضي نبـوة ، وقد ختمت النبـوة ، بصريح نص ، لا مرية فيه.. وإنه لحق أن النبـوة قد ختمت ، ولكنه ليس حـقا أن الرسالة قد ختمت: (( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليما)).. ومعلوم أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا .. ولكن النبوة ما هي؟؟ النبـوة هي أن يكون الرجل منبأ عن الله ، ومنبئاً عن الله .. أي متلقياً المعارف عن الله بواسطة الوحي ، وملقيا المعارف عن الله إلى الناس ، على وفق ما تلقى ، وبحسب ما يطيق الناس .. فبمرتبة التلقي عن الله يكون الرجل نبياً ، وبوظيفة الإلقاء إلى الناس يكون رسولا .. هذا هو مألوف ما عليه علم الناس .. ولكن هناك شيئا قد جد في الأمر كله ، ذلك هو معرفة الحكمة وراء ختم النبوة بمعناها المألوف .. لماذا ختمت النبوة ؟؟
    أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبـوة لم تختم حتى استقر ، في الأرض ، كل ما أرادت السماء أن توحيه ، إلى أهل الأرض ، من الأمر .. وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط ، بحسب حكم الوقت ، من لدن آدم وإلى محمد .. ذلك الأمر هو القرآن .. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة .. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك ، جبريل - أن يتلقوا عن الله كفاحا - ذلك أمر يبدو غريبا ، للوهلة الأولى ، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول ، ذلك بأن القرآن هو كلام الله ، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا ، ولكنا لا نعقل عنه .. السبب ؟ أننا عنـه مشغـولون .. قال تعالى في ذلك: (( كلا‍‍!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا!! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون )).. وإنما جاء القرآن بمنهاج شريعته ، ومنهاج طريقته ، وبأدبه في كليهما ، ليرفع ذلك الريـن ، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن ، فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القـرآن ، بالقدر الذي وعى عن الله .. " انتهى.

    فما رأي "علماء" ومشايخ "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، في هذا الذي نقول؟ هل اطعلوا عليه؟ أم ساقوا ما قالوا على ما وردهم من سفه وإشاعات؟ وقد كنا نربأ بأمثالهم عن هذا الهوان الذي اختاروه لأنفسهم، بأنفسهم، فذهبوا في إهلاك أنفسهم وتضليل شعوبهم مذهباً يدل على أنهم آخر وأبعد من يتحدث عن أمر الدين، ذلك أن من يتحدث عن الدين لا بد أن يكون محكوماً بقواعد، وآداب الدين، وما بدا منهم لا يدل على أنهم يتحلون بشيء من ذلك.. قال تعالى "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول.. والله يعلم أعمالكم".. وكما عبَّر أيضاً عن هذا المعنى أصحابنا الصوفية، فقالوا: "تحدَّثوا تُعرفوا" وقد تحدث هؤلاء بما دل عليهم، وأعان على معرفتهم.. فالحمد لله الذي وهبنا من الدين ما نميز به بين الأمرين، نفجنب شعبنا مزالق الزيغ، والهوس، حتى لا يؤخذ بحملات التضليل والسعورة، والمستوردة على غرة.. ونحن، وكما قلنا قبل قليل، كنا نود أن نسمع من "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" رأيهم فيما ورد عنا غن "ختم النبوة" و "ختم الرسالة" بدلاً من مهاترات العوام التي ذهبوا إليها.. أوليس من الأليق بهم وبحرمة "العلماء" أن يتبينوا وأن يتثبتوا من كل ما وردهم عنا حول هذا الأمر الجلل، وأن يذهبوا في مناقشته مناقشة موضوعية تواجه ما ذهبنا إليه من الحجج بدلاً من السير في تلك المتاهة المهلكة بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.. ثم أليس في ذلك مصداق لما أخبر به القرآن الكريم حيث قال "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يُدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين؟؟"

    ومن ناحيتنا، فإننا لا نحفل بأمثال هؤلاء، ولكننا فقط أردنا إلى تسليط الضوء عليهم حتى يكون الشعب على بصيرة من أمر "الشئون الدينية" في بلادنا، والتي تحفل بأمثال هؤلاء الجهلة، بما تفسح لهم المجال لتضليل الشعب، وبما تمكنهم من مخادعتنا حين ينسبون لوزيرنا من التعظيم والألقاب الكبيرة ما يأباه الدين، وتتأذى منه نفوس المؤمنين.. اقرأوا مرة ثانية قولهم "حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور".. ألا تدل هذه الألقاب الكثيرة على فراغ في الفكر، ومرض في النفس، أم ما رأيكم أنتم؟؟


    والمسيح المنتظر؟!

    قال مشايخة "رابطة العالم الإسلامي" في خطابهم المتهافت آنف الذكر، أن الأستاذ محمود محمد طه قد ادعى بأنه "المسيح المنتظر" كما أنكر "الجزء الثاني من الشهادة" وكما وعدنا القراء، فإنا سنواصل استقصاء تلك الإتهامات الرعناء واحداً واحداً حتى نأتي عليها جميعاً، على نحو يزيل اللبس، ويمكِّن من الحقيقة، حتى يكون شعبنا الكريم على بينة وواضحة من الأمر..

    وأول ما يقال عن هذا الأمر، أن لم يرد عنا ادِّعاء لمقام المسيح في أي من كتبنا أو أحاديثنا، وذلك لسبب بيسط وبديهي وهو أن المقامات لا تنال بادعائها، كما أنه ليس من أدب الدين في شيء ادعاء المقامات لأن الادِّعاء في شرعة التوحيد عجز عن الوفاء بالتزام واجب العبودية نحو الربوبية.. ثم لأن التستر خلف الأسماء الكبيرة، والمقامات العالية، ينطوي على شيء من الإرهاب الفكري، للناس، الذين يريدون حلاً لمشاكلهم، ولذلك فإننا حريصون، أشد الحرص، على عرض المحتوى الموضوعي للإسلام بعد نفي الغموض الديني عنه، وعلى نحو يبرز للناس فضيلة الإسلام التي لا تُجارى، فيسلكوا إلى الله على فكر ويقين.. ومهما يكمن من الأمر، فإن قولنا هذا ليس مقصوداً منه أن ينفي مجيء المسيح، فإن ذلك أمر مفروغ منه بالضرورة، وإنما قصدنا به إلى نفي فرية ادعائنا لذلك المقام.. لأنه من الجهل بمكان، إضاعة الوقت في ادعاء مقام لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يجلى إلا لوقته في اليوم الموعود.. ثم نضيف بأن مجيء المسيح أمر بشَّرت به كل الأديان، وسيتحقق بمجيئه، إن شاء الله، كل الكمالات الإنسانية الموعودة لأهل الأرض، والتي ليس بيننا وبينها إلا أن نعمل في أداء الواجب المباشر جهد الإتقان، في الدعوة إلى الله على بصيرة حتى يكون المكان فينا، وفي من حولنا، مستعداً لمجيئه.. وأضعف الإيمان في هذا الأمر أن نؤمن بمجيئه، وأن ننتظره. فإن المسيح عليه السلام قد قال مرة لتلاميذه "حتى الذين ينتظرون فإنهم يصلّون" وكما جاء مثل ذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال "من كان في انتظار الصلاة فهو في صلاة" وعليه فنحن دعاة للتبشير بعودة المسيح لمجرد أننا دعاة لعودة الإسلام.. وقد جاء في إهدائنا لكتاب الرسالة الثانية قول الأستاذ:
    ((إلي الإنسانية : بشرى وتحية :
    بشرى بأن الله ادخر لها من كمال حياة الفكر وحياة الشعور، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.. وتحية للرجل وهو يمتخض ، اليوم ، في أحشائها ، وقد اشتد بها الطلـق ، وتنفس صبح الميلاد .))

