تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل معاوية التوم محمد طه فى رحمه الله
الاستاذ معاوية التوم في ذمة الله
رابطة الاعلاميين بالسعودية تحتسب الاعلامي معاوية التوم محمد طه
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 11-12-2018, 08:05 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة د.النور حمد(Dr.Elnour Hamad)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
28-04-2003, 08:59 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة

    نظرة نقدية لطرح الدكتور، عبد الله علي إبراهيم:
    التقـليـد الشـرعي والحـداثة
    النور حمد

    واضح أن الصديق، الدكتور، عبد الله علي إبراهيم، يطور، وبدأب شديد، طروحة في شأن علاقة الدين بالدولة، في السودان. وقد تبدو طروحته هذه، جديدة للبعض، بحكم المسعى النقدي الذي ينتظمها، وهو مسعى يستلهم تيارات ما بعد الحداثة. يحاول مسعى الدكتور عبدالله، النقدي، في مبحثه هذا، تلمس السمات الحداثية، في ممارسات مؤسسة تقليدية، هي مؤسسة القضاء الشرعي السودانية. وغاية المسعى فيما يبدو، هو شق طريق وسط بين مقاربات التيار الإسلاموي السوداني، الداعي إلى دولة دينية، والذي وصل إلى السلطة بالفعل، تحت هذه الراية، وبين تيارات العلمانيين التي تدعو للفصل القاسي بين الدين والدولة. وأول ما أبدأ به هو أن المنحى النقدي، للطروحة، ليس منحى جديدا، وإن استلهم نقد ما بعد الحداثة، الموجه ضد أفكار حقبة الحداثة. فطرح، الدكتور، مسبوق في الفضاء السوداني، بطرح، أكثر عمقا، وأكثر تماسكا، ورد في المقاربات المتعددة التي ضمتها أعمال الأستاذ محمود محمد طه، التي دعت للجمع المبصر، بين خير ما جاء في الفكر الوضعي، وخير ما جاء في الفكر الديني، وفق منظور ديني أصيل، خال من أية سمة، من سمات التوفيقية التعسفية، كما أسماها صادق جلال العظم. ومقاربات الأستاذ محمود، عمرها الآن، أكثر من نصف قرن! جاء في كتيب (السفر الأول) الذي أصدره الجزب الجمهوري، بزعامة الأستاذ محمود محمد طه، عام 1945، مايلي:

    ((إن الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الإستقلال كغاية في ذاته، و إنما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية.. وهي التي ستكفل للفرد الجو الحر الذي يساعده عل إظهار المواهب الكمينة في صدره و راسه. ويؤمن الحزب الجمهوري، إيماناً لا حد له، بالسودان.. و يعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف إلى ذخر الإنسانية ألواناً شهية من غذاء الروح، وغذاء الفكر، إذا آمن به أبناؤه، فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة، و مقوماته، بالإهطاع نحو الغرب، ونحو المدنية الغربية، في غير روية، ولا تفكير.. ورأي هذا الحزب في المدنية الغربية، هو أنها محاولة إنسانية نحو الكمال.. وهي ككل عمل إنساني خطير، مزاج بين الهدى و الضلال.. وهي لهذا، جمة الخير، جمة الشر.. وشرها أكبر من خيرها.. وهي كذلك بوجه خاص على الشرقي الذي يصرفه بهرجها، و بريقها، و زيفها، عن مجال الخير فيها، ومظان الرشد منها.. ويرى هذا الحزب: أننا ما ينبغي أن نتقي هذه المدنية، بكل سبيل، كما يريد المتزمتون من أبناء الشرق .. ولا ينبغي أن نروج لها، بكل سبيل، و نعتنقها، كما يريد بعض المفتونين، المتطرفين، من أبناء الشرق.. وإنما ينبغي أن نتدبرها، وأن ندرسها، وأن نتمثل الصالح منها.. هذه المدنية تضل و تخطئ، من حيث تنعدم فيها معايير القيم، وتنحط فيها إعتبارات الأفكار المجردة.. فليس شئ لديها ببالغ فتيلاً إذا لم يكن ذا نفع مادي، يخضع لنظام العدد، والرصد.. فهي مدنية مادية، صناعية، آلية، وقد أعلنت إفلاسها، وعجزها، عن إسعاد الإنسان، لأنها كفرت بالله، وبالإنسان.. ويعتقد الحزب الجمهوري أن الشرق، عامة، والسودان، خاصة، يمكنهما أن يضيفا عنصراً إلى المدنية الغربية هي في أمس الحاجة إليه، و ذلك هو العنصر الروحي)).. انتهى.

    الشاهد أن الدعوة للجمع بين منجزات الحداثة، وجوهر دعوة الدين، أمر افترعه الأستاذ محمود، منذ ذلك الزمان المبكر. وليس أكبر همي هنا، أن أثبت للأستاذ محمود فضل السبق، في هذا المضمار الهام. فذلك أمر تثبته كتاباته المنشورة على الناس، منذ ذلك الزمان المبكر. ولكن أكبر همي هو، أن أنبه إلى الخلل الأكاديمي المتمثل في تجاهل الباحثين، لفكر الأستاذ محمود. وهو ما لمحته بالفعل في الخطوط العريضة لميحث الدكتور الفاضل، عبد الله علي إبراهيم، مما نشره على الناس مؤخرا. والنص الذي أثبته أعلاه، من كتيب (السفر الأول) للأستاذ محمود محمد طه، يمثل بعضا من كتابات الأستاذ محمود محمد طه، الباكرة. وقد حرصت على تثبيته لأدلل فقط، على سبق الأستاذ محمود غيره من المفكرين، في هذا المنحى. وإلا، فإن عمقا أكبر، وتأسيسا معرفيا، ودينيا، أعمق قد جاء لاحقا في كتاباته التي تلت، ومنها،(قل هذه سبيلي1952)، ثم كتابه (الإسلام، 1960)، ثم كتاب (رسالة الصلاة، 1966)، ثم كتاب، (الرسالة الثانية من الإسلام من الإسلام، 1967)، وما تلاهما في مطلع عقد السبعينات، مثل كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية، 1972)، و(الثورة الثقافية، 1972). وحقيقة الأمر، أن الأستاذ محمود، قد سبق تيار ما بعد الحداثة الغربي في توجيه نقد مبصر لأفكار حقبة الحداثة التي توزعت بين الفضاءين الغربيين: الليبرالي، والماركسي. ولي تحت الإعداد دراسة مقارنة، توثق لهذا السبق. وأرجو ان ترى النور قريبا.

    القفز على نقاط الخلاف الجوهرية:

    بدا لي أن طروحة الدكتور عبد الله، مشوبة بشيء من الغموض. وأنها، لا تفصح كثيرا، عن مقاصدها النهائية، بالقدر الذي ينتظره منها المهتمون. وقد شاركني هذا الرأي، اصدقاء آخرون، ممن يتابعون كل ما يصدر من قلم الدكتور. ورغم أنني من مشجعي المقاربات التي تحفر في مناطق المركب، من الجذور المشتركة، والتوجهات المشتركة، بين أهل البلد الواحد، من أجل تقريب وجهات النظر، وردم الهوات، غير الضرورية، غير أنني لا أستسيغ المقاربات التي، تقفز حول الخلافات الجوهرية، دون أن تمسح أرضيتها، مسحا وافيا، شافيا. وهذا هو ما قادني، إلى مناقشة طروحة الدكتور الفاضل عبد الله علي إبراهيم، وامتحانها، وفق هذا المنظور. أعني، منظور المسح الوافي لأرضية الخلاف، حول مسألة التجديد في الفكر الإسلامي، والقانون الإسلامي. وأظنني لمحت في طروحة الدكتور، تغافلا عن بعض الحقائق المهمة. فالدكتور، يستخدم شواهد التاريخ، القريب، وما تشير به إليه حركة الواقع المتحول، وما تسمح به هذه الحركة، من استنباط للدلالات. وأعنى هنا، تحديدا، منشورات القضاء الشرعي، التي ربما رآها الدكتور الفاضل، متجهة نحو التوسيع لحريات النساء. غير أن تلك الشواهد، ليست من الجوهرية، بحيث يمكننا أن نقول، أنها كانت سائرة لبلوغ غايتها، في تمام التحرير. وفي تقديري، أن المساحات التي أتاحها للنساء، هنا، وهناك، ما أسماه الدكتور بـ ((التقليد الشرعي)) قد جاءت عرضا. ولا أعتقد أنها جاءت نتيجة لبنية مفهومية، متماسكة، وخطة، ومنهجية واضحة. وهذا هو ما عرضها للإنتكاس، كما لاحظ الدكتور نفسه. وسوف أقف عند ذلك لاحقا.

    إرتكز فكر الحداثة، بشكل رئيس، على فيزياء نيوتن، وعلى الفلسفة الوضعية لإيمانويل كانط، وما تفرع من كل أولئك، لاحقا من تيارات دعمت التوجهات العلمانية، البراغماتية. غير أن فكر الحداثة، الذي ظل يحرك السياسة الدولية، منذ فجر الثورة الصناعية، قد انشطر على نفسه، في القرن التاسع عشر، بظهور الدارونية، وصنوها المصاقب لها، الفكر الماركسي، اللينيني. وما لبث أن انقسم العالم، جراء ذلك، إلى معسكرين، إثنين. ثم، ما أن جنحت شمس القرن الماضي، نحو الغروب، حتى انهارت التجربة الشيوعية، برمتها، وعادت الأمور، مرة ثانية، إلى أصولها التي انطلقت منها أبتداء. ولكن في ثوب جديد، جعل أكثرية أهل الكوكب، يقفون، إزاء الصورة الجديدة، الأكثر تركيبا، وتعقيدا، موقفا سمته الرئيسة، الحيرة.

    تيارات الفكر الحداثي، وذراعها القوية المتمثلة في المد الرأسمالي، أعطت ثقافة أوربا، عبر القرون الأربعة المنصرمة، موضع المركز، في ثقافة العالم. وموضع المركز، هذا، أخذته أوروبا، من بقية العالم، عنوة، وبحد السلاح. ولكن لابد أن نشير هنا، إلى أن الثقافات الأخرى، قد إزورت بدورها، هي الأخرى، حين أصابها الإنبهار بانجازات الغرب، الباهرة، مما جعلها، تقبل، ولو مؤقتا، مكانة الدونية، والهامشية.

    وصمت المركزية الأوربية، المزهوة بانجازات النهضة العلمية، والتقنية، ثقافات القارات الأخرى بالتخلف، دافعة إياها، صوب الهامش، وصوب رفوف المتحفيات الإثنوغرافية. ومن تلك المركزية الأوربية، انطلقت، في البدء، ألة الرأسمال، لتملك معظم أجزاء العالم، بقوة السلاح الناري. وقد حدث ذلك، في فترة وجيزة جدا. ومن ثم بدأ الغرب عمله في إلحاق الثقافات المحلية، بالمركزية الأوربية. وقد أحدثت الهجمة الإستعمارية في القرن التاسع عشر، تحولات سريعة. تغيرت بها أنماط الإقتصاد، في بقاع كثيرة من الكوكب. وحدثت، أيضا، الكثير من التحولات الإجتماعية. كما شاعت أنماط التعليم الغربية في كل مجتمعات العالم تقريبا. وأنتشرت لغات المركز، الأوربي، في بقاع العالم المختلفة. ومعلوم أن اللغة حين تنتقل، تنقل معها أيضا الكثير من السمات الذهنية، لموطنها الأم، الذي وفدت منه. وبناء عليه، حدث رواج كبير، من الناحيتين النظرية، والعملية، للنظرة الغربية للكون، وللحياة. وكانت النتيجة أن اهتزت كثير من المورثات، وأنتج ذلك علاقات جيوسياسية، جديدة، شديدة التركيب، شديدة التعقيد. والحالة السودانية الراهنة، التي يعمل فيها الدكتور مبضع نقده، الآن، واحدة من حالات متعددة. ولكن الدكتور عبدالله، لم يعط مقاربات الأستاذ محمود وهي تعالج، كل ما تقدم، ما تستحقه، من نظر، ومن نقد. فهو قد أكتفى في شأنها، بقليل من الإشارات السالبة المبتسرة. وهذه سمة اتسم بها الأكادميون العرب، حين يعالجون الأفكار الدينية المثيرة للجدل.

    التجاهل الأكاديمي لفكر الأستاذ محمود محمد طه!

    في المقدمة التي تشرفت بكتابتها، مع الأستاذة أسماء محمود محمد طه، لكتاب (نحو مشروع مستقبلي للإسلام: ثلاثة من الأعمال الأساسية للمفكر الشهيد، محمود محمد طه) والتي صدرت طبعته الأولى، العام الماضي عن المركز الثقافي العربي ببيروت، ودار قرطاس بالكويت، نعينا على الأكاديميا العربية، تجاهلها لفكر الأستاذ محمود محمد طه، وهو فكر منشور منذ أكثر من نصف قرن. وأشرنا إلى أنها أكاديميا، مدجنة، ومسيسة دينيا، وليست مطلقة الصراح، فيما يتعلق بحرية البحث العلمي، خاصة ما يتعلق بمسألة التجديد الديني. والأكاديميا التي لا تلزم نفسها بالحياد العلمي الصارم، والأمانة العلمية، أكاديميا لا تستحق إسمها. أقول هذا، وفي ذهني الإشارات المبتسرة التي وردت عن الدكتور، لفكر الأستاذ محمود في مبحثه هذا. وهي إشارات لم تخل، على ابتسارها الشديد، من نغمة سلبية. كتب الدكتور في عرض طروحته، هذه الفقرة.

