سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم عباس

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل عبد الله بولا فى رحمه الله
يا للفجيعة ............ عبدالله بولا
رحيل زميل المنبرالفنان التشكيلي عبدالله بولا له الرحمة
رحيل الإنسان الممتاز بولا فقد عظيم للوطن
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 19-12-2018, 02:23 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة بدرالدين محمد الأمير بلول (بدر الدين الأمير)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-12-2007, 08:01 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم عباس

    النور عثمان ابَّكر
    احد أهم أعلامنا الشعرية والتربوية والثقافية والفكرية
    فهو احد مؤسسى مدرسة الغابة والصحراء وصاحب بيان
    ( لست عربيا ولكن) بالاضافة ألى دواوينه الشعرية :
    صحو الكلمات المنسية
    غناء للعشب والزهرة
    النهر ليس كالسحب
    أتعلّم وجهك
    بجانب العديد من الترجمات في مجالات التاريخ والادب من
    الانجليزية والالمانية .
    ولد النور عثمان بمدينة كسلا عام 1938م
    حصل على بكالوريوس في الادب من جامعة الخرطوم عام 1962م
    حاصل على دبلوم تعليم اللغة الانجليزية كلغة ثانية من جامعة
    ليدز بانجلترا عام 1970م عمل لمدة عامين بالمانيا الغربية
    1962 ـ 1964م عمل مدرسا للغة والادب الانجليزي ورئيسا لشعبة اللغة
    الانجليزية بعدد من المدارس الثانوية العليا بالسودان 64 ـ1975م
    ومترجما وصحفيا ومستشارا لشؤون السودان بسفارة المانيا الغربية
    بالسودان 76 ـ 1979م ومحررا ومديرا لتحرير مجلة الدوحة القطرية
    80 ـ 1986م وهو متزوج من السيدة الالمانية الفاضلة والفنانة والانسانة
    مارغريت وهى أم بناته الثلاثة : ماجدلين وإيزيس وإرسولا و منذ عام 1986م
    وحتى الان يعمل مترجما بالديوان الأميرى بدولة قطر.
    ولقد تعرفت على النور عن قرب منذ اكثر عشرة سنوات نهلت فيها كثيرا من ينابيعه
    الثقافية والفكرية والشعرية والتربوية ولعله من العسير على ان اتحدث عنه
    ولكن أتوقف معكم هنا عند ترجمته الاخيرة الكتاب الرحالة الألمانى ( جوستاف ناختيقال)
    وهو كتاب جدا هام ومهم لكل مهموم بالشأن السودانى عموما وشأن دارفور خصوصا .
    كما راجع النص العربى وقدم له الاستاذ : الجيل عالم عباس وصمم الغلاف الفنان عصام عبدالحفيظ
    ونشر الكتاب عن دار عزة للنشر والتوزيع يقع الكتاب في 164 صفحة وسوف احاول جهدى ان
    اعرضه لكم هنا عله يسهم في توسيع مداركنا ووعينا بدار فور تلك البقعة النابضة بالحياة
    والعلم والجريحة والمجرحة إنسانا ومكانا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 08:18 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    مقــــــدمة الكتاب بقلم الأستاذ : عالم عباس


    جوسـتاف ناختيقـال وتاريخ دارفور


    أطلق المؤرخون والجغرافيون العرب اسم بلاد السودان على الحزام الذى يقع جنوب الصحراء وشمال الغابات المطرية والممتدة شرقاً حتى ساحل البحر الأحمر وغربا إلى نهر السنغال والمحيط الأطلسي ، وشاع هذا الاسم بين المؤرخين المعاصرين . وقد احتوى هذا الحزام ممالك إسلامية عديدة ، إذ ضم السودان الغربي ممالك مثل مالي . والهوسا وكانم وضم السودان الأوسط ممالك البرنو والباقرمي ووادي وضم السودان الشرقي مملكة دارفور (1445-1874) وسنار (1504-1821) .
    تشكل مملكة سنار (1504-1821) ومملكة دارفور (1445-1874) ، مع إضافة الإقليم الجنوبي إليهما مايعرف حالياً باسم جمهورية السودان والتى استقلت بهذا الاسم في يناير 1956 م . مملكة سنار قضى عليها الغزو التركي المصري عام 1821 وبعد ذلك بثلاثة وخمسين عاما أفلح اسماعيل باشا والزبير باشا في إسقاط مملكة الفور عام 1874 م . ولم يستمر الأمر طويلا حتى جاءت الثورة المهدية 1881 م فأطاحت بالحكم التركي المصري وأقامت دولة إسلامية .
    ومع أن الثورة كانت وطنية ودوافعها إسلامية فإن أمدها القصير لم يكن كاف لتحقيق الانصهار بين شعبي المملكتين ، بل أن التاريخ ليذكر أن أهل دارفور قد قاوموا الثورة المهدية مثل مقاومتهم الحكم التركي المصري حتى أخضعهم الخليفة ، حتى إذا جاء الغزو الانجليزي المصري استطاع القضاء على الثورة المهدية ودحر الخليفة في كرري عام 1898 ، فقرر بعدها علي دينار أحد أمراء الفور المهدية ، وإثر مشاورات تمت مع من يوالونه من زعامات القبائل بدارفور أن يعود الى دارفور مستعيدا سلطنة أجداده ، مستقلا بها منذ 1898 م وحتى مقتله وسقوطها بين براثين الانجليز عام 1916 . وبعدئذ بسط الإنجليز سطوتهم على كل الإقليم الذى حوته الدولة المهدية والذى عرف بإسم السودان الإنجليزي المصري وحتى جلائهم عنه عام 1956 م .
    المعلومات التاريخية الموثقة والمعتمدة عن مملكة سنار تبدو قليلة ، وأقل منها تلك المتوفرة عن مملكة دارفور ، فالكتابات عن تاريخ سنار ومتباينة المصادر ، بعضها كتابات المسافرين عبر المملكة والروايات الشفهية والعادات التى رصدها الرواة وبعض وثائق الغزو في القرن السادس عشر والثامن عشر والتى تحوي أسماء الملوك والحكام ومارواه الشيخ ود ضيف الله في الطبقات وبعض وثائق تمليك الارض، ومذكرات ومدونات بعض الرحالة الذين زاروا سنار وكتبوا عنها ، أمثال ديفيد ريوبينى عام 1523 والرحالة الأثيوبي زاقا كرايست ، والديبلوماسي التركي إيفيليا سلباي وغيرهم كالمكتشف جيمس بروس .
    مملكتا سنار ودارفور بالرغم من انهما الآن تشكلان كيانا واحدا هو السودان الحالي إلا أن ثمة فروق بينة يلحظها المتأمل ، وتحتاج كل منهما الى المزيد من الدراسة والجهد لتحقيق التجانس المطلوب ولايتأنى ذلك إلا بالقراءة المتعمقة للتاريخ والوثائق ومعرفة العادات والانظمة وأثر الانسان والمكان .
    وكما ذكرنا فالكتابات عن تاريخ دارفور شحيحة وأقل ندرة عن شقيقتها سنار ، إلا أن الروايات الشفهية والعادات والتقاليد أكثر ثراء في دارفور عن سنار .
    ثمة سجلات ووثائق اكتشفت مؤخرا في دارفور ولكنها حتى الآن لاتقارن بتلك التى في سنار (مدونة الفونج، طبقات ود ضيف الله ) ، فدارفور بالنسبة للرحالة والمؤرخين كالطريق المسدود الذى لايؤدي الى شي (cul-de-sac) كما عبر عنه أوفاهي وسبولدنق . ومع هذا فإن الرحالة الذين عبروا بها أو كتبوا عنها تبدو لكتاباتهم أهمية أكبر ، وبالأخص كتابات براون التونسي وبارت وناختيقال .
    ففي يوليو من عام 1793 وفي عهد السلطان الفور القوي عبدالرحمن الرشيد قام الرحالة الانجليزي و.ج.براون برحلته الى دارفور بادئا من أسيوط بمصر وعبر درب الاربعين الى الفاشر ، وقد ظل فيها لدة ثلاثة أعوام الى مارس 1796 ، غير ان السلطان كان يشك في نواياه ، وهو الاوروبي المسيحي . فلم يكن يسمح له بالتجوال في البلاد او جمع المعلومات عنها كما انه لم يتمكن من العثور على تاريخ مدون لتلك المنطقة. لذا جاءت معلومات قليلة وسطحية ، يشوبها الاضطراب وقلة العمق باستثناء ملاحظات خاصة بأحوالها الجغرافيو والاقتصادية وقتذاك . أو كما عبر عن ذلك أوفاهي وسبولدنق ، (بالرغم من تفصيله للنشاطات التجارية فإن كتابه الفقير فيما يتعلق بحياة ومؤسسات دولة الكيرا ) .
    أما محمد بن عمر التونسي والذى زار دارفور بعد براون بسبع سنوات عام 1803 في عهد السلطان محمد فضل ، فقد مكث فيها حوالي ثمان سنوات ، فأتيح له مالم يتيح لغيره . رغم انه كان حينذاك في أوائل العشرينات من عمره وهو حينئذ غض لم تنضج تجاربه بعد . ومه ذلك يعد كتابه ( تشحيذ الاذهان في سيرة بلاد العرب والسودان ) من أغنى الكتب عن تاريخ ونظام وعادات دارفور، وتراثهم ولغاتهم وطبقاتهم وفي دراسة علمية متقنة الى حد كبير .
    بعد حوالي أربعين عاما من رحلة التونسي قام الرحالة هنري بارت برحلة من طرابلس الغرب الى بحيرة تشاد(1849-1855) وعبر المنطقة مابين تمبكتو وباقرمي ، ولكنه لم يصل الى دارفور أو داى ، غير انه اثناء اقامته في مملكة برنو قد جمع شذرات قليلة تاريخ هذه المناطق معتمدا على بعض الروايات الشفهية التى نقلها عن أهل البلاد أنفسهم فضلا الى اشارات قليلة لبعض المؤلفين العرب .
    في يناير من عام 1874 بدأ الالماني جوستاف ناختيقال رحلته الى دارفور قادما من وداى وكان قد بدأها (مثل هنري بارت) من طرابلس الغرب في ليبيا متجها الى دارفور عن طرق بحيرة تشاد وباقرمي ووداى، ومكث في الفاشر ستة أشهر ، وكان ذلك في عهد السلطان إبراهيم محمد حسين ، آخر سلاطين الفور .وبالرغم من أن ناختيقال لم تتح له فرصة للتحرك لعدة أسباب منها الاضطرابات التى اعترت المملكة في حدودها الجنوبية الشرقية ، إثر مناوشات الزبير باشا ، وعدم الترحيب الذى واجهه من قبل السكان المحليين ،والاستعدادات التى كانت تقوم بها الحكومة المصرية وحكومة الخرطوم لغزو دارفور، وقصر المدة التى مكثها ، إلا ان كل ذلك لم يمنعه من جمع مادة غزيرة ثرة وروايات شفهية ومكتوبة عن تاريخ دارفور الوسيط ، خاصة وقد كان هو آخر من شاهد هذه السلطنة العظيمة ووثق تاريخها وهي في آخر حلقه من حلقات انهيارها وسقوطها عام 1874م- بعد أن بقيت لاكثر من ثلاثة قرون في بعض الروايات .
    ماذكرنا يمثل الاسهامات الواضحة المكتوبة عن تاريخ دارفور ، وبالطبع لايمكن اقفال المساهمات المهمة الاخرى ، مثل كتابات ماكمايكل ، وآركل وثيوبولد ، وماكتبه نعوم شقير فكلها مصادر اعتمد عليها المؤرخون المحدثون عند الكتابة عن دارفور . لكن المسلم به أن رحلة التونسي 1803-1811 ورحلة ناختقال 1874م (والرحلتان بينهما ستون عاما) يعدان أهم المصادر لتاريخ دارفور، فلعل لكتاب التونسي الريادة والشمول ولعل كتابات ناختيقال معا هى الاحدث والاكثر اعتمادا لدى المؤرخين.
    يبدو انه لا غنى لأي قارى او باحث في تاريخ السودان ، ودارفور على وجه الخصوص ، من الاطلاع على كتابي التونسي وناختيقال معا فلايمكن الاكتفاء بأحدهما دون الاخر ،وعلى ذلك فقد يكون مناسبا الانتباه الى بعض الملاحظات ،لامن أجل المقارنة والمفاضلة ،ولكن لاكتمال الصورة التى يعكسها كل من التونسي وناختقال ،وظروف رحلتيهما .
    فالتونسي عربي مسلم ، ورحلته كانت الى موطن أقام فيه والده ولقى حظوة عند السلطان واهل البلد ، فتيسرت له سبل التواصل وحرية التنقل كما يشاء ، وقد طالت اقامته فامتدت الى نايقاؤب الثمانية أعوام ، وخبر أثناءها المنطقة وعاش حياتها وعرف دقائق الحكم وأروقة السياسة ، تطرق الى جغرافية دارفور وقبائلها ووصف ذلك وصفا دقيقا ثم تطرق الى عادات ملوك الفو ومناصبهم ومجالسهم وملابسهم وعادات الزواج ، والامراض والمأكولات والصيد والحيوان ، والنبات والممارسات المختلفة من سحر وتنجيم ورمل .
    وكانت المملكة عنفوانها . وكان التونسي ، فيه من زهو الشباب ماتشي به كتاباته لكن أفاده طول المدة التى قضاها بدارفور وحرية حركته وعروبته واسلامه فلقى قبولا لدى الناس فاستطاع ان يرصد بعين فاحصة ، وبالرغم من ان هدفه من الزيارة لم يكن من أجل تدوين رحلة أو توثيق تاريخ ، عكس ناختيـقال ، فإن ماسجله بدقة من تواريخ وحكايا وعادات وتفاصيل دقيقة ينم عن منهج وبصر ثاقب في تتبع العادات والتقاليد الاجتماعية في أدق تفاصيلها وحركة المجتمع في لهوها وجدها وطقوسها ، وهي بعد في عز سطوتها ، وهو قد اهتم بالمعالم الجغرافية والنباتات الطبيعية وتضاريس المنطقة ومعاش الناس اليومي وعاداتهم ، ولا يستبعد أن يكون ناختقال قد اطلع على كتاب التونسي على نحو ما ، ولو في ترجمته الفرنسية ، مع علمه بالعربية .
    وأما ناختيقال فكان اوربيا مسيحيا وكان محل ريبة من قبل السكان المحليين وبالرغم من الحماية الرسمية التى لقيها السلطان ابراهيم حسين وأحد الأمراء (باسي الطاهر) وممن رافقه من أهل النفوذ في رحلته الى دارفور من وداى ، إلا كانت محدودة ، وأغلب ماجمعه من معلومات كان قد جمعها من مدينة الفاشر ، وتحت وطأة الظروف التى سبق ذكرها . وبالرغم من أنه يتحدث العربية واتخذ لنفسه اسم ادريس افندي ، فإن كل ذلك لم يشفع له عند السكان فلم يمكث في الفاشر إلابضعة أشهر (من 9 مارس الى 2 يوليو 1874) . لكنه مثل التونسي ، قد تطرق الى عادات المنطقة وشعوبها وقبائلها ، واصلها وفصلها وأخبار الرواة عنها وتاريخها ونظامها والاداري والسياسي ، مع تفصيل واسع لسيره ملوكها في الحقب المختلفة وتمرد القبائل ومؤامرات القصر ونفوذ المرأة في البلاط الملكي ، والنشاط التجاري ، ومجتمع التجار والحالة العامة وكل ذلك في لغة علمية بعيدة عن الحواشي والاشعار والسجع اللغوي الذى حفل بها كتب التونسي .
    يمتاز ناختيقال بالعمق والخبرة والذهنية النقدية التى ظهرت في كتاباته وقد اعتنى بمظاهر الادارة والتنظيم في سلطنة الفور فأبرزها ووثقها والبلاط السلطاني ومايجري في أروقته الخلفية ، فجاءت كتابته محكمة ورصينة ، واهتم بأسماء الاماكن وجغرافيتها ونباتها فرصدها في دقة بالغة وجمع مادة غزيرة مفصلة ، رغم قصر المدة ، وكان بحق الشاهد الاخير الموثق لمملكة تلفظ أنفاسها الاخيرة .
    وإذن كتاب ناختيقال فلدينا رؤية تاريخية بعيون ولغة عربية واخرى بعيون ولغة غربية ، وصورة لمملكة في اقمة ازدهارها واخرى لها في حالة انهيارها .
    إن كتاب ناختيقال في توثيق تاريخ السودان المعاصر ودارفور على وجه خاص ذو أهمية بالغة أو كما أورد أوفاهي وهو الخبير في تاريخ دارفور وزارها عدة مرات وله علائق بأهل دارفور كما له في هذا الشأن أكثر من كتاب قال : (( لعل الخطوة الوحيدة الشاملة لجمع وتدوين وترتيب التراث التاريخي السائد في دارفور قبل سقوط دولة الكيرا الاولى عام 1874م هي ماقام بها ناختقال خلال ذلك العام .
    لقد نقل ناختيقال صورا رائعة لهذه المملكة العظيمة وكشف بما كتب الإرث الحضاري العميق والنظام المعقد الذي كانت تسير عليه .
    ترى كيف كانت صورة العالم في العام 1874م حين بدأ ناختيقال رحلته تلك الى دارفور ؟ لقد كتب يقول : (( علمت من رفقائي كل ماكان ذا أهمية بالنسبة لي : التغيرات في أوروبا ، وخاصة ألمانيا نتيجة للحرب مع فرنسا وبداية الصراع الحضاري والمعاناة في أسبانيا ، وفترة عدم الاستقرار الانتقالية في فرنسا وموت نابليون ... ألخ ومامسني بشكل مباشر في تلك اللحظة هو أن اسماعيل باشا كان قد أمر بالزحف على دارفور )) .
    وأما عن حال دارفور آنذاك فقد أورد ناختيقال مايلي :
    (( منذ ذلك التاريخ بدأت العداوات المفتوحة بين مصر ودارفور وزود الزبير بقوات نظامية وبمدفع وأرسلت تعليمات لإسماعيل باشا حاكم عام السودان المصري بالخرطوم بالزحف الى دارفور ، وأخذت قوات الزبير أيضا تقوم بهجمات الى الشمال الغربي من منطقة الزريقات على منطقة الهبانية وماكان يمر يوم دون وصول أنباء مقلقة عن الحرب )) .
    لقد نقل ناختيقال لنا بصورة أخاذة تاريخ مفصل زاخر بالحيوية لمملكة عريقة بلغت شأوا بعيدا في الرقي بمقايس تلك الازمان . ففي النظام السياسي والمبادئ الاساسية للأدارة ونظام العدل القى الضوء على نشأة ماعرف بقانون أو كتاب دالي والذى لم يمسه أي تغيير جوهري فيه مع تعاقب السلاطين ، وذلك منذ صدوره حوالي منتصف القرن الخامس عشر ، ولعل أكثر فصول الكتاب إثارة ومتعة هما مايتعلق بترتيب البلاط الملكي وتدرج النفوذ والسلطات في الوظائف المختلفة بنظام مثير للأعجاب والدهشة وغني بالتفاصيل ، إذ لايكاد تذكر وظيفة مهما صغرت ، بدءاً من الأبوشيخ والذى يلي السلطان مباشرة في النفوذ ( وأحيانا يفوقه نفوذا) ومرورا بالوجهاء ذوي الوظائف التشريعية ولكن بلانفوذ (الكامينا) انتهاءا بالسياس وملك الحدادين والنجارين وملك اللجام وملك السرج وملك الزمام ، بل وملك السمن وملك الذباب في تفصيل وتنظيم مدهش ، وكذلك الفصل الخاص بعيد النحاس العظيم ويوم العرضة والابهة الملكية والموكب السلطاني وطقوس افتتاح الموسم الزراعي . وقد فصل ناختيقال الى البروتوكولات والتقاليد الملكية ومراعاتها من قبل ملوك الفور ورعاياهم واحترامها حتى من قبل الاطفال والنساء والرجال والدرجات الوظيفية المختلفة سواء لدى الأياباسي أو الكامينا أو الأبوشيخ ، ووضع اللثام ونزعه النحناء وخلع الحذاء أو التقيد بزي معين .
    يذكر ماختيقال السمات الشخصية لبعض السلاطين كالسلطان تيراب ، إذ يروي : (( ويقال أن السلطان تيراب قد أوقف عشر سنوات من حكمه للدين ودراسته وكان بحق أفضل كاتب في البلاد ، وأكثر الأمراء علما في دارفور وكان يطلب الكتب فتجلب إليه من مصر وتونس )) أو يقول في شخصية الملك حسين (( وبالرغم من أنه كان على العموم حاكماً عادلا يتمتع بمواهب فكرية وبالعلم ، بمفهوم العالم الإسلامي ، وتلك خصال لم تكن شائعة ، وبالرغم من انه باعتدال شديد ومهارة حفظ السلام مع اثنين من جيرانه هما مصر الخطيرة الى الشرق ووداي عدو دارفور التقليدي الى الغرب . . لم يتمتع بالشعبية الا في الخارج حيث كان مشهورا ومقدرا من اقصى غرب افريقيا الى الاراضي المقدسة في الحجاز ، بفضل كرمه للعلماء المسافرين والحجاج ))كما يذكر نماذج لشخصيات أصحاب نفوذ مثل محمد كرا ، و دور الخصيان في البلاط الملكي ((كان هو الملك الفعلي )) يخشى ويهاب ويجل أكثر من معظم الملوك ، وكان الناس يتحاشون طريقه ويقعون جانبا ويمسحون التراب براحات أيديهم وكان يسمى جابر الدار وكان حازما ومعتزا بنفسه ، ولايسمح بظلم المساكين من قبل الاقوياء أو بسوء الادارة الذى يمثل شرا مستطيرا في بلاد السودان (( ويصف ناختيقال عناية سلاطين الفور بالعلم والعلماء (( وكان السلطان أحمد بكر أول من استخدم الكتابة وجعل فن الكتابة يدرس في البلاد بواسطة علماء أجانب )) .. (( سعى لجذب العلماء والفقهاء الى البلاد وبنى المدارس والجوامع وفرض على السكان أن يراعوا الفروض الاسلامية )) .. (( دعا الى البلاد القبائل الاجنبية الاكثر تقدما للإقامة بها وضمن لهم حق الامتلاك والاعفاء من الضرائب ، ومنذ تلك الفترة كانت الهجرات الرئيسية من بلاد برنو وباقرمي وأعداد كبيرة من الفلاته والبولالا والعرب وأهل وادي النيل ، وأصبحت دارفور بغية القصاد بفضل كرم ضيافته وعدالته النزيهة)).
    ولعل الوضع الذى تحتله المرأة في البلاد في هذه السلطنة الاسلامية لأمر فريد جدير بالتوقف عنده يقول ناختيقال (( كان لملوك دارفور الاوائل بلاط وبيت ملكي غاية في التنظيم ، فهناك بعد الملك ، والذى يسمى اباكوري أو أري (( ابو الإجلال والاحترام )) توجد الملكة الام ولها أعلى مرتبة ولقب أبو بالعربية تعني الحبوبة (( الجدة)) ولكن منصبها لايخص سلطة حقيقية ، وإذا كانت كثيرا ماتمارس نفوذا كبيرا على الحاكم ، فهي نادرا ماتتدخل في شؤون الحكم ، وهي على راس الابونقا (( الحبوبات )) السبع او الارامل من النساء المسنات الاقرباء في البيت الملكي (( ويقول في مقام آخر (( والمرأة الاخرى الرفيعة المنصب هي الاياباسي وتعني حرفيا المرأة العظيمة ، وهي دائما أخت الملك ولاتقل في الواقع عن الأبوشيخ والكامينا ، خاصة وان سلطتها الفعلية تفوق سلطة الام ويجب اعتبارها موظفا ، اذ لها جيشها الخاص بها وتظهر في المواكب راكبة جوادا وهي تستقبل كل من يريد الاتصال بها ... وقد استخدمها كثير من كبار الموظفين كوسيط وواسطة بينهم والسلطان ((ويتميز وضع اخت الملك يوم العرضة ، اذ يسرد ناختيقال ))...وكان أعمام الملك واخوانه قد مروا على التوالي تحت راياتهم وطبولهم وقرونهم وحملة بنادقهم وأتباعهم وعلى مقربة منا كانت الاياباسي على جوادها الذى تمتطيه كالرجال في ثوب أصفر من الحرير وغطاء رأٍ عال يغطيها رأسها وجسدها ، وقد ظلت هناك لاتبرح مكانها )) .
    لقد نقل لنا ناختيقال صورا قلمية رائعة عن الحياة في تلك المملكة ، فهو يتحدث عن المائدة في دارفور ويقول ... (( كان الحاج كرار يقوم بالأشراف على أن يجد كل من يجئ للزيارة ، كبيرا أو صغيرا معروفا أو نكرة طعاما وشرابا وظلت الجواري والخادمات الكثر يعملن دون انقطاع طيلة اليوم في تجهيز الاكل ، إذ كلما دخل اثنان أو اكثر كان يقدم اليهم صحن من العصيدة أو الكسرة المعدة حديثاً ومعها اللحم والملاح ، وكان هناك لحم ضأن مشوي ورقاق من القمح بالعسل والبهار ذات مذاق طيب ، وكان أقل الناس شأنا يقدم له التمر المجلوب من دنقلا ، وكانت القهوة تقدم للجميع مرات عديدة حتى ان مائة فنجان كانت تشرب في بضع ساعات ويستمر ذلك اليوم كله وعندما كان جمل يذبح ، كان الكبد النيئ يقدم لمجموعة مختارة محدودة من الضيوف ، وذلك هو الاستثناء الوحيد ، وقد تعلمت تقدير أكل الكبد النيئ وامتيازه هنا، وأعترف بأنه من بين كل مباهج هذه الاقاليم فإن كبد الابل يظل في ذاكرتي كأفضل ماعرفت من أطايب العيش هناك )) .. ((وبعد ان قدمت صحاف الحلو، وفخذ عجل مشوي وكبد إبل محمص ورقاق بالعسل ثم القهوة في فناجين وصحون ...)) ويستمر ناختيقال في الحديث عن موائد سراة القوم (( .. وبينما كنت حتى الآن قد استمتعت في هذا البيت بالاطعمة البسيطة فقط التى كانت معهودة في البلاد ، فإن مائدته الان قد زودت بالفجل والبلح وفخذ الضأن والارانب المشوية والارز إضافة الى العصيدة المعهودة واللحم المطبوخ )) وفي الخضروات التى تمتاز بها دارفور خاصة يقول (( وسرعان ما امتلأ معسكرنا الصغير بالفجل والليمون واستهلكها المسافرون بكميات مذهلة ، إذ هي معدومة تماما في بقية انحاء السودان ، وكان الفجل كبيرا بشكل غير عادي والجزء النباتي منه كبير النمو ولكنه لم يكن حامضا وقد طاب لي مذاقه للغاية ، إذا لم استمتع بأكله منذ رحيلي من ساحل المتوسط)).
    إن الوصف الدقيق والأخاذ الذى وصفه ناختيقال لزينة خيول القادة والوزراء وحصان الملك يوم العرضة ليدل على ثراء وملك عظيمين .. ((كان الأمين يمتطي صهوة جواد أسود جميل ، واقتيد خلفه جواد ابيض مسرح ،وكانت عدة الجواد أقوى تأثيرا من الزينة العسكرية واللبس الذى يرتديه راكبه ، وقد تركز البذخ أساسا على رأس وعنق وصدر الجواد فغطت جبهته كلها بزينة مفضفضه أو مطلية بمعدن أو نحاس ، وقد تدلت الزينة حتى انفه وكونت بين العينين زاوية منفرجة بارزة ، وقد ربطت زينه فضية الى لوحة الوجه هذه ، وقد صفت من قطع صغيرة مشغولة بمختلف الاشكال ومرتبة في صفوف على المخمل او القماش ، وتحتل هذه الزينة جزءا كبيرا بعرض الرقبة ، وتحتها ، وقريبا من الحلق ،وعقد بحزام محلى بالفضة ،وفي الجزء الخلفي تتميز هذه الحلية بأجزاء بارزه كثيرة مقرونة الى السرج وطقم الجواد الى الحزام العريض المطرز في ثراء يشد السرج على الجواد ،والاخر تدلى منسرحا حتى قارب ساقي الجواد ،وكلا الحزامين عريض ومطرز بكثافة بالذهب والفضة وعناقيد حريرية وشرابات وأجراس صغيرة متنوعة )) .. ((كان الملك على صهوة جواد أسود يرتدي قميصاً رفيعا من الزرد فوق كسوته الحريرية ، وقطع مستطيلة مموهة بالذهب على ذراعه وفوق عمامته البيضاء ولثامه الذى يغطى وجهه ورأسه وخوذه بشكل راس السكر المخروطي مزينة بالعنبر والصدف في مواقع عدة من خلف ومن قدام ، وكان سيفه ذا مقبض من ذهب باديا فوق يسراه تحت غطاء السرج المطهم بالمخمل المموه بالذهب وتعتمد رجله دائما فوق هذا السيف ، وكان جواد الملك محمل بالزينة على النحو الذى شرحنا من قبل ، ولكن بوفرة منها حتى ان الرأس والصدر والعنق هي مايمكن أن يرى من هذا الحيوان النبيل )) .
    ناختيقال لم ينس أن يذكر عادات الفور عند الاقتتال وهي أشبة بأخلاق فرسان ونبلاء القرون الوسطى ،ويقول (( ويبدو أن العادة جرت في فروسية ذلك الزمان أن تتبع نظام تحد خاص ، ولذا خرج رسول من سليمان الى تنسام يغني الرسالة التالية اليه وتصاحب غناءه حركات راقصة محدودة ومناسبة : سليمان ولد كورو يرسلني اليك ، ويقول انه سيتحرك غدا صباحا ، واجابه تنسام بنفس الاسلوب ، اذهب اليه وأنبئه بأنه في الصباح سيلقى تنسام )).
    ولكن قبل أن يختم هذه المقتطفات لابد أن أذكر ايضا أن ناختيقال رصد وينة للرجال وملابسهم واهتمام اهل دارفور بالملابس بصورة ملحوظة فقد ذكر (( يفوق الصرف على الملابس في دارفور مثيله في وداى ، فالجلابة هنا يلبسون ملابس من القطن الابيض أو الازرق الفاتح المستورد من أوروبا وهو أنظف من إخوامهم في الغرب ويلبسون فوق قمصانهم من باب الزينة شالاً يرمى فوق الكتفين أو يلف حول الرأس أما الاهالي فيفضلون الحرير لقمصانهم والجوارب من كل الالوان وهم ايضا يتلفعون بالشال أو مايلقونه فوق كتف واحد كالجلابة )) ، ((.. وكان الملك يلبس ثوبا أزرق بسيطا ونعلين من المخمل الموشى بالفضة )) .. (( .. زكما أسلفت فإن الناس في دارفور بشكل عام ينفقون بإسراف على الملابس اكثر من اهل وداى فالملابس المستوردة من برنو أقصى الغرب والذى مازال الناس في وداي يعطونها تقديرا وإعزازا ليست ذات قيمة في دارفور ، فهم يلبسون الاقمشة الاوروبية والاقمشة القطنية الرفيعة الصنع والحرير والحرير المخلوط وحتى المخمل )) ... (( وأساليب قصها وحياكتها مختلفة جدا ، فهناك الثوب الخميس أو أذن الكلب نسبة لفتحة الكم المقطوعة على شكل مثلث والذى يسقط من الكتف الى الكوع ، وهناك خشم القربة .. ودرب الدود ... إلخ)) (( ويلبس كبار القوم من العلماء القفطان بالإضافة الى الثوب وهو مفتوح من قدام ، ويغطى الرأس بطاقية صغيرة ملونة ،وهي جيده الصنع وغنية في ألوانها ، وأما الاحذية فهي غالبا من صنع مصلاي ، وتلبس بنات الطبقة العليا ونساؤها سراويل من الحرير أو الكنفوس المصنوع من أقمشة أوروبية ، ويطلق عليها (نمرة سبعة ) أو من الحرير )) .
    ولعل من المظاهر اللافتة التى رصدها ناختيقال بإعجاب ، وهي مظاهر النظافة الواضحة وهو مظهر حضاري واسلامي متجذر في عامة بيوت وأهل دارفور ، فقد ذكر كيف كان التجار يأخذون زينتهم مع بضائعهم قبل الدخول الى الفاشر ((...كان العبيد يلبسون حلل جديدة وشعرهم قد تسرح بالطريقة المفضلة في دارفور في ضفائر تجتمع على الجانبين وفي مؤخرة الرأس فتكون عقدة ، وقد مسح بالتربة الحمراء والدهن والقرنفل والمحلب وحمل كل اثنين على جمل )) وأما عن النظافة العامة في البيوت فقد قال (( تتميز بيوت الفور من الداخل عن بيوت القبائل المجاورة لهم بنظافتها العظيمة ، فالغرف والحوش وملابس الرجال والنساء تظهر تقديرا كبيرا للنظافة والاناقة أكبر مما وجدته بين أقوام وداي وباقرمي وبرنو. وهناك عادة في كل أنحاء دارفور وهي تنظيف الملابس صباح الخميس في وقت مبكر جدا وبعد أن يتظف البيت ترتدى النساء والفتيات أجمل ملابسهن ويزين شعورهن بعناية فائقة .. ))
    وهكذا فإن ناختيقال ، إضافة لما سبق ، لم يفته وصف زي النساء وزي الرجال وملابس الحرب وصناعة النسيج وأدوات التجميل والصناعات المتعلقة بدواب الركوب وزينتها فرسم لوحة غنية زاخرة بالألوان مليئة بالدهشة ، يجد القارئ فيها متعة عظيمة .
    وبعد :
    فإن هذه الترجمة كانت هاجسا لدى الاستاذ النور عثمان أبكر لأكثر من عشرين عاما بدأ بترجمتها من لغتها الالمانية مباشرة بمناسبة مائة عام على تلك الرحلة ، ولكن أقعدته عن ذلك ظروف النشر وصنوف من التثبيط والمعيقات حتى تيسرت أخيرا فصارت أول ترجمة سودانية باللغة العربية لهذا السفر العظيم من أصله الالماني مباشرة . وميزة هذا النص أن مترجمه على علم بدقائق موضوع الترجمة وأقدر على الأحاطة بها خاصة بمنطقة مثل دارفور من الصعب الحفاظ على كتابة الاسماء والاماكن والاعلام إذ أن أكثرها بحروف يصعب ضبطها من لغة الى اخرى با أحيانا لاتوجد حروف تقابلها في طريقة النطق كما أن الاصطلاحات والألقاب والتى اكثرها في لغة الفور تقتضي الاقتراب من هذه اللغة بأساليب شتى حرصا على سلامة الترجمة ودقتها لذا فقد جاءت هذه الترجمة عملا فريدا وفي سلسة و سهلة وسليمة ألى حد بعيد .
    وللمهتمين بالشأن السوداني مؤرخين ومثقفين وساسة ولرجال التربية والتعليم بخاصة فإن هذا كتاب جدير بأن يدرس ضمن مادة التاريخ في عموم مدارس السودان ، هذا اذا أردنا أن نربي جيلا يعرف تاريخة ويعتز به وينهض بوطنه .

    عالم عباس محمد نور
    جدة / يونيـــــــــو 2001






    الحواشي
    1 ممالك السودان – أو فاهي وسبولدنق ص 9-11
    2 أو فاهي / سبولدنق ممالك السودان
    3 خليل عساكر ومصطفى مسعد تصدير كتاب تشحيذ الاذهان للتونسي
    4 ممالك السودان _ أوفاهي _اسبولدنج ،
    5 خليل عساكر ومصطفى مسعد تصدير كتاب تشحيذ الاذهان للتونسي
    6 ممالك السودان _ أوفاهي _ اسبولدنج ، ص 108
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 08:43 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)



                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 08:37 AM

Zoal Wahid

تاريخ التسجيل: 06-10-2002
مجموع المشاركات: 5355

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)



    شكرا بدرالدين الامير على النقل

    لقد اهتممت كثيرا بحديثك عن الاستاذ
    الشاعر النور عثمان ابكر
    الذي اعتبره من اكبر قامات الشعر
    في السودان
    التحية له وللشاعر الكبير عالم عباس
    لمجهودهما.

    متابع معك فارجو ان لا تشغلك الشواغل
    عنك نقل هذا الكتاب .

    تحياتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 09:29 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: Zoal Wahid)

    كل الشكر يازول يا واحد على التشجيع
    وارجو مخلصا ان اوفق فى نقل الكتاب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 04:00 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    إهداء من المترجم:
    إلى ماغريت عثمان
    وحنة دريج
    وابراهيم اسحق ابراهيم
    والعالم المرحوم الطيب محمد نور
    والمرحوم سنين رزق ( مغنى السلطان على دينار)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 04:15 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الـفصـل الأول
    رحلــة الى دارفـــور
    11 يناير الى 8 مارس 1874




    وداع الملك علي-
    الطريق المؤدي من وداي الى دارفور –
    قرى مرة ، اويلمبو ومستعمرات الباقرمي-
    الانهار والوديان – رفاق السفر
    بير طويل على الحدود بين وداي ودارفور-
    جبال المساليت –
    علاقات السوق وأسلوب حياة الناس في القافلة
    في معسكر القافلة –
    رسول السلطان علي ، سلطان وداي ، الى سلطان دارفور-
    الاحتفال بعيد الاضحى –
    الحياة النباتية في منطقة الحدود بين وداي ودارفور
    - وداي اسونقا – خطر المساليت كقطاع طرق –
    - وداي كلكول – حدود دارفور .
    قبائل الجيرقا واللاتونو و القمر – حياة القبائل المختلفة في غرب دارفور –
    منطقة الشرتاي حنفي في دار فٌــي – عرب الترجم – الفوارة والعرب الرحل .
    إشاعات عن انتصار الزبير –
    الانهار التى تكون بحر السلامات – مواطن إقامة القمر والمراريت – شيخ
    النوايبة –
    منطقة جبل مرة – وادي نهر كبكابيه – أعلى نقطة في سلسلة كاورا –
    صنيعة المهاجرين .
    وداع الكوع – حجر كوبيه- وادي كوبيه ومدينة كوبيه – السوق في كوبيه –
    مشاكل المياه- نشوء مدينة الجلابة – ملابس الجلابة والفور – وصول الى
    الفاشر –
    قلق الحاج أحمد على مصير ناختيقال –
    ترحيب السلطان والإذن باستقبال ناختيقال .



    كنت أؤمل الوصول الى دارفور في ربيع 1873 ، ولكنني لم أتمكن من مغادرة وداي الا في بداية يناير 1874 . وفي الحادي عشر من يناير ودعت الملك علي ، الذى كنت في حمايته الكريمة ، وقد اظهر لي مرة اخرى طيب نيته ومودته حين بعث الى بشتى المؤن ولوازم السفر . فوصلني منه جواد لآخذه هدية الى الملك ابراهيم ، ملك دارفور ، كما اهداني فرسا (كاديرا) صغيرا وخمسة مواعين مصنوعة من جلد الزراف مليئة بالعسل ، وخمس شبيكات مضفورة من سعف الدوم مملوءة بالتمر ، وأكد لي استعداده لتزويدي بالجمال اللازمة لسفري . وقد وزعت العسل على أصدقائي ، اذ لم يكن لي مايكفي من الوقت الحاضر من سبل المواصلات لآخذه معي . واحتفظت لنفسي بزكيبة واحدة من التمر ، ووزعت بقيته على الاصدقاء وقد طمأنني الخبراء بعد ان اختبروا الكاديرا بانه قادر على حملي الى دارفور ، فلم اشتر حمارا . ومع ان حمير الشيل رخيصة في وداي ، فإن حمير الركوب المجلوبة من مصر كانت تعتبر غالية بالمعايير المحلية ؛ فالريفاني – حمار الريف – اذا كان في حالة جيدة يكلف من 20 الى 30 دولار ماريا تريزا على اقل تقدير . ولم تكن امكاناتي تسمح بذلك .
    ولحمير الركوب في وداي قيمة عالية ، وتندر تلك التى ترى عادة في كردفان وفي كل انحاء مصر إذ يزيد سعرها عن سعر جواد جيد . والحمار الجيد أسرع من جواد أو جمل وداي ، الا اذا كان الجمل من حمال الركوب التى يربيها الطوارق والتيدا والبديات ، وفوق ذلك كله جمال البشاريين . ولقد رأيت حمارا عجوزا جدا كان قد انقذ صاحبه ، وهو من التجار النيليين ، ومن قسوة الملك محمد شريف في اخريات ايام ذلك الملك ، وهرب الجلابي من العاصمة أبشي وفي صباح اليوم الثالث كان قد وصل الى طينة في دارفور . وبذا يكون قد قطع في ذلك الوقت قرابة اربعين ميلا ألمانيا .
    تواجه القوافل الكبيرة مشاكل كثيرة عند رحيلها في تلك البلاد ، وتمر ايام بل أسابيع بعد التاريخ المحدد والمتفق عليه لرحيلها قبل أن تبدأ الرحلة فعلاً . فيحدث مثل ان تتعطل لأن رجلا لم يكمل جمع زاده ، او لأن الملك لم يصدر في يوم آخر إذنا برحيلها او ان هدية الملك لاحد المسافرين المعتبرين لم تصل . وكل هذه التأخيرات تجعل المسافر العجول قلقا متوترا .
    وأخيرا وفي 17 يناير كان المفترض أن تبدأ الرحلة . وكان رفيقي الامين في كثير من الدروس ، أمير الداجو الشاب القادم من سولا ، يريد ان يصحبني حتى حدود وداي. لكنه أتاني عشية مغادرتنا محزونا ، واعترف لي بأن زوجته وقد خشيت ان يفارقها ليسافر معي الى العالم العريض قد أفرغت المنزل من كل مابه ، واخفت محتوياته عند اصدقاء واقارباء ، وبذا لم يكن بمقدوره ان يرحل . ولو لم يكن صديقي الحاج احمد تنقا تنقا الذى كان ينوي الحج مرة اخرى وزيارة أقربائه في دنقلا يخشى ان يعوق الرحلة التى جهز واستعد لها منذ زمن بعيد اي عائق ، لما استطعنا ان نرحل يوم رحلنا . وبنشاطه المعهود ، وعلى الرغم من كل الاعباء التى كانت على عاتقه كرئيس للتجار الاحرار في وداي ، فإن الرجل الصغير – اذ ان تنقاتنقا تعنى الصغير الرشيق – قد ساهم بهمته في الاسراع برحيلنا واستطعنا بذلك ان نرحل في اليوم المحدد عند الثانية بعد الظهر .
    وعادة مايضيع الكثير من الوقت في اول يوم لمثل هذه الرحلة ، وليس غريباً ان يكون المعسكر بعد ساعات قلائل قريبا من نقطة البداية ، وبذا يتم استرجاع أو جلب شي كان قد نسي . وكان الحاج احمد تنقاتنقا قد بعث جماله الكثيرة ورجاله امامه وبقي مع الملك أياما قليلة ، لكنه وعد بأن يلحق بنا عند الحدود. وقد خرج معنا شمس الدين مبعوث الملك ابراهيم ملك دارفور وتجار آخرون كلهم تقريبا من كردفان والخرطوم ودنقلا واكثرهم عرفني جيدا أثناء إقامتي في أبشي .
    وكما قد ذكر في موضع آخر ، فإن اثنين من الطرق الثلاثة من وداي الى دارفور يمكن فقط للحجاج ومن يعرفون البلاد جيدا ان يسلكوها ، ويمر احدهما عبر دار تاما بانعطافة الى الشمال الشرقي ، والآخر الى الجنوب الشرقي عبر سولا ، أما الثالث وهو الطريق الذى تطرقه القوافل عادة ، فيؤدي باتجاه شرقي مباشرة الى دارفور .
    ومنذ البداية قسمت القافلة الى قسمين : فمن كان معهم رقيق لم يكن وضعه القانوني سليما كان عليهم ان يقوموا بتحويلة في الطريق وذلك عن طريق يقل استعماله حتى يبلغهم الحدود . وبما ان الملك علي جلب بعد حربه مع باقرمي عددا من اسرى الحرب يتراوح عددهم بين 12 و 15 ألف كما ذكرت من قبل ، بعضهم احرار وبعضهم رقيق ، كان هناك العديد من الباقرمي الذين كان وضعهم كعبيد غير واضح ، وربما كانوا ليثبتون مولدهم كأحرار ، ومع ذلك كانوا يباعون كرقيق وبأسعار اقل ، نسبة للشك في موضعهم القانوني ، ويسمون ( حامي ) او ساخن . ومن يريد شراء عبد يسأل ان كان حاميا او باردا .
    ومن كانوا معنا في القافلة ومعهم بضائع بشرية حامية كانوا مضطرين الى محاولة بلوغ الحدود بطرق مستترة .
    بعد ساعات قليلة عسكرنا في وادي قورميللي ، وهو منخفض لمياه الامطار تدل كثرة الآبار فيه على كثرة المياه في موسم الخريف ، لكنها الآن كانت جافة كلها .
    وفي اليوم التالي تحركنا جنوبا عبر جبال كلينقن ، وهي سلسلة القمم المنتظمة المتفرقة في سلسلة تمتد غربا بشكل عام ، وأعلى قمة منها في الطرف الغربي من السلسلة . وفي المساء وبعد أن عبرنا وادي شوك ووادي أودي وصلنا قرية مرة في وادي نهر يحمل نفس الاسم ، يسميه الاهالى في وداي منجوبوك ، وهو احد أهم مصادر نهر البطيحا ، وقاع مجراه رمل نظيف وحصى خال من النباتات .
    وتقيم بقرية مرة مستعمرة من الباقرمي ، اقامهم بها الملك علي ، وهناك قرابة مائة كوخ . وكانت هذه القرية وقرية اويلمبو على الضفة الاخرى من نهر المره وهي ايضا مستعمرة للباقرمي بها قرابة الاربعمائة كوخ تتميز بالنظافة وحسن بناء ومعمار وأكواخها ، ويبدو عليها قدر من الرخاء . وكما ذكرت من قبل فإن الملك علي شغوف جدا بهؤلاء الباقرمي المقيمين هنا والذين يتفوقون على شعبه في الزراعة والحرف اليدوية والمهارات الفنية .
    وكانت المنطقة التى نجتازها ذات تربة رملية و صخرية وبها أشجار أكاسيا قزمة واشحجار هجليج وتشبه منطقة شبة السافانا . ولم تكن هناك نباتات غزيرة النمو الا على ضفاف الغدران .
    وفي اليوم التالي ، 19 يناير ، خرجنا من المنجوبوك وعبرنا قرية اويلومبو وقطعنا باتجاه شرقي وادي نهر اويلمبو ، وهو جزء من المنجوبوك ، ثم بعد ذلك بوقت قليل قطعنا وادي نهر يويي الذي يصب ايضا في المنجوبوك ، وعلى ضفافه قرى الاسكانيت . وعسكرنا عصرا في مجرى وادي كودوني ، ويسميه اهل وداي وادي لوبودي ، وهو احد مصادر البطيحا . وكانت الارض وماعليها كتلك التى عبرناها في اليوم السابق وبها اشجار ميموزا قصيرة في تربة خفيفة ممتزجة بالدبال وتخترقها طبقات من الصخور وبعض القمم الصخرية المرتفعة بانحدار ، ويزرع بها القطن والدخن . والى الشمال منا رأينا مجموعة من التلال على الطريق ، وهي تابعة لتاما . وعلى الضفة الشمالية الغربية للوبودي قريتا ماتابونو ، وعلى الضفة الجنوبية الشرقية قرية ثالثة هي ليين .
    وفي اليوم التالي لم نشرع في الرحيل حتى التاسعة والنصف صباحا وذلك ارضاء لشمس الدين ، رفيق الرحلة ، والذى كان بمثابة شيخ القافلة . وكان الحاج احمد تنقاتنقا لايزال مع الملك الذى لم يطق فراق مستشاره المخلص الا بعد ان محصت كل الامور الى نهاياتها المحتملة .
    لايمكن للمرء ام يتصور رجلين بمثل شمس الدين والحاج احمد تنقاتنقا فالاول يبلغ الستة اقدام طولا ، وهو عريض ومتين ، وليس غريبا وجود عملاق كهذا بين الجلابة ، ويبدو وكأنه ينوء تحت ثقل جسمه الثقيل الذى يحاول تحريكه . وقد أوى الى خيمته مبكرا في المساء . وفي الصباح لم نستطيع ايقاظه لنبدأ المسير. اما الحاج احمد فهو اقل من متوسط الطول ، نحيل وناعم البنية ، ملئ بالحياة ويدفق بالحيوية والنشاط . ولايمكنه ان ان يحتمل الذهاب الى النوم قبل منتصف الليل . وكان بعد ان نتناول عشاءنا يقص علينا القصص على نار المعسكر عن احداث من تجاربه الثرية المتنوعة ، وقبل طلوع الفجر يكون متأهبا للانطلاق في السير .
    في يوم 20 يناير حافظنا ايضا على اتجاه شرق جنوب شرق وتركنا قرية ليين التى كانت امامنا الى الجنوب وقرية اخرى صغيرة في طريقنا لاتتعدى اكواخها الثلاثين ، وبلغنا عند الظهيرة قريو كبيرة هي عد القرع ، وبها قرابة المائة والخمسين كوخا . وكنا قد رأينا في البعيد ، امامنا الى الشمال الشرقي مجموعة من التلال هي من تاما ، والى شرق شمال شرق على مسيرة يوم جبل تورين ، لكن طريقنا اخذ في الارتفاع التدريجي والمستمر مثلما كان الحال بدرجة أقل في الايام السابقة . وكانت الارض تتناوبها الصخور والرمال ، ولم يكن ثمة تغيير في نوعية الاشجار ، فهي في الاساس السدر والطلح والجخجخ والهلجليج . وبعد بعض القرى وصلنا اخيرا عصرا تويمات ، وبها قرابة الثمانين كوخا . بعد ذلك تركنا مستخيدا الى الجنوب وعسكرنا قبيل الغروب بالقرب من قرية فضيلة في ةادي نهر صغير ينمو فيه شجر السواك (( الاراك )) ويسميه اهل المنطقة وادي رمليه ويسميه المسافرون وادي كنو ، وكذلك القرية التى على ضفته الشرقية .
    في 21 يناير وبعد مسيرة اربع ساعات مررنا خلالها بقرية ركانه الكبيرة التى تتميز بآبارها وحرازها البديع وبها حوالي مائتي كوخ ، وصلنا باتجاه شرقي الى بير طويل المشهورة ، وهي عاصمة الاقليم الحدودي الشرقي ومقر الحاكم عقيد دار الصباح . وهي تتألف في واقع الامر من قريتين ، القرية الاصلية واخرى اسمها العقيد ، ويعيش هو واهله بها . وكانت المجموعة الجبلية التى كنا بها قد رأيناها الى الشمال الشرقي الى الشمال منا الآن وجبل تورين الذى كان اقرب الى الشمال الغربي منا . وكانت سلسلو من القممم بعضها على مسيرة يومين وضمن اقليم المساليت ، تحتل كل المنطقة الى الجنوب الغربي والجنوب . وكان طريقنا كما في الايام السابقة يرتفع تدريجيا ، لكننا الآن هبطنا الى وادي دلال وهو بعرض مائة خطوة ، وضفتاه منخفضتان ، وله قاع رملي عميق .
    ولكونها القرية الرئيسية على الحدود فان المجموعة كلها كان عليها ان تجتمع هنا وان يقوم عقيد الصباح ورجاله بعملية ارشادها عبر صحراء غير مأهولة حتى أول قرية في دارفور. وقد وجدنا بعض الجلابة الذين كانوا قد تقدمونا معسكرين في وادي احد الانهار . وقد استظلوا لا بالاكواخ فحسب بل بالرواكيب ايضا على عاده هؤلاء الرحالة المجربين . وعسكر معا ناس الحاج احمد وشمس الدين وبعض الجلابة وشخصي مع بعض اولئك الحجاج المعوزين التكارين القادمين من اقصى الغرب ، وتاجر من طرابلس كان متوجها الى دارفور للتخلص من بعض البضائع الباذخة التى لم يتمكن من بيعها في وداي ، واحد المغامرين من مصر يجوب العالم الاسلامي احيانا كحاج واحيانا كدرويش وكراوية للحكايات .
    واقمنا حول معسكرنا زريبة من الشوك وهو وافر هنا من شجر الاكاسيا . وكان علينا ان ننتظر قدوم الحاج احمد . وكان الذين تجب ضيافة ملك وداي لهم سيسلمون إبلهم هناك .
    كان علينا ان نتزود بمؤن للانسان والحيوان على السواء للجزء الواقع امامنا من الرحلة . وكان عيد الاضحى بعد عشرة أيام ، ولذا كانت ايه فرصة للتحرك قبل ذلك الوقت غير واردة منذ البداية.
    بير طويل من المراكز التجارية القليلة في وداي . وهناك اربعة منها ، باستثناء العاصمة أبشي ، ونمرو ، بلدة الجلابة المحلين . لكن السوق التى تعقد هناك في يوم الجمعة خيبت أملي للغاية اذ كانت خالية من اي شي يستحق ان يشترى ، ماعدا الدخن .
    وكما في أبشي فان البيع والشراء من عمل النساء ، ولم نحظ من ثمة الا بقدر اقل من القليل من الاتصال بالعنصر الرجالي من السكان . وكن يبعن الدخن ودقيق الدخن والكسرة وهي جافة يفضلها المسافرون اذ لايحتاج المرء الا لبلها بالماء ليكون له طعام جاهز . وكام هناك عدد قليل من الفراخ معروضا للبيع ، ولم يكن من الممكن العثور على الماعز او الضأن . حتى اللبن كان نادرا على الرغم من ان بعض فروع عرب المحاميد كانوا بالقرب من هذا المكان في مراعيهم الشتوية .
    كان النسوة يبعن مالديهن مقابل قطع من القماش القطني (( شكة )) وي تقليدية في بير طويل ، ومخاطة بشكل فضفاض وعرضها 40 و 50 سنتيمترا . اما القطع الاكثر عرضا وقوة التحمل تكية دبدوبا التى وصفها من قبل والتى تستعمل أبشي ونمرو فهي غير موجودة هنا في بير طويل . وتستخدم انواع كثيره من الخرز في التعامل منها السكسك الابيض المسمى (( سني)) في أبشي وخمسة ارطال منه تبادل بمقطع ترومبا واحد أو قطعة من قماش القطن . وهناك السكسك الاحمر الصغير ويسمى ايضا مرجان تودو ، وثلاثة أرطال منه تساوي في أبشي مقطع ترومبا ، والخضور الذى يستعمل في وداي زينة رأس النساء ، ونوع اخضر من الخرز الزجاجي يسمى شقيق ويستعمل لنفس الغرض . وهناك الخرز المفصص بالابيض والاسود وهو من الصيني ، والخرز التقليد (( مرجان كاذب )) . وهناك ايضا القرنفل والضفر ، ويستخدمان للتبادل ولكن الكميات المتداولة منهما قليلة جدا . ولكي نجمع مؤونة تكفينا اياما ، قضينا يوماً بأكمله ، واستخدمنا كل اساليب الاقناع والحيل .
    وسكان بير طويل من اهل وداي من اقليم سنقور والبرنو الذين اتى بهم من بلادهم كأسرى حرب محمد شريف ، والد الملك الحالي لوداي ، وفرض عليهم الاقامة هنا بعد حملته على برنو . وكان لوجود عقيد الصباح الدائم هنا مع مئات من جنوده الفرسان الذين يشكلون حرس الحدود في هذه المقاطعة ، ومرور القواقل المستمر للتجار النيليين الاكثر رحابه افق قد كان من نتائجه ان استهلاك المريسة في بير طويل لا يضارعه استهلاك لها في اي مكان اخر في البلاد ، وان استثنينا العاصمة . وتعرض رغم تحريمها للبيع في السوق دون تحفظ في برام كبيرة .
    وبعد ايام قلائل وصل من كانوا قد سلكوا طريقا آخر باتجاه الجنوب بسبب عدم قانونية هوية من معهم من رقيق ، وظهر بعد ثلاثة ايام الحاج احمد . وكنا في اشد ايام الشتاء بردا . وكانت الريح تهب باصرار من الشرق او شرق الشمال شرق ، وكان مقياس الحرارة يسجل في الصباح ست او سبع درجات مئوية ، وفي الليل كنا لانستطيع ان ننعم بأي دفء لكي نستمتع بنوم قليل وان كانت ساعات منتصف النهار دافئة بشكل محبب .
    وكنا نأكل الوجبة الرئيسية في الثامنة مساء كما جرت العادة في تلك الاصقاع في جمع كبير خارج زريبتنا . وكان معارفنا من المعسكرات الاخرى ينضمون الينا . وهنا كان الطعام في معظمه العصيدة والتى توجد في طرابلس كما في خط الاستواء . وتصنع في بلاد الزنج من الدخن اوالذرة . وبعد العشاء كنا نشرب القهوة والتى وقع عبء صنعها على خدمي . اذ ماكنت اساهم في طبخ الاكل لانني لااملك جارية .
    وويندر ان تعرض القهوة للبيع في برنو اذ ان اهل البلاد يفضلون القورو ، والذى يجلب من بلاد الزنج ، وله اثر منشط كالبن . اما في وداي فان القورو وان كان يستورد ايضا فان ترحيله صعب لحساسيته حتى البحر الاحمر البن الحبشي الى الاسواق ، بينما يستورد المجابرة و تجار واحة جالو ، جنوب بنغازي ، وعندما يقل المتوفر من البن العربي من اليمن وجنوب الجزيرة العربية . وسعر البن اليمني اعلى بنسبة الثلث من سعر البن الحبشي . وعندما يقل المتوفر من البن يبلغ سعر الرطل منه دولارا . ولكن عندما يكون وفيرا فإن الدولار يشري رطلين أو ثلاثة ارطال . وكان التجار من طرابلس حينما اعادوا الاتصال مع وداي عام 1873 قد احضروا كميات كبيرة من البن المستورد من اوروبا ، البن الافرنجي ، ولكنه لايقارن بالحبشي ولم يتم بيعه الا بصعوبة .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2007, 05:02 PM

حماد الطاهر عبدالله
<aحماد الطاهر عبدالله
تاريخ التسجيل: 29-06-2006
مجموع المشاركات: 2159

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الأخ/ بدر الدين

    سلام من الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته، نشكر لكم مجهودكم والشكر

    موصولا إلى شاعرنا المخضرم/ عالم عباس ومن قبله للمترجم النور.

    وكم سرني أن أجد مثل هذا السفر، إذ كنت ولا زلت أبحث عن مثله

    فلم أجد إلا كتابا ومن محاسن الصدف ان كاتبه أيضا من شرق السودان

    وهو أستاذنا الجليل ضرار صالح ضرار، فهل يا ترى جل كتاب تاريخ دارفور

    من شرق السودان؟؟

    كم كنت أتوق أن أجد أحد كتاب تاريخ دارفور من أبناء دارفور، كما لا زلت

    أتوق أن يمسك ملف دارفور في مفاوضات السلام أحد ابناء دارفور!!!! كحق أصيل

    وليس مكتسبا بفوهة البندقية. ما علاقة هذا بهذا؟ معذرة فالهم كبير.