    هذا ولقد تواردت البشارات الدينية في القرآن الكريم، وفي الخبر الشريف، تتحدث مبشرة بمجيئه.. وفي ذلك يقول جل من قائل "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.. وكفى بالله شهيدا". وهذا يوم موعود، ومنتظر، عند أهل القلوب، وقد جاء على نهج القرآن في هذا المعنى، قول المعصوم صلى الله عليه وسلم "لو لم يبق من الدنيا إلا مقدار ساعة لمدّ الله فيه، حتى يبعث رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً" وجاء أيضا "كيف أنتم إذا نزل بينكم ابم مريم حكما عدلاً مقسطاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" أو كما قال.. وجاء في كتابنا "القرآن ومصطفى محمود، والفهم العصري" قول الأستاذ ((فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها حسّاً ومعنى، وليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان، ويتحقق موعود الله "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً" ويتأذن الله بالتطبيق، كما تأذن بالإنزال، وذلك فيما يتعلق بقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا".. وهذه ساعة التجلي الكمالي))

    فهل أدرك "علماء" رابطة العالم الإسلامي شيئاً؟ وهل خطرت على قلوبهم أمثال هذه المعاني أو أطراف منها في يوم من الأيام؟؟ نخشى عليهم أن يكونوا على غير انتظار لمجيء المسيح، فيصبحوا كمن كره الله انبعاثهم، فثبطهم فقيل اقعدوا مع القاعدين.. ثم ما رأي الشئون الدينية في هذا الذي نقول، وهم المخاطبون بهذه الجهالات والعاملون على نشرها وتوزيعها؟ أرايكم يا هؤلاء وقد صدق فيكم قول من قال:ــ
    كالعير في البيداء يقتلها الظمأ * والماء فوق ظهورها محمول.



    محمد رسول الله:
    أو الجزء الثاني من الشهادة؟


    إن هؤلاء النفر من رجال الدين الذين ذهبنا نطلق عليهم في هذا الكتاب إسم "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" يمكن أن يكونوا أي شيء، أو أن يدَّعوا لأنفسهم ما شاءوا من الألقاب، أو أن ينتسبوا لما شاءوا من المذاهب والأفكار، ولكن ليس لهم الحق البتة في ادعاء الانتساب إلى الإسلام أو التحدث باسمه، ذلك أنهم قوم لا خلاق لهم، ولا دين، حيث يعظمون على الله الفرية، ويعرضون بأعراض الناس، وبدينهم، في غير حياء، أو مسئولية، ليضلوا عن سبيل الله بعلم، أو بغير علم، مثلهم في ذلك مثل الذين قال تعالى في حقهم "ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك تقلبهم في البلاد!! كذبت قبلهم قوم نوح، والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم.. فكيف كان عقاب؟؟" فهذه دائما سيرة الحق بين أهل الباطل، ولكن لا ضير!! فإن الصبح قريب!! وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. أي فرية، وأي كذب، أكبر، وأعظم، من قولهم أن الأستاذ محمود محمد طه ينكر الجزء الثاني من الشهادة ـ أي ينكر "محمداً رسول الله" ـ وهو الرجل الداعية الذي تفرَّد بالدعوة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم، عبر قرون الدعوة الإسلامية، وأقام من نفسه عليه دليلا، فاستجاب له خيار شباب هذا البلد، وسلكوا طريق السنة على يديه، فتنورت نفوسهم، وتعلقت بالخير قلوبهم، واشتهروا بحلاوة الشمائل، وحسن الأحدوثة بين الناس، حتى غدت السنة، بفضل الله ثم بفضل صدقهم وحسن توجههم، عائدة بهم من جديد، بعد أن طال غيابها، واندثارها..

    ويسرنا أن نسوق فيما يلي وبين يدي القراء طائفة من أقوال الأستاذ في هذا الأمر، والتي لا نملك بسبب ضيق المقام أن نذهب فيها مذهب التفصيل والتوسع، حتى نبرز للقارئ المدى الذي تبلغه دعوتنا في حبه، وتصديقه، وتوقيره، ومعرفة مقامه صلى الله عليه وسلم، ولكننا سنكتفي بالقليل في سبيل دحض جهل وافتراءات "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، فنكشف بذلك عن مدى التآمر، والتواطؤ، وعدم الأمانة الذي عليه الشئون الدينية حين تبتهج بهذه الافتراءات، وتعمل على نشرها لتضليل الشعب المسكين المتغول عليه بكيد المكابرين من أبنائه:ـــ جاء في كتيب "قل هذه سبيلي" الصادرة الطبعة الأولى منه في 1952 م ما يأتي:
    ((ولكن كيف يمرن الإنسان نفسه، وبطريقة منظمة على أن يحيا دائما في حالة من الوعي الداخلي، واليقظة، وضبط النفس؟؟ الجواب قريب:
    بان يقلد محمدا في منهاج حياته تقليدا واعيا مع الثقة التامة بأنه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية ومهتدية، تجعل حياته، مطابقة لروح القرآن وشخصيته متاثرة بشخصية أعظم رجل، وتعيد وحدة الفكر، والعمل فى وجوده، ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية، وذاته الروحية كلاً واحداً متسقاً قادراً على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى الحياة))..

    وجاء في منشور "إلى الراغبين في الله" الذي أصدره الأستاذ محمود محمد طه في يوم الثلاثاء 25 ذو الحجة 1384 هـ الموافق 27/4/1965م والصادر ايضاً في الطبعة الأولى من كتاب "طريق محمد" في مارس 1966م ما يأتي:ـــ ((إن محمدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة، منذ اليوم، فمن كان يبتغي الي الله الوسيلة التي توسله، وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه، أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم، وليقلد محمداً، في أسلوب عبادته، وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقليداً واعياً، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية..
    إن على مشايخ الطرق، منذ اليـوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومحمد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة محمد بالعمل وبالقول، فإن حياة محمد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح "لا إله إلا الله" التي هي غاية القرآن.. وهـذا هو السـر في القـرن في الشهادة بين الله ومحمد (( لا إله إلا الله محمد رسول الله )).. وجاء أيضا في مقدمة الطبعة الثالثة من كتاب "طريق محمد" والذي يجري اليوم في طبعته الثامنة ما يأتي من قول الأستاذ محمود محمد طه عن ذاته الشريفة تحت عنوان: من هو محمد؟ (( هومحمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، النبي، الأمي، المبعوث من قريش في الأميين منذ القرن السابع، والذي ختم الله به النبوة وأنزل عليه القرآن المقروء اليوم والمحفوظ بين دفتي المصحف.. لا يعرفه المسلمون وإن ظنوا جهلا أنهم يعرفونه.. وهذه الدعوة إلى اتباعه، وحسن تقليدِه التي يقدمها هذا الكتيب: "طريق محمد" لا تستقيم على خير وجوهها إلا إذا قدمت تعريفاً به يجعل اتِّباعه وتقليده عملاً علمياً يحترم أقوى العقول المعاصرة، ويقنعها بجدوى ممارسته وإتقانه)).. وجاء أيضاً في هذه المقدمة عن أزلية نبوته صلى الله عليه وسلم:ـــ ((وعن أزلية نبوته قال المعصوم: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" ومعنى هذه العبارة أنه كان نبياً، عالما بنبوته، في الأزل.. وقد ظهر مصداق ذلك عندما برز إلى عالم الأجساد، فإنه، وهو جنين في رحم أمه، كان يختلف عن الأجنة في الأرحام، فقد برئ وحام أمه به، مما تتعرض له وحامى النساء من الغثيان، وخبث النفس، واستيفاز الشعور، وكان حمله على أمه خفيفاً، تجد بركته في يقظتها بالصحة، وبهجة النفس، وبالمسرة المتصلة.. وتجد بركته في نومها بالرؤى المفرحة، وبمثل ذلك اختلفت طفولته، واختلفت يفاعته، واختلف شبابه، حتى لقد أيقن أنه خلق لغير ما خلق له أترابه من الشباب، ثم لم يلبث أن ألح عليه هذا الإيقان حتى اعتزل المجتمع ، وآوى إلى الغار..)).. ونواصل من أقوال الأستاذ في هذه المقدمة ما يعين على وضوح الرؤية ودحض الافتراء، فقد جاء فيها: ((ويؤخـذ من دقائـق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة ـ الأصحاب ـ .. والأمة المسلمة ـ الأخوان ـ .. وأنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة والرسالة الثانية السنة التي أجملها، ولم يفصلها إلا في معنى ما مارسها وعاشها دماً ولحماً.)) وجاء في المقدمة أيضاً عن الذات المحمدية ((الذات المحمدية أول قابل لتجليات الذات الإلهية، وهي المشار إليها في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، "قال قلت يا رسول، الله بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله.. قال: أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)) والذات المحمدية حقيقة أحمدية، قمتها ولاية، وقاعدتها نبوة.. ومقامها المقام المحمود الذي قامه النبي ليلة عرج به بعد أن جاوز سدرة المنتهى، وفيه صح له الاتصاف بقوله تعالى "ما زاغ البصر، وما طغى" وذلك في جمعية بلغت فيها وحدة الذات البشرية قمة طوعت لها شهود الذات الإلهية..))..