    ((إن زمان القبول «الفطري» بالثنائية المتباغضة للحداثة والتقليد قد شارف نهايته. فهذه الثنائية الآن قيد النظر الدقيق والمراجعة. فقد تأسف نقاد حديثون كيف لم يطل النقد والتمحيص إنتاج هذين المفهومين واستثمارنا المعرفي فيهما. فأنت تجد مثلاً من يبرر تجاهل الشريعة في بلورة القوانين الاستعمارية، الموصوفة بالحداثة، بأنها «متخلفة» من حيث سُلم العصرنة. ويتغاضى مثل هذا التبرير الحداثي عن حزازات المستعمرين وشوكتهم اللتين كانتا لهما القدح المعلى في تبخيس الشريعة وازدرائها كمصدر محتمل للقانون الاستعماري الحداثي)).. انتهى.

    فما أسماه الدكتور عبد الله، ((الثنائية المتباغضة للحداثة والتقليد)) واقع حقيقي، وسببها لا ينصب حصريا، في موقف العلمانيين، حين تمسكوا بفكر الحداثة الأوروبية، وتنصلوا عن تراثهم المعرفي، والثقافي. وإنما سببه أيضا، ضيق تلك الشريعة، نفسها، عن استيعاب طاقة الواقع الحداثي. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى يقف جمود المؤسسة الدينية الإسلامية السلفية، وتخندقها في خندق القديم، والإصرار عليه، رغم مجافاته لمنطق العقل الحديث. فـالقول بأن الشريعة الموروثة، منذ القرن السابع، ((متخلفة)) بإزاء المشكلات المستجدة، ليس قولا منكرا، كما يشتم من رأي الدكتور. فهو قول لا يقال، حين يقال، خاصة من جانب الجمهوريين، بغرض إزدرائها والزراية بها. وإنما لتقرير حقيقة بسيطة، غاية البساطة! وهي أن كثيرا من صور الشريعة السلفية لم تعد صالحة، فعلا. والجمهوريون حين قالوا بذلك القول، قالوه من منطلق فهمهم أن في القرآن مستوى آخر، أكبر من الشريعة، وهو ما أشار إليه الأستاذ محمود بضرورة التفريق، بين ((الأصول))، و((الفروع))، وبين، ((الشريعة))، و((الدين))، وبين ((الشريعة)) و((السنة)).

    وبالطبع، فإن هذا لا ينفي أن بعض العلمانيين حين قالوا بـ ((تخلف)) الشريعة، إنما قالوه، للزراية بها. وهي زراية تفرعت من الزراية بالدين، من حيث هو. غير أنني أحب، أن أقرر، ما قرره الأستاذ محمود محمد طه، من قبل، ومن دون أدنى مورابة، أن كثيرا من صور الشريعة الإسلامية التي بين أيدينا، مما جرى تشريعها لمجتمعات القرن السابع الميلادي، وما تلاها، لاتصلح للتطبيق اليوم. وأخص بالذكر، شريعة الأحوال الشخصية، التي بين أيدينا الآن. ولسوف لن ينفتح لنا طريق إلى نهضة حقيقية، إلا إذا امتلكنا الشجاعة الكافية، لنقرر ما أثبته الواقع العملي، من قصور بعض صور الشريعة الإسلامية. ومثل هذا التقرير، مهم، غاية الأهمية. فبغيره، لا يمكن لنا، أن نمضي في سبيلنا إلى أصول القرآن، لنشرع منها، لمجتمعاتنا المعاصرة، وفق ما يناسب طاقتها، ويناسب حاجتها.

    الشاهد أن الشريعة القائمة على فروع القرآن ـ كما يسميها الأستاذ محمود محمد طه ـ لايجدي معها الترقيع الذي يدعو له الدكتور عبد الله، في معنى ما أشار إليه من أن له ثقة في ((تدريب))، و((ذوق)) القضاة الشرعيين. والسبب هو أن تلك الشريعة قد قامت على نصوص محكمة، لا مجال للإجتهاد معها. وهي نصوص لم تكفل الحقوق الدستورية، كما نفهمها اليوم، وهو أمر اقتضته ضرورات الواقع، وقتها. وقد شمل عدم كفلها للحقوق الدستورية، كلا من الرجال والنساء. وإن كان عدم كفالتها للحقوق الدستورية، لجنس النساء، قد كان أكبر، من عدم كفلها للرجال، وذلك بسبب حكم الوقت الماضي. وقد وردت الإشارات، والعبارات باستفاضة، فيما كتبه الأستاذ محمود، في تبيين أن ما حصل عليه الرجال، والنساء، من شريعة القرن السابع الميلادي، قد كان كبيرا، وبما لايقاس، مقارنا بما كان عليه حالهم، في حقبة ما قبل الإسلام .

    ولكي نضع الموضوع في إطاره التشريعي، لابد أن نشير إلى أن نصوص الشريعة الموروثة، تقول بجهاد الكافر، حتى يسلم: يقول تعالى: ((فإذا انسخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، وأحصروهم، وأقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا، واقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم)). ومن ذلك جاء حديث النبي الكريم الذي يقول فيه: ((أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا ألا لا إله إلا الله، وان محمد رسول الله)). ومن تلك جاء حكم الردة: ((من بدل دينه فأقتلوه)). ومنها جاء قتل تارك الصلاة أيضا. كما أن نصوص الشريعة المحكمة تقول بقتال أهل الذمة، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون. قال تعالى: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية، عن يد، وهم صاغرون)). وقد فسر ابن كثير لفظة ((صاغرون)) بـ ((ذليلون حقيرون)). وجاء في الحديث النبوي: ((إذا لقيتم اليهود والنصارى، فلا تبدأوهم بالسلام، وأضطروهم إلى أضيق الطريق)). وليراجع الدكتور الفاضل عهد سيدنا عمر بن الخطاب لآل إيليا، عقب فتح بيت المقدس، وما جاء فيه من شروط مهينة، بلغت حد إلزامهم بجز النواصي. الشاهد أن الشريعة الموروثة، منذ القرن السابع غير قابلة للترقيع. وهذا هو ما أنفق الأستاذ محمود محمد طه، عمره كله في توضيحه.

    أما في جانب حقوق المرأة، فلا أدري ماذا كان في وسع ((التقليد الشرعي)) الذي يتحدث عنه الدكتور أن يفعل. وإلى أي مدى سوف يصل ((التقليد الشرعي)) في محاولاته تلك للترقيع؟ فالنص المحكم يقول: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى))؟ فعلى أي شيء أستند الفقهاء، الذين جعلوا المرأة قاضية، في حين أن الشريعة الموروثة منذ القرن السابع الميلادي، لا تعطيها حتى حق الشهادة بمفردها. وأنا لا اعتراض لدي أن تعطى المرأة حق أن تكون قاضية، ولكن إعطاءها ذلك الحق بالخروج على نص محكم، يجعل ذلك الحق عرضة للنقض في أي وقت. لأن تأسيسه تجاهل سلطة النص، منذ البداية. ولقد تفضل الدكتور الفاضل نفسه، بأن قال، إن الإنقاذ رجعت بحقوق المرأة إلى الوراء. والسبب هو أن منحها حق القضاء لم يتم على تأسيس ديني، واضح، وإنما تم بخروج، غير منهجي، على سلطة النص. والذين جاءوا، من أهل الإنقاذ، ورجعوا بمكتسبات المرأة السودانية، الوراء، في مسار أشبه بمسار طالبان، إنما فعلوا ذلك مسنودين بسلطة النصوص القواطع، وبتجربة التطبيق الإسلامي، في الماضي!

    ولابد من الشارة هنا، إلى أن الفضاء الإسلامي، فضاء واسع. فحين رأى فقهاء الشرع في السودان، جعل المرأة قاضية، رفض فقهاء دول الجوار، حتى إعطاءها حق التقدم لنيل رخصة قيادة سيارة! كما منعوا اختلاطها بالرجال في الحياة العامة، والأماكن العامة، ومنعوه حتى في مدرجات الجامعات. كما رفضوا لها السفر بمفردها، وضربوا عليها العباءة والبرقع. وحصروا عملها في أضيق نطاق ممكن، وفي مهن محددة جدا. وما من شك أن من يرفضون الإفساح للمرأة في بساط الحياة الحديثة، ليسوا قوما يتجنون بغير حق، وإنما هم فقهاء يستندون على النصوص القاطعة، وهم أيضا، تسندهم معرفة راسخة بأحكام الشرع، كما كان عليه الحال، في صدر الإسلام، وما تلا من قرون. ولذلك فمثل هؤلاء، لن يروا فيما قام به القضاء الشرعي السوداني، حين أجاز قضاء المرأة، إلا خروجا على نصوص الشرع. وسيكون عملهم، من ثم، مراجعة أهل السودان، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وينزلوا عند أحكام شرعه!

    مأزق قيد النص من محمد عبده إلى الدكتور الترابي:

    نعود إلى أصل الحداثة الإسلامية، الذي تكرم الدكتور عبدالله، بنسبته إلى الشيخ، محمد عبده، لنقارنه بمنهج الأستاذ محمود محمد طه، للبعث الإسلامي. فمحمد عبده شأنه شأن غيره، من رواد النهضة الدينية الحديثة، مثل جمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وسيد أحمد خان، وغيرهم. والسمة الأساسية التي تجمع بين كل هؤلاء، هي الإلتفاف حول سلطة النصوص الصريحة. فهم لم يروا الرؤية التي رآها الأستاذ محمود، وهي الإنتقال من نص فرعي خدم غرضه، حتى استنفده، إلى نص أصلي، ظل مدخرا، حتى يحين وقته، وقد حان وقته. وقد سلك الدكتور الترابي مسلك رواد النهضة، هذا، في التوفيق بين ما طرحه الواقع الحداثي، وبين أحكام الإسلام، دون الإشارة، إلى الكيفية المنهجية، لتخطي، عقبة النص المحكم. وهذا هو عين ما جعل الدكتور الترابي، عرضة للتكفير، من جانب بعض غلاة النصوصيين. والدكتور عبد الله، لا يفعل الآن شيئا مغايرا لما قام به الدكتور حسن الترابي. فهو الآخر، يتحاشى مواجهة النصوص. وأحب أن ألفت نظر الدكتور الفاضل، وهو كثيرا ما جنح للتشنيع بالعلمانيين، أنه، نفسه، ينحو منحى علمانيا، حين يتجنب كليا، إيراد النصوص. وهذا ما أشتهر به الدكتور حسن الترابي، في مقارباته الكتابية، وأحاديثه الخطابية.

    قيد الإجتهاد في إطار الشريعة:

    مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أن الفقه الذي تبع تشريع الرسالة الأولى ((رسالة الفروع)) قد قام أساسا على أن الإجتهاد لا يكون، إلا فيما ليس فيه نص. وفكرة الإجتهاد نفسها، يحكمها نص الحديث النبوي، لسيدنا معاذ بن جبل، حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم، بم يحكم الناس، وقد كان معاذ في طريقه، لولاية المسلمين في اليمن. فقال معاذ: (( أحكم بكتاب الله)). فقال له النبي الكريم: ((فإن لم تجد؟)). فقال معاذ: ((فبسنة رسول الله)). فقال له النبي الكريم: ((فإن لم تجد؟)). فقال معاذ: ((أعمل رأيي ولا آلو)). فقال النبي الكريم: ((الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله، إلى ما يرضي الله، ورسوله)). ولذلك فكل الفقه الإسلامي، إنما قام على هذا الحديث، وهو أن الإجتهاد مسموح به فقط، حين لا يكون هناك نص من الكتاب، أو السنة. ولاحق لأحد، أبدا، في الإجتهاد حين يكون هناك نص قطعي الدلالة. وهذا هو ما جعل دولا أسلامية، بعينها، لا تعطي المرأة حقوقها، إستنادا على نصوص الشريعة، القطعية الدلالة. ولذلك فإن أفكار طالبان، على مجافاتها الشنيعة لقيم الحداثة، تجد أصداء واسعة، عند ملايين المسلمين، في أرجاء المعمورة. وحين همت جماعة طالبان بتحطيم تمثال بوذا، فعلوا ذلك، وهم مستندين على نصوص شرعية، معروفة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من صور صورة يعذبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وما هو بنافخ فيها أبدا)). وكقوله لعائشة: ((يا عائشة، أتدرين من أشد الناس عذابا يوم القيامة؟)) قالت: ((الله ورسوله أعلم)). قال: ((المصورون)). وقد أرسلت كل من السعودية، وقطر، ودول خليجية أخرى، فيما أوردته أجهزة الإعلام، وفودا من العلماء، بناء على طلب تقدمت به جهات أجنبية كانت مشفقة على مصير التماثيل. وطلبوا من تلك الوفود مناقشة جماعة طالبان، لإثنائهم عما انتووا فعله بالتماثيل. ولكن فقهاء طالبان النصوصيين، حجوهم بنصوص، الشريعة، القواطع، وبالتطبيق العملي مما قام به النبي الكريم، من تكسير للأصنام. وعاد العلماء المبعوثون، يجرجرون أذيال الخيبة، وتم تدمير التماثيل.

    الشاهد هو: حين يوجد النص، لا يستمع أحد لفقيه، مهما كان شأنه، دع عنك أي فرد آخر. والمخرج الذكي، والأكثر عملية، وفعالية، من هذا المأزق التاريخي، هو ما جاء به الأستاذ محمود، حين دعا إلى الإنتقال من نصوص القرآن المدني، إلى نصوص القرآن المكي. فالحقوق الأساسية لا وجود لها في أحكام الشريعة، وإنما هي موجودة فقط، في أصول القرآن. وحين نبعث أصول القرآن نكون قد بنينا النقلة على سند نصي، يباعد بين الحقوق الأساسية، وكفالة الحريات العامة، وبين التشكك في دينيتها، وإلهيتها، ووصمها بالعلمانية. وهذه نقطة جوهرية يتغافل عنها المترددون في الأخذ بمنهج الأستاذ محمود محمد طه.