    فالكتاب له قيمة كبيرة عندي وودت لو حزته بطريقة أسهل من Copy & Paste

    مثلا ملف PDF أو أي وسيلة أخرى، فما رايكم؟

    ولكم منا ألف تحية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-12-2007, 06:45 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: حماد الطاهر عبدالله)

    الأخ العزيز حمادالطاهر
    لك التقدير وشكرا لحسن كلماتك
    وتحياتك للاستاذين عالم عباس والنور عثمان
    اكيد قد وصلت واستاذ النور من المتابعين للمنبر
    بخصوص ارسال مادة الكتاب فانا ياسيدى اطبعها هنا
    مباشرة من الكتاب وايضا يهمنا هنا ان نسمع رأيك
    فيما اورده الرحالة ( جوستاف ناختقال) وانت احد
    ابناء الدار
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-12-2007, 07:20 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل الاول

    ومن عادة الحاج احمد ان يسافر في ظروف مريحة جدا مصطحبا معه قرابة الثلاثين الى الاربعين جارية وامرأة وزوجاته وخدمه . وكان يعزمنا لتناول الشاي كل ثلاثة او اربعة ايام ، وهو خبير بالشاي .
    وشاربو الشاي هناك يأنفون من شرب الشاي الاسود ولايتناولون الا الشاي الاخضر ، ويعدونه قويا ومركزا بالسكر . واكن الحاج احمد هو الوحيد بيننا الذى يتوفر عنده ولغيره هذا البذخ . وكثيرا ماكان السمر والاستمتاع بالشاي او القهوة معه يمتد الى ةقت متأخر من الليل حول نار كبيرة يقوم عليها بعض العبيد . وكان الحكواتي المصري يسامرنا بالقصص الخرافية من (( ألف ليلة و ليلة )) او روايات عن امجاد الخلافة في بغداد أو يسرد علينا فتح شمال أفريقيا في ايام الاسلام الاولى .
    في 30 يناير وصل آخر اعضاء القافلة البارزين وهو الفقية مختار ، والذي يحمل الصدقة المخصصة لوالد حاكم وداي المتوفي ، بسفارة من الملك ابراهيم . ولصعوبة نقل ذلك العدد الهائل من الحيوانات ، تم ذبح الماشية أضحية من قبل الملك علي في أبشي ، وكان الفقية يحمل معه قطيعا من مائة من النوق لنفس الغرض .
    وكان عيد الاضحى في يوم 30 يناير . فخرج الاكابر في القافلة وهم الحاج احمد وشمس الدين والخبير عبدالمجيد والفقية مختار ، الى القرية في ملابسهم البهيجة وطواقيهم المكية الرائعة لأداء صلاة العيد مع ممثل الملك ، وهو حاكم الاقليم الحدودي . وتجتمع كل أعضاء القافلة الاخرين في الفضاء الكبير الواقع بين المعسكرين في قاع النهر الرملي ، وقام احد علماء إماما ،واقيمت الصلاة في جلال وحرارة تقوى تتسم بها المناسبات الدينية عند المسلمين . وتبع ذلك تبادل التهاني والامنيات الطيبة والتى شاركت فيها مثل غيري مهنئا مستقبلا للتهاني .
    وكان علي ان اؤدي الضرائب المعتادة للحاكم في اليوم التالي ، وحدد اليوم الثالث ، الثاني من فبراير ، ميعادا لاستئناف رحلتنا ، ولكن هذه المره ايضا لم يتم التقيد بالميعاد . فعندما ركب الحاج احمد وشمس الدين الى عقيد الصعيد وهو الحاكم وكان عبدا ، وجداه وقومه ومعظم السكان مخمورين ، فتخليا عن فكرة التفاوض معهم في ترتيبات الرحلة وكما قصا فان السكر قد امتد حتى اللا الطيور الداجنة في القرية ، وعطل رحيلنا لسبب آخر . فقد وصل رسول من ملك وداي بأمر من الملك للحاج احمد بان ينتظر يوما آخر حتى وصول رسول ثان ، والذى جاء في اليوم التالي بنبأ موت عقيد البحر ، وهو احد الاعيان الكبار المخلصين في خدمة الملك .
    كانت اجراءات استقبال رسول الملك وفقا للعادة الجارية ، فقد استقبله الحاج احمد وهو جالس على بساط ، وقبل ان يحيي الرسول الجمع اعلن سلامه لمولاه .سيدنا بعافية . وعند سماع ذلك هب الشيخ احمد وكل من له سجاد وقوفا على عجل . ولايجوز في حضرة الملك الجلوس على حصير او سجاد ولايجوز استقبال مبعوث الملك جلوسا بل يجب ان يستقبل والكل على التراب . وقبل الاستماع الى الرسالة قرأ الجمع الفاتحة كدعوة لرخاء وخير مليكهم المهاب .
    في 3 فبراير استطعنا اخيرا ان نبدأ رحلتنا باتجاه الشرق . وصعدنا بالتدريج الى ضفة النهر الصخرية التى كانت مليئة بالاشجار ، وهي في جملتها شجيرات لانواع مختلفة من الميموزا تتخللها بعض اشجار الجميز الظليلة والعرديب السامقة .
    بدأنا السير في الثامنة صباحا ووصلنا قبيل الظهيرة قرية كلميدي وبها 80 كوخا . وصارت الاشجار اقل والمنطقة اقل صخورا . وبعد نصف ساعة وصلنا الى آخر قرى وداي وهي ترلاندا ، وبها مائة كوخ وهى على الضفة الشمالية لوادي نهر عرضه 20 – 25 مترا يجري من شرق جنوب شرق الى غرب شمال غرب ليصب في نهر بير طويل ، وضفتاه كثيرتا اشجار الجميز عاليتان ، صخريتان ، صخورهما من الجرانيت الخشن ، وقاعة ملئ برمل نقي ونظيف .
    في صباح اليوم التالي انطلقنا من المعسكر مبكرا عن ذي قبل اذ كانت امامنا صحراء غير مأهولة تفصل بين دارفور ووداي ، وكثيرا ماتكون خطرة بسبب المساليت المستقلين بامرهم . وكنا نصعد بحدة ، ورأينا الافق كله امامنا والى الجنوب تحده تلال مخروطية غير عالية الارتفاع . والطريق الوحيد المؤدي الى دارفور يخترق هذه السلسلة كلها . وكان سيرنا بطيئاً بسبب الارض الصخرية واضطرارنا لعبور بعض الانهار الصغيرة التى تشق الارض عميقا وتجري الى مصادر البطيحا التى مررنا بها قبل يوم .
    وعندما وصلنا سلسلة التلال التى تسمى ترجة وداي ، او الحدود ، ورأينا الطريق الذى تحف به من يمين وشمال مرتفعات صخرية . وقد جعلت صخور الجرانيت الضخمة في هذه المنطقة سيرنا شاقا اثناء النصف الثاني من الصباح ، وبدا لنا اننا بلغنا نهاية ترجه عند الحادية عشرة صباحا ، ومع ارتفاعها قليلا الى الشرق كانت المنطقة قد أصبحت اكثر انبساطا واقل صخورا . وكانت الطرقات منطمسة ومحجوبة باعشاب صحراوية عالية وبعض الاكاسيا التعيسة وبعض الشجيرات النامية بالقرب منها كاللبان وما شابه ذلك . وعند منتصف النهار انبسطت الارض مرة اخرى ، ومررنا في الثانية بعد الظهر بنهر طمطماية الصغير الذى يجري من الشمال الى الجنوب الى وادي اسونقا وبقاعة آبار كثيرة يبلغ عرضه عشرين خطوة . هنا اصبحت المنطقة اكثر انفتاحا وقلت الآبار . وكنا نرى الى الشمال تلال صغيرة هي التي ينحدر النهر الصغير من منبعه بها . عبرنا تلا منفردا يقع الى الجنوب ونزلنا الى الجنوب الشرقي عبر منطقة بها مرتفعات ووهاد الى وادي اسونقا وعسكرنا عصرا في قاعه . وهنا تغيرت طبيعة المنطقة اذ كانت النباتات غزيرة ولها ألوان نقية طازجة هى الوان الاشجار العالية باوراقها الغزيرة ومن بينها الصباح والحراز والتمر الهندي – العرديب – والدليب ، والذى تقع حدوده الشمالية القصوى الى الجنوب من هنا ، وكان وفيرا هنا . حتى العشب في الوادي كان اخضرا طريا وغزيرا . وينبع نهر اسونقا في شرق جبال تاما ويجرى بأتجاه جنوبي وكان في النقطة التى عسكرنا بها بعرض مائة خطوة .
    ويقوم الاهالي بإخراج حبوب ثمر الدليب وهو لايزال تحت الارض ويأكلونه على الفور . والثمرة بطول 15 الى 30 سنتمتر وتشوى ولها طعم مر ، ولكنه لطيف ، وتشبه بعض النباتات العرقية الموجودة في الجنوب ذات الصلة بالبطاطس .
    وفي الصباح انضم الينا عقيد الصباح ومعه مابين 150 الى 200 رجل ممتطين صهوات جيادهم ، غرضهم مرافقتنا حتى نصل أول ديار مأهولة في دافور . وكان مظهر الخيل والرجال افضل من مظهر كثير من القادة العسكريين في وداي رغما عن ان الخيول كلها من فصيلة خيل وداي التى وصفناها من قبل ، وهي ضئيلة حجم وغير جميلة ولكنها ذات روح عالية وقدرة على الاحتمال كبيرة .
    وهنا في وادي اسونقا كان المكان الكبير الذى فيه التهديد الاكبر بالخطر في هذه البرية . فالقوافل التى تقضى الليل هنا كثيرا ماتتعرض لهجمات المساليت ، وهي قبيلة تعيش كما سنذكر فيما بعد بين حدود البلدين ، وكان احد مبعوثي الملك علي قد قتل هو و اصحابه على يدهم قبل عام .
    ومع ذلك قضينا الليل دون ازعاج من قطاع الطرق الذين يبثون الفزع هنالك ، واستأنفنا السفر باكرا جدا في صباح يوم 4 فبراير ، صاعدين سهل وادي اسونقا الكثيف بالاشجار متجهين شرقا . وسرعان ما أصبحت المنطقة اكثر انفتاحا وانبساطا . والى الشمال ، والشمال الشرقي ظهرت بين قمم الاشجار الواطئة بعض المجموعات التلالية غير الهامة ، وكانت المنطقة تشقها خيران مياه عديدة . وعند منتصف النهار بلغنا سهل وادي كلكول الضيق الذى يجرى من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي ، ويتجه نحو وادي اسونقا ، ويعتبر هنا الفاصل الحقيقي لحدود دارفور . وكانت التلال التى الى الشمال تعترض طريقنا وتسده ، ولذا اضطررنا الى السير الى الشمال الشرقي اكثر في مجرى وادي كلكول الذى يشق طريقه وسط مسيل واد ضيق شديد الانحدار في التلال . وبعد تلك باتت الارض منبسطة اكثر . وكان الافق الشرقي كله تحدده سلسلة طويلة من التلال وتشكل قممها خطا مستقيما .
    ومع انحرافات كثيرة ظل طريقنا باتجاه الشمال الشرقي معظم الوقت ، ثم الى الشرق في النهاية . وكنا قد وصلنا عند الظهير القمة التى تعرف بترجي دارفور وعبرنا عند وهدة في الترجي قريبا من طرفها الشمالي وفي صفحتها الشرقية كانت التلة تنحدر انحدارا شديدا الى مايشبه الحوض ، كونته سلاسل جبيلية اخرى تجري من الشمال الغربي والشمال الشرقي والشمال ، والتى ترتفع بانحدار شديد من الوادي . وفي هذا الحوض الذى كان على مبعدة ربع ساعة منا الى الشمال الشرقي قرية لطيفة وقطيع كبير من الماشية ترعي في المنطقة التلالية التى يشقها مجرى نهر تحفه اشجار الحراز الضخمة ، وبه آبار القرية الصغيرة .
    تركنا القرية الى الشمال وعبرنا قاع الوادي وصعدنا جبلا الى الجنوب الشرقي وهبطنا الى وادي نهر عريض يجري من الشمال الى الجنوب ، وعسكرنا عند بئر عمقها بين متر ونصف ومترين . وكانت بلا ماء تقريبا .
    ويمتد الواديان على مقربة من هنا ويصيران مايعرف باسم وادي بير دقيق ، ونبع هناك كان علينا ان نمر به في اليوم التالي . وتحت سفح تل اجرد لاقيمة له حيث منبع النهر كانت تقوم القرية التوأم لتلك التى ذكرنا ، ومثلها تسمى جرولني . وبعد وصولنا مباشرة ظهرت نساء القرية حاملات الدقيق والكسرة والدرابة والكول ، وهن من قبيلة الجرقا ، تميل سمرتهن الى الحمرة والسواد . وكان تصفيف شعرهن مثل شعر نساء وداي ، وكلنه كان مزينا بثراء اكثر بخرز الكهرمان والصيني الابيض والمرجان المقلد وخواتم الفضة والاهلة ، ومن تنويعات تسريحاتهن الملحوظة ضفائر بطول خمسة الى عشرة سنتمترات ترتفع فوق تاج الرأس وتتفتح في القمة كالزهرة .
    وفي اليوم التالي وصلنا بعد مسير اربع ساعات الى آخر ثلاثة وديان لانهار غير ذات بال في الجنوب الشرقي ، وكانت ضفافها مغطاه بأشجار كثيفة من النبق والحراز والمخيت والتى تتوافر من الشمال الى الجنوب الى وادي بير دقيق . وتدل حقول القطن والذرة الكثيرة وقطعان الماشية على قرب القرى حتى حين لم تكن ظاهرة للعين . وزاد عدد التلال الصغيرة وسلاسلها الجرداء في كل اتجاه ،وذلك مايفسر كون قاع نهر بير دقيق واسعا بعرض 300 خطوة بالرغم من قصر مجراه . وضفتاه تزينهما اشجار الحراز الضخمة والعرديب . وكان بالقرب منا على الجانب الشرقي للنهر تل على سفحة قرية سيرتيمو ،والقرية الثانية قرية بير دقيق على مبعدة الى الجنوب منا . وسكان القريتين من قبيلة اللاتونو ويمتزجون بالقمر ، ويبدو ان الجرق كاللاتونو فرع من القمر ، والذين بدورهم لهم قرابة باهل تاما . وحدود تاما على مسيرة يوم ونصف من بير دقيق . والمنطقة الواقعة على الضفة الشرقية لوادي بير دقيق تعرف ايضا بدار شالى . هنا ايضا كانت تسريحة النساء مثلما وصفنا من قبل . واوجههن مستديرة وهن قصيرات او متوسطات الطول ، ولونهن في الغالب رمادي ومائل الى الحمرة ويندر ان يكون اسود . ويختلف مظهرهن تماما عن مظهر نساء وداي ، الاصيلات الرشيقات السود ذوات الأوجة البيضاوية .
    وفي العصر جاءنا ملك سيرتيمو ، وهو يلبس سروالا طويلا من قماش القطن المخطط بالاحمر ، وطاقية ، ويركب حمارا . والكل يركب الحمار في دارفور بينما ينظر الى ركوب الحمار باحتقار في وداي . وقد جاء لتحية الحاج احمد وشمي الدين ، وكلاهما يتمتع بالاحترام والتقدير في دارفور .
    وهنا كانت حدود اقليم الشرتاي حنفي ، مدير دار في احدى المقاطعات الغربية في دارفور. وباتباع مجرى وادي بير دقيق الى الجنوب مررنا ببعض القرى والنهيرات الضيقة التى تجري غربا الى الوادي الرئيسي . وبعد ست ساعات بلغنا بعض قرى المساليت ، وهي مثل كل المراكز المأهولة تتكونمن عدد من القرى الصغيرة . وعند الظهيرة نزلنا مره اخرى في وادي بير دقيق وعسكرنا الى الشمال من قرية ام صباحا . وكانت بالقرب منها قريو وصفت بانها مقر رياسة الاوروندلونق (( حارس الباب )) وتعنى الكلمة هنا حارس الحدود في شرياتة حنفي .
    واغلب سكان القرية من الفور الاصلين . وفي الجنوب الغربي على مسافة ليست بعيدة منطقة بري التى يسكنها عرب الترجم والذين استقروا للزراعة ورعاية الماشية بعد ان كانوا بدوا وينعمون برخاء كبير .
    قضينا بضع ساعات في ام صباحا لنجدد المؤن للرحلة ولننتظر وصول قطعان من الابل التى يريد ملك وداي ارسالها الى جاره الملكي ، وكانت قد تخلفت عنا . وانتقل السوق كله دفعة واحده من مكانه الى معسكرنا والذى امتلأ بنساء الفور والترجم . وكانت الاخيرات جاذبات للنظر بسبب زينة رؤوسهن واعناقهن . فشعر الواحدة منهن يلف الرأس في ضفائر صغيرة كما عند نساء وداي وفي الوسط ضفيرة او ضفيرتان اكبر حجما تحيط بها على الجانبين عقود من الخرز ، كما ان انواعا مختلفة من الخرز كانت معلقة بأطراف الضفائر وكذلك تتدلى من العنق . وعقود الخرز مصنوعة من سكسك اصطناعي من الشقيق ، وهو خرز اخضر زجاجي ومن القوادم وهو كهرمان ، والسوميت والزيتون . وعلى جانبي قمة الرأس خاتما من الفضة كبيران ، وفي كل منهما فجوة ملئت بقطع من المرجان صغيرة ، وفي مؤخرة الرأس ستة او سبعة خواتم . وعاده ماتكون الانف مثقوبة في فتحتيها او في واحده منهما ، وبها خواتم فضية ذات حجم كبير متممة بقطع من المرجان او الكهرمان ، وقطعة من شعر الخيل او الخيط الرفيع نظمت بها الخرزات . واخيرا يزين العنق بعقد من الخرز الكبير دقيق النظم ، وبعضه بحجم بيضة الحمامة ولمعظم النساء قوام رشيق وملامح حلوة في الغالب وسحنة محببة للنفس ، ولونها رمادي ضارب للحمرة .
    ونساء الفور قصيرات ، ولونهن رمادي مشوب بالسواد . وهن بالغالب قبيحات وليس لهن تعبير خصوصي يتمتعن به ، وزينتهن اكثر بساطة . فهن يلبسن السكسك والمرجان الاصطناعي والكهرمان الصغير في الرأس ويزين الثقب الايمن فقط من الانف بزمام صغير ، وفي مايندربقطعة من المرجان .
    المواد الرئيسية في السوق هي الدخن والدرابة واللبن والمريسة والتى يتم تبادلها بفصوص من القرنفل ممزوج بالضفر او بقطع صغيره من خشب الصندل والفلفل الحار – الشطة – والسكسك الصغير وهو المطلوب اكثر من غيره من الاشياء . ويأتي رجال السوق بالفراريج وبحبال مفتولة من لحى الاشجار المختلفة او من الجلد ويبادلونه بالورق او السكاكين او أسنة الرماح . وكان في السوق ايضا عرب بإبلهم وهم رحل من فرع المحاميد الذين اقاموا للمرعى في المنطقة المجاورة ، ونساؤهم كن يلبسن الجلد فقط دون اي زينة . وبالمقارنة الى نساء الترجم بثيابهن النظيفة وزينتهن يظهر الفرق الكبير بين حياة البدو ورخاء الاستقرار .
    واتى اثناء السوق شاب من عرب الرزيقات من جنوب شرق دارفور وهو يحمل نبأ إغاره الزبير والبحارنة على الرزيقات في شاكا وهزيمته الفاجعة لهم ، ولم ينج منهم الا اربعة من زعماء الرزيقات . وكان الفتى قد رفع شكوى الى الملك ابراهيم في الفاشر وخرج الوزير احمد شطة مع بعض المسلحين من الفاشر لصد جيش الزبير . وكنا قد سمعنا بهذه الواقعة من قبل ، وماكان لدى هذا الشاب مايضيفه لنا من جديد . وكان الكل ينتظر وصول أخبار جديدة . وكان شعر الفتى المحلوق بعناية ومقسما جيدا يمثل تعارضا حادا مع لبسه الذى كان عبارة عن قميص مهترئ . ولكن بالرغم من فقر مظهره اشترى مهرة من الحاج احمد مقابل عبد صغير من الجانقي (( الدينكا )) اطرش وجارية صغيرة .
    بعد مسير اربع ساعات باتجاه شرق جنوب شرق في اليوم التالي وصلنا الى النقطة التى يلتقي فيها وادي كاجا او ابو سنط بواد فرعي هو ام زفة وينبع من الهضاب الجنوبية لجبل مول ويجري من الشمال غرب الى الجنوب شرق ويصب في وادي كاجا في منطقة برئ . وعرض ام زفة 100 خطوة بينما الوادي الرئيسي وادي كاجا بنصف هذا العرض ولكنه اكثر أهمية لان بمجراه سلسلة من البرك الدائمة . وعلى العكس من كل الوديان الاخرى التى مررنا بها فإن ضفتيه بارتفاع اربعة الى سبعة امتار، وفي ذلك دليل على مدى القوة التى يندفع بها الماء في فصل الامطار .واتجاهه العام هنا من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي ولكنه ينحني فيما بعد الى جنوب جنوب غرب حتى يلتقي بوادي اسونقا في منطقة المساليت .
    وهو يجمع مياه الاجزاء من جبل مرة البعيد الى الشمال وروافد كثيره من المناطق الجبلية في اقليم الزغاوة . ومنبعه من المناطق الاكثر ارتفاعا هو الذى يفسر قوة تياره والذى يغدو عظيم الشدة احيانا .
    وفي زمن الامطار لايتعطل المسافر اكثر من يومين او ثلاثة ايام اذا كان يريد قطعوادي اسونقا او وادي بير دقيق وروافده ، ولكنه ان اراد عبور وادي كاجا او ابوسنط فكثيرا مايقضى الشهر باكمله حتى يسير له عبوره .
    قضينا يوما للراحة ولكي نستبدل النوق التى كانت تحمل امتعتنا مع العرب الذين كانوا يرعون بالقرب منا . وقد زارنا عدد غير مألوف من هؤلاء العرب اذ ان فرعا من المحاميد كان يعسكر في المنطقة ، وكانوا قد هجروا ديارهم في العرضة علي مبعدة 100 ميل شمال أبشي ، وهربا من ابتزاز الشيخ حجر . وقد مضوا من العرضة الى الشرق والتقوا في اليوم الثاني في شمال تاما مع فرع من قبيلتهم في دارفور ومن هناك شنوا هجوما علي بديات شكيلة قبل ان يلحقوا بعشيرتهم الى دارفور .
    ومن وادي كاجا سرنا مره اخرى شرقا . وبعد يوم طويل من السير في سهل متعرج وقليل الاشجار وصلنا منطقة بلاقا عبرنا نهر بير خديجة وقرية خديجة وبلغنا اخيرا عبر قرية للترجم هي قرية تميل الى دار مرة . وتقع القرية بالقرب من مجرى نهر يماثل النهرين اللذين عبرناهما في العصر ، وكل منهما بعرض عشرين خطوة . ولكن الآبار كانت شحيحة الماء فاضطررنا الى التزود بماء للشرب والحيوان من وادي باري وهو على مبعدة ساعه الى الجنوب من دار مره ، ويجري من الشرق الى الغرب الى جبل ام دخن وقرية سلام الواقعة علة سفحه . ووادي باري واحد من اهم الانهار التى تجمع مياه سلسلة جبل مرة ، ومنبعه في السفوح الجنوبية للجزء الشمالي من الجبل ، ويجري غربا حتى المكان الذى قابلناه فيه ، ثم الى جنوب جنوب غرب ليلتقى بوادي أزوم ، النهر الرئيسي لجبل مرة ، بعد مايقرب الاثني عشر ميلا
    ويجري الاثنان من ثمه الى الجنوب الغربي ، وعلى حدود منطقة الداجو ، سولا ، ينضمان الى وادي كاجا ، ووادي اسونقا اللذين يتحدان ايضا ليصبحا وادي كيا ، ويجري كل ذلك الماء باسم بحر سولا كما سبق ان شرحنا ، وبحر مانجاري وبحر السلامات وام التيمان وبحر الطينة . واخيرا تختفي كل هذه الانهار في جنوب رب وداي في بحيرة إيرو في الاغلب . وبشكل اقل يبدو انها تبلغ الشاري في شكل نهر إيرو .
    وبعد ساعت قليلة من السير شرقا وصلنا في اليوم التالي الى وادي طينة وكان علينا ان نتوقع البقاء هناك بضعة ايام لا لانه مقر حاكم مديرية في ، احدى المناطق الادارية المنفصلة في الغرب والتى ليس لحكامها سيد مشترك على المديرية كلها ولكن لاننا مازلنا بانتظار وصول قطيع ابل الملك علي .
    ومنبع وادي طينة على مبعدة يوم من جبل سليا ، وعلى مبعدة ساعات قلائل الى الغرب بالقرب من جبل ام دخن الذلا لمسناه في اليوم السابق يقترن بوادي باري الاكبر منه ، وعلى الرغم من طوله المتواضع فان ارض قاعة عريضة ، 300 خطوة في المتوسط ، ومليئة بالرمل الخشن ،ويجري في المكان الذى عسكرنا فيه من الشرق الى الغرب . ويلتقى به مجرى نهر اقل اهمية في هذه النقطة ، يجري من الشمال ،وعلى جانبه قرية الشرتاي حنفي .
    وشمال وادي هذا النهر تقع منطقة بها القرى للبرنو تسمى البويرة ، والى الشمال ايضا من هناك من منطقة اخرى هي فاجا التى يسكنها العرب البقارة من قبيلة الحوطية ، ويجاورهم الى الشمال منطقة القمر الاصلية ، وهي بقية من مملكة القمر السابقة .
    ويعيش المراريت جنوب دار قمر الى الشرق من وادي سنط ، ويقابلهم على الجانب الآخر من النهر الاورو ، ويقع في الشمال من منطقتهم مجموعة جبل مول .
    وللمراريت سلطانهم ، كما للاورو ، واللقب سلطان في دارفور يقترن بملكية النحاس (( الطبل )) وكل القبائل والمناطق التى ذكرنا هي في اقليم دار في ، وبذا فهي تحت الشرتاي حنفي باستثناء القمر الذين يقعون تحت ادارة المادي شمال الفي ويطيعون الشرتاي محمد ترنديه ( اذن المرفعين ) .
    ويقع تحت الشرتاي حنفي بالاضافة الى الفور الاصليين ومن يعيشون في الشرق من اراضيه ، بعض المساليت الذين ليس لزعمائهم حق امتلاك طبل النحاس ، وبعض الترجم وعرب التعالبه وهم رعاه ابقار ، والجيرقا ، وقد مررنا بهم ، والشاله وهم مثل المراريت والجور الى الشمال من شالى .
    والقرية الكبرى في إقليم مادي الشمالي المجاور هي بارجويز الواقعة على مسيرة يومين من شمال غرب طينة . ولم يكن من المستغرب ان نبقى في وادي طينة لعدة أيام ، إذ أن الحاج احمد تنقاتنقا كان قد عاش بها عده سنوات . وكان قد تقدم من دنقلا على النيل حيث هاجرت أسرته من هناك قبل عدة اجيال .وتلقى تعليمه في الازهر الكبير في القاهرة ،ثم قدم في شبابه وتمت تربيته في بلاط الملك حسين في كردفان وكون لنفسه اسرة هناك . وفي رحلاته للتجارة ، إذ أن اهل دنقلا كلهم رحالة و تجار ، قدم الى وداي في عهد الملك محمد شريف . ولم يكن على علاقة طيبة بذلك الملك الطاغية الباطش ، ولكن علاقته بابنه وولى عهده والذى هو الملك الحالي كانت وثيقة . وعندما اعتلى علي العرش استدعى صديقه تنقاتنقا اليه على الفور الى وداي وعرض عليه الاقامة هناك . وعلى الرغم من ان الحاج احمد كان له بيت واسرع في الابيض كان قد استقر في دارفور في طينة حيث كان يقوم منها بالتجارة بين دارفور ووداي في البضائع القادمة من مصر ، اذ ان طينة على الطريق الوحيد الكبير الذى يربط بين عاصمتي البلدين وتمر بها يوميا تقريبا قوافل صغيرة وكبيرة ورحالة فرادى ، وعلى الحاج احمد ان يقوم بضيافتهم خاصة وكلهم من الجلابة . ولذا افلس الحاج احمد بعد سنوات من القيام بواجب ضيافة الجلابة . وجتى لو كان المرء مثل صديقي هذا مدبرا من الطراز الاول فان العادة ضاغطة وقوية لدرجة لايستطيع معها الافلات من قضاء هذه الالتزامات . وقد اكد لي الحاج احمد انه في يوم واحد احيانا كان يضطر لاعداد اكثر من خمسين او ستين صحنا من الطبيخ لضيوفه ، ولم يجد مفرا ذات يوم بعد ان باع آخر عبد له ان يقفل بيته ، ولذا فقد استقبل باحتفاء دعوة الملك علي له الى وداي ولكن بسبب وطبيعة اهل وداي العدوانية لم يقرر الاقامة بشكل مستديم في أبشي رغما عن رغبة صديقة الملك الا بعد سنوات ، ولم يحضر عائلته الى هنالك الا قبل عامين .
    وكان الحاج احمد ليس فقط معروفا في طينة ومحبوبا لصفاته الشخصية ، بل كان ايضا يحظى باحترامك وتقدير كبيرين باعتباره صديقا لملك دارفور والذى كان قد تربى معه ، وخاصو كمستشار مقدم عند ملك وداي .
    ونسبة لهذه الظروف والتى عرفتها فيما بعد في العاصمة الفاشر ، فان الحاج احمد قد قدم لي خدمة عظيمة . فبينما كان الشرتاي حنفي في البلاط الملكي لفترة وجيزة كان يقوم بتصريف الامور في منطقته احد ابنائه . وبحسه للمسئولية في مسألة الكراهية العامة تجاه المسيحيين والاتراك ، فان هذا الابن قد حاول ان يمنعني من مواصلة السفر ، او على الاقل حتى تصله تعليمات من العاصمة . وبعد وصولنا الى طينة ارسل في عجلة رسولا على فرس الى والده بخبر وصول شخص مشبوة ، وهو ليس متأكدا ان كان تركيا او مسيحيا ، وقد دخل البلاد من الغرب ويمكن اعتباره جاسوسا في الظروف التى كانت فيها العلاقات مع مصر في حالة من التدهور المستمر . وقد عقد الشرتاي حنفي على الفور مجلسا مع بعض الاعيان للتشاور في هذه المسألة الخطيرة ، وقد مضوا جميعا الى الملك ابراهيم وطلبوا منه ان يوفد عددا منهم الى طينة بامر لابعادي . ولحسن الحظ انني كنت اعسكر مع قافلتنا في امان تام في مجرى نهر طينة ولم اكن ادرى شيئا عن العاصفة التى كانت تهدد رأسي ، رفض الملك ان يستمع الى طلبهم ، ولم يرفض الحتج احمد ان يأتي بي او يسلمني للشرتاي بالوكالة فحسب ، بل اخبره انه اذا لم يرغب في الحضور الى معسكرنا في زيارة ، فانه لن يتمكن حتى من رؤيتي ، اذ انني امانه في يده وضعها ملك وداي وبتعليمات لتسليمي للملك ابراهيم فقط . وفوق ذلك كله ناقض حق الشرتاي في اخذ الضرائب مني نسبة لانني ضيف الملك وماكنت اقوم بأي تجارة .
    وهنا في طينة بلغتنا آخر اخبار حديثة وموثوق بها عن هزيمة قوات درافور التى قامت بالهجوم على قوات الزبير . وكانت هزيمتها قد سبقها نصر حاسم لقوات الفور علي النور ، احد قادة الزبير . ثم كما اسلفت سقط في اليوم التالي الوزير احمد شطة والامين عبدالباري ، وراج نبأ عن ان الملك ابراهيم نفسه سيقود الجيش في المعركة .
    ولمنطقة طينة سمعة طيبة بانها صحية وتناسب سكنى الانسان والحيوان عيشا طيبا . وقد ظهر ذلك بشكل واضح على الماعز والضأن ، وكانت اعداد كبيرة منه تجلب للسوق ولم أر ماهو أكثر منها سمنة وشحما في اي مكان آخر . وكانت وسيلة تبادلنا هنا لشراء الذرة والماشيى للذبيح الكهرمان والذى يشتريه العرب اساسا . وفي اي مكان في السودان يتعامل فيه بهذا الخرز ، فان المفضل منه هو ذو اللون البني ، وفي التجارة يسمى الليمونيات .
    ولم تكن الاقامة الطويلة التى اضطررنا لها تمضي في ملل او دون مايشوق في قافلة الجلابة . فهم كلهم اناس قد سافروا كثيرا ولهم تجارب غنية ، ولذا لايعدمون ابدا موضوعا للحديث والسمر كما ان عادة العيش معا قوية لدرجة ان الواحد لايستطيع منها فكاكا الا لسويعات قليلة في اليوم . فابرز رجالات القافلة يأكلون معا دائما ، وهناك مجال واسع للسمر والقطيعة . ولذا كنا كثيرا مانظل مجتمعين الى منتصف الليل .
    واخيرا وصلت إبل الملك وختمت المفاوضات مع الشرتاي القائم بالانابة حول هدايا ، وكانت بعض الرقيق . وفي 22 فبراير استطعنا ان نستأنف رحلتنا .
    والمسافة من طينة الى منطقة كبكابية تستغرق سير ثلاثة ايام ، ويسكن المنطقة في معظمها من الجلابة ،ومستوى ارتفاع الارض من الحدود وحتى طينة لايتغير كثيرا ولكنه يبدأ في الارتفاع تدريجيا وبشكل حاد . وكانت في الافق الشمالي الشرقي تلال مخروطية ، والافق الجنوبي الشرقي تغطيه سلسلة منتظمة وعالية و على مبعدة سير ايام . وقد عبرنا عددا كبيرا من مجاري الانهار اهمها وادي حمبول وقد عبرناه بعد ست ساعات من مغادرتنا طينة ، وغدا عنصر الفور بين السكان في القرى واضحا ، وكلها قرى حسنة المظهر ، وتتميز بكثرة الماعز والماشية .
    وباستثناء وجود انواع مختلفة من الاكاسيا وان كانت غير كثيفة كالنبق والطمطم (( الطندب )) والهلجيج ، فان المرتفعات بين اودية الانهار اتخذت طبيعة شبة الصحراء بينما الاودية نفسها كانت تنمو بها اشجار الحراز والعرديب الكبيرة واشجار تشبة التين .
    وفي الخامسة مساء ظهرت لنا سلسلة من التلال المنخفضة ،وكانت قممها متوجة بعواميد من الحجر الابيض . ومن قممها رأينا الى الشرق سهلا مفتوحا مرتفعا ، وعددا من القمم المنفردة الى الشمال ، والى الجنوب سلسلة الجبال الاكثر اهمية التى سبق ذكرها . وبينهما وبيننا يمتد الوادي العريض ، وادي باري ، والذى يلتقى هنا بوادي برقو . وبعد ان عبرناه شققنا طريقنا وسط غابة كثيفة بها اشجار عالية ورائعة وذات اوراق كثيرة . ومن كل الانواع المذكورة سابقا وتغطي كل المنطقة الواقعة بين النهرين ، وعند المساء عسكرنا في مجرى وادي باري . وكان لجزء من الوادي ضفاف عالية اكثر من عرضة الذى يبلغ 200 خطوة ، مما يدل على اهميته . وفي الزاوية بين النهرين كان بعض العرب من النوايبة يرعون ابلهم ، وزارنا في المساء شيخ ( النحاس ) والذى له رتبة سلطان . وكان بصحبته شاب هو شيخ المحاميد في وداي . وهم اقرب الاقرباء للنوايبه . وتمت مناقشة مثيرة وشيقه بين شيخي العرب والحاج احمد عن مزايا البلدين بالنسبة للعرب البدو الرحل . ومع ان الحاج احمد استطاع ان يقنع الشيخ بان العرب في وداي لايدفعون عامة سوى ضرائب قليلة وبمقدورهم ان يجدوا في شمال البلاد فرصا افضل للتعبير عن حياة البداوة بشكل مربح ولطيف وذلك بالأغارة على البديات والدازا في بولاكو ، الا ان الشيخ النوايبي قد كسب المناقشة بتصوير سمعة ومجد العرب في دارفور وحياتهم الاجتماعية . فالعرب في دارفور كما قال يعاملون مثل بقية الناس ، بينما عليهم ان يقنعوا في وداي بمنزلة ادنى للقبائل الوطنية . وقد اكد هذه النظرة الشاب الذى قدم الى دارفور لاجئا ، واتى بشواهد من تجربته . ومادفعه الى الفرار من تلك البلاد الى دارفور . وقد ذكر كثيرا من تجازوات عبيد الملك وموظفيه ،وان شهد للملك على نفسه بالاستقامه . والذى دفعه اخيرا الى الهجرة هو ان زوجته وام اولاده قد اختطفت . وفي الواقع فإن شيخ النوايبه قد دلل بمظهره على رفعه مستوى حياه العرب في دارفور . فهم لايسمح لهم في وداي ان يدخلوا الى العاصمة الا حاسري الرأس ، ولابسي الصندل وفي ملابس بسيطه من الاقمشة الخشنة المصنوعة في البلاد . اما هنا في دارفور فقد كان هذا الشيخ يلبس جلبابا من الحرير وطاقيه ملونه وحذاء احمر من مصر . وقد رأيته وهو في بلاط دارفور يزينه شال من الكشمير غال ، وهو الزينة الرئيسية لسكان دارفور .
    وفي صباح اليوم التالي سرنا عبر وادي نهر كونغي والذى يطلق اسمه على المنطقة ، وقريتها الرئيسية ذات المائة قطية . وقد اتضحت لنا سلسلة الجبال التى كنا قد رأيناها الى الجنوب من طريقنا ، فاذا هي قمتان الفوجو جا والفوجو رملة . وصعدنا من وادي النهر الى غابة كثيفة من شجر الاكاسيا ، كانت انواعها المفردة بائسة النمو ، ويغلب فيها الطلح . وعبرنا مجاري انهار عديدة غير ذات بال تجري الى وادي باري . وبعد مسير اربع ساعات عسكرنا بالقرب من قرية مرشم في واد بنفس الاسم ، وهو يأتي من الجنوب ويتحول نحو وادي جلدامه ، اهم فروع وادي برقو .
    اجتزنا الجلدامه في صباح اليوم التالي محتفظين باتجاه شرقي مع انحراف طفيف الى الشمال ، ورأينا اثناء الفتره الصباحية الجزء الشمالي من جبل مره بوضوح تام ، ويسمى جبل كيراكيري ، وفي الشمال الشرقي تتفرع سلسلة هي كاورا من الكتلة الرئيسية للجبل ، بينما تقوم مجموعة جبلية هي جبل ارامبا ( جبل الارانب) الى شرق شمال شرق ، وعلى مسيرة ساعة امامنا الى الجنوب الشرقي تقع سلسلة صغيرة لجبل ابتو . واكنت هناك قمم اكثر ارتفاعا تبرز في البعيد الى الجنوب الشرقي من سلسله جبل مرة ، اهمها جبل سي وبارا سمبل ، وصارت الارض اقل استواء ، والنباتات اكثر فقرا . وظللنا قريبا من وادي جلدامة وكنا احيانا نلامسه ونعبر بعض مجاري الانهار التى تصب فيه ، فمررنا بعدد من القرى المختلفة وعسكرنا عند الظهيرة في مجرى نهر جلدامة . وهذه المنطقة مشهورة بكثرة الاسود فيها ، ولذا سيجنا معسكرنا بزريبة .
    سرنا بضع ساعات بين الصخور والحصى والاخاديد وتحت اشجار واطئة كثيرة الشوك تنمو متلاصقة وتتعلق بأي شي ،ووصلنا صباح اليوم التالي وادي كبكابية الآسر الجذاب . وهو نقطة البداية لوادي برقو. وكان متوسط عرضه 120 خطوة ويجري من الشرق الى الغرب . وبه ماء في عمق 30 الى 50 سنتمتر تحت قاعة الرملي كله . وهناك جزر طيبة من اشجار النخيل ، وتقوم تلال صغيرة من ضفافه ، وهي جراء صناعة الملح هناك . والملح رغم ضرورته للانسان نادر جدا في دارفور ، ويستخرج بمعالجة التربة الرملية بالماء الحار ، ومن المترسب منها تتراكم اكوام تشبة التلال .
    وتقع قرى الاقليم المكتظ بالسكان على ضفاف النهر ، ويسكنها الجلابة . وقد اتانا السكان في اليوم نفسه لتحية اصدقائهم ومعارفهم في القافلة ، ولتبادل الاخبار التى حملوها من مصر عن دارفور مع الاخبار التى حملناها من الغرب . وقد افلحوا برجاءاتهم في حملنا على ان نعسكر في كبكابيه ايضا في اليوم التالي.

    وتقع منطقة كبكابية على سفح جبل مرة ، ومنها يصعد الطريق بسرعة الى الشرق . والى الغرب فان الارض تنخفض بشكل حاد الى ماوراء طينة ، وهي 750 مترا ، وابشي 500 مترا وحتى بحيرة تشاد التى قد تكون 250 مترا فوق سطح الارض .
    سرنا متبعين مجرى وادي برقو الى الشرق تقريبا ، فرأينا كتلة جبل مرة وهي تتوزع الى قمم مفردة ومجموعات . فسلسلة كاورا تمتد على الشمال منا ، وطرفها الجنوبي يدل على جبل بشكل القبة غير المنتظمة هو حجر جردة . وكانت الارض مغطاة بشكل كثيف بكتل من الصخور والحجارو السوداء والمسامية في بعض الاحيان التى تعوق سير الانسان والحيوان ، وبسبب هذه الاحجار سمي الجبل جبل كيراكيري ، اذ ذاك هواسم هذا النوع من الحجر والصخر . وكانت بداية مجري وادي برقو الذى تغيرت ارض قاعه من الرمل الى الصخر تشق طريقها وتلتوي في صعوبة خلال التربة الصخرية وبين التلال ، ويسمى مجراه هنا في منطقة الجبل وادي النبق .

    ويتميز وادي برقو بمائه الذى يحتوي على النطرون ، ولذلك تقبل عليه العرب من أجل ابلهم .
    وفي اتجاه جنوبي اجتزنا وادي ( ابو كتف ) ، وسمي كذلك لان القمة الرئيسية لها على الجانبين قمتان مقترنتان بها مثل الكتفين ، وعبرنا عدة مرات وادي النبق كثير التعرجات وهو هنا يجري من شمال جبل النبق العريض والذى يشكل جزء من سلسلة كاورا . وبعد مسيرة ثماني ساعات اخرى وصلنا قمتي جبلين تعرفان باسم بوقيسا . ومع انهما لااهمية خاصة لهما ، فهما معروفتان بانهما اعلى نقطة في الجبل ، اي 1100 مترا فوق سطح البحر .
    واخذت النباتات التى كنا قد رأيناها في سيرنا في البلاد تقل كلما صارت الارض اكثر ارتفاعا وصخرا . وهناك ايضا كميات كبيرة من المخيت ونبات اليتوع وهنا كما في اقصى غرب دارفور تندر الحيوانات المتوحشة بشكل ملحوظ . ويبرز الفارق كبيرا بالمقارنة الى برنو حيث يجد المرء اعدادا هائلة من الغزلان في كل انحاء البلاد ، وحتى بالقرب من الاماكن المأهولة . ولايمكن مقارنة دارفور في هذا الصدد حتى بأقل اقليم في دارفور حظا بالحيوان . والحيوان الوحيد الذى يوجد بكثرة هنا هو الضبع . ولم تكن الصخور والتلال هنا لترتفع الى اكثر من 300 مترا فوق سطح السهل .
    عبرنا نفترق المياه بالقرب من جبال بوقيسا قرابة ساعة فعسكرنا عند بئر عمقها 22 مترا تعرف بصنيعة المهاجرين . واكملنا الهبوط الى السهل على الجانب الآخر باتجاه شرق جنوب شرق في اليوم التالي . وسرنا الى الجنوب عبر حجر جردة الذى يرتفع الى 200-250 مترا . وسرنا في مجرى وادي جردة الملئ بالحجارة . وعانينا كثيرا في شق طريقنا وسط الاخاديد والحصى والحجارة واشجار الميموزا واشواكها . واخيرا خرجنا الى وديان عريضة تشبة الاحواض . وبعد سير ثماني ساعات عسكرنا في قاع نهر وادي سانيكيري الرملي الذى يجرى مع وادي جردة الى الشرق ليصبا في وادي كوبيه .
    وكنا سنصل الى كوبيه في اليوم التالي ، وهي المركز الرئيسي لكل التجار الذين استقروا في دارفور ، واهم مدينة في البلاد بعد مدينة الفاشر . وكان على اهل قافلتنا ان يبحثوا عن الهدايا التلا يقدمونها الى اصدقائهم ورعاتهم ، فاخرجوا افضل حللهم وعم الجمع شعور ملئ بالتوقع لليوم التالي .
    بعد مسيرة ست ساعات الى الشرق مباشرة اقتربنا من كوبيه ، واخذ الطريق يهبط ويصبح اكثر انفتاحا ،وقلت الحجارة عليه ، واصبح بالتدريج رمليا وخاليا من الاشجار . وكان الى الجنوب من طريقنا وعلى مبعدة ساعة ونصف سيرا سلسلة تلال ملا التى رأيناها في الصباح الباكر ، وتمتد من الشرق الى الغرب ، وطولها ثلاث ساعات سيرا .
    وفي الضحى هبطنا الى سهل تقطعه مجاري انهار ضحلة ، يقع في الجزء الشرقي منه وادي ابو دنقو حيث كنا ننوي قضاء ساعات القيلولة ونستقبل كبار الجلابة من كوبيه . وكانت مجاري الانهارعامة ضحلة وعلايضة جدا وتخلو من اي حدود ، وتجرى في الغالب من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي نحو النهر الذى يجري بالقرب من كوبيه والفاشر ويسمى فيما بعد الكوع (( ابو كوع )) . وكانت الاشجار في هذه المنطقة الرملية تتألف من الهلجيج والنبق والطندب (( الطمطم )) ، ولاتظهر الميموزا والاكاسيا الا كشجيرات ضامرة. عسكرنا هنا لا لنستقبل المحيين من سكان كوبيه فحسب بل ايضا لان العادة الجارية تتطلب ان يكون دخول القرية في المساء . والجلابة يتقيدون بالعادات بحرص اكبر من العرب ، وكل واحد منهم يمثل خير تمثيل عائلة الجلابة كلها . كنا ، او بالاحرى كان رفقاء سفري مخدوعين في توقعاتهم ، اذ باستثناء اخ شمس الدين لم يظهر اي من كبار اهل كوبيه ، ولكنهم لم يخفقوا في تزويد وجبة الترحيب بنا . فقد ارسلوا قرابة مائة صحن من الطعام الممتاز على صحاف جميلة ومغطاة بالاطباق المضفورة الانيقة والتى يمتاز الفور بتجويد فنها ،والتى وجدت منها اعداد كبيره لاول مره هنا . وكانت كلها مصنوهة بذوق رفيع من انسجة سعف اشجار الدوم . واللون الاسود الذى صبغ به السعف من الفحم الارضي والاحمر من سيقان انواع معينه من الذرة . وهي مزوقة ومزينة بنماذج وانماط بسيطة وغاية في الجمال ، بالأضافة الى الخرز الازرق الصغير ، ويكلف مثل هذا الطبق في في مكان صنعه مابين اربعة الى خمسة دولارات ماريا تريزا . وتصنع بروش دارفور الشهيرة ايضا من نفس المواد ، وفي كوبيه بشكل رئيسي وفي الفاشر وفي منواشي ، وهي مستوطنة للبرنو على بعد سير ثلاثة ايام جنوب الفاشر .
    وسرعان ما امتلأ معسكرنا الصغير بالفجل والليمون واستهلكهما المسافرون بكميات مذهلة اذ هي معدومة تماما في بقية انحاء السودان ؛ وكان الفجل كبيرا بشكل غير عادي ، والجزء النباتي منه كبير النمو ، ولكنه لم يكن حامضا . وقد طاب لي مذاقه للغاية ، اذ لم استمتع بأكله منذ رحيلي من ساحل المتوسط .
    وفيما بعد اتتنا قلة من الناس وكثير من الاطفال . ولحظت مره اخرى في رضى الطبع المتواضع للاطفال والطريقة المهذبة التي يحيون بها الكبار . فهم يضعون ايديهم على ركبهم وينحنون امامهم ، ويقوم المحيي بوضع يده بلطف فوق كتف الطفل المحيي ويتمتم (( عافية )) ، وليس ذلك واجبا على الاطفال بل هو ايضا عادة الكبار في تحية من هم اكبر منهم شأنا . وحتى رفيقي الحاج احمد رغم كونه اكثر تميزا وقوة من اي منهم لم يشذ عن ذلك حين قابل الكبار من معارفه . والطريقة السائدة للتحية هي المصافحة باليد .
    سرنا مرة اخرى في المساء وهدفنا هو حجر كوبيه الذى يحد الافق الى الشمال الشرقي والشرق ، وعلى صفحته الغربيه وادي كوبيه ومدينة كوبيه . وتتميز المنطقة والقرى الملتصقة بكوبيه والمكان الرئيسي بكثرو اشجار الاكاسيا اللعوت ، والتى تملأ الجو برائحة غريبة ، ويستخدم خشبها في السواك .
    وعند هبوط الليل وصلنا وسط جبل كوبيه وعسكرنا بعد حين في زريبة جماعة شمس الدين . وقد اقام الشيخ احمد في المنزل الخارجي وخصني حاج كرار ، اخو شمس الدين ، والذى كام مسئولا عن اقامه الاجانب ، بمكان وضيع تحيط به القذارة . ولكن اذا اخذنا في الاعتبار انه كان هناك مايقرب من المائة شخص بحاجة الى ايواء فانني قد رضيت بالبيت الصغير دون ابداء عدم رضا او احتجاج . وقمت بتنظيفه في اليوم التالي وفق استطاعتي ، ونصبت خيمة في حوشه لخدامي .
    كان طعامنا ممتازا في نوعيته وكميته . وكان في هذا الصدد فان حسن ضيافة الجلابة يفوق ضيافة القبائل الاخرى التى استقرت هناك . ولم يكن يكفي ان يحمل المقيمين هناك طعام لهم ولخدامهم صباحا ومساء بل ان بيت شمس الدين كان بمثابة بيت ضيافة طيلة اليوم . وكان هو والحاج احمد يستقبلان الزوار هناك والزيارات لم تنقطع طيلة اليوم . بينما كان الحاج كرار يقوم بالاشراف على ان يجد كل من يجئ للزيارة ، صغيرا او كبيرا ، معروفا او منكرة ، طعاما او شرابا . وظلت الجواري والخادمات الكثر يعملن دونما انقطاع طيلة اليوم في تجهيز الاكل ، اذ كلما دخل اثنان او اكثر من الزوار الى مكان الاستقبال في الحوش كان يقدم اليهم صحن من العصيدة او الكسرة المعدة حديثا ومعها اللحم والملح . وكان هناك ايضا ضأ، مشوي ورقائق من القمح بالعسل والبهار ذات مذاق طيب . وكان اقل الناس شأنا يقدم له التمر المجلوب من دنقلا . وكانت القهوة تقدم للجميع مرات عديدة حتى ان مائة فنجان كانت تشرب في بضع ساعات . ويستمر ذلك اليوم كله . وعندما كان جمل يذبح ، كان الكبد النيء يقدم لمجموعة مختارة محدودة من الضيوف وذاك هو الاستثناء الوحيد . وقد تعلمت تقدير اكل الكبد النيء وامتيازه هنا ، واعترف بانه من بين كل مباهج هذه الاقاليم فان كبد الابل يظل في ذاكرتي كأفضل ماعرفت من اطايب العيش هناك . وقبل وقت وجبة المساء كانت قرابة خمسين صحنا (( قدحا )) توضع في الحوش ، وكان على الحاج كرار واحب الاشراف على توزيعها وفقا لعدد الضيفان .
    ويقام في كوبيه سوق صغير كل يوم حيث يمكن شراء حطب الوقود والذرة والفجل والحبال واغراض اخرى . وكان السوق الكبير يعقد مرتين في الاسبوع في يومي الاثنين والخميس ،وهو مزود بكل شي .
    والعملة الاساسية في التبادل هي (( المقطع ترومبا )) ، ولايستبدل الدولار ماريا تريزا الا بعد تخفيض ، والعملة الصغيرة (( الخردة )) هي مايعرف بالترك (( الطرقه )) ويساوي 17 منها (( مقطع ترومبا )) ، و 11 الى 21 منها تساوي دولار ماريا تريزا حسبما يكون سعر التبادل . والترك قطع من القماش المصبوغ بالازرق الفاتح او الاسود ، وهي متر ونصف طولا ومتر عرضا ، ومنسوجة نسجا متفرقا وغير سميك حتى لتبدو شفافة تماما ودون اي فائدة عملية . ولانها لا تدوم طويلا فهى لا تستخدم في صنع الملابس الا عند الطوارئ ، واستخدامها من ثمة التبادل في الاسواق الكبيرة و القرى القريبة منها . ونصفها يكون عند استخدامها في المبادلة بالدولار داكن الزرقة وقيمته اعلى ، والآخر فاتح الزرقة . اما التكية فتساوي هنا اربع الى خمس طرق .
    والغلال هنا اغلى منها في وداي ، ماعدا القمح وسوقه الرئيسي كبكابيه حيث يزرع بالقرب منها وحيث يستجلب من جبل مرة . اما الكهرمان الذى يحظى بقيمة عالية في غرب البلاد فهو غير ذي قيمة هنا ، و كذلك الورق . والخيل هنا اغلى ولا تشترى الا بالعبيد . فالجواد الجيد يشترى بعبيد بقيمة مائة مقطع ترومبا او 150 دولار . ودارفور مثلها مثل وداي ليست ارض خيل ، والنوع المحلي ( الفصيلة ) لا يمكن المحافظة عليها الا بالاستيراد المستمر من بلاد اخرى . وبالمقارنة الى علاقات الاسعار العادية فان الابل هنا رخيصة بشكل غريب ، اذ يكفي 10 الى 15 مقطع ترومبا او 15 -20 دولار لشراء جمل جيد ، بينما يكلف الجمل السمين القوي 20 الى 30 دولار . ولكن سعر حمار الركوب الجيد وفقا لنوعيته يكلف مابين 30 الى 60 مقطع ترومبا ،او 50 الى 90 دولار ، اذ ان تفضيل الفور والزغاوة لهذا النوع من المواصلات خلق اقبالا كبيرا على الحمير . وبالرغم من قربها من مصر فان الرطل من البارود يكلف في كوبيه اكثر منه في وداي ، اذ يتراوح سعره بين دولار ونصف ودولارين ، وبالمقارنة الى دولار واحد في أبشي .
    وفي تجارة الجملة يقل ريش النعام في دارفور عنه في وداي ، ولكنه اجود نوعا . فالريش المستجلب من اقليم الزغاوه ومن مناطق العرب التى ذكرناها آنفا في شمال البلاد يتميز بحجمه وألوانه ، مثل ذلك المستورد من المنطقة شبة الصحراوية في شمال كانم .
    ولقد كادت مصادر العاج ان تغيض منذ ان بدأ البحارنه في استغلالها واستولوا على الاقليم في جنوب دارفور ، فقنع الناس باستيراده من وداي .
    وتوفير الماء في كوبيه شاق : فالآبار كلها في قاع النهر الى الشرق من المدينة وبينها وبين سلسلة جبال حجر كوبيه الممتدة من الشمال الى الجنوب . وهي آبار عميقة وان كانت اقل عمقا من آبار صنيعة المهاجرين وسانيكيري . فالآبار بعيدة ، واصحابها يوردون الماء مقابل دفعة من الحبوب . ولكي يحضر الماء الى البيت يحتاج المرء الى جمال وحمير .
    وفي اليوم التالي سنحت لي فرصة معرفة كثير من السكان المهمين في كوبيه ،ومن بينهم كنت مهتما بشكل خاص بالدرديري الذى كان يتمتع بالاحترام العظيم في ظل الملك الراحل حسين ، ولكنه سقط ضحية تقريبا لتبدل الحكومة ، والخبير علي ، وهو صديق خاص للحاج احمد .
    وتطلق كلمة خبير في كل مكان في الصحراء على عادة القوافل ، ولكنها في دارفور لقب لكل جلابي يكون قد خرج مرة مع القافلة الكبيرة التى تخرج الآن كل سنة و تسافر اربعين يوما من شمال البلاد وعبر الصحراء على درب الاربعين ، الى اسيوط على النيل . ويعين مثل ذلك الخبير من قبل الحكومة، ولكن اللقب يحتفظ به كل من عين في المنصب . ويجب ان يميز بين هذا الخبير وكبير الجلابة في البلاد والذى يسمى الخبير ايضا .
    وقد زرت المدينة ايضا دون ان اعطي انطباعا بانني اريد ان استكشفها واسجل مذكرات اذا انني قد دعيت من جهات عدة لزيارة المرضى . وبالرغم من انني ظللت فترة طويلة دون ان تكون معي ايه ادوية لم ارفض هذه السانحة للتعرف على المدينة واهلها في براءة ودون ان اكون معرضا كثيرا لنظرات الاستغراب . وكنت – وذلك امر غريب – اقل اثارة لهذه المضايقة من الاجانب الاخرين ، اذ انني بعلاقتي مع الجلابة اصبحت مثلهم في الملبس والكلام والسلوك ، حتى ان من لايعرف حقيقتي أصلا لايستطيع – ماعدا قلة – ان يظنني مسيحيا او اوروبيا .
    وبناء كوبيه غير منتظم ، وقد تضخمت عن خطتها الاصلية وذلك نسبة لهجرة اولاد البحر التى تمت تدريجيا ، ولانها تمت وفقا للقبائل الاصلية واقسامها . ففي البداية كان افراد القبيلة الواحدة يعيشون معا في زريبة واحدة ، فاذا ازدادوا عددا او ثراء واصبحت السكنى دائمة ، تستبدل الزريبة بسور من الطين ، ويصبح من هو اكبر مكانه بفضل ثرائه وعدد اتباعه رئيسا للزريبة . وبازدياد الثروة ابتنوا لانفسهم بيوتا واسعة ، وآووا معهم فيها الضعفاء المعوزين ، او افرادا من قبائل اخرى .
    وتحدد هوية سكان الزريبة وفقا لوطنهم الاصلي ، ولكن ليس دائما . ومن تطور القرية هكذا وبناء المنازل قبل ان تكون بينها شوارع اصبحت المدينة مفتقرة الى التنظيم . وحتى الآن ليس هناك اي شي يمكن تسميته شارعا . وفي كل مكان توجد أكواخ القصب بجوار مباني الطين اللبن . والطين اللبن وافر هنا ، وهو عادة ما يوجد تحت طبقة نحيفة من الرمل ونتيجة لذلك ، لاستخدام هذه المادة تكونت حفر عديدة كبيرة في وسط القرية .
    وقد قلل وجود اشجار النبق والهلجيج بكثرة في كل انحاء المدينة من رتابة الجدران والمنازل الطينية ، وشكل في بعض الاماكن مناظر جذابة . كانت منازل كثيرة غير مأهولة و في حال من الخراب حتى ان المراقب العجل ليرى على الفور ان المكان كان اكثر سكانا في زمن مضى وقد انخفض عدد السكان بشكل حاد في الخمسة عشر عاما الاخيرة بسبب الممارسات التعسفية وضعف الملك حسين ، اذ رغما عن طيبة طويته كان جشعا ، كما انه ترك البلاد لنهب عبيده المفضلين . ولتصوير ذلك امدني شمس الدين والحاج احمد على الفور بأسماء ثمانين عائلة من العائلات المرموقة كانت ضحية للظلم في تلك الفترة من جانب الحكومة ، وقد اتجهوا شرقا دون اي ممتلكات او ظلوا في فقر مدقع حتى دمروا وماتوا. وقد انتقل قسم صغير الى الفاشر واستقر بها ، حيث اصبحوا اقل عرضة للنهب من قبل العبيد وهم تحت بصر الملك.
    والصرف على الملابس في دارفور يفوق مثيله في وداي . فالجلابة هنا يلبسون ملابس من القطن الابيض او الازرق الفاتح المستورد من اوروبا ، وهم انظف من اخوانهم في الغرب ، ويلبسون فوق قمصانهم من باب الزينة شالا يرمى فوق الكتفين ، او يلف حول الرأس ، اما الاهالي فيفضلون الحرير لقمصانهم والجوارب من كل الالوان وهم ايضا يتلفعون بالشال ويلقونه فوق كتف واحد كالجلابة .وسأعود الى هذا الموضوع فيما بعد .
    كان شمس الجين قد مضى الى الفاشر في اليوم الذى وصلنا فيه وهو مساء الثاني من مارس ، ليخطر الملك عن مهمته الى وداي . وفي السادس من مارس صاحبته والحاج احمد الى الفاشر التى تقع على رهد تندلتي ، وعلى مسيرة يوم الى الشرق جنوب شرق كوبيه .
    سرنا مساء لكيلا نضطر لأخذ كمية كبيرة من الماء معنا ، وهو ضرورة ولاشك ، اذ يندر او ينعدم في الطريق. وقد ترك الحاج احمد البضائع التى ازمع بيعها في كوبيه ، واخذ الخيل والعبيد ليبيعها في دارفور.
    وكان العبيد يلبسون حللا جديدة ، وشعرهم سرح بالطريقة المفضلة في ضفائر تجتمع على الجانبين وفي مؤخرة الرأس فتكون عقدة ، وقد مسح بالتربة الحمراء والدهن والقرنفل والمحلب ، وحمل كل اثنين من الرقيق على جمل .
    عبرنا وادي كوبيه الى الشرق ، وهو هنا ثمانون خطوة عرضا وحتى سفح سلسلة التلال المقابلة ، واخترقنا الجبال الواقعة الى الجنوب منا والتى كانت تنخفض تدريجيا نحو الشرق . وكانت على الجانب الشمالي من طريقنا سلسلة مماثلة غير ذات اهمية . وفي الجنوب مباشرة على مسافة بعيدة كان جبل بوسه ، والذي يمكن رؤيته عن بعد . وبعد ثلاث ساعات من السير وصلنا نهاية السلسلتين ، وعبرنا قرى صغيرة في منطقة نقوري ، وسرنا سيرا سريعا بضع ساعات في ارض صلبة وجافة ليس بها غير اشجار ميموزا ضامرة النمو ، وعسكرنا في وادي بربوجا ( وادي قولو ) الذي يصب في وادي كوبيه .
    عند طلوع فجر السابع من مارس استأنفنا رحلتنا في سرعة لم تستطع ابلي مجاراتها ، وماكنت لاستطيع مواكبة الاخرين بجوادي من وادي . وكان شمالنا الشرقي عدد كبير من التلال في البداية وجبل (( وانه )) الذى كان على الجانب المواجه لنا ويمتد من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي . وبلغنا نهايته الجنوبية الشرقية بعد ساعات قليلة ووجدتني مضطرا الى تغيير جوادي بحصان ابيض للحاج احمد كان اضعف وانحل من الآخرين في الظاهر ،ولكنه كان اسرع . وبذا استطعت مواكبة رفاقي لساعات قلائل . واخذت التربة الجافة الصلبة تتغير شيئا فشيئا الى منطقة تلال وتربة رملية ، ودخلنا منطقة قوز قرنه . وعند منتصف النهار اشرفنا من تلك المنطقةالرملية العالية على عاصمة دارفور ، وهي تقع في خط طويل عميق الخضرة في الوادي الضحل على ارتفاع 650 مترا فوق سطح البحر .
    وكانت المنطقة خاليه من الاشجار بشكل غريب ، ويطغى فيها العشر بشكل لم ار مثله حتى في الاراضي المحيطة بكوكا . ولكن الوادي الذى تقوم عليه العاصمة كان يمثل بثرائه وامتلائه بالاشجار تقابلا غريبا وجميلا مع مايحيط به . وهبطنا الى الشرق نحو الوادي وقصدنا الوصول الى اقصى المدينة الشرقي بينما الطريق الى وسط المدينة ، اي الى قصر السلطان ، يؤدي الى الجنوب .
    ويجري وادي الفاشر من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي حتى وادي الكوع الذى يجري جنوبا ثم الى الغرب .وبعد صعود حاد من الوادي الى القمة الرملية مسحنا الجزء الشرقي من المدينة ويتألف ايضا كله من مزارع منفصلة وزرائب يوجد في معظمها مابين خمسة الى عشر قطاطي وبناء مستطيل وبضع اشجار . ونزلنا في زريبة في اقصى الجنوب الشرقي من المدينة ، وفي بيت حامد ولد الطاهر ، وهو من اقرباء الحاج احمد البعدين ، واستقبلنا خير استقبال .
    وحين فكرت في ماينطوي عليه مستقبلي القريب شعرت بنوع من عدم الاطمئنان ،ولذلك تبريره ، اذ رأيت الحاج احمد مفعما بالقلق على مصيري . وفي المساء ركب جواده مره اخرى لكي يزور الخبير محمد الذى كان صهرا للملك وكبيرا للجلابة كلهم . وبيته في اقصى الجنوب الغربي للمدينة . ولدى عودته اخبرني بأن شمس الدين الذى كان قد تقدمنا تحسبا قد اخفى خبر وصولي عن الملك خشية رد فعل الملك . وفي شي من التردد قدم الحاج احمد نفسه في مساء اليوم التالي لمقابلة الملك للتحية ، واستقبل وفقا لمكانته ومعرفته السابقة به ، واخذ اخيرا وفي حذر شديد يشرح موضوعي كيف انني قدمت الى برنو ثم من بعد الى وداي حيث استقبلني الملك بتقدير كبير ... وماشابه ذلك .ولكن الملك سرعان ماقاطعه وقال ان تلك المقدمات المطولة فائضة عن الحاجة اذ انه قد بلغه تقرير دقيق وكامل عني لا من الغرب فقط عن طريق ابن الشرتاي حنفي بل ايضا من الشرق ، من الحكومة المصرية . وكانت الخطابات بصددي من حكومة مصر عاجلة وملحة ، وسيقابلني بنية طيبة ولكنه سيبعث بي الى مصر باسرع مايمكن اذ ان ذلك هو ماطلب منه بإلحاح شديد . وكان الحاج حمزه ، اخ الخبير محمد ، قد احضر تلك الجوابات ، كما احضر لي معه مالا . وقد عاد الحاج احمد بلطفه الجم نحوي في حالة من الاضطراب البهيج ،ولم يتمالك نفسه من ايقاظي من النوم ومفاجأتي بهذه الاخبار الطيبة . وحدد اليوم التالي لكي اقابل الملك للتحية .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-12-2007, 09:31 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الفــصل الثــاني
    في الفاشـــــــــــر
    9 مارس الى مايو 1874

    إقامة في الفاشر
    رهد تندلتي – البناء في مدينة الفاشر – القصر القديم ونشوء المدينة
    القصر الجديد
    وادي الفاشر ووادي الكوع
    معمار البيوت
    الامين بخيت
    الخبير محمد ، صهر الملك
    مقابلة مع الملك : المراسم والتشريفات . تقديم الهدايا عن طريق الخبير
    مقابلة ودية
    الحاج حمزة يحمل مالا الى ناختيقال أرسل له من مصر
    رغبة ناختيقال في القيام برحلات في دارفور
    لقاء ثان بالملك
    التمباسي
    تردد الملك في السماح لناختيقال بالسفر في البلاد وأسبابه
    معلومات قيمة عن نظام الانهار في سلسلة جبال مرة
    صعوبة إيجاد مخبر
    موقف الاهالي العدائي تجاه الكاتب وصعوبة من يخدم نصرانيا
    الفكي عبدالعزيز – الفكي محمد
    تقدير المسلمين المتعلمين للأنجيل
    باسي طاهر


    كان هناك في الشرق من مكان اقامتنا الطرف الشمالي الشرقي من حوض واد مستطيل ، جوانبه خفيفة الانحدار . وفي تربة قاعه الطينية السوداء تتجمع المياه في موسم الامطار ، وفي زمن الجفاف تكون به آبار الفاشر . وتبلغ طبقة الطين في قاع هذا الوادي المتر عمقا وتحتها رمل صاف . ذاك هو رهد تندلتي ، والذى اطلق اسمه على العاصمة ، وان كان المرء لايسمع غير اسم الفاشر بين اهل الفاشر . هذا الوادي جاف ثلاثة ارباع السنة ، وبه شبكة من الطرق تشقه كله ، والآبار الضحلة العديدة موجودة في الطرفين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي من المدينة . وتسوء احوال الجزء الجنوبي من المدينة في موسم الامطار لأن السوق لايعقد الا في الجزء الشمالي للمدينة . لوصوله في ذلك الوقت وقضاء لوازم البيوت يضطر ساكنو الجزء الجنوبي الى السير حول البركة كلها من طرفها الشمالي الشرقي او الجنوبي الغربي . وعرض وادي تندلتي كيلومتر ، وطوله اربعة كيلومترات . وتقوم حوله قرى وفرقان ، وزرائب ، وخاصة على ضفافة الشرقية التى ترتفع الى اكثر من 16 مترا . وهناك حدائق على سفوح هذه الضفاف ، قريبا من قاع الوادي ، ويزرع فيها الفجل والبصل والقمح ايضا .
    وترجع السكنى والاستقرار على رهد تندلتي الى عهد الملك عبد الرحمن الذى شاد قصره على الضفة الشمالية المستوية وذلك بعد أن كان الملوك السابقون يعيشون دائما تقريبا في جبل مرة . ولذا فإن معظم سكانه قد استقروا على نفس الضفة من البحيرة ، ولم يسكن ضفتها الجنوبية الا في وقت لاحق .
    وكانت قرية الجلابة التى نزلنا بها بالقرب من الطرف الشمالي الشرقي من المدينة . وكانت امامنا شمالا مباشرة وعلى مبعدة مسيرة ربع ساعة قرية اخرى يسكنها أناس من البرنو والكتكتو . وعلى مسافة تقارب الاخيرة ايضا الى الشمال الشرقي منا كان الجامع . وكانت اكثر المناطق كثافة بالسكان المنطقة القريبة مباشرة من القصر الملكي الاصلي . وكما هو الحال بالنسبة لكل القصور الملكية في تلك البلاد فان المدينة قد نمت وازدهرت بحيث استقر الموظفون الاكثر قربا من البلاط في زرائب منفصلة مبعثرة حول مقر الملك ، وبالمثل قامت حولها زرائب اتباعهم . وقد بنى الملك حسين قصرا ثانيا على الضفة الجنوبية للمدينة ، الى الجنوب مباشرة من مسكن اسرته القديم ، ولكن بعيدا من البحيرة . والى الشمال من المدينة يجري وادي الفاشر الى الجنوب الغربي ، ثم قريبا من غرب البحيرة ينحني الى الجنوب ويظل ملامسا لها . وفي موسم الامطار يملؤها ، ثم يصب اخيرا في وادي الكوع الى الجنوب الغربي من الفاشر .
    وقد آثر الملك حسين الراحل البقاء في القصر الجنوبي الذى ابتناه ، وكان يسمى التمباسي ، ولكن الملك ابراهيم ظل لفترة مؤقتة في قصر العائلة القديم ، اذ ان عادة قديمة تفرض على الملك الجديد البقاء فترة معلومة في القصر بعد عيد النحاس الكبير الذى احتفل به قبل وقت غير بعيد .
    وفي عصر يوم استقبال الملك لنا ركبنا جيادنا وعبرنا البحيرة الجافة ، وبلغنا اكثر جزء مكتظ بالسكان بالمدينة على الضفة على الجانب الآخر . ولكي نتحاشى خلق اي اضطراب دخلنا القصر من طرف طريق النساء ( الاوري بايا ) ، مع ان العادة السارية في الفاشر هي الدخول على الملك عن طريق الرجال ( الاوري دي ) . وكانت هناك اولا وكما على الطرف الشرقي للبحيرة زرائب متناثرة . وعندما اقتربنا من القصر اكثر وجدنا بيوتا متلاصقة اكثر فاكثر ، توحي بوجود قرية مسورة . وكانت في معظمها قطاطي ، اكثرها مبني دون مهارة فنية كبيرة ، وتتخللها هنا وهناك مبان من الطين . وقد سررت كثيرا بالمنازل الكبيرة المستطيلة وتكاد تكون مربعة واساسها من الطين واسقفها من القصب السميك والتى لها مع ذلك غرفة واحدة في العادة . ولها خاصية الاحتفاظ بالبرودة في الصيف وحماية ساكنيها من الامطار في موسمها ، اذ ان الاسقف الطينية المستوية لاتمنع الماء تماما . واسوار الزرائب نادرا ماتصنع من السعف المضفور الذى يسميه اهل برنو سيقيدي ، والعرب شرنقية ، ولكنها من قصب عادي او خوص محزومة من اعلى ، والحزمة تلو الحزمة على مستويات مختلفة لاضفاء السمك والاحتمال عليها . ولخلق نوع من التنويع في التصميم قطعت تلك الحزم من القصب او الخوص في اماكن وارتفاعات مختلفة . وهناك بالطبع ممرات للمشاة بين الزرائب دونما نظام ، وتتقاطع في كل اتجاه ، وتستوجب معرفة دقيقة بالموقع .
    وكان المسكن الملكي القديم مسورا ايضا بسور من القصب وله سور من الشوك سميك ، عريض ومرتفع داخله ، وله شكل بيضاوي ، قطره الاطول يمتد من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي ، ويستغرق الالتفاف حوله قرابة ربع ساعة على الاقل . وكان علينا ان ننزل عن جيادنا ونخلع احذيتنا امام بوابة المقر الملكي. ولانني كنت مدركا لهذه العاده ، كنت احتفظ بخفين من برنو من جلد الماعز ، وتستورد من الساحل الشمالى الى بلاد السودان . وهى لاتعتبر احذية بمعنى الكلمة في الاماكن التى تستخدم فيها ، ولذا ففي كل البلاد العربية حيث تخلع الاحذية امام الباب عند الدخول الى الغرفة ، فان هذه الاخفاف تظل في القدمين ، ولايخلعهما المسلم حتى في الصلاة .
    اجتزنا ممرا ضيقا وطويلا او رواقا . وبعد ان عبرنا رواقا آخر وصلناالى مسكن الامين بخيت والذى كان علينا ان نخطره بقدومنا . ووجدنا في ابن آدم طربوش هذا ، والذى ساذكره فيما بعد في ( تاريخ دارفور ) شابا مهذبا ، لبقا ، ذا شارب ولحية خفيفين ، والذى لم يكن مظهره الخارجي اللطيف يوحي بالقوة التى كانت عليه ان يطلقها لتولية الملك ابراهيم بعد موت الملك حسين . ولم تكن عيناه توحيان بالثقة الكبيرة ، وكرجل كان سيصعد الى مركز الوزير البارز . قدمت له هدية من قماش نصف حريري ، وحادثته عن ابيه معظم الوقت . وكان العجب والدهشة قد ملكاه عندما وجدني ملما بشكل جيد بالدور الذى لعبة هذا الموظف القدير النشط والمخلص . وسرعان مااظهر الخبير محمد ايضا ،وهو رجل في الخمسين ، ولامنصب له رسمي في القصر اكثر من كونه كبير التجار . ولكنه كزوج للاياباسي كان له نفوذ معين على الملك بحكم هذه العلاقة ، ولذا كان يسمح له بالدخول عليه دون معوقات . وبحكم اسفاره المتكررة الى مصر ، كان ملما بالعادات الاجنبية ، وعرف كثيرا من الاوروبين . ودار بيننا حديث شائق عن اسفارنا وغرضها . وعن بلاده وامور اخرى حتى تم اخطار الملك . واستدعينا للتشرف بمقابلته .
    وفي بلاط ثالث اصغر ، ولكن حيطانه من الطين وفي وسطه منصه من الطين ، طلب مني العبيد الذين اصطحبوني والذين كانوا متشددين في اتباع الرسميات ان خلع الخفين . وهكذا سرت في جوربين هما اخر ماتبقى لي من هذا البذخ ، ودخلت فناء رابعا وجدنا في آخر الملك جالسا على سجادة على مسافة عشرين خطوة من المدخل .
    وكان يقف على يمينه وعن يساره عبيد يمسكون باعمدة حمراء كالاعلام .وقرب المدخل وبعيدا عنه ، حجاب وخدم جاثون على ركبهم والجزء الاعلى من اجسادهم محني . وكانوا كما جرت العادة يمسحون الارض بأكفهم .
    مثل معظم الملوك في السودان كان وجه الملك ملثما ، ووجهه كله ملفوف بالملفحة او الفردة .
    وجثونا جميعا بالطريقة المرسومة قريبا من المدخل ، وتمتمنا كلمات تحية قليلة لم تتجاوز .. أطال الله عمرك ، وسلمك، وردد العبيد معا : (( أري دونقا . اري دونقا )) مجيبين الملك ، اي ( الملك يحييكم ) .
    ووفقا للعادة في البلاد مسح الكل التراب .. الإي . ثم قام الخبير محمد بتسليم هدايا كل شخص زائر مناديا باسم صاحبها . فسلمته الجواد الذى جئت به من عند ملك وداي لهذا الغرض ، وصندوقا موسيقيا .
    وكافأ الملك كل واحد منا بقوله : ((بارك الله )) .. ومع اننا سمعنا ذلك جيدا الا ان الخبير كان يردد بقوله : (( الملك يقول بارك الله )) .. ثم تقدم صديقي الحاج احمد على يديه وركبتيه نحو مقعد الملك ، وطلب مني ان اتبعه . فاحجمت عن القيام بمثل ماقام به الحاج احمد ، فوقفت واقتربت من الملك ثم جلست مره اخرى مرددا تحيتي له . واستجاب بود ، واستفسر عن المكان الذى قدمت منه والى اين سأمضى ، واكد لي حمايته ،ووعد بمساعدتي في رحلتي الى مصر حسب رغباتي ، واضاف انه يرى ان امضى باسرع مااستطيع اذ ان الناس في مصر كانوا يلحون في ان يروني هناك سريعا .