    وتحت عنوان "المسلمون ما خطبهم" من تلك المقدمة، قال الأستاذ: ((والمسلمون، اليوم، ليسوا على شيء، وإنما هم في التيه.. يعيشون الجاهلية الثانية ـ جاهلية القرن العشرين ـ والعاملون منهم بالدين لا يتعدى عملهم القشور إلى اللباب.. وليس لهم إلى خروج من هذا الخزي غير طريق محمد.. ونحن إذ نقدمه لهم في هذا الكتيب، وإذ ندعوهم إليه، ننذرهم عواقب الإبطاء في الأخذ به.. ثم إننا، من وراء المسلمين، وبعد المسلمين، نقدمه للإنسانية جمعاء، فليس لها من طريق غيره إلى كمال التحرير، ولا كمال التمدين.. ومن أجل ذلك فقد جاءت عبارة إهدائه هكذا :ـــ "إلى الراغبين في الله ، وهم يعلمون ، والراغبين عن الله ، وهم لا يعلمون .. فما من الله بد .")) وقد ورد أيضاً من أقوال الأستاذ في متن "طريق محمد":ـــ
    ((إننا قد استيقنا من أنه بتقليـد محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها، ولذلك فإنا قد جعلنا وكـدنا تعميق هذه الدعـوة، ونقـدم فيما يلي نموذجاً يعيـن كل من يريـد أن يتخـذ إلى الله سبيـلاً))؟؟ وورد في ذلك المتن أيضاً عن وصفه صلى الله عليه وسلم ((هذه نفس اكتملت لها عناصر الصحة الداخلية، واتسقت قواها الباطنية، وتحررت من الأوهام، والأباطيل، وسلمت من القلق، والخوف العنصري، البدائي، الساذج.. ما أحوج بشرية اليوم، كلها، إلى تقليد هذه النفس التي اكتملت لها أسباب الصحة الداخلية))..
    وأخيرا نضيف لهذه الطائفة من المختارات ما جاء في كتابنا: القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري: ((وجلّ ما أريد هو أن يأخذ الناس – كل الناس – أنفسهم بالسير خلف المعصوم، في إتقان، وتجويد لتقليده، في أسلوب عبادته، وفيما يطيقون من أسلوب عادته، حتى يأخذوا من سمت هذه الحياة الخصبة، المهتدية، الهادية، مفتاح مغاليق القرآن.)) ثم يمضي السياق إلى أن يقول (( ولقد وظف الجمهوريون حياتهم لبعث هذه السنة المطهرة)).
    فهل بعد هذا بغية لمبتغ؟ ما رأي "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، وما رأي الشئون الدينية في هذا الذي أوردنا؟؟ هل تريدون الحق؟ إذن فاسمعوا: إنكم بفعلكم الرديء هذا، قد قصدتم الفتنة والإضلال عن الحق.. ولم تقصدوا وجه الله، كما لم تقصدوا مصلحة الناس.. ولو كان لكم فيهما أدنى حظ لتبينتم، وتثبتم، قبل أن تهلكوا أنفسكم بهذه الصورة المؤسفة! فعودوا إلى الله "إني لكم منه نذير مبين".


    إلى آخر ما جاء في ادِّعاءاته الباطلة

    وبعد، فإن مثيري الفتنة لم يكتفوا بكل الذي افتروا علينا زوراً وبهتاناً، وإنما ذهبوا أكثر من ذلك حين عمموا، وأعظموا على الله الكذب بقولهم القاصر "إلى آخر ما جاء في ادعاءاته الباطلة"، ونتساءل عن ماهية هذه الادعاءات الباطلة، التي لم يشاءوا الإفصاح عنها؟! والجواب: أنهم قد أعجلوا أنفسهم هذه المرة أكثر من سابقاتها، حيث ذهبوا إلى غرضهم في إثارة الفتنة، واستعداء السلطة مباشرة، ومن غير أن يتوكأوا على أكاذيبهم التي درجوا عليها في مسيرة هذا الخطاب العجيب المتهافت.. فأي استخفاف بدين الناس هذا؟ وأي استخفاف بعقولهم؟ أعظم من هذه الدعاوي وهذه الأكاذيب التي يفتريها "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة جهاراً نهاراً في تكفير مسلم، على افتراض وجود ادعاءات باطلة! وقد لا تكون هي بالضرورة في تصور الذين كتبوا إليهم!! فأي عبث هذا يا مشايخ؟ وما هذا الغباء، بالله أريحونا منكم، وأريحوا الإسلام، فإنكم لأشأم على البلاد من كل شؤم وشؤم.


    محكمة الردة مرة أخرى

    ثم يمضي خطابهم آنف الذكر ليقرر ((وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه، أصدر المجلس حكمه بالاجماع، بارتداد المذكور من الإسلام، وتأييداً لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم، وأنه يجب على المسلمين، أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.)).
    نقرر أولاً لمواجهة هذا الجزء من الخطاب أنه قد صيغ صياغة لغوية ركيكة لا تليق بمحفل يدَّعي الحدب، والحرص، على الإسلام والمسلمين.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا نتساءل:ـــ أي يعيش هؤلاء القوم؟ وهل هم يشاركوننا الحياة في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين؟ وحيث حققت إنسانية اليوم قيماً عالية في احترام حق الحياة، وحق الحرية، لجميع الناس؟ أم تراهم لا يكادون يفقهون قولاً؟ مثلهم في ذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً، فبئس مثل القوم الظالمين.. إن حكم الردة الذي قضت به "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، على الأستاذ محمود محمد طه، وتأييدها لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم إنما يكشف بجلاء عن أبعاد التآمر، والتواطؤ الرجعي الذي يستهدف هذه البلاد، ويتهددها.. نحن جميعاً نعلم أن الطائفية في الماضي قد أوشكت أن تنجح في تغفيل الناس باسم الدستور الإسلامي، ولكن الله سلم، وقيَّض الأستاذ محمود محمد طه ليتصدى لتلك الجهالات، ويكشف زيفها، وتضليلها.. فأقام الدوات، والمحاضرات، والمهرجانات، تحت شعار "الدستور الإسلامي المزيف"، مما كان له أطيب الأثر في نشر الوعي القومي بالبلاد.. ولما كانت الطائفية لا تحتمل المعارضة فقد حركت أدواتها، حتى كانت محكمة الردة المعروفة، والتي جعلها الله نكالاً على الطائفية وأذنابها، فجنوا منها أسوأ العواقب! واليوم فإن التاريخ سيعيد نفسه، وبصورة أكبر، وإننا من هذا المنبر، نؤكد "لعلماء" "رابطة العالم الإسلامي" ولمن والاهم من الزعماء الذين أشاروا إليهم في خطابهم آنف الذكر: إن الحق لا بد منتصر، وإن الباطل لا بد منهزم.. وإن الدائرة ستدور عليهم قريباً، وسوف يواجهون نفس المصير الذي واجهته الطائفية في هذه البلاد.. والحق بذلك زعيم!؟
    إن على مشايخ الرابطة أن يعلموا ولو بعد فوات الأوان، أن "محكمة الخرطوم الشرعية العليا" والتي أسمينها فيما بعد "بمحكمة الردة"، قد كانت طرفا في مؤامرة اشترك في إفكها مجلس السيادة، وقاضي القضاة، وصنائعه، والمدعيان الكاذبان، وشهود الزور، الذين أتوا بهم لذلك الغرض.. من أجل ذلك فقد كانت إجراءات المحكمة مثلاً للجهل والغباء، الذي لا يفوت، أو يقع من أقل الناس مسئولية، فكيف به إذا وقع من محكمة طاب لها أن تسمي نفسها "محكمة الخرطوم الشرعية العليا".. أكثر من ذلك هل يعلم السادة "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" أن محكمة الردة كانت محكمة غير دستورية؟ وأنها عملت في غير اختصاصها؟ فتجنت بذلك على القانون، واعتدت على الدستور.. ثم هي قد كانت، من قبل ذلك، ومن بعده، مكيدة سياسية، عمدوا بها إلى إسكات صوت الحق الوحيد في هذا البلد؟؟ ولكن هيهات!! والذي يهمنا من وراء كل أولئك أن شعبنا العملاق قد تجاوب معنا يومئذ تجاوباً طيباً، فكان قريباً من مستوى مسئوليته.. أما اليوم، فنحن ننتظر منه أكثر، ننتظره أن يكون في مستوى مسئوليته تماماً، وحيث توجب علينا جميعاً أن نحمي ديننا، وأن نذود عن وطننا، حتى لا تتكرر بنا التجارب الفاشلة، وحتى لا نكون لقمة سائغة تلتهمها أفواه المسعورين من المعتدين أعداء الحرية والدين.. فهل أدلكم على المطية الذلول؟؟ إذن فأقبلوا على "الدعوة الإسلامية الجديدة" فإن فيها شفاء من كل داء..