    بين مرجعية النص ومرجعية رأي الفرد:

    عُرف عن الدكتور حسن الترابي أنه يجتهد، لكي يجعل الشريعة قادرة على استيعاب طاقات الحياة الحديثة، ومستجيبة لحاجاتها. وهو يفعل ذلك لكي يُكسب ما يقوم به على الصعيد السياسي، صفة (الدينية). فهي الصفة التي راهن عليها منذ أن بدأ العمل السياسي. وكذلك، حتى لا يُتهم بالتنكر للشعارات التي جمع الناس حولها، منذ الستينات. غير أن الدكتور الترابي، يفعل ذلك بتغافل تام، لنصوص الشريعة. وهو يفعل ذلك، مثله مثل كثيرين غيره، ممن ينتهجون منهج التجديد، المتجاهل لسلطة النص. وهذا المنهج، يُظهر الدكتور الترابي، أراد أم أبى، كمن يقول للناس: أنا مرجعية، دينية، ومن حقي أن آتي من الأحكام، بما يخالف نصوص الشريعة، وأن على الناس أن يأخذوا ما أقول به، حتى وإن خالف ظاهر النص، ما دام ما أقول به، يحل إشكالية تناقض نصوص الشريعة مع بنية الواقع المعاصر. ولذلك فقد كتب الترابي في تشجيع ممارسة الفنون، من رسم، وتلوين، وتصوير، ونحت، ورقص، وغيرها، مما لم تشجع عليه الشريعة، أصلا. وتجاهل في ذلك، سلطة النصوص، كما تجاهل، في نفس الوقت، منهج الأستاذ محمود محمد طه، الذي سبقه إلى مسالة التجديد، بسنوات عديدة. تجاهل الترابي طرح الأستاذ محمود، ومنهجه، وكأنهما لم يكونا أصلا! ولكن أنظر إلى أين انتهى الأمر بالترابي. فها هو قد أُخرج من الساحة كليا! أعني، ساحة التجديد الديني، وساحة الفعل السياسي الذي يستمد شرعيته من مرتكزات دينية. وكما هو واضح، فإن الذين أخرجوا الترابي، من اللعبة، لم يكونوا خصومه، وما أكثرهم. وإنما أخرجه من اللعبة، أقرب تلاميذه إليه!! ورجعت كل اجتهادات الترابي، إلى نقطة الصفر، مرة أخرى. والسبب هو تجاهل سلطة النص. بل ذهب تلاميذ الترابي في شأن شيخهم، مذهبا بعيدا، فقالوا، بأنه سوف يتسبب في فتنة، إن هم أطلقوا سراحه!! الشاهد هنا، أن أي اجتهاد يتغافل مواجهة النصوص، ويتجاهل ضرورة تأسيس قيم الحداثة، على سلطة النص المقدس، اجتهاد مقضي عليه بالردة، وبالسقوط كرة أخرى، في بئر السلف العميقة.

    أنا لآ أريد أن أقول أنه لا يمكن أبدا الإجتهاد إلا على الدرب الذي طرقه الأستاذ محمود ـ رغم أن ذلك قول صحيح، في تقديري الشخصي ـ ولكن دعني أقول، إن مخرج الأستاذ محمود يمثل أكثر المخارج تماسكا، من سلطة النص المحكم منذ القرن السابع. فمخرجه بالخروج من النص الفرعي، لتحكيم النص الأصلي يتيح ، دون غيره، لمن يريد الإجتهاد، أن ينتقل من سلطة نص مقدس، إلى سلطة نص مقدس آخر، لا إلى سلطة فرد. وقد عالج سمات التماسك في منهج الأستاذ محمود، في مسألة تطوير التشريع، الكاتب عبد الله بولا، معالجة، اتسمت بالإدراك العميق، وبالرصانة المنهجية، وذلك في العدد الرابع من مجلة "رواق عربي"، فليراجع في موضعه.

    ما يفعله الرافضون لمنهج الأستاذ محمود، هو أنهم ينقلون السلطة، النابعة من النص المقدس، إلى مرجعية، هي ليست أكثر من أرائهم الشخصية، كمجتهدين أعطوا أنفسهم حق الإجتهاد ضد سلطة النص المقدس. غير أن الواقع يقول، إن سلطة النص المقدس، على سواد الناس، أكبر من أي سلطة أخرى. وفي تقديري الشخصي، أن المسلمين سوف يشرقون، ويغربون، ولكنهم لن يجدوا، في نهاية المطاف، مخرجا، أسلس، وأضبط، وأشمل، وأكثر حبلا بالوعود الإنسانية، من المخرج الذي رسمه الأستاذ محمود محمد طه. وما أكثر ما سمعت الأستاذ محمود يتمثل أبيات إبن الفارض، حين تبلغه أنباء الاعتراضات على فكره، فيردد قائلا:

    وعن مذهبي، لما استحبوا العمى على الهدي، حسـدا من عند أنفسهم، ضـلُّوا
    فهم في السـُّرى، لم يبرحوا من مكانهم، وما ظعنوا في السـير عنه، وقد كَلُّوا

    ودعونا، على ضوء ما شرحنا أعلاه، نقرأ ما كتبه الدكتور عبد الله، في تقدمة طروحته:

    ((أريد في المقالات التي انشرها متتابعة ان أرد الشريعة الي مطلبها الحق أن تكون مصدراً للقوانين في بلد للمسلمين. ولست أرى في مطلبها هذا بأساً او ظلماً لغير المسلمين. فهي عندي مما يسع التشريع الوطني العام ويهش له متى خلا دعاتها من نازعة "الوطنية الاسلامية" وبذلوا سماحتها للوطن لايفرقون بين أهله متوسلين الى ذلك بحرفة القانون عارضين اجتهادهم من خلال مؤسسات التشريع بالدولة. ولست ادعي علماً فيما يجد غير انني اتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب وذوق المشرعين بها من قضاة المحاكم الشرعية على عهد الاستعمار وماتلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الأسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها. وهي ما اسميه "التقليد الشرعي السوداني، (1898-1983).)) ..انتهى.

    فالجمهوريون لا اعتراض لديهم في أن تكون قيم الدين، ملهما للقوانين، ما دامت تلك القوانين دستورية، ولا تفرق بين الناس على اساس الدين، أو اللون، أو الأصل العرقي، أو الجنس (رجل وإمرأة) وهو ما يسمى هذه الأيام، بـ (الجندر). غير أن الدكتور عبد الله، بحاجة إلى أن يفصح عما يعني حين يقول: ((أريد في المقالات التي انشرها متتابعة ان أرد الشريعة الي مطلبها الحق أن تكون مصدراً للقوانين في بلد للمسلمين)). فقد قال نفس هذا الحديث أناس كثيرون قبله، ولم يجئينا من ذلك في السابق، غير التكفير، والقتل، والإستتابة، والجلد، وقطع أطراف المعوزين، من البسطاء الذين قذف بهم الهامش المهمل، إلى قلب مدينة أخطبوطية لا رحمة فيها! فما الجديد، فيما يقول به الدكتور، وماهي تفاصيله، وما هي أسانيده؟

    أما قوله الدكتور: ((... أنني اتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب وذوق المشرعين بها من قضاة المحاكم الشرعية على عهد الاستعمار وماتلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الأسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها. وهي ما أسميه "التقليد الشرعي السوداني"))، يظل قولا لا يخلو من تفكير بالرغبات، ومن شيء من الرومانسية الدينية. فما هو سند الدكتور على ((ذوق)) القضاة الشرعيين، و((حسن تدريبهم)) مما رأيناه في تاريخنا القريب على أرض الواقع؟ ؟ فهل سمع الدكتور عبد الله، أن القضاة الشرعيين، قد وقفوا، مثلا، ضد قوانين سبتمبر؟ وهل سمع أنهم وقفوا، ضد الحكم على الأستاذ محمود محمد طه بالردة، والذي أصدرته ـ وللمفارقة ـ المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم عام 1968؟ فعن أي ((حسن تدريب))، وعن أي ((ذوق)) يتحدث الدكتور؟ ثم هل سمع الدكتور استنكارا، منسوبا للقضاة الشرعيين، لمأساة إعدام الأستاذ محمود محمد طه، عام 1985. وهل في وسع الدكتور أن يرينا موقفا واحدا، بارزا، للقضاة الشرعيين، ضد سلطة الإنقاذ الحالية، وكل صور التخبط، وطل التجاوزات التي روعت بها أهل السودان.

    لم يشر الدكتور عبد الله، في طروحته، إلى الفكر الجمهوري ـ صاحب أكبر اسهام في قضية تطوير التشريع، ورسم صورة الدولة الإسلامية المستقبلية ـ إلا بصورة مبتسرة. وهو حين أشار إليه، إنما أشار لكي ينحي عليه باللائمة، فيما نشب من صراع بين الجمهوريين، وبين القضاة الشرعيين، وسائر الجهات السلفية، عبر عقود، الستينات، والسبعينات، والثمانينات، من القرن الماضي. ولنأتي فيما يلي، لنفحص هذه التهمة، ونرى إن كان هناك ما يؤيدها فعلا، من الوقائع التاريخية، لتاريخ لا يزال من عايشوا أحداثه المؤسفة، أحياء يرزقون.

    كتب الدكتور الفاضل:

    ((ومن جهة أخرى تحاشى الفكر الجمهوري هذا التقليد الشرعي مع أن أصلهما واحد وهو الحداثة الاسلامية التي ركنها وحجتها الامام محمد عبده. وزاد الفكر الجمهوري في جفائه لهذا التقليد الشرعي بجعله هدفاً لحملات نقد وتنقيص. وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين أن يلطفوا عبارتهم في نقد القضاة مع علمي بمحنة الجمهوريين وما نالهم من القضاة و الوعاظ في المساجد من أذى وترويع. ومغاضبة الجمهوريين لم تقع من جهة احسان ذلك التقليد الشرعي أو اساءته بل من إرث مواجهة سياسية راجعة الى ايام الحركة الوطنية. فقد صنف من ظنوا في انفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود القضاة الشرعيين والاعيان وزعماء القبائل والطوائف بأنهم من أعوان الاستعمار. وهذا كلام جاز طويلاً غير أنه خاضع للنظر والمراجعة الآن. ويكفي أن تقرأ ما كتبه الدكتور حسن احمد ابراهيم عن السيد عبدالرحمن المهدي لكي تتشكك في صواب هذه الذائعة عن أولئك الرجال. وقد دق حكم المحكمة الشرعية بردة المرحوم محمود محمد طه، عليه الرحمة، في 1968 إسفين الخصومة بين القضاة والمرحوم واختلط حابل تطوير الشريعة بعاديات السياسة وأطوارها وبمنطويات النفوس.)) .. انتهى.

    النص أعلاه، مما قاله الدكتور عبدالله، لا يخلو من نبرة تحامل على الأستاذ محمود والجمهوريين. ورغم أن الدكتور قد قال: (وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين أن يلطفوا عبارتهم في نقد القضاة مع علمي بمحنة الجمهوريين وما نالهم من القضاة والوعاظ في المساجد من أذى وترويع)، إلا أنه، رغم ذلك، مال أكثر إلى الإنحاء باللائمة، جهة الجمهوريين. وأرجع الدكتور جذور تلك الخصومة، إلى أيام الحركة الوطنية، قائلا: ((فقد صنف من ظنوا في انفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود القضاة الشرعيين والأعيان وزعماء القبائل والطوائف بأنهم من أعوان الاستعمار. وهذا كلام جاز طويلاً غير أنه خاضع للنظر والمراجعة الآن)). وعبارة، ((من ظنوا في أنفسهم مجاهدة الإستعمار من أمثال المرحوم محمود)) عبارة مشحونة. ومن يقرأها، يشتم فيها غمزا، من طرف خفي. فالأستاذ محمود لم يظن بنفسه، مجرد ظن، وإنما كان بالفعل، مجاهدا حقيقيا من أجل الإستقلال. بل، هو أول سجين سياسي، في حقبة مناهضة الإستعمار الإنجليزي. ولا يغير في ذلك شيئا، كون أن كتب التاريخ السودانية، التي بين أيدينا، الآن، لم تشر إلى ذلك، إلا لواذا. فالتاريخ، على كل حال، سجل تتم مراجعته، وإعادة كتابته، كل يوم. جاء في صحيفة (الرأي العام) عدد يوم 3/6/ 1946، ما يلي:

    مثل الاستاذ محمود محمد طه المهندس امس امام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهما من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الاخلال بالأمن العام، وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيها لمدة عام، لايشتغل خلالها بالسياسة ولا يوزع منشورات. أو يودع السجن لمدة سنة اذا رفض ذلك..

    والذي حدث فعلا، ان الأستاذ محمود رفض التوقيع، مفضلا السجن. وقد اقتيد من مكانه ذاك الى سجن كوبر. ولا اعتراض لدي، أن يقوم بخلد الدكتور، عبدالله، أن النضال عن طريق تبادل المنشورات مع الإنجليز، ربما كان السبيل الأفضل للسودانيين، لنيل استقلالهم. وهذه نقطة يمكن أن تكون محل جدل، وتظل المقاربات فيها، متجددة، ومتغيرة، كل يوم. وعموما فإن رجحان أي من الإتجاهين، لا يكون بغير النظر، في النتائج العملية، التي تمخض عنها إستقلالنا. وهي نتائج بلغت بنا حد المآسي الكبرى. فقد انتهى بنا استقلالنا إلى فقر منقطع النظير، وإلى ريف خاو على عروشه، هجره أهلوه، وإلى عاصمة تضخمت حتى صارت كابوسا مزعجا. ثم إلى هجرة مأساوية، إلأى خارج البلاد، قوامها العلماء، والمهنيون، استهدفت كل أركان الأرض. ثم ها هو قطرنا، لا يميزه، ولا يصفه وصف، مثل كونه يسقط كل يوم في مستنقعات العزلة المعرفية، والوجدانية، عن بقية العالم، حتى غدا لا يمت إلى البنية الكوكبية المتشكلة الآن، إلا بأوهى الصلات.