    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-12-2007, 03:13 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل الثانى

    وبما ان الحاج أحمد كان قد نصحني قبل ان امضي لمقابلة الملك بأن الملك يرغب في رحيلي بأسرع مايمكن ، والذى يعني أن علي ان اصرف النظر عن القيام بأي بحوث عن البلاد وأهلها ، او القيام برحلات في داخل البلاد ، اجبت بانني قد جئت مع الحاج احمد ، والذى كنت أعتز جدا بصداقته ، فإذا لم يكن بقاؤه في دارفور سيطول ، فانني ارغب في مواصلة رحلتي في رفقته عبر دنقلا الى مصر . فتقبل الملك هذا القول في لطف ، وعن خاطر طيب.
    والملك ابراهيم في الاربعين من عمره ، اسود وقوي وطويل ، وجهه مستدير وممتلئ ، وعليه تعبير سمح.
    وفي اليوم التالي قمت بزيارة الى الخبير محمد واخيه الحاج حمزه الذى اتاني بخطابات ومال من مصر . وكان الخبير رجلا هاما لابحكم علاقته الوثيقة بالملك فحسب ، بل ايضا بحكم ثروته الكبيرة ، والتى يقال انها تفوق ثروة التجار المسلمين في مصر او حتى في جدة . وكان بيته في اقصى الطرف الجنوبي الغربي من الفاشر على ركوب نصف ساعة بالجواد الى قريتنا . ونظر لعلو مكانه زوجه ، فان مقابلته لاتتم الا بعد اخطاره . وحتى الملك نفسه لابد له ان يعيش عند الباب الخارجي للاياباسي .
    وبعد ان قدمت صحاف الحلو وفخذ عجل مشوي وكبد ابل محمص ورقاق بالعسل ، ثم القهوة في فناجين وصحون ، سلمني الحاج حمزة مبلغ 500 دولار ماريا تريزا وخطابا مرفقا من الحاكم العام في السودان بالخرطوم ، واعطاني فرحا غير متوقع في شكل جواب من السيد فون ياسموند الذى كان وقتها القنصل العام لالمانيا في مصر . ومااشد الفارق بين تسليم الحاج حمزه المال لي وذلك الطرابلسي الجشع محمد سوميت في أبشي ، الذى وصفت سلوكه فيما سبق . ان الحاج حمزة لم يهتم حتى بأن يحصل مني على ايصال فوري ، وليس هو سوى ابن السودان ، بينما ذلك الطرابلسي قد اعتاد التعامل اليومي مع الاوروبيين . ان العرب السكان بالساحل الشمالي لافريقيا وخاصة في طرابلس هم اقل كثيرا وفي مجالات كثيرة عن مستويات ومعايير تجار النيل .
    انتهزت هذا الفرصة لافضي بما في نفسي الى الخبير محمد ، وسألته ان كان سيدعم طلبي الى السلطان بالاذن لي بالسفر الى دواخل البلاد . فأجاب بأن موقعه لايمكنه من التأثير عليه في هذا الشأن .
    فالناس ستتهمه بالخيانة والدس بكل تأكيد خاصة ان أخاه قد جاء بجوابات ومال ،وسيقولون انه عميل للاتراك ، وانه يسعى لخيانة البلاد . وقال انه يعدني فقط بانه اذا سأله الملك النصح ، فانه سيقدم طلبي ويسعى لتحقيقه باعتباره امرا لاضرر منه وبلا غرض . وبعد نقاش حول امكانية تحقق خططه لجلب حرفيين من اوروبا الى البلاد ، وهي خطط صارت غير عملية بسبب الاحداث التى وقعت بعد حين ، عدت راكبا الى بيتي .
    وخلال الايام التى اعقبت ذلك اللقاء حاولت دون جدوى ان اقدم طلبي الى الملك . وكنت اقضي اربع او خمس ساعات كل يوم في غرفة انتظار الامين بخيت ولكن كان يحدث كل مرة مايمنع الملك من استقبالي . ولم تكن تلك الساعات دون فائدة ، نسبة لكثرة الناس الذين يأتون بانتظار فرصة لمقابلة الملك ، ولكنها من ناحية اخرى كانت بغيضة الى نفسي بسبب ملاحقة الناس لي بحب استطلاع مسئ . وكنت احمل مع خارطة لدارفور لبيترمان وهازنشتاين اعدت للحملة الالمانية للبحث عن فوجل ، لا لمراجعة الخريطة وتوسيع معرفتي بالبلاد فحسب ، بل ايضا لازرع لنفسي سمعة بين الناس واضعف من عدم ثقتهم . واخبرتهم باننا ومنذ وقت طويل لنا معرفة دقيقة بكل نهر وجبل وقرية ، ولكن لم يدر بخلدنا ابدا ان نستخدم تلك المعرفة في احداث مايضر بالبلاد . وربما كان كل الحاضرين هناك مستعدين وسعداء لتزويدي بمعلومات اجابة على اسئلتي ، ولكن غرفة انتظارالدخول الى الملك ليست المكان المناسب لذلك . وكان علي ان اكون في غاية الحذر .وكان كل قائم على ادارة قرية ، سواء كان موظفا من الدولة او صاحب حاكورة ، يريد ان يرى قريته في خريطة . وكانوا يحدقون في عجب وفرح طفولي ورضاء ظاهر في النقطة على الخارطة التى تبرز له . وسرني ان ألحظ المعلومات التى قدمها تيما المسبعاوي ، او سلطان تيما ، والتى على اساسها جهزت الخريطة ، كانت وثيقة في تفاصيلها ،وان كانت هناك اخطاء متكررة في ترتيب التفاصيل .
    واخيرا افلحت في 22 مارس في تقديم طلبي الى الملك .وبعد العرضة التى يجئ وصفها فيما بعد ،والتى تمت في 31 مارس ، انتقل الملك الى القصر الجديد في الجانب الجنوبي من البحيرة . وكان هذا القصر التمباسي علي مبعدة دقائق قليلة من رهد تندلتي . وكان بيضاوي الشكل وقطره الاطول يمتد من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي ، ومحيطه اقل من محيط القصر العائلي القديم ، ولكنه مسور كله بحائط من الطين اللبن . وكان باب طريق الاوري دي يواجه البحيرة . وقد وجدت الابواب وفتحات الابواب هنا اشد بدائية منها في دول السودان الغربي . ففي برنو تصنع الابواب والبوابات من ألواح خشيبة مجتمعة اجتماعا غير كامل . وهنا يستخدم الناس فروع الاشجار والاغصان ويحزمونها في شبكة ، ويربط الباب الى الحائط بحبال من الياف النبات ويقفل من داخل بواسطة جنازير . وفي الفناء الخارجي للقصر يعيش صغار البوابين والعبيد . وكان هناك مدفع حديدي ذو عيار صغير على مركبة عالية صنعت في دارفور . وكانت كل عجلة من عجلاتها العالية من قطعة خشبية واحدة ، ربطت مجتمعة بمجهود كبير. ونسبة لعدم وجود شوارع فهي ستنهار في اي محاولة لتحريك المدفع . وفي الفناء الثاني لايعيش سوى كبار البوابين . وكان هناك كوخ من القصب واسع و مبطن من داخل بالقماش الملون ، يستخدمه الملك لاجتماعات مجلسه . وفي الفناء الرابع المقر الرئيسي للامين بخيت الذى كان قد دخل على الملك وتلقى امرا بان يستدعيني فورا .
    وفي فناء خامس يتفرع من الرابع ، كان الملك جالسا خلف ستارة . وبعد ان أزحت حذائي جانبا مضيت حتى الستارة ،البويا ، وزحفت تحتها وحييت الملك . مثل كل شي في هذه البلاد فان تحية الكبار لمن هم دونهم محكومة برسوم جامدة . وفي نبرة جليلة رد الملك تحيتي بترديد (( عافية . حم حم )) ست مرات . تبع ذلك (( اريا دونقا )) المحتومة ، ومن الجالسين جميعهم والذين كانوا يدقون التراب بأكفهم بقوة ونشاط . نهضت ثانية ومضيت مباشرة الى الملك وجلست مره اخرى مرددا تحيتي ، ثم قدمت طلبي .
    وقد اوضحت له انني لا عمل لي على الاطلاق اثناء اقامتي بالعاصمة ، وانني لست تاجرا . وان لي فقط بضع معارف ، وانني محروم حتى من التمشي بسبب كراهية وسوء نية شعبة الذي يلاحقني في كل خطوة اخطوها خارج مسكني ، ويهينني ويسخر مني ويهددني . وطلبت منه لذلك ان يسمح لي بالقيام برحلة الى الجنوب ، الى نبع ( روتوكي ) الحار الذى سمعت عنه ، في اقصى نقطة في الجنوب في سلسلة جبل مرة . واضفت ان اخبرتي كطبيب ربما تؤهلني لاكتشاف خواص علاجية في النبع ، والتى يمكنه كحاكم للبلاد ان يفيد منها .
    وبالرغم من انني اكدت الجانب الطبي لازيح من رأسه اي شك حول قيامي بدراسات طوبغرافية ، اجاب على الفور وفي حزم شديد انه لامجال على الاطلاق لي للتفكير في رحلة كهذه في البلاد .
    وكنت ادرك مبلغ كراهية الناس لي وخاصة في اعقاب النزاع مع الحكومة التركية ، ومن سلوك الشرتاي حنفي وسلوك اهل الفاشر . واضاف الملك نفسه بانه لم يحكم طويلا بما يكفي في ظل الظروف الصعبة الراهنة لكي يضمن سلامتي وامني وحياتي خارج عاصمته . وكان يخشى من جانبه ان يتهمه الناس بانه خائن ان ارسل جاسوسا تركيا الى اقاليم بلاده .فاذا اردت اي معلومات عن البلاد واهلها فانه ليسره ان يساعدني ، وذاك كل مايقدر عليه في هذا الصدد .
    لم اجرؤ على الالحاح على الملك ، ولذا طلبت منه ورجوته ان يوصي لي بشخص له معرفة بطوبغرافية دارفور ، وآخر يعرف تاريخ البلاد ، وثالث يجمع بين المعرفة الكافية للغة العربية ولغة البلاد .
    وقد وعدني بتحقيق رغباتي فورا . وكان من حسن حظي انه قد فهم كل كلمة من لغتي الفزانية التونسية ، اذ كان ناس العاصمة قد وجدوا صعوبة في فهمي في بادئ الامر ، مع انهم يتكلمون العربية مثلما يتكلمون لغة دارفور .
    وكان الملك يلبس ثوبا ازرق بسيطا ونعلين من المخمل الموشى بالفضة . وقد سألني ان كان الحصان الذى جئت به هدية له فالحا ، ذا طبع طيب ، فاجبته بانني سأختبره ، لانه وهو الهدية لملك دارفور لم يكن احد قد امتطاه او ركبه .
    وبعد ان تركت الملك ، انتظرت الامين بخيت في غرفة الانتظار لأتأكد من انني سيتوفر لي المخبرون الذين وعدتهم . وسعدت بلقاء رجل كان فيما يبدو ملما الماما حسنا ببلاده ، وهو عبد العزيز . وتحدثنا عن المساليت في الغرب امبوس من البلاد وطبيعة مساليت الترجة النزاعة الى السلب و النهب ، وعادة اكل لحم الانسان عند مساليت امبوس والتى لم تنته رغما عن ادعائهم الاسلام . واخبرني ايضا انه مازلت قرب الماء الصغيرة المصنوعة من جلد الانسان تحضر احيانا الى دارفور .
    من هذا الرجل عرفت اهم شئ ، وهو نظام الانهار التى تجري من سلسلة جبل مرة ، وعرفت كثيرا من الانظمة الجارية من سفوحه الغربية التى تتحد في وادي أزوم الذى بدوره يستقبل وادي باري ويتجه الى الجنوب الغربي وينضم لوادي اسونقا ووادي ابو سنط . وفي الجنوب من ارض الداجو يصبح بحر السلامات . وسمعت لاول مره هنا عن ارض فور تموركه الواقعة جنوب غرب جبل مرة ، ويجري منها وادي إبره الى الجنوب ليتحد بوادي قندي ووادي بلبل النابعين من جبل مرة من الجنوب ، وبذا وعبر نهر عرب الرزيقات المسمى بحر التابا او بحر العرب ينتمي لشبكة نهر النيل .
    واخبرني ايضا ان خيران مساه الامطار الجارية من جبل مرة الى الشرق تتحد في وادي الكوبيه او الكوع ، لكنه لايبلغ النيل ، بل يفقد نفسه في البحيرات المستنقعية الضحلة في جنوب دارفور .
    وزودني هذا المخبر ايضا بأول معلومات دقيقة عن اقسام سكان دارفور ، والعناصر المعترف بها والتى يعدها السكان علي اصابعهم الخمس تحت احرف : دال وتاء وفاء و زاي و نون . وهي الدالة على الداجو والتنجور والفور والزغاوة والنوابية . وسأعود الى هذا الموضوع فيما بعد . ووفقا لمعلوماته ، هناك تاريخ مكتوب مازال موجودا ، وقد وعدني بالتحري عنه .
    وفي الفترة التى خلت كان جهدي الاساسي موجها الى الحصول على المخبرين الموعودين . ووعدني اناس قدمهم لي اصدقائي بالمجئ الى ، وقد جذبهم الطمع في المخصصات الكبيرة التى قدمت لهم ، ولكن الخوف من ان يتهم الواحد منهم بانه خائن ، وإلقاء المسئولية عليه لذلك ، فاق اي اعتبار آخر .
    وحتى من كانوا يدعون انهم اشد اصدقاء الحاج احمد والذين قدمت لهم مبالغ مالية كبيرة بالمقارنة الى ماعندي من مال ، كانوا ينسحبون في آخر لحظة . وكانت المشكلة هي بسبب الحقد والشك الذى يضمره لي اهل البلاد ، والذى كان بشكل عام يتسق مع طبيعتهم ، ومابها من غرور وتعصب ديني ، وان كانت قد زادته بشكل خاص التطورات السياسية التى هددت بلادهم من جانب مصر . وكنت حيثما ظهرت بحثا عن مخبر او زيارة لمريض ، اواجه بالاهانة والسخرية . وحتى في بلاط الملك ووجهت بابلغ الاهانات ، وان ظهرت من دون مرافقي المرموق كنت استوقف عند الباب الخارجي ، واضطر للانتظار ساعات قبل ان يبلغوني ان كنت سأحظى بمقابلة الملك او لا . واذا خرجت من مسكني وبين الناس كنت اضطر ليس فقط لان ارى الجالسين او المارة وهم يبصقون امامي ، بل كنت اجدني قلقا من ان اضطر بفعل نوع من العنف الى الدفاع عن نفسي . ولن تكون العاقبة هنا الا وخيمة مميتة . وفي البلاط او في الشوارع كان الناس يتقدمون الى باستهزاء ويسألوني ان كنت اقدر على قول لا اله الا الله ، ويحاولون حملي على إضافة الجزء الثاني من نص الشهادتين . وفي احدى المرات في البلاط الامامي للقصر ، وكان غاصا بأناس يطمحون الى مقابلة الملك ،مرت بي عبدة من الباندة لونها فاتح بشكل غريب ، وكانت تبدو في عتمة المكان افتح كثيرا مما هي عليه وكدت احسبها لوهلة اوروبيه ولم استطع ان اكبح حركة من الاستغراب .
    فجئ بها الي واحاط بي الناس واخذوا يسخرون ويقترحون علي ان اتزوجها . فوجدتني مضطرا آخر الامر ان اخبر الملك بانني سأكف عن زيارته لانه فيما يبدو لم يكن في وضع يستطيع معه حمايتي وكرامتي من عامه شعبه . وقد ظهر حقد الناس علي حتى حين كانوا يرون سرج حصاني التركي ، فكان علي ان اقرر شراء سرج عربي باهظ التكلفة لأجنب خدامي الاهانات التى تصب عليهم من قومهم كلما ساقوا الحصان من لجامه . وفي مثل هذه البلاد المتعصبة يقاسي خدم المسيحي من موقف صعب للغاية ، وعلى المرء حين يحاول تقدير اخلاصهم وولائهم ان يأخذ هذا في الاعتبار فوق كل شي آخر . فهم يلاقون الاحتقار في كل مكان باعتبارهم عبيدا للمسيحي ، ويؤنب ضمائرهم فقهاء متعصبون يصورون لهم خدمة المسيحي بانها خطيئة ، ويشاغبهم الجهلة او الاشرار من الناس الذين يصورون لهم عواقب العبور الى اوروبا ووخامتها والعذاب الذى ينتظرهم . ولذا فان الواحد منهم مطالب باحساس بالولاء وبالواجب قوي والحيطة البالغة من جانب سيدهم للحفاظ على قدر من العلاقات الطيبة .
    ومن خلال تعرفي الطويل بالزنج والذى علمني كيف اتعامل معهم بصورة صحيحة ، استطعت بمضي الزمن ان احقق بعض النجاح في التغلب على اعداء الناس هنا . ولكن انتشرت الانباء وتفاقمت عن خطر الحرب التى يشنها البحارنه وانسحاب القوات المصرية والاحداث التى توالت سريعا الواحدة تلو الاخرى ، مما دفعني الى الخروج من البلاد .

    واخيرا افلحت في التأكد من الرجال الثلاثة الذين عرضوا قدراتهم لما كنت اسعى وراءه ، وامكانية توسيع معرفتي بالبلاد واهلها . وكان الفقية عبدالعزيز الذى قابلته ذات يوم في البلاط الملكي وابدى استعدادا طيبا وزودني بمعلومات مثيرة والذى كان اهله قد نزحوا من باقرمي الى دارفور في عهد احمد بكر ، هو اول الثلاثة . وكانت له معرفة بالمحافظة الجنوبية دار أما والجنوبية الغربية ، دار كيرنه ، ودار فــْي ، ودار مادي ، وكذلك مقاطعات سلسلة جبل مرة ، والاقليم المسمى رو كوري وقراه وانهاره وجباله واقاليمه .
    ولحبه هو نفسه للمعرفة استغرق زمنا كبيرا في مطالباته ، وقضينا اياما بل اسابيع في تزويده بالمعرفة العامة بالجغرافيا والتى كان يريدها ، وذلك برسم الخرائط بشكل عام . وكان علي ايضا ان اترجم العهد القديم والاناجيل له ولعلماء آخرين قدمهم الى . والمتعلمون المسلمون يكنون احتراما عميقا لكتابنا المقدس ، وان كانوا يعتقدون انه في عصور المسيحية الاولى تم استبعاد المواقع التى ورد فيها تنبؤ بظهور محمد الرسول ، ويجدون سحرا خاصا في المزامير وفي المسيح عليه السلام ويحيطونه باحترام شديد لانهم يعتبرونه ، بعد محمد ، نبيا عظيما ، ويسمون عيسى (( روح الله )) ، ويدرسون حياته واشجانه ومعجزاته بتقدير خاص . وكان يمكن للاناجيل العديدة التى جئت بها معي الى السودان تلبية لطلب المستر آرثتقتون ، ومن ليدز ، الذى كان مهتما بالمساعي التبشيرية والانسانية ، ان تكون ذات فائدة كبيرة لي في وداي ودارفور . وقد ندمت كثيرا على انني سلمتها كلها للشيخ عمر في كوكا ، اذ كان يمكنني بها ان اقيم علاقات وثيقة اكثر من فئة علماء والمتعلمين في بلاد السودان .
    وقد وضعني الملك ابراهيم على اتصال بالباسي طاهر كواحد يحتمل ان تكون له المعرفة الدقيقة الممتدة بعيدا في الماضي عن تاريخ البلاد . وبما ان زريبته لم تكن بعيدة من قرية الجلابة لو قولو ماحيث كنا نسكن ، استطعت ان اتعامل واتصل به دون ان اكون فريسة لمضايقات وحقد السكان . ولكن لم يكن من المستطاع بكل اسف ان افيد من معرفته نسبة كبيرة لشكه الكبير بأسئلتي واستفساراتي ، ولم يوافق على اعطائي بعض المعلومات العامة الا بعد ان امره الملك بذلك . وكانت الصعوبة الاخرى هي تحديد الوقت الذى يكون مناسبا ليصفو للتحدث معي . فاذا جئته صباحا في الثامنة ، اجده وذهنه مشوش من اثر المريسة والتى قد اوقف حياته فيما يبدو على شربها . وان زرته عند المغرب كان دائما يقول لي ان افكاره لم تتجمع بعد العمل لانه لم يتناول شربه المنشط بعد . وتكررت هذه اللعبة في العصر . وبعد نومة الظهر لم يكن يستطيع التحكم في قواه الذهنية ، وبعد ذلك تجده غارقا في المريسة حتى المساء ، وبذا افلحت في تبديد شكه استمالته للثقة بي . وخلال هذه الجولات استطعت شيئا فشيئا ان اخرج منه مايعرفه . وكان علي فوق ذلك ان احافظ على مزاجه الطيب بالهدايا .
    ولم يكن اسلوب حياة هذا الرجل شاذا على الاطلاق ، وخاصة بين الاعيان الذين يتمتعون بدخل مضمون . والامر العجيب هو كيفية احتمال هؤلاء الناس لهذا الاسراف في المشروبات الكحولية ، وبقاؤهم مع ذلك نشطين ويتمعون بالقوة ومع مرور الزمن يصبح لشاربي المريسة نفور شديد من اي نشويات في الطعام . وبحكم العادة يؤتى اليهم بعصيدة الدخن مرتين باليوم ، ولكنهم نادرا مايقربونها ، وعلى الاكثر يجددون عطشهم كما في وداي بأكل لحم الابل او الضأن المشوي او كبده الابل النيئة التى حين تتبل جيدا بالملح والشطة تفي بالغرض تماما .
    وسأسجل فيما يلي ماعرفته عن تاريخ دارفور ونظامها الاداري وأناسها ، وفقا لروايات الذين اوكل لهم رسميا اطلاعي عليه ، ومن آخرين ثقات ، ومن ملاحظاتي الخاصة .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2007, 07:29 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الفصـــل الثالث
    تـــــاريخ دارفــــور

    تاريخ دارفور – المصادر – مصداقيتها
    قائمة ملوك الفور حسب الباسي طاهر ومحمد الفضل
    كتاب دالي
    سلاطين الداجو – انتقال السلطنة الى الكيرا
    احمد المعقور والملك شاو والملك دليل وليل الذى نظم الدولة
    سليمان صولون والاسلام
    تونسام مؤسس المسبعات
    الحرب مع وداي
    وفاه احمد بكر
    عمر ليل والحرب مع وداي
    السلطان تيراب
    انتصار على البرقد والنتجور والمساليت
    ابو شيخ كرا والملك محمد الفضل


    ليس هناك فيما يبدو اي مصادرمفصلة وموثوق بها لتاريخ دارفور . وقد وجدت وثائق تاريخية قليلة . لكنني لم اجد اي تاريخ حقيقي مسجل . وكان بعض الملمين بالروايات التقليدية وتراث البلاد قد دونوا من وقت لآخر مذكراتهم ، والتى اقتصرت على مجرد ذكر الحكام دون تحديد لتواريخ ، وغالبا ما خلا تسجيلهم من ايه شروح مصاحبة وضرورية ان اريد للقوائم التى سجلوها ان تصدق كقوائم اصيلة .
    ومما يعقد الامر ويصعبه ان بعض القوائم المسجلة للحكام تختلف فيما بينها في جوانب هامة ،والروايات التقليدية الموروثة الشعبية نفسها متباينة تماما .
    وقد فحصت بتدقيق كبير كل المادة المدونة التى اخبرت عن وجودها ، ولكنها جميعها اظهرت اختلافات وتباينات .
    وكانت اول قائمة بأسماء الحكام وجدتها هي التي بحوزة الباسي طاهر ،الذى قال لي عنه السلطان انه رجل خبير بتاريخ البلاد. وتضم هذه القائمه اسماء ثلاثة عشر من ملوك الداجو ، وثلاثة عشر من حكام التنجور ، واثنين وعشرين سلطانا من سلاطين مملكة الكيرا الحاكمة ، باستثناء ابراهيم ، آخر اعضاء مملكة الكيرا ، او ابراهيم ابن محمد الحسين ، والذى تولى الحكم لاقل من سنة مضت .
    وضمت وثيقة اخرى قائمة بها خمسة ملوك من الداجو واسماء خمسة وعشرين حاكما من التنجور والكيرا . وهناك اخطاء واضحة في الهوامش المرفقة بهذه الوثيقة فيما يتعلق بالتسلسل التاريخي ، اذ تجعل قطار ، اول حكام الداجو ، معاصر لنبي الله صالح ، وهو رسول قبل الاسلام ، والذى يقال انه عاش في جبل مرة ، وان كل اقوام دارفور ووداي قد انحدروا من القبائل الوثنية التى كانت بجبل مرة ، واحداث اخرى في ازمنة تالية متأخرة معروفة جدا ، وكل ذلك يجعل هذا السجل غير جدير بالثقة أو الاعتماد عليه .
    وهناك قائمة اخرى في حوزة ابن محمد الفضل ومكتوبة بخط يده هو ،وهي مجرد شجرة نسب وضعت لاثبات ان المملكة الراهنة لها الحق في تولي الحكم . فهي تؤسس رابطة مباشرة بين العائلة الحاكمة وسكان شبة الجزيرة العربية . ومع انني للاسف لم افلح في الحصول على نسخة منها ، الاانها ساعدتني في وضع قائمة باسلاف محمد الفضل تعود الى مؤسس مملكتي التنجور والكيرا ، وهما مترابطتان .
    ولكن هذه الوثيقة ( القائمة ) لاتتفق تماما مع اخرى كتبت في ظل الملك تيراب ( 85-1752 ) ، وتحوي مزيجا من الحكام وأشجار نسب عادية .
    بالاضافة الى ذلك ارسل الي السلطان ابراهيم مخطوطات قديمة من ازمان اسلافه محمد الفضل و أبوعبدالرحمن . وكانت هذه وثائق حكومية ولم يكن بها مايثير الاهتمام غير تلك التى تحدد الديوان او الضرائب او الواردات لكل المملكة . ومبلغ علمي ، هناك وثيقتان اخريان قديمتان ، واحدة منهما توورثت في اسرة الباسي احمد بن طاهر ، والاخرى المعروفة بكتاب دالي ، وهي ملكية اميرية ، لكنها في واقع الامر قد تركت في ايدي ابوشيخ دالي . وفي زمن لابد ان الوثيقتين كانتا في قصر الملك ،اذ ان حسين الذى سبق ابراهيم في الحكم كان قد طالب بالوثيقتين كانتا في قصر الملك ، اذ ان الاخرى كانت تمثل جزء من تنصيب الابوشيخ ، فهي لم تعط بعد لشاغل المنصب الحالي . ولكن ايا من الوثيقتين لاتحوي سجلا تاريخيا متواترا عن الحكام او تاريخا للدولة .
    وكتاب دالي يحوي فقط المبادئ العامة الاساسية للادارة ونظام العدل كما وضعها مؤسس دولة الكيرا ، الملك المشهور دليل او دالى . والوثائق التى كانت في السابق في حوزة اسرة الباسي احمد تتكون فقط من اوراق رسمية من ازمان سابقة .
    وبينما كنت ادقق وانخل في الوثائق كنت منتبها ايضا لمجموعة من الروايات التقليدية . وكنت اقارنها واميز كلما كان ذلك مستطاعا بين ماهو موثوق وماهو غير مطمئن .
    وكما اسلفت فان الباسي طاهر كان عونا لي بعد ان امره الملك بذلك . ومع انه كان خبيرا بتاريخ البلاد اكثر من معظم المواطنين ، الا ان معرفته كانت اقل مما يرضيني . وقد كانت به العيوب التى تنشأ من فكرته عن الوطنية ، اذ كان ينزع الى ان يحجب عني اي حقائق قد تنعكس بشكل غير مرغوب فيه على الملك ، ولا يصرح بها الا اذا كنت قد وقفت عليها من طرف آخر . ويجب ان اضيف مع ذلك انني كنت اتربص به الهنات السالبة فقط .
    في زمان سالف وبعيد كان الحكام الداجو يعيشون في جبل مرة ، ولكن سيطرتهم كانت ابعد من ان توصف بانها مطلقة ، اذ ان حكام الفور والقبائل لم يكونوا يقومون باكثر من دفع الجزية الى سلطان الداجو . وقد مكنت الطبيعة الجبلية للبلاد القبائل من ان تحافظ على استقلالها . وكان جبل مرة هو قلب البلاد ، ولم يتعد حكم الداجو حدود مرة الا نادرا .
    وليس بهذا السجل التاريخي اي شي اكثر من ذلك يضيفه عن ملوك هذه المملكة الافراد باستثناء اولهم الملك كزبر والذى مازال معروفا جيدا بين الناس ، وقد عاش في الدبة على السفح الشرقي للجبل ،وانه دفن هناك . والقائمة التى اخذتها من امير من امراء الداجو كان قد هرب من سولا الى وداي تضم 21 اسما ، الستة الاوائل منهم فيما يقال كانوا يعيشون كوثنيين في جبل مرة .
    والداجو ايضا يمثلون انفسهم كمهاجرين من الشرق . والجدير بالملاحظة ان معظم حكامهم لهم اسماء عربية ، ولكن الروايات التقليدية لاتنسبهم الى العرب أو الى دم عربي ، اذ بالعكس نجدها تقرر انهم كانوا في منتهى الهمجية ، وانهم كانوا بعيدين عما تستدعيه العادات العربية حتة انتقال السلطة من ايديهم الى التنجور انما يعزى الى كون التنجور يتمتعون بحضارة اكثر تفوقا . ويزعم التنجور انهم قد اتوا اصلا من الجزيرة العربية ، ويردون اصلهم الاكثر قربا الى تونس ، الى ابي زيد المعروف في الفلكلور العربي كما قلت سابقا . وقد وجدت في كانم التى بها مجتمع من التنجور كبير يسمى تونس ، انشئ فيما يقال على شرف هذا الاصل . وفي كل الوثائق نجد ان الجد الاكبر للتنجور في دارفور هو احمد المعقور .
    وكان التفوق الفكري للتنجور المهاجرين وعاداتهم الاكثر تحضرا وخاصة كرم ضيافتهم المعروف ، قد انتزع السلطة من الداجو دون عنف او قتال . لكن التنجور انفسهم مازالوا وثنيين او لم يكونوا قد اسلموا بشكل كاف ليؤسسوا الاسلام في البلاد حولهم ، او لأن يجتنبوا الردة الوثنية جزئيا على الاقل ، في وسط الاقوام الوثنية .وعلى اية حال فقد احكموا الروابط بين اهالي الجبل المتخلفين والذين كانوا يعيشون في عزلة .
    وليس اصل التنجور وحده المنسوب الى احمد المعقور ، بل ان حكام الكيرا اليوم مازالوا يصفونه كجد لهم ، مما يوحي بوجود رابطة بين المملكتين . وليس ثمة تفسير لهذا ، ولكن الذى لاجدال فيه ان التنجور والداجو وثيقو الصلة .
    ولاتخبرنا الروايات التقليدية بشئ عن كيفية مجئ التنجور الى البلاد . ولكنهم هم الذين ادخلوا اللغة والعادات العربية الى دارفور . ولم تكن هيمنتهم مطلقة ، بل ماثلت سلطة الداجو في كونها سيادة عامة على قبائل الجبل واخذ الجزية منهم . وتظهر العلاقة الوثيقة بين مملكة الفور و التنجور لا بالزعم بأنهما تنتسبان الى احمد المعقور بل ايضا بالروايات اللاحقة عن انتقال السلطة من التنجور الى الكيرا .
    وفي الوقت الذى جاء فيه احمد المعقور الى البلاد استطاع ان يحتل لنفسه مكانه لدى الحاكم آنذاك ، ويعرف في الروايات التقليدية باسم كرومه ، ولكنه غير مذكور في اي قائمة مكتوبة للحكام .
    وكان كرومه قد تزوج فورا ابنه زعيم الكيرا ،وولدت له ابنا هو شاو أو صاو ، وقد طلقها فيما بعد . وعندما اصبح احمد المعقور صاحب حظوة وقربى لدى كرومه اعطي تلك المرأة زوجة ، وولد له من ذلك الزواج دالى . ولكن البعض يقدمون رواية مختلفة عن هذه حتى انها تقول ان رفاعه ، ابن احمد المعقور ، هو الذى تزوج ابنه زعيم الكيرا ، وان دالي وشاو ولدا من هذا الزواج . ولكن لايمكن ان يكون والد الرجلين هو نفس الشخص ، اذ ان شاو في كل قوائم الحكام هو خاتمة الحكام التنجور ، وفي الروايات التقليدية ايضا يعرف بآخر ملوك التنجور ، بينما اخوه من امه ، واسمه الصحيح هو دليل البحر ، يذكر دائما كمؤسس لمملكة الكيرا .
    ومن القوائم المكتوية للحكام من الروايات التقليدية ، رسمت الصورة التالية :
    1- ظل الداجو يحكمون دارفور من جبل مرة لعدة قرون . وقد انتقلت السلطة منهم وفي سلام الى ايدي التنجور .
    2- وبمرور الزمن ارتبط التنجور بالكيرا ، وهم من فروع الفور . ومن هذا الارتباط برزت مملكة الكيرا التى حكمت دارفور بعد ان انتزعت السلطة بالقوة من ايدي أقاربهم التنجور .
    3- تم بسط الاسلام في دارفور تحت ظل الكيرا ، وخاصة في عهد الملك سليمان صولون ، حوالي عام 1600 ميلادي .
    ومع انه ليس هناك شك في حقيقة احمد التنجور تاريخيا وفي اهمية دارفور ،الا انه ليس هناك اي تاريخ محدد او تفاصيل مسجلة عنه . ولكن الفترة التى انتقل فيها الحكم الى الكيرا تبرز بوضوح اكثر من الظلمات . فاذا كان شاو او صاو ودليل او دالى قد ولدا من نفس الابوين لما كان هناك ادنى سبب لتسجيل شاو كآخر ملك للتنجور، ودالى كأول ملك للكيرا كما يحدثنا به السكان العارفون بتاريخ البلاد . ولذا يبدو ان مملكة الكيرا تستمد اسمها من جانب الام فقط ، وان دالى الاخ غير الشقيق لشاو ينتمى الى الكيرا عن طريق امه . وكان مقام الملك شاو المعتاد هو في جبل سي في سلسلة كاورا ، وهي حافة بارزة من الجبال الشمالية من جبل مرة ، بينما كان المقر الرئيسي للكيرا في جبل نامي في سلسلة جبل مرة . وهنا ايضا عاش دليل بحر او دالى بينهم . وقد كان الدنقونقا دائما هم اكثر فرع بارز في قبيلة الفور ، وكان الكنجارا اهم الاكثر عددا . ولكن الكيرا كانوا اهمهم من الناحية السياسية نسبة لان ابنة احد زعمائهم كانت جدة ملوك آخر مملكة .
    وكان الملك شاو الذى يلقب بدورشيت ، سيد الضر ، مما يشير الى شدة حكمه ، حاكما ظالما يعامل شعبه واتباعه بصرامة شديدة . وقد قادهم من حملة عسكرية لأخرى وفي ظروف صعبة ، كما اجبرهم على حفر الآبار في المناطق الجبلية العالية ، وسخرهم لتسوية قمة جبل مايلو حيث كان ينوى بناء قصره ، وهو جبل في منطقة روكوري في السفح الغربي لجبل مرة ، يسمى اليوم ميلوفنج جرتو او ميلو الجبل المسوى او المحفور . وبسبب البطء في عملية تسوية القمة كان لابد في النهاية من هجر المشروع .
    وقد كسب شاو عداوة شعبه حتى انه في احدى المناسبات عندما كان في احدى الحملات ضد قرى متمردة في جبل سي طلب كبار القوم في البلاد من دليل او دالى اخيه ان ينتزع السلطة اذ كانت البلاد كلها قد تعبت وشقيت بحكم شاو . وعندما علم بخبر ثورة اعيانه عاد شاو باسرع مايمكن بكل قواته ، وعسكر ليلا في توري ، مقره الثاني ، الذى مازال باقيا في جبال كاورا . ومن هناك تقدم الى سي دنقلا ، وهي ليست بعيدة من جبل نامي احد اعلى قمم جبل مرة . وقد هزمه اخوه دالى في معركة ليلية في بره . وكان معظم اتباع شاو الجسور قد هجروه . وفي النهاية هرب الى توري ، وصرف في الطريق الباقين من اتباعه المخلصين قائلا : (( امضوا الى مليككم الجديد ... الملك دالى )) . وصرف حتى اطفاله وزوجاته . وطارده دالى الى توري ، ولكنه لم يعثر له على اثر هناك . وتقول الروايات الشعبية انه فر على جواد أبيض وانه اختفى .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2007, 02:44 PM

حماد الطاهر عبدالله
<aحماد الطاهر عبدالله
تاريخ التسجيل: 29-06-2006
مجموع المشاركات: 2159

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    مشكور يا أخ بدر الدين على هذا المجهود الكبير.

    متابعين معكم بالقراءة والنسخ حيث وصلنا حاليا

    ص رقم 53 بالبونت 14 بدون صفحتي الغلاف (أي الأولى

    والأخيرة)، لا نريد أن نقاطع نشركم للكتاب بألتعليق

    كما لا نريد للموضوع ألا يرفع بالبورد، والتوازن بين هذا

    وذاك في غاية الصعوبة كما أحسب أن المتابعين كثر ولكن

    نفسهم طويل و لا يريدون إزعاجكم بالمداخلات ، عموما

    سنعلق لاحقا على كلام المؤلف (الخواجة) والترجمة الراقية.

    فلكم منا وللمترجم والأستاذ/ عالم عباس ألف تحية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2007, 03:09 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: حماد الطاهر عبدالله)

    لك التقدير أخى حماد الطاهر
    وتسرنى متابعتك والاخوة الآخرين وكلنا
    اصحاب وجعة كما يقول المثل واكيد
    حا تثروا الحوار بعد اتمام نشر الكتاب
    وخصوصا انتم ابناء دارفور لانكم أدرى بشعابها
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2007, 06:06 PM

JOK BIONG
<aJOK BIONG
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 5378

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    عزيزي
    هذا هو السودان التجاهل لتاريخ اهله ..
    لم نجد معرفة كافية عن تاريخ سلطنة دارفور فقط يشار اليه في عدة سطور في حين يتم ضياعة وقت اطول في دراسة تاريخ العرب(غير عرب السودان) و الاسلام (الخلفاء الراشدين وفتوحات الاسلامية ) التى لا تدرس اصلا في دول العربية وكأن الذين وضعوا منهج التاريخ التى تدرس في مدارس السودان ارادوا تخريج مجاهدين الذين توجهوا الي الجنوب ومارسوا ابشع ما لم تمارسه هتلر النازي في اليهود.
    لك تحية
    جوك

    (عدل بواسطة JOK BIONG on 09-12-2007, 06:09 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 11:41 AM

Zoal Wahid

تاريخ التسجيل: 06-10-2002
مجموع المشاركات: 5355

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: ويقوم الاهالي بإخراج حبوب ثمر الدليب وهو لايزال تحت الارض ويأكلونه على الفور .
    والثمرة بطول 15 الى 30 سنتمتر وتشوى ولها طعم مر ، ولكنه لطيف ،
    وتشبه بعض النباتات العرقية الموجودة في الجنوب ذات الصلة بالبطاطس .

    تسمى (الهالوك) وطعمها طيب جدا اذا سلقت بالماء. يحب الاطفال اكلها.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2007, 05:04 AM

Zoal Wahid

تاريخ التسجيل: 06-10-2002
مجموع المشاركات: 5355

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الاخ بدر الدين

    تشكر على اطلاعنا على هذا الكتاب القيم

    التحية مرة اخرى لمجهوداتكم جميعا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2007, 08:04 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: Zoal Wahid)

    Quote: عزيزي
    هذا هو السودان التجاهل لتاريخ اهله ..
    لم نجد معرفة كافية عن تاريخ سلطنة دارفور فقط يشار اليه في عدة سطور في حين يتم ضياعة وقت اطول في دراسة تاريخ العرب(غير عرب السودان) و الاسلام (الخلفاء الراشدين وفتوحات الاسلامية ) التى لا تدرس اصلا في دول العربية وكأن الذين وضعوا منهج التاريخ التى تدرس في مدارس السودان ارادوا تخريج مجاهدين الذين توجهوا الي الجنوب ومارسوا ابشع ما لم تمارسه هتلر النازي في اليهود.
    لك تحية
    جوك


    الأخ جوك
    لك التقدير
    ياسيدى ان عوامل التعرية الطبيعية سوف تعرى كل زيف وكل مزيف للحقيقة
    والتاريخ كائن والتاريخ باين
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2007, 08:18 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الباب الثالث:


    وهكذا وصلت مملكة الكيرا الى السلطة ، واول حكامها دالى ، الذى كان اسمه الصحيح دليل بحر . وكتن دون جدوى جدال أنبغ امراء المملكة ، اذا استثنينا سليمان صولون واحمد بكر . وهو مؤسس المملكة لابحكم انتصاره على شاو ، بل لتنظيمه وادارته للبلاد ووضع قوانين مازالت ادارة البلاد ونظامها القانوني يقومان عليها الى حد كبير . وكأهله من جهه امه كان يحيا في جبل نامي . وكانت طرة على السفح الغربي للجبل تعتبر منذ ذلك الوقت مركز المملكة . وعلى مسيرة ثلاث ساعات الى الشرق من طره توجد شجرة نبق ، سدرة ، تعرف تقليديا باسم نومان فضة ، اي النبقة الفضية بعد ان فقد فيها خاتم للملك . ومن تلك البقعة قسم الملك دالى المملكة الى محافظات هى دار دالي في الشرق ، ودار أما في الجنوب ، ودار الريح او دار تكنياوي في الشمال ، ودار الغرب في الغرب ، وانشأ المبادئ العامة التى تضمن عائدات تلك المحافظات الى موظفي الادارة . وبعد ذلك اعلن القانون الجنائي الذى سجل بمرور الزمن في كتاب دالى . ولم تكن المبادئ التى قادته وهدته في وضع هذه القوانين مستمدة كلها من الاسلام ، ولكنها كانت بغرض تأمين السلطة وضمان عائدات ودخل كافيين للحاكم وموظفيه ، ولتوثيق الصلة بينهما . وليس في قانون دالى عقوبة الاعدام او اي عقوبات جسدية او تقييد للحرية الشخصية .
    فقد حدد القانون للجرائم الكبرى كما الصغرى غرامات تدفع بالابل اوالتكاكي وتختلف وفقا لفداحة الجرم . ومازال هذا التشريع ساريا في دارفور . وقد ادخلت فيه تحسينات وبعض تشويهات ، ولكن من جاءوا بعد دالى لم يضطلعوا باي تغييرات جوهرية في قانونه . ويقال ان عهده كان طويلا ورخيا ، ويبدو انه كان في منتصف القرن الخامس عشر ، ولكن ليس هناك تفاصيل اكثر دقة عنه .
    وقد خلف السلطان دالى عشرة ملوك ليس هناك شي ثابت ومؤكد عن اسمائهم وترتيبهم التاريخي ، كما ان علاقاتهم الواحد بالآخر غامضة ولابد انها كانت فترة صراعات ونزاعات داخلية وثورات كما يظهر من التغيير المستمر في الحكام .
    كان هناك ثلاثة من ابناء دالى هم صابون وسيكار (( صقر )) وبحر ، تلاهم ابناء صابون ، وهم بخيت ودردوس وادريس جال ، واولاد بحر ، اورو وتنسام وترينديم وكورو ولد ادريس جال ، وطير سلام ابن اورو . ثم تولى الحكم السلطان سلبطة بن محمد ، والسلطان شريف بن عمر ، والسلطان صلاح بن سلام ، ثم خمسة عشر اسما من الملوك لايتضح لهم ترتيب زمني او مدة حكم .
    وفي قوائم اخرى نجد رمشام ونصر وسمتريم وسكر سم . ومن التسعة عشر الذين سجلت اسماؤهم قد حكموا بالفعل : صابون ، ادريس جال ، دياتم ، دارسود ، وتنسام ، ترنديم ، سلبطة شريف وصلاح . وهناك شك في امر سيكر وبحر وبخيت ، وعدم احتمال بالنسبة لاورو وطير سلام ورمشام ونصر وسمتريم وسكر سم وكورو . وبعض المذكورين اخيرا ربما كانوا اسماء لنفس الشخص ،ولايستبعد ان بعض من ذكروا لم يكونوا ملوكا لدارفور بل مجرد زعماء للمسبعات ، اذ في تلك الفترة كان هناك انفصال في العائلة المالكة الى شقين كان كل منهما في البداية يدعي الحق في تولي العرش .
    ومن المحتمل الايكون السلطان كورو الذى يظهر في كل القوائم الملكية والعائلية كأب للملك سليمان صولون قد تولى الحكم . كما ان تنسام او تنسام ابن بحر الذى يذكر دائما كجد للمسبعات كان لزمان طويل هو المنتصر في الصراع ضد كورو ، وتصنفها معظم الوثائق بانهما اخوان ، ولكن قائمة الملك تيراب تجعل تنسام حفيدا ، وادريس جل وسابل كورو كاحفاد الملك دالى . وسبب هذا التناقض والذى مازالت تردده الاغاني الشعبية هو ملكية مرنجه في دار في ، وهي منطقة ادارية في دار الغرب والتى يطالب بها الاميران . وكان كورو قد استولى عليها ونشب اثر ذلك صراع طويل بينه و تنسام ، خسر فيه كورو الكثير . وتؤكد ذلك حقيقة ان سليمان صولون قد اخذ الى مكان امين وهو طفل ، وذلك لصالح تنسام . وكانت ام سليمان من المساليت . وقد اخذ عبر حدود دارفور الى اقربائها في وداي ، وهم من الزربان ، احد فروع المساليت . ويقال ان لهم سحنة حمراء ، اذ ان المساليت ينسبون الى اصل عربي ، ومازالوا الى اليوم يتمتعون بامتيازات قديمة تعود الى زمان كانوا بين افضل من قاموا بحماية سليمان صولون . وقد نشأ الصبي بينهم في وداي وعاد شابا ليستعيد مجد آبائه . ويسمى النحاس الذى ظهر به في موطنه القنسي بين الناس الكبار هناك ، كما ان درعه ، شريم ، كان له اثر سحري على سكان دارفور .
    وكان تنسام في جبل مرة ، ومن هنا طرد الأمير الشاب المقاتل عمه او خاله الكبير .
    ويبدو ان العادة جرت في فروسية ذلك الزمان ان يتبع نظام تحد خاص . ولذا خرج رسول من سليمان الى تنسام يغني الرسالة التالية اليه ، وتصاحب غناءه حركات راقصة محددة ومناسبة :
    (( سيلمان ولد كورو ، يرسلني اليك ، ويقول
    انه سيتحرك صباحا . ))
    واجابه تنسام بنفس الاسلوب :
    (( اذهب اليه وانبئه بأنه
    في صباح غد سيلقى تنسام . ))
    وليست هناك تفاصيل عن كيفية نجاح سليمان صولون في طرد تنسام من ارض اهله الجبلية ، اوكم من الوقت والمعارك استغرقه ذلك . ولكن الرواية التالية هي المؤكدة ،وتقول ان سليمان (( العربي )) وطد نفسه في جبل مرة واصبح حاكما لكل دارفور ، واعطى المملكة ابعادا تقارب حجمها الحالي ، بينما هبط تنسام مع قومه الى السهل باتجاه الشرق ، وسمي ماسا باوي ، اي الذى اتجه شرقا . واسس مناصروه قبيلة جديدة هي المسبعات التى نسي اصلها الفوراوي بالتدريج .
    وقد منح سليمان صولون ابن كورو المملكة اساسا جديدا باعماله الحربية وادخال الاسلام . وفي دارفور ، حيث يخجل الناس من ماضيهم الوثني هناك اتجاه لنسيان من سبقوا سليمان ، باستثناء دالى الذى تدين له الدولة بكل تنظيمها ، والذى لم يختف اسمه من ذاكرة الناس . اما سليمان ، فهو من احب الحكام واكثرهم شعبية . وهو لم ينجح في نشر الاسلام الذى كان قد ادخل فيه اسرته هو وحاشيته ،في كل البلاد ، ولكنه نجح في جعل عقيدة جديدة ، عقيدة رسمية للدولة الى لحد ما . وقد وطد سلطته داخليا وبسطها في الخارج . وعاش في أرمبا وكوبيه وسلوى وأم حراز ومجالا او نويو ، ومن هناك كان يخرج الحملات الحربية العديدة الناجحة . ويقال انه قاد بنفسه ثلاثين منها . وكان عندما يهز درعه الحديدي المستدير الصغير حتى تجلجل الاجراس الصغيرة التى بها ، كان الكل يشعر بان النصر حليفهم بكل تأكيد . ومازالت تلك الدرع شريم محفوظة بين كنوز اسرته .
    ولم يفلح سليمان في اخضاع كل الفروع العديدة للمساليت ، ولكنه هزم بعضها ، واخضع لسيطرته الاورو والبرقد والزغاوة والبيقو والتنجور الشجعان والذين مازالوا ينزعون احيانا الى التمرد . وقد بسط حدود المملكة شرقا حتى نهر الاتبرة ، وفي الشمال كان يعترف بحكمه حتى اقليم البديات . كان سليمان هو الذى هزم البرتي تحت ملكهم نمادو .
    وفي ذلك الوقت لم يتقدم الملك وقومه كثيرا في مجال الحضارة المادية . وكان الناس يلبسون الجلد ، وكان الملك يتخذ جلبابا من الجلد الاحمر ككسوة شرف . ويقال انه حين استجلب سجاد من مصر لموسى ، خلف سليمان صولون احرج الرجل فيما يصنع به . وقرر ان يلف به نفسه كثوب . ودام حكم سليمان صولون واحدا واربعين عاما من عام 1596 الى عام 1673 م ، ودفن في طرة في وسط المملكة ، حيث كل قبور ملوك دارفور منذ ذلك الوقت ، ماعدا عمر ليل ( 9-1637 ) الذى مات في الأسر في وداي .
    وكان دالى ايضا قد دفن و ابناؤه في منطقة طره ، وهي على بعد يوم ونصف من مقابر الاسرة الحاكمة الآن ، وقبر نمين بحر ، والد تنسام ، قريب من منبع وادي باري ، وقبر تنسام وحده في الشرق في مكان غير معروف .
    وقد خلف سليمان صولون في الحكم ابنه موسى الذى دام حكمه خمسة واربعين عاما ،ومن 1673 الى 1682 ، ولكن حكمه الطويل لم يكن بمجد حكم والده . ويقال انه كان محبا للسلام ، ومع ذلك اجبرته الظروف على شن حرب على القمر ، وان لم يستطع اخضاعهم ، كما اضطر الى حرب المسبعات الذين رفضوا الخضوع للجناح الاصغر سنا في العائلة الحاكمة . ويبدو انهم قاموا بحملات ضد موسى بقيادة سلطانهم جنقول ، ووقعت معارك في طينه وكولجه ، وهما قصرا اقامه الملك موسى في سفح سلسلة جبل مرة . وقد دفن موسى في طرة مع ابيه .
    وكان احمد بكر الذى خلف موسى اهم من ولي الحكم في المملكة بعد الملك دالى والملك سليمان صولون . وقد حكم اربعين سنة من عام 1682 الى عام 1722 م . وكان محترما في الداخل ومهابا في الخارج . وهو اصغر ثمانية ابناء لموسى ، أكبرهم قيقري الذى صاحب الحق في تولي العرش ، ولكنه وبسبب صرع اصابه في اول يوم لتوليه الحكم ، وماكان لاحد مسكون بالشيطان ان يكون سلطانا ، استبدل في اليوم نفسه باحمد بكر .
    وشرع احمد على الفور في ارساء الاسلام في بلاده ليجعلها دولة اسلامية حقيقية ، وسعى لجذب العلماء والفقهاء الى البلاد ، وبنى المدارس والجوامع ،وفرض على السكان ان يراعوا الفروض الاسلامية الاساسية الثلاثة ، وهي الختان وصوم رمضان واداء الصلوات الخمس اليومية . وبتقدير صحيح دقيق للمستوى المتدني للحضارة بين رعاياه ، دعا الى البلاد القبائل الاجنبية الاكثر تقدما للاقامة بها ، وضمن لهم حق الامتلاك والاعفاء من الضرائب ، وبذا حاول ان ينهض بالبلاد . ومنذ تلك الفترة كانت الهجرات الرئيسية من بلاد برنو وباقرمي لاعداد كبيرة من الفلاته والبولالا والعرب واهل وادي النيل . واصبحت دارفور بغية القصاد بفضل كرم ضيافته وعدالته النزيهة .
    وقد عاش احمد بكر اولا في قرى باقليم كرنه في المديرية الغربية ،ثم في مرة في اقليم في من نفس المديرية ، واخيرا في ابو أسيل ( عسل ) .
    وقد اصاب احمد بكر النجاح في حملاته الحربية ، فأسقط حكم القمر ، وطرد اهل وداي من بلاده .
    وكان مركز سلطة القمر في جبل نقط حيث كانوا ينطلقون منه لغرض السيطرة الواسعة على الزغاوة وسكان جبل مول وقبائل اخرى . ويقال ان حروبه مع القمر دامت سبع سنوات وسبعة اشهر وسبعة ايام ، وانتهت باحتلاله لجبل نقط ، ومكنته خيانة بعضهم من ذلك ، اذ كان احمد بكر قد اشترى ذمة زوجة ملك القمر برشوة بالذهب والجواهر ، فأرت محاربيه بقيادة ابنه الاكبر داورا ممرا الى الجبل صعب المرتقى ،وذلك بأن بعثت بجواريها عبر ذلك الممر في يوم متفق عليه لجمع الحطب . وان الانتصار على القمر الذى ابلى فيه محمد داورا او محمد هاروت بلاء حسنا ، حادثا هاما تأكدت به سيطره احمد بكر على كل الجزء الشمالي والشمالي الغربي من البلاد . وهناك مدفع يبدو انه دخل البلاد آنذاك بطريقة خارقة واستخدم في تلك الحرب ،ومازال حتى سنوات قلائل موجودا في مرة ، احد مقار احمد بكر .
    وفي نفس الفترة شن عروس ، ملك وداي ، هجوما على دارفور ، كما سبق ان ذكرنا في حديثنا عن وداي. وكانت وداي منذ عهد موسى ترسل كل عام فتاه ملكية الدم الى حريم ملك دارفور . وتحت تأثير ضغط من شعبه رفض عروس دفع تلك الجزية ، وقام بغزو دارفور دون اعلان الحرب ، ووصل حتى منطقة كبكابية الحالية في السفح الغربي والطرف الشمالي من جبل مرة . ويبدو ان احمد بكر لم يشعر بأنه قوي بما يكفى او ضامن القدرة على حسم الامر دفعة واحدة وللأبد مع جيرانه الخطرين . فهجر مقره في الغرب وعاد أبو عسل (( اسيل )) بالقرب من طره في جبل مرة ، واخذ يستعد بهمة للحرب . وفي الوقت نفسه بعث الى مصر طلبا في الحصول على اسلحة نارية ، والى باقرمي ليضمن لنفسه حلفاء هناك . وبعد ان شعر بعد عامين بأنه ند لعدوه او متفوق عليه نزل من جبل ابو عسل ( اسيل ) وهاجم عدوه بالقرب من كبكابية . وكان النصر حليفه في هذه المعركة التى رمى فيها محاربو وداي دروعهم . والاسم كبكابيه يعني (( رموادروعهم )) . وطارد عدوه الى جبل شوتاك على وادي بارى ( بإماله الراء ) والذى يعني قف ، والذى استمد اسمه من تلك المناسبة .
    وبعد ذلك عم السلام البلاد . ولكن بما ان احمد بكر كان قد طعن في السن واصبح موهون القوى وخاصة السمع ، فقد ساعد ذلك في خلق اسباب للتذمر وعدم الرضا . ويقال ان اخاه قيقري نجح وقتئذ في كسب الرياسة لنفسه مرة اخرى ،وانسحب احمد بكر الى الجنوب الغربي من المملكة ، الى كولي في مديرية ابوديما حيث جعل عبيده يصنعون دروعهم ، اخذ يحضر ويستعد للحرب . وفي الخريف حين كان الناس في كل مكان منشغلين بالعمل في المزارع ، زحف على طرة واستعاد جبل ابوعسل (( اسيل )) ، وقتل اخاه قيقري ، وعاد مرة اخرى السيد الذى لامنازع له . وفي النهاية اراد ان يخرج في حملة على كردفان حيث وطد المسبعات انفسهم ،ثم يعبر النيل لحرب الفونج ، ولكنه مات في الطريق عند جبل تيكا . والمكان الذى جهز فيه جثمانه للدفن ، القبة ، سمي المندر .
    وكان حين خروجه الى الشرق قد جعل ابنه هاروت او محمد داورا خليفة له . وكان محمد محاربا شجاعا ، ولكنه كان ايضا انسانا قاسيا وهمجيا .وكان احمد بكر الملك العزيز يعرف ذلك جيدا ، وشعر بقلق على بقية ابنائه ، وكان له مائتان فيما يقال ، وعلى البلاد . اذا ماجاء وقت غيابه الابدي . وعندما مرض وشعر بدنو اجله طلب ان يستدعى خليفته محمد داورا فورا اليه واعطاه وصيته الاخيرة وخاتم الملك . ولم يكن ذلك من عاده الملوك السابقين ،وكان احمد بكر اول من استخدم الكتابة ، وجعل فن الكتابة يدرس في البلاد بواسطة علماء اجانب . وحين اعطى ابنه الخاتم الملكي حذرة بشكل خاص من القيام بأي اجراءات قاسية ضد اخوانه ، ويبدو انه كان يحب احد ابنائه حبا خاصا ، وهو يوسف الملقب بدليب ، اذ انه امر ابنه محمد الايؤذى يوسف ، وتنبأ له بالدمار اذا مامس يوسف بشر . وكان اقصى مايخشاه الملك المحتضر كما قال ان عهده هو نفسه سيتنهي نهاية مؤسفة . ولكن برغم ذلك ورثه المملكة باعتباره اكبر ابنائه . وبذا انتهت حياه احمد بكر النشطة ، وكان توقعه في مكانه ، اذ تحققت نبوءته .
    وكان محمد شديد البأس منذ ان صار خليفة ، وبذا فرض سيادته دون ان يجابه بأي معارضة على الرغم من انه لم يكن محبوبا بين كبارالقوم والاعيان . ولكيلا يتيح للأعيان اي فرصه لدس بين الافراد العائلة المالكة سعى للتخلص من اخوته جميعا . ولم يترك الا من كانوا في سن غضة . وقد فر بعض البالغين منهم من قسوته ، ومنهم طاهر جد مخبري ، وعبدالرحمن وتيراب وابو القاسم وكوني ، وأساغة وكدوك ويوسف دليب واخرون . وقد تنكر معظمهم في زي النساء ، وبذا افلتوا من مكائد الملك . وسعى بالتدريج لاستبعاد خطر كل الباقين حتى لو كان لديه ادنى شك في انهم قد يحظون بتعاطف من الشعب .
    وبعد ان حد من عددهم لم يرحم حتى ابنه الاكبر موسى عنقريب الذى كان قد اعلنه خليفة له على غرار مافعل والده له هو نفسه . وقد اذكت شكوكه نحو موسى ام ابنه الثاني عمر وحاشيته بوشايه بان موسى يطمح بالسلطة لنفسه . وبما أن الاب كان قد بدأ يفضل عمرا ، لم يكن صعبا ان تثار حفيظته ضد ابنه الاكبر . وسرعان ما عرف موسى بالامر وبذا وجد نفسه مدفوعا الى التمرد الفعلي . ورفض طلبا من ابيه للمثول امامه ، وقاوم حين اتاه ابوه بقوات بين حلوف وجديد السيل . وتخلى والده بعد ذلك عن اللجوء الى استخدام القوة ، وقبض على ابنه العاق بالحيلة والخداع . فبعث بجد اسحاق الذى صار القاضي فيما بعد ، والجد الكبير للفقيه سالما ومعه فقيه مشهور من كاتشينة حاملين رسالة الى ابنه فيها العفو عنه ، ودعوة له للقدوم اليه . ولكن هؤلاء الرجال الاتقياء لم يخفوا عن الملك خوفهم من شر يحيق بموسى ، وجعلوه يقسم على القرآن انه لايضمر له اي اذى . وقد اغلظ محمد داورا الايمان ، فأتاه موسى ، واستقبل بما يليق به من جانب والده ، ثم اعرب الوالد عن رغبته في تقليده جبة شرف . وماان ادخل موسى رأسه في الجبة حتى امسك الملك بندقية وهشم جمجمة ابنه بمؤخرتها .
    ورغما عن تحذير والده ، اقدم محمد داورا على قتل اخيه يوسف دليب الذى كان سجينا في جبل مرة في معتقل للسجناء السياسين في مغارة عميقة . ولكن انتقام القدر عاجلة ، فقد اصيب بالجذام وعانى من ذلك الكثير . ويقال ان لسانه قطع ، ومات بعد حكم دام عشر سنوات ، من 1722 الى 1732 ، وكان يعيش في جبل موجالة في منطقة الروكوري على السفح الغربي لجبل مرة ، ودفن مثل أسلافه في طرة بالقرب من قبر والده .
    تبع ذلك عهد ابنه عمر ، وكان قصيرا . وكانت كنيته عمر ليل ، الحمار ، ودام من 1732 الى 1739 م . وكان اقل قسوة من ابيه واقل شرا ، ولكنه آذى البلاد بسبب شدته وعنفه ومزاجه النزاع الى القتال . وفي البداية عاش كأبيه في موجالة ثم في قوقرما – في المديرية الغربية بالقرب من جلدامه . وقد سجن ابا القاسم الذى كان اخطر المتطلعين الى العرش بحكم شعبيته الواسعة بفضل اريحيته وشهامته ، وأبقاوه في جبل مرة . اما الآخران وهما ابنا احمد بكر بلبلي وأبيض فقد هربا الى الملك عيساوي ابن جنقل وحاكم المسبعات في كردفان . وكان عيساوي يخشى استضافة امثالهم لانه كان يعلم مدى خطورة مزاج عمر الانتقامي . وتخلص من هذا الموقف الخطير باستراتيجية .. فقد حرض الامراء على التمرد ونصحهم بالعبور الى دارفور عبر اقليم الزريقات الاستيلاء على البلاد بالمباغتة بمساعدة عرب الجنوب . وقال انه على استعداد لادارة غضب الملك نحوه . ثم ارسل خطابا الى الملك يعزيه في وفاة ابيه محمد ، واكد انه يعتبره كأبن له . وطلب منه ان يتجلد ويصبر ويسلو ، واضاف عيساوي انه اذا كان عمر يرغب في تزويج زوجات ابيه واخواته هو نفسه الى بعض وجهاء البلاد ، فليحجز امه لعيساوي ، اذ ينوي ان يتخذها زوجة حليلة له وسيقوم بالمجئ لاخذها بنفسه . فوقع عمر في الفخ واشتط غضبا من وقاحة واليه ، فتوجه على الفور قاصدا كردفان . وكان عيساوي في تلك الاثناء قد فر الى سنار الى الملك تونجي وارسل من هناك خطابا الى عمر قائلا فيه انه اذا جاء في طلبه فان الرحلة عديمة الفائدة ، اذ انه لن يقاومه ابدا ، فهو اضعف من ذلك ، ولكن اذا كان قدومه في طلب عميه ، فليعلم انهما قد عبرا منذ وقت اقليم الزريقات الى حدود دارفور لينقضا على البلاد من الجنوب . ومن ثم عاد عمر واسرع حتى ان قومه رغم خوفهم منه ضجوا بالشكوى علنا . وبدلا من ان يجيبهم ادخل يده تحت جبته واخرجها ملطخة بدم من بين ساقيه . ولكي يبين لهم انه لايقل عنهم معاناة من الاجهاد . وهاجم الامراء المتمردين في دار برقد ، وهزمهم في كلمبه .
    ويجدر ان نسجل هنا ان وثائق اخرى تزعم ان الاميرين لم يهربا الى عيساوي ،زعيم المسبعات بل الى ملك سنار الذى يقال انه كان مدركا لشجاعة ابيض في القتال والتى استوثق منها في حملة من حملاته على جيرانه الوثنيين ، وكان يخشى على سلامه حكمه ، فأغرى السلطان عمر بالخطاب الذى ذكرناه آنفا للذهاب شرقا فر هو نفسه ، وحاول أبيض دخول دارفور من الجنوب .
    وكان عمر يقوم ببعض الحملات العسكرية الصغيرة كل سنة تقريبا ، اما في داخل البلاد او خارج حدودها . ولم يكن يستطيع العيش دون قتال . وكان سريع الغضب حتى انه كان يحكى ان كل من كان ينظره كان يصاب بالهلع ويرتجف فرقا . وكان يحضر ويستعد للحرب دائما ، وكثرت معاركه حتى تعب منه رعاياه بعد سنوات قلائل . وفي النهاية جهز لحملة واسعة ضد وداي ، والتى كان قد اغار عليها اغارة خاطفة من قبل . وكبدته هذه الحملة الثانية حريته وعرشه . وكان صبر الناس قد عيل تماما من جراء تلك الاستعدادات . وحدث ان كوني ، احد ابناء جده الكبير احمد بكر والذى ظل يحظى برضا الملك عمر ، طلب منه قبل تحرك القوات ضد وداي ان يطلق سراح اخيه ابي القاسم من سجنه من جبل مرة . وعندما كرر كوني طلبه رغما عن كل التحذيرات ، وعده الملك بالاستجابه لطلبه ، ولكنه تنبأ بأن كوني نفسه سيكون اول النادمين على ذلك . وكان يريد الهجوم على برقو ( وداي ) كما قال لانه وعرف عواطف شعبه يريد ان يموت كالرجال في الميدان بدلا من ان يلقى نهاية لامجد فيها ، مكروها ومبغوضا ومتآمرا ضده في بلاده . وسيكون ابو القاسم خلفا له ، وسيكون كوني الذى طلب العفو عم ابي القاسم اول ضحية لغيرة اخيه . وقد افرج عن ابي القاسم ، وسار الملك للهجوم على وداي، وفي معركة فاصلة هناك هجره معظم قومه ، فأخذ اسيرا ، ومات بعد سنوات عديدة في الاسر .
    وكما تنبأعمر ليل انتقلت السلطة مباشرة ودون حداد شعبي كبير الى ابي القاسم الذى وان لم يخل من شهامة كان شديد الاندفاع والتأثر وميالا الى سماع ايحاءات جلسائه المقربين ، كما انه لم يكن رحيما تجاه اعدائه او من يعتبرهم اعداء له . ودام حكمه ثلاثة عشر عاما ، من 1739 الى 1752 م . وبمرور الزمن ساءت علاقته بشعبه مثلما كانت علاقات ابن اخيه الذى خلفه هو على الحكم . وقد فقد الصلة تماما بالاحرار من شعبه ، وقرب اليه العبيد واغدق عليهم المناصب العليا والاموال . وقد قام بتجهيزات هائلة للانتقام من وداي لهزيمتها لدارفور ، وفرض على البلاد كلها ضريبة اضافيه عبارة عن رأس من الماشية على كل بيت . وعندما زحف على وداي كان دفع الى الميدان اثني عشر الف فارس مسلحين بالسيوف والدروع . بالاضافة الى المشاة من المديريات . وكانت وداي قد استعدت لمثل هذا الهجوم منذ موت عمر ليل ، وان كانوا قد اكتفوا ، وفقا للأنباء السارية في دارفور ، بتلاوة القرآن ، وخاصة سورة ياسين . وعندما علم ابو القاسم بذلك من رجل قادم من وداي ، ضحك وقال انه غير منزعج من (( ياسين )) وماشابه ذلك ، فهو عنده الخيل والسلاح والدروع ، وانه بذلك سيكون حاكما افضل . من ان يعتمد على تلاوة القرآن . وقال لمخبره ان عليه ان يوصي الناس السكان اثناء عودته بان يعدوا العسل واللحم كي يجد جيش دارفور مايريده في الطريق . وقد عوقب أشد العقاب على غروره واغتراره بنفسه . وكان بحر الزغاوي وزيرا للملك ، يرفعه ويعزه فوق كل الفور. لكن هذا الرجل وعبيده الذين كانوا قد وضعوا في خط المعركة الامامي بينما الاحرار في الصف الثاني لم يستطيع ان يساعد الملك على النصر .
    والاحرار الذين كانوا حاقدين على الملك وساخطين ، والذين اهينوا هنا بوضعهم وراء العبيد ، لم يجدوا حرجا في لحظة الخطر هذه في التخلي عن الملك عندما اخذ حراسه من العبيد في التردد والخذلان .
    وانطلقت الصيحات من كل الجهات :
    (( ياعيال الفور فروا ،
    فالفرار وحده منجيكم
    اهجروا ابا القاسم
    خلوا البقر الذى اخذه منا
    خلوا بحر الزغاوي يحارب في سبيله ))
    ولكن عندما اسر محاربو وداي النحاس الفوراوي المجيد العتيق ( المنصورة ) ، استفز ذلك الاحرار ، فاستبسلوا حتى استردوا النحاس من ايدى العدو ، ثم انسحبوا سريعا ماوسعهم ذلك . وكان ابو القاسم قد فقد ،وبدا انه قد قتل او اخذ اسيرا . وكان اخواه تيراب وعبدالرحمن قد جرحا ،واسر الوزير بحر .
    وبالرغم من هذه الهزيمة عاد الفور راضين الى بلادهم ولسان حالهم يقول : (( وبعد آن تحررنا من ابي القاسم سنحسم الامر مع اهل وداي فيما بعد )) . ولكن ماان استدعوا محمد تيراب ، اخ ابي القاسم ، لتولي العرش حتى ظهر ابو القاسم مره اخرى . وكان احد رجال قبيلة المحاميد قد وجدوه جريحا جرحا بليغا ، واتى به الى قبيلته دون ان يعرفه ، وهناك اعتنى به حتى استرد قوته ، ولكن كبار رجال البلاد كانوا معترضين على ذلك . وقالوا لتيراب انه اذا عاد ابو القاسم الى السلطة فلن يأمن واحد منهم حياته حتى لساعة واحدة ، وانهم يعتبرون انفسهم محظوظين نتيجة هزيمتهم ، اذ تحرروا على الاقل من الملك . فهل يحرم تيراب البلاد من السلام ، ويحرم نفسه ويحرمهم من الامان الذى نالوه لتوهم ؟ انهم لن يحتملوا ذلك الوضع مرة اخرى ، وان لزم الامر سيعارضونه بالقوة . ولمصلحة البلاد والامن العام ، قرر تيراب ان يكفي الناس شر أخيه ، فأمر بخنقه بتكيه بيد رجل يسمى وير . ومازال منصب كبير الجلادين الى اليوم في يد احفاد ذلك الرجل ، وان كان الجلاد نفسه بحكم منصبه العالي لم يقم بتنفيذ الحكم فعليا بيده .
    وكانت اخت ابي القاسم الاياباسي زمزم المسماة سندي ستره اي العذراء ، لانها لم تتزوج ،موجودة حين قتل اخوها ، فانفجرت في عويل شديد ، فاحالها تيراب ايضا الى الجلاد . ووضعت سلطة الاياباسي الى اخته كورنقو .
    وقد عاش ابوالقاسم في قيرلي (( قوري )) في وادي باري في المديرية الغربية ، ودفن في طرة بالقرب من قبري احمد بكر ومحمد داورا .
    وكان محمد تيراب حاكما ممتازا ، حافظ على صيته في الداخل والخارج ، وسعى لوضع حد لعدم الامانة الادارة . لكنه رفع الزغاوة ، مما أغضب شعبه . وكانت امه من الزغاوة . فوضع خاله هاروت م وغاوة كوبيه سلطانا على اقليم كوبيه ، واعطاه نحاسا ، وهو مظهر ذلك التكريم . وعين عمر ابن هاروت محافظا على القصر الاميري ، اورندولنج ، وعين حسيب العقران ، او هو ابن آخر لهاروت ، ابا ايرلنجا ، وهو منصب عال ، وحصل على سلطة عظيمة . ويقال ان تسعة عشر من كبار الاعيان كانوا من الزغاوة . وقد سحب من سلطان القمر السجاد الاميري الذى كان قد ترك له بعد خضوعه الاول ، وضم الى المملكة بشكل نهائي اقاليم البرتي والبيقو والبرقد ، ووطد ودعم سلطته وسيادته اكثر فأكثر .
    وقد كان عهد تيراب الذى دام ثلاثة وثلاثين عاما ، من 1752 الى 1785 ، عهدا زاهرا ، وقد اقام في قيرلي و قوقورما وشوبا . وكانت شوبا مقامه الاثير . وفي ايامه حدث تمرد في البرقد الذين اتهموا الملك بأنه كان يبيع بناتهم الى الجلابة رقيقا ، والذين كانوا يسلمون منهن كل عام عددا كمحظيات للملك وزوجات لاعيانه او خادمات بالبيت في القصر الاميري . ولقمع ذلك التمرد اقام تيراب مقره في ريل في الجنوب ، تاركا ابنه اسحاق كخليفة له في شمال غرب المملكة .
    وهناك حكاية طريفة عن اختياره لخليفته ذاك . فقد كان لتيراب ابن من نفس العمر من زوجته المفضلة والتى كانت تريد ان ترى ابنها خليفة . ولكن الملك لم يعط ردا لطلبها ، بل استدعى ابنها اليه ، وكان امام مدخل الباب أسد رابض خاف منه الابن ، فآثر ان يظهر امام ابيه من باب خلفي . وطلب منه الملك ان يحصل على حرير من خياط ، فمضى الفتى ولكنه عاد سريعا ليسأل كم من الحرير يريده الملك ، ثم مضى وعاد ليسأل عن لون الحرير ، وعاد مرة ثالثة يعرف ان كان حريرا خاما او مغزولا . فامر الملك باستدعاء اسحق الذى شق طريقه بجرأه عبر الاسد الرابض وسأل مباشرة بعد ان عرف مايريده منه والده عن لون ونوع وكمية الحرير المطلوب . فصرف الملك ابنيه ، ولم يكن امام زوجته المحبوبة الا ان توافق على ان ابنها لايمكن مقارنته باسحق ، لافي الشجاعة او الذكاء ، واعتمد بذلك تعيين اسحق خليفة لابيه .
    وقد اخضع تيراب البرقد لطاعته بشكل تام . ومن تلك الحملة جلبت تحفة هي مروحة شعر الماعز التى يمكن رؤيتها في الازمنة الاكثر حداثة مثبتة على الحراب التى تحمل امام ملوك دارفور . وكان زعيم البرقد الذى عانى هزيمة مرة قد حلقت ذقنه بأمر من تيراب ، واخذت كتحفة للقصر ، ومعظم تلك التحف من عصر سليمان صولون . وقد استبدلت ذقن زعيم البرقد فيما بعد بمنشية من شعلا الماعز .
    واستقر تيراب اخيرا في ريل لكي يزحف على عرب الرزيقات . ولكنه لم يصادف نجاحا في حملته ضدهم ، اذ كعادتهم فروا الى الجنوب الى دار جانقي – بلاد الدينكا – تاركين حقولهم واكواخهم لاعدائهم . وفي نفس ذاك الوقت بلغ تيراب ان المور سلطان التنجور كان يجمع جيشا في جبل كاكس .
    وقد قتل المور فيما بعد ، وقتل معه اقرباؤه وعدد كبير من التنجور .
    وتمرد المساليت ايضا مره اخرى ، وتوغلوا في ارض دارفور . وبعد هزيمتهم على يد تيراب بالقرب من ريل انسحبوا الى كاتول في كردفان ، ولاحقهم تيراب وهزمهم مرة اخرى .
    وقد مات تيراب في كردفان في حملة ضد سلطان الفونج الذى كان يباهي بانحداره من ام سليمان التى يقال انها تزوجت فونجاويا اثناء سفرها الى الحج لمكة .
    ويقال ان تيراب قد اوقف عشر سنوات من حكمه للدين ودراسته . وكان بحق افضل كاتب في البلاد ، واكثر الامراء علما في دارفور . وكان يطلب الكتب فتجلب اليه من مصر وتونس . ولكنه كما الخبر خصص العشر سنوات الاخرى للاستمتاع بالمريسة والنساء وحب البذخ . وقد امر ببناء بيت له في شوبه طوله 55 مترا ، وعرضه 20 مترا ، وارتفاعه 72 مترا ، به 33 غرفة لزوجاته الثلاث والثلاثين المفضلات . ةهناك اعدت له المؤن لعام كامل ، وهي عبارة عن 365 خروفا . وقد عزل نفسه عن الكل لمده عام لايرى الا وزيره ، الذى كان يأتيه كل يوم بالانباء والتقارير ، ويحكم البلاد وفقا لتعليمات سيده .
    اما اسحاق ابن تيراب وخليفته فقد كان افضل من يحق له تولي العرش بعد ابيه . كان رجلا قويا ، وله سند قوي وكبير . ولكن البلاد وحتى قواد الجيش كانوا قد ضاقوا بالحملات العسكرية والنفقات والنفاق والجهود المقترنه بها . ومن هذه الزاوية كان اسحاق لسوء الحظ يتوسم فيه المضى على خطى من سبقوه ، وان يتفوق على ابيه في حماسه العسكري . وكان الوزير علي ولد جاما ومعه كثيرون آخرون يتمنون ان يولو اسحاق العرش ، ولكن قائدا عسكريا بارزا هو حسيب الله جران كان يريد العرش لحبيب ابن زوجه تيراب المفضلة . كنانه . وكان له ايضا حزبه ، ولذا انقسمت الآراء .وكان الجيش بحاجة لقائد بعد حين ،وكان في صفوفه اخوان تيراب هما طاهر ، جد مخبري ، وعبدالرحمن . وكان الفور يفضلون عبدالرحمن ، خاصة لانه ظل حتى الان دون قوة او حول وبلا اهمية ، كما ان اسرته كانت صغيره ، اذ ان الولاة قد تعلموا حقا ان يخشوا مثل اولئك الناس بكثرة حواكيرهم الغنية وصراعاتهم الحتمية في سبيل العيش . كما ان عبدالرحمن الذى لم يعرفه الجيش الا في الحملات ضد الرزيقات لم يكن يبدو متحمسا للحرب او النزاع . وكان مستقيما ، نزيها ، ومحبوبا وتقيا وكاتبا ماهرا وذا فهم وادراك جيدين .
    وعندما اجتمع قادة الجيش بعد موت الملك وتشاوروا في امر المستقبل القريب ، ورشح طاهر بن بكر اخاه عبدالرحمن ، ابرز كونه يكاد يكون بلا ولد ، وذلك مصدر كل المشاكل في دارفور ، وانه يصلح للملك اكثر من طاهر نفسه الذى كان كثير الولد . وكان لاسحاق حزب كبير وخاصة في الجيش ،ولكن السلطة كانت قبل كل شئ في ايدي الامراء الذين كانوا حاضرين . ولذا ظل كثير من انصار الخليفة صامتين في امل مكتوم بانه ( الخليفة ) سيعرف كيف يحمي مصالحه فيما بعد .
    ويبدو ان الملك الراحل كان يتوجس خفية من عبدالرحمن ومخططاته ، ولذا اراد ان يتركه وراءه بالقرب من ابنه اسحاق حين ذهب الى كردفان ، ونصح اسحاق بالتخلص من عبدالرحمن . ولكن رجلا حكيما نصح عبدالرحمن الذى يعيش في العاصمة كفقيه فقير ، ان يلحق بالملك اذ ان خيرا كبيرا سيصله في تلك الحملة . ولذا ألح عبدالرحمن في طلبه بالسماح له بالذهاب مع اخيه الملك .
    وسمح له بذلك اخيرا . ولكنه كان في حال من الفقر جعلته يركب هو جوادا بينما كانت زوجته امباسا التى كانت حبلى بالجنين الذى صار فيما بعد الملك محمد الفضل ،تمشي على قدميها ، حاملة متاعها والرحى فوق رأسها .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 07:10 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل الثالث:

    وتمضى الرواية قائلة بأن عبدالرحمن كان على صلة طيبة بكنانه زوجة تيراب المفضلة ، وانها بتحريض منه رفضت ان تأخذ الادارة لصالح ابنها حبيب الذى كان له بدروه حزب . وقد ازدادت جماعة عبدالرحمن حتى ان الوزير على ولد جاما انضم وسانده . ولذا اعلن عبدالرحمن ملكا ، مبدئيا في بداية الامر في شرق المملكة ، لان الشمال والشرق كانا تحت اسحاق الشجاع والذى لم يكن من يتوقع منه التخلي عن حقوقه . فالسلطة المتاحة لاسحاق كخليفة كانت عظيمة ، وعندما بلغه نبأ تنصيب عمه ملكا تحرك باسرع مايمكن . وخرج عبدالرحمن الى جنوب كردفان عبر منطقة الرزيقات والى الغرب والتقى بقوات من جيش اسحاق بالقرب من تبلدية سدر ، وكانت تحت قيادة العبد الحاج مفلح ، هزمه عبدالرحمن . ثم تحرك اسحاق مع قائد جيشه ابوجباي بحر ، ووقعت معركة بينه وعمه في رعد تلداوه ( ريل ) ، لكنه اضطر الى التراجع . ولكن انتصار عبدالرحمن لم يكن نصرا حاسما بما يكفي ليتعقب اسحاق . وكان عليه ان يعرف مدى قوة وشجاعه خصمه ، ولم يشعر بثقة في النصر ، ولذا سعى من جهة ليثبت انصاره اكثر ويوثق الصلة بهم . وكان كثير منهم مع اسحاق في قراراتهم ، ومن جهة واخرى حاول ان يكسب لنفسه اصدقاء بين انصار اسحاق . وقد افلح في ان يعيد الى صفة الرجل الذى يتمتع باكبر ثقة عند الخليفة ، والذى كانت تربطه بعبدالرحمن علاقات ودودة فيما سبق ، وهو ابوجباي بحر. ومن خلاله دبر الامور بحيث يقوم اسحاق وعلى اساس الخيانة بمصادرة املاك القادة الذين خرجوا مع ابيه تيراب الى كردوفان وبقوا بعد ذلك مع عبدالرحمن وان يستخدم ذلكم لاغراض عسكرية ، اذ ان عبدالرحمن كان يعلم تمام العلم ان حزب اسحاق مازال قويا بالذين معه ، وحاول بهذه الحيلة ان يسعى بينهم وبينه وان يجتذبهم الى جانبه . وقد وفق في ذلك تماما .. لان اسحاق بطبعه الحاد الملتهب وقع دون اي تدبر في الفخ الذى وضع له . وفي نفس الوقت بعث عبدالرحمن خطابا الى اسحاق خاطبه فيه باعتباره والده ، وعرض عليه اقتسام المملكة معه . وهي مملكة واسعة ، تاركا له الخيار بين الشرق والغرب . رفض اسحاق هذا العرض ، وكان نصرا ومتحمسا لان يكمل الحكم الباهر الذى لابيه ، الذى كان محبا للمظاهر ، لان بساطة عمه لاتبشر الا بسلوك لا يليق بمن سبقوه .
    عقب ذلك ارسل عبدالرحمن التكنياوي تمساح ضد اخيه الذى كان مقيما في توما قريبا من كفوت في الجزء الشمالي للمملكة . وقام فقيه مشهور من كوبيه بمحاولة اخرى للتوفيق والصلح بين المتنازعين على العرش ، ولكن اسحاق تشدد في موقفه ، وتلت ذلك معركة في رواه في الشمال الغربي للبلاد ، بينه بين ابي تكنياوي ، هزم فيها الاخير وفقد حياته . وكيما يصعب التعرف عليه في المعركة احاط اسحاق نفسه باثني عشر جوادا بلون جواده ، وكان فرسانها ايضا يلبسون دروعا تشبه درعه . وبعد هذا النصر عاد اسحاق الى مكان اقرب الى وسط المملكة وعسكر في كبكابية . اما عبدالرحمن نفسه فلم يتحرك ضد ابن اخيه بل ارسل اخاه الباسي ريفا الذى كان يخشى منه في سريرته ، اذ انه كان يأمل ان يتخلص منه . وقد التقى ريفا باسحاق في دليبه في منطقة الفيل الباقرمي بدلا عنه ومعه مراوح ريش النعام الملكية . وحاول ريفا ان يلاقي الامير في المعركة وجها لوجه ، وشق طريقه في جرأه الى السلطان المدعي وصرعه ارضا . ويقال انه كانت له قوة بدنية رهيبة . وفي المعركة التى تلت ذلك يقال ان الشمس قد حجبت والنجوم ظهرت للعيان ، وقتل ريفا .
    ورغما هذا النصر لم يجرؤ اسحاق على شن هجوم على عمه عبدالرحمن ، بل انسحب الى دار تامه في الشمال الغربي لدارفور ، ومن هناك طلب تعزيزات عسكرية من ملك وداي صالح درت .
    وقد استجبت لطلبه على الفور ، وارسلت له قوات حاشدة من وداي مما جعل اسحاق يخشى هؤلاء الاعوان اكثر من خوفه من الاعدائه ، فاعاد تلك القوات من حيث جاءت بحجه انه لاينوى تجديد الهجوم الا في الخريف القادم . وقال : (( في النهاية ، من الافضل لنا ان نحسم الامور فيما بيننا بالقتال فيما بيننا من ان نفتح الطريق لعدونا التقليدي الى بلادنا . فان هزمت وبقي عبدالرحمن ممسكا بزمام الامور في دارفور ، فهو ، بعد كل ، أخ لأبي ، وابن لاحمد بكر . وان انتصرت انا فانني ابن تيراب وحفيد احمد بكر)) .
    وفي تلك الاثناء كان عبدالرحمن قد تحرك غربا ايضا وعسكر في قيرقو في وادي جلدامه ،ودارت معركة دموية أبلى فيها الخليفة اسحاق بلاء حسنا وكان النصر له . وقد قاتل هو شخصيا ومعه الوزير احمد دكومي بن علي ود جماع وشق طريقه حتى بلغ بيت الابوجباي عبدالحميد ، حيث كان عبدالرحمن . وماكاد النصر يكون حليفه حتى هجره الجباي بحر الخائن وانضم الى صفوف عبدالرحمن ، بينما قام رجل يدعى صباح من حاشية عبدالرحمن بجرح اسحاق جرحا بليغا بطلقة بندقية . فجرجر اسحاق نفسه الى حرازة اصبحت تعرف منذ ذلك الوقت باسم أطوفال وجلس تحتها ليموت في سلام .
    ولم يعد هناك معنى لاستمرار الحرب واصبح عبدالرحمن الحاكم الذى لامنازع له لدارفور .
    فمضى فورا الى ابن اخيه المحتضر ، وصالحه قبل موته ، واخذ اطفاله للعناية بهم ، وحتى انه اعدم الرجل الذى قتله . وعاد الزغاوة الذين كانوا يناصرون اسحاق الى كوبيه في اقصى الشمال الغربي للمملكه على طرف الصحراء ، وسعى اعوان آخرون لاسحاق لعفو الملك عبدالرحمن في مكان مقدس .
    وقد اعلن عبدالرحمن العفو العم حتى انه عفا عن احمد جراب الفيل الذى كان من اشد واخلص مناصري اسحاق .
    وبعد ثلاث سنوات من الحرب عاش عبدالرحمن في سلام في شوبه اولا ثم في طينة ، ولعشر سنوات اخرى من عهده في الفاشر التى كانت آنذاك تسمى تندلتي ..على الرهد الذى بها ، وكانت مقر الابو تكنياوي ، حاكم المديرية الشمالية . وكانت ضفاف الرهد آنذاك كثيرة الغابات ، كثيفتها ، وخاصة اشجار القرض والهشاب . ولم يكن في قاعها الذى كان يجف من وقت لآخر اي ينابيع . وكانت المياه تجلب من ((جديدة )) والتى اسسها عمر ليل لشرب العاصمة ، ثم من (( حلوف )) القريبة من العاصمة .
    وبعد ان عم السلام ، عاد عبدالرحمن الى دراساته الدينية كسابق عهده ، واحضر الى البلاد علماء كثيرين . وكان يعرف كيف يقدر نعمة السلام . وبورعه وتقاه وحكمته ونزاهته وعدله كان نعمه على البلاد . وكان له بالطبع اخطاؤه ، ولئن كانت مبادئه عادلة فهو نفسه كان سريع الامتعاض ، ومحبا للانتقام ، لايغفر لمن يقوم بشيء يعاديه به ، ويأخذ حقه في الوقت الذى يحدده هو . فقد امر باعدام امبوسا اخت اسحاق لانها كانت قد نصحت اخاها بعد قبول عرض اقتسام المملكة بينهما . ورغما عن العفو العام الذى اصدره سعى فيما بعد للانتقام من احمد جراب الفيل فقط لانه كان يحمل ضغينه ضد الذي قاما به اثناء حرب المتنازعين على العرش . وقد حاول في غدر ان يتخلص من جاموس ، وهو رجل من منواشي تزوج ابنة تيراب الميرم فطيسه ، وذلك لانه شك في انه يميل الى ابناء تيراب الاحياء .( وكان عبدالرحمن قد تخلص من اثنين من الصغار ولكن التاريخ المكتوب لايذكر شيئا عن حبيب ابن كنانه وزبير وهو ابن آخر لتيراب ) وقد ارسل خطابين مع رسول ، احداهما الى جاموس يعده فيه بهدايا ثمينه سيسلمها اليه بواسطة الشرتاي كبورو من قبيلة البرقد وخطابا آخر الى الشرتاي كبورو يأمره بتسليم رأس الفقيه الى الملك . ولكن الخطابين اختلطا ، فوقع الذى كان للشرتاي في يد جاموس ، فاستحلف الملك مرة اخرى ان يضمن له الامان والسلامة .
    ولم يخرج عبدالرحمن نفسه الى الحرب بعد ذلك ، بل ارسل دلدين ، ملك الكورايات ، ضد الرزيقات الذين لم يكفوا ابدا عن الخروج عن الطاعة . وقد ثبت دلدين النظام بينهم .
    وكان وزيرة دكومي ابن علي ولد جماع الذى كان وزيرا لتيراب . ويقال ان عبدالرحمن اراد ان يبقى وزير اخيه تيراب في منصبه ، ولكنه اكتشف ذات يوم – وكانت خيمته قريبه من تلك التى بها جسد الملك تيراب – ان الوزير كان يدخل الخيمة كل صباح وبعد ذلك فقط يأتي لتحيه سيده . وعندما ناقش معه هذا السلوك الغريب وسأل الوزير لم لايترك الميت في سلام وانه هو الملك الحي واخ لتيراب يطلب منه نفس الاخلاص ، اجابه علي ولد جماع في صراحه بأنه لايمكن ان يظهر لعبدالرحمن مالايشعر به ، فهو قد كبر في خدمة تيراب ، وكان تيراب صديقا له ، وهو الآن قد تقدمت به السن ويصعب عليه ان يجد صديقا جديدا . فان لم يكن عبدالرحمن يستطيع ان يستخدمه كوزير ، فليتركه يموت في سلام ، ويمكنه ان يرفع اليه من بين بنيه من يخدمه باخلاص وتفان وصداقة . وبعد ثلاثة ايام مات الوزير الكبير ويقال انه تجرع السم ، وخلفه ابنه دكومي .
    ولكن الذى لعب دورا مؤثرا في مصير دارفور اكثر من دكومي هو كبير الخصيان وحاكم المديرية الشرقية ، ابوشيخ كرا ، واصله من التنجور . وكان قد كلف باخضاع الشرق ، وابقاء المسبعات في كردفان .
    وبعد مقاومة عنيدة انهزم المسبعات في أم جنيحات . وجعل الشيخ كرا باره مقرا له . وهناك ثبت نفسه واستقل بها وبالشرق الاقصى من المملكة استقلالا لم يكن عبدالرحمن يسمح به . ولم يستجب مرات عديدة لطلب الملك اليه بالمثول امامه . وقام الابوشيخ بحملات عسكرية في كل اتجاه ، بمبادره منه هو .
    ولم يعد يظهر في دارفور نفسها ، واخيرا بني لنفسه على الطرف الاخر من النيل مقرا دائما حيث جمع ثروة هائلة وضعها تحت اشراف عبده أشام . وكان الملك يراقب سلوك ممثله بريبه متزايدة ، وفي النهاية بعث الفقيه طاهر الى سلطان الفونج في سنار يؤلبه ضد هذا العامل الخائن ، وله مطلق الحرية في التصرف .
    وبذا هجم السلطان على معقل كرا ونهب ثروته . ولكن كرا لم يستسلم ، بل وطد نفسه اكثر في كردفان ، واقتصر على ارسال الجزية فقط الى عبدالرحمن ، وكف عن طاعو اوامره . فقرر عبدالرحمن ان يحسم الامر بشكل اخر . فحاول اول الامر ان يحصل على معلومات دقيقة عن قوة كرا العسكرية ولجأ الى حيلة لمعرفة ذلك . فقد امر محمد كرا ان يقوم بحملة ضد عرب الكواهلة ولايعطيه من الغنيمة سوى رأس الماشية لكل فارس من فرسانه . وخرج كرا الى الكواهلة ، وفي نهاية الحملة ارسل 2700 راسا من الماشية الى الفاشر . فقام عبدالرحمن اثرذلك بتسليح 4500 فارس وجمع لاجل ذلك ضرائب عامين من الخيول في اقاليمه ، وبعث الوزير دكومي مع هذه القوة الى كردفان ، ومعهم هدايا الى قادة محمد كرا ، وبأمر لكرا بالمثول امام الملك . وفي حالة رفضه ، ان يحضر حيا او ميتا .
    وكان محمد كرا في البداية ميالا الى المقاومة ، ولكن عندما افصح عن رأيه في مجلس الحرب ، وعن عومه لتوطيد وضعه في كردفان ، تركه القادة الذين اشتراهم عبدالرحمن بالهدايا قائلين : (( اننا نخدمك بولاء ، ولكننا لايجوز لنا محاربه الملك ، فهو سيدنا، وارادته مقدسة عندنا)) .
    وعندما رأى محمد كرا كيف كانت الامور ، رضخ وعاد الى دارفور . وفي الحدود امره عبدالرحمن بالانتظار حتى تأتيه تعليمات اخرى في أرقد ولكي يترك انطباعا عظيما في اعيانه الاقوياء ، امر كل القادة العسكريين وولاته بالحضور الى الفاشر في عرض للقوة آسر . ثم امر بمثول محمد كرا امامه ، واستقبله استقبالا سيئا لايليق به ، وألقى عليه اللوم امام الحاشية المجتمعة ، وقال عنه عبد سيء ، يعرف عبدالرحمن كيف يؤدبه . وفي وسط كل ذلك القوم نزع عنه العمامة والتى لايحق الا للابي شيخ وحده من بين الاعيان ان يلبسها ، وطرده واتباعه الى بيوتهم .
    لكن محمد كرا كان انسانا معتزا بنفسه ، وطموحا ومحنكا وواسع النشاط . وكان بالرغم من غضب الملك يتمتع بقوة ونفوذ كبيرين بين الكثيرين الذين يعرفونه في ازمان سابقة . ولذا لم يكن من الحكمة للملك ان يستفزه اكثر من ذلك بعد ان آذاه بنزع العمامة وفي نفس الوقت كان عبدالرحمن على معرفة تامة بقدرات الشيخ كرا ، وكان قد تقدم به العمر ، واطفاله صغار ، يشعر بالحاجة الى مساندة رجل له شخصية دينمائية ويستطيع ان يتسلم الحكومة بعد موته . ولذا استجعى كرا ثانية ليمثل امامه وقال له : (( ماذا تريد من كردفان ؟ اليست دارفور اكبر وافضل منها ؟ إنني كبرت ووهنت ، واطفالي صغار ، ومصيرهم ومصير البلاد اضعه بين يديك )) .
    وبعد ذلك اعاد له السلطان اعتباره علنا مثلما كان قد اهانه واذله . وفي الواقع كان قد رفع من موقعه حين اعلن ما اعلنه بكلماته تلك امام الاعيان والعلماء المجتمعين .
    وبعد ثلاث سنوات ظن الملك الذى كان قد اعتلى العرش وهو في الستين من عمره ان اجله قد دنا ، فاعطى محمد كرا آخر وصية له وأوصى بأن يكون ابنه محمد الفضل خليفة له ،وعينه وصيا عليه وحاكما حتى يبلغ الامير الصبي الرجولة . وفي حالة عدم اتفاق الناس على هذا الترتيب للأمور ، على محمد كرا ان يختار بحاري ، اكبر ابناء السلطان ، واذا مااعترض الفور على ذلك ، يستبدل بحاري بواحد من ابناء اسحاق الطاهر او ابي القاسم ، وكلهم احفاد لاحمد بكر . ولكنه لم يسمح له باختيار اي من ابناء تيراب للعرش لخوفه من ان يشكلوا خطرا على حياة الاخرين .
    وبعد ان رتب الامور للمستقبل مع ابي شيخ كرا اعطى زوجته المفضله حواء سلوم خطابا الى ابنه محمد الفضل ، وامرها بان تسلمه له بعد ثلاث سنوات ، ونصحه فيه بان يتخلص من ابي شيخ الطموح باسرع مايمكن . وليجعل الابا شيخ اكثر اطمئنانا ، استدعى وزيره دكومي الذى كان قد ارسله الى كردفان بدلا من كرا ، وامر بحبسه في جبل مرة لمدة ثلاثين عاما .
    وقد توفي الملك عبدالرحمن بعد عهد رخي دام أربعة عشر عاما – من 1785 الى 1799 م – وكان واحدا من افضل سلاطين دارفور ، وقد جمع بين التعقل والفهم والنشاط .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 08:22 AM

فضيلي جماع
<aفضيلي جماع
تاريخ التسجيل: 02-01-2004
مجموع المشاركات: 6315

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الأخ الصديق بدر الدين الأمير
    هذا فتح ثقافي مبين؛ إذ من الصعوبة بمكان أن تتيسر عملية نقل سفر هام مثل كتاب الرحالة الألماني ناختيفال من الألمانية إلى العربية وعن طريق شاعر وناقد ومترجم متمكن من فن الترجمة وأدواتها كالأستاذ النور عثمان ابكر وفي هذا الظرف بالتحديد حيث أن أبناء السودان بحاجة إلى معرفة تفاصيل تاريخ بلادهم أكثر من ذي قبل.

    أعجبتني بصفة خاصة الدراسة المتأنية- جزلةاللغة- والتي قام بها صديقي الشاعر الكبير عالم عباس محمد نور..فهو قد جمع في مقدمته بين شاعرية العبارة ودقة تفاصيل قلم المؤرخ. ولعلي أقول بأن حبك الشيء يجعلك تتقن صناعته. فالنور عثمان ابكر - وله جذر في مملكة وداي العريقة جوار سلطنة دار فور- ربما(أقول ربما) غالبه الطبع البشري بممارسة رحلة الحنين في عقله الباطن إلى غرب القارة بترجمة هذا السفر الهام عن دار فور من الألمانية مباشرة ليسدي خدمة جليلة لكل باحث منا عن معلومة حول هذا الركن الهام من بلادنا. وبإحساس مشابه من المسئوليةالأخلاقية انبرى عالم عباس (ابن تلك البقاع)ليكتب المقدمة الثرة التي تصدرت هذا السفر الهام، كنوع من سد الدين لمنطقة رضع من ثديها لبانة الشعر والمعرفة.

    أرجو يا بدر أن تسمح لي بإضافة وتوضيح لما ذكرته أنت في صدر إضاءتك هنا عن النور عثمان ابكر بقولك أنه ممن أقاموا مدرسة الغابة والصحراء. وتوضيحي كما يلي:
    النور عثمان ابكر - بشهادة صديقه الشاعر الكبير محمد المكي ابراهيم- هو أول من أطلق على هذا التيار ( وأسميه تيارا لا مدرسة)إسم الغابة والصحراء. فهو إذن الأب الروحي لحقبة ما عرف في ثقافتنا السودانية المعاصرة بالغابة والصحراء وليس مجرد رقم فيها! الشهادة أعلاه قال لي بها الأخ الشاعر محمد المكي ابراهيم في (ونسة) بيننا بمكتبه بوزارة الخارجية السودانية ذات نهار قبل أن يحل على بلادنا هذا الطوفان.

    كماأرجو في الختام أن تنقل تحياتي وتقديري الجم لأستاذنا الشاعر والناقد النور عثمان ابكر الذي هو على مرمى حجر من حيث تسكن أنت بالدوحة وحيث توجد شركتك الناجحة (أوكسينيت)... وأشق عليك باستفسار عن كيفية حصولي على نسختي من هذا الكتاب الهام.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 11:03 AM

Abdel Aati
<aAbdel Aati
تاريخ التسجيل: 13-06-2002
مجموع المشاركات: 32958

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: فضيلي جماع)

    التحية لاساتذتنا النور عثمان ابكر وعالم عباس محمد نور
    والشكر لود الامير ..

    متابعين ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 12:11 PM

ombadda
<aombadda
تاريخ التسجيل: 10-10-2002
مجموع المشاركات: 6563

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    كتاب أكثر من رائع ويستحق القراءة

    بس عاوز أعرف الكتاب دة حقوقوا محفوظة ولا لأ؟
    copyright protected or not

    علشان ما نضيع على المترجم تعبوا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 04:24 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: ombadda)



    الفصل الـــــرابع
    تـــاريخ دارفــــــــور (تكمــلة )





    تاريخ دارفور –
    حكومة ابو شيخ كرا وسقوطه في المعركة ضد سيده السلطان محمد الفضل
    حروب محمد الفضل ضد القبائل العربية
    آدم طربوش ينصب محمد الحسين سلطانا
    حروبه الخاسرة ضد الرزيقات والهبانية
    الشيخ المصري في دارفور
    اصابه محمد الحسين بالعمى
    بداية المشاكل مع مصر
    الفكي محمد البلالاوي والزبير
    تزايد قوة الزبير في جنوب دارفور
    الملك ابراهيم
    الزبير مدير مديرية بحر الغزال
    انهزام السلطان ابراهيم ودخول اسماعيل باشا في دارفور
    دارفور محافظة مصرية


    كانت النزاعات والخلافات متوقعة بعد موت عبدالرحمن ، لان الخلافة في دارفور لم يكن ينظمها اي قانون او يفرضها عرف . ومع ان ابناءه لم يكونوا كثيرين اذ كان له اربعه ابناء فقط هم بحاري ومحمد الفضل وحسيب الكريم وابومدينة ، اكبرهم ، بحاري ، والذى لم يكن يتمتع بأي مواهب ، وبذا كان يجب استبعاده من تولي العرش . وكان محمد الفضل الذى عين خليفة لايزال صبيا في الحادية او الثانية عشر من عمره . لذا فإن عددا كبيرا من الامراء كانوا مستعدين كأبناء او احفاد لاحمد بكر لأخذ السلطة لأنفسهم . وكان عبدالرحمن يدرك المخاطر التى ستنجم عن هذا الوضع ، ولكنه وجد في الأبوشيخ كرا الرجل الذى يعرف كيف يذللها او يتجازوها . فهذا الخصي المشهور كان ذا شخصية مهيئة تماما للقيام بهذا العبء الصعب ، اذ كان غير هياب ونشط وصامد ويحسب لكل شي حسابه ، ولم يكن يحكم في اختياره للوسيلة اللازمة اي قيم عليا . لم يكن قويا وغنيا فحسب ، بل كان محترما ومهابا ويحظى بتقدير الكثيرين للصفات التى يتمتع بها .
    وبعد موت سيده مباشرة جمع كرا ابناء الملك وأقرباءه وكبار الاعيان والقادة العسكرين ، اي كل من له اي إدعاء بالاهتمام بقضية الحكم واعلن لهم موت الملك ، وواجههم على الفور بالسؤال : ماذا يتم فعله الآن ؟ وكان قد تشاور في سرية وكتمان مع كل واحد من الامراء الذين كان لهم حق في الخلافة على حدة ،ووعد اكثرهم انها ستكون من نصيبه ، وأقنع الآخرين بأن يوافقوه على كل مايقترحه هو . ولذا كانت كلمتهم مجتمعة في الرد على السؤال الذى طرحه عليهم علنا ، اذ قالوا : (( كلنا مقتنع ياأبا شيخ بما ستفعله .))
    وبما ان القرار قد ترك له في حضور الجميع ، فانه قد نصب الصبي محمد الفضل ملكا ، وفقا لتعليمات سيده الراحل . ومع انهم قد استغربوا ذلك ، الذين اخذوا على حين غرة بذلك – الانهم وافقوا جميعا ، على الاقل علنا على الامر الواقع ، ماعدا الكننقاوي ابراهيم ولد رماد ، الذى نصحه الا يختار الصبي . وكان يرى الدم في ملامح الصبي الملكي . ومن رأى هذا الرجل الذى لايهاب ان دارفور قد نالت مايكفي من الدم ، وعلى الابوشيخ ان ينتبه لما يقوم به ، اذ انه سيكون الرجل الذى عليه ان يخشى اكثر من غيره من الامير الصغير . ومثلما كان قد حبب اليه كثيرين من أهم الامراء والاعيان بهداياه ، وبدد الآن مخاوف الآخرين بأن وهبهم عشرة حواكير يسيل لها اللعاب و 500 دولار وعشرين جوادا ودروعا واسلحة . وبذلك قبض على زمام الحكم لمحمد الفضل .
    وقد عاد معظم الامراء من العاصمة الى مواطنهم في البلاد ، حيث ظلوا في حالة من العداء المتحفظ ، يتداولون فيما بينهم مايمكن عمله . وقد تركهم محمد كرا فترة من الزمان لكي يتحقق بشكل دقيق من انصارهم ، ثم ارسل دالدين ، وكان يدعى مانيو سدي ، اي الجاموس الاسود ، لكي يعتقلهم .
    وقد احضرهم ماعدا ابناء تيراب الذين اختفوا للابد . وأعدم ستون منهم في العاصمة الفاشر ، في الجزء الجنوبي منها في ساحة تعرف اليوم بقوز الستين ، وسجن الاخرون في جبل مرة . وبذا حكم محمد كرا مستخدما الرعب والجبروت لثلاث سنين ، وكان هو الملك الفعلي ويخشى ويهاب ويجل أكثر من معظم الملوك . وكان الناس يتحاشون طريقه ، ويقعون جانبا ويمسحون التراب براحات ايديهم . وكان يسمى جابر الدار . وكان حازما ومعتزا بنفسه ، ولايسمح بظلم المساكين من قبل الاقوياء ، او بسوء الادارة والذى يمثل شرا مستطيرا في بلاد السودان . واخذ يفرج بالتدريج عن الامراء الذين كان قد خدعهم في موضوع وراثة العرش ، ولكن بقي كثيرون لرحمة محمد الفضل المتعطش للدماء .
    وبعد ثلاث سنوات اخذت الامور تتغير بالتدريج بعد ان كبر الملك الذى كان صبيا . وحوالي ذلك الوقت ارسلت حوه سلوم ، ارمله الملك الراحل خطاب عبدالرحمن الى محمد الفضل ، والذى ذكرناه آنفا . ولكن المرأة التى كانت رسولتها وقعت في ايدي الابوشيخ ، فقرأ الحكم عليه بالاعدام ، لكنه سمح بايصال الخطاب الى الملك الشاب وكأنه لم يعرف عنه شيئا . ومنذ ذلك الوقت ظل حذرا للغاية وهو يخشى ان يدس له السم او يغتال ، ذلك ان لم يدبر له سيده الصغير شيئا يغدره به في عنف . فكان لايأكل الا بعد ان يذوق الاكل انسان او كلب ليتأكد من خلوة من السم . وكلما كبر محمد الفضل سنا زادت شكوك محمد كرا وازداد يقينه بأن كارثة لامحالة حائقة به . ولم يكن الجو ليخلو من حاسديه واعداء له كان قد استفزهم بغروره وقسوته ، وكانوا على استعداد دائم لاثارة شكوك الملك من ولي امره هذا . وقد كثرت الشكاوي العلنية ولكنها كانت تنتهي بالوبال على اصحابها . ولان الابوشيخ كان يتوقع مواجهة وصراعا دمويا نهائيا اخذ يزيد من قوته العسكرية تدريجيا . وماكان ذلك ليظل خافيا عن اعدائه او سيده الملك الصغير . وقد استطاع الاعداء ان يقنعوا الملك ان يختبر سلوك ولي امره . مقترحين عليه ان يطلب من الابوشيخ ان يمنع قومه من استخدام الآبار في قاع بحيرة تندلتي الجاف . وعندما يمنع عنه الماء فان الابوشيخ كما قال المحرضون للملك سيستوضح الاسباب الداعية الى ذلك ان لم تكن له نيات شريرة ، والا فإنه سيبدأ في اعمال عدائية بمجرد ان يمنع . وقد حدث ماتوقعه اعداء محمد كرا ، فقد جمع عسكره في الحال وقتل بيده هو الرجل الذى سلمه امر المنع ، وخرج في مقاومة علنية . ووقعت المعركة في قاع بحيرة تندلتي الجاف التى بني المقر السلطاني على كلتا ضفتيها . وسارت الامور في اليوم الاول لصالح الخصي حتى انه عند مقدم المساء اضطر اعداؤه الى سحب الملك الصغير من قصره واخراجه الى السلامة في الجنوب الغربي من العاصمة ،وكان الذى قام بذلك هو ابراهيم ولد رماد الكننقاوي ، واستفاد من الليل في رشوة بعض اتباع محمد كرا واستمالتهم الى جانبه . وعندما دقت الطبول الملكية فجأة تلك الليلة نفسها ، وخاصة المنصورة والتى تدق دون تدخل اي انسان – (كذا ) ، غيرت هذه الحادثة العجيبة موقف الكثيرين ، وعندما استؤنف القتال في الصباح انحاز كثير ممن كانوا مع الابوشيخ الى جانب الملك . ومال النصر الى جانب الملك ، وتم قتل الابوشيخ محمد كرا على يد احمد جراب الفيل الذى كان ولد رماد قد رشاه .
    وهكذا اصبح محمد الفضل حاكما بلا منازع . وكان اهم المؤثرات عليه نفوذ مخلصة ابراهيم ولد رماد ، والذى لم يعش بعد ذلك طويلا . وقد خلفه المقدوم سعيد بالاضافة الى الوزير حمد وعبدالله ولد النو ، وهو من دنقلا ، ولم يكن له منصب محدد ، وكان له تأثير كبير على الملك .
    وكانت علاقة الملك الشاب طيبة للغاية مع اخيه الاكبر بحاري والذى كان يقضى بصحبته وقتا في الشرب والمغامرات الغرامية . ولكنه كان يفضل القبيلة التى تنتمي اليها امه ويختار منها اصحاب أعلى مناصب ، مما حز في نفوس الناس ، ولانه كان يعتبر ذا اصل وضيع ، فان الكثيرين اخذوا يجتمعون حول بحاري . وما ان علم محمد الفضل بذلك حتى قبض على اخيه ذات يوم وهو في حفل مريسة اقامة المقدوم سعيد ، وألقى به في زنزانة في جبل مرة .
    وحتى ذلك الوقت كانت كردفان جزء من مملكة دارفور . وكان الحاكم مسلم الذى صحبه داكومي الى كردفان وظل بها عندما استدعي داكومي ، يحاول ان يستقل بنفسه عن محمد الفضل مثلما فعل من سبقه . ولذا اقام حلفا سريا مع بحاري . ولكن كردفان كانت كانت قد غزتها مصر في بداية عهد محمد الفضل الذى دام طويلا .
    كان محمد الفضل في شبابه محبا للملذات ومستهترا . ومع انه كان يعامل شعبه بالشدة فهو لم يكن ظالما دائما . ولكنه فيما بعد اصبح ظالما وقاسيا ومحبا للانتقام . وقد عانت منه القبائل العربية بشكل خاص ، فقد ذبحهم وافناهم وخرب ديارهم اكثر من مرة . وكان الذى يثيره بوجه خاص القوة والثراء والاستقلال الذى تتمتع به قبيلة بني هلبة . وقد كسر شوكتهم بمذبحة بني هلبة التى انتشرت انباؤها في كل انحاء البلاد . وبعد ذلك كانت قبيلة العريقات في الحدود الشمالية الغربية هي التى اثارت غضبه بسخريتهم من حكومة الملك الذى كان في نظرهم لايزال صبيا . وقد حمل عليهم حملة بقيادة الباسي عمر ، واخذ منهم جملا عن كل خمسة من ابلهم . عندما لم يكفوا ، ارسل ضدهم بعد سبع سنوات جيشا كبيرا بقيادة الشيخ دوبه والابوشيخ الحنفي والباسي دونقو . ولكن هؤلاء القادة هزموا وقتلوا .
    فبعث الملك الوزير عبد السيد تساعده كل قبائل الشمال الغربي ، ولكن العريقات دافعوا عن انفسهم في معارك دامت خمسة ايام . واخيرا هزموا تماما . واحضر سبعة من زعمائهم الى الملك ، وتم اعدامهم في الساحة العامة في السوق . ومنذ ذلك الوقت لم يعد العريقات يعيشون كقبيلة في دارفور ، وانتشر افرادها الكثر بين القبائل ، وخاصة بين المحاميد ، وفي دار تامة .
    وكان الرزيقات ثالث القبائل العربية التى غزاها ودمرها الملك عدة مرات . ولكنهم كانوا ومازالوا الى اليوم قادرين على الافلات من الحكومة اكثر من غيرهم بفضل الحماية التى توفرها منطقتهم التى لا تخترق في الحدود الجنوبية للمملكة ، ومازالوا هم اقوى القبائل في دارفور . وكان المقدوم سعيد ، القائم على طبول المملكة ، ويلقب بسومنقدوكولا ، قد نجح في الايقاع بهم . فقد اغرى شيوخ الرزيقات بالقدوم اليه واكرم وفادتهم عدة ايام وهاداهم في بلدونة في جنوب المملكة ، ثم تظاهر ذات يوم بأنه قد استدعى الى الفاشر في عقد حلفا مع القبائل المجاورة ، وارسل كل جيشه وقواته الى الجنوب الشرقي ، ثم تحرك في هجوم سريع ضد العرب الذين كانوا دون قيادة وهزمهم ونهبهم . وقد قام بنفس الحيلة ضدهم عدة مرات .
    وكان اخوة الملك الاصغر ، حسيب الكريم وابو مدينة يكبران ويعقدان صداقات خاصة بهما بين الناس والاعيان . وقد حذرهم محمد الفضل وهو الرجل المليء بالشك دائما وذكرهم باخيه بحاري وما انتهى اليه امره . وقد كرر ذلك مرارا حتى قرر اخواه وهما العليمان بطبع اخيهما العنيف الفرار ، وانسحبا الى مكان على مسيرة يوم من الفاشر ، واقاما هناك عدة سنوات حتى اعتقدا ان اخاهما قد اطمأن وآمن شرهما ، ففرا الى كردفان . ولكن صاحب الابل التى مكنتهما من الفرار خانهما ، فارسل الملك من يتعقبهما ، ونجح في القبض على حسيب الكريم وهو يصلي ولكن ابومدينة حالفه الحظ فبلغ مصر . وقد قضى كل علماء البلاد المجتمعين وبايعاز من الملك بالموت على حسيب الكريم . ولكن الملك اعلن انه لا يريد اراقه الدماء ، ووضع حسيب الكريم في الحبس تحت اشراف خصيه العظيم أبو جوده ، ثم قضى عليه بالموت سرا فيما بعد . كما انه امر بقتل قاتله . وبقى ابن آخر لبحاري هو تيراب . وكان الاميران الهاربان قد حاولا عبثا حملة على مرافقتهما . وكان غير قادر على ذلك ، لكنه لم يش بهما . ولذا امر محمد الفضل بوضعه في زنزانة أبو أما في جبل مرة . وظل بها حتى اطلقه محمد الحسين ابن وخليفة محمد الفضل .
    كان محمد الفضل يزداد كل يوم عنفا وشراسة ، ويصعب إرضاءه ويزداد خوف الناس منه . وكان كبار موظفيه يأتون مرتجفين للمثول أمامه ، ولم يكن احد يجرؤ على النظر اليه ، وكانوا جميعا يلزمون اعينهم التراب . وكان كل من يريد الدخول عليه يسأل عن لون ملابسه ذلك اليوم حتى لايلبس لونا يماثـل ما يلبسه الملك . واذا اتفق انه كان يلبس لونا يلبسه الملك سارع الى تغيير ملابسه قبل مقابله الملك . وذات يوم ابصر الملك احد الميدوب ، وكان قبيحا للغاية ، فنفاه لقبحه . وكانت له في سنيه الاخيرة ايام نحس وايام سعد . فكان اذا لبس الاسود خاف الناس على حياتهم ، اذ كان ذلك دليل اكيد على انه يرى الدم .
    وكان أبو منقدنقا عبدالباري ، وشيخ قبيلة عرب التعايشة وكبير ساسة الخيل ، وملك الكوريات ، وعبدالفتاح ، والمقدوم سعيد الذى كان سومنقدوكولا ، والوزير ، يحظون بتقدير كبير عند الملك .
    ومن ابناء الملك لقى عبدالرحمن ، اكبرهم ، ميتة عنيفة ، وكان محمد الفضل يريد ان يجعله خليفة له ، ولكن كل من استشارهم في الامر ممن يحترم رأيهم عارضوه بشده . والحق ان عبدالرحمن كان مغرورا ونهما للسلطة وعنيفا ، كما ان الملك قد وجده عدة مرات ليلا في القصر الملكي في ظروف تدعو الى الشك ، مما دعاه الى الظن بأنه يضمر شرا لوالده . ولذا نفاه الى منطقه جبيلة ، ولكنه حتى هناك اساء معاملة كبار الموظفين ، فأمر بسجنه في جبل مرة تحت الملك زامبي ، وقتلته قبيلة زامبي بعد ان قتل عبدالرحمن ملكهم زامبي . وقد اصدر الملك عفوا عن قتله ، ولم يسمح بالحداد على ابنه الميت حتى في بيته .
    وفي نهاية عهد الملك محمد الفضل اقدم الملك على حرب ضد وداي ، مستغلا فترة عهد الملك المؤسفة بما فيها من سنوات القحط والمجاعة والحروب الاهلية لكي يغزو وداي لابنه حسين . وكان عذره هو نهب اهل وداي لاقليم سامي ووجود الامير محمد الشريف ، من وداي ، كتاجر في جيمان بجنوب دارفور . وكان قادة الحملة وهم الوزير عبد السيد وملك الكوريات وعبدالفتاح والذين ألحق بهم الامير محمد الحسين ابن السلطان والامير محمد الشريف حتى اذا مانجحت الحملة يمكن لمحمد الشريف ان يصبح ملكا على وداي . ولكن الخطة السرية كانت ، كما يقال ، هي تنصيب محمد على العرش ولكنها فشلت ، اذ ان عبد السيد القائد العام قد اضطر بحكم الظروف الى نشأت ان يضع على رأس الحكومة امير وداي محمد الشريف . وقد اخذ حياته بيده بعد عودته خوفا من انتقام الملك لفشله في القام بما كلف به . ومات بالسم في بركاوية ، ودفن بها . وتقول رواية اخرى انه مات نتيجة لسوء المعاملة التى اخضعه الملك لها عندما لم يترجل عبد السيد من جواده على مسافة معتبرة عندما التقيا .
    وقد عين عبدالباري خلفا للوزير عبدالسيد ، وكان آدم الملقب بطربوش ، وهو من الميدوب ، كان سر الملك ويقدمه على الجميع . وكان عبدالباري طموحا ، وله خطط بعيدة المرامي . وكان يؤمل في موت الملك مبكرا اذ ان الملك كان قد اصيب بالجذام منذ وقت طويل . وكن ينوى ان يتزوج ام الاميرين سيف الدين وبوش ويجعل احد ابنيها ملكا . وقد سعى لجذب الناس اليه ، وذلك باظهار كثير من المظاهر وربط الاعيان اليه بالهدايا النفيسة . وكان من أبرز المخلصين له اسحاق كوكومي الدادنقاوي ، والاوروندلونق احمد الدابي احمد وطفه ، والابوجبايه محمد توتوري والباسنقا نيومبو بن نوح ومحمد بن تيراب ، ومعهم الملوك محمد مقدوم ، والمقدوم محمد عبدالفتاح ، واخيرا عبدالباري وحبيبته أم نعيم كوسا ، ام الاميرين المذكورين آنفا . اجتمعوا على مؤامرة حقيقية ، ولكن آدم طربوش كشفها للسلطان .
    فقام الملك على الفور بطرد عبدالباري ونفاه الى بيته . ثم بعد يومين بينما كان المتآمرون الآخرون ينتظرون ماينتظرهم من مصير ، مات محمد الفضل . وكان قبل موته قد كلف الامين آدم ، وهو مقرب اليه ويأتمنه ، ان ينصب ابنه الثاني محمد الحسين ملكا ، اذ كان يخشى من عنف طبيعة ابنه الاكبر ابوبكر . وكان آدم قد عاهد ابابكر من قبل ان يساعده في الاستيلاء على الحكومة ولكنه كخادم امين لسيده نفذ امره الاخير وافلح في تنصيب محمد الحسين ملكا .
    ولعدم وجود قانون او عرف قديم ينظم الخلافة في دارفور ، كما اسلفنا ، فان ابن الملك او اخاه يمكنه بنفس القدر ان يأخذ السلطة لنفسه . وقد تعود الخلصاء المقربون الى الملك والذين كانوا معه في لحظات مرضه الاخيرة ان يرتبو الامور بالاتفاق بين انفسهم واخوة وابناء الملك الذين يعتبرونهم أنسب من غيرهم للحكم ؛ وقد اتبع هذا النهج في هذه المناسبة ايضا .
    وقد كتم امر شده مرض الملك ، وموته من بعد .. وحاول آدم في الليلة التالية ان يفرض الاوضاع الجديدة ، فاستدعى ابوبكر في وقت مبكر من الليل ، ولكن ابوبكر لم يأت ، اذ ان الامراء يخشون خشية عظيمة على حياتهم عندما يكون هناك تغير في الحكومة . وكان ابوبكر واخواته خائفين على حياتهم من غدر عبيد الملك المقربين . وفي صباح اليوم التالي جمع ابوبكر ومحمد عقيل وابراهيم وابوكندي وعقيد عثمان وعبدالغني واحمد عمر وعبدالحميد .
    وطلب منهم الانضمام اليه للقيام بهجوم مسلح على القصر للحيلولة دون آدم طربوش وتنصيب حسيب الله او بوش او سيف الدين على العرش كما ينوي .
    وفي الواقع لم تكن فرص حسيب الله ليستهان بها . فهو واحد من اكبر الامراء ، وله شخصية نشطة واتباع كثيرون . وماكان آدم طربوش ليقف دون تأمين الحكم له لولا بالاضافة الى وصيه سيده كان له دافع شخصي هو الحاسم في موقفه . فالفقيه حامد ، ملك الكوركوا ( الفراشين ) كان قد حذروه من انتقام حسيب الله ، وذكره بأنه هو آدم طربوش كان ذات مرة عندما كان عم حسيب الله الباسي رمضان مقدوم الصعيد – المديرية الجنوبية ، اراد ان يقتله . كما ان حسن ابوكبير ، من الميدوب ، وفي خدمة البوارينقا وعشيق الاياباسي زمزم حاول اغراء ابن جلدته بأن ينصب واحدا من ابناء كتومة الثلاثة وهم ابوبكر وحسين ونورين ، ملكا .
    وعلى هذا ارسل آدم طربوش الفقيه سالمة ليلا متنكرا الى الامير حسين الذى كان مع اخيه نورين .
    وكان الأخوة قد اقسموا انهم اذا مااستدعي واحد منهم للقصر ليخبرن الآخرين . ولذا ارسل حسين نورين الى ابوبكر . لكن نورين لم يقم بالمهمة . وقد مضى حسين في عجلة مع الفقيه سالم الى القصر وهناك تم تنصيبه ملكا .
    وفي نفس الليلة تم ايفاد رجلين من كبار اصحاب المناصب هما الباسي عمر وحسن ابو كبير الى اكبر الموظفين والاعيان لايقاظهم من نومهم ليقسموا بالبيعة والولاء على المصحف الشريف .
    وفي الصباح عزفت الطبول واطلقت الاعيرة النارية من قبل القوات التى احتلت القصر . ومضى الشريف ابراهيم مع الملك احمد بن دردق الى ابو بكر لاخطاره بان حسين تم تنصيبه ملكا . ولم يكن ابوبكر ليصدق ذلك رغما عن ان حازم نفسه قد بعث اليه إلا بعد ان اقنعته امه كتومه واخته زمزم بالحقيقة .
    فارسل قواته الى مسقط رأسه ووصف اخاه بأنه خائن ، وظل في حالة من النقمة ، ولكنه لم يبادربالعداء .
    وكان هناك آخرون ايضا لم يواقفوا على تنصيب حسين ملكا ، ولذا جاء عبد الفتاح الى آدم طربوش وسأله : (( من نصبت ملكا ؟ )) وعندما اجابه طربوش بأنه نصب حسين ، صاح عبدالفتاح : (( ماذا ميدوبي ؟ هل نصبت خمسة ملوك بدلا من واحد ؟ )) وكان يقصد بذلك ان حسين كان تحت نفوذ والدته واخواته واخوته . وكان الملك حسين يستمع من وراء ستارة الى هذا الرأي غير المطري ، ولكن دون ان يتدخل لمعاقبه قائلة الجريء الصفيق . واكتفى بأن جعله يحلف على المصحف الشريف مبايعته وولاءه للملك .
    وكان عبدالفتاح الذى لم يكن مقتنعا بالاوضاع كما لم يكن يثق بالملك وماينويه تجاهه قد طلب ان يؤذن له بالخروج في غزوة لاستجلاب العبيد من مناطق الوثنيين في الجنوب . وظل بعيدا عن الفاشر عدة اشهر ، لم يكن يزورها الا لماما ليخرج منها لمواصله حملته . ولأن حسين كان قليل الثقة بعبد الفتاح فقد كلف احد اصحاب الزرائب ان يعطيه دواء يحد من خطره في احدى زياراته للفاشر . وتم ذلك . وقد عشت في الحي من المدينة الذى وقع فيه ذلك وعرفت المسئول المكلف بذلك جيدا .
    وفي ذلك الوقت لم يكن عبدالباري قد تخلى عن مطامحه ، وواظب على جلسات شرب المريسة المعهودة مع الدادنقاوي اسحاق كوكومي واخيه ابراهيم ددوقي واحمد وطفه والابوجباية تتوري . وذات يوم أتاهم عبد لابي بكر هو سعيد ولد قمزت ، فقالوا له : (( نحن نجلس هنا مع نحاسنا في البيت الكبير ، والملك يجلس هنا في التمباسي – القصر الجديد – مع آدم طربوش . فماذا لو نصبنا ملك آخر هنا في القصر القديم ؟ )) .
    وكما قد شرحنا ، هناك قصران في الفاشر ، واحد بناه عبدالرحمن في الجانب الشمالي الغربي لبحيرة تندلتي ، وبه الشارات الملكية ، وبالتالي النحاس الكبير الذى تحدثوا عنه ، والقصر الجديد – التمباسي – الذى بناه محمد الفضل على الجانب الجنوبي للبحيرة . ولايمكن تصور حاكم دارفور دون نحاس ، وريش النعام والشارات الاخرى التى اصبحت مقدسة بحكم الوراثة والتقاليد . وقد نقل العبد هذه الكلمات التى تنطوى على معاني الخيانة الى الملك ، والذى امر بجلد الجماعة المذكورة حتى كادوا يموتون ، ثم سجنوا . وعزل عبدالباري من منصبه . وكاد ان يتم اعدامه لولا ان شفع له الامير نورين ، وضمنه . وقد وضع تحت حراسة نورين ، وعاش زمنا طويلا في بيته ، ولكنه لم يتخل عن حبه للبذخ او طبيعته المتباهية . ولذا حين وبخه نورين ذات يوم بأنه عبد عاطل ، بعد ان كان قد ساعد ابناءه في بناء منزلهم ، حز ذلك في نفس عبدالباري ، فتجرع السم ، وبذا تحقق ماتنبأ به محمد الفضل الذى كان قد قال ان عبدالباري سيلقى نهاية مؤلمة نتيجه لطبعه المغرور .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 04:41 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: أرجو يا بدر أن تسمح لي بإضافة وتوضيح لما ذكرته أنت في صدر إضاءتك هنا عن النور عثمان ابكر بقولك أنه ممن أقاموا مدرسة الغابة والصحراء. وتوضيحي كما يلي:
    النور عثمان ابكر - بشهادة صديقه الشاعر الكبير محمد المكي ابراهيم- هو أول من أطلق على هذا التيار ( وأسميه تيارا لا مدرسة)إسم الغابة والصحراء. فهو إذن الأب الروحي لحقبة ما عرف في ثقافتنا السودانية المعاصرة بالغابة والصحراء وليس مجرد رقم فيها! الشهادة أعلاه قال لي بها الأخ الشاعر محمد المكي ابراهيم في (ونسة) بيننا بمكتبه بوزارة الخارجية السودانية ذات نهار قبل أن يحل على بلادنا هذا الطوفان.