    وأخيرا فأين حرمة القانون

    ويلجأ بعد ذلك "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، إلى الفتنة العمياء، وإلى التحريض والخروج بالناس على القانون، ليحملوه في أيديهم، فتعم الفوضى، ويضطرب حبل الأمن والنظام.. ونحن بهذا التقرير لم نقصد إلى تجريمهم، أو التجني عليهم، وإنما قصدنا أن نعين القارئ بوضع النقط فوق الحروف، حتى يتبين مواقع أقدامه، فلا يقع فريسة لفعل طائش، يدفعه إليه بعض خفاف الأحلام ممن لا يرعون له حرمة أو كرامة.. اقرأ مرة ثانية كيف يغررون بك، وبعد أن افتروا بين يديك صنوفاً من الأباطيل، وصنوفاً من الأكاذيب، حين يقولون في غير حياء، أو حذر: ((وأنه يجب على المسلمين، أن يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها))..
    والسؤال الآن "لزعماء وعلماء" "رابطة العالم الإسلامي" بمكة، ليحدثونا عن كيفية معاملة المسلمين للمرتدين؟ إن كان لهم رأي غير الذي ذهبنا لتقريره عنهم في تخريجنا آنف الذكر؟.. وحرصاً منا على تعميم الفائدة نسأل "رابطة العالم الإسلامي" عن حكم محكمة الردة؟ وهل هو في مستوى أحكام الحدود الأخرى، أم دونها؟ ثم عن كيفية تنفيذه؟ وهل ينفذ بيد الحكومة أم بيد جمهور المسلمين؟ ثم هل يمكن أن يجري تنفيذه بحكومة علمانية لا تقوم أحكامها على ما أنزل الله من الشريعة الإسلامية، كما هو واقع الحال في بلادنا؟ وفي غيرها من البلدان الإسلامية؟ أم ماذا يرى هؤلاء الأشياخ الذين يتحدثون باسم الدين ويجهلون أبجدياته؟!


    كتب الدعوة الإسلامية الجديدة
    بين المنع والمصادرة


    من البداهة بمكان أن نقرر، أنه ليس بمستغرب على هؤلاء الأشياخ، ولا على حكوماتهم، إصدار الأوامر التعسفية، لمصادرة الكتب، أو لمنع طباعتها، لأنهم لا يقيمون لحرية العقيدة، ولحرية الرأي، وزناً، ومن ثم فإن شعوبهم قد قسرت على الذل، ونشأت على الهوان، فلا قيمة لها عندهم، ولا وزن.. ولكننا، بحمد الله، قد تميزنا عنهم بشعب عملاق هو في كل وقت أعلى قامة من حكوماته، وقد التفتت إليه الأنظار بعد ثورة أكتوبر التي أصبح بها بحق معلماً للشعوب، تنتظر عنده الفرج وتترقب الإنقاذ.. وحكوماتنا، على علاتها، قد كانت دائما بسبيل من شعبنا، فهي على أثره.. وقد نتفق، أنا وأنت، ونحسب على حكوماتنا، على اختلافها، عيبوباً، وأخطاء كثيرة، ولكن، مع ذلك، فإن أسوأ حكوماتنا، وفي أسوأ العهود، أفضل، بكثير، وبما لا يقاس، مما يسمى بالحكومات الإسلامية، أو بالحكومات العربية، تلك التي نعرفها جيداً.. وعليه فإن مخاطبة "علماء" "رابطة العالم الإسلامي" في هذا الصدد لحكومتنا عن طريق وزيرنا نعتبره تدخلاً أجنبياً سافراً في شئوننا الداخلية، ونحن لن نقبله، ولن نسكت عليه.. كما أننا سنعنف الشئون الدينية أشد التعنيف على جهالاتها وعلى ابتهاجها بذلك الخطاب الرديء، المتهافت، الذي عملت على نشره، وتوزيعه، بين الناس في غير روية أو تفكير، حتى أصبحت، بفعلها الطائش هذا، دون مستوى المسئولية المناطة بها، ودون مستوى الكرامة التي اتصف وعرف بها الشعب السوداني على مر الأيام، فهل تعي الشئون الدينية هذا الدرس؟؟ هذا لا يعنينا، بقدر ما يعنينا أن يستيقظ شعبنا، فلا يسمح لعابث مستهتر، مثل "رابطة العالم الإسلامي"، بالتدخل في شئونه الداخلية، وإلى الحد الذي تقول فيه على لسان أمينها: "أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذ هذا الأمر" اقرأوا مرة ثانية: "للمساهمة معنا في تنفيذ هذا الأمر".
    فمن هم يا ترى هؤلاء الذين يتولون مسئوليتنا، ويطلبون من حكومتنا المساهمة معهم في تنفيذ هذا الأمر، على حد قولهم؟؟
    إن هذا أمر غريب، نرفضه، ولا نذعن له، ثم هو لا يجرؤ عليه، إلا غبي متحامل!! فمن هو إذن ذلك الغبي المتحامل الذي أغرى بنا تلك الرابطة الهزيلة؟!


    الخطاب الثاني
    صورة طبق الأصل
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأزهر مجمع البحوث الاسلامية
    مكتب الأمين العام
    5/6/1972
    السيد/ الأستاذ وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف بالسودان
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فقد وقع تحت يدي لجنة الفتوي بالأزهر الشريف، كتاب الرسالة الثانية من الاسلام، تأليف محمود محمد طه، طبع في أم درمان الطبعة الرابعة عام 1971 م ص. ب 1151. وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول.. وبما أن هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه، فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل علي ايقاف هذا النشاط الهدّام، خاصة في بلدكم الاسلامي العريق.. وفقكم الله وسدد خطاكم.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    الأمين العام
    لمجمع البحوث الاسلامية
    دكتور محمد عبدالرحمن بيصار