    في تقديري، أن المتعلمين الأوائل، لم يكونوا بالوعي السياسي الكافي، لإدارة شأن خطير، كشأن الإستقلال. كما لم يكونو، أيضا،ا بالقامة الأخلاقية التي تمكنهم من رؤية المخاطر، حين تهافتهوا على الولاء لزعماء الطوائف. فهم قد عجزوا عن مغالبة بريق المناصب، ودعة الكراسي الإنجليزية التي كانت على وشك أن تشغر، وقتها. ودعنا فقط، نقارن استقلالنا باستقلال الهند، وتطورنا الديمقراطي، بتطور وثبات ديمقراطية الهند. وهي قد سبقتنا إلى الإستقلال، بسنوات قليلة جدا. ويقيني، لو أن مثقفينا الأوائل، كانوا على شاكلة الأستاذ محمود، وما قدمه طيلة حياته، من نموذج خلقي نادر للقيادة، الفكرية، والسياسية، لربما أخذ مسار الأحداث لحقبة ما بعد الإستقلال منحى أفضل! قال الأستاذ محمود، في التنبيه إلى ضرورة التركيز على معنى الإستقلال آنذاك: ((فقد يخرج الانجليز غدا، ثم لانجد أنفسنا أحرارا، ولا مستقلين، وانما متخبطين في فوضى مالها من قرار)). وكان يقول إن الاستقلال ليس: ((استبدال الانجليز بانجليز في أسلاخ سودانيين))..

    فحين اتجه الأستاذ محمود، إلى مواجهة الإنجليز، عن طريق تحريك الشارع، فعل ذلك لأنه لم يستسغ ما شرع فيه المؤتمر من تبادل للمذكرات، مع الإدارة الإنجليزية. وهناك أدب كثير، مثبت، في هذه المسألة. ومن ذلك الأدب، ما جاء في كتيب السفر الأول الذي أخرجه الجمهوريون، عام1945 ، حين كتب الأستاذ محمود:

    ((وإنعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسية ـ وهي قد ولدت ميته ـ أن يعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج، ويُعلن بها الزبائن بعد وصولها، حتى تكون مفاجأة، ودهشة.. ولو أن جميع الأحزاب القائمة الآن إستطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري))..انتهى.

    كما تحدث الأستاذ محمود عن إهمال المؤتمر توعية الشعب، في نفس الكتيب قائلا:

    ((لماذا، عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر، إتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات ولم تتجه إلى الشعب، تجمعه، و تنيره، وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولا، ثم جاءت مبادؤها أخيرا ؟؟)) .. إنتهى

    وتحدث الأستاذ عن مسألة التعليم، ونبه إلى خطورة عدم الأخذ، منذ البداية، بسياسة تعليمية تنموية راشدة، فقال:

    ((ولسائل أن يسأل لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم الأهلي على هدى سياسة تعليمية موضوعية، منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها، في المستقبل القريب، والبعيد؟ .... فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه.. ولأيقن أن سياسة (سر كما تشاء) هذه المتبعة في التعليم الأهلي سيكون لها سود العواقب في مستقبل هذه البلاد. فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة، و تنفير النشئ من الأرياف، و تحقير العمل الشاق في نفوسهم.)) .. انتهى.

    وتحدث الأستاذ محمود عن معاناة الشعب الإقتصادية، فقال في (السفر الأول) أيضا:

    ((من ألزم واجباتنا أن نهيئ لأخلافنا حياة ترتفع عن حياة السوائم والأنعام. فإن هذه الحياة التي نحياها نحن اليوم ـ هذه الحياة التي تستغرق مطالب المعدات والأجساد كل جهادها، و كل كدها، لهي حياة لا يغبط عليها حي حيا .. فإن نحن رضيناها لإخلافنا من بعدنا إنا إذن لخاسرون)) .. انتهى.

    والطريف أن هذه الصورة التي رسمها الأستاذ لعيش السودانيين، آنذاك، قد تفاقمت، وبشكل غريب، بدل أن تتناقص. كان من الممكن للحركة الوطنية أن تعمل منذ حقبة الإستعمار، على وضع البلاد في الطريق الصحيح، في السياسة، والإقتصاد، والصحة، والتعليم، إلخ. الشاهد فيما تقدم، أن الأستاذ محمود قد كان صاحب رؤية واضحة، منذ البداية. ورؤيته هذه هي التي قادته لمواجهة الإنجليز، حين فضل الإتجاه إلى تحريك الشعب على الإرتماء تحت عباءة الطائفية، التي تقصي وتقرب، من يلتصق بها، بمقدار ما يظهر من ولاء، وطاعة، وانصياع. الشاهد، أن الأستاذ محمود كان يستحق إشارات، أفضل من الإشارات السالبة التي خصه بها الدكتور عبد الله في مبحثه، هذا. خاصة وأن الأستاذ محمود، قد ضرب نموذجا للمثقف الملتزم جانب الشعب، لا يضاهيه نموذج آخر. أما أفكاره، فلا مجال لتجنبها بحثيا. اللهم إلا إن تخلينا عن أسس، وقواعد، وأخلاقيات البحث العلمي. خاصة في مبحث يعنى بمسألة التقليد والحداثة، كالذي يبحث فيه الدكتور عبد الله، الآن.

    حقيقة الصراع مع القضاة الشرعيين:

    أما الإتهام الموجه، للقضاة الشرعيين، على وجه الخصوص، بعوانة الإستعمار، فلم يكن محض تجنٍ. فقد أغدق الإنجليز على القضاة الشرعيين، بما أسموه وقتها (كساوي الشرف). وقد كانوا يستميلونهم ويخطبون كامل ولائهم، مثلما فعلوا مع زعماء الطوائف الذين أغدقوا عليهم من أراضي الشعب، وحولوهم، في رمشة عين، من سلالة لصوفية فقراء، إلى إقطاعيين عظام. وقد كان القضاة الشرعيون في حل، تماما، عن التعاون مع الإنجليز الذين حصروا عملهم، في جانب الأحوال الشخصية، وحدها، وهمشوا دورهم، وجعلوهم تحت سلطة القضاة المدنيين. غير أن القضاة الشرعيين، شأنهم شأن كثير من الأفندية، في حقبة الحركة الوطنية، عجزوا عن مقاومة بريق المناصب، والإمتيازات الوظيفية، والوجاهة التي يمنحها القرب من الإدارة الإنجليزية. وعموما فإن التصاق من يسمون بـ (رجال الدين) المسلمين بالحكام شأن قديم. فقد عرف التاريخ الإسلامي، نماذج مستفيضة، لممالأة من يسمون بعلماء الدين، وقضاة الشريعة، لأهل السلطان. وقد كان هناك الكثير، والكثير جدا، من الفتاوى التي أصدرها من يسمون بـ (رجال الدين) لخدمة الحكام، عبر التاريخ الإسلامي. أما في تاريخ السودان القريب، فالدكتور نفسه، هو الذي كتب، (الصراع بين المهدي، والعلماء). ورغم أنني ممن يتحفظون كثيرا، على الثورة المهدية، ومفاهيمها، وما لحق بها من ادب اتسم بالتمجيد، والإبتعاد عن النقد، إلا أنني أتحفظ أيضا على نزاهة، و(شرعية) دوافع (العلماء)، الذين أفتوا للحكومة التركية، ضد المهدي. وعضدوا موقف حاكم الخرطوم، وقتها، غردون باشا، مفندين دعاوي المهدية. وعموما، فقد أثبت الجمهوريون بالوثائق، ما يرمون به رجال الدين المسلمين، في كتاب أسموه، (الدين ورجال الدين، عبر السنين). وخلاصة القول، إن الجمهوريين، لم يرموا القضاة الشرعيين، ومن يسمون عندنا، برجال الدين، رجما بالغيب، وإنما بالوثائق، وتحليل الوثائق. وقبل أن أختم حديثي حول رأي الجمهوريين في القضاة الشرعيين، أحب أن أذكر الدكتور عبد الله، أن القضاة الشرعيين قد رفعوا في منتصف السبعينات قضية قذف ضد الأستاذ محمود وبعض الجمهوريين. تولاها عنهم القاضي الشرعي، إبراهيم جاد الله. وقد استمرت جلسات تلك المحاكمة لفترة من الزمن. وقد نقل الجمهوريون وقائعها على الشعب السوداني، في حينه، في كتيبات أصدروا تباعا. وحين إتضح للقضاة الشرعيين، من مجريات المحاكمة، أن تهمة القذف التي تقدموا بها، قد تم تفنيدها، عن طريق إثبات كل ما قاله الجمهوريون عنهم، أمام المحكمة، بالوثائق، والوقائع التاريخية، لم يجدوا غير أن ينسحبوا من القضية، ويتنازلوا عن المضي فيها.

    لقد وقف الأستاذ محمود منذ البداية ضد ثنائيتين، وهما: ثنائية القضاء: (مدني) و(شرعي)، وثنائية التعليم: (ديني)، و(مدني). وهذا في حد ذاته مبحث كبير، يمكن من خلاله النفاذ إلى عمق رؤية الأستاذ محمود لمستقبل الفضاء الإسلامي. وقف الأستاذ محمود محمد طه، ضد التخصص في الدين. وقال إن ظاهرة رجال الدين، التي نراهاالآن، واحدة من علامات انحطاط المسلمين. وهي ظاهرة وافدة على الإسلام، من التقاليد الدينية الكهنوتية، اليهيودية، والمسيحية. وقال إن صدر الإسلام لم يعرف ظاهرة (رجال الدين). وعلى كل مسلم، ومسلمة أن يكونا (رجل، وإمرأة دين) ـ إن صح التعبير ـ. ولا مجال هنا لشرح هذه الرؤية الثورية، ولكنها رؤية جديرة بالتأمل، المتروي.

    جاء في (السفر الأول)، 1945، ما يلي:

    ((لا يرى الحزب الجمهوري أن يكون هناك تعليم ديني و تعليم مدني كل في منطقة منعزلة عن الأخرى .. ولا يرى أن يكون للرجل أخلاق في المصلى وأخرى غيرها في الحانوت أو الشوارع ، وإنما يرى أن يتعلم كل الناس أمور دينهم وأمور معاشهم، ثم يضطربون في ميدان الحياة بأجسام خفيفة وأرواح قوية، وقلوب ترجو لله وقاراً)) .. انتهى.

    وكذلك الشأن مع القضاء الشرعي. فالأستاذ محمود قد كان ضد أن يكون هناك قضاء شرعي، في جهة، وآخر مدني، في جهة أخرى. وقبول القضاة الشرعيين، تولي ذلك الدور الذي رسمه لهم الإنجليز، يدل على كونهم لم يروا في تلك الوضعية الهامشية، بأسا، من الأساس. ومسألة الشوكة، وسلطة المستعمر، التي أشار إليها الدكتور، عبد الله، ليعطي القضاة الشرعيين، عذرا، لا تعطيهم عذرا كافيا، في حقيقة الأمر. وما أظن أن الإدارة البريطانية كانت سوف تجبر أحدا على وظيفة لا يريدها.

    وزر الخصومة:

    السياق اللغوي، الذي أورد فيه الدكتور إشارته إلى الجمهوريين، ونقدهم للقضاة الشرعيين، ربما أوحى للقراء بأن الجمهوريين شركاء، في وزر تلك الخصومة. وربما يشتم القارئ، من إشارة الدكتور، أن وزر الجمهوريين، ربما كان الأكبر! والمعروف أن أميز ما ميز حركة الأستاذ محمود، وتلاميذه الجمهوريين، هو أسلوب اللاعنف الذي اتسمت به حركتهم، دون سواها من الحركات. والدكتور الفاضل، يعرف، أن الأستاذ محمود قد ظل يدعو لفكرته، في الفترة ما بين 1950، وحتى بداية الستينات، بهدوء شديد، وسط مجاميع المثقفين. كما أن الأستاذ محمود، قد كان، أيضا، جم النشاط، في مجال الكتابة إلى الصحف. غير أن حادثة فصل أربعة من الطلاب الجمهوريين، من معهد أم درمان العلمي، في أوائل الستينات، بحجة إعتناقهم لأفكار الأستاذ محمود، هي التي أطلقت شرارة المواجهة، بين الأستاذ محمود، وبين جموع السلفيين، من قضاة شرعيين، وأئمة مساجد، ووعاظ، ومعلمين لمادة التربية الإسلامية. ثم تصعدت المواجهة بعد ذلك حين أصبح القضاة الشرعيون جزءا من الجسم الإسلاموي العريض الذي تمثل في مظلة جبهة الميثاق الإسلامي، التي وسع سوحها، الدكتور، حسن الترابي، في حقبة الستينات.

    وبعد أن تعرض الطلاب الجمهوريين، بمعهد أمردمان العلمي، للسخرية، والهزء المسرف، من قبل شيخ المعهد، طلب الأستاذ محمود من شيخ المعهد، آنذاك، الشيخ، محمد المبارك عبد الله، أن يناظره في أي مكان، وزمان يشاء، ووسط أي جمهور يختار. والذي دفع بالأستاذ محمود لطلب المناظرة، هو إسراف شيخ المعهد، في مضايقة أولئك الطلبة، والهزء بهم، والسخرية منهم. وقد ذكر الأستاذ محمود، للشيخ محمد المبارك، إنه هو ـ أي الأستاذ محمود ـ صاحب تلك الأفكار، التي أخذ الشيخ بسببها، يهزأ من طلبته، ويسخر منهم على الملأ. قال الأستاذ محمود لشيخ المعهد، إن تلك الأفكار هي أفكاره، وأنه هو الأقدر على الدفاع عنها، وليس الطلبة. ولذلك، فمن الأولى، أن يناظر صاحبها، حولها، بدل أن يعرض الطلاب، لكل تلك الضغوط. قبل الشيخ، بادئ الأمر، بالمناظرة، ولكنه سرعان ما عاد ورفضها. ثم بدأ، بعد ذلك، التشويش المنظم، على أفكار الأستاذ محمود، في الصحف، وفي المساجد، وسارت تلك الحملة شوطها، سنينا، حتى بلغ الأمر، حد محاكمة الأستاذ محمود بالردة، في سنة 1968. وقد جرت محاكمة الأستاذ محمود بالردة، في قضية حسبة، تقدم بها الشيخان، الأمين داؤود محمد، وحسين محمد زكي، وقد شهد فيها، ضد الأستاذ محمود، بالرأي، كل من الشيخ على طالب الله، وعطية محمد سعيد، والزبير عبد المحمود، وشوقي الأسد. والشاهد هنا، أن القضاء الشرعي، اختار أن يتوج حملة التشويش التي بدأت منذ بداية الستينات، بالقيام بالنيابة عن كل السلفيين، بمهمة إسكات صوت الأستاذ محمود محمد طه. وهذا باختصار شديد، هو القضاء الشرعي، الذي يريد الدكتور إنصافه في طروحته، التي نحن بصددها. وكوننا اليوم نراجع مفهوم المركزية الثقافية الأوربية، على ضوء فكر ما بعد الحداثة، لا يعني أن نرتد إلى الوراء، مدافعين عن قضاء عمل في أعلى سلطاته على نقض أهم مكتسباتنا الدستورية، وهما حرية الإعتقاد، وحرية التعبير عنه. وخلاصة القول، في هذا الجانب، أن القضاة الشرعيين، هم الذين فجروا في خصومتهم للفكرة الجمهورية، مدفوعين، كشأنهم دائما، ببعض السياسيين الذين كانوا يتسترون من خلفهم.