    أخى وستاذى المناضل الجسور والشاعر الجزل والمترجم العارف
    فضيلى جماع لك التقدير والاشواق
    الذاكرة الجمالية مازالت تحتفى بتلك الايام التى عطرت فيها
    سماء الدوحة بعرفتك ومعارفك وتعريفك
    تصويبك لى عن ابى في المعرفة استاذى وصديقى النور عثمان ابكر
    هو فى محله وكنت دوما حين اكتب فى الصحف القطرية او هنا فى المنبر
    اشير للنور كمؤسس لمدرسة الغابة والصحراء بل ومسمى الغابة
    والصحراء هو من ابتدعه شكرا للتصويب ياصائب
    كما يهمنى كثيرا رايك واثراءك للحوار بعد اكتمال اجزاء الكتاب
    وكن بخير يا وجه الخير
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2007, 06:13 PM

احمد الامين احمد
<aاحمد الامين احمد
تاريخ التسجيل: 06-08-2006
مجموع المشاركات: 4782

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تحيه لروح ناختيقال ولشاعر صحو الكلمات المنسيه ولبدر الدين قبل الولوج الى العوالم الثره التى نقلنا الينا النور من لسان " بريخت" و "شيللر" عن جزء عزيز من ثقافه وطننا الكبير استوقفتنى كثيرا المقدمه الرصينه التى تفضل بها علينا الشاعر الكبير عالم عباس وكنت قد اطلعت على هذه المقدمه قبل نحو اكثر من ثلاث حجج ابان نشرها فى اكثر من عدد بصحيفه الخرطوم الملحق الثقافى الذى يتعهده عبد المكرم...
    يقول عالم عباس فى هذه المقدمه:
    " حتى اذا جاء الغزو الانجليزى المصرى واستطاع القضاء على المهديه ودحر الخليفه فى كررى عام 1898 فقرر بعدها على دينار احد امراء الفور فى المهديه واثر مشادات تمت مع من يوالونه فى زعامات القبائل بدارفور ان يعودالى دارفور مستعيدا سلطه اجداده"...انتهى اقتباسى من مقدمه عالم عباس الجزله...لكن استوقفنى بها اشار ه عالم عباس الى ان على دينار قد غادر عقب كررى ودحر الخليفه بها رغم ان فى التاريخ المدرسى الذى درسناها قديما بمناهج التربيه والتعليم السودانيه عبر الكتاب الذى وضعه المؤرخ والبروفسر حسن احمد ابراهيم " تلميذ لمكى شبيكه وصار عميدا للاداب قبيل الانقاذ ثم هاجر الى ماليزيا وله مؤلفات عديده فى ومجاله الاساسى تاريخ المهديه" نجد ان البروفسر ذكر ان على دينار غادر قبيل كررى بيوم ثم رفض اى محاولات للخليفه من اللجوء والاقتراب من دارفور ولعل على دينار كان مسجونا قبيل كررى بام درمان ثم فر من السجن اثناء لانشغال بهذه المعركه معذره كتبت ما كتبت من الذاكره وارجو تصويبى ان اغفلت لكن يهمنى كثيرا ان يرد بهذا البوست عضو المنبر عمر حميده عبد الله زميل دراستى قديما واستاذ التاريخ بادا ب الخرطوم وهو محب لشعر عالم عباس والنور عثمان ابكر بصوره كبيره جدا حتى يثرى الحديث بقلم الملم الدارس والمحب للتاريخ....
    ان صح ما قلته حول اشاره البروفسر حسن احمد ابراهيم حول على دينار وتناقض ذلك مع روايه عالم عباس فيبدو ان تاريخ السودان الحديث يحتاج لغربله اخرى حتى يكتب صحيحا خصوصا بعد توفر كثير من المصادر التى كانت غائبه عن الجيل الاول والثانى من المؤرخين السودانين من لدن مكى شبيكه مرورا بابى سليم ويوسف فضل وحسن احمد ابراهيم الى القدالوعبد الله على ابراهيم وحسن عابدين وهلمجرا

    (عدل بواسطة احمد الامين احمد on 11-12-2007, 06:16 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 06:23 AM

محمد الطيب حسن
<aمحمد الطيب حسن
تاريخ التسجيل: 31-03-2007
مجموع المشاركات: 1609

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: احمد الامين احمد)

    ألنظر من ثقب الباب وذلك لعدم الازعاج لحين الانتهاء من الكتاب
    وفتح الباب علي مصرعيه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 06:40 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: محمد الطيب حسن)

    Quote: التحية لاساتذتنا النور عثمان ابكر وعالم عباس محمد نور
    والشكر لود الامير ..

    متابعين ..


    لك التقدير اخى عادل عبدالعاطى
    ونقدر متابعتك وبرضو فى رجاء
    تعليقك بعد اكتمال اجزاء الكتاب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 06:47 AM

Sabah Hussein
<aSabah Hussein
تاريخ التسجيل: 05-09-2006
مجموع المشاركات: 2024

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الاخ بدر الدين

    سلامات..

    تشكر على هذا المجهود العظيم

    ومتابعين...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 06:57 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: كتاب أكثر من رائع ويستحق القراءة

    بس عاوز أعرف الكتاب دة حقوقوا محفوظة ولا لأ؟
    copyright protected or not

    علشان ما نضيع على المترجم تعبوا



    لك التقدير يا امبدة
    حين اهدانى الاستاذ النور نسخة من الكتاب
    مزيلة باهداء افخر به كثيرا طلبت منه ان
    يسمح لى بنشر الكتاب عبر منبر سودانيز اولاين
    من اجل تعميم الفائد لم يتردد فى الموافقة
    نعم حقوق النشر والطبع محفوظة للمترجم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 08:10 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: تحيه لروح ناختيقال ولشاعر صحو الكلمات المنسيه ولبدر الدين قبل الولوج الى العوالم الثره التى نقلنا الينا النور من لسان " بريخت" و "شيللر" عن جزء عزيز من ثقافه وطننا الكبير


    ولك التحية والتقدير أخى احمد الامين
    ومرحب بصديقك وزميل دراستك الاستاذ
    عمر حميده عبدالله وايضا فى رجاء رايك
    بعد انتها نشر باقى اجزاء الكتاب هنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 08:13 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: ألنظر من ثقب الباب وذلك لعدم الازعاج لحين الانتهاء من الكتاب
    وفتح الباب علي مصرعيه


    أهلا بزين الشباب محمد الطيب
    وفى رجاء عودتك بكل الابواب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 08:17 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: الاخ بدر الدين

    سلامات..

    تشكر على هذا المجهود العظيم

    ومتابعين...


    اهلا بالعزيزة وغالية صباح حسين
    وعودا حميدا ولك التقدير على
    المتابعة وايضا فى رجاء تعليقك
    بعد نقل باقى اجزاء الكتاب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 10:27 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل الرابع :

    ورفع آدم طربوش الى مرتبة الوزير بعد عزل عبدالباري مباشرة . وهنا مكان توضيح لقب طربوش وأصله . فقد حدث ان تلقى محمد الفضل هدية من تاجر نيلي عبارة عن طربوش ، فأمر القائم على العبيد الحجاب الفقيه حامد او سلفه .. ان يرسل الى التاجر احد الحجاب كهدية ، ردا على هديته . وقد اختار كبير الحجاب آدم هذا لانه لم يكن يرتاح اليه . وبعد ايام طلب الملك حضور الصبي آدم ، فاعترف له كبير الحجاب بأنه قد اهداه الى التاجر ردا على الطربوش الذى اهداه للملك . وكان التاجر قد رحل ، فبعث الرسل فورا على الخيول واعيد آدم من الصحراء . ومنذ ذلك الحين اصبح يكنى بآدم طربوش وهو لقب يضايقه ، خاصة بعد ان تبوأ منصبا جليلا .
    وحكم حسين في سلام ، لكنه مع ضلك لم يكن محبوبا لدى رعيته . وقد حرضته امه على كبار القوم والاعيان . وكان اخوته وخاصة ابوبكر وحسيب الهه يحتقرونه لانه بخيل ونظري . وكان رعاياه يعتبرونه مفتقرا الى الطبع الملكي وروح القتال . وكان والده قد قال : (( اذا حكمتم حسين فانكم ستنصبون تاجرا ملكا . )) ولم يزد في اعتبار الناس له كونه كان يقوم بالتجارة غير الكبيرة مع كردفان في كل انواع السلع ، وانه ذرف الدمع ذات مرة على قطع من القماش احترقت في احد اكواخه .
    وكان يتخلص من اعدائه من كبار المسؤولين بارسالهم في حملات على الرزيقات ، ليلاقوا حتفهم .
    وكان كل نشاطه العسكري موجها ضد القبائل العربية في جنوب المملكة ، والتى كانت دائمة الخروج عليه . وقد اخرج عليها في الخمس والثلاثين سنة التى حكمها 18 حملة ضد الرزيقات ، ومنها حملات ضد الهبانية والمعاليا الذين كانوا حلفاءهم . لكن تلك الحملات دارت عليه بالخذلان .
    وقد شن السمندوقولا عبدالعزيز هجوما على الرزيقات في المقام الاول من اجل جواد سرق منه .
    عرضوا عليه التعويض عنه بعشرين جوادا بسروجها ، لكن الباسي نيومبو واعيان آخرين رأوا لانفسهم فوائد اخرى في القيام بحملة عسكرية ، ومن ثم نصحوا عبدالعزيز برفض الفدية . وفي البداية حصلوا على مغانم كثيرة من الماشية ، وانسحب الرزيقات كعادتهم واختفوا في اقليمهم حيث يصعب اختراق اراضيه . ولكن عندما قفل عدوهم راجعا الى بلاده بالغنائم واغفل ان يتخذ اجراءات امنية تحميه ، تجمع الرزيقات من جديد وهاجموهم ليلا ، وقتلوا كل الاعيان او كادوا .. باستثناء عبدالعزيز الذى فر ناجيا بفضل سرعة جواده ، فاستعاد الرزيقات ماشيتهم وعادوا ظافرين .
    وعندما علم الملك حسين بإخفاق الحملة ، امر الملك خليل بأن يقبض على عبدالعزيز الذى بقي في دار بالجنوب ، ويسجنه . ووجده الملك هناك واعاده دون مقاومة منه . وكان عبدالعزيز قد اعد نفسه لهذا اللقاء مع السلطان والذى كان يعرف شخصيته وطبعه جيدا . وكان قد حمل معه 200 زمام من الذهب خاطها في ثيابه . وبعد ان وبخه حسين بشدة وحكم عليه بالموت ، اجاب عبدالعزيز بأنه يتقبل الحكم لانه عادل ، فهو عبدالملك ، ولسيده ان يفعل به مايروق له . ولكنه طلب ان يسمح له اولا بتقديم مايعوض الملك عن خطئه ذاك ، ومايقوم في نفس الوقت دليلا على ان عبدالعزيز كان منشغلا بالملك . وكما توقع عبدالعزيز فان الملك الجشع قد استماله مرأى الذهب ليغير رأيه ، وينقض حكم الاعدام . وبعث بالرجل بعد العفو عنه الى الجنوب مكلفا بجمع الغلال من اقليم جيمان ، ثم ارسل له العمامة والحراب الملكية – الكوري درمي – والكرسي الملكي – الككر – والمصحف والسجادة . وهي شارات منصب المقدوم ، وهو ممثل الملك ، ولاينقصه الا النحاس ، ويحترم الناس المقدوم وكأنه الملك نفسه . وبذا اصبح عبدالعزيز مقدوم الجنوب . وعاش في دارا ثلاث سنوات ، وادارها ادارة ناجحة للغاية . كان شديدا وقاسيا ، ولكنه كان عادلا ، ولم يكن يسمح للموظفين بتعريض رعاياه لأي ظلم او عنت . وكان يعاقب الجرائم والسرقات في صرامة شديدة .
    وفي السنة الرابعة من فتره ادارته خرج في حملة ضد الرزيقات . وفي مسانة ، وهي بحيرة مليئة بالمستنقعات واقعة بين منطقة الهبانية والرزيقات ودارفور نفسها ، غنم 1200 رأسا من الماشية من الرزيقات والهبانية . وفي السنة التالية هاجمهم بقوات حاشدة كبيرة في موسم الامطار – الخريف - . لكنه لم يحالفه النصر في تلك المناطق المليئة بالمستنقعات في الجنوب . وقد عرفت تلك الحملة بحملة فايو لأن الجنود زرعوا نباتا يعرف بالفايو ليسدوا جوعهم بعد ان جرد العرب المنطقة من كل شيء .
    ومرة اخرى غضب الملك حسين واتهم عبدالعزيز بالجبن . وفي السادسة قام عبدالعزيز بحملة اخرى ضد الرزيقات بقوات الفرسان – الخيالة .. عبر منطقة الهبانية وطالبهم بتسليم اولئك الفرسان . لكن الهبانية رفضوا ان يسلموا من هم تحت حمايتهم . فهاجمهم عبدالعزيز ، وحاول الهبانية والرزيقات الذين كانوا بينهم ان يشقوا خطوط المسلحين الذين كانوا يطوقونهم . وفقدوا بذلك الف رجل وعددا كبيرا آخر في المطاردات التى وقعت بعد ذلك .. كما انهم فقدوا مايقرب من اربعة الف رأس من الماشية .
    وبعد ان عاد عبدالعزيزامره الملك حسين بالقيام بهجوم جديد على الرزيقات مباشرة هذه المرة .
    وفي الدرت – الخريف – خرج في 15 شعبان ومعه 15 ألف فاؤس . ولأن السلطان قد زوده بفرمان – امر تفويض – مختوم بالاحمر بدلا من الاسود المعهود ، ومنحه برنسا اسود بدلا من الاحمر ، اعتبر نذير شؤم . وبعد مرور ثمانية أيام هاجمه الرزيقات وأسروا كل مؤخرة قواته ، بما في ذلك الدواب والمؤن . وبعث عبدالعزيز فصائل في اتجاهات عديدة ليقطع الطريق على العدو المغير . فارسل المسيرية والمساليت والزغاوة الى الجنوب ، والبرقد وبني هلبة الى الجنوب الشرقي . لكن الرزيقات هاجموا الاخيرين بنفس الاسلوب ، وافنوا وجردوا كل خيلهم . اما الاوائل فقد عادوا بغنائم كبيرة . لكن الرزيقات عادوا مرة اخرى في اليوم التالي من كل جانب مدرعين بدروع من جلد الجاموس والتمساح والكركدن ، ومسلحين برماح شديدة البأس ، رؤوسها طويلة وعريضة . واستمرت المعركة في ذلك اليوم حتى وقت العصر حوالي الساعة الرابعة مساء ، واستؤنفت في صباح اليوم التالي . وعندما بدأت مرة اخرى في يوم الخميس استمرت حتى العصر وليوم الجمعة من الشروق الى وقت صلاة الظهر (( الجمعة )) . وعندئذ كان الرزيقات قد اخذوا الجمال التى كانت محفوظة في المنطقة المجاورة . وكانت معها النساء . وحاول عبدالعزيز عبثا ان يستردها . وقد سبب فشله احباطا كبيرا وواسعا . وكان النصر المؤزر من نصيب الرزيقات .
    وهرب الجميع . وولى عبدالعزيز صوب الشمال دون ان يتوقف حتى الصباح . وكبا جواده ، وانقـذه عبيد الرزيقات الذين لم يعرفوه . ولكنهم حين افصح عن هويته في غرور في اليوم التالي ، قتلوه . وحصل الرزيقات على غنائم جمة .
    بلغت انباء الهزيمة العاصمة في اول شهر رمضان . وفي عيد الفطر عين السلطان نيل ابن عبدالسيد ، ملك الكوركوا ، مقدوما على الجنوب ، وحسن ابوكبير مقدوما لدار تكنياوي ، والابوشيخ رحمة مقدوما للمحافظة الشرقية . وامر الثلاثة بالهجوم على الرزيقات .ولكن ذات يوم عندما كان عرب المعاليا يقومون أدلاء لمؤخرة القوات فجأة وراءهم وكانوا على الدوام محيطين بهم ، وقتلوا عددا كبيرا ، وغنموا النساء والمؤن . ثم شنوا بعد حين هجوما من الجانب الاخر وهجوما على قوات حسن ابو كبير ، وقتلوا ابنه زعيم الزيادية . وفي توجس هجوم من الفور كان الرزيقات يحتفظون بشؤونهم وبضائعهم ونسائهم واطفالهم في منطقة الجانقي المليئة بالمستنقعات ، ويصعب الوصول اليها ، وهي واقعة في جنوب منطقتهم . وكان ابرز زعماء الرزيقات هم جمعة الحارو من الهبانية والفكي ابوبكر من المحاميد .
    وكانت كل هذه الحملة قد انتهت الى لاشي . فقد كانت قرى الرزيقات فارغة ، وعيالهم ونساؤهم وماشيتهم في اماكن المستنقعات التى يصعب اختراقها .. كما يصعب العثور عليهم هم انفسهم لانتشارهم في مناطق وعرة . وقد حالفهم الجوع ضد اعدائهم . وكان غضب الملك عظيما عندما عاد المقدوم خليل .
    فعزله ، واستجاب لطلب الوزير آدم طربوش بالخروج لحرب الرزيقات .
    وقد عاد الوزير بغنائم كبيرة من الماشية ،لكنه لم يستطيع اخضاع الرزيقات انفسهم .. فارسل الملك عطية ، من البرتي ، لحربهم . وقد حاول الهجوم على المكان الذى كانت المعاليا تقيم فيه مختلطة بالرزيقات ، ولكنه هزم للمرة الثالثة . ومرة ثالثة اغرى الشيخ راشد ، من الهبانية ، والذى انضم الى الزبير باشا فيما بعد ، اغرى آدم طربوش الى مستنقعات مسانة بحجة وجود قطعان ماشية كثيرة للرزيقات هناك . لكن الرزيقات علموا بذلك في الوقت المناسب عن طريق جواسيسهم ، فاخذوا قطعانهم الى مكان امين ، ففشلت هذه الحملة ايضا .
    وفي السنة التالية زحف آدم طربوش باثني عشر الف فارس على مستنقعات شلول حيث التحم معه الرزيقات في معركة . وبعد خمسة ايام فتر الجانبان ووجد آدم طربوش نفسه مغصوبا من قبل رجاله على الانسحاب ، ومستحقا بذلك اقسى التوبيخ من سيده . وظهر ادم طربوش مرة اخرى في دار رزيقات في العام التالى بقوة كبيرة ، يصحبه الباسي عبدالرحمن ، وآدم تو ، زعيم السياس ، وآخرون . ودارت معركة استمرت اربعه ايام . وفي اليوم الخامس طلب منه رجاله مرة اخرى الكف عن القتال والانسحاب لانهم قد انهكوا . وكان عدد الرزيقات في ازدياد مستمر ، ولم تكن هناك لائحة فرصة للنصر . ولكن آدم طربوش رفض ان يمثل بذلك المظهر مرة اخرى امام الملك . وحاول الانسحاب بقواته الى شاكا التى كانت على مرمى بصر منه على ارض رملية . وكان عليه ان يعبر بعض المستنقعات للوصول اليها . ومرة اخرى داهم الرزيقات المنسحبين . واستمرت المعركة الى وقت العصر ، وانتصر الرزيقات بعد ان سقط آدم طربوش نفسه مع خمسين آخرين .
    بعد هذه النتيجة المؤسفة لكل الحملات ضد الرزيقات عين الملك حسين لادارة الجنوب احمد شطة بن عبدالعزيز والذى كان حتى ذلك الوقت ملكا للسارنجا او حرس السلطان المسلح بالسيوف . ولم يطلب منه مواصلة الصراع بعد ، لكنه دعم جيشه بالاسلحة النارية اولا . فقد ظل يشتري كل عام ولمدة خمسة عشر عاما كميات من البنادق ، واحمد شطة يدرب قومه عليها . ثم خرج على الهبانية اولا ، ولكنه لم يعد باكـثر من 400 رأس من الماشية . لكنه خفف غضب الملك واسترضاه بحجم قواته المسلحة بالبنادق التى كانت تحت يده . وفي تلك الاثناء مات خليل ، بالحسرة كما يقال ، على اهمال الملك له ، وعين احمد شطة وزيرا بدلا منه . فقام على الفور بالمصالحة مع المعاليا الذين كانوا يهددون الطريق الى الشرق . ثم هاجم الرزيقات ، ولكنه لم يصب نجاحا اكثر من سابقيه . وعاد بعد ان فقد 900 حصان وعددا مماثـلا من الرجال بسبب العطش والاجهاد الكبير حتى قبل ان يروا العدو . فلم يحقق شيئا .
    وفي الخريف التالي اخرجه الملك حسين مرة اخرى لحرب الرزيقات بكل القوات التى كانت مزودة بالسلاح الناري تحت آدم سيف وابراهيم كسكساني وسعد النور وعبدالله رونجه . ووقعت مناوشات في الكلكة قتل الرزيقات فيها ابراهيم كسكساني وولد فضل الملقب بأرنب واخرين ، واسروا خمسة عشر فرسا . وفي اليوم التالي نهبت وخرجت القرى المجاورة ، وفقد احمد شطة في هذه الحملة 500 رجل نتيجة هجوم شنه الرزيقات . وفي الليل غنى الفور اغاني احتقار واستهانة باعدائهم ، وانذروا بالانتصار عليهم في اليوم التالي . لكنهم لم يحققوا شيئا رغما عن استخدامهم للاسلحة النارية . ولكن المدفع الذى حملة احمد شطة معه اوقف الرزيقات الى حد ما بعد ان اطلق ثلاث مرات . وفي اليوم التالي ، الجمعة ، استؤنفت المعركة في مستنقع ممفوس حيث كان آدم طربوش قد لقى حتفه . واصبح موقف الفور صعبا ، ولم يستطيعوا الانسحاب الى شاكا الا بعد عناء وجهد . وكان العدو يهاجمهم كثيرا هناك .
    وعادوا هذه المرة ايضا مخفقين . وفي العام التالي اخرج السلطان حسين قواته مره اخرى ضد الرزيقات ، فوصلوا حتى أماتوريك حيث درات معركة متصلة ليومين ، وبنجاح ، حيث ان الرزيقات عرضوا خضوعهم في اليوم الثالث ، واحضروا ستين فرسا كجزية . وقد نصح القادة الذين كانوا تحت امرة احمد شطة بأن يقبضوا على 400 من شيوخ الرزيقات ، ولكن احمد شطة رفض الاخذ برأيهم ، بل وعد الرزيقات الحرية لهم ولممتلكاتهم ، واعطاهم الحق في قتل كل من يأخذ منهم شيئا دون وجه حق ..
    فاوغر بذلك صدور قادته ، وهجره كثيرون منهم .. بينما بقى احمد شطة هناك . ولكن بالرغم من السلام الذى عقد واقسم عليه ، قام الرزيقات بمهاجمته . قد حاول شيخ الرزيقات بريمو ولد البنياي ان يصور ذلك بأنه فعل شباب طائش ، وبعث بجوادين كتعويض ترضية عن الهجوم ، ولكنه طلب من احمد شطة مغادرة منطقة الرزيقات ، اذ يستحيل ان يستتب السلام وسط البنادق ، فعاد احمد شطة الى العاصمة ، طائعا من جهة ومغصوبا من جهة اخرى .
    وهناك واقعة جربية اخرى في عهد الملك حسين تبين كيف يمكن بقوة صغيرة ان يتم الهجوم بأمان على دولة كبيرة ولكنها سيئة التنظيم عسكريا . فقد قام احد الشيوخ العرب من مصر ، يعرف باسم الشيخ المصري ومعه بعض قبائل الدازا بالتوغل من الشمال عبر منطقة البديات ، وخرب ونهب اهل دارفور . وقد صده المهرية ، لكنه عاد مرة اخرى . وبالرغم من كثرة القبائل العربية في شمال دارفور كاد المصري ان يفلح بفرسانه المسلحين بالبنادق ان يهدد حكومة دارفور نفسها . ففي احدى مطارداته للمحاميد الذين يعيشون في اقصى شمال غرب دارفور توغل حتى بلغ قلب المحافظة الشمالية لدارفور ، حتى الزغاوة انقا ، ثم الى بارجويز في المحافظة الغربية . فارسل عبدالله رنقه المذكور آنفا بكل قواته الى الغرب ، فوصله في رهد ماعون او جرجر جنوب كوبيه في اقليم المحاميد الوثنيين . وقد اضطر عبدالله الى التقهقر ، ثم تقدم مرة اخرى وهزم ثانية وفقد مؤخرة جيشه . شجع هذا النصر الشيخ المصري ، فانقض على قبيلة الزيادية التى تعيش في الشمال على مسيرة ايام قليلة من العاصمة الفاشـر . فابلغ الزيادية الملك بالخطر الذى يحيق به ، اذ كان يبدو ان الشيخ المصري كان ينوي الانقضاض على العاصمة . ولكن حين واجهه الملك باكبر قوة ممكنة بقيادة الوزير خليل . انسحب المصري ، ولم تتكرر هجماته .
    وكان القدر يدخر للملك بعض التجارب الصعبة في نهاية عهده وحياته ، بالرغم من انه كان على العموم حاكما عادلا يتمتع بموهب فكرية وبالعلم بمفهوم العالم الاسلامي . وتلك خصال لم تكن شائعة .
    وبالرغم من انه باعتدال شديد ومهارة حفظ السلام مع اثنين من جيرانه هما مصر الخطيرة الى الشرق .. ووداي ، عدو دارفور التقليدي الى الغرب ، فهو لم يحصل الا على اعتراف ضئيل بجهوده في فترة ثلاثين عاما . فهو لم يكن يتمتع بالشعبية الا في الخارج حيث كان مشهورا ومقدرا من اقصى غرب افريقيا الى الاراضي المقدسة في الحجاز بفضل كرمه للعلماء المسافرين والحجاج . اما شعبه فكان يشارك اخاه الاكبر ابوبكر رأيه في حسين ، ويشارك ايضا رأي حسيب الله بأن حسين بمسلكه المهادن في الخارج كان يضر بسمعة دارفور ، وانه في الداخل كان يجرد الملكية من كرامتها ومجدها بإدارته الناعمة المعتدلة التى لاتحاول فرض اي شيء . ولذا ماكان لينجح في حفظ السلام مع اخوته الكثر ، اذ كان لمحمد الفضل اربعون ابنا ، لو لم يكن ذا طبع متزن وشخصية صبورة . وقد استفزه ابوبكر وحسيب الله اكثر من مرة علنا . وبعد صعوده العرش مباشرة اضطر الى ان يوضح في مجلس العائلة انه قبل الحكم فقط بحكم وصية الرجل الذى كان اباهم جميعا ، ولكنه على استعداد للتخلي عنه متى ماجعل خصامهم استمرار السلام الداخلي غير ممكن . وكان ابوبكر بخاصة قد تحدى الملك صراحة وبشكل يستحق الاخذ بالشدة . ففي احد المناسبات المسماة بعيد الكوندا – الكلى ، والتى سيأتي ذكرها ، كح ابوبكر واخلى حلقه حضور الملك ، مما يعد إهانه في دارفور تستحق الموت . ولكن اخاه الملك تظاهر بأنه لم يسمعه .
    وفي مناسبة اخرى عندما كان الملك يقوم بموكبه يوم الجمعة الى الجامع فاجأه ابوبكر وحربته مشهورة .
    وعندما رمى الاعيان انفسهم بينه والملك تراجع ابوبكر ضاحكا في سخرية وكأن المسألة برمتها مجرد مزحة . وقد شق طريقه الى القصر مرات عديدة وهو مسلح تسليحا كاملا وفي ساعات غير عادية ، وفي حضور الملك الذى لم يردعه مع ذلك كله . وباختصار ، فان الحقد الذى كان يظهره ضد الملك ووزيرة آدم طربوش والذى كان يعتقد انه بدهائه قد حرمه من العرش ،كان يسبب للملك متاعب جمة وحزنا عميقا . وقد وقعت مواقف ومشاحنات عنيفة بين الامير و آدم طربوش الذى ماكان الملك يستغنى عنه ، وما كان للملك ان يبقيه في منصبه لولا قدرة الملك على الاحتفاظ بذكائه وحسن تصرفه .
    أما في البلاد نفسها فقد كان ابوبكر يحظى بالاحترام مثلما كان مهابا . وقد حاول الملك ان يعوضه عن فقده للعرش بحواكير عديدة ، وبذا وبمرور الزمن تجمعت بين يديه قوة ماكان الملك ليعتبرها الا امرا مرفوضا . ولم يخلصه من خطر اخيه سوى موت ابوبكر .
    أما فيما يختص بعلاقته بوداي ، فإن حسين بتعاونه في رفع الملك محمد شريف الى العرش قد استطاع ان يقيم علاقات جوار حسنة حتى ان الملك على ملك وداي كان في خطاباته الى الملك حسين يشير الى ب (( يا والدي )) . وكان يكن له احتراما وتقديرا كبيرين وحقيقين . كما ان الملك حسين استطاع ولسنوات طويلة ان يحافظ على السلام مع مصر والتى كان يتفهم جيدا تطور سلطة ملكها وقدرته على مساعدته . وتحسبا للأحداث التى ستأتي ، كان الملك حسين قد حصل على فرمان من السلطان في اسطنبول من السلطان عبدالحميد ، كما من السلطان عبدالعزيز ، يضمن له استقلال بلاده ، ولكن تحت ظلال الباب العالي . ومع ذلك فإن ايام عهده وحياته الاخيرة قد صارت مريرة بسبب مصر ، وان كان قد سلم من ان يرى شعبه وبلاده يقعان تحت الفتح المصري .
    واخيرا شاء القدر له ان يفقد بصره . ويبدو ان الماء الازرق – الجلوكوما – قد حرمه من بصره بسرعة شديدة . وقد جاء الناس من كل صوب ، واستدعى الحكماء لمداواة الملك الذى كان واسع الشهرة بكرمه وحفظه للجميل . فقد اتاه خبراء جراحة الجلوكوما من المغرب – مراكش - ، وعلماء الفلاته من دار مالى ، والاشراف من اقاصي الغرب والحجاز وحكماء من برنو ، واطباء من دول ساحل شمال افريقيا المتحضرة . كانوا يأتون كل عام لممارسة مهاراتهم عليه . وقد استسلم الملك لكل هذه المحاولات لعلاجه ، وكافأ اصحابها في سخاء . ولكنه وبمهابته العميقة لله ، تقبل قدره ، وقد اصبح ضعفه يطرد في توجيه شئون البلاد . ولكي يكسب حب افراد الاسرة له ويحتفظ بولاء كبار الموظفين والاعيان بدد الحواكير الملكية واصبحت اغني الاقاليم واكثرها انتاجا في ايدي اخوانه واخواته وابناء اعمامه ، والمقربين من عبيده .
    وكانت اخته زمزم ، الاياباسي ، التى كانت لها شخصية كالرجال ، تمارس سلطة واسعة حتى انها كانت تفعل ماتريد دون خشية ، وكانت مستبدة بطبعها . وكانت تجوب البلاد على رأس رجالها المسلحين ، تنتزع المناطق الواقعة تحت سيطرتها وتستولي من الملك على الحواكير التى تروق لها بكل سهولة . كانت مكروهة ويخافها الناس من كل البلاد ، ولذا لم تطق حياتها بعد موت اخيها الملك ، فماتت في نفس الوقت الذى مات فيه حسين . ويقال انها وقعت فريسة للانقباض الشديد بعد موته ، فرفضت كل طعام وماتت بعد اربعين يوما .
    وقد بدأت الامور تتعقد مع مصر في سنوات عهد حسين الاخيرة . وكان بقصره فقيه من بلاد فتري الصغيرة ، آخر بقايا امبراطورية البولالا العظيمة . وكان يدعي انه من قبيلة البولالا مع انه في حقيقة الامر من الابوسمين ، وقد كانوا هم الحكام الفعليين لاقليم فتري قبل البولالا ، والبولالا من اصل عربي توغلوا في تلك الاقاليم وفرضوا حكمهم . والابوسمين الآن لايشكلون سوى قبيلة صغيرة مبعثرة في قرى الفتري او قد دفعوا للعيش في جزر مستنقعات اقليم فتري ، ويعاملون باحتقار شديد من قبل البولالا والكوكا .
    وكان هذا الفقيه الذى عرف باسم محمد البولالاوي يعيش كعالم في القصر ، الذى جذب رجالا من كل صوب وبلد و احسن معاملتهم . وقد اعطاه الملك حسين ارضا يعيش من ريعها ، ولكن احمد شطة الوزرير والمقرب الى الملك كان يعتبرها حقا له . وقد نشطت المنازعات بينه وابناء الفقيه الذين كانوا يعيشون في تلك الاراضي ، ونتج عنها مقتل احد اولئك الابناء . فاشتكى الاب الى الملك والذى وان كان بطبعه رجلا عادلا كان اضعف من ان ينصفه . واستمر النزاع و قتل الابن الثاني والاخير للبلالاوي ، فقرر الاب المحزون والمفجوع والذى لا سند له بعد ان عجز عن الحصول على حقه بان يرى الجاني يلقى جزاءه ، عزم على مغادرة دارفور ، وطلب الاذن من الملك حسين ليخرج الى الحج بمكة . ولكن الملك حسين لخوفه من الاخبار المعادية في الخارج حاول بكل وسيلة ان يبقي الفقية في دارفور ، وكلف ابنه الثاني عبدالرحمن والذى كان الفقيه صديقا له ليكون مسئولا عن عدم مغادرة الفقيه المظلوم والمفجوع من البلاد سرا . ولادراك الفقيه لاسباب رفض الملك مضى اليه وقال : (( ان كل سعادتي في الارض ابنائي وقد سلبت مني في بلادك يا سيدي ، وسالبي يمضى في بلاطك دون عقاب ، وكأقوى الرجال . ان قلبي مفجوع ولن يمكنني بعد اليوم ان اشعر بالاطمئنان في بلادك واريد السلوان . وارجو ان يعد الله لي السلام في بيته . وليس في نيتي على الاطلاق ان اشتكي في الخارج من بلادكم او منكم او من الاحداث التى جرت لي هنا . واذا سمحت لي في الذهاب فإني على استعداد لان احلف على المصحف الشريف .))
    وقد جعله الملك يقسم على المصحف بألا يروي الاحداث لاي شخص هام في مصر او يبحث الامر مع شريف مكة . بعد ذلك اذن الملك حسين للبلالاوي بالذهاب . ولكنه مضى رأسا الى العاصمة المصرية وافلح في ان يحمل الحكومة على الاعتقاد بأنه بحكم دمه الملكي له الحق في حكم دارفور ووداي وكل البلاد حتى بحيرة فتري ، وان سلطته وسمعته في تلك البلاد عظيمة بما يسمح له بعون من مصر ان يستعيد حكمها . فارسلت الحكومة المصرية الى الخرطوم وامرت الحاكم العام هناك ان يستفسر من الحجاج القادمين من الغرب عن مدى صحة تلك المزاعم . وقد استطاع ان يجمع من الشهود الذين كانوا متوجهين الى الحج من كل انحاء العالم لان يؤكدوا له ماجاء في تقريره . وبذا اذن له في حشد قوات ، وساعدته الحكومة بالاسلحة والذخيرة ، وسمح له بالمضي الى الاقاليم الواقعة في الحدود الجنوبية لدارفور ومن هناك اخذ يقلق البلاد ، ويتبجح بأنه سيغزو دول السودان الشرقي الممتدة حتى بحيرة تشاد .
    ولكن هناك مغامر اخر بجنوب دارفور هو الزبير . وقد ولد في شندي من قبيلة الجعليين ، وعاش في صباه في الخرطوم ، كاتبا حكوميا . ثم عندما اخذت تجارة العاج والرقيق في الاقاليم الواقعة في الروافد الغربية للنيل تزدهر وتجذب الناس في جنوب مصر ، دخل الزبير في خدمة علي ابو عمري ، وبعد ان حقق لنفسه بعض الاستقلال وطد نفسه في تلك الاقاليم . وكان يستبدل كل العاج والرقيق الذى يجتمع لديه بالسلاح والذخيرة والقوات في الخرطوم وكردفان . واصبحت له قوة معتبرة للغاية .
    وبمرور الزمن اصبح العاج والرقيق نادرين في دارفور ، وماعادت البلاد تستوعب مغامرين مثل الزبير والفقيه البلالاوي .فنشب النزاع بينهما ، ثم وقعت الحرب بينهما ، وقتل فيها البلالاوي .
    بعد ذلك استولى الزبير الذى كان يتمتع بالذكاء والمعرفة على القوات المصرية التى كانت تحت قيادة المتوفى ، ووضع اللوم كله على قائدهم الذى سقط ، واولاها عناية خاصة ، ووعدها بالربح والغنائم التى تفوق ماكان يمكن الحصول عليه تحت قيادة البلالاوي . وكتب في الوقت نفسه الى الخرطوم والى الحكومة المصرية مبينا طبيعة النزاعات بينه وخصمه بصورة يعزز بها موقفه ، ومصورا خطط البلالاوي بانها كانت بلهاء وعبثية ، وانها ماكانت تتسق مع قوته الفعلية . وفي خطابه وضح المكاسب الممكنه لمصر عن طريق اتباع سياسة معتدلة ومتزنة ، والتى نذر نفسه لتحقيقها ، واخيرا عوض الحكومة المصرية عن الاسلحة الاصلية التى كانت للبلالاوي .
    وقد حكم الزبير غيابيا ،ولكنه في اقليمه النائي ذلك كان في امان من يد العدالة بالخرطوم ، واحتفظ بقوات البلالاوي على حالها الاول ، واستطاع بفضل المغانم التى تتيحها تجارته .
    وقد كسب الحكومة المصرية الى جانبة بخطاباته العديدة وتحويلاته المالية . وبعد فترة ليست بالطويلة طلب ان يكون مديرا على اقليم جديد يضم المناطق الواقعة على بحر الغزال ..
    وطيلة وجوده هناك كان الزبير على اتصال دائم بالملك حسين ، يكاتبه ويطمئنه بأنه لاينوي احداث اي قلائل لدارفور نفسها .. ولايريد سوى اقاليم الوثنيين في الجنوب ، والتى لم تكن لاي شخص . وقد كان رد الملك حسين حادا وحازما .. بانه لايخشى من الزبير ، وانه يتعود ان يرى تجار الخيول يختصون بامور الحكم والتى هي عادة من شأن الملوك .
    وقد اصبحت كل المناطق الواقعة في جنوب دارفور تأتمر بأمر الزبير لا بأمر سيدها وحاكمها الحقيق .
    فاصحاب حفرة النحاس التعايشة الهبانية وامراء البلاد الوثنية دلقونا وكوتواكا صاروا يدفعون الجزية للزبير ، وعقد الرويقلت ، اقوى رعايا دارفور ، معاهدات مع الزبير بطريقة ودية . واصبحت الدول حتى البرنو تحس بأنها مهدده بالقوة المتنامية لهؤلاء البحارنة الذين اخذت حملاتهم وعملياتهم الحربية تمتد وتمتد .
    وقد حاول ملك وداي دون جدوى ان يحرك جاره وصديقه ملك دارفور للقيام بعمل ما لدرء هذا الخطر ، ووعده بالاشتراك معه بكل قواته ، اذ ان استقلال دارفور كان هو الضمان لاستقلال وداي .
    وكان هناك حلف دفاعي وهجومي بينهما لمثل هذه الاغراض . ولكن بمثل ما ظل الملك حسين طيله عهده يسعى لكسب الوقت في الداخل و الخارج ، لم يستطع ان يقدم على اتخاذ اي اجراءات عملية . ولو انه حرر نفسه آنذاك من البحارنة بقوة جيشه لما جعلت الحكومة المصرية من ذلك سببا للحرب .
    وفي ربيع سنة 1874 وفي السنة الخامسة والثلاثين من حكمه كان الموت يدنو حثيثا الى الملك حسين . وكان الفقيه درديري ، ومن كردفان ، الذى لم يكن له اي منصب محدد ، هو المستشار السري للملك . وعندما ظهر ان مرض الملك اصبح خطيرا ،استدعى هذا الرجل الوزير آدم شطة ، واتفقا على ان يجعلا ابوالبشر ، اكبر ابناء الملك حسين ، خلفا له . وقبل يومين من موت الملك دخل ابوالبشر العاصمة ، ومعه ألف رجل ببنادقهم . لكن كانت هناك مجموعة اخرى تريد ابراهيم ، اصغر ابناء الملك خلفا له .
    وكان مرادهم يتفق مع اخر تعليمات الملك المحتضر . وكان حسين يدرك ان احمد شطة والفقيه درديري يفضلان ابنه الاكبر ، ولذا كلف الامين بخيت ابن آدم طربوش عن طريق غلامه الموثوق (( خير كتير )) ان يجمع سرا وبسرعة عددا اكبر من الرجال في القصر ويعلن بمعونتهم ابراهيم ملكا بعد موت الملك . وقد قام الامين بخيت ومعه ملك الكوركوا الخاضع له بتنفيذ امر الملك . وعندما دخل احمد شطة العاصمة كان درديري قد تم وضعه في الاغلال ، ومنع الوزير من دخول القصر .
    وخشى الناس من حالة الاضطراب الشديد جراء تغير الحكومة ، لا من جانب اخوي ابراهيم الاكبرين ، ابوالبشر وعبدالرحمن ، بل من جانب اخوةالملك الراحل ، وخاصة حسيب الله ، ومن جانب اخرين مثله لهم قوة واحترام عند الناس . وكان اخطرهم حسيب الله الذى يشبه ابابكر في طبعه ، وقد جاء ذكره آنفا . وكان اتباع كثر في البلاد وخاصة اولئك الذين كانوا غير راضين عن حكم حسين الذى اتسم بالتجارة وفقد هيبة الملك . ولكن حسيب الله كان قد تقدمت به السن ، فهو في السبعين من عمره ، وماكان ليجرؤ على المقاومة العلنية لو اتفق مع ابناء حسين على تنصيب اخيهم الاصغر . ويكفى ان ابراهيم قد قلد الملك ووضع على سجاد احمد بكر كما جرت العادة في الليلة التالية لموت الملك حسين .
    كما تم أداء القسم على الولاء من جانب الاخوة والاقربين وكبار الاعيان في البلاد . وفي صباح اليوم التالي دق النحاس الكبير معلنا تغيير الحكومة الى العاصمة والبلاد ، دون اي معارضة ذات بال .
    وكان الملك ابراهيم في الاربعين من عمره ،ويشبه اباه في كثير من الامور . فقد كان له نفس الطبع اللين والمهادنة الذكية . ولئن كان اقل ذكاء وعلما من والده الراحل الا انه كان اكثر جزما ورجولة . وعلى العموم لم يكن كفؤا للمنصب الذى تركه له ابوه ، وهو منصب اضحى يزداد صعوبة يوما بعد يوم .
    وكان المغامر الزبير قد عين مديرا لمديرية بحر الغزال ، وبذا تم الاعتراف به كموظف مصري . وبذا ماعاد يحتاج الى الانتظار ، بل تقدم رأسا لتحقيق خططه . وكانت الظروف مواتيه لذلك . فقد كان الملك محمد الحسين قد اغرى الرزيقات الذين شن لاخضاعهم حملات عديدة دون نجاح ، على مهاجمة قافلة للزبير كانت مضطرة الى العبور الى منطقتهم ، فنهبوها وقتلوا كل من كان بها . فشن الزبير هجوما على الرزيقات ،وذبح منهم الكثير ، ووطد نفسه في شاكا ، احدى قرى الرزيقات ، ثم اصبحت مديرية بحر الغزال مديرية شاكا ، واصبح الزبير بيه حاكما عليها . وبذا اصبح وقد توغل في اراضي دارفور نفسها ، وحتى لو لم يكن الرزيقات يعتبرون بالفعل من رعايا دارفور ، فقد كانوا سميا تحتها ، اذ انهم في اخريات عهد الملك حسين قد اخضعوا بفعل دهاء ونشاط الزبير احمد شطة الى دفع الجزية بانتظام .
    وقد كان الفور في وثوقهم الزائف المغالى بأنفسهم قد فشلوا في رسم صورة حقيقية لقوة مصر بالمقارنة اليهم ، وظلوا زمنا طويلا غير راضين عن سياسة الملك حسين الراحل التى اتسمت بالانتظار والمرونة .. فقاموا الان بالضغط على الملك ابراهيم لاتخاذ عمل حاسم . وكان مضطرا الى الاستجابة لذلك كي يحرم عمه حسيب الله وحزبه كثير العدد فرصة حرمانه من الملك . وانقاذ لهم فجهز حملة بقيادة احمد شطة ضد الزبير وقواته ، وبذا اخذ يعجل بسقوطه وسقوط ملكه .
    وفي اواخر عام 1873 شن احمد هجوما علىالنور ، احد قادةالزبير ، في منطقة الرزيقات ، وهزمه هزيمة تامة . ثم كتب رسالة الى الزبير كلها تودد واسترضاء نظرا لضخامة القوات تحت الزبير وطلب اليه فيها مغادرة البلاد ، واكد له انه بعد جلائه فقط سيصبح من الممكن اقامة اتصالات تامة بين دارفور والبحارنة . فقام الرسل بذلك الخطاب الى الزبير ، ورجع جيش دارفور الذى كان فاقدا للانضباط الى دياره ليؤمن ماغنمه من نصره ، وبقي مع الوزير اولئك الذين لم يغنموا شيئا بعد . وقد ضجروا وكرهوا المفاوضات المطولة مع الزبير بعد نصرهم ، وانتشر الهمس عن خوف احمد شطة ، واصبحوا على درجة من الغليان والتمرد حتى ان احمد شطة وجد نفسه مضطرا الى التقدم لكي يهدئ قواته . ولكنه لسوء حظه كان قد تلقى معلومات خاطئة جدا عن احوال الزبير ومكان عسكره ، وهبط جيشه فجأه على مرأى من العدو في وقت لم يكن الزبير قد تسلم او رد الرسالة . ومن الطبيعي ان البحارنة قد دهشوا لتـقـدم قوات الفور في وسط المفاوضات . ومع ذلك جاء رد الزبير الذى كان ودودا واعلن فيه استعداده لاحترام الحدود الفعلية لدارفور . ولكن وفي اللحظة التى عرف احمد شطة ذلك ، اندفع بحمق اثر تحريض رجاله على قوات الزبير . وأدى ذلك الى مناوشات تطورت الى معركة كبيرة انتهت بانتصار الزبير . وفقد احمد شطة حياته ، ومعه ثمانية من اكبر رجالات البلاد .
    ومنذ ذلك التاريخ بدأت العداوات المفتوحة بين مصر ودارفور . وزود الزبير بقوات نظامية وبمدفع ، وارسلت تعليمات لاسماعيل باشا حاكم عام السودان المصري بالخرطوم بالزحف على دارفور . واخذت قوات الزبير ايضا تقوم بهجمات الى الشمال .
    وبالرغم من كل ذلك ظل المواطنون في حالة من خداع النفس العميق . ولم يقدروا ان يستوعبوا كيف يمكن لارض اجدادهم الكبيرة العظيمة و النبيلة ان تسقط في ايدي الاتراك ، كما كانوا يسمون المصريين عادة ، وسدوا آذانهم عن الاخبار المؤكدة والمنذرة التى كانت تأتيهم من الجنوب . وكانت قبائل الجنوب قد اخذت بالفعل تذفع الضرائب للزبير ، وكان الموظفون يهاجمون ويذبحون ، ومع ذلك لم يكن احد ليصدق احتمال الغزو .
    ولكن الملك ابراهيم كان اذكى من شعبه بشكل عام ليسمح لنفسه بالخداع فيما يخص موقفه . ففي فترة قبل رحيل يكما سيأتي تفصيله ، كان علينا ان نستعجل الامر باقصى مانستطيع نظرا للاخبار السيئة التى كانت تصب علينا من كل الجهات ، خاصة وحياتي قد كانت في خطر عظيم من الموقف السائد لشعب دارفور المتعصب – صارحني الملك بما يخص مستقبله . وكان يعتمد من قبل كثيرا على الفرمان الذى اصدره الباب العالي والذى ضمن استقلاله . ثم ارتكب هو نفسه فيما بعد خطأ القيام بالمبادرة بالهجوم الاول . وبعد هزيمته على يد الزبير ماكان يرغب في الاضطلاع بأكثر من احتلال الحدود الاضيق لبلاده وان يرسل مندوبا الى الخديوي في مصر بالمال والغوالى لينقذ استقلاله ان امكن ذلك . اما اذا توغل المصريون الى قلب بلاده فقد كان عزمه ان يقود ويحاربهم حتى يموت رجلا . وهذا ماحدث فعلا .
    ويقال ان الحاكم العام المصري بالسودان قد تحرك من كردفان الى شاكا ، وتقدم في المملكة المجاورة ومعه الزبير . وبما ان موسم الامطار قد بدأ في اغسطس وكانت هناك مستنقعات كثيرة من جنوب دارفور ، تجف في موسم الجفاف ولكنها تصبح غير قادرة للعبور متى نزلت الامطار، فان اسماعيل باشا قد استقر رأيه وبذكاء على الزحف على الطريق المباشر الى الغرب للهجوم وسط دارفور . وهذا الطريق هو اقصر طريق ويمكن استخدامه حتى في موسم الامطار لان التربة رملية ويمكن حتى للجمال ان تقطعه في الخريف .
    ولكي ينسق الهجوم مع الزبير امره اسماعيل باشا بمغادرة شاكا في يوم محدد والتقدم عن طريق الكلكة حتى منطقة الهبانية ، مرورا بدارا وكلتاهما مناطق حدودية . وفي تلك الاثناء كان التعاون بين الزبير والباشا قد قوي واستقر . وبعد ان بلغ اسماعيل باشا ان الزبير قد تحرك ، تحرك هو ايضا . وكان تحت قيادته ثلاثة الاف رجل ، ثلثهم من الفرسان غير النظاميين ، وثلاثة مدافع ، بينما كانت قوات الزبير بيه ثلاثة اضعاف ذلك .
    وتقع منواشي ، وهي اصلا مستعمرة برناوية كما يدل اسمها ، على مسيرة يومين غرب دارا . وحالما وصلت العاصمة الفاشر انباء بان الزبير قد وصل دارا جمع الملك ابراهيم قومه وتحرك لمواجهته . والتقى الجيشان عند منواشي . وقتل الملك ابراهيم واخوه الاكبر ابوالبشر ، وتم النصر للمصريين .
    وبعد ثلاثة ايام زحف الزبير ودخل العاصمة الفاشر ، وبعده مباشره في بداية خريف 1874 دخل اسماعيل باشا المدينة .
    وقد انسحب حسيب الله ، عم الملك ابراهيم الذى سقط ، الى جبل مرة مع ما تبقى من الجيش ، وحاول من هناك ان ينظم المقاومة من جديد . وبينما كان اسماعيل باشا قد اخذ بالطبع القياده العامة واظهر سعيا للحفاظ على السهول الشرقية والجنوبية الشرقية لجبل مرة كان الزبير قد تقدم برجاله الى داخل الجبال التى كان سكان السهل يعتبرونها غير قابلة للاختراق ، واقام مقره الرئيسي في طرة . وقد بداية عام 1875 اضطر حسيب الله الذى تقلد الحكم الملكي الى التسليم للمصرين مع بقيه قواته .
    وان كان الناس يلومون اسماعيل باشا لفقدانه للروح العسكرية كقائد اعلى ، لابد للمرء ان يقر بأنه قد قام بطريقة انسانية جدا بمصالحة اهل دارفور ذوي الطبع الفخور والبدائي ، ولم يرسل الى القاهرة سوى الامير حسيب الله العنيد والطموح ، واحد ابناء الملك ابراهيم الصغار ، بحسبانهما مصدر متاعب للحكومة المصرية . وقد وصلا القاهرة في ربيع 1875 وتم استقبالهما من قبل الخديوي بكل مظاهر التجلة والاعتبار .

    نواصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 12:58 PM

Emad Abdulla
<aEmad Abdulla
تاريخ التسجيل: 18-09-2005
مجموع المشاركات: 6751

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)


    يا سلام يا صاحب ..

    إنحناءة للفارع الفارع أستاذنا الجميل النور ..
    و مثلها لصديقي المرهف العاتي عالم عباس .

    أشفق عليك من هذا المجهود الكبير في النقل و المتابعة و المراجعة لهكذا سفر ..
    لكنه جهدٌ في محل التقدير و العرفان .


    شكرا كبيرا يا بدر ..
    مودتي .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 03:44 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: Emad Abdulla)

    شكرا صديقى المعمد ابداعا عماد عبدالله
    وياصاحبى من العسير ان نوفى من هم على
    شاكلة النور عثمان حقهم وهو من ظل مخلصا
    متجرد فى الاخلاص والعطاء للوطن وانسانه..
    النور المدرس الشاعر المترجم الباحث ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 03:58 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الفصل الخامــــس
    تنظيم (( نظام )) دولة دارفور

    تنظيم سلطنة الفور
    تقسيم السلطنة اليمديريات ومحافظات ومناطق
    الشراتي – الدمالج – الفقهاء – الوكيل – المقدوم
    القصر السلطاني
    الملكة الام – الكامينا - الأبو دالي - الاياباسي – الإيا كوري
    الام سومينق دوقولا – الاوروندلينق – الحبوبات السبع
    الابو جباية – الباسينقا
    موظفو الأوري دي
    موظفو درب النساء
    موظفو التمباسي
    دور الموظفين والوجهاء في الاحتفال بعيد النحاس الكبير
    سير العيد – أكل الكوندا
    العرض الكبير – العرضة –
    اللبس والزينة
    موكب الملك – والتحية والعرض ونهايته


    احتفظ اسماعيل باشا بالتقسيمات لدارفور بغرض ادارة البلاد التى غزاها . وكان تقسيمه للبلاد الان الى خمس مديريات يتفق مع المحافظات الخمس السابقة . وهي الشمالية او دار تكنياوي ، والجنوبية ، او دار أما ، والجنوبية الغربية ، او دار ديما ، والشرقية ، او دار دالى ، والغربية ، او دار الغرب .
    وكان لكل من المحافظات ، باستثناء دار الغرب ، حاكم يجمل لقب ( ابو ) قبل اسم مديريته . مثلا ابو تكنياوي .. الخ
    وحسب التقاليد القديمة فإن ابو تكنياوي من الكونيونقا ، احد فروع الفور ، والابو أما من فرع البالدونقا او السومنقا ، بينما الابو ديما من المورمنقا . وكان حاكم مديرية دالى دائما من غير الفور الاحرار ، بل كان دائما هو كبير الخصيان ، المسمى ابو شيخ او ابو دالى ، الذى يقوم بدور الوصي على ابناء الملك بعد موته ويعتبر مخولا كل سلطات الملك الراحل .
    وكانت كل مديرية تنقسم اصلا الى اثنتي عشرة منطقة ، لكن هذا التقسيم لم يحتفظ به الا في المديريتين الشمالية والغربية . وعلى رأس كل منطقة مايعرف بالشرتاي ، وجمعه شراتي . وقد انخفض عدد المناطق في المديرية الشرقية فيما بعد الى اربع ، والجنوبية الى خمس مناطق . ولم يكن للغربية حاكم ، فقد كانت منذ البداية مقسمة الى ثلاث مناطق كبيرة هي دار فــيْ ودار مادي ، ودار كرنه،ودار كونير الاصغر حجما .
    ولشراتي هذه المناطق وفقا لحجم اراضيهم مرتبه اعلى او وضع اكثر استقلالا . فهم مسؤولون امام الملك مباشرة . وتنقسم المناطق الى اقاليم صغيرة على رأس كل منها دميليك (دملج ) . ويقوم بين الشرتاي والدملج وسيط هو زامبي ، وهي كلمة تعني في لغة الفور (( حربة )) ، ولكنها هنا تعنى حربة لصيد السمك . وبواسطة هذا الزامبي يقوم الشرتاي بمعنى ما بضرب الدملج بالحربة . فعندما ترد التعليمات الى الزامبي يقوم بجمع الدمالج المعنيين الذين بدورهم يجمعون الفقهاء ، وهم معلمو المدارس في القرى ، وكل منهم يمثل قرية معينة ،والذين يستحيل ان يتم اتصال مكتوب بين الدملج ومرؤوسه بدونهم . فيقوم الفقهاء باخطار الوكلاء على القرى الصغيرة والفرقان بالتعليمات ، فينقلها هؤلاء بدورهم الى اصحاب الزرائب . وتضم كل زريبة عددا من البيوت ضمن سور مشترك يعرف بالتقنقانقا بالفوراوية .
    بالاضافة الى هذه المناصب الرسمية بين قبائل الفور المستقرين ، هناك زعماء القبائل المهاجرة المختلفة ، سواء كانت مستقرة او من الرحل . فهناك عدد من السلاطين الخاضعين للشراتي الذين يعيشون في مناطقهم . فالمسبعات والبرقد والبيقو والمراريت والمساليت الذين يعيشون في داخل البلاد ، والزغاوة كوبيه لهم سلاطينهم . اما القبائل العربية فهي بحكم قوتها واهميتها التاريخية ، تتعامل مع الحكومة عن طريق شيوخ النحاس ، والذين لهم مرتبة السلاطين . ثم هناك اخيرا التامة والاورو وبعض فروع المساليت الغربية ، ولهم زعماء يتمتعون بالفُرْشة ( السجادة ) .. وهم اقل رتبة من السلاطين او الشيوخ .
    والابو شيخ او ابو دالى ، وهو منصب في البلاط كما في الادارة ، يتميز عن حكام المحافظات الاربعة ، والذين وان كانت مرتبتهم مماثلة لمرتبتة ، لا يأتون الى العاصمة الا بطلب محدد من الملك .
    ولتحاشي اي تغول على سلطاته ، يقوم الملك من حين لآخر بإرسال مندوبين عنه الى المديريات ، يمثلون الى حد ما الملك نفسه ، وليقوموا بالاشراف على الامور هناك . واثناء فترة ندبهم لذلك فإن هؤلاء المقدومين تسبغ عليهم امارات الهيبة الملكية ومظاهرها ، ويتمتعون بالسلطة العليا . وكانت مدة خدمة المقدوم عادة عامين او ثلاثة اعوام . ولم يكن هناك مقدوم دائم لزمن طويل الا في المديرية الشمالية .
    ويمكن تعيين اي موظف لهذا المنصب حرا كان او عبدا . وبعد اتمام مهمتهم يعودون الى مناصبهم السابقة .
    وقد استثني الجزء الاوسط من سلسلة جبل مرة من هذا التنظيم . فهناك شرتاي لدار طرة ، وقسم الباقي الى مناطق صغيرة ، المشرفون عليها مثل شرتاي طرة مسؤولون امام الملك مباشرة . وكان الملك يقوم بنفسه بإدارة الجزء الاكثر خصوبة في البلاد على السفوح الغربية لجبل مرة ، وهو رو كوري (( رو كيروٌ )) ، اي بئر الملك . وكانت ثماره تحجز للملك واسرته .
    بالاضافة الى هذه المناصب الادارية والموظفين الاداريين ، كان لملوك دارفور الاوائل بلاط وبيت ملكي غاية في التنظيم . فهناك بعد الملك ، والذى يسمى ابا كوري ، او أري ( ابو الاجلال والاحترام ) توجد الملكة الام ، ولها اعلى مرتبة ، ولقب أبو ، وبالعربية الحبابا او الحبوبة ( الجدة ) . ولكن منصبها لا يخص بأي سلطة حقيقية . واذا كانت كثيرا ماتمارس نفوذا كبيرا على الحاكم ، فهي نادرا ماتتدخل في شئون الحكم . وهي على رأس الابونجا ( الحبابات ) السبع ، او الارامل او النساء المسنات من الاقرباء في البيت الملكي ، وتعفى اراضيهن من كل ضريبة او عوائد .
    وربما كان مايسمى برقبة السلطان ، كامينا ، يتمتع بجاه مثل الملكة الام ، ويمكن تسميته بظل الملك .
    وفي الايام الخوالي كان الكامينا يقتل بمجرد ان يموت الملك . وقد استمرت هذه العادة القاسية الى عهد احمد بكر . وكان الكامينا الى ذلك الوقت يعين من الكتوانقا ، احد فروع الفور. وذات مرة وقد بلغه ان بعضا من رعاياه قد ظلمهم الكامينا ، ارسل احمد بكر اولئك الرعايا بصحبة مبعوث ملكي ( تكنياوي ) الى الكامينا بأمر منه بأن يحسن معاملتهم . فشعر ظل الملك بأن كرامته قد اهينت ، وضرب المبعوث الملكي . فخلعه الملك وعين مكانه رجلا رمضان من قبيلة اولاد مانع . ومن ذلك الوقت صار الكامينا يعين دائما من تلك القبيلة ، وهي خليط من الفور والعرب . ومنها ام احمد بكر فيما يبدو .
    واثناء وجودي هناك كان محمد دومبا ( الذئب الصغير الاسود ) من قبيلة اولاد مانع هو المتقلد لمنصب الكامينا . ولابد ان مرتبته كانت اقل من الملكة الام ، اذ كان يمسح التراب امامها براحته . وهو دلالة على تحية الاعظم منصبا .
    وكان الكامينا يحظى بمظاهر الاحترام الخارجي التى للملك . فاذا جاء الكامينا راكبا فان الآخرين يترجلون على مسافة ، ويجثون على الارض ويلفون الثوب الذى يلبس عاده على الكتفين حول الخصر ، ويمسحون التراب ويتمنون له طول العمر والسلام ، وترد حاشيته بترديد آري دونقا ، فيشكرهم كذلك دون ان يفتح فمة بهمهمة . او بصوت غير مسموع . بالعافية .
    ويقوم الكامينا من حين لآخر بالذهاب الى القصر لتحية الملك الحقيقي ، ولكنه لايدخل القصر فورا ، بل على العكس ، يوضع له حجاب من التكية في الخارج ، ويقوم مشرف على المراسيل الملكيين باخطار الملك بوجود الكامينا ، ورغبته في تحية الملك . ولايدخل الكامينا القصر الا بعد ان يعلن الملك عن استعداده لاستقباله . وعلى الجميع ان يترجلوا ويسيروا من الحجاب الى القصر . ولايسمح لأحد غير الأبوشيخ والاياباسي والاوروندولنق بحق دخول ساحة الكامينا راكبين ، وهناك يترجلون .
    ويتمتع الكامينا بقدر كاف من الحواكير الملكية كما يعيش حياته التى لا اعباء او تكاليف بها بصورة محترمة ، ولكنه لا يملك غير عدد صغير من الخدم و الخيول . وله سلطة القضاء بالحياة او الموت مع ان هذه من حق الملك وحده . وكثيرا ما كانت مخالفاته يغض عنها النظر في صمت حتى لا تتضرر الكرامة الملكية التى يمثلها ويشارك فيها بمعنى مــا .
    ويلبس الكامينا عمامة شيخ ، ومثل الملك يتلثم ، يضع اللثام فوق فمه وانفه . ولكنه يخلعه متى اقترب من سيده الملك . وفي داخل القصر يلف ثوبه بطريقه الفر ، اي حول الخصر دون ان يعقده . وفي عيد النحاس السنوي يأكل وحده ، ويخدمه في تلك المناسبة السومينكووي . وتبعا للعادة العتيقة يمسح الكامينا اصابعه ويجففها بثياب السومينكووي بعد ان يقوم هذا بصب الماء له للغسيل .
    وبالرغم من لقبه الرفيع فان اهمية الكامينا في الواقع هي في الدرجة الثالثة في البيت الملكي ، فهو اقل من الابوشيخ دالى ، ويسميه لئام القوم (( فرج البقرة )) . نسبة للتناقض بين سلطته ورفعة مقامة . ووجه المقارنة هو ان فرج البقرة لا جلد به كي يستغل ، و لا لحم به فيؤكل .
    وكما رأينا في تاريخ دارفور . فان قوة وسلطة الابوشيخ دالى كثيرا ماجعلته يشكل خطرا على الملك نفسه . وكان اول من شغل هذا المنصب تحت الملك دليل هو دالى . ويبدو انه كان خليفة و حمل اسم دالى مجردا . وربما كان له النصيب الاوفر في تأسيس الادارة كلها ، ووضع القانون الذى بدأ في عهد الملك دليل ، وجعله المؤسس الحقيقي الفعلي لمملكة الفور الاخيرة .
    والابوشيخ خصي . وكان كبير الخصيان ورئيس كل البيت الملكي الخاص ، بالرغم من انه لم يختص هو نفسه بالنساء . وكان بالاضافة الى ذلك حاكما للمديرية الشرقية . وعندما يموت الملك يصبح الابوشيخ بشكل مبدئي سيد القصر ، ويستحوذ على الشارات الملكية ويقفل خزائن الدولة ويحبس زوجات الملك .
    وكان في البداية يعين خلفه . وبما ان الابوشيخ كـٌرا اصبح خطرا للسلطة الملكية ، حد من نفوذ الابوشيخ بعد ذلك .
    ويعيش الابو شيخ في الفاشر ، ويلبس العمامة واللثام في المواكب الرسمية وفي الطريق الى الجامع .
    وعليه ان يحافظ في بيته على نار مقدسة لا يسمح بانطفائها الا عند موت الملك . وتقام نار مماثلة في قصر الملك . وبذا كان الابوشيخ يعتبر ممثلا لسلطة الملك او بمثابة خليفة له . وكان هذا هو وضع الابوشيخ كويون في عهد الملك موسى ، ووضع الابوشيخ اولونقو في عهد احمد بكر ، والابوشيخ مقرام تحت الملك تيراب ، والابوشيخ جوتا في عهد الملك ابوالقاسم .
    وعندما هب الابوشيخ جوتا على المسبعات كان بمقدورة لكي يسخر من الملك ان يجعل قومه يغنون :
    عين ابناء الفاشر خائفة . خائفة
    عين جوتا فقط هي التى ترى المسبعات
    وكانت قوة الابوشيخ في اوج قمتها في عهد عبدالرحمن ومحمد الفضل عندما كان الابوشيخ كرا هو الملك الفعلي . وبعد ان تخلص منه محمد الفضل فقط تمت محاولة لتحديد سلطة كبير الخصيان .
    وقد شغل هذا المنصب بعد الشيخ كرا عده اشخاص هم دقيسا ويوسف وتانيا ، وتحت الملك حسين : رحمة ، وتوكون ، وعبدالغفار ، وشيبة وعبد الرزاق الذى كان الابوشيخ ايام اقامتي بدارفور
    ولانه خصي فان الابوشيخ يجب ان يكون من الرقيق ، ولكن كثيرين من المذكورين آنفا كانوا من الاحرار ، مثل كرا ويوسف وتانيا وشيبة . وقد خصوا اما عقوبة لجرم ما او بسبب المرض او فعلوا ذلك بأنفسهم لتحقيق مطامحهم .
    والابوشيخ مثل الكامينا له امتياز عدم مسح التراب براحته الا امام الملك والملكة الام .
    والمرأة الرفيعة المنصب الاخرى هي الاياباسي وتعنى حرفيا المرأة العظيمة . وهي اخت الملك وهي لاتقل في الواقع عن الابوشيخ والكامينا ، خاصة وان سلطتها الفعلية تفوق سلطة الملكة الام .
    ويجب اعتبارها موظفا ، اذ لها جيشها الخاص بها ، وتظهر في الموكب راكبة جوادا ، وهي تستقبل كل من يريد الاتصال بها . وكما يقول الناس فهي دائما سهلة الاتصال بها . وقد استخدمها كثير من كبار الموظفين كوسيط وواسطة بينهم و السلطان ، اذ ليس هناك من له اتصال ميسر معه مثلها او علاقات كثيرة مثلها .
    وقد لعبت الاياباسي زمزم التى كانت تحتل هذا المنصب في زمن الملك حسين دورا في تاريخ البلاد ، وكانت اقوى شخصية في البلاد ، يخشاها حتى الملك نفسه الذى كان اخاها . وكان عاجزا عن ان يكبح جموحها . وايام زيارتي لدارفور كانت الاياباسي هي عرفة اخت الملك ابراهيم وزوجة الخبير محمد .
    واذكر هنا زوجتي السلطان اللتين كانتا ايضا تتمتعان بمقام رفيع ، ولكن دون ان تتساويا بكبار الاعيان الاخرين . وكانت الزوجة الاثيرة للملك ، الايا كوري ، واحدة منهن واسمها علي ايامي كلتومة ولكن ايضا كانت تسمى امكتركووا . وكانت ، بمعنى ، ما القائمة على البيت الملكي الخاص . وهى ايضا لم تكن تتدخل في شئون الحكم ، ولكن كان لها في احايين كثيرة تأثير كبير على الملك ، وكانت هناك منافسة مابينها والاياباسي .
    وتأتي بعدها او سومنقدوقولا وهي التى تقوم بوضع العمامة واللثام للملك ، وتشرف على حراس النحاس ، سومنقدوقولا ، ومنهم تستمد اسمها .
    ويأتي الاورونقولونق بعد الاياباسي في المرتبة . وكان في السابق يختار من قبيلة الفور ، ثم اصبح فيما بعد من البيقو والزغاوة . وفي زماني كانمن الداجو ، واسمه يتكون من الكلمات اوري ، اي الباب او المدخل ، ودولونق ، المصطبة التى يقف عليها العبيد حراس الباب ، وبذا فهو يعني حارس الباب .
    وكان حاكم الفاشر والعمدة ورئيس الشرطة في شخص واحد ، وممثل نائب المديرية امام الملك .
    وكان من يريدون مقابلة يجتمعون صباحا في غرفة الانتظار او بالاحرى كوخ الانتظار ، ويجلسون في الباب الخارجي (( اوري )) ، ويتحادثون حتى يمضى الامناء ، وهم رقيق الملك المقربون اليه ، ويكلف الاوروندولنق واحدا منهم ليقوم باخطار السلطان بوجود الموظف المعين ، فاما ان يستدعيه الملك او اذا رغب عن ذلك يخبره عن طريق الامين انه لن تكون هناك مقابلات في ذلك اليوم . واحترام الامين لسيده يمنعه من ان يذكر الملك بأنه هو الذى صدر منه الامر ، وذلك لكي لا يجعله طرفا في الكلام .
    ويجئ في المرتبة السادسة بين موظفي القصر الفورانج ابا ويعين وفقا للعادة القديمة من فرع الفورانجا او البلدانجا من الفور . ولخبرته في القانون القديم ، الموجود في كتاب دالى لم يفقد فعاليته ، ومازال الناس حتى اقرب الاوقات معاصرة يستطيعون ان يختاروا تطبيق القوانين الاسلامية او العادات القديمة للبلاد في اي مسألة .
    وفي المواكب الرسيمة والطريق الى الجامع يلبس الفورانج ابا العمامة . ولكنه لا يلبس اللثام . وله حواكير كثيرة ، وهو زعيم فروع كثيرة من الفور ، ومنها مصدر دخله .
    وتأتي الابونجا الحبوبات السبع في المرتبة السابعة . وقد وصفنا وضعهن من قبل . ولهن دور هام في عيد النحاس الذى سيأتي ذكره .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2007, 05:56 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الباب الخامس:

    وهناك الابو ايرلنقو وابو إرينقا ، وهما بنفس المرتبة تقريبا . وكان للأول في عهد الملك سليمان صولون وللأخير في عهد الملك موسى مرتبة الوزير ، وهو منصب كان احمد بكر اول من عهد به الى عبد .
    وأسماء هذين الموظفين مشتقةمن فروع من الفور بهذين الاسمين .
    ويقوم الابو إيرلنقو بوضع العمامة على رأس الملك يوم تنصيبه ، ويكافأ على ذلك بجواد ولجام وسرية وجبة شرف . ويخضع له الميمة والحمر والوداوة والتنجور ؛ وملك الجنكاتي الذى يجمع ضريبة العسل مسئول امامه . وفي القصر يخضع له الزغاوة وكل الموظفين الصغار في المديريات الشمالية وقبيلة الكاجة في شرق البلاد .
    يلي ذلك اربعة موظفين اعيان لهم نفس الرتبة في القصر ، هم الابودقونقا والابو كنجارة والابو جباي والابو الحداد . والاولان هما رئيسا فرعيين من الفور بنفس اسميهما ، وسيمر ذكرهما فيما بعد . اما الابوجباية فهو محصل الضرائب عن الغلال والعوائد . وبحكم العادة فهو من الكرانقا ، فرع من الفور .
    وهو المسئول عن تحصيل الضرائب عن الغلال والمنسوجات القطنية المحلية ، ويقوم بحفظ مخازن وغلال الملك .
    ولأن عمله واسع ، اتبع له مرؤوسون عديدون تم تنظيمهم وتسميتهم على غرار نموذج البيت الملكي .
    وقومه بمثل حاشيه الملك نفسه . وكان التكنياوا والديما والأما والشراتي والملوك التابعون له منتشرين في كل انحاء البلاد مثلما كانت مهامه ممتده في كل مكان . ولم تكن ضرائب الغلال تؤخذ الى العاصمة عادة ، بل تخزن في المطامير تحت اشراف الموظفين الاقليميين والمسئولين عن الاراضي الملكية . وكانت الحسابات وحدها هي التى تؤخذ الى السلطان .
    وكان منصب الابوحداد او الميرونق سيال بالفوراوية من نصيب فره الواهينية ( الواحية) ، من الجلابة ، في زماني . وكان رئيس الحدادين وعليه ان يدفع الضرائب في شكل حراب وسكاكين و فؤوس وجـلل الخ ... ومنها دخله .
    ويلي ذلك الباسنقا ، وهم المشرفون على كل الذكور من الاسرة الملكية ويجب ان يكونوا من سلالة ملوك سابقين . وهناك اثنين منهم من نفس الرتبة وان كان احداهما أرفع وضعا ، اذ كان يلبس وساما منحه الملك موسى لأجداده . ويتكون من قلادة من قطع من العقيق ، وعليه صحف فضية على الصدر ورباط مشابه للذراع . وكان مالك هذا الوسام في زماني هو الباسي دلدوم الذى كان له ايضا الحق في لبس العمامة في الطريق الى الجامع . لكنه لم يكن صاحب لثام .
    وهذا الامتياز الاستثنائي يشمل ايضا باسي اخر هو الباسي احمد ، ابن طاهر . وكل سلالة الباسنقا السابقين يحملون هذا اللقب رغما عن ان اثنين فقط شغلوا هذا المنصب بالفعل . وكان طاهر هو الوصي على ابناء وسلالة الملوك الاوائل من احمد بكر ومن بعده ، بينما كان اولئك المنحدرون من ملوك قبل احمد بكر تحت اشراف الباسي احمد بن طاهر .
    وعلى الباسنقا ان يرافقوا الملك في كل مواكبه فيكون ستة منهم عن يمينه ، وستة عن يساره . ولهم حواكير كثيرة ومصادر دخل من القبائل والقرى التى يخضع لهم اهلوها . بصفتهم رؤساء عليها .
    تلك هي المناصب العظيمة في القصر . وباستثناء الابوشيخ فهم جميعا من الاحرار . ويقع الابو تكنياوي و الابوديما والابو أما خارج هذا الترتيب الوظيفي لانهم لا يشغلون مناصب في القصر ، ولكنهم مع ذلك لايمسحون التراب الا لتحية الملك والملكة الام والكامينا . وكان منصب المقدوم ايضا كذلك . وهؤلاء الحكام الثلاثة لهم نفس الرتبة . وربما مدير المديرية الشمالية ارفع عنهم قليلا .
    وكل من ذكرنا من اصحاب المناصب الكبيرة هذه يلبسون اثوابهم بطريقة الفر دون ان يعقدونها ، فتظل متدلية من خلف ، بينما يعقدها حول الوسط بما يشبة الحزام من هم دونهم في المرتبة .
    وكلهم باستثناء الحكام لهم مكاتب في القصر ولكنهم في الواقع موظفو دولة اكثر منهم موظفي البلاط . ومن ينتمي منهم الى البيت الملكي فقط كانوا ينقسمون وفقا لشكل البيت الملكي الى مجموعتين منفصلتين تماما عن الاخرين . ويجب ان نذكر هنا ان البيوت الملكية لا في دارفور ووداي فقط بل في كثير من الدول الزنجية يمكن دخولها من طريقين مختلفين : طريق الرجال وطريق النساء . وفي دارفور يسمى الاول اوري دي والآخر الاوري بايا . وبينما يعتبر تشريفا للزائر في وداي ان يدخل عن طريق النساء باعتبار ذلك من دلائل الثقة في الضيف فان اهمية كبرى تناط في دارفور بالدخول من الاوري دي .
    ويسمى البيت الملكي في دارفور بيت الجباية ، اي البيت الذى يدفع له المرء الجزية . وهناك كما اسلفنا قصران ، القصر القديم (( البيت القديم )) الذى يرجع بناؤه الى زمن الملك عبدالرحمن ، ويقع في الجانب الشمالي الغربي لبحيرة تندلتي ، بينما القصر الآخر (( التمباسي )) الذى بناه الملك حسين على الضفة الجنوبية الشرقية للبحيرة . ولكليهما طريقا اوري دي واوري بايا .
    وموظفو البيت القديم هم الابو كوتنقا او الوزير ، والابو دادينقا . وهما موظفان رتبتهما متماثلة حتى انهما يسميان التوأمين ، ويقفان في غرفة الاستقبال الملكية جنبا لجنب على نفس المسافة من الملك .
    وقد كسب الوزير في اثناء ذلك رتبة ان لم تكن اعلى ، فهي اكثر اهمية . ومنصب الوزير الذى يمكن ان يتقلده عبدا او حر قد اصبح لاول مرة ذا اهمية ونفوذ كبيرين بعد ان انتزعه احمد بكر من رجل حر ، الابو ارينقا ، وهو ممثل لعائلة مرموقة من الفور، واعطاه لأمين وهو موظف مكلف بشكل خاص للملك .
    ومنذ ذلك الوقت اصبح الوزير من ملوك الكوركوا سير حار ، اي المشرفين على الحجاب الصغار حملة الحراب ، وهم في الغالب عبيد . ولكن هناك عددا من الوزراء الاحرار . فالوزير بحر ، وزير الملك ابو القاسم الذى رفع بواسطته فوق كل اصحاب المناصب الاخرى والذى ربما كان المسئول عن الهزيمة في المعركة مع وداي ، كان حرا ، من الزغاوة . والوزير علي ود جاما وزير الملك تيراب مثل ابنه دكومي وزير عبدالرحمن كانا من الاحرار مولدا . وفي عهد الملك محمد الفضل كان حمد بن سقد وابن كوني وابن بكر ليسوا احرارا فحسب بل من دم ملكي . وقد كان الوزير عبدالسيد تحت نفس الملك عبدا ، ولكن خلفه عبدالباري من البيقو وكان نصف عبد مثل آدم طربوش الميدوبي الذى خلفه . وفي عهد الملك محمد الحسين كان حالب بن عبدالسيد ، واحمد شطة من العبيد . واخيرا بخيت بن ادم طربوش الذى خلف احمد شطة ، كان نصف عبد .
    وقد لعب عنصر العبيد نفس الدور الهام في دارفور مثلما ببقية اقطار السودان . فالحاكم لايحاول ان يستعدي عليه اي رجل مرموق حر ، ولكن كقاعدة كان اهل ثقته من العبيد الذين يعتمدون في رغدهم ورفاهيتهم على رغد ورفاهية الملك . ولدى موته يرمون مرة اخرى في حياة الرقيق العادية التى لا خطر منها . وهكذا نجد في دارفور ان كبير الخصيان هو اقوى منصب في البلاد ، وان الحكام لايجدون مدخلا الى الملك الا عن طريق احد رجال الحاشية في القصر ، وقد يجدون انفسهم في موقع الذى لا قيمة له ولا وزن لدى تعيين مقدوم قد يكون ايضا من الرقيق . ومن بين المذكورين آنفا فان علي ولد جاما وحمد بن ساقط وآدم طربوش هم الاكثر شهرة . وقد تركوا سمعة طيبة بين الناس .
    ويبدو ان آدم طربوش قد تميز بشكل خاص بولائه لسيده ، واستقامته وعدله في التعامل مع الناس .
    وقد وجدت ان احمد شطة لا يذكر بحمد كثير ، فقد ساعده انحياز مولاه له لأن يصبح قويا للغاية ، ولكنه بسبب اسرافه وتبذيره الكبير لم يكسب حب الناس له . والبيقاوي عبدالباري كان في استبدادة يسقي خيولة بماء مسكر . وقد فعل ما استحق عليه المؤاخذة وعدم الرضا تحت حكم الملك محمد الفضل . ولكن الوزير بخيت الذى شهدت تعيينه في هذا المنصب العالي لم يكن يسير في خطى والده .
    فهو وافر الذكاء ، وقدم خدمات لا تنكر في تثبيت سيده ملكا ، لكنه كان ايضا محبا لذاته للحد المفرط .
    وكان ذلك مؤسفا حقا لان قوة الابوشيخ كانت قد اضمحلت واصبح منصب الوزير الاكثر نفوذا في البلاد كلها . وقد كان للوزير عدد من الحواكير كمصدر دخل له ، وكانت كثير من القبائل تدفع الضرائب له . وكان ايضا رئيس الجلابة ، وهو منصب يدر عليه دخلا معتبرا .
    وكان توأمه في المرتبة الأبودادينقاوي او دادينقا اقل منه نفوذا . وهو من الاحرار ،من التامة .
    وكلمة دادينقا لا تعني كما يتبادر للذهن فرعا من الفور ، او هي مشتقة كما يحاول البعض ان يزعم من كلمة (( داد )) العربية والتى تعني في الحجاز مربي الولد ، وبالتالي تعني ابودادينقا مربي او مؤدب الامراء .
    فإن لم تكن الكلمة فوراوية يجب ان تقترن بكلمة عربية تعني رجلا دون اقارب اومن يعوله ، اذ ان الاشراف والعناية بكل من لا قبيلة له او اسرة في دارفور كان من اختصاص مكتب الابو دادينقا .
    واصل ذلك كما يلي : عندما كان الملك عمر ليل يتقدم لحرب وداي ، لاحظ كل مساء نارا منفصلة عن المعسكر كله . وبالاستفسار عن صاحبها ، قيل له انها لواحد معين ، وهو رجل ذو دم ملكي كان ينعزل بنفسه دائما وكان يعسكر هناك . وقد اعجب الملك بالرجل . ولكي يقدم له الدعم والرفقة اوكل اليه امر الاشراف على كل الناس الذين يعيشون في البلاد دون ان يكون لهم رئيس قبيلة طبيعي . وامر له بالعوائد من السوق ، وكانت عظيمة .
    وللأبودادينقا موظفون كثر في كل انحاء البلاد يقومون بتسليم تلك العوائد اليه . وهذا المنصب من ثمة يعود الى عهد الملك عمر . وفي عهود من خلفوه عين وير في هذا المنصب ، وهو ايضا من التامة .
    وظل في اسرته من بعده . وبما ان تنفيذ الاحكام يتم عادة في الاسواق ، فهو ايضا كبير منفذي الاحكام .
    وبجانب نفوذه ودخله الكبير ، فهو قوي بشكل خاص نسبة لكبر عدد الذين يعتمدون عليه في حياتهم اذ ان الذين لا قبائل لهم كانوا كثيرين . وبمقدوره ان يجهز للميدان عددا من الرجال اكبر من اي صاحب منصب اعلى منه رتبة .
    يلي ذلك في سلم الوظائف في القصر السومنق كوي او سومنق دوكولا وملوك الفلاجين الثلاثة ، وكلهم من نفس الرتبة . والكلمة سومنق كوي مشتقة من سوم ، اي مكان الاجتماع حيث يجلس الناس للحديث او الاكل معا ، وكوي اي الولد الصبي الخادم القائم على . وبذا تعني المشرف على اماكن الاجتماع وبالنسبة للقصر تعني المشرف على المكان الذى ينتظر فيه الناس الدخول على الملك . وكان هو السيد الحقيقي لطريق الاوري دي . ومرؤوسوه يسمون سومنق دوقولا . وبمرور الزمن اصبح هذا هو اسم مكتبه ايضا ويمكن ان يعين في هذا المنصب الاحرار او العبيد . ويقع على صاحبه ايضا الاشراف على الطبول الملكية العظيمة . وفي ايامي كان هذا المركز يشغله ابن السومنق كوي سعد النور الذى قتل في الحرب ضد البحارنة .
    اما الحجاب الاكبر سنا او خدم القصر فيسمون كوركوا او فلاجينه ، ومشرفوهم ملوك . ومن اكبرهم سنا الملك عبدالمولي ، وهو رجل قوي ، مسن ، وكان صديقا لي ، ويتمتع باحترام اكبر من السومنق كوي وان كان اقل منه رتبة .

    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2007, 09:34 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)


    نواصل مع الباب الخامس:


    ويلي تلك المناصب المشرفون على صغار الحجاب ، الكوركوا الصغار . وكان هناك ستة منهم ، ولهم نظام تدرج خاص بهم . واولهم يسمى والد الآخرين ، ويربط ثوبه بطريقة الفر . وكان مالك رحمة هو صاحب هذا المنصب لدى وصولي ولكنه اثناء زيارتي اصبح اقل رتبة من ابن آدم طربوش ، اخ الامين بخيت . وكان بخيت نفسه عند وصولي في المرتبة الخامسة بين رؤساء الحجاب الستة ، وعين بعد ذلك بقليل وزيرا . وكما اسلفنا فإن الكوركوا الصغار هم صبيان يحملون الحراب ويرافقون الملك في المواكب ويقومون بعمل المراسلات ، واغراض اخرى لشخص الملك نفسه .
    وكان رؤساء السياس يتبعون عادة الحجاب ، ويتم تعيينهم من جديد مع بداية عهد الملك الجديد .
    ويجب ذكر الابو شنشنقا ضمن ملوك الكوريات . والشنشنقا هم العاملون بالصوف والشعر والوبر وقد اصبحوا بمرور الزمن فرعا خاصا من قبيلة الفور . ويستخدم اللباد الذى يتم استيراده الآن من طرابلس سندا لسرج الحصان و ذلك بوضع ست او ثمان قطع منه الواحدة فوق الاخرى على الحصان .
    وكانت السروج فيما مضى مثل تلك التى على الحمير اليوم اذ يبطن الهيكل الخشبي للسرج او يوضع فوق لبادة ثخينة من وبر الغنم . وتسمى السروج المبطنة بديدة ، وهي مثل سروج الحمير اليوم . ولضخامة حجم استخدام الصوف اصبح منصب الابو شنشنقا ذا اهمية كبرى .
    واهم الموظفين في الاسطبلات بعد الابوشنشنقا هو الابو آري ، ومثله يلبس ثوبه معقودا بطريقة الفر . وآري تعنى ملك ، واسم الابوآري مشتق من الاعياد المعينة التى يأخذ فيها مكان الملك ، وبطريقة مايصبح شبيها بالملك . وفي احد الاستعراضات العسكرية الكبرى التى تلت عيد النحاس في الربيع ظهر الابوآري في الساحة الملكية تحت مظلة الملك وخلف مراوح ريش النعام في وسط ادوات العائلة الملكية وموروثاتها ، بينما وقف الملك نفسه بين كبار رجال دولته . ويقال ان الابو آري كان في ذلك الوقت حفيد مسيحي تشوكي كان قد هاجر الى دارفور ودخل الاسلام واقام هناك . ويسند زعم هذه الرواية ايضا لون حفيده الفاتح .
    ويجيء بعد الابو آري في الرتبة ملك المدينقا ، رئيس الجلادين ، وملك الخرجة وملك التنيس ملك مقبض المهماز وقوقد الكوريات الذى يرفع الملك على السرج ، والابو كوريات ، ابو السياس .
    وله نفس المرتبة .
    بالاضافة الى هؤلاء هناك ملك الزمام الذى يضع اللجام ، وملك السرج ، وملك الحزام . وكان هناك ايضا ملك المرونقا ، وواجبه ان يطرد الذباب عن جواد الملك ، وان يلقط عنه اي هوام اخرى .
    وهناك ملك الحزام ، المسؤل الفعلي وراعي الخيول ، وآخرون كثيرون لايقومون بالضرورة بتصريف واجبات مناصبهم بانفسهم ، بل يتركونها لمن هم تحتهم .
    ويأتي بعد ذلك الابودوقو اري الذي يقوم بالاشراف على السمن المستخدم كل عام في عيد النحاس . ثم هناك ملك الكورينقا المسئول عن صانعي خيام الملك والدروع المصنوعة من الجلد واللباد ، الذين يخضعون بحكم العادة للابوارينقا .
    ويؤلف الكورينقا فرعا لايخلو اهمية من قبيلة الفور ، اذ ان نشاطهم متعدد الجوانب . فصناعة الجلود في دارفور ليست فقط متنوعة ، بل ان اهتماما كبيرا يعطى للباد ، وفي سلاح الفرسان تعطى اهمية قصوى للباد الخاصة بالفرسان والخيول ، ولهذا الغرض كانوا يصنعون لباد من قماش خشن مستورد من اوروبا ومحشو بالقطن . وكانت تغطي العنق والصدر والجزء الاعلى من جسم الحصان حتى رقبته ، وكانت تصنع للفارس ملابس مبطنة بكثافة .
    ياتي بعد ذلك (( خشم الكلام )) وهو مترجم عن الملك ، ونجده في دارفور كما في معظم بلاد السودان . وهو منصب اختص به عالم ديني عربي . وفي زماني كان لقمان من البرنو هو مترجم الملك في دارفور .
    وهناك عدد من الموظفين ، قرابة الثلاثة والعشرين ، هم حملة موروثات العائلة القديمة ، ويسمون لياكلوا ، وهم من موظفي البيت الملكي . ولكل واحدة من الحراب السبع القديمة في الاسرة والتى كانت تحمل امام الملك من يشرف عليها ، وهو كو دورمينق ساقال ، كما ان لكل واحدة من مراوح ريش النعام الابع مشرفها ، سومو كوا سيقال . وللكرسي الملكي العتيق ، الككر ، رئيس المشرفين عليه . وللقطع الحديدية الملكية التى تقذف ، مشرفها ، وتحمل امام الملك في المواكب الرسمية ويلوح بها في الهواء وتطرق بعضها بالبعض ، بقيادة سامبلانق ساقال . ودرع الملك سليمان صولون العتيقة قورينق دورشو التى تتدلى منها اجراس صغيرة تخرج في كل المواكب الرسمية ويحملها شيريمنق ساقال . وللبندقية الملكية العتيقة ، اول سلاح ناري يدخل البلاد ، مشرفها ، بندقينق ساقال . حتى القرعة العتيقة الملكية لها مشرف هو الكير كوسانق ساقال . وهناك مزامير قديمة لها مشرفوها تدنق مورلنقانق يساقال . ولكل طبل موظف خاص به .
    اما الحصان الذى يركبة السلطان في مناسبات الاعياد ، فله ملك خاص به ، وخدم يقومون بخدمته تحت اشراف احدى زوجات الملك . ويجب ان يكون جوادا ابيض اللون . ويختلف طعامه عن بقية الخيول . فهو لايعطى عشبا اخضر طازجا الا قبيل نهاية موسم الامطار ، وفي ذلك اليوم يقام عيد كبير لسائسه وكل العاملين في الاسطبل .
    وكان كل هؤلاء الموظفين بالقصر وعن طريق الرجال ، الاوري دي ، تحت رقابة عدد معين من نساء الملك . وعليهن مع رقيقهن من النساء مسئولية اطعامهم . وبذا فان الوزير وتوأمه الدادنقاوي كانا تحت زوجة الملك الاولى ، ام الكتركوا ، وهي التى توفر الكسوة للوزير لدى تعينه ، وتجلسه في منصبه .
    وبالمثل فان الايا كوري هي المسئولة عن السومنق دوقولا ، الذى يضع العمامة على رأس الملك قبل خروجه . وتسمى أم سومنق دوقولا .
    وفي الاوري بايا ، طريق النساء ، نجد اول مانجد الابوجوده ، وهو خصي كمعظم الموظفين في هذا الجزء من القصر ، عليه الاشراف على كل نساء القصر . وتحت امرته اربعة عشر مسئولا . ومن الذين شغلوا هذه المناصب يتم عادة اختيار كبير الخصيان ، الابوشيخ دالى . وتحته الكتر كُـوا القائم على حماية الزوجة الاثيرة للملك . وكان احيانا يسمى وزير الملك هنا . وهو بالطبع من الخصيان . والثالث مقاما في هذا الجزء من القصر هو رئيس البوابين ، كيمل كوا . وهو خصي مثل القوتو كوا الذى يأتي تحته مرتبة . اما المدعو العقيد ، المسئول عن المباني والخدم ، فله نفس رتبة الكيمل كوا . وهو الحارس الثالث للباب ، وملك سارينقا وميرينق كوا الذين يشرفون على أزياء الماء ليسوا من الخصيان .
    وهناك في القصر الذى على الجزء الجنوبي الشرقي من بحيرة تنجلتي موظفون آخرون بالاضافة الى من ذكرنا . فهناك المشرفون على المخازن المختلفة تحت الملك خميس ، وهو خصي ، مثلهم جميعا .
    كملك البارجويز وملك توم فال وملك بتير وملك التكاكي وملك العسل .. الذين في حوزتهم مخازن طاقات القطن والعسل والسمن والقمح واشياء اخرى .
    وتظهر اهمية ورتب كل هؤلاء الموظفين بوضوح في عيد قومي كبير هو في دارفور بمثابة عيد الربيع .
    وهو بالرغم من التقويم الاسلامي يشير الى بداية السنة عندهم . ذاك هو عيد النحاس الكبير ، ومعه عيد الكوندا ( الكلى ) الذى اقيم في رجب .
    وحالما يقترب هذا العيد ، ينتقى عدد معلوم من الماشية ويرسل الى العاصمة من كل ارجاء دارفور .
    ويشارك كل رئيس قبيلة وكل مسئول اداري في ذلك . وتوسم الماشية كصدقة وقربان لذكرى الموتى من ملوك دارفور . وعندما يكتمل عدد الماشية تقوم الحبابا السبع وملكهم الى طرة ، حيث دفن معظم الملوك بعد سليمان صولون . ويرقد كل من اولئك الملوك مدفونا في بيته ماعدا عبدالرحمن الذى دفن في بيت واحد مع ابنه محمد الفضل وحسين ابن محمد . ويقوم اكثر من مائة عبد بالعيش هناك للحراسة وخدمة القبور الملكية والعناية بها .
    وقبل ان تذبح الماشية المعلومة للصدقة ، يتقدم ملك الضبان ( ملك الذباب ) الى جبل نامي حيث يذبح خروف ، ويأكل قليلا من لحمه تاركا بقيته للذباب ، وبذا يتوقع الايسبب الذباب اي ازعاج اثناء ذبح ماشية الصدقة .
    وعلى عبيد الملوك الموتى ان يذبحوا عددا معلوما من الماشية لكل واحد منهم ، وان يأكلوا اكبر قدر مستطاع تكريما لملوكهم وذكرى لهم . ثم ان يقوموا بتوزيع بقية اللحم على اولئك الذين يحيون في المنطقة بينما يقوم الفقراء ( الفقهاء ) بتلاوة القرآن مرات عديدة على ارواح الموتى كي ترقد في سلام .
    وعندما ينتهى هذا تخرج الحبابا من باطن الارض جرة كبيرة برمة او دوانة كانت قد دفنت مملوءة بالمريسة في العيد المنصرم . ويقال ان المريسة تأخذ في الاختمار مرة ثانية فقط في اللحظة التى تظهر فيها الحبابا لعيد العام القادم .
    وتقوم الحبابا بتنقية محتويات البرام والشراب منها .
    وقد حرم من هذه الصدقة ملك واحد هو ابو القاسم لأنه كان قد لاذ بالفرار بعد ان هزم في الحرب ضد وداي .
    وبعد انتهاء الصدقة يأخذ الملك كيسنقا دورا ماتبقى من ماشية ويلبس عمامة ولثاما اسود ويمضي الى احتفال مماثل في جبل كورا ، وهو اللسان الشمالي من سلسلة جبل مرة حيث دفن ملوك دارفور الوثنيون في اماكن مختلفة . ويقوم بذبح عدد معلوم من الماشية لذكراهم ، لكن دون ان يتلى القرآن لاسعاد ارواحهم .
    وفي اليوم السابق لعيد النحاس الكبير ذهب الملك ومعه حاشيته من الوجهاء الى سما أوتا ، وهو حقل تملكه الدولة على بعد ساعتين شرق المقر الملكي . وقد احضر ملك الحبابا السبع الى الملك زوجا من الاحذية ( دارمانقا ) من خزائن التاج ، وجلبابا ابيض بسيطا ، وهذا متاع موروث ، وألبسه اياه . وفي هذا الوقت نفسه كان الملك المقوي ، وهو رئيس المنادين حول الملك اثناء موكبه ، قد نظف ارض الحقل من الاعشاب بشكل عام وترك شجرة واحدة . وناول سلطان الحداد فأسا للملك ليجتث بها الشجرة . وقد جمعت الاعشاب التى جمعت من الحقل ووضعت مع الشجرة في كومة ليقوم باشعال النار فيها القائم على بنادق الملك الاثرية بواسطة بارود ، ويقال انه مثل بنادقه التى يحرسها قد انحدر من اصل اوروبي ، من صلب رجل كان قد ادخل اول بندقية الى البلاد .
    وفي نهاية هذا الحفل احضر ملك الحدادين طورية قدمها للملك ليقوم بحفر سبع حفر في الارض ويلقي في كل منها بذور الدخن . وتقوم الحبابا بدفنها ، وتسوى الارض . وبعد ان دشنت زراعة العام القادم بهذه الصورة ، عاد الموكب كله الى العاصمة عند وقت الظهيرة . وقد تم اصطياد بعض الغزلان والارانب البرية الحية في طريق العودة ، والتى قامت الحبايا بحملها . وكانت الاحتياطات قد دبرت حتى يكون هذا الصيد موفقا .
    وفي وقت العصر اقتيدت الى الملك بقرتان بيضاوان وعجل ابيض اختيرت مسبقا لهذه المناسبة .
    ولايسمح باستبدالها بحيوانات ذات لون مائل الى الصفرة الشاحبة الا في حالات طارئة . وقدما الى الملك عصاة معقوفة تسمى الكنجار ، وهي شبيهة بتلك التى يستخدمها البدو في سوق الابل . وقام الملك باختيار احدى البقرتين بان اشار اليها بالكنجار . وقد حفظت العصاة لانها تساعد في التقويم والتاريخ .
    وفي صباح اليوم التالي كان الملك يقوم بذبح البقرتين والعجل بيديه . اما سلخها فهو من واجب سلطان الحدادين والاورنقدولنق وابوجباي وابوكنجارا وابودقونقا . وعلى سلطان الحدادين ان يثبت الجلد على الطبول التقليدية بينما يقوم الاربعة الاخرون بشدة . ويواكب الجميع طرقات المطرقة بأغانيهم التقليدية . ورفعت الى الملك احدى ضلوع البقرة بعد ان نظفت من اللحم وخلافه ليقوم بتحطيمها وتفتيتها فوق الطبل الذى سمي المنصورة . ويعتبر من سوء الطالع الا يفلح الملك في ذلك . لكن هناك ايضا تمت احتياطات كي ينجح الملك في هذه المهمه ويدرأ ذلك النحس .
    وفي اليوم الثلث للعيد قام السلطان بذبح التيس (( الكبش )) المخصص لعيد الكوندا الذى ينبغي ان يكون فاتح اللون وحول عينيه سواد . ومنذ اليوم الذى اختير فيه لهذه المناسبة وحتى لحظه ذبحه لم يسمح له بنوم ، وكان يشرف على ذلك ملك خاص حدد لهذا الدور .
    وبينما تترك احشاء هذا التيس اياما عديدة لتتعفن وتفسد ، فان لحم الماشية الذبيحة يوزع بين الوجهاء وكبار القوم ، ولكل منهم قطعو معلومة يمكنه ان يطالب بها . ولايدع واحد منهم مجالا لخداعه في اصغر قطعة يحق له الحصول عليها . ومايمييز هذا التوزيع ان الروابط القائمة تؤخذ في الاعتبار وفق المستطاع اثناء القيام به . فرئيس الجلابة مثلا له الحق في اظلاف الحيوان والجزء الادنى من الرجل ، اذ ان هؤلاء التجار دائمو الترحال .
    وقبل ان يشد الجلد على النحاسين المنصورة وابنها ، يزال السمن الذى كان بهما . وكان قد أسن لطول بقائه في تماس بالاناء النحاسي . ويتم توزيعه على القوم . ويتمتع بسمعة طيبة كدواء شاف لامراض العيون . وفي نفس الوقت يخرج الاناء الذى كان مدفونا تحت الارض منذ العام الماضي ويفرغ السمن الذى يحويه في الطبلين . ويبقى السمن بهما لعام يأتي .
    بعد ثلاثة ايام من ذبح التيس اجتمعت الاميرات بقيادة اياباسي ، كما اجتمع الامراء تحت قيادة باسي طاهر وذلك لاحتفال الكوندا . وكانت امعاء التيس التى تعفنت والكبد والكليتان والطحال الخ قد قطعت ورشت بجزء من سمن العام المنصرم الذى كان بالنحاس وطعمت بشطة حارقة . وقام قائد الامراء بأكل احدى العينين واعطى الاخرى للأياباسي التى لاتجرؤ الا ان تجاريه وتأكل مثله .
    وجلس الامراء والاميرات في دائرة حول صحن الكوندا بينما قام عبيد مسلحون بحراستهم حتى لا ينسحب ايهم من اداء الفريضة ، فريضة الاكل . والويل لمن يغلبه غثيان او تحرقة شطة فيبدي مايدل على استفراغ او نوبة من كحة اذ على العبيد المسلحين ان يقتلوه لان مثل هذا السلوك يعتبر دلالة على ان صاحبه او صاحبته لايتمنى الخير للملك وحكومته . وفي الازمنة الوثنية وحتى عهد الملك سليمان صولون كان يتم ذبح فتاة عذراء لم تبلغ عوضا عن التيس ، ويؤكل امعاؤها بالطريقة الموصوفة نفسها . ويقال ان هذه العادة قد استمرت حتى بداية هذا القرن . وفي الازمنة الاكثر قربا لم تعد الضربات المميتة توقع بالصرامة ذاتها كما في الماضي ، اذ بالرغم من ان التقليد لا يسمح بالاختناق او بتخليص الحلق مما يسده فإن الاخ الاكبر للملك حسين المدعو ابو بكر المذكور في تاريخ دارفور قد كح بصوت عال في اول عيد للنحاس في عهد اخيه بغرض ان يتحداه . ولكن حسين لم يأمر بقتله كما جرت العادة .
    وبعد عيد النحاس اقيمت سبعة عروض عسكرية كبرى على فترات متفاوتة وغير منتظمة ، وهي تسمى العرضة عندهم . وقد ابتنى خمسة وعشرون من وجهاء القوم المنتمون الى الاوري دي (( مدخل الرجال )) اكواخا من القصب داخل الزريبة الخارجية للقصر الملكي بينما قام عدد من المنتمين للاوري بايا والابو جودا ، وملك الكيمل كوا والحبابا السبع وملكهم وملك الاياباسي واخرون ، قام هؤلاء ببناء اكواخ داخل المقام الملكي . وفي الساحة الكبرى الواقعة امام القصر الملكي والتى عادة ماتستخدم كسوق ، عسكر المسئولون الاداريون ورؤساء القبائل المختلفة وجزء من قبائلهم في الخيام والفرندات . واقاموا هناك لسبعة ايام ، وبعدها خرج الملك الى شارع الاوري دي حيث تلقى من كل كبير قوم هناك السلام والهدايا والتهاني بالعيد السعيد وبعهد الملك الذى يبدأ منذ ذاك الوقت . ثم ذهب الى شارع الاوري بايا حيث فعل المسئولون الموجودون وهناك تمت العرضة المعهودة .
    وفي السنة التى كنت اقيم بالفاشر كانت خمسة من هذه العروض العسكرية السبعة التى تلي عيد النحاس الكبير قد اقيمت ، وكان آخرها اكثرها بهاء ؛ وكان محددا للعرض السادس ان يقام في الثالث عشر من مارس والذى لم يكن يتوقع ان يترك انطباعا كبيرا لان اكثر الزعماء والوجهاء الذين لم يكونوا ملزمين بالبقاء ، كانوا قد انسحبوا الى حواكيرهم قبل ذلكم التاريخ نسبة لارتفاع اسعار الذرة .
    امتطينا صهوة جيادنا في الثامنة صباحا ، وركبنا عابرين بركة تندلتي بالقرب من طرفها الشمالي ، وكانت يابسة في ذلك الوقت من السنة ، حتى بلغنا الساحة الكبرى الواقعة شمال القصر القديم .
    وكان معظم لناس قد تجمهروا هناك . لكن الملك لم يظهر بعد . وقفنا بالقرب من المخرج الذى يطل منه الملك بين صفوف الخيالة الذين سيمر بهم الملك . وقد ادى ذلك كما يتوقع الى جفوة بيني وبين من كانوا قد سبقوني .
    وفي البداية ادينا التحية للخبير محمد ، حمو الملك وزعيم التجار الاجانب . وقد كان قريبا منا ، ومتقلدا جلبابا حريريا ملونا ، فوقه قميص من الزرد ، فتحتا ذراعيه من النحاس ، وعلى رأسه طاقية حربية من المخمل المبطن غير ذات شكل . ثم خرج ابوشيخ دالى من داخل القصر الملكي ، وهو خصي ضخم الجثة ، يلبس قميصا من الزرد ، وعلى رأسه عمامة ، وبوجهه لثام وتعلو رأسه خوذه مفضضة مخروطية الشكل . ويحيط به عدد كبير من الخيالة وحاملي الرماح الطويلة ، وترافقه جلجلة الطبول وقرون الوعول .
    ثم اطل امين بخيت ، ولد آدم طربوش ، العبد المقرب الى نفس الملك . وكان ايضا يرتدى فوق ملابسه قميصا من الزرد بفتحتي ذراهين من الحديد ، وعلى وجهه قناع من الاسلاك معقودة الى ياقة عريضة تمتد ثابتة لا تنثني من العنق الى الحزام في الوسط الذى ربط بشال احمر مشغول بالذهب يلقى فوق الكتف .
    وكان الامير يمتطى صهوة جواد اسود جميل ، واقتيد من خلفه جواد ابيض مسرج . وكانت عدة الجواد اقوى تأثيرا من الزينة العسكرية واللبس الذى يرتديه راكبه . وقد تركز البذخ اساسا على رأس وعنق وصدر الجواد ، فغطت جبهته كلها بزينه مفضضة او مطلية بمعدن او نحاس . وقد تدلت هذه الزينة حتى انفه ، وكونت بين العينين زاوية منفرجة بارزة . وقد ربطت زينة فضية الى لوحة الوجة هذه ، وقد صفت من قطع صغيرة مشغوله بمختلف الاشكال ومرتبة في صفوف على المخمل او القماش . وتحتل هذه الزينة جزءا كبيرا بعرض الرقبة وتحتها ، قريبا من الحلق عقد بحزام محلى بالفضه ، وفي الجزء الخلفي تتميز هذه الحلية الفضية باجزاء بارزة كثيرة مقرونة الى السرج وطقم الجواد الى الحزام العريض المطرز في ثراء ، والذى يشد السرج الى الجواد ، والآخر تدلى منسرحا حتى قارب ساقي الجواد . وكلا الحزامين عريض ومطرز بكثافة بالذهب والفضة وعناقيد حريرية وشرابات واجراس صغيرة متنوعة .
    وكان يتبع الامين بخيت ضارب طبل وعدد من نافخي قرون الابقار والوعول . وكان بجانبه قريبا منه عربي من مصر يرتجل الشعر مادحا سيده طيله ايام العيد . وقد كان مخلصا ومجيدا ، يرتجل الخطب نثرا اما السلطان ووجهاء بلده .
    اخيرا قدم الملك نفسه ، فسرت حركة عامة ، واخذ كل راكب يستحث جواده ليأخذ افضل موقع ويتقدم . وراحت كل الادوات الموسيقيه الموجودة تصفر وترن وتدوي . وفي البعيد دوى نحاس الملك وطبوله ، وقد سبقه المقوون ، وكل يرتدي ريشة في رأسه ، يتغنون بل يصرخون بمدح شمائله ويعلنون قدومه . وكانت البخس المملوءة بالحجارة الصغيرة والحصى في كل مكان . والتف حاملو الاجراس الصغيرة حول الموكب الملكي . وكانت الصحاف المعدنية تقرع ، والاسلحة ترتطم . وباختصار كان كل شيء يبعث في نفس الاونة ضجة هائلة تصم الآذان . لكن ذلك يعتبر في العرف المحلي اقصى حدود التكريم .

    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 07:48 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 10:04 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الباب الخامس:

    وكان في مقدمة الركب مائتا رجل مسلحين بالبنادق . لم يكونوا يرتدون زيا عسكريا ، وقد حملوا اسلحتهم بطريقة غير عسكرية كأنما هي هراوات او نبابيت . وقد تقدمهم ضارب على طبل اوروبي .
    وكانت مهارته و حيله الفنية التى تعلمها من مصري محدودة للغاية . وانتظم الناس في صف طويل امامنا واقترب الملك . وكانت ترافقه خمسة جمال على ظهر كل منها نحاسان يتدليان على جانبي سنامه ، بينما يجلس ضاربو النحاس في مؤخرة الحمل ، ويدقون النحاس في تلذذ وابتهاج . وكانت الجمال مغطاة الرؤوس بخصل حمراء براقة من الصوف والحرير تحيط بحزمة من ريش النعام . ثم اقبل نافخو القرون وعازفو الطبول البلدية الذين يرافقون العفش الملكي الموروث وفي مقدمته الككر ، وهو مقعد مستطيل منخفض ، له اربعة ارجل قصيرة ، ومصنوع من قطعة من الخشب وعليه مساند مغطاة بقماش احمر . وهناك المصحف الشريف وقد غطي ايضا بالقماش .
    وكان الملك على صهوة جاد اسود ويرتدي قميصا رفيعا من الزرد فوق كسوته الحريرية ، وقطعا مستطيلة مموهة بالذهب على ذراعه وفوق عمامته البيضاء ولثامه الذى يغطي وجهه ورأسه وخوذة بشكل رأس السكر المخروطي مزينة بالعنبر والصدف في مواقع عدة من خلف ومن قدام .
    وكان سيفه ذا مقبض من الذهب باديا فوق يسراه تحت غطاء السرج المطهم بالمخمل المموه بالذهب ، وتعتمد رجله دائما فوق هذا السيف . وكان جواد الملك محملا بالزينة على النحو الذى شرحنا من قبل .
    ولكن بوفرة منها حتى ان الرأس والصدر والعنق هي كل مايمكن ان يرى من هذا الحيوان النبيل . وكان حملة الريش الاربعة على جانبي الملك ، وقد صنعت مثل تلك التى رأيتها لدى ملك الباقرمي . وقد كان حملتها يعالجونها وهم يرقصون ويلوحون بها . وعلى يسار الملك حملة المظلة يرفعونها فوق رأسه .
    وكانت بحق مظلة كبيرة ارجوانية اللون ، وثمينة ومطرزة بالذهب .
    وخلف الخيالة الملكيين ثلاثون جارية يغذين الخطى ، كل ملتفه بشال او فوطة ، وشعورهن مزينة بالعنبر و المرجان .
    ثم جاء دور حملة السيوف ، وكانوا ثلاثين في جملتهم ، كل يحمل من سيوف الملك ، له مقبض من الذهب او الفضة . وخلفهم مثل هذا العدد من حملة البنادق وفرقة كبيرة من حملة الرماح ، وكل حزمة من الرماح في كيس قطني . واكمل الموكب ثمانية من خيول الملك المفضلة التى كانت ترافقه ، ولكن عدتها وسروجها لم تكن بالفخامة التى اتاحت لي الفرصة ان اراها واتعشقها في بلاد البرنو .
    واثناء مرور الموكب الملكي حاول الكل ان يقتربوا منه جهد مااستطاعوا حتى يتمكن الملك من رؤيتهم وربما حياهم . وقد حذوت حذوهم ، فرفعت بندقيتي ولوحت بها تحية له . وقد اجاب الملك على هذه التحية برفع سيفه قليلا واخفاضه . ثم اتخذ مكانه في وسط الميدان بينما توجه كل كبير قوم الى المكان المخصص له عادة ، يتبعه ناسه .
    ان من تعود على استخدام المهماز الاوروبي مثلي يواجه بالاخطار حين يستخدم المهماز العربي الضخم ذي الاطراف والزوايا الحادة المشدود بالابزيم ، لذا فانه يترك خدوشا وجراحا في اسفل الساقين .
    بقينا خلف الامين بخيت الذى كان مكانه خلف الملك لانه لم يكن وزيرا بعد آنذاك . وحين يرفع المرء الى تلك المرحلة العالية ويصبح وزيرا فإن مكانه بجوار سيده الملك .
    وكان الامين بخيت ودودا معي ، حثني على البقاء بجانبه اينما ذهب اذ يمكنني بذلك ان اجد افضل الفرص لرؤية مايجري . لكن قصر قامتي وجهلي بالشخصيات قلل من اهتمامي بالعرض العسكري لانني ترددت في اكثار الاسئلة عن اهم المشتركين .
    وكان اعمام الملك واخوانه قد مروا على التوالي تحت راياتهم وطبولهم وقرونهم وحملة بنادقهم واتباعهم المسلحين بالرماح ، وتوقفوا امام الملك ، فحيوه وعادوا الى مكانهم حيث بقوا حتى نهاية العرض . وامامهم على مقربه منا كانت الاياباسي على جوادها الذى تمتطيه كالرجال وفي ثوب اصفر من الحرير وغطاء رأس عال يغطي كل رأسها وجسدها . وقد ظلت هناك لاتبرح مكانها .
    ثم اندفع الفرسان هنا وهناك يحيون الامراء ويمتعون بفروسيتهم . وكانت عدتهم مختلفة متباينة كأسلحتهم وازيائهم . وكان الكثير منهم يحمل رمحا وقليل بينهم من يحمل بنادق ، كما كان لآخرين منهم فؤوس حربية من الفولاذ مزخرفة بنقوش دمشقية وبالذهب في اجزاء منها او بحجارة كريمة . وكان آخرون يحملون عصيا بمقابض محنية محلقة او مملوءة بالرصاص او عصيا عادية كتلك التى يسير بها المشاة . وفي النهاية كان لكثيرين منهم سيوف مقابضها الذهبية او الفضية تنم عن ذوق ، مصنوعة في البلاد تقليدا لنماذج اجنبية . جديرة بالملاحظة تلك الطواقي العسكرية التى يلبسها كبار القوم . فالجزء الذى يستريح منها على الرأس مصنوع من معدن ، وفي اطرافها المحيطة بالرأس استحكام من المخمل يرتفع حوالي ثلاثين سنتمترا ، احمر اللون او غيره وبفتحه في المقدمة فوق الجبهة . وفي منتصف الرأس تبرز نقاط ثلاث او اربع ذات اطوال مختلفة ترتفع عن القاعدة المعدنية وتأخذ استدارة من الامام الى الخلف مثل اسنان الخنزير البري . وغالبا ماتحمل طاقية اخرى وراء كبير القوم تشبه الى حد كبير المندولات التى تنسج للاقداح ، تلك الصناعة التى تشتهر بها دارفور .
    وعندما جاء دور امين بخيت سرنا معه امام الملك ، فحييناه ثم عدنا الى مكاننا ، ولزمنا حاشية الملك حين قام بطوافه الاخير . وكان يقوم من حين لآخر من مكانه الذى يتلقى منه التحية ليركب متفقدا هنا وهناك ويعود لنقطة البداية .
    وفي نهاية العرض قام الملك بجولة كاملة حول الميدان ثم اختفى داخل قصره . بينما بقينا نحن بعض الوقت نتبادل التحايا قبل ان نمضى الى بيوتنا . وكان العرض كله قد استغرق ساعتين ونصف ، لكن عدد الخيول كان اقل منه في مناسبة مماثلة في بلاد برنو . وباستثناء الخيول المستوردة من دنقلا والتى كانت قليلة في عددها لم تكن الخيول بجمال تلك التى شاهدتها في برنو .

    نواصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 10:04 AM

حماد الطاهر عبدالله
<aحماد الطاهر عبدالله
تاريخ التسجيل: 29-06-2006
مجموع المشاركات: 2159

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    أخي بدرالدين
    ما نزال نتابع مجهودكم العظيم.

    عفوا يبدو ما نشرتموه يومي 13/12 و 15/12 مكرر،

    أم ماذا حدث؟

    ولكم منا ألف تحية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 10:08 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: حماد الطاهر عبدالله)

    الفصــــل السادس
    سكان ومحاصيل دارفور

    الزنوج والعرب
    أهل البلاد والرحل والذين استوطنوا البلاد نزوحا
    الداجو – الفرق بين لغة الداجو والفور
    التنجور والفوارة وأقسامهم وفروعهم
    الدقونقا والكنجارة والكيرا –
    الفور تموركا
    وصف الفور وشخصيتهم
    الزغاوة وفروعهم
    النوايبة
    العرب – العرب الفزارة
    القبائل الهجين
    المسبعات
    الجلابة وفروعهم وأماكن سكنهم وتجارتهم
    المساليت
    النازحون من برنو ووداي وباقرمي والتاما
    القمر والميدوب والفروجيه والفوقورو
    الرقد والبرتي والميمي والمساليت
    مساحة دارفور وتعداد سكانها
    الضرائب
    المحاصيل والاشجار النافعة
    الاشجار الطبيعية – الجنوب واشجاره
    زراعة التبغ



    يمكن تقسيم سكان دارفور الى عرب وزنج من ناحية ، والى سكان اصليين وأقوام تم غزوها وأغراب من جهة اخرى . وقد رأينا في عرضنا المجمل لتاريخ دارفور الاثر الذى احدثه العنصر العربي عبر القرون على القبائل المحلية ، وكيف وفقا للروايات المحلية نشأت آخر مملكة من اختلاط التنجور ، وهم قبيلة عربية دون شك ، مع الفوارة ، وهم سادة البلاد الاصليين . ويبدو ان التنجور بسبب قلة عددهم قد ضاعوا في هذا الاختلاط مما يجعلهم يحسبون الآن في عداد الفروع غير العربية في مملكة الفور .
    وقد اتضحت من قبل كيف ان الفروع الرئيسية للسكان يشار اليها بالاحرف العربية الدال والتاء والفاء والزاي والنون ، وهي الاحرف الاولى لقبائل الداجو والتنجور والفور والزغاوة والنوايبة .
    والداجو الذين عرفوا جيدا في هذه الاقاليم منذ طويلة يزعمون كمعظم القبائل المسلمة في السودان انهم جاءوا من الشرق . ومهما كان الامر فقد كانوا يعيشون في أزمنة سابقة في جبال مرة بوسط دارفور ، ويكونون جزء معتبرا سكان المديرية الجنوبية ، دار أبو امه ، كما يعيشون على حدود المديرية الجنوبية الغربية ، دار ابوديمه الى دار سلا ، وهناك يحتلون اكثر من مائة قرية ويعتمدون الى حد ماعلى دارفور ووداي ، وان كان لهم ادارة مستقلة . ومع كونهم يعتبرون اقرب الى الوثنيين ، اذ كانوا في القرن الماضي يدفعون الجزية بتقديم رعاياهم رقيقا الى دارفور ، فليس هناك شك في انهم قبل الاسلام الى دارفور ، اي قبل هجرة التنجور ، كانوا يشكلون أقوى فرع من السكان .
    وينظر الداجو الى دارفور كوطن اجدادهم الحقيقي بالرغم مما يلقونه من قليل احترام ، ومع ذلك يدفع بعضهم بسبب الخوف الجزية الى ملوك وداي . ولكن لغتهم تختلف تماما عن الفور وتشبه بعض الشيء لهجات النيل الابيض .
    والتنجور الذين رفعهم الداجو طواعية الى المقام الارفع لمستواهم الحضاري الارفع دخلوا البلاد فيما يبدو قبل اربعة قرون . ويزعمون انهم سليلو بني هلال الذين كانوا يعيشون زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في الاراضي المرتفعة في شبة الجزيرة العربية . وتفاصيل هذه القصة موجودة في الفصل الخاص بتاريخ دارفور ، ولكنني أود هنا ايضا ان اقول انه على الرغم من ان فروعهم تحيا الآن منتشرة في برنو ووداي ودارفور دون اي اتصال بينها ، فإن الرواية نفسها محفوظة عندهم جميعا . ففي برنو يعيش بعض التنجور في مجموعات صغيرة في كل انحاء البلاد ، بينما يحيا جزء اخر في الجزء الجنوبي الشرقي من كانم بشكل تام ، وخاصة في اقليم موندو الخاضع الآن لوداي . وهناك قرية في موندو ذكرناها من قبل اسموها (( تونس )) تذكيرا بأصلهم كما يقولون . وفي وداي ايضا تجمع التنجور معا في شمال البلاد في منطقة دار زيود ، ولكن في الجنوب طغت عليهم قبيلة ابو تلفان الوثنية . ومع ذلك يحتفظون بالرواية الخاصة بأصلهم في تونس . وفي دارفور حيث ظهروا بأعداد كبيرة وحققوا لأنفسهم اهمية كبرى ، وان كانوا في وداي ايضا قد اقاموا نوعا من الحكومة ، اعتمد السلطان محمد الحسين هذا الافتراض ، اذ سأل يوما صديقا لي وهو شريف من القيروان ، المدينة المقدسة في تونس ، ماذا جرى لسلالة اسلافه هناك .
    وفي مخطوطة لأصول حكام دارفور بخط الملك محمد الفضل ، سجل أصل التنجور باعتباره راجعا الى قبيلة قريش العربية .
    ويبدأ مخطوط حكام دارفور من احمد المعقور ويرسم شجرة نسب هكذا :
    محمد الفضل بن عبدالرحمن ، بن بكر ، بن موسى ، ابن سليمان صولون ، ابن كورو ، ابن جال ادريس ، ابن حاج ابراهيم دليل ، ابن رفاعة ، ابن احمد المعقور .
    وتؤكد أصل التنجور العربي ايضا حقيقة انهم بالرغم من انهم لم يعيشوا مع العرب في اي وقت لاحق ، فإن اللغة الوحيدة التى يعرفونها هي العربية .. في برنو او في وداي او دارفور ، وان رئيسهم في دارفور مازال يحمل لقب سلطان بالرغم من انه لا اهمية حقيقية له ، ومازال يلبس اللثام ، وهو ما لا يفعله السكان السودانيون المحليون .
    ومنذ ان تخلى سلاطين التنجور عن السيادة لمملكة الكيرا لبسوا اللثام الاسود .
    ومع ان مجموعات التنجور في برنو هي الاقل عددا ، الا انهم لا يختلطون بالسكان المحليين الا نادرا . وقد احتفظوا بمظهرهم الجسماني الاصلي ، ولكنهم في دارفور تزاوجوا مع اهل البلاد واصبحوا يشبهونهم حتى لا يكاد المرء يمييزهم عنهم . وعلاقاتهم بهم قوية جدا . وكما اسلفت فإن الملك كرومة او رفاعة قد تخذ زوجة من الاسرة الملكة للكيرا ، وهم اهم فروع الفور ، وانتزع ابنها الملك دليل السلطة من اخيه صاو او شاو درشيت ، وكان ذا اصل تنجوري صريح . وكان التنجور في ذلك الوقت قد فقدوا اهميتهم السياسية . وقامت على دولتهم دولة الكيرا وان كانت الكيرا ترجع الى ذاك الاصل من جهة الام . ومنذ ذلك الوقت عاش التنجور بشكل اساسي في السفح الشرقي لجبل مرة ، في مديرية دالى و جبل خارس هو مركز اقليمهم . ولكنهم يوجدون ايضا منتشرين في كل الجزء الاوسط من البلاد .
    وهناك ثالثا الفور . وهم الجزء الرئيسي من سكان البلاد ، والسكان الوحيدون في سلسلة جبل مرة . ويشكلون جزءا كبيرا من دار اوما والجزء الاكبر من دار ريما ، كما يشكلون على الاقل نصف سكان دار فـْي كرني ودار مادي . ويعتبر الدوقنقا اشرفهن مولدا ، بينما كان الكنجارة في يوم ما من القوة بحيث كانت دارفور تعرف في البلدان المجاورة لها بدار كنجارة . وكان الناس يتكلمون لغة الكنجارة بدلا من لغة الفور . وكانت المكانة التى حققها الكيرا سياسيا نتيجة لكون المملكة الاخيرة قد تأسست منهم من جهة الام . ويبدو ان اولئك الذين يأهلون اقليم كوتيا الصخري الممتد والواقع جنوب غرب جبل مرة في دار ابوديما هم اكثر من نجح في الاحتفاظ بنقاء عرقهم ، ويسمون الفور تموريكا ، ولغتهم تظهر اختلافات في اللهجة عن لغات الفور الاخرى .
    وللفور او الفوراوة لون اسود داكن او اسود رمادي . وهم متوسطو طول ، وتقاطيع اوجههم ليس لها مايمييزها . ويميز شخصيتهم الغرور وسوء الطبع – سرعة الغضب – حب الانتقام . وينزعون الى الشجار ونوبات العنف . وليسوا مشهورين بالشجاعة . وليس بهم قدرة او موهبة صناعية ، مثلهم في ذلك مثل جيرانهم اهل وداي ، وكل سكان الجبل المتمسكين بعاداتهم واخلاقهم التقليدية ، حتى ان الاسلام الذى يتعصبون له في القرى الكبيرة لم يتمكن من إزالة الوثنية تماما في المناطق القصية في البلاد .

    نواصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 10:16 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    Quote: أخي بدرالدين
    ما نزال نتابع مجهودكم العظيم.

    عفوا يبدو ما نشرتموه يومي 13/12 و 15/12 مكرر،

    أم ماذا حدث؟

    ولكم منا ألف تحية.