    خرافة "الأزهر الشريف" ليس لها، بحمد الله، اليوم وجود إلا في اعتبار بعض من السذج، والبسطاء من المسلمين، الذين لم تشملهم، بعد، حركة الوعي العام الصاعدة في أقطارهم، وفي غيرها من بلاد الله، ولكن الأمل معقود باضطراد، لاستنقاذهم سريعاً من براثن الجهل الديني وما يلحق به من عوامل الرجعية والتخلف، المتصلة بتقديس "الأزهر الشريف".. ونحن نرجو أن يكون لمحاولتنا هذه اليد الطولى، والفضل الأكبر ـ على الأقل ـ في 1ـ استنقاذ السودانيين الذين لا يزالون تحت تأثير هذه الخرافة، لاسيما بعد أن أصبح الأزهر، في وقتنا الحاضر، من أكبر الدلائل على موت الإسلام، ومفارقة المسلمين، ولعلنا لا نأتي بجديد إذا قررنا أن الأزهر، كان ولم يزل، ركيزة من ركائز الحكام الإنجليز، والحكام المصريين، يستخدمونه في بسط نفوذهم، وتدعيم سلطانهم، بإشارعة روح الإرهاب الديني، وما يتصل بها من حماية الحكام باسم الدين، تحت شعار الشرع الحنيف.. ووجه الأزهر في هذا المجال، مجلل بالعار والسواد، كما أن محازيه لا تقع تحت حصر، أو بيان.. فكم كفَّر!! وكم خذَّل!! وكم تواطأ!! وكم أكل مشائخته الدنيا باسم الدين، فبنوا لحومهم، وشحومهم، الفانية بغير الحق، فضربوا بذلك، وعلى مر الأيام، أسوأ مثل لرجل الدين الخائر، المتقاعس، الجبان!! ألم تسمعوا بما كتب الأستاذ أحمد حسن الزيات، رئيس تحرير مجلة الأزهر، أيام المرحوم جمال عبد الناصر، وحين ذهب يناقش، ويقارن، بين اشتراكية محمد، واشتراكية جمال، وما تصل بتلك المقارنة من نقاش مع العقاد، فقرر الزيات، وفي غير حياء "أن وقفة جمال عبد الناصر في ميدان التحرير تعدل كل العهود التي انكفأ العقاد يؤلف عبقرياتها" أو كما قال؟؟ فما رأي القراء في هذا، وما رأي المدافعين عن الأزهر؟؟ هؤلاء وأولئك مدعوون للإطلاع على كتابنا: "الدين ورجال الدين عبر السنين" ليقفوا بأنفسهم على مخازي الأزهر، وعلى مفاسده، مبوبة، ومحددة، ومؤرخة..
    والآن، وبسبيل من تلك المخازي، وتلك العيوب، التي اشتهر بها الأزهر، فقد سعى إن شاء الله إلى حتفه حيث دخل في عرضنا معتديا فرمانا بالكفر، وبالإلحاد، في غير ورع أو حياء، وبغير بينة، وفي جرأة على الحق، وعلى الدين، لا تتوفر إلا عند أشباهه من محترفي الدين، الذين لا يخافون الله، ولا يخشون لقاءه، من أمثال الدمي، والنماذج المفتعلة التي رأيناها، و "كرابطة العالم الإسلام بمكة"، "وكالشئون الدينية"، "وكمحكمة الخرطوم العليا الشرعية ".. ومن عجب فإنهم يفكرون على نحو واحد، ويتآمرون على نمط واحد، ويقررون، في أخطر الأمور، "كالردة عن الإسلام" مثلاً، على إشاعات يتلقفونها من الشارع، ولا يكلفون أنفسهم مسئولية التثبت منها، أو البحث عنها في مصادرها، ليهلكهم الله بأيديهم، ويقضي أمراً كان مفعولاً.. ونحن نزعم أن الناس سيشهدون قريباً نهاية هذه المؤسسات الرجعية الفارغة المحتوى، فينفتح لهم طريق الحق على مصراعيه، لينهلوا من معينه الصافي، فيعود فيهم الدين قوياً وخلاّقا، يحرر القلوب، ويحرر الرؤوس، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.. ولكي نجعل طريق الدين ممهداً، فلا بد إذن من مواجهة هذه المؤسسات، وفضح أمرها للناس، وتعريتها، حتى تزول عنها تلك القداسة المدعاة، وقد رأيتم ما جرى منا مع رابطة السعودية، وسنفعل مثل ذلك مع "الأزهر" ومع "الشئون الدينية".. وسوف لا تكون رحلتنا معهم طويلة كما كانت مع "رابطة العالم الإسلامي" وما ذاك إلا لأن أقوالهم متشابهة ومتكررة، وقد سبق الرد عليها في جملة ما أصاب "رابطة السعودية" المسماة "برابطة العالم الإسلامي".. ولكننا وحرصاً على الفائدة وتعميماً لها، سنقف معهم بعض الوقت لندفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين..
    وبعد، فقد اطلع القراء الكرام على خطاب الأزهر الذي مر بنا قبل قليل، والمعنون لوكيل الشئون الدينية والأوقاف بالسودان.. وقد قامت حجة ذلك الخطاب المتحامل، الرديء، على رمينا بالكفر، والإلحاد، بسبب فهم خاطئ قام عند "لجنة الفتوى"، أو قل بسبب غرض مبيت عندها للنيل منا، فانطلقت، من غير أن تتبين، وكعادة الأزهريين دائماً، في إصدار الفتاوي، للهوى والطغيان.. ولكن ذلك لن يجوز على شعبنا الذي نثق أن قامته أكبر من أن تنخدع بهذه المهازل التي لا تقوم على أساس من فكر أو دين.. هذا وقد بلغنا أن بعض أعوان الشئون الدينية ببورتسودان، ومدني، وعطبرة، وكوستي، يقومون هذه الأيام، بقراءة تلك الفتاوي، وتوزيعها على الشعب، بغية إثارته، ولكن، ولله الحمد، فقد كان الشعب أكبر من أكاذيبهم، وترهاتهم، فلم يعبأ بهم، ولم يلتفت إليهم، بل، على النقيض، فقد زاد إقباله علينا، وتنوع اهتمامه بالفكرة الجمهورية، فاقتنى كتبها، وتساءل عن تفاصيلها على نحو لم نعهده فيه من قبل.. وهكذا فإن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. ومن أهم ما جاء في خطاب الأزهر قولهم عن دعوتنا ((وقع تحت يدي لجنة الفتوي بالأزهر الشريف، كتاب الرسالة الثانية من الاسلام، تأليف محمود محمد طه، طبع في أم درمان الطبعة الرابعة عام 1971 م ص. ب 1151. وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول..))..
    نبادر فنقرر أن كل هذا الكلام كذب واختلاق.. ولم يصدر من الأستاذ محمود محمد طه مطلقاً.. وعليه، ومن باب أولى، فإنه ليس موجوداً "بالرسالة الثانية من الإسلام" التي زعموا اطلاع لجنة الفتوى عليها.. فما رأي القراء إذن في هذا الافتراء الذي افتعله الأزهر افتعالاً، ونشرته الشئون الدينية، وفي غير ورع، أو حذر، من كليهما!! فدونكم كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، فإن فيه لكم غناء؟؟ وأما في هذا المقام فسننقل للقارئ طرفاً مما جاء عن هذا الأمر، من نفس الكتاب ومن نفس الطبعة الرابعة التي وردت إشارتهم إليها.
    جاء في صفحة 16،17 من كتاب الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة 1971م ما نصه: ((ومرحلة العقيدة هي مرحلة الأمة المؤمنة.. وهي أمة الرسالة الأولى.. ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة.. وهي أمة الرسالة الثانية.. وهذه الأمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى، على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم، وخاتمهم، النبي، الأمي، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهو قد بشر بمجئ هذه الأمة المسلمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة، وقد أسلفنا الإشارة إلى معنى السنة.. وحين تجيء هذه الأمة المسلمة فإنها لا تبدأ إلا بما بدأت به الأمة المؤمنة، وهي مرحلة العقيدة، ولكنها لا تقف في الدرجة الثالثة من درجات السلم التي وقف جبريل في أسئلته عندها، وإنما تتعداها في التطور إلى ختام الدرجات، فتكون بذلك صاحبة عقيدة، وصاحبة علم، في آن معا، فهي مؤمنة، ومسلمة، في حين أن الأمة الأولى مؤمنة، وليست مسلمة، بهذا المعنى النهائي للإسلام.. ويجب أن يكون واضحا فان جبريل إنما وقف، في أسئلته، عند نهاية درجات العقيدة لأنه إنما جاء ليبين للأمة المؤمنة دينها، ولم يجئ ليبين للأمة المسلمة، التي لما تأت بعد..
    إن محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء))..
    هذا ما جاء في مقدمة الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة، التي تحدث عنها خطاب الأزهر، فما رأي القراء؟ وما رأي الشعب في هذه الشئون الدينية التي يصف عليها من عرقه، ودموعه، وهي سادرة في تكريم الغي الموفي بأهله على النار؟ وماضية في تضليل الشعب؟ أوليس من المؤسف حقاً أن يصدر مثل ذلك الكلام الذي ليس له وجود في كتابنا المشار إليه، من هيئة كالأزهر تدَّعي قيادة العالم الإسلامي؟ وأليس من المؤسف أكثر أن تمضي الشئون الدينية في غيها مع الأزهر فتضلل الشعب وتخون أمانة المسئولية؟!