    السلفيون قبيلة واحدة:

    فيما أعلم، أن الدكتور عبدااله، أحد معاصري حادثة طالب معهد المعلمين العالي، ومن شهود ما تمخض منها ككيد مدبر بلغ درجة حل الجزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه المنتخبين، من البرلمان. ثم ما كان من أمر الهجوم المسلح على دار الحزب الشيوعي السوداني، آنذاك. ولا بد أنه قد شهد، دور الأستاذ محمود المشهود، في إخماد تلك الفتنة. ومواجهة مؤامرة تعديل الدستور، لإخراج نواب الحزب الشيوعي المنتخبين من البرلمان. ولابد من الإشارة هنا، إلى أن بعض قادة ما كان يسمى في الماضي، بـ (جبهة الميثاق الإسلامي) قد اعترفوا مؤخرا، بالإستغلال المتعمد، لحادثة طالب معهد المعلمين، ومن على صفحات الصحف السيارة. فالدكتور أحد شهود كل ذلك التهريج السياسي، وكل تلك العجلة المريبة لتمرير، ما سمي وقتها، بالدستور الإسلامي، الذي بلغ أن أجازته الجمعية التأسيسية، في مرحلة القراءة الأولى. أفلا يدل كل ذلك، على أن نسخة الفهم الديني التي كانت تتقدم حثيثا، وقتها، لجمع السلطتين الدينية، والزمنية، في يد واحدة، لا تمت بصلة للصورة التي يحاول الدكتور رسمها لها الآن، في هذه الطروحة؟ لقد أطلق القضاة الشرعيون ضربة البداية لتداعيات التردي، في جحور المفاهيم القروسطية، والتي لا نزال نعاني من تداعياتها أشد المعاناة، وحتى يومنا هذا. ونرجو من القراء مراجعة ما كتبه الأستاذ محمود عن تلكم الأيام في كتبه: (الدستور الإسلامي، نعم، ولا)، و(زعيم جبهة الميثاق، في ميزان: ـ(1)الثقافة الغربية، (2)الإسلام)، و(بيننا وبين محكمة الردة). وذلك على العنوان التالي، في شبكة المعلومات الدولية: www.alfikra.org.

    القضاء الشرعي، قضاء مسيس، سلفيا، بحكم التعليم الذي يتلقاه القضاة الشرعيون. ولكي يكون المرء حداثيا، يلزمه، قدر من التعليم المدني، ومن دراسة متعمقة لتاريخ الحضارات، ومن الفلسفات الإنسانية في العصور المختلفة، ومن الجغرافيا الإقتصادية، وغيرها من العلوم الإنسانية، مما يحرص على توفيره أي نظام تعليمي، عصري، متوازن. غير أن ما توفر لرجال الدين، والقضاة الشرعيين، لم يكن، حتى لوقت قريب جدا، تعليما متوازنا. ونسخة من ذلك التعليم، غير المتوازن، تقوم به الآن، ما تسمى بـ (المدرسة) ـ وهي مؤسسة أشبه بالخلوة ـ في باكستان، وأفغانستان. هذا النوع من التعليم، هو الوالد الشرعي، للجمود العقيدي، وللعنف السياسي. وخلاصة القول، أنه لا فكاك للتقليد الذي يتحدث عنه الدكتور، من قبضة الجمود. أما الشذرات التاريخية، التي يجمعها الدكتور عبد الله، هنا وهناك، من سجلات القضاء الشرعي، في السودان، كالسماح بوجود قاضيات شرعيات، وبعض المنشورات التي أجرت بعض الإصلاحات، التي ألحقت بقانون الأحوال الشخصية، في النصف الأول من القرن العشرين، والعقود الثلاثة التي تلته، لا تكفي لخلق مسار، عتيد، لتقليد شرعي يستهدف الحداثة. وحتى حين واجه القضاة الشرعيون، مسألة (بيت الطاعة)،وهو حكم مبني على أية القوامة، التي تقول: ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، وأهحجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا)). حين حاول القضاة التصدي للشكاوى العديدة التي تسبب فيها حكم (بيت الطاعة)، لم يواجهوا أصل المشكلة، وإنما فقط، أوقفوا تنفيذ إعادة المرأة إلى بيت زوجها (بيت الطاعة) قسرا، عن طريق الشرطة، وقد كان ذلك هو أسلوب تنفيذ ذلك الحكم. لكن رغم أن المرأة قد أصبحت لا تساق مخفورة بواسطة الشرطة، إلى بيت رجل لا تود العيش معه، فهي تظل، والحالة تلك، تحت رحمة الحاجة الإقتصادية التي قد تجبرها للعودة، راغمة. فالزوجة التي لا تنصاع لحكم (بيت الطاعة)، تفقد نفقتها. هذا إضافة إلى أنها سوف تبقى معلقة، لأنها لن تستطيع الحصول على الطلاق، لتتزوج بآخر! في حين أنه من حق زوجها الإقتران بأخرى! فلمصلحة من يريد الدكتور عبد الله، إطالة عمر هذه (المرمطة) التاريخية لجنس النساء، حين يحرص على إعادة تلميع مثل هذه العقليات القروسطية؟ ما نحن بحاجة، إلى عمله الآن هو مواجهة المفاهيم، التي يحملها القضاة الشرعيون، مما لا يزال مسلطا على رقابنا، حتى يوم الناس هذا. ومنها قانون الردة الذي لا يزال جالسا (بسلامته) وسط قوانين السودان، دون غيره من أقطار الأرض.

    تقرأ المادة (26)، من القانون، كالآتي:

    1- يعد مرتكباً جريمة الردّة كل مسلم يروج للخروج على ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة.
    2- يستتاب من يرتكب جريمة الردّة ويمهل مدّة تقررها المحكمة فإذأ أصر على ردته يعاقب بالإعدام.

    وبناء على هذه المادة، تمت مؤخرا استتابة القاضي السابق، النيل عبد القادر أبو قرون.

    خاتمة:

    ما أريد أن ألفت إليه نظر الدكتور الفاضل، أن القضاة الشرعيين، ربما حلا لهم، أحيانا، أن يتخففوا قليلا، من قيود الشريعة الصارمة. غير أنهم، لا يفعلون ذلك، إلا حين تكون الرياح مواتية، والظرف مهيأ، كأن يكونوا تحت ظل حكم كالحكم الإنجليزي، أو تحت العهود الوطنية الديمقراطية. ففي مثل تلك الظروف، تخبو حدة الخطاب الديني، ويصبح مجاراة الحداثة مطلوبا. ولكن حين تعلو حدة الخطاب الديني، ويحمومي سوقه، فسرعان ما يرجعون إلى قماقمهم (القروسطية). وقد تكرم الدكتور بنفسه، بالإشارة، إلى ما فعلته الإنقاذ من نقض أنكاث، لمكتسبات المرأة السودانية، فهل يا ترى، رأى القضاة الشرعيين، يهبون لنجدتها؟

    هذه مساهمة نقدية متواضعة، مني، اقدمها للدكتور، الفاضل، عبد الله علي إبراهيم، ليستصحب منها، ما يراه مناسبا، وهو يطور طروحته. وأحب أن أنبهه، إلى أن إغفال إسهام الأستاذ محمود، أو الإكتفاء بالإشارات المبتسرة لفكره، في هذا الباب، سوف تضران كثيرا، بمصداقية طرحه، وأمانته العلمية، خاصة وهو يفحص السياق التاريخي السوداني (1898 - 1983). فالطروحة، سوف لن تخلو، والحالة تلك، من عرج علمي، سوف يلم بها، لامحالة، نتيجة للتجاهل المتعمد لطرح الأستاذ محمود. أما فيما يخص شكل الدولة الذي نريده، ونحن نتطلع إلى أن تضع الحرب أوزارها في السودان، في القريب العاجل، ويعود السلام، مرة أخرى، فهو، على أقل تقدير، خرطوم علمانية. وسوف نظل متمسكين بـ (علمانية الخرطوم)، حتى يصبح البديل الديني، الذي لا يظلم أحدا، ولا يتغول على حرية أحد، واقعا متحققا في أفقنا المعرفي، والسياسي. وسوف لن نجازف، قبل ذلك، أبدا، بتسليم رقابنا، وحرياتنا، للقضاة الشرعيين، و((تقليدهم)) الذي عرفناه، وعركناه، وخبرناه، جيدا.

    وختاما، فهذه نظرة نقدية إبتدائية، أملتها الملاحظات التي خص بها الدكتور الجمهوريين، في معرض تعريفه بالخطوط العامة لطروحته. وأتطلع لكي أقرأ طروحة الدكتور في شكلها النهائي، المكتمل، قريبا. هذا، وللدكتور الفاضل، وافر المحبة، وكثير التجلة، والتقدير.

    (عدل بواسطة Dr.Elnour Hamad on 28-04-2003, 09:08 AM)
    (عدل بواسطة Dr.Elnour Hamad on 28-04-2003, 09:31 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-04-2003, 10:58 AM

Agab Alfaya
<aAgab Alfaya
تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    د. النور حمد
    يبدو ان امور الدكتور عبدالله على ابراهيم قد صارت ملخبطة جدا فى الاونة الاخيرة.ففى الوقت الذى كان فيه تلاميذ الترابى ينفضون من حوله كان د.عبدالله يدبج البحوث والمقالات فى ابراز دور الترابى المفكر المجتهد الذى نجح فى ان يقدم مشروعا حداثيا يجمع بين الاصالة والمعاصرة.اذكر اننى قرات له مرة حوارا بجريدة الاتحاد الامارايتة اجراه معه الصديق محمد الربيع كان كله منصب حول الحداثة فى فكر الترابى وتقديمه له كنموذج
    فى هذا البحث يهاجم القضاء المدنى ويقول ان الانجليز اتوا به لاقصاء دور الشريعة فى المجتمع السودانى وانه كان الاجدر بهم ان يتركوا القضاء برمته للقضاة الشرعيين .فى اخر كتاب نشره د.عبدالله وهو:الارهاق الخلاق).كانما يريد ان يقول ان المعاناة التى عاشها الناس تحت نظام الانقاذ كانت ضرورية ونوعا من الارهاق الخلاق؟؟؟

    ماذا جرى لفكر هذا الرجل؟؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-04-2003, 11:02 AM

هدهد

تاريخ التسجيل: 19-02-2003
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    UP
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-04-2003, 01:43 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: هدهد)

    أخي عبد المنعم شكرا على التعليق. أنا الآخر أستغرب الإعلاء من شأن الترابي، وهو الشخص الذي ضرب ضربة البداية لمجمل مسلسل عدم الإستقرار السياسي، ابتداء بحادثة طالب معهد المعلمين، ورقصة العجكو، وما تلا ذلك. وهو الذي أربك السياسيين السودانيين برفع الشعار الإسلامي الزائف على مدى ما يقارب الأربعين سنة. نعم الترابي هو الذي جرنا إلى هذا الطريق الطويل، المرهق، من (الأسلمة المكلفتة) التي ما من بيت سوداني، أو فرد سوداني، أو حتى سائمة سودانية، إلا اكتوت بنيرانها ونتائجها الكارثية.

    ما رميت له من وراء مناقشة طروحة الدكتور عبد الله علي إبراهيم، هو الدعوة لتأسيس تقاليد أكاديمية، وبحثية صارمة، لا تسقط في بئر الإنتقاء البحثي. تقاليد تبني على الجهود السابقة، ولا تعيد اختراع العجلة (من أول جديد).

    لقد تجنب جهد البحث السوداني مساهمات الأستاذ محمود، تجنبا معيبا، خوفا من حراب السلفيين، وعصيهم. ولكن إلى متى سيظل الأكاديميون راضخين لوطأة هذا التدجين؟ فمن الناحية العلمية، والبحثية، الأكاديمية، لا مجال أبدا، لتجنب ما طرحه الأستاذ محمود. وكما تعلم، فأنا لا أدعو الباحثين للإشادة بطرحه، والتغني به. وإنما أدعوهم لمواجهته، وجها لوجه، ومناقشته، وموضعته في بنية ما سمي بالفكر التجديدي الإسلامي. وهذا أمر تفرضه عليهم صفتهم الأكاديمية، قبل كل شيء. ولست بحاجة، لكي أدلل لك على سوء الحال، أن أشير إلى أهل الإنقاذ، حين أوقفوا تدريس الطيب صالح، لأنه فقط، تجرأ وكتب (من أين أتى هؤلاء)!! فهل يا ترى سيجيء وقت، تدرس فيه جامعاتناالأستاذ محمود؟ وهل سيجيء ذلك الوقت، وأكاديميونا، وباحثونا، لا يزالون يعتلون ظهر موجة ما هو مقبول، ورائج؟

    على الرغم من مساهمات الأستاذ محمود تخاطب سدى ولحمة المشكل السوداني، ومن ورائه المشكل العربسلامي بكل تجليات مشهده، إلا أنها يتم تجاهلها، وتجنب الخوض فيما خاضت فيه! يمر الباحثون من حولها، وكأنها لم تكن. وحين يمرون يرسلون إشارات مبتسرات، تسترضي ما هو عام، وراكد!!