    شكرا أخى حماد للمتابعة الحصيفة
    ولقد انتبهت التكرار وقمت بحذفه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-12-2007, 04:56 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الباب السادس

    والزغاوة الذين يروى انهم كانوا قبل قرون مضت ذوي اهمية معينة تمتد حتى خارج دارفور ليسوا ، كما افترض بارت و آخرون ، فرعا من أسرة التبو ، ولكنهم يؤلفون مع سكان اندي البديات وقبيلة الوانية الصغيرة التى تحتل إقليم ونيانقا الصغير على الطريق المؤدي من بنغاري الى وداي ، مجموعة قبلية واحدة .
    والزغاوة بدو رحل او شبة رحل عيشهم على أطراف الصحراء او في الصحراء . ولهم قطعان هائلة من الابل . وهناك مجتمعات من الزغاوة تعيش منتشرة في الجزء الشمالي من وداي . وأقسامها الرئيسية في دارفور هي :
    الزغاوة كوبيه ، ويعيشون تحت ظل سلطان منفصل في اقليم كوبي الممتد الذى يمثل جزءا من مديرية ابوتكنياوي على الحدود الشمالية الشرقية للتامة .
    والزغاوة دور الذين يقال انهم في الاصل كانوا بديات ،
    والزغاوة عنقا ، وكلهم مثل الزغاوة كوبيه يعيشون في مديرية ابوتكنياوي .
    واخيرا هناك الزغاوة كيملتيو الذين لاختلاطهم بالقبائل العربية قد تغيروا منذ قرون ، ويعيشون الآن في دارفور بين الرزيقات ، حيث لم يعد من الممكن تمييزهم من العرب اجتماعيا او جسمانيا .
    اما النوايبة ، اخر المذكورين من القبائل الاصلية في دارفور ،فهم فيما يبدو أول قبيلة عربية تدخلب البلاد . وهم كما سنرى أقرب الاقربين الى المحاميد والمهرية .
    ونأتي الآن الى ذكر القبائل العربية في دارفور ، وهي إما حضرية او بدوية . ويمكن تقسيم القبائل المفردة الى مجموعتين ، يمكن استشفاف العلاقات بينهما في كل شي تقريبا .
    فهناك المجموعة الكبيرة المسماة عرب فزارة والتى تفخر بانحدارها من حمد الافزر وتنضوي تحتها قبيلة الزيادية والفروع المتصلة بها ، وهي الكرومسية والقاصرينة . ومراعيهم في المديرية الشمالية التابعة لابوتكنياوي بالقرب من وسط المملكة . والمعاليا ، وفروع اولاد عبدون واقرباؤهم المعاقلة الذين يعيشون في المديرية الشرقية – ابو دالى – بين الحمر والرزيقات . وهاتان القبيلتان رعويتان ، بدو ، ولهم إبل .
    ويقال ان الزيادية يملكون الكثير من الخيل ، وبمقدورهم في حالات الطوارىء ان يدفعوا ألفي فارس في الميدان . والمعاليا ايضا أقوياء بالرجال والابل ، لكنهم لايستطيعون تجهيز اكثر من 300 الى 400 فارس .
    وينتمي الى الفزارة الحبابين و الجليدات و المجانين واولاد إيقو وبنو عمران وبنو جرار . ويعيش هؤلاء ايضا في شرق دارفور ، ولهم ثروة كبيرة من الابل ، وحياتهم في معظمها حياة استقرار لا بداوة .
    وللزيادية عشرة شيوخ يتمتعون بمكانة عالية ، اي ان لهم النحاس . والمعاليا سبعة شيوخ ، واربعة لكل من الجليدات وبني عمران .
    وكان حمد الافزر إبنا لعبدالله الجعانيس الذى كان له ابن آخر هو حمد الاجذم الذى يعتبر جداً للقبائل المنضوبة تحت مجموعة الجزم . وكان لحمد الاجزم ابن هو الجنيد ، ابناه الرشيد وهيمات هما أجداد اولاد رشيد (( راشد )) والهيمات . وقد انتقل اولاد راشد الى الغرب ، ونجدهم قبيلة كبيرة في وداي ، وفي مجوعات متفرقة صغيرة في برنو . أما الهيمات فقد تفرعت منهم قبائل التعايشة والهبانية . وهم قبائل ذات إبل في جنوب وجنوب غرب دارفور ، ويعيشون جيرانا ومتجاورين على اقصى حدودها الجنوبية . اما الهبانية فيعيشون على الطريق المؤدي من وسط دارفور الى الجنوب الى حفرة النحاس .
    ويقال ان بمقدورهم ان يدفعوا 600 او 700 فارس الى الميدان .
    والابن الثالث للجنيد ابن حمد الاجذم هو رقال الذى انحدرت منه كما تزعم قبيلة العريقات .
    وكانوا فيما سبق كثيري عدد ، ويعيشون في اقصى الشمال الغربي لدارفور . وقد ساعدهم البعد عن العاصمة ، وثراؤهم ، على التمرد في علاقتهم بالحكومة . وفي الفترة التى كان محمد الفضل صبيا والابوشيخ كرا يحكم البلاد نيابة عنه ، اعتقدوا ان بامكانهم استغلال ذلك والاستقلال تماما . فارسلت القوات ضدهم في عدة مناسبات ، ولكنها هزمت وتقهقرت مضطرة . وبالمكيدة وحدها تم لمبعوث محمد الفضل ان يقبض على شيوخهم ، وذلك عندما كبر محمد الفضل واخذ يرسل اليهم الهدايا . فعندما اتوا لاستلام كساوي الشرف من سيدهم ، وكانوا يصغون لجواب يقرأ عليهم ، قبض عليهم ، وضرب عليهم القد ، ولم تترك سوى فتحات لأعينهم وافواههم . وبهذا الوضع اقتيدوا الى الفاشر ، حيث تم اعدامهم .
    واصبحت القبيلة دون قادة مما يسر هزيمتها واخضاعها . وكما اسلفنا ، تفرقت القبيلة واختفت بفضل الاجراءات القاسية التى اتبعها محمد الفضل ، ولم يبق منها غير قلة في دار تامة المجاورة يعيشون بين الزيادية والمحاميد ، او استقروا في خدمة اقوام آخرين .
    وعطية ابن رقال هو ابو مسير وزرق ، والاول هو جد المسيرية ، والتعالبة فرع من المسيرية من تعلب بن مسير . ويعيش المسيرية بالقرب من الطرف الجنوبي لجبال مرة ، ويسعون الماشية ، ومثلهم التعالبة .
    ويقال ان لهم 500 فارس .
    وشاكر هو الابن الثالث لعبدالله الجعانيس ، وابنه دهمش هو والد بدر ، جد البديرية الذين يعيشون في مديرية ابو دالى ويملكون بعض الابل ويربون الماشية ، واصبحوا حضرا تقريبا .
    ويسمى الفزارة والجزم والبديرية جهينة ايضا ، نسبة لجدهم الاكبر عبدالله جعانيس بن محمد الحوري . ويقال انهم قربى شديدة من الكبابيش الذين يعيشون مع ابلهم في الاقاليم الشاسعة الواقعة بين كردفان ودنقلا . لكنني لا املك معلوملت عن العلاقة الفعلية بينهم .
    وكان للأخوين حمد الافزر وحمد الاجذم اخت كانت لها بعد موت ابيهم علاقة برجل من الترج ، وهي قبيلة فاتحة اللون من عامة الرومان . وبذا فهي أم الحمر ، والذين اشتق اسمهم من احمر . والحمر قبيلة كثيرة العدد تسكن جزئيا في الحدود الغربية لاقليم كردفان وجزئيا في شرق دارفور . وهم اصحاب إبل كثيرة ويمكنهم دفع ألف فارس الى الميدان .
    وكان لعطية بجانب ابنه مسير ، ابن اخر هو رزق ، كما اسلفنا . وكان لرزق ثلاثة ابناء هم ماهر ومحمود ونايب ،جدود المهرية والمحاميد والنوايبة . وهذه القبائل الكبيرة الثلاث صاحبة إبل ، وتعيش منفردة في شمال دارفور . ويقال ان المهرية قادرون على دفع ثلاثة ألاف فارس في الميدان ، والمحاميد الف فارس على الاقل ، والنوايبة قرابة ألفي فارس . والرزيقات هم الاكثر عددا في كل دارفور ، اكبر قبيلة في دارفور . وهم اصحاب ماشية . وتقدر قوتهم العسكرية بعشرة الاف فارس . وربما كان هذا العدد مبالغا فيه . ولكن الحقيقة ان ملوك دارفور لم يستطيعوا ابدا اخضاعهم تماما .
    ولاولاد ياسين قرابة بالرزيقات ، اذ يزعمون ان ياسين بارك بن محمود بن ارزق هو جدهم . لكن المحاميد ، جيرانهم المباشرين ، يقولون في لؤم انه بعد موت جدهم محمود ، زوج شايق ، ابنه الاكبر ، امه لرجل عبد ، وان اولاد ياسين هم من صلب ذلك القران .
    والكنانة والخزامة (( خزيمة )) فروع عربية صغيرة ذات صلات وثيقة ، وتدعي أصلا في الجزيرة العربية ، حيث نجد قبيلتين بذينك الاسمين هناك في فتره تأسيس الاسلام .وشجرة نسبهم كما يلي فيما يزعمون :
    ابن خزام ، ابن مدريكا ، ابن الياس ، بن مضر ، بن نصر ، بن معاد ، بن عدنان . ووراء ذلك تعتبر النسبة في دارفور غير دينية . وتعيش كنانة وخزامة في مجتمعات صغيرة في المديرية الشرقية . واصبحتا قبائل حضرية .
    والكروبات ايضا يدعون كونهم قدموا من اليمن ومن سبأ اصلا ، حفيد قحطان او ( يقطان ) . وبذا ليسوا احفاد اسماعيل ،بل هم سبئيون . وقد داهمهم الفور في اقليم القمر حين اخضعوا القمر الذين كانوا يحتلون كما اسلفنا منطقة شاسعة بين تامة واقليم الزغاوة قريبا من جبل نقط . وقد تفرقوا منذ ذلك الحين في كل اجزاء شمال المملكة .
    وفي المديرية الغربية ، دار في ، دار مادي ، يعيش الحوطية ، ويعتبرون نصف عرب ، اذ يقال ان بهم دم عبد لمسير ابن عطية . ويشكلون مجموعة صغيرة .
    ويعيش بنو حسن في دار مادي في منطقة مركزها جبل طاش ، ويمكنهم ان يحشدوا مابين 600 الى 700 جواد ، ويدعون ايضا نسبا في اليمن . وحتى ان لم يثبت هذا النسب ، فهم ليسوا فزارة او سودان .
    واصل قبائل الترجم والبني هلبة الكثيرة غير واضح . فالترجم يعتبرون اقارب بعيدين للرزيقات ولكن بهم دم عبيد ، ويعيشون في الغالب في دار بين الزيادية والبني هلبة والرزيقات . وهم اصحاب ماشية ، وجميعهم تقريبا مقيمون ، وحالهم رخي للغاية ، ويقال ان بمقدروهم حشد 1500 جواد .
    والبني هلبة اكثر منهم عددا ، ويعيشون في غرب البلاد في منطقة روكيرو وما جاورها . ويقدر فرسانهم بثلاثة ألف . وهم اهل ماشية وكان لهم قوة وثروة ،خاصة قبل الحادث الذى وقع في عهد محمد الفضل ، ووصفناه بأنه مذبحة البني هلبة .
    وقد ظل الذين يعيشون من هؤلاء العرب في الشمال والشرق الكثيفي السكان الى حد ما ، يحتفظون بدماء نقية فيما يتعلق بلون البشرة والتقاطيع ، بينما اولئك الذين استقروا في الحضر في داخل البلاد مثل الترجم والبني هلبة ، وخاصة وانهم مشكوك في اصولهم العربية النقية ، يظهرون كل درجات الالوان والتمازج مع الزنوج .

    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-12-2007, 08:58 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل السادس

    وبين فروع الاحرار والمفتوحين من السكان نجد الجلابة الذين استقروا في دارفور منذ قرون ، واصلهم من بلاد النيل المختلفة ، من سنار ، مرورا بالنوبة حتى صعيد مصر . وهم غالبا مايعيشون معا في مناطق محددة . وهم الاقرب الى العرب . واهم مناطق اقامتهم في دارفور هي كوبيه والمناطق المحيطة بها ، حيث يوجد ألفان منهم وفي منطقة كبكابية على مسيرة ثلاثة ايام غرب كوبيه ، حيث لهم نفس العدد ، وكورس ودالاقو الى الجنوب منها ، حيث تضم ثلاث قرى ، ونمرو جنوب كوبيه ، وتيتل وكوفود ومليط في شمال البلاد التى تضم بجانب المقيمين في الفاشر العاصمة وعددهم قرابة خمسمائة بيت ، قرابة الف الى الف وخمسمائة بيت . وهم ايضا موجودون في جنوب وسط دارفور في منواشي وشعرية وطويشة وفي حفرة النحاس حيث مجموعهم بين خمسمائة وألف بيت .كما نجدهم في ام مشانة في شرق المملكة ، وكان منهم هناك في ذلك الوقت اكبر حتى من عددهم في كوبيه . وبذا يكون عدد الجلابة في دارفور كلها خمسة الآف بيت على الاقل .
    ولايشكل الجلابة كلا متجانسا ، اذ كثير منهم كأولئك القادمين من دنقلا اودار النحاس هم من إقليم النيل الذى يسكنه البربر او البرابرة ، ولكننا نجد بينهم اناسا من اصول عربية مثل الجعليين والتشراته ، كما مجد اناسا من مصر نفسها ، مثل اولاد الريف ، زهم من اجناس مختلطة مثل المغاربة الذين يقال انهم اتوا من مراكش . وقد لوحظ وجود ثلاثين عائلة او فروع قبلية بينهم ، اكبرهم فيما يقال اهالى دنقلا ، ومنهم دائما الخبير ، رئيس الجلابة ، ويليهم الجعليون ،ويسمون في بعض الاقاليم اورد البحر ،مثل اهالي سنار .
    وقد استقر الجلابة في الاصل كما اسلفت في زرائب حسب اسرهم ، وتطورت الزرائب بالتدريج وتجمعت قرى صغيرة ، صار في وسطها السوق . ويخرج الجلابة يجوبون دونما كلل في الغرب حتى وداي . وبعض الافردا قد عبروا برنو وباقرمي حتى وصلوا دويلات الهوسا . وهم يحملون بضائعهم الى النيجر ووداي من مصر – القاهرة – وهي القطن درجة ثانية والعنبر والسكسك . واذا عادوا بنفس الطريق ، فانهم يقايضون تلك البضائع بريش النعام ، او يشترون ابلا يأخذونها الى برنو ،حيث يبيعونها بسعر اعلى كثيرا مما في وداي . وقد يحولون عائد ذلك الى نقد او نطرون . ويحملون البضائع التى هناك بالمقايضة الى دويلات الهوسا ، الى نيفي وحتى إلورين . وكثيرا مالايعودون من مناطق النيجر الا بعد سنين . ويعودون بالقورو والمصنوعات القطنية الاكثر جودة ، التى تحملها الى هناك السفن الامريكية والانجليزية ، ويقايضون كل ذلك مرة اخرى في وداي بريش النعام والرقيق . ويجوبون جنوبا حتى حفرة النحاس ، ومن هناك الى امارات النيام نيام الصغيرة التى كانت في الماضي تعتمد بشكل او آخر على وداي ، وحتى قبائل الجور والدور . وقد يغيب الجلابة قرابة العشر سنوات عن ديارهم ، في دارفور او على النيل ، وتنقطع عنهم اخبار اسرهم سنوات .ولكن يجب الا يستنتج من هذا انهم بلا عاطفة نحو بلادهم واهلهم .
    ومن قبائل الزنج التى تعتبر بلا حق في المساواة في الحقوق يرد ذكر المسبعات والاجانب الذين هاجروا الى دارفور ، وهم ليسوا سوى اجزاء من قبائل تعيش في وداي وبرنو وباقرمي .
    وهناك قبيلةواحدة من الفور لا تنعم بحقوق متساوية مع الاخرين ، وهي المسبعات وقد اضطروا كما اسلفنا منذ ثلاثمائة سنة خلت ان يغادروا بلادهم الجبلية بسبب صراع على السلطة بين كور وتنسام ، فارتحلوا شرقا . واسمهم مشتق من ذلك . وقد اصبح شيئا فشيئا مسبعاوي ، والجمع مسبعات . وعلى الرغم من انهم فور خلص ، الا انهم بمرور بضعة قرون نسوا لغتهم الاصلية بسبب العداء الذى واجهتهم به ديارهم الاصلية ، وهاجر معظمهم الى كردفان واصبحوا في اللغة والعادات ، ان لم يكن في الملامح ولون الجسم ،عربا . وهذه الحقيقة توضح المصاعب التى تواجه الباحث في القبائل المهاجرة في الازاحة المعقدة للشعوب والتى تمت في وسط افريقيا .
    ومازال المسبعات يعيشون في الغالب في كردفان ، وبدرجة اقل في دارفور ، حيث يحتلون عدة مناطق في المديرية الشرقية ولهم سلطان ، وله طبول – نحاس - تضفي عليه رتبة اعلى .
    ومن الاغراب الذين هاجروا الى دارفور قبل قرن من الزمان او اكثر ، وخاصة في عهد السلطان احمد بكر ، هناك اقوام من البرنو يحتلون مناطق مختلفة في الوسط والجنوب والمملكة ، واناس من وداي ايضغ استقروا في الجنوب ، واناس من باقرمي منتشرون في البلاد . وهناك الابو درق والكرنقا والكشميرة منوداي في مديرية أبو أما ، والمراريت والكبجا والاورو في دار في ، ونجد كذلك في دار في على حدود وداي الصنقور – أسنقور – وقبائل صغيرة من اللاتونو وباركاري وسيريبوك و أولاد دولل او الجيرق والميرقا والشاله القريبين منهم صلة .
    وفي اقصى الغرب ، في دار مادي ، وفي الشمال الغربي من دار تكنياوي ، كما في الشمال ، نجد أجناس التامة وسكان جبل مول وبقايا القمر وذوي قرباهم الذين ذكرنا ينتمون فيما يبدو الى اسرة اقوام كبرى . ويجي ان نخص منهم القمر الذين لهم كما اسلفنا منطقة نفوذ واسعة بين اقليم التامة والزغاوة ، مركزها نقط ، وبسطوا من هناك حكمهم على التامة والزغاوة . وكانت لهم في الماضي قوة معتبرة . ومازالت تلك الاهمية التاريخية تؤخذ في الاعتبار حتى الان ، اذ ان سلطان القمر هو اكثر شخصية محترمة في دارفور بعد الملك . وقد بسط له قبل وصولي بزمن غير بعيد بساط بجانب بساط الملك ، بينما لا يسمح للأمراء الا بالجلوس على الارض الجرداء امام السلطان . وكان آخر سلطان للقمر يسمى ابوبكر . ولايعيش القمر في شمال وغرب دارفور فحسب ، بل ينتشرون في مديرية ابو اما الجنوبية . ولغتهم الآن واحدة ذات وشائج وثيقة بلغة التامة والاسنقور . وحتى الفور يعترفون بأن القمر قوم ذوو أصل عربي . ولايمكن الان تمييزهم عن الاسنقور والتامة الا بجهد ، فهم سود وليس في تقاطيعهم مايدل على اصلهم المميز .
    ومن بين القبائل التى تم اخضاعها بغزوها ، والتى تعيش بأعداد كبيرة في دارفور الاصلية ، هناك البرقد والربتي والميمة والمساليت . وقد مررنا بآثار من البرقد في اقصى شرق البلاد بين الكاجا ، ويعيشون اساسا في جنوب شرق المديرية الشرقية وفي الجزء الشرقي من المديرية الجنوبية . وهنا ايضا يمتزج بهم البيقو . والقبيلتان ليس لهما نسب شريف ، ويحتقرهما الفور الخلص . واكبر جزء من البرقد موجود في مديرية ابو أما ، لكن سلطانهم يعيش في منطقة الدبة في دار دالى . والغريب ان لقبه مثل لقب القبائل العربية الخاضعة على النيل هو الملك .
    والميمة اقل عددا ، ويعيشون في المديرية الشرقية ، ولكن تحت سلطان منفصل ، هو بدوره خاضع لحاكم المديرية الجنوبية .
    وفي الغرب و اقصى الجنوب الغربي يعيش المساليت ويكونون جزءا كبيرا من السكان الخاضعين . وقلة منهم تعيش في منطقة شاسعة في مديرية ابو أما . وليس لهم سلطان ، بل هم مقسمون الى فروع صغيرة ، ويحكمون بالفرشة ، وهي منصب وسط بين السلطان والشيخ . وأقرب القبائل اليهم يعيشون في فروع عديدة في اقصى المناطق الشرقية الحدودية لوداي ، وهم المساليت الحوش ، اي الذين يحرسون البيت . وعلى ضفاف البطحا يعيش المساليت بطحا .
    وعلى الرغم من انهم جميعا مسلمون إسميا ، وهناك فقهاء مشهورين من المساليت ، حتى في وداي ، فإن مستواهم الحضاري متدن للغاية . وبعض فروعهم من المساليت أمبوس قد اشتهر جدا في وداي ودارفور بأنهم آكلوا لحم البشر ، رغما عن القانون الاسلامي الصارم فيما يتعلق بهذا الشأن . وفي وداي يتحدثون لغة قريبة جدا من لغة المابا . ولم استطع ان احصل على عينات من لغتهم في دارفور . وأصل المساليت يحيط به الغموض ، ولكنهم يزعمون انهم من اصل عربي .
    واخيرا ، هناك البرتي ويعيشون في شمال شرق دارفور . وهم قبيلة صغيرة في وسط المملكة ، ولكن حتى الى وقت قريب كانوا يعيشون في عزلة . ويقال انهم كانوا يتميزن بافتقارهم الشديد للثقافة والذكاء .
    والميدوب الذين يعيشون في اقصى الشمال الشرقي للمملكة على الطريق المؤدي من كوبيه عبر الصحراء الى اسيوط على النيل هم فرع خاص من البرتي ، وهو يشكل انتقالا الى البديات او الزغاوة .
    والعزلة التى وفرتها لهم طبيعة منطقتهم الجبلية وموقعها في وسط الصحراء تقريبا قد ابعدتهم عن اي آثار للثقافة الاسلامية ، وان كانوا هم ايضا قد دخلوا إسميا في الاسلام .
    ويحكم الميدوب ثلاثة ملوك ، يرثهم دائما بحكم العادة ابن اخت . وعادة زواج الابن من زوجة ابيه الراحل ، غير امه ، تربط الميدوب بالبديات . وكازالوا الى اليوم يعتبرون كالعبيد تقريبا ، ولكن يبرز منهم احيانا رجال مرموقون مثل آدم طربوش ، والد الامين بخيت ، اخر وزير لدارفور .
    وفي الحدود الجنوبية للملكة بجانب التعايشة والهبانية والرزيقات الذين كانوا يعتبرون الى الان وثنيين ، بينما لم يدخل اكثر الفنقرو الاسلام بعد
    ويقطن الجنوب الغربي القصي قبائل تقوم بدفع الجزية هي المونش والكارا والبنقا والشالا ، الذين يعيشون في مناطق جبلية بالقرب من حفرة النحاس ، كما نجد الباندة والكراج وفرعا من القولا بين دارفور والبنقو الذين يدفعون الجزية لوداي .
    وهناك في الجنوب من حفرة النحاس أقاليم ظلت حتى وقت قريب تدفع الجزية لسلطان دارفور ، وهي الكتواكا و الدلقونا على الروافد الغربية للنيل ، والوانيا الى الغرب والبايا الى الجنوب الغربي من حفرة النحاس في جبل ابو رأسين . وكل تلك القبائل الوثنية تندرج تحت اسم الفرتيت . ولانستطيع في الوقت الحاضر التمييز بينها جسمانيا او إثنوغرافيا .
    لدارفور مساحة تماثل مملكة بروسيا . واكثف مناطقها بالسكان هي الوسط والغرب والجنوب الغربي والجنوب . لكن الشمال الغربي اقل سكانا ، والشرق يكاد ان يكون غير مأهول ، وهذا نتيجة للإختلاف في الخصوبة بين الاقاليم المختلفة ، والذى يعتمد بدوره على مصادر المياه ، والتى تتوفر بسبب الانهار والوديان النابعة في جبل مرة ، وهي لاتحمل ماء طيلة العام ، ولكن هناك طبقة حاجزة للمياة على عمق اقدام قليلة تحت قيعانها الرملية .
    وثروة البلاد من الماشية مرتبطة بشكل وثيق بخصوبة ارضها . ففي الوسط والجنوب الغربي قطعان وفيرة من الماشية والماعز والضأن ، ومظهرها الممتاز افضل من مثيلاتها في وداي ، وحتى في برنو . وفي شمال البلاد من جهة اخرى وفي السهل الجدب في الشرق – فالفاشر اكثر ارتفاعا من الابيض بمقدار مائة متر فقط – نجد الابل والنعام .
    والطقس عامة صحي وذلك بسبب التربة الرملية والارتفاع الكبير للبلاد عن سطح الارض . وحده الجنوب بتربته الطينية يصبح خطرا للصحة اثناء وبعد موسم الامطار .
    وللحصول على تقدير عدد السكان جمعت اكبر عدد من القرى استطعت ان احصل على معلومات عنها في كل منطقة ادارية وفي كل مديرية ، فوجدت ان المناطق الاثنتي عشر في المديرية الشمالية بها 5900 قرية او حلة . وبحساب عشرة منازل للقرية وخمسة اشخاص للمنزل ، فإن عدد السكان بالتقريب هو 300 ألف نسمة . وبالمثل حسبت عدد سكان المديرية الشرقية بما يقارب 200 ألف نسمة ، والمديرية الجنوبية العامرة بالسكان بحوالى 500 ألف نسمة ، و 600 ألف نسمة للمديرية الجنوبية الغربية الكثيفة السكان ، ولاقاليم الغرب الثلاثة المنفصلة 500 ألف نسمة ، وجبل مرة الذى يقع تحت إدارة الملك مباشرة حوالي 100 ألف . وبذا ، وعلى ضوء القرى التى ادرجتها بالفعل في قوائم ، فإن جملة السكان الحضر في دارفور يمكن ان تقدر بأكثر من 2500000 نسمة . ولكن بما انه لم يكن ادراج كل القرى وربما سقط ثلث او ربع المناطق الموجودة ، فان جملة السكان الحضر في دارفور يمكن ان تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة .
    وتتكون الضرائب التى يدفعها الناس من الجزية في الاساس ، التى تجبى على الغلال والماشية والعقارات والرسوم الجمركية ومايعرف بالديون . وتشمل جزية الغلال الفطرة ايضا التى تجتمع في نهاية شهر الصيام ، وهي مد واحد للشخص ، والزكاة التى تسمى العشر في اخرى . ويقوم بجمع هذه لضرائب الابو جباية ، وهو رئيس الجباة . وترتبط بهذه الضرائب ضريبة على التكية وهو القماش القطني العادي ، ويجمعها الفقيه ، وجملتها من كل المناطق تصل الى 100 ألف تكاكي . اما الضريبة على الماشية ، فهي عشر للثيران والابل . والضريبة على الاراضي – توقندي – فهي تكية واحدة على الارض المزروعة التى طولها 500 خطوة وعرضها 500 خطوة ايضا تقريبا . اما الخدمة – رسوم الجمارك – فهي تتباين وفقا للطريق الذى تستورد عبره البضائع . وهي خمسة مقاطع ترومبا – القطن الخام الذى ذكرناه آنفا – على كل حمولة جمل على البضائع المستوردة بالطريق من كردفان او من الغرب ، من وداي .
    اما الديوان الذى يجمع كل اربع سنوات ، فهو يتم وفقا للمهنة التى تمتهنها القبيلة ، وعائدات محاصيل الاقليم . فالقبائل التى تربي الماشية تدفع بالخيل او الابل حتى 130 رأسا . اما القبائل الاخرى كالصولا والبيقو والداجو والقولا ، هي تدفع بالرقيق . وكان الدفع ايضا يتم بحمولة الحمير من القمح والذرة والدخن ، وبالتكاكي ، والتبغ والعسل والملح ، الذى يحصل عيله في بعض المناطق في جبل مرة وفي الشمال بغسل الارض المالحة ، وبالسمن .
    وكانت الضريبة على العسل مجزية جدا ، اذ تجمع عدة الآف من جرار العسل ، وبكل واحدة 20 رطلا ، من القبائل العربية . بني هلبة والمسيرية والترجم والهبانية والرزيقات . ولكنها تجبى اساسا من الحواكير المخصصة لكبار الموظفين ، وعلى كثير منها ان تسلم 50 الى 100 او حتى 200 جرة . وقد يتعاقد اصحاب الحواكير على ان يدفعوا للسلطان نصف الايجار ، او اذا كانوا مشمولين بالإعفاء من هذا الالتزام ، وفقا لقدراتهم وبحسب تقديرهم .
    وتضاف الى هذه الضرائب مايجبيه كبير جباة الضرائب على الغلال قبل تقديراته للفطرة – زكاة الفطر – وتبلغ عددا كبيرا من التكاكي على كل منطقة ادارية . دار الريح ، مثلا ، عليها ان تدفع ثمانية ألف قطعة ، ودار دالى سبعة ألف ، ودار فــْي خمسة الف ، ودار مادي اربعة الف ، ودار ديما ستة الف ، ودار أما ثلاثة الف .
    والدخن هو اهم المحاصيل الزراعية في جزء كبير من البلاد . والنوعية العادية منه هى التى تزرع بشكل عام . وهناك نوع آخر له حبوب تميل الى الحمرة في لونها ، وينضج في شهرين ، ويزرع في الجبال . وهناك نوع ثالث حبوبه بيضاء ، ويصلح اكثر للتربة الاكثر خصوبة في جنوب البلاد .
    وهناك خمسة انواع من الذرة ، تختلف حبوبها حجما ولونا .
    ويزرع القمح في الجبال وفي الجنوب الغربي ، والتى تصلح لزراعة الذرة ، يزرع الذرة الشامية . ويزرع الفول السوداني في كل مكان . ولكن العنكوليب لايزرع الا في بعض المناطق المنفردة .ويزرع الارز الابيض المنقط في الغرب والشمال ، لكنه هنا مثلما في بقية بلاد السودان ليس غذاء شعبيا .
    وتمتد زراعة القطن في كل دارفور وان كانت التلابة في الشمال والجنوب اقل خصوبة لنمو اشجار القطن . والنيلة ليست منتشرة كما في برنو ودويلات الهوسا حيث فن الصبغ ايضا متقدم جدا ، بينما يمارسه في دارفور ووداي المهاجرون من برنو او باقرمي فقط .
    والقرع الكبير متوفر هنا كما في بلاد السودان ومعظم الاواني المنزلية في المطبخ مصنوعه منه .
    والبطيخ والعجور – الخيار – ليسا نادرين ، وخاصة البطيخ البري الصغير . ويكثر في المنطقة شبه الصحراوية الشرقية قليلة السكان ، حيث تندر المياه ، فيستخدمه الناس للشراب .
    وتزرع اللوبياء من انواع مختلفة . وهناك الحنظل الذى يعالج للتخلص من المادة المرة التى به ، ويشكل مادة غذائية هامة وشعبية في مناطق قليلة الاشجار قريبا من الصحراء . ويقوم الزغاوة والعرب البدو في الصحراء بجمعه ، وخاصة في الشمال .
    وبالاضافة الى السمسم الذى يزرع في كل انحاء البلاد ويستخلص منه كما من الفول السوداني زيت يستخدم في اغراض شتى ، هناك نباتات اخرى تزرع ويتم غليها لصناعة الملاح مع العيش المألوف .
    ومن الاشجار النافعة النخل ،ويزرع في بعض الامكنة في الشمال وفي داخل البلاد ، وثماره افضل من ذلك المزروع في شمال وداي او كانم ، لكنه لا يثمر مرتين كما في الاخيرة .
    ويوجد الدوم في الشمال وفي داخل البلاد في اماكن متفرقة . وشجره هام ، ليش فقط لثمره الذى يشكل غذاء في المناطق الاكثر فقرا في شبة الصحراء او السافانا الحقيقية ، بل ان قيمة الدوم الرئيسية هي في شجيراته الصغيرة التى تنمو تحته والتى تستخدم في صنع الابسطة ( البروش ) وفتل الحبال وصنع بعض الاواني المنزلية .
    وتزرع اشجار الليمون في الفاشر وكوبيه واماكن قليلة مفضلة له ، وتقدر ثمرته الصغيرة تقديرا كبيرا .
    اما شجر التبلدي ، والذى يزداد كلما توجهنا شرقا ، فسنرى قيمته ، في وصفنا للآبار التى تحفر في جوفه والتى وجدت فرصة لمعاينتها في طريقي الى مصر في ام مشانة .
    وشجر التمر هندي هنا اقل مرتبة منه في وداي وبرنو ، ولكنه كثيرا مايستخدم كعنصر قي التجارة .
    والموز ، وحدوده الشمالية عامة هي الى الجنوب من هنا ، ينمو في الوديان في جبل مرة . وكانت بعض المناطق تدفع الجزية في الماضي في شكل موز وذلك لاستهلاك الامير نفسه .
    وتنمو الاكاسيا كثير الشوك في الشمال اكثر من غيره من المناطق ، ويستغل ثمرها ومنتوجها في عدد كبير من الامراض . فالقرظ مثلا لا غنى عنه في دباغة الجلود . ويستخدم خشبه في كثير من الاغراض الفنية . وهناك ايضا السيال والطلح والهشاب الذى ينمو في كردفان في غابات كبيرة ويوفر الصمغ الذى عليه طلب كبير . و اوراق كل هذه الاشجار علف للجمال والاغنام . وتنتمي الى هذه الاشجار اشجار فصيلة السدر الكرنا والنبق ونبق الفيل ، وثمارها كلها غذاء للفقراء .
    ولايقل الهجليج اهمية وقيمة عن هذه الاشجار ، وتؤكل ثماره وحبوبه ، وتستخدم اوراقه في صنع الملاح اذا لم تتوفر مواد اخرى . وتستخدم عروقه عوضا عن الصابون في غسل الملابس ، ويستخدم خشبه في صنع المقابض وخلافه .
    وهناك انواع كثيرة من الشجر من فصيلة التوت كالجميز الابيض والجيجا ، وتوجد آحادا في كل انحاء البلاد ، والهبيل والحميض والاموديكا بثمرها الصغير المز المنعش ، والجخجاج والمخت والصباحا . ويوجد المخيت مرارا وتكرارا في الامتدادات الصحراوية ، والسنا والعشر الذى يستخدم خشبه في عرش بيوت الطين ولعمد طبقة التراب في الاسقف المسطحة ، وتفتل من لحاه الحبال الجيدة ، والجنخير شجر مميز لمنطقة جبل مرة ، وله خاصية اضفاء طعم زكي ومستساغ للغاية على العسل .
    ويسمى شجر الابنوس البابنوس في دارفور ، ويوجد بكثرة في الجنوب ، بينما يوجد الدليب في وديان جبل مرة . اما الجوخان الذى يسميه بارت خوخ افريقيا الوسطى ،ويستخدم خشبه في صنع السروج ، فهو موزع في كل انحاء البلاد .
    ويتميز الجنوب القصي بأشجار يمكن استغلالها في المستقبل ، مثل شجرة السمن وشجرة القطن وشجرة زيت الزيتون .
    واخيرا ، هناك بين النباتات التى يمكن استغلالها في دارفور ، التبغ ، وله وضعية هامة وخاصة تبغ الفلاحين المتميز بقوته واصبح مادة تجارية الى الشرق و الغرب .

    نواصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-12-2007, 03:30 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الفصــــل السابع
    في الفاشــــر مرة اخرى
    مايو الى أول يوليو 1874 م



    اقامة ثانية في الفاشر
    الوضع في جنوب البلاد – وسائل المواصلات
    قرية البرنو – الملابس – الاثواب – تصفيف الشعر
    بنية الفور الاصليين وخصالهم
    اسباب انهيار وسقوط دارفور
    حب النظافة عند الفور
    بقايا الوثنية
    كتاب دالى والشيخ ابو دالى
    حفل تنصيب الامين بخيت وزيرا
    تدهور علاقات الملك ابراهيم والمصريين
    سوء العلاقة مع وداي
    استعدادات ناختيقال للسفر
    طريقة ترحيل ريش النعام – الاسعار
    توغل الزبير في دارفور ومحاولات الملك حل النزاع



    نتيجة للظروف التى وصفت في نهاية الفصل الثاني ، نأيت بنفسي قابعا في بيت مضيفي أغلب الوقت . وقد اصبح البيت بوجود الحاج احمد ملتقى لأبرز الجلابة وبعض اهل البلد من الذين يعرفون الحاج احمد او مضيفنا حمد ولد طاهر كانوا يزورون البيت كثيرا . وهنا ايضا سنحت لي الفرصة للإعجاب بالكرم غير المحدود للجلابة وحسن ضيافتهم . فلم يكن بيتنا يخلو من الزائرين الكثيرين الذين كانوا يبقون الشهور به . وماكانوا يكتفون بمطالبة صاحب البيت بالابسطة ، البروش ، والسجاجيد والعناقريب واشياء اخرى ، بل كانوا يحملون جمالهم بهذه الاشياء التى هي ملك لمضيفهم عندما يرحلون . ولم يكن لاحساسه العميق بحق الضيافة ليعترض على ذلك . ومع ذلك كله لم يكن له من المصادر مايغطي به كل تلك التكاليف . وكنت اراه كل يوم تقريبا يركب جواده في الصباح الباكر ويقضي نصف اليوم بحثا عن الوسائل التى يقيم بها ضيوفه في اليوم التالي . واذا كان الحاج احمد قد دمر نفسه في طينه بتوفير ضيافة اكبر مما يستطيع ، فقد بدا لي ان المصير نفسه محتوم هنا . وكثيرا ما حذرت مضيفنا في مداعبة من الافلاس الذى يهدده بسبب ضيوفه . وفي هذا المجال ، هناك فرق جوهري بين الجلابة واهل البلاد ، الذين كانوا اكثر حرصا وحذرا في القيام بواجب الضيافة .
    وكان من مواضيع مناقشاتنا الهامة موضوع نخوض فيه حتى وقت متأخر من الليل ، هو الاحداث الاخيرة في جنوب البلاد ، حيث كان الزبير وبحارنته في الشرق يهددون دارفور من اقليم الرزيقات .
    ومن جهة اخرى كان الدابي احد اعوان الزبير السابقين ، وهو من الجلابة ايضا ، يحاول في اقليم عرب التعايشة ان يصد عن البلاد سيده السابق . وكانت البلاد تدمي ويمتص دمها من جانبهم جميعا سواء كانوا اصدقاء للحكومة او اعداء لها . وكان الجلابة يسافرون سرا الى الطرفين ، يبادلون البضائع المصنعة والاسلحة والبارود بالعبيد الذين كانوا وقتئذ يباعون بسعر زهيد للغاية .
    وكنت استدعى هنا وهناك لتقديم يد العون في حدود امكاناتي كطبيب . ومع انني كنت للاسباب التى اوضحتها من قبل اقوم بذلك بطريقة محدودة للغاية ، كنت ارحب بهذا النشاط اذ مكنني من الاتصال بالسكان . وكنت ازور من هم غير بعيد مني من المرضى ، مفضلا المشي . ولكن كان علي ان اراعي العادة التى رسخت هناك من منطلق اضفاء مظاهر خارجية للاحترام .فالعمل قضاء الحاجات داخل المدينة يستخدم الحمار في التنقل . فاذا مشى شخص ذو منصب عال على قدميه ، وهو امر نادر الحدوث ، فإنه يحمل عصا خيزران طولها متران ونصف ، يتبختر بها في عظمة . وحتى في القصر الملكي لا تفارق هذه العصا يده . وللطبقة العليا خدم مسلحون يرافقونهم . اما عامة الناس فيحملون في ايديهم الكنجارا او عصى قبضتها معقوقة ، وفؤوسا وعصى غليظة . اما الفؤوس المصنوعة من الفولاذ والمزينة بالذهب وتستورد من مصر ، فهي لا تحمل الا عند ركوب الخيل .
    ونتيجة لزياراتي للمرضى اتيحت لي ايضا زيارة القرية الواقعة الى الشمال منا . وهي لنازحين من برنو مقيمين وبعضهم من كبار الموظفين في البلاد . وكثيرا مادخلت في وسطهم وانا ازور اخت احدهم وهو الملك احمد ، التى كانت تعاني من ذات الرئة ، السل ، وحالتها قد تدهورت كثيرا . وقد نسي هؤلاء الناس كل شي يتعلق ببلادهم . ولم اجد سوى واحد منهم فقط استطاع ان يكلمني بالكانوري ، وذلك لان هجرتهم تعود في معظمها الى زمن الملك احمد بكر . لكنهم كانوا سعداء بحديثي عن وطنهم .
    وبطريقة مماثلة ايضا اتيحت لي فرصة الاتصال بالعرب الاجانب والجلابة ، واحيانا مع الفور انفسهم . وبذا استطعت ان اكون فكرة عن حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطبائعهم المنزلية .
    وكما اسلفت فإن الناس في دارفور بوجه عام ينفقون بإسراف على الملابس اكثر من اهل وداي ؛ فالثياب المستوردة من برنو واقصى الغرب والتى مازال الناس في وداي يعطونها تقديرا واعزازا ليست ذات قيمة في دارفور . فهم يلبسون الاقمشة الاوروبية والاقمشة القطنية الرفيعة الصنع والحرير او الحرير المخلوط وحتى المخمل . من كل ذلك يصنعون ثيابهم ، وهي قمصان طويلة و اثواب لها فتحة عنق ضيقة ومدخل للرأس من امام . وليست الاكمام بوسع مانجده في الدول الواقعة غرب دارفور ، فهي مشغولة مثل فتحتي الصدر والعنق بالحرير القطيان بعرض الاصبع . واساليب قصها وحياكتها مختلفة جدا . فهناك الثوب الخميس او أذن الكلب نسبة لفتحة الكم المقطوعة على شكل مثلث ، والذى يسقط من الكتف الى الكوع ، تاركا الذراع واسفل الذراع طليقين . وهناك خشم القربة الذى يتميز بأكمام طويلة وضيقة جدا تمتد الى الرسغ ، ودرب الدود واكمامها واسعة جدا ، تغطي اليدين .
    ويلبس كبار القوم والعلماء القفطان بالاضافة الى الثوب ، وهو مفتوح من قدام .ويغطي الرأس بطاقية صغيرة ملونة ، وهي جيدة الصنع وغنية في ألوانها . اما الاحذية فهي غالبا من صنع مصري .
    وتلبس بنات الطبقة العليا ونساؤها سراويل من الحرير ، او الكنفوس ، المصنوع من اقمشة اوروبية يطلق عليها (نمرة سبعة )، او من الحرير .
    وفي ازمنة الحرب يلبس الرجال الكنفوس كما في برنو ، وذلك لان المقاتل يخشى ان تسلب ملابسه ان مات ، فيترك عاريا ، لكنه لن يسلب من الكنفوس .
    والى وقت قريب كانت بنات البيوت المرموقة يسرن عاريات في البيت ، لايلبسن سوى الكنفوس ، ولكنهن اصبحن بعد ذلك يلبسن مايسترهن حتى في البيت .
    وفي ازمنة غابرة كان القماش الذى تصنع منه الملابس يصنع في البلاد ، وهو نوع ارقى من التكية يسمى الكلكاف ، وتلبسه الطبقات الافضل حالا .
    ويحلق الرجال رؤوسهم بينما تسرح النساء شعورهن في ضفائر صغيرة ، تجتمع في مسيرة على الخدين وفي مؤخرة الرأس . وحظيت وسائل التجميل المستخدمة في وداي مثل التراب الاحمر والسمن والصندل والمحلب ومواد ذات رائحة زكية اخرى بالافضلية في دارفور ايضا .
    ورجال الفور الاصليون لهم تقاطيع منفرة . فالانف المستقيم او الشفاه البارزة قليلا وعظام الخد البارزة في اعتدال نادرة هنا . والاختلافات الفردية ايضا اكبر مما يتخيل المرء اول مرة . ولايمكن وصف نساء الفور بالجمال ، ولكنهن في عفتهن ونظافتهن وذوقهن في العمل المنزلي يفضلن نساء البرنو ووداي .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-12-2007, 08:14 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)


    نواصل مع الفصل السابع :

    وهناك عدد كبير من الإماء والمحظيات في دارفور ، ولكن يجب هنا التفرقة بين العاصمة ،حيث ينشط الاجانب التجارة والاعمال ، والمديريات . وبشكل عام لايمييل الفوراوي الاصيل الى الاماء لانه يعتز جدا بنقاء عرقه ويسعى للمحافظة عليه . وبالمثل ، فان الافراط في شرب المريسة ليس كبيرا في المحافظات مثلما هو في الاوساط الاكثر تحضرا بين السكان . فالناس في المديريات منشغلون بالزراعة وتربية الماشية ، ويتحاشى الاب تزويج ابنته لاي شخص لم يعرف عنه حسن التدبير المنزلي حتى وان كان من المفترض ان يكون في حال من اليسر .
    ان كل خصوبة البلاد واجتهاد ونشاط اهلها في العمل لم يكف للمحافظة على رخائها العام ، فالمعروف ان دارفور اخصب من وداي ، لكنها اقل خصوبة من برنو . وقد خرب البلاط الملكي والاعيان رخاء البلاد بصورة مضطردة . ان التدهور في احوال دارفور في الازمنة الاكثر قربا قد كان فيما يبدو كبيرا بصورة شاذة ، وحدث في سرعة . وهذا الرأي قد اكده لي الحاج احمد ، وعزاه اساسا الى الملك حسين واخته الاياباسي زمزم . فالملك قد سمح للمقاديم الذين كانوا يرسلون مرتين او ثلاث مرات في السنة فقط ان يستنزفوا البلاد في العشر او الخمس عشر سنة ،كما انه منح الحواكير على نطاق واسع لافراد الاسرة المالكة الكثيرين الذين كانوا فيما مضى يعيشون على دخل الملك نفسه ، منتزعا تلك الحواكير من اصحابها الشرعيين ، واخيرا ابتدع في البلاد نظام دفع مهور مبالغ فيها لزواج بناته وبنات ابناء اخوته وحفدته . ولكن الذى نهب البلاد وخربها هي الاياباسي التى خربت البلاد بشكل غير مسؤول ، ولم يستطع حتى اخوها ان يكبح جماحها .
    وكانت حالة البلاد تتدهور اكثر فاكثر بسبب قلة العاج الذى كان يستجلب من بلاد الوثنيين الواقعة جنوبا والى الجنوب الغربي ، والتى ظلت تستغل منذ سنوات من قبل وداي والبحارنة . هذا من جهة ؛ ومن جهة اخرى لتقلص تجارة الرقيق مع مصر . وباستثناء صناعة ضفر السلال لم تكن في البلاد اي صناعات اخرى ، ولم تكن ثروتها من الماشية تصدر للخارج . وكانت صادراتها الوحيدة التى ذكرناها سابقا تتدهور منذ سنوات . وكان الفوارة المقيمون في الفاشر كثيرا مايواجهون صعوبات جمة لتغطية الضروريات ، اذ كانت تكاليف المعيشة عالية كما في ابشي . فالدخن الذى يكفي جوادين واربعة رجال لمدة يومين كان يكلف ربع دولار . وكان دخلهم في اساسه من انتاج الحواكير المؤجرة لهم . والمحاصيل هي الماشية والغلال والاقمشة القطنية ( التكية ) التى تعيش طويلا . وهي اربعة امتار طولا وثلث المتر عرضا .
    ومن بين الغلال كان الدخن هو الاكثر اهمية . و لم تكن تلك المنتوجات مربحة بسبب بعد المسافات بين المناطق . وكان الملك في بعض المناسبات يمنحهم هدايا من الرقيق وبعض الماشية . وكانوا من ثمة يعيشون من عائد تلك المنح حتى تستهلك كلها ، فتبدأ معاناتهم من جديد . فكانوا يبيعون بعض ممتلكاتهم ، مثل سجادة بقيت من ايام فضل ، او جبة شرف خلعها عليهم الملك وماشابه ذلك ، وبأسعار اقل من نصف قيمتها ، اذ ان الجلابة الذين كانوا يشترون تلك الاشياء كانوا يستغلون من هم في عسر الى اقصى حد ممكن . واذا عاودهم اليسر عادوا الى الحياة الباذخة ، ويطل الجوع من جديد . والفور يصبرون على العوز المادي ، ويستطيعون مغالبة الجوع دون شكوى لمدة ثلاثة ايام او اكثر .
    تتميز بيوت الفور من الداخل عن بيوت القبائل المجاورة لهم بنظافتها العظيمة . فالغرف والحوش وملابس الرجال والنساء تظهر تقديرا كبيرا للنظافة والاناقة اكبر مما وجدته بين اقوام وداي وباقرمي وبرنو . وهناك عادة في كل انحاء دارفور ن هي تنظيف المنازل صباح الخميس في وقت مبكر جدا . وبعد ان ينظف البيت ترتدي النساء والفتيات اجمل ملابسهن ، ويزين شعورهم بعناية فائقة . وفي يوم الجمعة ، يوم عطلة المسلمين ، وبعد عودة الرجال البارزين من الجامع يقومون باستقبال اصدقائهم واتباعهم . وفي يوم الخميس ايضا تدق الطبول الملكية لتعلن مقدم يوم الجمعة . وتفسيرا لهذه العادة يقال ان السكان في ازمنة كانوا دائما غير واثقين من ايام الاسبوع وايام الاعياد ، ولذا كانوا يهمبلون الذهاب الى الجامع .
    ولكن المرجح انه كانت هناك صعوبات جمة في نشر الاسلام في دارفور . وحتى الان مازالت هناك عادات كثيرة محتفظ بها منذ ايام الوثنية . وبجانب التضحية بالبشر في ايام سابقة في اعياد النحاس وعيد الكوندة ، وقتل الكامينا عند موت الملك ، وهي عادة يقال انها قد اوقفت في عهد الملك عبدالرحمن ،فان اثار التضحية بالبشر الوثنية مازالت موجودة الى اليوم في المناطق الجبلية النائية . لقد كان للفور إله هو كالقه . وكانت امكنة عبادته هي الصخور والاشجار المقدسة ، وهي اماكن ليست معروفة جدا في تلك الاقاليم فحسب ، بل مازالت الخراف البيض او الرمادية تذبح هناك قربانا عندما تشح الامطار او في ايام المرض او عقم النساء ، وتلطخ الشجرة بالدم السائل من الحيوان الذبيح المضحى به ، بينما يركع المتقرب ويتلو ادعيته ومطالبه للرب كالقه .
    ان النجاح القليل في اجتثاث العقيدة القديمة يمكن ان يظهر في مناسبة كهذه مثلا ... فعندما يمر قائد عسكري او احد كبار اصحاب المناصب بمكان من الامكنة المقدسة بطبوله وابواقه على رأس جيش او حاشيته ، تصمت الطبول والابواق ، وينكس الجنود رؤوس حرابهم وبنادقهم ، ويمر الجميع في صمت خاشع . وكثيرا ماكانوا لايواصلون الا بعد ان يقربوا قربانا اولا كما شهد بذلك الحاج احمد الذى رأى ذلك بعينه . وعند صخرتين من مثل تلك الصخور قرب احد المقاديم وكان في حملة عسكرية ، خروفا ابيض ، وجره من احدى الصخرتين الى الاخرى ، وتركه هناك بينهما ، ثم بعد ذلك واصل سيره .
    واحيانا يقدم القربان الى الشيطان ، واسمه الاصلي في لغة الفور لم استطع ان اعرفه . فاذا ليم الشيطان على شيء من تعس الحظ او من مصيبة فإنهم يقربون خروفا اصفر وتنطلق الكلمات : فر بل ، والتى لم يستطع احد ان يفسرها لي من لغة الفور ، ودون البسملة المعهودة ،بينما يتضرع الشخص الذى ذبح القربان الى الشيطان بألا يزعج مرة اخرى اولئك الذين وقع الاذى منه عليهم .
    كان صديقي الحاج احمد تنقاتنقا قد تسلم مكتوبا من الملك بعدد من الماشية في منطقة سورو في مديرية ابوديما كانت مخصصة للإبن الثاني للملك عبدالرحمن ، وهو صديق للحاج احمد . فخرج الى هناك لاستلام الماشية ومعه تكليف من الملك لجمع بعض الضرائب المستحقة في الغلال والعسل والدمور (( التكاكي )) ، وان يصحب معه في عودته الملك سنجي ، مدير المنطقة . وعندما أزف الوقت للعودة الى الفاشر ، طلب الملك من الحاج احمد ان يعمل له جميلا وهو ان يقوم بانعطافة عبر قرية ليكيلي حيث كان له مايريد انجازه ، وكان منزل الملك على مبعدة ثلاثة ايام . ومع ان الحاج احمد كان على عجل ، الا انه لم يستطع رفض طلب الرجل . وقد اسر ابن الملك الذى يتلهف منذ زمن لخلافة ابيه الى الحاج احمد بأن اباه كان يريد بالذهاب الى ليكيلي للتعبد الى ربه الوثني هناك قبل الخروج في هذه الرحلة الهامة الى الفاشر . فهو مسلم اسما فقط ، وقد ظل في الحقيقة وثنيا دائما .
    وجاء وقت الرحيل ، وبعد ان وصلوا الى تلك البقعة عسكروا عند سفح تل . وكان في قمته بيت له زريبتان ، تتميز احداهما بارتفاعها ومتانتها . وهنا انسحب الملك . وعندئذ قال ابن الملك للحاج احمد انه لن يرى اباه الا بعد انقضاء سبعة ايام ، اذ انه سينذر ستة ايام لاداء طقوسه الدينية .
    وبالاضافة الى الكوخ المخصص للخدم كانت هناك ثلاثة اكواخ اخرى في الزريبة . وكان على والده ان يقضي يومين في كل واحد منها ولايخرج منه لحظه واحدة . وهناك في الكوخ الاول هر مقدس هو محل ولائه الديني ، وسيعود اليه في اليوم السابع ليقرئه الوداع ، وبذلك يضمن نجاح عاقبة رحلته الى الفاشر .
    وقد انتظر الحاج في استسلام . وفي اليوم السابع حثه الابن على اقناع نفسه بحقيقة ماقد رواه له ، واراد ان يتيح له الفرصة لذلك عن طريق إلهاء الحرس على البوابة . وتم للحاج احمد ان يدخل المعبد ، فوجد الملك في وسط الكوخ على كنبة واطئة من الطين وامامه الهر المقدس على كنبه اخرى . وكان الملك يحملق في الهر كرجل به مس او مسكون ، وبيده سبحه بها مائة حبة ، ويتمتم أدعية ، حتى قام الهر الذى كان يموء بالاستقرار على حجر المصلي . وكان منغمسا في ذلك حتى انه لم يحس ولم يلحظ دخول المتطفل ، واستطاع الحاج احمد ان ينسحب من الكوخ بنفس الصورة التى دخل بها . ومن الخارج نادى الملك سنجي الذى نهض في بعض الاضطراب ، وخرج من الكوخ . ثم اوضح للحاج احمد انه كبر في خدمة الحكومة ولم يقم بأي رحلة الى الملك والى رؤسائه دون ان يلجأ الى هذه العادة لمباركة الرحلة الى الفاشر . وناشده ان يحفظ السر الذى لايعرفه سواه هو ، ووعده ان يجزيه بفرس جميل .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-12-2007, 09:39 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الفصل السابع:

    ومع ان الحاج احمد كان ميالا الى الاستماع الى رجائه ومناشدته ، الا ان تعصبه الديني فيما يبدو قد منعه في النهاية من الاستجابة لطلب الرجل ، وبذا جر الملك امام السلطان حسين بتهمة عبادة هذا الوثن . وقد اجبر السلطان الرجل على الافصاح عن المكان الذى يخبىء فيه ثروته . وانتزعت منه ، ونزع منه منصبه والذى قلده ابنه فيما بعد . ومات الرجل فقيرا ومهجورا .
    اما عادة الاحتفاظ بنارين دائمتين ، واحدة في بيت السلطان في القصر القديم ، واخرى في بيت الابوشيخ دالى ، فهي تعود الى عهد الوثنية . وكان هناك موظفون مختصون بالمحافظة على النارين ، لاتطفآن الا عند موت الملك .. وفي عيد النحاس توقد نار مماثلة في بيت الملك ، وتستمر موقدة حتى نهاية الاحتفالات .
    وهناك عاده اخرى ترجع فيما يبدو الى تلك الفترة ، وهي انه في ليلة رأس السنة الجديدة يتوجب على مدير اقليم تورتي ان يقضي الليلة قريبا من بحيرة دريبي حيث اقيمت راكوبة لهذا الغرض . وكان مايحلم به في تلك الليلة يعتبر رؤى يمكن الاعتماد عليها ، ونبوءات اكيدة بما سيحل بالبلاد مستقبلا .
    وهناك اشكال من الحجر لها شكل آدمي يقال انها موجودة بين صخرتين منخفضتين في قرية قوزو في اقليم كليتي . ولم استطع ان اعرف ان كانت هي ايضا تعود الى العهد الوثني ، وتعرف باسم كيتونقا كني ، اي عذراوات الصخر . (( بنات الحجر )) .
    واثناء ذلك حل شهر ابريل ، وكنت اقضي الوقت في بحوثي مع الاخوين عبدالعزيز ومحمد ، مع المريسة والبحث التاريخي مع الباسي طاهر ، وفي الاتصالات الاجتماعية مع مضيفي . وكانت الانباء الواردة من الجنوب عن حشود القوات المصرية في كردفان منذرة بالخطر باطراد . واصبحنا مضطرين الى التفكير في الرحيل . ولكن كلما اصبحت الحاجة ملحة للرحيل ، زادت محاولاتي في الحصول على الوثائق القديمة عن تركيب المملكة وتاريخ دولها المختلفة ، والتى ضمنت في مايسمى كتاب دالى .
    واتيحت لي آخر فرصة للتعرف الى الشيخ دالى (( عبدالرازق )) . فذات يوم وخلال شخص يدعى حدربي ، اي رجل من سواكن بمنطقة البحر الاحمر ، عاش في دارفور زمنا طويلا كفقيه وتاجر ، وعاش مع الشيخ دالى ، استدعاني اليه . واستقبلني الفقيه في منزل مجاور لمنزل الشيخ دالى الواسع الارجاء . وكان علي وفقا للعادة المتبعة ان آكل واشرب اولا . وبعد ساعات وبإلحاحي على مقابلة الخصي العظيم ، خرج الحدربي على الفور وحده ليخطره بوصولي . وعاد بعد حين قصير ليخبرني بأن مضيفه الجبار لم يكن مريضا كما ارادني ان اعتقد ، بل انه قد سمع الكثير عني اراد ان يتعرف الي وان يتجاذب معي اطراف الحديث . ولكن عندما استدعيت اخيرا وجدت الباب الى غرفته الخاصة محاصرا بخدمه والذين يريدون خدمة منه ، وكلهم مخمورين تقريبا . وقد منعوني من الدخول وبعضهم قذفني بأقذع عبارات الشتائم ، والتى حاولت بهدوء شرقي ان اتجاهلها . ولكن عندما سدروا في غيهم ولم ار بين الحاضرين من يوقفهم عند حدهم ، ان الحدربي لم يدر كيف يتصرف ، طلبت خادمي بجوادي وامتطيته ومضيت بعد ان اخطرت الحدربي بأن ينبيء الابوشيخ بانني لن اعود طالما خدمه الذين لايختشون هم المسئولون عن الطريق. فشق الرجل المغضب طريقه وسط اولئك المسئولين ،وارسل عددا من الفرسان الراكبين ليطلبوا مني العودة ، ولكنهم لم يلحقوا بي .
    وبعد ايام قلائل اتاحت لي الظروف فرصة الوصول الى الخصي العظيم . فبعد ان ركب السلطان وكل اصحاب المناصب العليا الى الجامع كما هي العادة في ايام الجمع ، ثم عادوا ، انعم السلطان على الابوشيخ بالشاش ، وهو عمامة المقدوم في المديرية الشرقية . وقد كانت هذه المديرية دون ذلك تحت اشراف الابوشيخ دالى ، وسميت دار دالى به . لكن كخصي اكبر عاده يعيش في العاصمة ، كان لابد من تنصيبه مقدوما بصورة علنية واضحة للمديرية . ولكن يمثله في تلك المديرية مبعوث اميري . وحين فام وفقا للعادة لتحية الملك ، ألقى به من على ظهر حصانه وكسر ذراعه الايسر فوق عظم الكوع مباشرة . وقد اخذ مضيفي حمد ولد الطاهر الذى كان شاهدا على الحادث الجريح الى بيته ثم عاد يستدعيني . وعندما وصلنا الى هناك اضطررنا الى الانتظار فتره طويلة واتضح لنا ان الطيبي البلدي لفها له . وهنا ايضا لم يضع الحقد والريبة من الغريب المسيحي والجاسوس التركي الفرصة لابعادي . وقد وجدت الشريط الذى لف به الجراح ثابتا ومصنوعا من قطعة سميكة من الجلد حول الكسر ومثبتا حول الذراع بقطعتي خشب طول الواحدة خمسة عشر سنتمترا وعرضها اصبعان ، ربطتا بحبال . وفي ضوء قلة المواد التى تصنع منها العصائب هنا ماكنت انا نفسي لاقوم بأفضل مما قام به الطبيب البلدي . حتى لو لم يكن الامر كذلك ما كنت لاسباب معقولة مفهومة الا ان اوافق على هذا الاجراء .
    وكان الابوشيخ في منتصف العمر ولكنه يبدو فتيا ، وهو مظهر يتسم به كثير من الخصيان ، ويقال انه كان رجلا بارزا ومقاتلا عظيما . ونسبة لانه لم يكن من الممكن لي ان احادثه عن كتاب دالى في هذه المناسبة ، فقد طلبت الاذن عن طريق الملك الذى اتيحت لي فرصة لقائه بعد ايام قلائل مع انني كما اسلفت كنت قليل التردد على القصر الملكي نسبة لمغايظة الناس لي . وفي هذه المرة وجدت الملك منطلقا منشرحا ، وكان يستمع الى الصندوق الموسيقي الذى اهديته ، وتفضل بقبول التليسكوب الذى قدمته اليه ، وهو نفس التليسكوب الذى اعاده الى الملك علي . وقد زودني بمعلومات كثيرة عن عهود اسلافه واعلن استعداده للامر بالبحث عن كتاب دالى واقراضه لي . وعندما شكوت من قصور المعلومات التى افادني بها عمه الباسي طاهر ، وعدني بأنه سيحثه على ان يشركني بما يعرفه ، ، وبدون تحفظ ، عن تاريخ دارفور القديم .
    وقد وجدت فرصة هذه المرة لمراقبة الملك عن كثب وبتفصل اكثر لانه ازاح لثامه الى الجانب قليلا .
    وكان يرقد تحت ظل جدار ، ويلبس قميصا بأشرطة حمراء وخضراء وبيضاء ، ولم تكن تقاطيعه زنجية منفرة ، فأنفه ليس افطسا ، وشفتاه ليستا غليظتين ، ولكنه كان اسود فاحما ، وله لحية خفيفة . وكان حاضر البديهة ، سريع الفهم وان كان وجهه ذا نظرة بلا معنى .
    وفي اثناء ذلك عين الامين بخيت وزيرا ، وهو شرف على الرغم من ان نفوذه ظل على ماهو عليه ، الا انه اضاف اليه اعباء اجتماعية جديدة . فالوزير عليه بالطبع ان يقدم الطعام لكل من يدخل بيته ، وبينما حتى الان قد استمتعت في هذا البيت بالاطعمة البسيطة فقط التى كانت معهودة في البلاد ، فإن مائدته الان قد زودت بالفجل والبلح وفخذ الضأن والارانب المشوية والارز ، اضافة الى العصيدة المعهودة واللحم المطبوخ .
    وقد اقيم حفل تنصيبه في 18 مايو . وبعد ان تم في الصباح تنصيب الوزير الجديد بواسطة زوجة الملكالامينة او الوزيرة في ذلك الجزء من التمباسي المسمى بالبارجوز حيث سكناها ، واهدته جبة منصبه ، كان على الوزير الجديد ان يقدم عرضا عاما في القصر . وعلى الضفة الاخرى من الرهد بالقرب من القصر القديم قطع غصنا من شجرة الهلجيج ، وذلك رمز على تبوئه هذا المنصب . وفي موكب طويل من اصدقائه واتباعه واصحاب المراكز العليا في البلاط سار الوزير من التمباسي الى القصر القديم في جبة تنصيبه المصنوعة من الحرير المشغول بالذهب .
    وكان كبير الجلابة ، الخبير احمد ، يحتل مكان شرف في الموكب لان الوزير هو رئيس كل التجار الاجانب . وواكبت ذلك الجلبة المعهودة من الطبول والقرون والزمامير والقرع المملوء بالحصى وعلب الصفيح . وكانت الجلابيب الملونة للفرسان والزينة المختلفة للخيول ترسم صور متنوعة الالوان . وكانت الهجليجة التى قطع منها الفرع في مدخل الساحة الاميرية الكبرى ويحيط بها الكوريات وهم مسلحون بالبنادق . وقد اقام فرسان الوزير دائرة حول الشجرة . وكان بداخل الحلقة الوزير ومعيته والذين قاموا بثلاث دورات حول الشجرة . وقد اختار احد رجاله فرعا منها امسكه بيده . وفي نهاية الدورة الثالثة قطع وزير الوزير ، لا الوزير نفسه ، الفرع بسيفه . وبين فرقعات طلقات البنادق الهائلة وضجيج الآلات الموسيقية تحركت الخيول مرة اخرى وقام الفرسان بعرض في الساحة العريضة . ثم تحرك الموكب مرة اخرى الى الضفة الاخرى من الرهد حيث كان الملك بانتظار الوزير في الساحة الواقعة امام التمباسي .
    وكان بلا مظلة وفي لباس ابيض ، ومثلما كالعادة . وكان يمتطي صهوة جواد بني داكن ، ارجله بيضاء .
    وبعد ان حيته جوقة الآلات الموسيقية وتدافع الكل للوصول الى موقع افضل للنظر الى الملك ، اتخذنا موقعنا ووقفنا ثابتين فيه ، بينما قفز الملك الى الوزير وحياه بسيف مسلول في يده ، ثم ركب جواده واخذ يفتش كل الفرق المحتشدة التى حيته بأطلاق بنادقها وسل سيوفها وفئوس قتالها وعصيها . وما ان انسحب الملك حتى اتجه الموكب الى الملكة الام ، ومن هناك الى الاياباسي ، واخيرا رافق الوزير الى بيته .
    في منتصف الشهر قدم تاجر من كردفان اسمه محمد النور ومعه خطابات من الخرطوم الى مدير كردفان والحاكم العام للسودان المصري . وقد كلفته حكومته المحلية بأن يسلم الخطابات الي إما في دارفور او اذا لم يجدني هناك ان يبحث عني في وداي . وقد حمل انباء عن خطط الحكومة المصرية لغزو دارفور ، وسردهما للملك ابراهيم في صرامة تامة . وكان الملك الذى يقوم بهجوم مباغث على البحارنة بعد توليه العرش يفتقر فيما يبدو الان الى الحماس ويميل الى ترك الاحداث تأخذ مجراها .
    اما ملك وداي الذى كان خطر البحارنة او المصريين عليه اقل مما على دارفور ، فإنه ماكان ليدع مثل هذه الامور تفلت منه والان يعطي انتباها كبيرا لهذه التطورات وعواقبها . فعندما كان محمد البلالاوي من كردفان قد اخذ يشكل خطرا على جنوب دارفور ، قام السلطان حسين والملك على بإقامة حلف دفاعي وهجومي وثيق ، وتعاهدا على المقاومة معا لأي هجوم محتمل من الاتراك ، وان ينتصرا او يموتا .
    لكن تلك العلاقة الطيبة التى كانت قائمة بين دارفور ووداي لم تعد فيما يبدو تحتفظ بنفس ذلك القدر من الدفء . فأولا ، احضر شمس الدين ، مبعوث الملك الجديد لدارفور كهدية للملك الجار فرسا واحدا فقط وجارية واحدة . وكانت استجابة ملك وداي على هذه الهدية المتواضعة عدة مئات من الابل و اربعة خيول وعدد من الجواري . ولكنه من جهة اخرى وبكلمات غير محدودة وان كانت ودودة قرر بشكل نهائي عدم تجديد الحلف القديم بأي صورة . وكان قد اهدى ايضا الى المبعوث شمس الدين فرسا واحدا فقط وجارية .
    وفي الوقت الذى كان الحلف الاوثق مع وداي مطلوبا ، لم يكن الملك ابراهيم متحمسا لنتائج بعثة شمس الدين ، واظهر ذلك بعدم اهدائه اي شيء . وكان مضيفي حمد الذى اضطلع من قبل بمثل هذه المهام الى وداي والذى كان يمكن ان يخرج من تلك المهمة ، قد رفض الرحلة لانه كان قد تنبأ بفشلها .
    وقد سعد الآن بأنه لم يقم بها .