    من قال لكم يا رجال الأزهر أن الأستاذ محمود محمد طه قد قال في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام ما افتريتموه في خطابكم العجيب حين نسبتم إليه من قولكم ((وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول..))!
    ما رأي الشعب السوداني في هذا الكذب الواضح المفتعل؟ نحن نترك للشعب أن يقرر نفسه بعد أن نحيطه بالمعلومات الوافية ومنها ما جاء في صفحة 5 من كتاب الرسالة الثانية، مقدمة الطبعة الرابعة، حول هذا الأمر، وتحت عنوان "السنة هي الرسالة الثانية" ما يلي:
    ((السنة شريعة، وزيادة.. فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة، فإن السنة أرفع منها.. وإذا كان حبل الإسلام متنزلا من الإطلاق إلى أرض الناس، حيث الشريعة - حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم - فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس.. فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. هي مخاطبته هو على قدر عقله.. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس، وإنما كان ذلك ممكنا، بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان.. وحين بشر المعصوم ببعث الإسلام إنما بشر به في معنى بعث السنة، وليس في معنى بعث الشريعة.. قال: (( بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ.. فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها )).. ويجب أن يكون واضحاً أنه لا يعني إحياء الشريعة، وإنما يعني إحياء السنة.. والسنة، كما قلنا، شريعة، وزيادة.. السنة طريقة.. والطريقة شريعة موكدة..)) ورد هذا في كتاب الرسالة الثانية التي زعمت لجنة فتوى الأزهر الإطلاع عليه فافترت علينا بالباطل ما كان يمكن ألا يكون لو اصطنعت الأناة وترثت في الأمر قليلاً ولكن القصد المبيَّت لإصدار الفتوى كان حاكما ومسيطراً، فذهبوا إلى حيث تآمروا من غير تدقيق، فجاءت فتواهم مثلاً للركاكة والاستعجال.. اقرأ معنا ما جاء ف صفحة 134 من كتاب الرسالة الثانية، عن الرسالة الثانية لترى كيف أهان هؤلاء النفر أنفسهم ودينهم:ـ
    ((الرسالة الثانية هي الإسلام، وقد أجملها المعصوم إجمالاً، ولم يقع في حقها التفصيل إلا في التشاريع المتداخلة بين الرسالة الأولى وبينها، كتشاريع العبادات، وكتشاريع الحدود، قال تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا)) هذا اليوم يوم عرفة، من حجة الوداع، في السنة الثامنة من الهجرة، وقد كان يوم جمعة. وهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن.. وهي قمة رسالات السماء.))
    هل بعد هذا البيان الواضح، فرصة لمتقول أن يقول ما قاله "علماء السوء" بالأزهر، أو أن يردد، أو ينشر، ما ردده ونشره "علماء الدنيا" بالشئون الدينية في سبيل الجاه، وفي سبيل الدنيا، ومن غير اعتبار لما يلحقوا بأعراض الآخرين من الأذى حين يرمونها بالكفر والإلحاد؟ اللهم إن هذا فسوق نبرأ إليك منه ونسأل اللطف منك لقومنا من وعيدك الحق حيث قلت وأنت أصدق القائلين: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
    وفي كل الذي تقدم بيان مقنع وإشباع كاف لقومنا من عبث العابثين وخيانة المفسدين، الذين لا يرعون حرمات الله ولا حرمات الناس.. ونحن، وكما أكدنا دائماً، لا نقيم وزناً لأمثال هؤلاء المرتزقة، ولا نجعل لهم قيمة، ولكن غرضنا دائما أمامنا وهو هذا الشعب الأصيل الذي نأمل أن يكون دائماً محصناً بالوعي ومثبتاً بالحق ليملأ مكانه في الصدارة والقيادة.. ومن أجل هذه الغاية سننقل فيما يلي كلمة أخيرة من كتاب الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة، 1971م التي زعم أساطين الغواية الإطلاع عليها.. فقد ورد في صفحة 106 من ذلك الكتاب ما نصه: ((فإذا كان هذا الحديث صحيحا، وهو صحيح، بلا أدنى ريب، فإن له أثرا بعيدا في مستقبل الفكر الإسلامي، ذلك بأنه يعني أن الإسلام، كما جاء به القرآن، ليس رسالة واحدة، وإنما هو رسالتان: رسالة في طرف البداية، أو هي مما يلي اليهودية، ورسالة في طرف النهاية، أو هي مما يلي المسيحية، وقد بلغ المعصوم كلتا الرسالتين، بما بلغ القرآن وبما سار السيرة، ولكنه فصل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى، والرسالة الثانية، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا، ومن ذلك، بشكل خاص، تشريع العبادات، ما خلا الزكاة ذات المقادير.)) فما رأي رجال الأزهر؟ وما رأي رجال الشئون الدينية؟ وما رأي الشعب في "رجال الدين" هؤلاء الذين مرضت قلوبهم وعميت أبصارهم، فأنكروا الحق الأبلج؟؟ أفي أمثال هؤلاء قال إمام المديح البصيري قولته الخالدة؟
    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم
    ختاما نكتفي بهذا القدر في مواجهة ادعاءات الأزهر الكاذبة الجوفاء، وفي النفس حاجة للمزيد من الكتابة، ولكن صونا لهذا الحيز المحدود وكسباً للوقت نرجو أن نحيل القارئ لمؤلفات "الدعوة الإسلامية الجديدة" وعلى الخصوص 1ـ الرسالة الثانية 2ـ طريق محمد 3ـ تطوير شريعة الأحوال الشخصية.. وبالإطلاع على هذه الكتب يتمكن القارئ بفضل الرؤية الواضحة، من متابعة قضية الأصول والفروع وما تبعها من النسخ والإحكام والله ولي التوفيق.
    هذا من ناحية "الفتوى" أما من ناحية القرار الذي اتخذه الأزهر والذي جاء كما يلي ((وبما أن هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه، فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل علي ايقاف هذا النشاط الهدّام، خاصة في بلدكم الاسلامي العريق..))
    يلاحظ القارئ الاتفاق التام بين قرار أزهر مصر، وبين قرارات رابطة السعودية، مما يؤكد التآمر على دعوتنا الإسلامية الجديدة التي أقلقت مضاجعهم وهزت عروشهم، والتي لن ينالوا منها شيئاً بفضل الله، ثم بفضل يقظة شعبنا العملاق.. وقرار الأزهر، ربغم ضعفه وهوانه، نتعتبره مثلاً آخر من أمثلة التدخل في شئوننا الداخلية، وهو تدخل سياسي لم تكتمل له عناصر النضج المطلوبة في مثل هذه الحالات، وهكذا شأن "رجال الدين" دائماً لا يعرفون عن السياسة شيئاً، ولا يعرفون عن الدين ما يكفي، ومع ذلك تستخدمهم، وتستغلهم، الجهات الرجعية المتخلفة، لأنها ليست بأكثر منهم حكمة، أو أوسع منهم تجربة، وعلى هؤلاء وأولئك تقع مسئولية بُعْد الشباب الأذكياء عن الدين، ونفورهم عنه..
    ونحن نعلم أن ضمير الدين قد مات في الأزهر، واندثر، ولذلك فنحنلسنا في هذا المجال بسبيل محاسبته على قراراته الرديئة، الممعنة في الرداءة، وإنما نحن بسبيل توعية شعبنا ليأخذ بزمام المبادرة فلا يخدع على غرة.. ومن أولى واجباتنا في هذا الصدد أن نشدد النكير على الشئون الدينية التي تفتح مجال هذا البلد للأجانب ليعيثوا فيه الفساد، وليتدخلوا في شئونه الداخلية، على نحو ينفر منه كل كريم.. إن الشئون الدينية بتنكرها لهذا الواجب تقصر عن مسئوليتها في حماة الشعب وفي صون استقلاله.. وهي من ثم متهمة بالتآمر مع جهات رجعية وذات مصلحة في بسط نفوذها على السودان.. وإلا فبم تبرر مواقفها هذه المشبوهة؟ وبماذا تدافع عن نفسها وهي تحتفل بالجهل، وتكرِّمه، وتنشره على الشعب؟!
    إن معاداة الشئون الدينية للدعوة الإسلامية الجديدة قد خرجت عن كل معقول، وهي في هذا السبيل لا ترعى حرمة الدين، ولا حرمة الوطن، ولا حرمة القانون.. ونحن لم ننزعج من مواقف الشئون الدينية، بل على النقيض كنا سننزعج لو لم تقف منا هذه المواقف.. لماذا؟ لأنه ما خلا في أمة نذير إلا قال أمثال ناس "الشئون الدينية" إنَّا بما أرسلتم به كافرون..