    وختاما الشكر لهدهد لحفظ البوست UP
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-04-2003, 08:30 PM

baballa
<ababalla
تاريخ التسجيل: 13-05-2002
مجموع المشاركات: 151

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)


    عندي أن اعجاب بعض المثقفين السودانيين بأشخاص مثل الترابي -كما في حالة عبدالله علي ابراهيم - والصادق المهدي - كما في حالة كمال الجزولي - يعود أولا لمحاولة العقل الباطن في كليهما ان يعلن لسواد السودانيين أننا لسنا ضد الدين الإسلامي و ذلك بتمجيد بعض رموزه او مؤسساته - ثانيا ان هؤلاء يقينا لا يعرفون هؤلاء الأشخاص ولا تلك المؤسسات الا المعرفة العابرة التي لا تتعدي الغلاف
    The Resume
    - وقد اتي اولئك كما كتب الأستاذ محمود عن الدكتور مصطفي محمود - أتوا ببضاعة مزجاة جازت علي مشترين لا يحسنون التمييز - و السوداني بطبعه يظل أسير الثقافة الواردة لذا قد تجدهم يعرفون كثير شيء عن الثقافة الغربية بينما لا يعرفون الا التذر اليسير عما يدور داخل السودان وقد نعي عليهم الأستاذ محمود ذلك أيضا- هم لا يقرأون ما يكتب داخل السودان أما تعاليا أو تأجيلا حتي يجدوا له وقتا بعد الفراغ- من المهم- الغربي- ثم لا يجدون
    عندي ان عبدالله علي ابراهيم لا يعرف عن الترابي الا ما يعرفه عوام طلاب الجامعات -وبخاصة الجدد منهم- عندما كان يطمرهم الإتجاه الإسلامي وقتها بقصصات انيقة ربما كانت تطبع وقتها بالسعودية قبل غضبة الأمير نايف المضرية عليهم- كانت تلك المطبوعات النيقة تقدم لجموع الطلاب شخصية الترابي بأنه أصغر عميد لكلية القانون - وضع دستور دولة الكويت- يجيد العربية والإنجليزية و الفرنسية و الألمانية قراءة- حفظ القرآن و قرأه بسبع روايات- راجع ما كتب عبدالله محمد أحمد عنه في شبكتهم علي الإنترنت
    هو لا يعرف أكثر من ذلك والا فكيف لي أن احترم رجلا كان الي الأمس القريب يدعو الي طالبانية تقول بان المرأة قارورة وإذا عرضتها للإحتكاك تكسرت و اليوم تذهب زوجه لتعرض آخر مؤلفاته في لندن وفيه يقول بجواز تولية المرأة ولاية كبري - من طالباني- الي
    FEminist
    ثم لا يجد أحدا يسأله كيف - كيف أحترم رجلا أتي بالبنوك الإسلاميةمؤكدا انها الإسلام الذي لا غيره ثم كلنا يعرف نهايتها اليوم، كيف لي أن احترم رجلا بايع -مع جوزيف لاقو- علي الشريعة التي قطعت أيدي المسغبين و منظرها يشكو أن الطعام الآن في سجنه ليس جيدا- كيف لي أن أحترم رجلا يحترم مثل كل هذه التناقضات

    مشكلة بعض المثقفين السودانيين أنهم كانوا ولا يزالون يقرأون لمن في يده السلطة الزمنية او لمن يتوهم ان قد يكون مظنة سلطة زمنية عاجلا أو آجلا ولا يبالون أن يضعوا كل شهادات اكسفورد في خدمة الشلكاية والمحاية

    (عدل بواسطة baballa on 28-04-2003, 09:22 PM)
    (عدل بواسطة baballa on 28-04-2003, 09:23 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 03:44 AM

hala guta

تاريخ التسجيل: 13-04-2003
مجموع المشاركات: 1569

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 05:47 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: hala guta)

    الأخ باب الله. شكرا على المساهة القيمة التي طمأنتني على طرحي.

    !!هالة!! ما أروع ما قلت :ان عالما يتم تحديثه لصالح النساء حتما سيكون جميلا للرجال
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 06:55 AM

Abdel Aati
<aAbdel Aati
تاريخ التسجيل: 13-06-2002
مجموع المشاركات: 32958

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    اعتقد ان الدكتور عبدالله علي ابراهيم ؛ انتقل من مواقع الفكر الثوري - التنويري ؛ الي مواقع الفكر التبريري الذي يزداد سلفية كل يوم

    لقد لاحظت ان الدكتور عبدالله يغازل تيارين في كتاباته ؛ اليسار المحافظ - التقليدي - الذي انتمي اليه ذات يوم ؛ والسلفية - الانقاذية التي تغرب شمسها

    اهو جزء من ازمة الفكر في بلادنا ؛ ام مشكلة خاصة بمفكري التنوير ؟

    عادل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 08:39 AM

ودقاسم
<aودقاسم
تاريخ التسجيل: 07-07-2003
مجموع المشاركات: 11132

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    الدكتور النور
    لك التحية
    أعتقد أن هذا صراع بين الجمهوريين من جهة والجبهة الاسلامية والمرجفين الذين انبطحوا لها وساندوها من جهة أخرى ، لكنه أبدا لا يمكن أن يكون سعيا لتثبيت مبدأ العلمانية التي قلت أن الاستاذ محمود دعا إليها ، هو دعا لالتصاق الإنسان بالدين حتي الذوبان فيه ، وما أراه أن السودان كبلد يجمع في بطنه أعراقا شتى ومللا شتى لايمكن حكمه تحت راية الدولة الدينية الأحادية مهما كانت منطلقات مفكريها وأحزابهم ونظراتهم النحديثية أو السلفية ، ولا أرى فرقا بين دولة دينية يسود فيها فكر الترابي أو أخرى يسود فيها فكر محمود ، هي في نهاية المطاف دولة دينية ، وأعتقد أن على الجمهوريين إن أرادوا ذلك أن يقنعوا أهل السودان أولا بضرورة قيام هذه الدولة ثم يشرعوا في تغليب أي الفكرين أصلح ، أنا شخصيا لا أريدها مهما كان مفكرها سواء كان د. عبدالله ، أو د. النور أو د. الترابي أو الأستاذ محمود أو القس فيلوساوس ، أو الأب يوحنا وأرى في ذلك تراجعا بالحوار السياسيي لعهود انقضت وتشتيت لحهد أهل السودان وسعيهم لقض مضجع الدولة الدينية القائمة والجاثمة على صدورهم .،
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 01:31 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: ودقاسم)

    شكرا الأخ عادل على الإسهام، والإضاءة المبينة، على قصرها. نعم هناك أزمة في كيان المثقفين، وقد كان همي، هو أن نختلف فيما نطرح، ولكن لابد أن نتفق على تأسيس بنية معرفية، لاتزور، ولا تتعامى عن مقاربة الأفكار، لكونها على لا تطرق الطريق المطروق. الأكاديمي، والمثقف الواقف على رجلين صحيحتين، ليس له (قشة مرة). فالأكاديمية تقتضي الحياد، وتقتضي الشجاعة الفكرية، والإلتزام الصارم، بمنهجها، وأخلاقياتها، وهذا معروف في كل بقاع الأرض.

    شكرا عادل، مرة أخرى.

    الأخ ود قاسم

    أنا أيضا أقف في خندقك، ضد الدولة الدينيةالتي تسلب الناس حقهم في تقرير أمورهم، ومعالجتها وفق آلية الديمقراطية. والصراع، ليس كما تفضلت أنت: بين الجمهوريين، وبقايا الجبهة. بل هو صراع بين صورة المستقبل، وفق منظور إنساني، وبين صورته، وفق ذهنية سلفية راكدة، هي سبب بلواي، وسبب بلواك. وسلاح الدين، لا يواجهه غير سلاح الدين، خاصة في قاعدة هرم المجتمع. كما أنه، ليس سهلا أن نقول إن الدولة الدينية لن تعود مرة أخرى، في أية صورة كانت. أو إن الناس لا يمكن أن يلتقوا في فهمهم، أو نظرتهم للكون والحياة، وفق ماهو إنساني، ومتجذر في جوهر الفكرة الدينية، من حيث هي كفكرة، ولا أعني هناعقيدة بعينها. والفكرة الدينية جزء من وعي الإنسان بنفسه، وببيئته. أظن أن البشر سوف يلتقون، على قيم أعمق مما بشرت به حقبة الحداثة، المتجلية حاليا، في سيطرة الرأسمال، وسيادة، قيم الرأسمال. التدين في شكله المستقبلي، كما أراه، وأتطلع إليه، ليس طقوسا ميته، وإنما هو وعي بسؤال الوجود، وتعامل مع تجليات ذلك السؤال القديم، الجديد، بالدهشة الكافية، وبالتقديس الكافي، وبالإحساس الإنساني الكافي. التدين في شكله المستقبلي، تماه مع الوجود، بعد اغتراب طويل عنه، وخوف كثير منه. فكر حقبة الحداثة الرافض رفضا صارما للفكرة الدينية من منطلقات الفلسفة الوضعية، ومن منطلقات الفيزياء النيوتونية، يجد مراجعة صارمة جدا، الآن. هناك اتجاهات روحانية تتشكل فيما وراء التصورات العقدية المعروفة. هناك دين إنساني يمخض في رحم الغيب. من حقك بالطبع أن ترفض أي شيء يحمل سمات تدين، ما قبل الحداثة. وأنا لا أروج لدولة دينية بالمعنى الشائع. ولا شك عندي، أن الرأسممالية الغربية لا تحمل لنا وعودا بمستقبل إنساني يمكن أن ننتطلع إليه. فهي، كما أراها، لا تمثل النموذج الأمثل لمعادلة إنسانية، هدفها حرية بني البشر، والعدل بينهم، في إطار من العلاقة المتوازنة بين الإنسان، ومحيطه البيئي، طبيعيا، وإجتماعيا.

    في تقديري، أن الأستاذ محمود، لم يتم التعرف عليه، بالقدر الكافي. ففيما أراه أنا، مثلا، أن الأستاذ محمود يرمي إلى شيء إنساني، يشترك فيه كل الناس. وهذا الشيء، يقف هناك شامخا، وراء ضيق العقيدة، ومحدوديتها الظاهرة، لكلينا. ودعنا نقول أنه يرمي إلى المنطقة التي يلتقي فيها البشر، من حيث هم بشر، حيث تلتقي العقول، والقلوب، على بساط الحقائق الكبرى. والحقيقة واحدة، نهاية الأمر. قال الأستاذ محمود: (إن ما جئت به هو من الجدة بحيث أصبحت بع بين أهلي كالغريب، وبحسبك أن تعلم أن ما أدعو له، هو نقطة إلتقاء الأديان جميعها، حيث تنتهي العقيدة، ويبدأ العلم، وتلك نقطة يدخل منها الإنسان، عهد أنسانيته، ولأول مرة في تاريخه الطويل). وماأرى أن مفكرا دينيا قد تجرأ إلى إطلاق قول كهذا.

    الدين قوة فاعلة، في حياة الناس. وحتى النظم الغربية الديمقراطية، ترتكز عليها. وهي قوة لا يمكن الإلتفاف حولها، أو تجاهلها. والأحزاب السياسية الغربية، تموضع طروحاتها في قالب الدين, وهي لا تزال ترتكز عليه، وتستغل خطابه، ونبوءاته، وأساطيره. ونحن لن نستطيع أن نبقى وحدنافي العراء بلا غطاء من هذا النوع.

    لا مجال بالطبع، لمناقشة قضية كهذه، في مثل ضيق حيز هذا البورد. وخلاصة الأمر، دعنا نتفق على علمانية الخرطوم، أو علمانية القطر كله. على ذلك البساط العلماني، الذي لا يصادر حريتي، ولا حريتك، فيه أحد، يمكننا أن نتجادل في فكر ما بعد الحداثة، وما أقامه من دليل على عرج، وفقر، فكرة الحداثة. وهي الفكرة التي بدأت تشكل صورة عالمنا الراهنة، منذ أكثر من أربعة قرون. وفكرة الحداثة قامت على اعتبار أن الدين، مجرد ظاهرة تابعة لطفولة العقل البشري، وأن المنهج العلمي التجريبي سوف يذهب بها إلى رفوف المتحفيات التاريخية، لا محالة. الشاهد أن الدين يعاد فهمه بشكل جديد، كل يوم، وهذا لن يكون الدين الذي تخاف منه، وأخاف أنا منه مثلك، أيضا.

    شكرا جزيلا ودقاسم على المداخلة الصريحة الواضحة. ونحن فعلا نحتاج المزيد من شاكلة هذه المداخلة. ودمت.
    النور حمد
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 02:41 PM

baballa
<ababalla
تاريخ التسجيل: 13-05-2002
مجموع المشاركات: 151

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)



    الحلقة الثانية من موضوع دكتور عبد الله علي ابراهيم
    نقلا عن الرأي العام 29 ابريل 2003

    بقلم : د. عبدالله علي ابراهيم

    لعل منزلة الشريعة الاسلامية في الدستور والقانون كانت و ماتزال من أشد بؤر الخلاف التي اكتنفت تجديد التفاوض حول الوطن بغرض أن يصبح السودان المستعمرة امة لمواطنين لا حظيرة رعايا. وقد اندلق في سياق هذه المفاوضة حبر كثير ودم أكثر. ورأينا بما اسفر عن اتفاق مشاكوس بشان القوانين اننا نكاد اتفقنا ان الشريعة مما أعيت حيلتنا وانها مما يفرق ويباعد لايجمع ويؤالف. وهذه خطة عاجزة سيبقي بها خطاب الشريعة قنبلة مؤقوتة تتربص بالوطن طال الزمن أو قصر.