    الخطاب الثالث
    صورة طبق الأصل
    23/7/1972 النمرة وش دو/1/!/8/1

    السيد/ الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار
    الأمين العام لمجمع البحوث الاسلامية
    الأزهر – القاهرة.
    تحية طيبة
    بالاشارة إلى خطابكم المؤرخ 5/6/1972 والخاص بكتاب الرسالة الثانية من الإسلام تأليف الأستاذ محمود محمد طه، إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية، وستتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه.
    هذا وتجدر الاشارة الي ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكمها غيابيا في القضية نمرة 1035/1968 في 18/11/1968م ضد الأستاذ محمود محمد طه وحكمت غيابياً بأنه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت الي ردته، وتجري الآن عملية جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الاجراءات اللازمة وشكرا .
    محمد أحمد ياجي
    وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف.


    أولاً ما رأي الشعب السوداني في هذا الخطاب الهزيل المتهافت؟ ثم ما رأيه في هذه "الشئون الدينية" التي تعمل دائماً على إظهاره بهذا المظهر الضعيف المستكين؟ إن الشئون الدينية بنشرها لأسرار متابعة أجهزة الأمن لنشاط الأستاذ محمود محمد طه ونقلها لدولة أجنبية، ذات مصلحة في متابعة تلك الأسرار يشكل جريمة أمام القانون.. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن هذا الشعب يعز عليه أن تكون أخبار وأسرار قادته وأبنائه في ملفات دولة أجنبية في الوقت الذي لا يعرف هو شيئا عن تلك الأسار.
    اقرأوا مرة ثانية لكي لا تنسوا، ماذا قالت "الشئون الدينية" على لسان وكيلها: ((إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به، موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية، وستتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه.)).. هكذا قالت الشئون الدينية فما رأي القراء في هذا العبث وفي هذا الهوان؟ نحن لا نعجب من هذا الهوان الذي وضعت فيه الشئون الدينية نفسها، حينما رضيت أن تقوم بدور الموظف الصغير الذي يرد على استجواب رئيسه الكبير، وهو مأخوذ، بهيبته وأسير لعظمته! ولكننا نعجب أشد العجب أن تكون بيننا وزارة سودانية تتطوع بنقل أسرار البلد وأسرار المواطنين ولاسيما ما يتعلق منها بمتابعة أجهزة الأمن لهم، إلى دولة خارجية، هي صاحبة مصلحة تعادي الأستاذ محمود محمد طه معاداة عمياء، خرجت عن طور المعقولية والاتزان، وبلغت حظر دخوله للأراضي المصرية.. أكثر من ذلك بلغت مستوى مضايقة الآخرين، لأنهم يحملون إسماً مشابهاً لإسمه أو إسماً مطابقاً له؛ ومن حق القراء أن يعرفوا أن كل تلك المعاداة، قد قامت بسبب آرائه السياسية ومواقفه الجريئة الشجاعة في سبيل المحافظة على تراب هذا البلد، ومن أجل تأمين وحماية استقلاله.. وبهذه المناسبة يحق لنا أن نذكر هنا ما ندعم به اتهامنا للشئون الدينية عن سوء غرضها وسوء قصدها حينما رضيت أيضاً أن ترعى تدخلاً رجعياً صدرته السعودية تحت إسم "رابطة العالم الإسلامي" في الوقت الذي تعلم فيه "الشئون الدينية" أن السعودية تعادي الأستاذ محمود محمد طه كما تفعل مصر، وقد منعته هي الأخرى من دخول أراضيها، لا لسبب إلا لكشفه لجهالات الفكر الديني السلفي المتخلف الذي كانت تقوم عليه "جبهة الميثاق الإسلامي" في هذا البلد، والتي كانت ترجو بفضل المعونات السعودية وغيرها أن تبلغه ما تريد من فرض دستور إسلامي مزيف وقاصر من جميع الوجوه، ولكن هيهات! فإن الله قد حمى الشعب من جهالاتهم!!
    كل ذلك معلوم عند الشئون الدينية التي تزخر بأساطين الفكر السلفي المتخلف، والذين يعز عليهم أن ينتصر الإسلام في هذا البلد على حساب جهالاتهم وتخلفهم، لهذا السبب، ولغيره من الأسباب، طوعت أجهزة "الشئون الدينية" في نقل الأخبار ومتابعة المعلومات عن رجل أقل ما يقال عنه أنه المفكر الإسلامي الوحيد في هذا العصر، وأنه الداعية الوحيد الذي لا تنتابه الشكوك ولا تبلغه الظنون، وأنه أعف الناس، وأبعد الناس عن معاداة الناس، والعنف بهم، لأنه داعية "الحرية لنا ولسوانا".. فلماذا تتعقب الشئون الدينية مثل هذا الرجل؟ ولمصلحة من تفعل ما تفعل؟ ثم لماذا تنشر على الشعب، وبطرق ملتوية، تلك الفتاوي الجاهلة، وتلك القرارات الطائشة؟ إن الشئون الدينية لا تعرف أقدار الرجال في هذا البلد، وقديماً قيل إن من جَهِل العزيز لا يعزه! والآن فهل تعلم الشئون الدينية أن الأستاذ محمود محمد طه هو أول وأصلب من قاوم الإستعمار البريطاني في هذا البلد، ثم هل تعلم أنه الرجل الوحيد الذي عفَّ وعزف عن غنائم الجهاد الوطني حينما تسابق عليها الكثيرون؟ وبعد الإستعمار!! هل تعلم الشئون الدينية بأنه الرجل الوحيد الذي ظل على رأيه وعلى دعوته في معارضة كل حكومات العهد الوطني؟ معارضة الناقد البصير والصادق العفيف؟ الذي لم يفرط في حق البلد ولا في حق من يخالفونه الرأي لحظة من ليل أو لحظة من نهار.. فما بال الشئون الدينية التي لا تعرف شيئاً عن تاريخ هذا البلد، وتاريخ الرجال، تتطاول على رجل في قمة الوطنية، وفي قمة المسئولية؟ ثم ماذا دهاها لتغري بنا أجانب لا يعرفون لقيم الرجال حرمة؟ ولا يرعون لمسئوليات الدين عهداً..
    مما تقد يتضح، بجلاء، أن قضيتنا مع الشئون الدينية وحلفائها من "رابطة العالم الإسلامي" و "الأزهر الشريف" ليست قضية دينية، وإنما هي قضية سياسية، ألبست لبوس الدين لتجوز على شعبنا المستهدف من ورائها، وعلى غيره من الشعوب، وإلا فما علاقة الدين بتحريم الأفكار، ومصادرة الكتب؟ وهل قيمة الدين في غير مقدرته على مواجهة ما يثار في وجهه من المشاكل والآراء، وحسمها بقوة الحجة، وقوة الفكر، حتى يتبوأ الدين مكانه السامي الذي يحرز به إقناع الجميع واحترام الجميع؟ ثم بم تدفع الشئون الدينية عن فتوى الأزهر، الذي اتضح أنه لم يطلع على كتاب الرسالة الثانية الذي بنى حكمه عليه، وذلك بدليل أن العبارات موضوع الدعوى والتي أصدر حكمه على أساسها لم ترد مطلقاً في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام، الطبعة الرابعة، وكما سبقت الإشارة إليها، وإنما كانت من صنعهم ليبرروا فتواهم المتهالكة، المغرضة، وليخدعوا عن الله، ويضلوا عن سبيله، مثلهم في ذلك مثل من قال تعالى في حقهم:ــ "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون"
    إن خطاب "الشئون الدينية" موضوع هذا الباب من الكتاب لم يصل إلى نهايته في النقاش حتى الآن، رغم أننا كنا نود أن لو اكتفينا بما كان، لأن "الشئون الدينية" لا تستحق منا أكثر مما وجدت، ولكن حرصنا أن قد تكون ببعض القراء حاجة إلى متابعته والرد عليه تجعلنا نواصل الحديث عنه، أملاً في محو آثار عدوانها إن تبقى منه شيء حتى الآن.. ومما يذكر في هذا الصدد ما ورد عنهم في آخر الفقرة الماضية، التي أوردناها بعاليه وهو قولهم "وسـتتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه." جاءت هذه العبارة تكملة لقولهم السابق "إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به، موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية" وكأني بكاتب الرسالة الذي هو وكيل الشئون الدينية قد قصد بهذه العبارة التكميلية أن ينساق مع اتجاه الأزهر، لفرض العقوبات ومصادرة الكتب حيث حاول أن يستنطق العبارة لتقول: اسبر قليلاً فنحن ماضون في تنفيذ رغبتك لمصادرة الكتب وإيقاف النشاط المتصل بها.. ثم لما راجع عبارته ووجدها لا تفي بغرض الأزهر وأنها لم تعبر عن استجابة الشئون الدينية لتوجيهات الأزهر بما يكفي، لجأ ليقول وفي غير موجب للقول ((هذا وتجدر الاشارة الي ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكمها غيابيا في القضية نمرة 1035/1968 في 18/11/1968م ضد الأستاذ محمود محمد طه وحكمت غيابياً بأنه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت الي ردته، وتجري الآن عملية جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الاجراءات اللازمة وشكرا))
    واضح من سيرة هذا الخطاب كيف أن الشئون الدينية قد حددت موقفها في الوقوف بجانب سياسة الأزهر التعسفية، وأن كل ما جاء في هذا الصدد عن الدراسة الدقيقة إنما جاء متحذلقاً ومتهافتاً، فهو لا يخلو أن يكون دعوى كاذبة، ولا تتعدى أن تكون حبراً على ورق.. هذا ما وقع عندنا من الفهم لسياق ذلك الخطاب العجيب! ثم هو بعينه ما قد صدقته تصرفات الشئون الدينية مع الدعوة الإسلامية الجديدة وعلى طول المدى، ومما يذكر في هذا الصدد ما جاء في تقرير تقدم به السيد أحمد البيلي مدير مصلحة الدراسات الدينية بالشئون الدينية قائلاً ((حتى الآن لم تتخذ الجهات الرسمية من دعوة محمود موقفا محددا لوقف نشاطه بكل ضروبه وقد حان الوقت لكي تقف الدولة منه موقفا محددا وحاسما حماية للاسلام دين الأغلبية))..
    أما تطوع الشئون الدينية بذكر محكمة الردة وقراراتها في معرض ردها على الأزهر، فإنما جاء ليؤكد عزمها على مواصلة ما بدأته المحكمة الشرعية العليا في هذا الصدد، وهو عزم مفلول بعون الله وتوفيقه.
    إن الشئون الدينية بتحاملها على الدعوة الإسلامية الجديدة إنما تدلل دائماً وفي كل يوم، على جهلها الشنيع بمبادئ الإٍسلام الذي تتسمَّى به وتعيش عليه، وهو منها براء. وفي الحق إن الشئون الدينية هي آخر من يتحدث عن الإسلام الذي تتبجح به، وتتباكى عليه، وإلا فلتدلنا على سندها الشرعي الذي يبيح لها رعاية الكنائس.
    قلنا قبل قليل أن الشئون الدينية لا تعرف أبعاد مسئولياتها القانونية، ونضيف اليوم أنها لا تعرف أيضاً أبعاد مسئولياتها الشرعية، وهي في هذا الجانب الذي تدعي معرفته أجهل منها في غيره، فما الحل إذن والحال كما قد وصفنا؟ هل الحل أن تبقى الشئون الدينية أم تذهب إلى الجحيم؟ الجوب بكل تأكيد أن تبقى، لأن حكم الوقت لا يزال يتطلب جهازاً يرعى المسئوليات الدينية في الدولة العلمانية! ولكن لا بد لذلك الجهاز أن يكون مقتدراً وأن يكون في مستوى الكفاءة العلمية، والمسئولية الأخلاقية، وألا يتعدى حدوده، وأن يرعى حرمات الآخرين.. فإن عجز بعد ذلك عن التزام كل أولئك فإن ذهابه يصبح ضرورة لا بد منها.. وعلى نفسها جنت براقش..