    وبدا بعد النظر ان اصطراعنا حول الشريعة لا يدور حول صلاحيتها كمصدر لقوانين السودان وان خلنا ذلك. فالشريعة كتقليد قانوني اهل لذلك علي وجاهة الاعتراض علي بعض أنماط العقوبات فيها. فلم تمنع غلظة القانون الروماني أن يكون المرجع في بلاد تعد في أقاليم النور مثل فرنسا. وقد نبه الي ذلك بصفاء مولانا المرحوم مدثر الحجاز في مذكرة له عام 1956 يلتمس من لجنة الدستور اصطحاب الشريعة في عملها ومنتوجها. اما الذي جعل الشريعة عظمة خلاف في بناء الامة منذ الاستقلال فهو أنها قد أضحت شارة لهوية المسلمين وسبباً لتواليهم. والمقصود بالتوالي، في تعريف الدكتور الترابي، مناصرة المسلمين بعضهم بعضاً برباط العقيدة حرباً علي غير المسلمين مها اشتط خلافهم في سائر الامور الاخري. وقد جاءت بهذا الفهم و المأخذ للشريعة الحركة الاسلامية لما صعدت حثيثاً في سلم السياسة واستثأرت دون جيل الحركة الوطنية الأزهري بالتعبير عن "الوطنية" الاسلامية. فقد كسدت بضاعة ذلك الجيل الأول كما هو معروف. وقد خالط هذا الطور من حياة الشريعة (اي طورها كهوية حضارية للمسلمين) نزاع مشاهد نرزح تحت وطأته ما نزال.

    أريد في المقالات التي انشرها متتابعة ان ارد الشريعة الي مطلبها الحق ان تكون مصدراً للقوانين في بلد للمسلمين. ولست اري في مطلبها هذا بأساً او ظلماً لغير المسلمين. فهي عندي مما يسع التشريع الوطني العام ويهش له متي خلا دعاتها من نازعة "الوطنية الاسلامية" وبذلوا سماحتها للوطن لايفرقون بين اهله متوسلين الي ذلك بحرفة القانون عارضين اجتهادهم من خلال مؤسسات التشريع بالدولة. ولست ادعي علماً فيما يجد غير انني اتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب وذوق المشرعين بها من قضاة المحاكم الشرعية علي عهد الاستعمار وماتلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الاسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها. وهي ما اسميه "التقليد الشرعي السوداني 1898-1983).

    في مقالة الاسبوع الماضي جددت سؤالاً قديماً طرحه الدكتور زكي مصطفي وهو: "لماذا لم يستفد القضاة الانجليز والرعيل الأول من القضاة السودانيين من الشريعة الاسلامية في انشاء قوانين السودان المدنية والجنائية في حين أنه لم يكن في الصيغة الموجهة لعملهم القضائي ما يمنع من ذلك. فلم تطلب منهم تلك الصيغة سوي تحري أن القانون الذي يستعينون به، من اي مصدر جاء، لا يصادم العدالة والسوية والوجدان السليم. وقد استغرب الدكتور زكي كيف ضيق قضاة السودان من الانجليز والسودانيين واسع هذه الصيغة الرحيبة وجعلوها سبباً لتمكين القانون العام الانجليزي في السودان دون الشريعة وغيرها من القوانين الأقرب الي حياة السودايين. وقد نسبت تجنب الانجليز للشريعة الي حالة استعمارية بريطانية سميتها "تهنيد الامبراطورية." والمقصود بهذا انه سبق للانجليز اسقاط الشريعة الاسلامية من اعتبارهم كمصدر لقوانين رعاياهم المسلمين حتي قبل أن يغزوا السودان. فقد استقر رايهم وهم في الهند في منتصف القرن التاسع عشر أن شريعة المسلمين هي نظام قانوني سلفي لا مستقبل للحداثة به. وقد اكتفوا بخبرة الهند ولما يكلفوا انفسهم فحصها حين ضموا الي ملكهم مسلمي السودان او غيره. وهدتهم خبرتهم الهندية الغليظة الي انشاء قضائية ثنائية: قسم مدني وجنائي هواه هو القانون الانجليزي العام ومشتقاته الاستعمارية من جهة وقسم شرعي مختص بقوانين الأسرة المسلمة ومرجعه الشريعة علي مذهب ابي حنيفة في الغالب. وهكذا يمكن القول أن زعم الانجليز بأن الشريعة نظام خالف لا يتفق والحداثة زعم باطل. فهم لم يطلبوا الحداثة من الشريعة أصلاً حتي يحكموا عليها بهتاناً كما فعلوا. وقد بينت انه في الحالات النادرة التي التمس من الشريعة قاض مثل مولانا بابكر عوض الله قبساً عدلياً جادت له في حين جحد القانون الانجليزي. وفي حديث اليوم اتعرض لوجه آخر من وجوه ظلم الانجليز للشريعة. فهم قد ضيقوا عليها حتي في اختصاصها كقانون للأسرة المسلمة في الثلاثنيات حين سعوا لتمكين نظام الادارة الاهلية ومحاكمها. واضطرهم هذا الترتيب الاداري لمحو محاكم الشريعة من الريف السودان وتفويض محاكم النظار لفض النزاعات الأسرية بالنظر الي أعراف القبيلة لا نصوص الشريعة. ثم سرعان ما استبانوا ضحي الغد ان الشريعة اعدل بالاسرة من آباء العشيرة البطراكيين. فالي حديث اليوم.

    اتخذ طمس الشريعة من أن تكون مصدرًا للقانون الاستعمارى بالسودان شتى الأشكال . فحتى حين أنقص الإنجليز الشريعة بجعلها مجرد قانون للأحكام الشخصية مالوا إلى إنكار وحدتها وعالميتها كتشريع . وبرز هذا الاتجاه الاستعمارى بخاصة حين تبنى الإنجليز نظام الحكم غير المباشر فى عشرينيات القرن الماضى . وكانوا قد بيتوا النية بهذا النظام أن يكسروا شوكة الأفندية وحركتهم الوطنية . وكان الأفندية قد انتعشوا عددًا وطموحًا فى ظل حكم الإنجليز المباشر للسودان منذ مجيئهم فى 1898م . والمعروف أن الحكم غير المباشر هو الذى يخول لزعماء القبائل سلطات إدارية رعاياهم فى ما عرف بالإدارة الأهلية عندنا . والمعروف أيضًا أن الأفندية فى الحركة الوطنية قد ناصبوا الإدارة الأهلية العداء .

    نظر الإنجليز إلى المحكمة الشرعية ، التى اقتصر اختصاصها على أحوال المسلمين الشخصية ، كهيئة منافية لفكرتهم ومنهجهم فى الإدارة الأهلية . فالمحكمة الشرعية ، برغم اقتصارها على أحوال المسلمين الشخصية ، هيئة جامعة تستمد قانونها من شريعة ذات طبيعة عالمية . ويعطيها هذا الاستمداد طابعًا وطنيًا عامًا لا مكان له فى إعراب الإدارة الأهلية القائمة على الوحدات القبلية المتدابرة التى يكتفى كل منها بذاته عن الأخريات . وعليه قرر الإنجليز أن يتخلصوا من المحاكم الشرعية التى كانوا أسسوها فى مراكز الإدارات الأهلية الواسعة . وجعلوا من اختصاص محاكم الإدارة الأهلية النظر فى قضايا الأسرة على ضوء الشريعة . غير أنهم عَرَّفوا شريعة هذه المحاكم بأنها الشريعة كما يفهمها ويمارسها أفراد القبيلة المعنية حسب أعرافهم المحلية . وهذا تدبير مقصود أراد به الإنجليز فض عالمية أو وطنية الشريعة و » فكها « فى نسخ متعددة من الشرائع المحلية .

    ولم يقبل قضاة الشريعة السودانيون بهذا التبخيس للشريعة ودافعوا عن وحدة التقليد الشرعى وشروط كفاءة قضاته . فقد استنكر قاضى القضاة أن توصف شريعة محاكم نظار القبائل بأنها »أهلية« مستثنية قضاة الشرع المعروفين بالاسم من هذا القطاع الأهلي وهم من أهل السوان مثلهم فى ذلك مثل نظار القبائل . وصفوة الأمر أن تبخيس الشريعة هذا قد أنزل بها عواقب وخيمة . فقد حل عقيدتها القرآنية المركزية وعقدة تقليدها ومرونتها المشهودة لها بها حتى فى استصحاب عوائد وعادات الجماعات الإسلامية . فبدلاً عن هذا التقليد الشرعى الواحد وجدنا أن الإنجليز قد نجحوا فى استنساخ الشريعة وتفريغها فى شتات من الثقافات القبلية المختلفة . وسنفصل فى هذا الأمر أكثر فى الفصل الثالث .

    هناك قناعة رائجة بين الصفوة مفادها أن الاستعمار أعطى ما للإسلام للإسلام وما للإنجليز للإنجليز . فمما راج فى الكتب أن اللورد كرومر ، قنصل بريطانيا فى مصر ، الذى كان من وراء تأسيس إدارة السودان الاستعمارية ، دعا إلى سياسة احترام الدين الإسلامى والكف عن تدخل الحكومة فى شأن المسلمين الدينى . غير أن هذه الكتب تغفل عن سوء ظن كرومر الشديد بالإسلام وقناعته ، فى سريرة نفسه ، أن الشريعة ستذهب أدراج الرياح فى يوم قريب . فقد قال إن الشريعة قد طبقت فى مصر وهى ، فى قوله ، إن لم تكن لعهده قد شبعت موتًا فإنها فى حالة تفسخ وانحلال . وصفوة القول أن صيغة » العدالة والمساواة وإملاءات الوجدان السليم « التى سبق الحديث عنها ، كانت ستدمج الشريعة فى قوانين الاستعمار لولا ما رأيناه من تعصب البريطانيين ضد الشريعة وتنبؤهم إنها مما سيزيله زحف الحداثة .وجاء زكى مصطفى بكلمة سائغة فى هذا الشأن . فقد قال إنه كان بوسع الإنجليز ، إذا أنفذوا صيغتهم السمحاء تلك ، أن لا يشعروا بالحرج الناجم عن حكم بلد مسلم بتجاهل صريح لشريعته . والمسلمون ، من جهتهم ، لن يجدوا غضاضة فى هذه الصيغة المفتوحة لأنهم لا يعدون شريعتهم مما يصادم العدل والمساواة وإملاءات الوجدان السليم فحسب بل ويعتقدون أنها نبع العدل والإحسان . وقد أفرغ الصيغة من سماحتها ما قر فى ذهن السلف من القضاة الإنجليز والخلف من السودانيين أن القانون الذى ينبغى تطبيقه ، برغم رحابة الصيغة المعمول بها ، هو القانون الإنجليزى .

    شكل حجب الشريعة من أن تكون واحدًا من مصادر القانون الاستعمارى كارثة ثقافية وسياسية طوال عهد استقلالنا . ولأننا قد بخسنا الشريعة حقها ، ظلت تتعقب الأمة بشكل ثأرى ، وتنغص عليها قانونها ودستورها ، وتؤذى عملية بناء الأمة السودانية فى الصميم . فقد أخفقت الأمة المستقلة أن تدير حوارًا مسؤولاً ذا معنى لتقف على المرارة التى احتقنت بها الشريعة ، كتقليد قانونى، استبعده الإنجليز من عملية تحديث القانون من غير ذنب اقترفه .

    ولا خلاف أن أكثر اللوم فى هذا التجنب للشريعة على عهد الاستقلال خاصة وتأخيرها يقع على عاتق المهنيين السودانيين من ذوى التدريب الجيد فى القانون الإنجليزى العام . فقد تغلغلت فى هذه الجماعة المهنية ، من جراء غربتها عن الشريعة الإسلامية ، ما يعرف بـ »الاستشراق الداخلى« . والاستشراق كما نعلم حزازات وجهالات باطشة ترتبت عن دراسات المستشرقين للإسلام . والاستشراق الداخلى هو أن يستبطن المسلم المغلوب على أمره صورة المستشرقين الدونية عنه ، ويتبناها ، ويحكم بها على تاريخه وعقله ومكانه .

    لقد القى إهمال الشريعة فى استنباط القانون الاستعمارى خلال فترة الاستعمار وما بعدها ، باسم الحداثة ، ستارًا على هوان عظيم أحس به المسلمون خلال فترة الاستعمار . ومع ذلك ظل هذا الهوان بلا اسم وعنوان فى الدراسات عن الاستعمار . فلم تحفل دراسات الحركة الوطنية بتعيين ووصف هذا الصغار لتركيزها على أدبيات مقاومة الاستعمار . ومن شأن من يركز على المقاومة أن لا يعير هذا الهوان انتباهًا لأن المقاومة ، فى نظر كتبة هذه التواريخ ، هى ترياق للاستعمار ومطهر من أوجاعه ومهاناته . غير أن بازل ديفدسون ، المؤرخ لأفريقيا والناشط الذرب فى مسائل التحرر الأفريقى ، سمى هذا العار ، الذى يحسه المستعمرون لمحض استعمارهم بواسطة قوم ذى شوكة ، بـ (الإهانة الروحية ) . ويمكن تعريف هذا الوجع بالنسبة للمسلمين ، على ضوء مفهوم بازل ديفدسون ، بأنه الإهانة التى يشكلها الاستعمار لأسلوب المسلم فى الحياة . ومن أميز ما جاء به ديفدسون هو التفرقة بين الطريقة التى يغالب فيها كل من عامة المسلمين وصفوتهم هذا الوجع الروحى . فالصفوة من المسلمين ، فى قول ديفدسون ، لم تعان هذه الذلة والصغار الروحى بنفس الحدة التى اتصفت بها معاناة عامة المسلمين . فخلافًا لعامة المسلمين ، قبلت الصفوة بهذا الصغار الفاجع كثمن لا مهرب منه للتقدم واللحاق بالعالم المسرع بالخطوات المطردة فى مراقى الحداثة . وربما فسر لنا هذا التمايز فى الشعور بالهوان الأخلاقى لماذا ظل الموضوع برمته غير مدروس وبلا اسم . فالصفوة هى التى تبلور المفاهيم وتضفى عليها الاسم ، وحين لا تحس بالشئ يصبح كأنه لم يكن فى حين تكتوى به عامة المسلمين من غير إفصاح وإبانة عن مكنوناته .

    وكانت مهانة الاستعمار لعامة المسلمين السودانيين حقًا . فقد تغلغل هذا الجرح عميقًا فى قلوبهم فى اليوم الذى غلبوا فيه على أمرهم وتولى أمرهم قوم من الكفار ذوى الشوكة . فقد رثى أحمد أبو سعد ، مادح المهدية ، أيام المهدية الزاهرة التقية إذ رأى فى غلب الإنجليز للمهدية ائيذانًا بنهاية الدنيا وقال :

    إسلامنا إتربا ( أى جرى مسخه وتخليطه )

    وعلى المستوى الأخلاقى ربط المادح بين ظفر الإنجليز بالسودان وجعل شراب الخمر والمجون عملاً مشروعًا على خلاف ما كان عليه الحال أيام المهدية وقال :

    جاتنا المانديرا ومسخت الديرا

    و ( المانديرا ) كلمة تركية تعنى العلم . والعُرف أن ترفع الأنادى الأعلام ( حانات الشراب ) بمثابة إعلان أنها مستعدة لخدمة الزبائن . وأصبحت العبارة ( رفع مانديرا ) كناية للسلوك الخليع المبتدع الضال الذى يفارق خلق الجماعة المسلمة .

    ولم تتأخر دولة الاستعمار التى خلفت المهدية عن رفع المانديرا . فقد جعلت تعاطى الخمور ، والقمار ، والبغاء عملاً قانونيًا . وبدأت محاكم الإنجليز تنظر فى قضايا هى فى الأصل مما يصادم خلق المسلم وضوابطه الإسلامية : فقد نظر أحد القضاة الإنجليز فى 1900م قضية ربا وحكم أن سعر الفائدة فيها كان فاحشًا مما لا يسمح به القانون السودانى الاستعمارى الذى وجه القاضى أن يعتبر فى أحكامه ( المبنية على القانون الإنجليزى العام كما ورد ) العدل والمساواة وإملاءات الوجدان السليم . وقد نبه عبد الرحمن إبراهيم الخليفة ، الناقد المرموق للقانون الجنائى الاستعمارى ، إلى المفارقة المأساوية فى هذا الحكم . فالمحاكم المهدية ، فى قوله ، التى دالت دولتها قبل عامين من هذا الحكم ، ما كانت تقبل بالأساس أن تنظر فى قضية ربا سواء كانت الفائدة فاحشة أو ميسورة .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 03:09 PM

Agab Alfaya
<aAgab Alfaya
تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    نعم هذا هو المفكر التنويرى
    عبدالله على ابراهيم
    الذى لا تزال بعض قوى اليسار تراهن عليه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-04-2003, 06:16 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 27613

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    لقد استمتعت بمداخلة ود قاسم وبرد النور عليها..

    وقد نقلت التعليقات في هذا الخيط كوصلة لمنبر الفكرة الحر الملحق بموقع الفكرة الجمهورية، ويسرني أن يشترك المهتمون هناك بالنقاش..

    http://www.alfikra.org/forum/index.php
    سلامي للجميع، وأشواق خاصة لعادل، وأقول له، ياخي الصورة القديمة وين؟؟

    (عدل بواسطة Yasir Elsharif on 29-04-2003, 06:16 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-05-2003, 02:26 PM

Abu Mariam
<aAbu Mariam
تاريخ التسجيل: 15-08-2002
مجموع المشاركات: 748

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-05-2003, 02:31 PM

baballa
<ababalla
تاريخ التسجيل: 13-05-2002
مجموع المشاركات: 151

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تعقيب على طرح د. عبد الله علي إبراهيم حول: التقليد الشرعي، والحداثة (Re: Dr.Elnour Hamad)


    بقلم/ د. عبد الله علي ابراهيم

    الدكتور عبد الله علي ابراهيم يوالي حلقاته عن القانون السوداني الوضعي الذي ا دار ظهره للشريعة الاسلامية.

    ما كاد السودان يستقل حتى نشأت الجماعات الدينية السياسية والتربوية التى جعلت هذا الألم الروحى نصب عينيها مركزة على المفارقة بين قانون المسلمين الأخلاقى المضمن فى الشريعة والقانون الوضعى السائد فى حقبتى الاستعمار وما بعد الاستعمار. وتعالت الدعوات لإصلاح هذا القانون الوضعى ليواطئ خلق المسلمين الشرعى. وتنامت هذه الدعوات تنامياً هز ساكن البلد وخطاب القانون هزاً شديداً. وعَرَّضت هذه الدعوات ومترتباتها شرعية الدولة، المورثة عن الاستعمار، إلى مساءلة وامتحان عسيرين. مثلاً، أصبح البغاء المسموح به فى قانون المستعمر الموروث، مادة لنقاش محتدم فى الستينات شارك فيه الذين يرون وجوب إلغائه. وأفضى ذلك بالتدرج إلى تسييس الدعوة إلى إزالة أثر الاستعمار من القانون بما فاق طاقة أهل مهنة القانون للاستجابة لها أو التعامل معها. وقد قصد أهل الدعوة لإزالة الأثر الاستعمارى عن قانون السودانيين المسلمين، إلى إحراج القسم المدنى فى القضائية ذى الصلف الذى لم يرد قضاته أن تمس القوانين التى ترعرعوا فى ظلها. وقد أراد أهل الدعوة بدعوتهم أن يبرزوا قضاة القسم المدنى فى عين العامة كحراس أشداء للإرث الاستعمارى .

    كانت المعالجة الإيجابية للمفارقة بين القانون الموروث وشريعة المسلمين بحاجة إلى قيادة مهنية قانونية ذات أريحية وألمعية. ومن الطريف أن الذى رأى لزوم هذه القيادة هو الأستاذ قاو المحاضر بكلية القانون بجامعة الخرطوم فى وقت باكر نسبياً هو عام 1951م. ففى سياق اجتماعات الجمعية الفلسفية السودانية فى شهر نوفمبر من ذلك العام، أى فى أصيل الفترة الاستعمارية، دعا قاو إلى وجوب إصدار تشريعات حول مسائل مبدأية تؤاخي بين القانون والخلق والسياسة فى الفترة التى ستلى الاستعمار. وهى الفترة التى سيتاح للسودانيين التشريع أصالة عن أنفسهم وبحرية. وأضاف أنه يستحيل فصل القانون عن السياسة لأن القانون هو الرابطة الواصلة بين الأفكار التى تعمر رأس السياسى وبين الهدف الذى يسعى هذا السياسى إلى تحقيقه. ونصح قاو أن تأخذ القوانين فى ظل السودان المستقل فى الاعتبار بشكل جدى الأفكار المستوطنة التى هى لحمة وسداة المجتمع السودانى فى ماضيه وحاضره ومستقبله. وهذه الأفكار، فى نظر قاو، هى أفكار سياسية لأنها تحمل بصمات السياقات الثقافية والتاريخية والأخلاقية والجغرافية للسودان. ولكى يشدد على عقيدته عن الأهمية السياسية للقانون، أوصى قاو بأن يكون على رأس كلية القانون بجامعة الخرطوم رجل ليس ضليعاً فى القانون وحسب، بل وعلى دراية ومعرفة عميقتين بعادات السودانيين ونفسياتهم. وقَدَّر قاو أن لب مهمة كليات القانون هذه أن تخرج رجالاً ذوى أذهان متعلقة بالقضايا الأساسية للحياة.

    والحسرة إن كلية القانون قد خذلت قاو وقصرت دون توقعاته الذكية. فقد أخفقت الكلية إخفاقًا مرموقًا فى مهمة أن تستكن الشريعة القانون السودانى الحديث. فما تسنم خريجو هذه الكلية من معتنقى القانون الإنجليزى قمم السلطة القضاية، حتى نشروا استشراقهم الداخلى وجعلوا منه الثقافة القانونية الواجبة المعرفة على سائر الأمة. وكان مانفستو هذا الاستشراق الداخلى هى المقالة التى نشرها مولانا جلال على لطفى فى عام 1967م بمجلة السودان القضائية.

    ففى هذه المقالة المانفستو رأى مولانا جلال أن الإصلاح القانونى سيكون بمثابة عملية تطورية لا ثورية. وغير خاف أن العملية الثورية هذه هى التى كان يدعو لها آنذاك دعاة العروبة، ممن طالبوا بتطبيق القانون المصرى فى السودان، ودعاة الإسلامية، الذين طالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية. وأوضح أن كلا الدعوتين تريد أن ترمى بالقانون السودانى المستمد من القانون الإنجليزى إلى سلة المهملات. ولم تكن غالب صفوة القانون الإنجليزى العام من خريجى جامعة الخرطوم من ذوى المزاج الثورى الذى يحل تقليدًا قانونيًا بتقليد قانونى آخر مختلف عنه أشد الاختلاف. فلم تكن هذه الصفوة ترى فى القانون السودانى ذى الأصل الإنجليزي تقليداً أجنبياً. فقد اعتقدوا حقاً أن ما كانوا يطبقونه فى محاكمهم هو بالحق قانون سودانى انبنى على المبادئ القانونية الإنجليزية ولم يصادم عوائد السودان ولا تقاليده.

    وكانت عقيدة هذه الصفوة من جامعة الخرطوم شديدة وصارمة واستعلت على الناصح والمراجع. فقد تكرر نصحهم بواسطة الدكتور ألوت فى مقال له فى سنة 1960م، وكذلك كليف تومسون فى كلمة له عام 1965، بوجوب إعادة النظر فى مواءمة القانون السودانى الموروث للبلد الذى نال استقلاله وأصبح أهله مواطنين لا رعايا. ومع ذلك أصرت هذه الصفوة أن القانون الذى درسوه وطبقوه فى المحاكمة، سيبقى لا محالة. وأنه سيتطور فى طريق الإصلاح لا طريق الثورة. وقد وصف مولانا جلال دعوات القوميين العرب والإسلاميين لاستبدال القانون السودانى الموروث ببدائل اتفقت لهم بأنها «رغائب سياسية» لجماعات من الأقليات الشواذ التى تحركها العاطفة بدلاً من العقل والضرورة.

    بالطبع لم تنس هذه الصفوة القانونية المهنية القائدة أن تُضَعِّف وتُجَرِّح الدعوة إلى تطبيق الشريعة بالإشارة إلى وجود أقليات غير مسلمة فى السودان. غير أن أكثر اعتراضات هذه الصفوة، كما تجسدت فى مقالة مولانا جلال، هى إعادة تعبئة لمآخذ استشراقية على الشريعة. ومن ذلك قوله إن القوانين الإسلامية لا تناسب الدولة الحديثة لأنها قد نشأت لحاجة مجتمع بدائى فى القرون الأولى. ووصف عقوبات مثل قطع اليد والرجم بأنها من بقايا البربرية. وأضاف بأن الشريعة لم تُقنَّن فى تشريع جامع بين دفتى كتاب مما يفضى إلى إنبهام دروب القضاة فيها بالنظر إلى تعدد المذاهب والاجتهادات والأحكام. واختتم بقوله إن الشريعة، كقانون سماوى مقدس، لا تأذن بالتغيير.

    ومن أشد ما يأسف له المرء أن هذا الاستشراق الداخلى، الذى تمكن من صفوة القانونيين، ممن هم على مذهب القانون الإنجليزى العام، ترسب كصدفة سميكة حجبت عن القانونيين هؤلاء أفضل النظرات المهنية والمعرفية القانونية التى تبرع بها أساتذتهم وزملاؤهم من الإنجليز سواء فى القضائية أو كلية القانون ممن انتهت عقود عملهم فى السودان نتيجة لحصول البلد على استقلاله. فقد نصح هؤلاء القانونيون الإنجليز، فى مغيب شمس الاستعمار، تلامذتهم وزملاءهم السودانيين أن يراجعوا بجذرية إدارة العدالة فى البلد بالنظر لأن مواطنيه قد أصبحوا مواطنى أمة مولودة بعد أن كانوا رعايا فى مستعمرة. وشتان بين الوضعين. ولم تستبن صفوة القائدة النصح إلا ضحى الغد. فهؤلاء القانونيون الذين استناموا لفكرة أن الإصلاح القانونى سيكون تطورياً لا ثورياً، فقد فوجئوا بالمطالب الثورية السياسية لتغيير القانون تطرق بابهم وتأخذهم على حين غرة.

    من أولئك الإنجليز الناصحين الدكتور توايننق الذى كان محاضراً بكلية القانون بجامعة الخرطوم فى خمسينات وستينات القرن الماضى. فقد كتب فى 1957م، والاستقلال لا يزال طفلاً، ينبه زملاءه وتلاميذه السودانيين أن مقتضيات السياسة ربما أملت عليهم تغييرات وإصلاحات قانونية قد يرونها فطيرة وعشوائية وما هى كذلك فى نظر أهل السياسة. فالقانون لا يتطور فقط بالخطوة المدروسة البطيئة بل قد يتطور بالخطوات القافزة الثورية. وضرب توايننق مثلاً على ذلك بتركيا. فلم تأخذ تركيا أكثر من ثمانية أشهر لتغير شرائعها الموروثة بالقانون المدنى المعمول به حالياً والذى استعارته من سويسرا بعد ترجمة عجلى جداً فى 1926م. ولم يكن المهنيون القانونيون الأتراك سعداء بهذا الانقلاب التشريعى بالطبع. إلا أنه لم تكن بيدهم حيلة. واتجه توايننق بنصحه إلى جهة أخرى.
    الرأي العام 6 مايو 2003م
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de