    الخاتمة

    لقد اتضح لنا جلياً من مصاحبتنا لرحلة هذا الكتاب، أن الجهل بالدين والتضليل باسمه قد تميزت به المؤسسات، والمسميات الإسلامية، قبل غيرها، حيث أقامت وجودها على المظاهر الكاذبة الجوفاء، وعلى الأسماء الكبيرة الفضفاضة الفارغة المحتوى مثل ما قد رأينا من أمثال "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة"!؟ أو "مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف"!؟ أو "الشئون الدينية".. وما إلى ذلك من التماثيل، والهياكل، والأصنام، التي أضلها الله على علم، وأضل بها ليقضي أمراً كان مفعولاً..
    ونحن في هذا السفر نؤكد لشعبنا الكريم أن "فتوى الأزهر" وقرارات "رابطة العالم الإسلامي" وما إليهما من اهتمامات الشئون الدينية وسعيها لنشر تلك الفتاوي، والقرارات، وتوزيعها على الجمهور، بطريق، أو بآخر، لا يؤثر علينا البتة، ولا يشغلنا بهم ساعة من ليل، أو ساعة من نهار، لثقتنا أننا في كنف الله المصون، وفي حصنه المتين.. ثم ليقيننا أن تلك المسميات الفارغة المحتوى، نمور من ورق، لا تستحق قيمة المداد الذي يهرق في مواجهتها، ولكن همنا قد تعلق باستنقاذ بعض مواطنينا من الذين قد يقعون فريسة في براثن تلك الجهالات، وتلك التخريجات المغرضة، التي لم تقم على أساس من علم، أو خلق، أو دين، والتي إن دلت على شيء، إنما تؤكد رأينا دائماً في رجال الدين، ومن هم على شاكلتهم من المرتزقة، ومأفوني الرأي، مهما تستروا وراء الأسماء الخادعة، والمضللة.. ثم إننا نحب أن نؤكد لشعبنا الكريم أيضا، أن ما جاء بتلك الفتاوي الجاهلة المغرضة، إنما تلقفه مُصْدِرُوها جاهزاً من مرتزقة الأخوان المسلمين، الهاربين من أرض الوطن، والذين أفسد نومهم، وأقلق مضاجعهم، وقع أقدام قافلة الفكر الجمهوري وهي تجتاز المدائن والقرى، فتجد الترحاب، وتجد الفهم، وتجد القبول؛ في الوقت الذي يعيشون هم فيه عالة على بلاط الملوك، وعلى فتات الموائد، حرصاً على دنياهم الغالية، وأملاً في أن يُعانوا ليعودوا حكاماً مسلطين على رؤوس هذا الشعب المسكين، ولكن هيهات!! فإن ذلك لن يكون، وأيم الحق، ذلك، لأن الله قد حفظ هذا البلد، وأحاطه بعنايته الرحيمة، التي عودها إياه، ثم لأن الشعب السوداني، الطيب الكريم، لم يبلغ بعد من الهوان على الله أن يسلمه للأخوان المسلمين.. وأخيراً، وفي ختام هذه الخاتمة، نؤكد لشعبنا، تأكيداً لا يقبل الشك، أن ليل الجهل الذي طال قد آذن بزوال، وستشرق بإذن الله شمس الحياة الدافئة على الناس قريباً، وفي الأيام القليلة المقبلة، فترسل ضياء الإسلام إلى الأحياء جميعاً في كل صقع من أصقاع الأرض، فتتبدد دياجير الظلام، وترتفع ألوية الدعوة الإسلامية الجديدة خفاقة في كل مكان، من قمم الجبال وإلى وهاد الوديان، وسيردد الناس يومئذ ـ كل الناس ـ بلسان الحال ولسان المقال، قول الكريم المنان: ((إذا جاء نصر الله، والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره.. إنه كان تواباً))
    صدق الله العظيم

    الأخوان الجمهوريون
    أم درمان ـ ص. ب 1151
    تلفون 56912
    الإثنين 18/8/1975
    ========
    هذا الكتاب:ــ
    منذ أيام قلائل وقعت في أيدينا ثلاث رسائل: الأولى من "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة"، والثانية من "الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر"، وهاتان الرسالتان موجهتان للشئون الدينية بالسودان.. وفي كلتيهما تدخل سافر، وغير كريم، في أخص شئوننا الداخلية، لا ترضاه نفس حر، ولا يقبله عقل كريم!..

    هذا الكتاب:ـــ
    أما الرسالة الثالثة، والتي حملت رد الشئون الدينية على رسالة الأزهر، فقد كانت بكل أسف، مثلاً من أمثلة الطيش والتهافت، لا تشرِّف كاتبها، وتدمع، في نفس الوقت، جهاز الشئون الدينية بالغدر، والتآمر، على قضية الدين، والفكر، بهذا البلد.. وقد اتجهت الرسائل الثلاث إلى الخوض في عرض الجمهوريين على غير هدى، ولا بيِّنة، ولا كتاب منير، وبجرأة على الحق لا يملكها العارفون..
    ولقد عمدت تلك الرسائل إلى تشويه أفكارنا، وإثارة الفتن حول دعوتنا، على نحو لا يليق إلا بتلك الجهات المشبوهة التي تحكي، وتدَّعي الدين، بلا دين..


    الثمن 25 قرشاً
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif25-01-08, 09:56 AM
  المقدمة وقصة الكتاب!!! Yasir Elsharif25-01-08, 10:57 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif25-01-08, 12:35 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. مامون أحمد إبراهيم25-01-08, 11:28 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif31-01-08, 12:29 PM
  رد Mohamed fageer01-02-08, 05:35 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif01-02-08, 01:36 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. النذير حجازي01-02-08, 05:35 PM
      Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. د.أحمد الحسين01-02-08, 07:18 PM
        Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. د.أحمد الحسين02-02-08, 09:05 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif02-02-08, 11:01 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. د.أحمد الحسين03-02-08, 11:32 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Omer Abdalla03-02-08, 09:31 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif03-02-08, 11:28 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif05-02-08, 04:26 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif06-02-08, 04:01 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif06-02-08, 05:40 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif07-02-08, 10:29 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif10-02-08, 05:41 PM
    بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها من أزهريين ومن سعوديين Yasir Elsharif26-03-08, 10:06 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif11-02-08, 02:06 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif11-02-08, 06:24 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif12-02-08, 09:47 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif19-02-08, 03:33 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسعودية إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif19-02-08, 09:08 PM
    Re: الصراع بين الجمهوريين والسعودية إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif21-02-08, 02:49 PM
      Re: الصراع بين الجمهوريين والسعودية إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. عثمان عبدالقادر21-02-08, 04:09 PM
      Re: الصراع بين الجمهوريين والسعودية إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif27-02-08, 10:03 PM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Omer Abdalla28-02-08, 01:58 AM
    الأستاذ محمود بالصوت قبل لحظات من الإعتداء عليه في الأبيض وفي اليوم التالي لذلك!! Yasir Elsharif28-02-08, 11:37 AM
  Re: الصراع بين الجمهوريين والسلفيين إبَّان نظام مايو.. إعادة قراءة.. Yasir Elsharif26-03-08, 10:17 AM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de