    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-12-2007, 04:07 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الفصل السابع:

    وفي بداية شهر مايو عاد حاج احمد بعد ان كان قد خرج الى كوبيه لاستكمال عدد جماله للرحلة وتقايض بتجارته او باعها . وقد قرر ميعاد رحيلنا مع بقية المسافرين في القافلة التى ستجهز بعد اسابيع قليلة . وكان الملك على علم بخطتنا ، وقد وصلتنا منه عن طريق سكرتيره الخاص ومحل ثقته الفقيه احمد الخطابات اللازمة والاذن بالسفر . وكنا بانتظار هدايا السفر المألوفة .
    وكان ريش النعام الذى كان للحاج احمد عدة مئات من الارطال منه ، والذى استثمرت فيه المبالغ التى تعينني على السفر لانه سهل الترحيل ، قد فرز وتم ربطه . وريش النعام تجارة هامة لايفهمها سوى قلة . فهناك في الرطل الواحد قرابة مائة ريشة بيضاء ان كانت من حجم طيب . ولكن لبيع العوامة المختارة تربط ثلاثون ريشة معا ومعها ارياش صغيرة غير مكتملة النمو من نفس اللون ، ويسمح بوزن ثلاث اوقيات في الرطل الواحد من الاشرطة المستخدمة في حزم الريش . وكان الرطل من العوامة يكلف في ذلك الوقت 100 الى 120 مقطع ترومبا . وكان كل مقطعي ترومبا في القاهرة بقيمة دولار ماريا تريزا .
    اما بالنسبة للريش الاسود ، فإن الرطل منه بعشرة مقاطع ترومبا . وكان الرطلان من الريش الرمادي يحسبان رطلا واحدا من الريش الاسود . وفي السوق اذا ندرت الكميات المعروضة ، فإن رطلا من الاخير قد يحسب برطلين من الريش الرمادي . والطلب على الريش الاسود في القاهرة عادة ما يكون اكبر منه على الابيض ، اذ انه يحمل ارباحا اكبر ، ولذا يتم البيع دائما بحيث يباع مع كل عشرة ارطال من الريش الاسود رطل واحد من الريش الابيض .
    وفي دارفور لايتم نزع الريش من النعام في العادة ، بل بكل اسف يقتل هذا الطائر ، ولذا فان مصادر هذا الطائر الغالي في تناقص مستمر بفضل عدم المسئولية بالرغم من ان النعام في شرق البلاد وخاصة بين الحمر يحفظ في البيوت . ولم ار في دارفور تربية النعام نفسها كما في برنو عند لامينو (( الامين )) ، كبير اصحاب المراكز العليا في البلاد ، والذى كان له عشرون دجاجة نعام حاضنة لبيضها .
    قام الملك اول ماقام به بارسال بعض الجمال لنا علامة على انه يجهز لرحيلنا . ولاحظت بهذه المناسبة ان العبيد الذين سلمونا الجمال كانوا في طلبهم للمكافأة اكثر وقاحة حتى من الخصيان ومراسيل الملك برنو . وتحت حكم وداي الصارم يكتفي هؤلاء بأي هدايا صغيرة ، اذ انهم يخشون ان يسمع الملك اذا اخذوا اكثر من ذلك . اما في دارفور فإن الذين سلموا الجمال كانوا يتصرفون وكأنهم يبيعونها لنا . ويضطر المرء الى مساومتهم ساعات حتى يتركوه وقد رضوا بما أخذوا .
    وبعد ان اتى قوم الحاج احمد من كوبيه في يونيو بالاخبار عن حالة التجهيزات للرحلة ، بعث الملك بجواد صغير السن ، نحيل ولكنه حسن الطبع والتجهيز . وكان ذلك يعنى ان الملك ايضا كان يقوم بالاستعـدادات للرحلة . وكان ذلك الجواد يساوي ماقيمته 50 دولارا . ولكنني اضطررت لدفع مكافأة 21 دولار لمن يسلمني اياه . وبعد ايام احضر الحجاب الاميريون جبب الشرف ، وهي عبارة عن رداء من قماش نصف حريري ، وعباءة من الحرير الازرق ، وشال من الصوف مقصب بالذهب وملون ، وطاقية مكاوية ، وخنجر ذراع وسكين ، وكلفتني 10 دولارات اخرى مكافأة لحامليها . وكان الشال الذى منحته من النوع الكشمير ، لكنه كان في الواقع من اصل اوروبي ، وهو بطول اربعة امتار وعرض مترين ، وسعره في دارفور 120 دولار . اما اذا كان جديدا ومن الهند ، فإنه يكلف 150 دولار ، لكنها في الغالب تباع بأسعار زهيدة في حدود خمسة الى عشرة دولارات بعد ان يلبسها الاعيان مدة قصيرة ، وذلك بسبب عوزهم المالي ومشاكلهم المالية المزمنة . وتباع قطعتا الحرير اللتان تكفيان لصنع جبة الفور بستة الى ثمانية مقاطع ترومبا ، اي تسعة الى عشرة دولارات ، او يدفع فيها اصحاب المراكز العليا بطريقة غير مباشرة سداسي ، اي عبد ، والذى كان يثمن آنذاك بثلاثين دولار . اما الدبلان الجيد ، وهو قماش قطني ابيض ، فالطاقة منه بطول 30 مترا تكلف 12 دولار . والعجيب ان الذهب ، والذى يصدر من دارفور الى مصر ، ولايعمل منه في دارفور الا الزمام للأنف ، فهو يكلف عشرين دولارا للأوقية .
    وتكلف جبب الاعيان التى تلبس في المناسبات ، وتزين بالذهب ، مابين 50 الى 60 دولار . وثمن الجواد للموظف الكبير ، بسرجه ولجامه ومهمازه ، قد يبلغ 400 دولار ، منها 150 على الاكثر للجواد .
    وكما اسلفت .. فإن الرحلة الى كردفان من دارفور اسهل كثيرا ان تمت في موسم الامطار ، لان الاقاليم التى يقطعها المسافر بلا آبار . ولذا كان اهل كوبيه الذين سيرافقوننا في الرحلة مندفعين وراء كل سبب لتأخير رحيلنا حتى يحين موعد هطول الامطار . وكنا في تلك الاثناء تحت ضغط من الملك الذى كان يؤمل في جني بعض المكاسب لنفسه ، وحسم النزاع مع مصر ، من وراء رحيلنا . وقد اضاف الى كساوي الشرف اخرى من الحرير ونصف الحرير تمثل مختلف الموضات ، وبعث لي بعدد من الاطباق التى تستخدم في غطاء الصحاف ، مشيرا بذلك الى ان انتهاء تجهيزاتنا يعني ان وقت رحيلنا قد حان ، فالعادة هنا ان يصرف المسافر بأن ترسل اليه مثل هذه الهدايا فقط بعد ان يخطر الملك بيوم رحيله .
    وعندما وصلت اخيرا في اخر ايام يونيو انباء تفيد بأن قوات الزبير قد هاجمت السلطان أبويا على حدود دارفور في منطقة قربيات في بلاد الفروجة ، وهزمه بعد يومين من القتال ، صرنا خائفين من ان يكون الطريق الى الشرق قد قطع . واخيرا وصل ثلاثة رسل في اوائل يوليو يحملون خبرا عن تقدم قوات مصرية رأسا من الشرق صوب أم مشانه .
    ويبدو ان الملك نفسه لم يحسم امره فيما ينبغي فعله . فهل يتقدم لمواجهة البحارنة ام يرسل اخرين ، وهل يتركهم دون ازعاج في الجنوب طالما ظلوا لايهددونه ، وكان معظم مستشاريه ورجاله البارزين يرزحون تحت افظع اشكال خداع النفس والاغترار ، محدثين بعضهم البعض والملك ، بأن الله لايمكن ان يسمح بأن تقع بلادهم دارفور الجميلة القوية العظيمة التى انعم الله عليها وفضلها ، في ايدي الاتراك .
    وكان هناك بالطبع من هم اكثر صفاء في الذهن واعمق بصيرة ومعرفة وثيقة بقوة الاتراك . ولذا نصحوا بالهجوم على البحارنة في تحالف وثيق مع وداي وبأسرع مايمكن . ولكن غرور الفور الذين يعتبرون انفسهم ارفع واعتى من اهل وداي ، اذ كانوا يفرضون عليهم الجزية ، قد شل مثل هذه الخطة ، واضحى الملك نفسه يشاركهم هذا الخداع للنفس . وبوقت قصير قبل رحيلي اخبرني مرة اخرى انه ابعد من ان يخشى اي شي من البحارنة ، وانه لن يصعب عليه ان يدمرهم ، ولكنه يريد ان يتجنب اي تعقيدات مع الحكومة المصرية التى لايمكن ان يصمد ندا لها طويلا ، لقوتها ولوفرة الاسلحة النارية لديها ، وتفوقها على مابيده .
    واخيرا وبايام قليلة قبل رحيلي قرر الملك مرة اخرى ان يبحث عن حل سلمي ، وان يبعث رسولا خاصا الى الخديوي ، والى مصر ، يحمل اليه كل مالديه من ثروات تحت يده آنذاك ، وسألني رأيي فيما يمكن ان تتمخض عنه مثل تلك الخطوة . وفي نفس الوقت كان يعلق الكثير على فرمانين ، اصدر احدهما السلطان عبدالحميد والآخر السلطان عبدالعزيز ، فيما ضمان لملك دارفور باستقلال بلاده واراضيه . ويعتبرانه ، على ضوء ذلك ، له الحق ضد والى مصر ، الذى كان اميرا تحت الاتراك . وبالرغم من انني لم استطع ان اخفي عنه مخاوفي بأن الامور قد تطورت الى حد لايمكن معه عكسها ، ماكان لي الا ان اوافقه على جهوده الخيرة لبلوغ تسوية سليمة . واشرت عليه ناصحا ان يبعث ، على الاقل ، مع رسله هدايا غالية بأسرع فرصة ممكنة الى اسماعيل باشا ، وبتعليمات للمضي الى اسطنبول ، لقدموا هناك شكوى الملك للمحافظة على حقوقه . وعندما اعترض على ذلك بأن الوالى لن يسمح لرسله بالمضي الى الباب العالي ، وعدته بأنني كتعبير عن امتناني لضيافته لي وسلوكه الكريم معي وانسانيته التى شملني بها وحماني من ان اقتل على يد كبار عماله ، سوف اضع في يد الوزير الكبير جوابا منه الى السلطان ونسخة من الفرمانين منسوخين بيد علمائه . وقلت انني سأخطر الوالى بهذه الخطوة خاصة وهو قد اهتم بأمري وسلامتي بهذه الصورة الحميدة . ووفقا لذلك تقرر ان يسافر الحاج حمزة ، اخ الخبير محمد ، والذى اتاني بالخطابات والمال من مصر في الربيع ، بالطريق الصحراوي المباشر الى اسيوط ومعه كل ما يمكن جمعه على عجل من اموال وماله قيمة مالية ، بينما اسافر انا فيما بعد الى القاهرة عن طريق كردفان والخرطوم عندما يكون الحاج حمزة قد تلمس امكانية نجاح او اخفاق مسعاه وبعثته .

    نواصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-12-2007, 08:16 PM

Emad Abdulla
<aEmad Abdulla
تاريخ التسجيل: 18-09-2005
مجموع المشاركات: 6751

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)


    إنحناءة يا صاحب ..

    لو أنك ما رصدت غير هذا في كل عامنا المنبري .. لكفاك إنجازا .
    و أظن مداخلتي هذي مخلة باسترسال تدفق هذه المادة الشيقة ..
    لكن متعتي الكاملة في قراءتها أبت إلا أن تصوّت بهذه المداخلة الـ : ( برافو ) .

    التحية بدر ..
    و عذرا على إجتراء المقاطعة ..
    فإن بي شتارة طبع أنت تعلمها .

    مودتي ..

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 06:59 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: Emad Abdulla)

    عماد ياصديقى
    متابعتك هنا هو تقدير يسرنى
    وبعرف انك باحث دوما عن الحقيقة والمعرفة
    والجمال .. وارك قد وجدت شىء من ذلك هنا
    كن بخيرين ياصاحب
    والتحية التقدير لجوستاف والنور
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 07:51 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    الفصــــل الثامن
    الرحلة من الفاشــــر الى الابيض
    2 يوليو الى 10 أغسطس 1874
    اجتماع الوداع مع الملك ابراهيم
    رحيل القافلة في 6 يوليو
    رفاق السفر
    احتكار العاج وريش النعام وتحريم تجارة الرقيق في مصر
    ام مشانه مركز تجاري لاهل النيل
    الابار في اشجار التبلدي
    بيداء العتمور
    اخر قرى دارفور – اول قرى كردفان
    رسول الباشا المصري اسماعيل ايوب في الابيض


    في الثاني من يوليو ودعت الملك ابراهيم بعد إقامة معه دامت اربعة اشهر . وكان وداعا بسيطا ودون اي حديث يستحق الذكر . ثم طفت على اهم كبار رجال الدولة ، وقمت باستعداداتي النهائية للرحيل .
    وكالعادة دارت مناقشات مطولة بين المسافرين في القافلة حول افضل يوم للرحيل ، ولئن كانت هناك الاغلبية قد اتفقت على ان الدلائل كلها تبشر بان افضل يوم هو السابع عشر من الشهر ، كان هناك كثيرون ممن قدموا في اخر لحظة كل سبب يخطر على البال للحيلولة دون السفر ، وهو امر لايستغرب بين مثل ذلك النفر الغفير من المسافرين . وكان اليوم السابع عشر من الشهر العربي يوافق الخميس ، ووفقا لاعتقاد شائع في كل انحاء العالم الاسلامي فإن يوم الجمعة مشهود له بانه ليس اليوم الحسن الطالع بالنسبة لاي مشروع سفر . ولذا فقد حدد يوم السبت السادس من يوليو ميقاتا نهائيا وثابتا لرحيلنا . وفي يوم الجمعة ارسل الملك جرتين من العسل وثلاثة جوالات جلد من القمح كزوادة للسفر ، كما ان الوزير بعث بعشرين من التكاكي ، وملئت قرب الماء عصرا ، وقرابة المساء ضربنا معسكرنا في سهل رملي بجوار قرية الجلابة .
    وانفجرت علينا اول زوبعة عاتية مصحوبة بالمطر في المساء .
    وكانت جماعة رحلتنا تضم بعض التجار المحترمين من كوبيه ، بينهم الحاج كرار ، اخ شمس الدين ، رفيق رحلتي من وداي الى دارفور ، واثنين من ابناء اخ الخبير محمد . وكانوا قاصدين مصر للتجارة . ولغرض القيام بالحج ايضا . وكانوا جميعا مصطحبين عددا كبيرا من الزوجات ، اذ ان بعض تجار كوبيه موسرون جدا ومحبون للنساء ايضا . وقد اشتهروا بحاجتهم الى تحميل نصف جمالهم بالطعام للرحلة . وضمت القافلة ايضا بعض التجار من كردفان ، وجعليين من المتمة ، وبعض الدناقلة ، كان بعضهم قد سافر معنا من وداي . وكانت القافلة كلها تتكون من 250 الى 300 بعير ، وجل حمولتها من ريش النعام وبعض العاج وبضائع قليلة اقل اهمية ، مثل التمر الهندي والتبغ . كما ان مؤننا والعدد الكبير من الرقيق الذى اخذناه معنا للخدمة او بنيه بيعه كان ايضا يشكل جزء غير يسير من القافلة .
    وفي صباح السبت خرج كل الجلابة والاجانب الذين يعيشون في الفاشر او يقيمون بها واتوا الينا في معسكرنا . ومرة اخرى جلسنا للأكل معا ومع الاصدقاء والاقارب ، والفراق الذى سيحل بينهم ، وهم يفكرون في العمليات الحربية التى ينتظر وقوعها . وكان الوداع جليلا ومؤثرا وقصيرا ، لايعدو قراءة الفاتحة واخذ الاقارب بالاحضان والمصافحة وتبادل كلمات الوداع . وخرج الحاج احمد راكبا مرة اخرى الى صديقه القديم وحاميه الامير عبدالرحمن ، الاخ الاكبر للملك ابراهيم ، وكأنما هجس انه لن يراه ابدا مرة اخرى .
    وقد تمكننا من ابتداء الرحلة في الفترة الصباحية . وكانت امامنا مجموعة جبل سرجانات التى اقتربنا منها من شرق جنوب شرق عبر ارض رملية متفرقة من اللعوت والنبق وشجيرات مختلفة من الاكاسيا .
    وكانت في ذلك الاتجاه فجوة في الجبال بها طريقنا المؤدي الى الشرق ، بلغنا مدخلها بعد ثلاث ساعات . وكانت السلسلة الجبلية كلها تمتد اساسا من الجنوب الغربي الى الشمال الشرقي . وبعد ساعة تركناها وراءنا ثم لاحت لنا في الافق سلسلة اخرى من التلال المنخفضة تملأ مدى البصر من الجنوب الشرقي الى الجنوب . وكان طريقنا يمر بين السلسلتين .. ويمكن للمرء ان يرى في الجنوب والجنوب الغربي سهلا واسعا منحدرا ، وفي الشمال ارضا منفتحة ترتفع بحدة باطراد . وكانت على الطريق اشجار اللعوت والكتر والنبق والهلجيج والمخط ، وان لم تكن كبيرة الارتفاع . اما التلال نفسها ، فلم تكن تخلو تماما من الاشجار . وكان شكلها مخروطيا تقريبا ، وتتصل ببعضها البعض مكونة بذلك سلاسل منها . وكان لونها احمر رماديا ، وارتفاعها يتراوح بين 70 الى 160 مترا . وقممها الاعلى متوجة بصخور منفصلة في الغالب . وقبيل المساء شققنا سلسلة التلال الواقعة امامنا . وكانت الارض ايضا رملا صرفا ، والطريق ينحدر بالتدريج .
    وفي اليوم التالي كانت الارض تصبح ارسخ واكثر وهادا كلما تقدمنا ، مع انها مازالت رملية .
    وكانت هناك اعشاب متفرقة وفي احواض الوديان التى لم تكن عديدة ، كانت هناك اشجار المخط والطندب والحراز والعشر . وكانت سلسلة الجبال اقل ارتفاعا وبها فجوات اكثر ، واخيرا اضحت مجرد قمم قليلة منفردة .
    ولكن التربة جرداء وغير خصبة ، فإن شرق دارفور اقل كثافة بالسكان من وسطها وغربها . وكان على الطريق مع ذلك عدد غير عادي من التجار من اقاليم النيل ، اذ ان هذه المنطقة كانت على الاقل آمنة حتى ان جماعات صغيرة ومسافرين فرادى يستطيعون السفر دون حاجة الى الانضمام الى قافلة . وفي اليوم التالي قابلنا بعض الجلابة المصطحبين الى الفاشر ، بالاضافة الى بضائعهم ، بعض الخيول الرائعة التى كانت من اصل دنقلاوي ، والتى كانت مع الاسف مهددة بالانقراض التام .
    وكانت المنطقة الرملية تتخللها من وقت لآخر بعض البحيرات الضحلة التى كانت جافة في هذا الوقت من السنة ، لكنها كانت تمتلئ بالماء عند تقدم موسم الامطار . ونسبة لعدم موجود آبار هنا ، فإن هذه البحيرات تجعل السفر هنا سهلا للغاية . وكانت بها تربة دبالية داكنة السواد ، مغطاة في الاغلب بالاشجار .
    وفي اليوم التالى بعد ان سرنا ثماني ساعات الى شرق الجنوب الشرقي داهمتنا عاصفة من ذلك الاتجاه ، واستمرت الامطار تهطل من الساعة الثامنة مساء الى الثالثة صباحا .
    وفي اليوم الثالث وصلنا بعد ساعات قليلة الى ارقد ، وهي منطقة بها قرى كثيرة ، عسكرنا في وسطها عند مقام الملك . وقد اخذت اقدر مدى الحكمة في السفر هنا فقط عندما يكون موسم الامطار قد تقدم كثـيرا ، اذ ان هناك مصاعب جمة في الحصول على الماء الضروري . وكانت آبار المنطقة كلها في هذه البقعة . واجرينا مفاوضات مطولة مع حارسها القائم عليها لنحصل للناس والحيوانات مايكفي فقط من هذا السائل الثمين . ولسقاية جمالنا استدعى الامر يوما كاملا من المفاوضات . وكان موقع معسكرنا على كثيب من الرمل ، وفي منخفض على جانب التل ، حيث كانت الحياة الحشرية التى به شيئا لم ار مثله من قبل ، ووجدتني مسحورا بمراقبتها طيلة اليوم التالى .



    نواصل مع الفصل الثامن وهو اخر فصل فى الكتاب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 10:45 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الفصل الثامن:

    ومثلما كنت قد لاحظت في بداية موسم الامطار في برنو ، فإن الارض كلها كانت مغطاة بعنكبوت قرمزي صغير ، ملمس جسمه كالمخمل . وكان عدد النمل وانواع اخرى من النمل والعناكب والجراد والعقارب كبيرا بصورة لاتصدق . وعلى المرء في هذه المنخفضات ان يكون يقظا وحذرا ، فلا يطأ على العقارب التى تجري في كل اتجاه ، وشوكها مرفوع في الهواء . ومن الشقوق التى بالارض حيث بيوت النمل الاحمر الرأس ، كانت هناك الاف النمال المجنحة والتى تسمى في برنو ( سوم ) . كانت دائبة الحركة بأجنحتها واجسامها المنتفخة ، تتدافع بين المخلوقات الحاشدة في دورة حياتها القصيرة . ومن حجر ضيق طوله خمسة سنتمترات ويسمح لستة من هذه المخلوقات بالمرور في نفس الوقت ، خرجت اكثر من مائة نملة في ظرف خمس دقائق . وكانت الشقوق محاطة بنمل اسود كبير يهاجم النمل الذى يبعد عن الشق ، ولكنه بدوره كثيرا مايختفي في الشقوق وقد غلبته جموع اعدائه الغفيرة . وكانت هناك اعداد من العقارب ، ولانها الاقوى بين هذا الحشد من الحشرات ، كانت تلتهم النمل المجنح والعناكب .
    وكان الجراد الطويل ، بطول اصبع اليد ، يحط على شجيرات العشر ، ويسمى جراد العشر ، ويصعب تمييزه من لون اوراق العشر الباهتة الخضرة . وله اجسام ضخمة ، تحتها اجنحته التى تتغير من اللون المائل الى الخضرة والزرقة الى بنفسجي واحمر وحتى الرمادي والرمادي الاسود . ولها هوائيات كبيرة وداكنة ، وأعين رمادية ، وظهر عريض محفوف بنقط حمراء . وهي لا تؤكل في العادة . ويقال ان طعمها حاد نسبة لانها تطعم من عصارة العشر .
    وحتى في تل الرمل الذى كنا فوقه هاجمتنا النمال بصورة مستمرة ومزعجة ، واضطررنا مرارا الى صنع رافعات لأمتعتنا لان هذه المخلوقات لا قدرة بها للصعود كثيرا .
    ومن هذه الفترة فصاعدا كنت الزوابع الرعدية تنهمر علينا كل يوم تقريبا . وبما ان عادة ماتحدث في فترة مابعد الظهر ماكنا نستطيع الا نادرا ان نعسكر في منتصف النهار بقصد مواصلة السير عصرا .
    وفي يوم رحيلنا من ارقد سرنا ثماني ساعات دونما توقف في ارض رملية بها تلال او ترتفع وتهبط بلا انتظام ، وتجري أوديتها من شمال شمال غرب الى جنوب جنوب شرق ، ومررنا بعدد كبير من البرك التى تكونت في الفجوات الخالية من طبقات الرمل ، وعسكرنا عصرا بالقرب من مجموعة جبلية . وما كدنا نضرب نعسكرنا حتى داهمتنا زوبعة رعدية شديدة . وفي ذلك اليوم اجتمع رفاق سفري معا لتلاوة صلاة (( يالطيف )) التى من الضروري ان تتم يوميا لحماية المسافرين من الخطر . وبتوزيع الادعية المحددة على كل رجل ، تتم قراءة 16 ألف يالطيف ، 500 الله اكبر ، لااله الا الله و (( الحمدلله )) .
    وفي اليوم الخامس من رحلتنا وصلنا في ظرف خمس ساعات الى الشرق الى الرهد أبو النور .
    وكانت المساكن قليلة وفقيرة ، ولكن ظهرت بعض المجموعات العربية ، وهي كثيرة بالقرب من حدود دارفور الشرقية ، وتحيا حياة الاستقرار . وسادة هذه المنطقة هم الزيادية . ووصلنا في اليوم التالي بعض قرى عرب الجلاتات . وبجانب غابات الكتر الغزيرة والقفلة والمخط والهشاب وجدنا هنا بعض اشجار التبلدي التى كثر في شرق دارفور . ففي قرية الابيض التى سكنها الجلاتات والتى لايزيد عمق ابارها عن سبعة امتار ومشهورة ومطلوبة ، عبرنا عددا من التلال التى لااهمية لها كنا ابصرناها في اليوم السابق من قمم ابوالنور ، وتتكون من مرتفعات مسطحة غير منتظمة وذات اشكال متنوعة ، متراكمة ، ولايزيد ارتفاعها على الاكثر عن ستين مترا . وكانت الصخور الجرداء من الحجر الجيري ذي اللون الابيض المائل الى الصفرة ، وفي طبقات افقية ، تغطيها الاحجار الادكن لونا ، واتجاهها طوليا من الشمال الى الجنوب وتستمر في اتجاه طريقنا شرقا في تكوين حوضي غير منتظم .وكانت الاحواض نفسها جرداء ، ولها قمم غير منتظمة . وكان الطريق وعرا بصورة معذبة ، واتجاهه العام شرق جنوب شرق .
    وبعد تسع ساعات عسكرنا في منطقة اوبا التى يسكنها في الاغلب عرب الحبابين . وازدادت الصخور شمال طريقنا ، وكانت من حجر ناعم ابيض واصفر واحمر في طبقات افقية ، ولها اشكال رائعة وغريبة وبفضل التعرية والطقس كانت هذه التكوينات كثيرا ماتبدو وكأنها مبان غير منتظمة ، مثل بقايا قلعة معاصرة ، واحيانا مثل اطلال مسرح اغريقي قديم ، حتى ان الاهالي هنا يروون اغرب القصص عن هذه التكوينات ويعزونها الى فعل الانسان .

    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 01:53 PM

كمال الدين بخيت اسماعيل

تاريخ التسجيل: 21-03-2007
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    التحية لاساتذتنا النور عثمان ابكر وعالم عباس محمد نور
    والشكر لود الامير ..

    متابعين ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 06:24 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: كمال الدين بخيت اسماعيل)

    الأخ العزيز كمال الدين بخيت
    لك التقدير على المرور ويقينى
    ان كل الذين يمرون من هنا هم الذين
    سعى من اجلهم نختقال والنور ...
    ويعنيهم بصدق ان يستبصروا ويعوا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-12-2007, 06:23 PM

الرشيد البصيلى
<aالرشيد البصيلى
تاريخ التسجيل: 28-10-2007
مجموع المشاركات: 532

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-12-2007, 10:30 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: الرشيد البصيلى)

    الأخ العزيز الرشيد البصيلى
    كل التقدير على المرور والمتابعة
    وقد استفدت كثيرا من الرابط الذى
    اضاف لى الكثير عن قبيلة الزغاوة
    كما ارجو ان تثرى الحوار هنا بعد
    اكتمال الفصل الأخير من الكتاب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-12-2007, 11:22 PM

محمد عثمان الحاج
<aمحمد عثمان الحاج
تاريخ التسجيل: 01-02-2005
مجموع المشاركات: 3489

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    لك الشكر أجزله بدر الدين الأمير على هذه التحفة التي ما كان يطمع من لايجيدون الألمانية كأمثالنا في قراءتها فالتحية لعملاق الثقافة السودانية الأستاذ الشاعر الفذ النور عثمان أبكر على هذا العمل والتحية لابن دارفور الذي رددت كلمات أغانيه الآفاق الأستاذ عالم عباس محمد نور.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2007, 07:30 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: محمد عثمان الحاج)

    الأخ العزيز محمد عثمان الحاج
    لك التقدير على المرور والتحايا
    وفى تقديرى ان كل المهمومين بقضية
    دارفور او من يود فهم ماهي دارفور
    عليهم ان يطالعوا هذا الجهد الخلاق
    لنختقال والنور عثمان أبكر ومعهم ابن
    دارفور العلم عالم عباس
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2007, 07:52 AM

haroon diyab
<aharoon diyab
تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 23196

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    ابو لبيد
    كل سنة وانت ومن يعز عليك بالف خير
    والعيد الجاب الناس لينا ماجابك
    شفتك طولت الغيبة قلت امر عليك
    تحياتي لابن بورسودان .... ديم كوريامونج.... استاذنا وفخرنا.....النور عثمان ابكر
    وليك ..... وليهو.....


    هارون دياب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-12-2007, 01:21 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: haroon diyab)

    اخى وصديقى هارون دياب
    كل عام انت واسرتك الكريمة
    بخيرين وزيادة شكرا على المرور
    وفي العيد كنت بعيد لاسباب جمالية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2007, 07:50 AM

haroon diyab
<aharoon diyab
تاريخ التسجيل: 20-06-2007
مجموع المشاركات: 23196

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    ابو لبيد
    صباح الخير

    Quote: وفي العيد كنت بعيد لاسباب جمالية


    في دي مابناقشك .... بس يااخي اتذكر اخوك مره واحده بس.... في عالم الجمال ده ....!
    ماااااااااا نحنا برضو بنحب الجمال ياماااااااااااااااااااااااااان
    التحايا
    هارون دياب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2007, 08:49 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: haroon diyab)

    نواصل مع الفصل الثامن:

    وفي اليوم السابع من سفرنا دخلنا بعد سير قرابة سبع ساعات باتجاه شرق جنوب شرق ، وبعد قرية كارفا ، منطقة البروش ، حيث عسكرنا وسط برك ماء بالقرب من قرية بها قرابة 400 كوخ .
    وبقينا هنا لليوم التالي لوجود سوق بها اردنا ان نستكمل منه مؤننا . وكان الدفع بمقطع الترومبا وقماش الزراق والبصل والشطة . وكانت الماشية للذبيح والغلال هنا أغلى منها في العاصمة لان عدم خصوبة الارض وفقر المراعي لايسمح للسكان بتكديس كميات كبيرة او قطعان كبيرة .
    وكانت التكوينات الصخرية هنا اكثر غرابة ومحيرة . وبمقدور المرء ان يقتع نفسه بأنه ينظر الى اطلال ابنية شاسعة ، ولايتبين خطأه الا بالاقتراب منها . وكانت الاحجار الافقية تعطي من البعد انطباعا بأسوار رومانية قدت من الحجر ، وزاد لونها المائل الى الصفرة في معظمه ذلك الانطباع الخادع . وكانت هناك اشكال اخروطية وهرمية واعمدة وقمم ذات اشكال هندسية غاية في النظام ، وفي ترتيب غاية في الغرابة .
    وكان اتجاهنا لايزال الى شرق جنوب شرق . والاشجار التى ذكرنا انواعها من قبل مازالت متفرقة .
    ولكن شجيرات السواك (( الارك )) التى تسمى هنا شاو جعلت الحياة النباتية هنا تبدو اكثر تنوعا . وقد ضايقنا الحسكنيت بثمرته الشوكية التى لاتلتصق بالملابس والجسم ضيقا لاحد له . وكنا نعرفه وألفناه .
    وفي اليوم العاشر من رحلتنا في نفس الاتجاه وصلنا قرى منطقة البروش البعيدة . وهي هنا يسكنها الكاجة . وبعد ست ساعات وصلنا اقليم بوتا التابع للكاجة . وكان علينا ان نبقى به بعض الوقت لكي ننهي امور بعض اعضاء قافلتنا في ام مشانه القريبة من هنا ، ومن جهة اخرى لتتيح للمسافرين منها فرصة الانضمام الى قافلتنا . وقد سمعنا هناك اخبارا عن احتكار والى مصر لتجارة العاج والريش ، واستحاله بيع الرقيق ، مما اصاب رفاق سفري بالغم والاحباط . ومن هنا تفترق الطرق بالنسبة لمن يرغبون في السفر مباشرة الى منحنى النيل الكبير في دنقلا ، متجاوزين بذلك كردفان ، واولئك الذين يقصدون كردفان والخرطوم وسنار وشندي . وقد تباحثوا وتناقشوا اياما على عما يفعلون بالرقيق حتى لاح للاغلبية ان من الافضل اولا الحصول على معلومات اوفى واكثر دقة في ملتقى التجار الكبير في ام مشانه ، وفي افضل الاحوال يتم بيع اكبر عدد منهم هناك او ان يعيدونهم الى بلادهم . وقد وصل بعدنا بيوم بعض الجلابة القادمين من دنقلا ، ولكنهم انتظروا وقتا طويلا مع عرب الكبابيش لكي يحصوا على اخر الانباء وأوكد المعلومات . وكان كل ماعندهم من معلومات هو ان تصدير الرقيق اصبح مستحيلا . اما عن احتكار التجارة في الريش والعاج ، فلم يكن لهم بذلك علم .
    لم تكن اقامتنا في بوتا مبهجة ليش فقط بسبب صعوبة الحصول على مؤن عادية هنا ، ولكن لان السكان ، وهم خليط من العرب واهل البلاد ، قد اشتهروا بالسطو و السرقة ويخشى جانبهم الآن اكثر من اي وقت مضى لان معظمهم يحملون بنادق ، فالاسلحة النارية موجودة الان في كل مكان بين الرزيقات والحمر والهبانية والتعايشة وسكان الحدود في دارفور ، كما ان قسما كبيرا من الحمر بينهم والكاجة عداوة قديمة ، وكثيرا ما انتهزوا الفرص لسرقة جمال الكاجة او ازعاجهم بالطلقات النارية ، والتى جعلتنا نعيش حالة من الذعر المتصل في معسكرنا .
    وفي يوم الجمعة 19 يوليو واصلنا الرحلة الى ام مشانه لنحصل على معلومات اكثر دقة عن احوال وظروف التجارة ولكي نقوم باستفسارات محددة . وكان الطريق بوجه عام جنوب جنوب شرق عبر بعض القرى التابعة لمنطقة بوتا وعلى ارض رملية بها كثبان رملية بها كثبان غير منتظمة ، تنمو بها اشجار رائعة وان لم تكن عديدة ، وبعد ست ساعات من السير المضني وصلنا المكان الذى كان آنذاك اخم مركز تجاري لتجار النيل في دارفور . وكانت الكثبان الممتدة اساسا من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي مغطاة بالعشر بشكل رئيسي ، بينما كانت اشجار القفلة والكتر والعرد تنمو في الوديان . اما الهشاب الذى ينتج افضل الصمغ ويكثر في وديان كردفان ، فقد ازداد هنا ايض ، وكذلك الحميض بثمرته الكبيرة المزة الصفراء البيضاوية . وكانت بين تلك الاشجار بعض اشجار التبلدي ، وتستخدم هنا كآبار للماء في الاغلب .
    وبعد ان سرنا خمس ساعات واجتزنا مرتفعا يخرج مخروطي الشكل من وهدة في الارض ، رأينا امامنا واد يشبة الحوض عريضا تنتشر فيه القرى التى تشكل منطقة ام مشانه . كان واد واسعا كئيبا لا اشجار به او خور يجمع الماء او يقيم نباتا . والارض كثبان غير منتظمة ، رملية ومغطاة بالعشر . ولم تكن الاكواخ المغمورة ترتفع عن مستوى مايحيط بها . فاتجهنا الى مجموعة القرى الواقعة الى الشمال الغربي الاقصى وعسكرنا في بيت حاج المكي ، احد معارف حاج احمد .
    وتضم ام مشانه في مجملها عشرين حلة ، في كل منها ثلاثون زريبة في الكتوسط ، وبكل زريبة ثلاثة اكواخ على الاقل ، اي ان مجموع البيوت هنا ألفا بيت . وفي وسط مجموعة القرى والى جانبها الجنوبي كان يوجد اكثر الاجزاء انخفاضا ، وبه الآبار العميقة بالمنطقة ، لكنها لم تكن مستعملة نسبة لكثرة برك الماء .
    وهنا وجدنا على الفور انباء مفصلة وحقيقية عن شروط الاتجار في مصر ، اقلقت اعضاء قافلتنا كثيرا . ويبدو ان تحريم الاتجار بالرقيق قد كثف حتى ان المدير في الابيض عاصمة كردفان قد صادر كل العبيد في المدينة الذين كانوا قد اشتروا مؤخرا و اولئك الذين ابتيعوا بزمن طويل قبل ذلك ، ولكن الاخيرين اعيدوا الى اصحابهم على ضوء تعليمات من حاكم عام السودان المصري والذى جاء الى الخرطوم فيما بعد . اما احتكار تجارة العاج من قبل الوالي الخديوي فقد كان قلصرا على وارداته من الجنوب والجنوب الشرقي بواسطة البحارنة . اما العاج القادم من دارفور ووداي من الغرب ، فيمكن بيعه ودفع الرسوم ، رسوم الاستيراد المعتادة . واخيرا فيما يتعلق بريش النعام ، فإن توريده اخضع لضريبة وارد هي خمسة دولارات على كل 100 مثقال . وكان الخوف من تحريم استيراد الرقيق قد جعل كثيرا من التجار يبقون في ام مشانه ، وقابلت بينهم عددا من معارفي من وداي ، وكان بعضهم قد رحل ، ولكنهم ظلوا على الحدود في خوف وعدم اطمئنان .
    وبينما كنا نقوم بزيارات في فترة مابعد الظهر الى بعض تجار المنطقة ، داهمتني الحمى . وعندما افقت من شبة اغماءة بعد منتصف الليل كانت البراغيث تخرج من حشود العنقريب الذى كان معدا لي ، فاضطررت الى افتراش الارض حيث تولت تعذيبي النمال القراصة ، التى تحدث قرصاتها نزوعا في المرء لحك موضعها ، ولاتزول الا بعد يوم كامل .
    في صباح اليوم التالي زرنا الخليفة او نائب المقدوم امين خير قريب الذى تقع منطقتنا وكل دار حمر الواقعة على الحدود تحته . وهو كما اسلفت قد لعب مع الامين بخيت اهم دور في تنصيب الملك ابراهيم .
    ووجدنا الخليفة ملك الكروبات قلقا جدا بسبب الاحداث التى صاحبت العرض العسكري الذى تم في اليوم السابق . فالملك ابراهيم كما قد اخبرني هو نفسه ، كان ينوي ان يضع حراسات على الحدود الداخلية لمملكته من كل الجوانب ، ولايدخل في عداوات وقتال مع البحارنة او مصر اى اذا تم عبور فعلي لحدوده
    وكانت الحراسة ستوضع اولا في الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية حيث تركيز حشود البحارنة و الزبير .
    وقد استفز ملك الكروبات قومه ، لكنهم كانوا اساسا محاربين من قبيلة الحمر ، واظهروا احجاما عن الاستجابة . فالحمر يرون ان لهم الحق كقبيلة حدودية الا يتركوا اوطانهم في حالة وقوع حر ب، وان يكتفوا بالخدمة كحرس حدود فقط ، مثلهم مثل الفور و ارينقا في غرب دارفور . ولهذا السبب يسمون شركانين او اسوار البلاد . ولكن شيخ الجمر لم يعتمد على هذا الحق ، ولم يرفض الانضمام الى الجيش ، لكنه اعلن انه وبحكم المدة القصيرة المتاحة لن يستطيع ان يجيب عن قومه ، اذ انهم كبدو منتشرون في منطقة واسعة . اما ملك الكرويات فقد اعتمد من جانبه علىامر الملك بأن يجمع قومه في بضعة ايام على الحدود ، واعلن انه اذا امتنع الشيخ عن الطاعة ، فإنه سيضطر الى اخطار السلطان بذلك . وقد استغل الحاج احمد هذه الفرصة لزياده مجده ، مقدما نفسه كذي ثقة لدى الملك ، ولكنه يعرف ايضا كيف يجمع بين ماهو مطلوب فورا وماهو مكدر ، ومنفر للنفوس . فوعد بالقيام بوساطة مع الحمر ، وباع الخليفة جبة الشرف التى اسبغها عليه الملك ، وجارية .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2007, 02:40 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    نواصل مع الفصل الثامن:

    ومن هناك زرنا منصور ، وهو موظف مسئول عن قبيلة الحمر ، وبعد ان اكرمنا بمائدة حفلت بالاصناف ، اخذنا الى الشيخ ، وكان اسمه احمد . وكان لونه داكنا نوعا ما ، وعيناه رماديتان سمراوان ، في الثلاثين من عمره ، طوله اقل من المتوسط ، مربوع القامة ، وله شارب خشن وقصير . وكان كبير شيوخ الحمر المقيمين منهم والبدو والذين وجدنا عددا غفيرا منهم في بيته يلبسون قمصانا من القماش القطني ، المصنوع في البلاد ، وان كان هناك من يلبسون اقمشة ترومبا الاوروبية ، وكانوا مثل شيخهم حاسري الرؤوس ، وشعرهم حليق او مجموع ضفائر غليظة تتدلى الى الخلف .
    كان الشيخ صديقا قديما للحاج احمد . وقد استمع الى مقترحاته لإصلاح ذات البين في صمت وتحفظ ، مما يعني لأي شخص يعرف هؤلاء الناس انه بالرغم عن موافقته الظاهرية كان ثابتا على تصميمه بالا ينضم الى الملك . وكان ذا دلالة اكبر ، خاصة وان قبيلة الحمر تنقسم الى قسمين احدهما في كردفان ، وبذا كان تحت السلطة المصرية ، بينما كان القسم الاخر يعيش في الاقاليم الشرقية لدارفور .
    ولكن القسمين كانا متصلين بشكل وثيق في تاريخهما وقراباتهما العديدة ، مما يشكل خطر الايكون حمر دارفور ذوي فائدة لملك دارفور وقد ينحازون الى اخوانهم بكردفان ويتخذون موقفا معاديا من الارض التى كانت حتى الآن ارض آبائهم .
    وفي اليوم التالي قررنا ان نبقى في ام مشانه ما دام الحاج احمد ، وهو رجل حصيف وحازم ، كان يريد بأي شكل ان يتخلص من رقيقه ، ولايمكنه ان يستبدل عائدهم بريش النعام الا في ام مشانه . وقد انتهزت هذه الفرصة لاقوم بزيارة الى زرناخ ، منطقة الحمر التى تقع على مسيرة اربع ساعات الى الجنوب ، لكي اري اشجار التبلدي المستخدمة آبارا ، والتى يقال انها تكثر هناك . وعلى الرغم من قرب زرناخ ، فرض علي ان اصطحب معي ثلاثة من المسئولين ، احدهم رشحه خليفة الكروبات ، والثاني رشحه منصور المسئول الثاني من قبل الحكومة على الحمر ، والثالث رشحه شيخ العرب .
    وكانت المنطقة التى اجتزناها تزداد كثافة بالسكان ، وكانت بالمقارنة مزروعة زراعة طيبة . وكانت قرى الحمر المقيمين الصغيرة على جانبي طريقنا يسارا ويمينا حيثما ذهبنا . وكانوا منشغلين بحش الاعشاب . وكانوا يغرسون في مهارة قطعا صغيرة من الحديد الحاد دائرية المقدمة ومربوطة في دائرة منفرجة الى عود مقبض طويل ، بين نبات الغلال النامية ، وبذا يقتلعون الحشائش الكثيفة النمو من جذورها او يجتثونها .
    واصبحت المنطقة اكثر لطفا في النفس ، وبها اشجار اكثر وخاصة التبلدي الذى يسمى هنا الحمرا ، وهذه الاخيرة والتى لايوجد منها سوى عينات منفردة معزولة بالقرب من كوكا ، ذات غصون قليلة الاوراق ، موجودة هنا ، وقممها ظليلة ، وصورتها زاهية جليلة .
    ويجري وادي زرناخ في مجمله من الشمال الى الجنوب . وهو منبسط جدا ، وعرضه بضع ساعات سيرا ، اما طوله فمسيرة نصف يوم . وتتألف غاباته من التبلدي اساسا . وهناك عدد كبير من القرى الصغيرة تستظل بهذا التبلدي .
    وليس هناك بعد ام مشانه شرقا ايه آبار . وكان الماء يختزن في اشجار التبلدي وهي ليست ضخمة كتلك الموجودة في جنوب غرب برنو او على النيجر ، ولكن محيطها كاف لاختزان مايقارب حمولة مائة بعير من الماء . ويمكن تقدير حمولة الجمل من الماء بأنها مائتا كيلو ، موزعة بين قربتين كبيرتين ، مصنوعتين كما هو الحال في دارفور من جلد الثور ، وتسمى الرواية ومفردها رواية . ويشتهر عرب الحمر بدباغة الجلود وتجهيز جلد الثور للقرب المائية . ولاتستخدم في دارفور اي من قرب جلد الماعز الصغيرة التى تصنع بنوعية جيدة في بلاد الهوسا ، وتباع بأسعار عالية في وداي . ولان الحمر اصحاب جمال حسنة ، فانهم يوفرون وسائل المواصلات والنقل لبضائع التجار الذين لايريدون شراء جمال خاصة بهم ، وعادة ما يؤجرون الجمال وقرب الماء في نفس الوقت . ولكن لايسع كل جذع شجرة تبلدي حمولة مائة جمل من الماء ، اذ ان سعة الشجرة المفردة قد يتراوح بين حمولة 30 و 100 جمل .
    وفي النقطة التي يبدأ الجذع في التفرع الى فرعين رئيسين ، تصنع فتحة أعلى احد الفرعين على مسافة ارتفاع نصف رجل ، فالذى سيسحب الماء فيما بعد سيقف على الفرع وينشل الماء كما من بئر .
    وحالما تصبح الفتحة كبيرة بشكل يسمح بدخول رجل عبرها ، يتم حفرها عرضا وعمقا . وخشبها خفيف ناعم ومهترئ نتن . وبذا يمكن لفرد يعمل بجد ان يحفر داخل الشجرة الكاملة في ثلاثة او اربعة ايام حسب مايكون محيطها . ويترك الجزء الخارجي من جذع الشجرة حتى سمك 30 سنتمترا . ولايؤثر تجويف باطن الشجرة على نموها بأية حال . وبعد ان يتم تفريغ داخلها من كل شئ ، يتم دهنه بالقـطران ، وبذا تكون بئر التخزين جاهزة .
    وعادة ما تشتري القافلة الكبيرة كل محتويات الشجرة من الماء ، وبعد ان يأخذ كل كفايته من الماء ، يصبح الباقي من نصيب صاحب الشجرة . وحين يكون الماء نادرا في الصيف قبل هطول الامطار بــقليل او اذا كان هطول الامطار شحيحا ، فإن حمولة الجمل من الماء تكلف دولارا الى دولارين . ولكن في الظروف الافضل يصبح سعر الماء ارخص .
    ويتم تنظيف الارض المحيطة بالشجرة الى مسافة ثلاثة الى سبعة امتار ، وتحفر لكي تحفظ الماء .
    وحالما تسقط الامطار يهرع السكان لملأ الاشجار بالماء . والآبار ملكية فردية ، ويمكن توريثها او بيعها
    ولمائها طعم حلو بشكل فريد .
    لم نرى سوى قلة من سكان زرناخ الذين كانوا تقريبا يعملون في الحقول . وبما انني كنت اتوقع هجمة من الحمى ، فقد عدنا راكبين الى ام مشانه بعد توقف لمدة ساعة ، بمثل السرعة التى جئنا بها ، اي ثلاث ساعات .
    وكان مرافقي الذين رشحه شيخ العرب شابا من الحمر ، محنكا ، ولطيف المعشر . وقد حدثني عن المعارك والنزاعات بين قبيلته وعرب الكبابيش الذين تجاور منطقتهم حدود الحمر الى الشمال ، ويرعون ابلهم في المنطقة الممتدة حتى دنقلا . كما حدثني عن الغارات الواسعة المدى التى شنها الحمر على اعدائهم القدماء هؤلاء ، وكانت تلك الغارات مبعث فخر لهم ، لانهم ، وخاصة في المواسم الشحيحة للمطر ، كانوا يحملون الماء لهم ولخيولهم معهم . وقد عاش الحمر في وئام وسلام مع الرزيقات ، ولكن جيرانهم الى الجنوب الغربي ، وهم المعاليا ، كانوا ايضا اعداء تقليدين لهم . وقال ان الزبير قد منع المعاليا من الهجوم على الحمر ، مهددا اياهم بأنه سيخرب ديارهم ، لانه كان يأمل ان يقوم الحمر واخواتهم في كردفان بمعاونة القوات المصرية في هجومها القادم على دارفور . وفي تلك الاثناء دخلت البنادق الى المنطقة واصبح العرب كلهم يستخدمونها ، وكان لمرافقي الشاب مسدسان يتدليان من سرجه .
    وفي فترة العصر والمساء داهمتني الحمى بصورة حادة ، ومنعني المطر ليلا من وضع سريري امام الكوخ ، مما اضطرني الى ان اقع تحت رحمة البرغوث مرة اخرى .


    يتبع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2007, 06:03 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14735

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: سلطنة دار فور أقاليمها وأهلها وتاريخهم ـ ترجمه من الألمانية النور عثمان أبّكرـ قدم له عالم (Re: بدر الدين الأمير)

    تكملة الثامن والأخير:

    قضينا الايام التاليات في المناقشات حول مايجب ان نفعله بصدد رحلتنا الى مصر . وكانت الاراء متشعبة متضاربة حول هذه المسألة . فقد كان البعض يريد ان يتخلى عن هذه الرحلة تماما وآخرون يرون الانتظار للحصول على انباء اوفى ، بينما كان من يحمل بضائع عهدت اليه يريد ان يوفد من يأتيه بتعليمات من اصحاب البضائع في الفاشر او كوبيه . واخيرا استطاع الحاج احمد بمكانته وبلاغته ان يجمع كلمة المسافرين في القافلة على بيع رقيقهم في ام مشانه او اعادتهم الى كوبيه او دارفور ، ولكن ان يواصلوا رحلتهم دون خشية من ضريبة او رسوم الاستيراد المقررة على العاج وريش النعام . ورتب امر رحيلنا ، وتم استئجار الخبير الذى سيرشدنا عبر المفازة المؤدية شمالا الى منحنى النيل في دنقلا ، ودفع له اجره .
    ولان من كانوا يريدون التخلص من بضائعهم البشرية ذاهبون الى ام مشانه في اليوم التالي ، انتهزت هذه الفرصة لزيارة بعض الصخور في المنطقة المجاورة لاشكالها الغريبة . وكان الناس يعتقدون ان عليها نقوشا ورسومات . وكان امامي جدار من الصخر المرتفع في انحدار شديد ، وفي قمته فجوة مقوسة منتظمة الشكل ، وجهني الناس اليها بوجه خاص . وكان ارتفاع الجدار الحجري قرابة الستين مترا ، وشديد الانحدار ، وليس به الا مواطيء ضيقة للاقدام في اغلب الاحيان في صفحته . وعندما وصلت الى الفجوة المقوسة وجدتها بارتفاع عشرة امتار وعمق وعرض ستة امتار . وكانت كتل صخرية عملاقة قد سقطت من عليه ، وبذا كونت مايشبه الفجوة المقوسة . وكانت الحجارة ناعمة وقابلة للانكسار بسهولة ، وفوقها طبقة من الحجر الرملي متآكلة بفعل التعرية ، وليست بأصلب من الطبقة الجيرية بأية حال . وكانت في الفجوة وبجانبها رسومات بدائية لخيول ممتطاة وغير ممتطاة ، وإبل وزراف واسماء عديدة محفورة في الحجر . ولم يكن اي منها ذا قيمة فنية او تاريخية ، وعلى العموم ماكانت تبدو لها اي علاقة محددة على الاطلاق . وكان هناك نقش عربي ، ولكنه كان متآكلا لدرجة لم استطع فكه . وكانت في وسط القوس كتلة ضخمة من الصخور على سطحها الاعلى الاكثر انحدارا آثار حيوان كبير من فصيلة تشبة فصيلة القطط ، وربما كان فهدا ، وهي منغرسة بعمق نصف بوصة ، وكأنما ذلك الحيوان لم يستطع ان يصعد الى اعلى ذلك السطح المنحدر دون جهد عظيم .
    وفي اليوم التالى ايضا لم نواصل رحلتنا وذلك لكي نستفيد من قيام السوق الذى كان معقودا ذلك اليوم ، لكي نجدد مؤونتنا للرحلة ، ولان الحاج احمد من جهة اخرى لم يكن قد استكمل شراء ريش النعام الذى يريد . ويكلف شراء جلد النعام الكامل هنا حوالي مائة دولار ، مما يبدو وكأنه مربح للشاري هنا ، ولكن الواقع ان البائعين يلجأون الى نزع الريش نفسه ، ويثبتون ثلاث او اربع منها معا بأربطة من جلد الثور والتى غالبا ماتزن وزن الريش نفسه .
    وفي يوم الجمعة 26 يوليو كان هناك تفتيش في قرية الملك عن الرجال القادرين على حمل السلاح في المنطقة . ولكن العجز فيهم هنا كان ينذر بمستقبل مظلم ويعرض الولاء والجدارة في الاقاليم الحدودية الشرقية للشك والريبة . فلم يكن هناك غير عشرة فرسان وعشرين راكب جمل ومائة من المشاة . وتظهر ضآلة هذا العدد خاصة والمنطقة مليئة بعدد من القرى الكبرى ، اكثرها به قرابة المائة كوخ او يزيد . وكان ثلث الرجال المسلحين بالبنادق والكاربينات ، بينما حمل البقية الحراب التقليدية . وكانت البنادق في معظمها من ذات الماسورتين ، وهي رديئة ، والتى استوردها الجلابة ، ويمكن شراؤها في دارفور نفسها بخمسة مقاطع ترومبا . اما اداة الدفاع فكانت الدرقة البيضاوية من جلد الزراف او وحيد القرن . وهي طويلة وضيقة ومسطحة ، وبها مقبض في وسطها لليد . وكان كل المقاتلين ينتمون الى الكاجة ، وهم سمر سود في لونهم وليس لهم اي خصائص زنجية ظاهرة ، وان لم تكن تقاطيعهم منتظمة كالعرب .
    وشعرهم ينظم مثل الحمر ، فهو حليق جزئيا ، وبقيته منفوشة ومضفورة ، او في ذؤابة واحدة فوق الرأس
    وكان السوق الذى صار بفضل وجودنا منتعشا بشكل غير عادي ، مزودا بالدخن واللبن الرائب والزبدة الطازجة وبعض معزات ضامرات وبطيخ صغير مطبوخ . والمنطقة مليئة بالبطيخ الصغير ، وله مذاق حسن جدا . وكان التعامل يتم بالشطة و البصل والزراق .
    ولغة الكاجة هنا هي العربية فقط . وقد انكر من سنحت لي فرصة محادثتهم وجود لهحة اخرى في زمن ماض يستخدمونها واهل جبل او سروج المتصلين بهم بالقرابة ، وبواسطة الكاجة في كردفان .
    ويوحي غياب وجوه زنجية ، وطريقة تصفيف الشعر التى تماثل طريقة عرب الكاجة ، وتماثل طرق العيش ، اذ انهم سعاة إبل ، كل ذلك يوحي بأن القبيلة تنحدر من امتزاج بين العرب والزنج . ويبدو ان العنصر الافريقي فيهم يمثله البرقد الذين كانوا يعيشون هنا من قبل فيما يقال . ولهم بالاضافة الى موظفي الدولة شيخ ، وله لقب ، مما يوحي ايضا بارتباطهم وصلتهم بالعرب .
    كان على ان انفصل هنا من رفاق الرحلة ، وقد سافرت مع معظمهم من أبشي ، وسأواصل سفري الى دنقلا عبر كردفان والخرطوم . ومع انني سأقابلهم بعد شهر ، فقد حزنت كثيرا لفراقهم ، وخاصة فراق الحاج احمد الذى اثبت لاكثر من عام انه صديق وفي ، وكان رفيقي اليومي .
    وكان رفيقي في المرحلة التالية من الرحلة هو محمد النور ، الرجل الذى بعثته الحكومة المحلية بكردفان ليبحث عني . وعندما عاد من الفاشر ، انضم الينا في 26 يوليو . وقد جاء بخبر انزعج له كل الجلابة وهو ان انتصار الدابي الذى ذكرناه سلفا على قوات الزبير كان خبرا كاذبا .
    وكان معه تاجر نيلي كنت قد تعرفت اليه في دارفور ، واخذ كل العبيد في القافلة الذين لم يتم بيعهم ، وهو واثق من معرفته بالطريق وفساد الموظفين المصريين ، وقدرته على تخزين بضاعته البشرية في القرى في منطقته دون ان يلحظ ذلك احد ، حتى يخف تشدد الحكومة في تطبيقها الصارم لتحريم استيراد الرقيق .
    وركبت عائدا مع محمد النور الى ام مشانه لمقابلة رفاق السفر القليلين ، ووجدتهن في رهد الابيض (( الرهد الابيض )) الواقع على مسيرة ساعات قليلة الى الشرق من ام مشانه . وكان يلزمنا ان نذهب اليها اولا لنحصل على اذن مرور من القائمين على الحدود الذين يعيشون هناك ، وذلك على ضوء الترخيص الاميري الذى معنا .
    وصلنا بعد خمس ساعات من السير مع مضيفنا حاج المكي الى بيت خليفة الكروبات والكرسي منصور ليوقع لنا على وثائق السفر . وكانا قد مضيا الى طويشه على مبعدة ثلاثة ايام سيرا الى الجنوب الغربي من ام مشانه بالقرب من الحدود وذلك للدفاع ، ان لزم الامر ، عن اراضي دارفور الاصلية في وجه قوات الزبير . وكما قد تنبأت ، فإن الحمر لم يخرجوا معهم ولم يقدموا حتى وحدة مقاتلة واحدة .
    وقد قرأ مرؤوسو الخليفة والكرسي خطاب ملكهم واستغربوا منبرة خطاب التقديم الحازمة المطالبة بالتنفيذ الفوري . وعلى الفور وقعوا على اذن السفر الموجه الى الملك الذى يعيش في الحدود ، وبذا استطعنا ان نغادر الرهد الابيض في مابعد الظهيرة .
    كان اتجاهنا شرق الجنوب شرق . وعند الغروب صعدنا مرتفعات من الحجر البركاني ممتدة من الشمال الى الجنوب ، وقد داهمتنا زوبعة ، فلم نجد الرهد في الظلام الا بعد مشقة . بعد ربع ساعة اخرى وصلنا قرية صغيرة لعرب ، كان قوم قافلتنا معسكرين بها . وقد وصل اناس ومعهم الجمال في نفس الوقت تقريبا ، رغما عن انهم كانوا قد سلكوا الطريق المباشر من بوتا الى الرهد الابيض ، لانهم كانوا قد ضلوا طريقهم ايضا .
    وقد استمرت الزوبعة الرعدية طوال الليل حتى اذا مااشرقت الشمس كان علينا الكثير من العمل في تجفيف امتعتنا التى ابتلت تماما ، ولم نستطع بدء الرحيل الا عصرا .
    تحركنا شرقا ، وقطعنا سهلا واسعا دون تلال او وهاد ومرتفعات . وكانت تربته في جلها من الدبال و قليل من الرمل والطين المسمى (( دقو طورية )) . وكانت هناك اشجار قفلة وحميض ولوقن وشجيرات سعاده وكتر وانواع اخرى من الاكاسيا ، والشجرة التى تسمى سباك والتى لنوارها اريج متميز كالعسل .
    وفي اواخر العصر امست الارض جرداء اكثر . وبلغنا منطقة عرب (( دم جمد )) وكانت بها سبع قرى .
    ولدى الغروب عسكرنا في القرية الثالثة التى يسكنها العريقات واسمها الدم جمد .
    وفي اليوم التالى ، وكان اول شهر اغسطس ، وصلنا الى قرية رياش في اتجاه نحو الشرق بعد مسيرة خمس ساعات ، وهي يسكنها الجعليون . وبالاضافة الى الاشجار التى ذكرنا سابقا كان هناك عدد غير عادي من اللبان ، وتنمو في الارض الرملية . وكانت الاشجار الشوكية خاصة مغطاة بمتسلق يسمى بالكانوري ندكو ، وله ثمرة مثل ثمرة الخيار الصغير المقوس . وعندما توسط الصباح مررنا مرة اخرى ببرك من ماء المطر ، قربها منطقة سفران ، وبها ثلاث قرى هي قوران وبني بدر وميامين . والاخـيرتان يسكنهما الحمر .
    بعد ان قضينا القيلولة في بيت عربي من اصدقاء محمد النور ، استأنفنا السير بعيد المساء بأمل ان نعسكر ليلا بعد خمس ساعات . وبدت الان كثبان رملية مغطاة بنبات الحلفاء وبعض اشجار قليلة فقط ، بينما كانت احواض الوادي تتميز بنمو غزير للاشجار ، لكن تربتها طينية صلدة وجرداء وتعرف بالنقعة .
    وفي صباح اليوم التالي ، الثاني من اغسطس ، وصلنا اخيرا الى نقطة حدود دارفور ، ام شير ، حيث اعطانا موظف اخر رخصة لنا من البلاد . وكان الطريق قد تحول قليلا من الشرق الى الشمال .
    وكانت الشمال منا وعلى مسافة يوم سفر طويل سلسلة جبل سروج التى تمتد من جنوب جنوب غرب الى شمال شمال شرق ، وتسكنها فروع من الكاجه .
    وطيلة مسير نصف يوم حتى صحراء العتمور الممتدة بين دارفور وكردفان كنا نرى من حين لآخر اماكن سكنى متناثرة مثل قرية عنبر الصغيرة وقرى الوحيلات لعرب الحمر والتى وصلناها باتجاه الشرق تقريبا عبر مايسمى بمنطقة المتر ، المغطاة كلها تقريبا باشجار وشجيرات الكتر . وبجوار هذه القرى قضينا فترة القيلولة بالقرب من عدد من برك المطر ، الفولة ، وكانت في وسطها منطقة اشجار جميلة ، الجديد بينها شجرة الابنوس التى تسمى هنا بابنوس .
    والمفازة بين دارفور وكردفان تمتد عرضا لمسافة يومي سير شاق ومضن ، وهي جافة وبلا ماء حتى في موسم الامطار باستثناء برك ماء المطر الوفيرة في فوروكيت التى يبلغها المرء بعد ساعات قليلة من السير . وكنا ننوي الوصول اليها في نفس اليوم ، ولكن مان تحركنا حتى داهمنا من سماء كانت صافية تماما مطر خفيف اشتد في دقائق الى مطر كثيف ، واضحت السماء مظلمة تماما . وكان المطر ثقيلا مما اجبرنا على ضرب خيامنا لحماية امتعتنا من الدمار الكامل . واسمتر هطوله طيلة الليل ، وبقوة حتى ان خيامنا لم توفر لنا حماية كافية .
    وقضينا اليوم التالي له ، يوم 4 اغسطس ، في تجفيف او غسيل اشيائنا كلها والتى كان الكثير منها قد تلف .
    وقد اشتهرت برية العتمور بكثرة الاسود فيها ، ولندرة الثيران والماشية الصغيرة والصيد ، فان الناس تخشاها جدا . وفي برك فوروكيت خاصة ، يقال انها تهاجم المسافرين ودوابهم اذا ماعسكروا هناك ، وهو شيء غير حكيم فعله ولذا يستحسن الا يبقى المرء قرب الماء مباشرة ، وان يقيم نارا مشتعلة طيلة الليل .
    وفي نفس الاتجاه ، وبعد سير تسع ساعات الى شرق الجنوب الشرقي راينا جبل ابو مريك التى تمتد من الغرب الى الشرق ، وكانت على مسيرة ساعات الى الشمال منا . ومررنا عبر بعض الشقوق او التى تسمى مطامير اذا كانت عميقة . وهذه المنطقة حتى منتصف الجزء من الاقليم غير المأهول الواقع بين البلدين الجارين غني بالعشب والاشجار ، مما يوفر مكانا جيدا للتوقف والاقامة المؤقتة للعرب اثناء وبعد موسم الامطار .
    وفي نفس الاتجاه ، وبعد سير عشر ساعات في السادس من اغسطس وصلنا اول قرية في كردفان ، ويسكنها عرب الحمر. وفي الصباح كان طريقنا يؤدي الى منطقة صخرية بارتفاع 50 مترا تسمى مسيل ، بها ماء في ينبوع طبيعي على قمة الصخرة . وقضينا اكثر اوقات النهار حرارة في سفحها ، ولكننا وجدنا كمية الماء بالحوض ضئيلة ، وربما كانت القافلة الكبيرة التى قابلناها منذ حين قليل قد افرغت مابه من ماء .
    وكنا قد وصلنا منطقة الشلوتا على حدود كردفان . وفارقت مرة اخرى رفاق السفر الذين كانوا متوجهين الى الابيض ، عاصمة كردفان . متحاشين القرى كيلا يحرموا من الرقيق بواسطة المسئولين فيها . وبينما اتجهنا شرقا تقريبا ، اتجهوا هم شمالا نحو تل المقسم ، وهو غير ذي بال ، ومن هناك الى مجموعة قرى قريوت المنين ، حيث يستطيعون منها ان يروا مجموعة جبل ابو سنون الاكثر اهمية ، وهي علامة ارشاد لطريقهم .
    وكنا قد سرنا ثماني ساعات عندما وصلنا الى احدى الحلال الصغيرة المأهولة بأسر من الحمر .
    وكانت بيوتهم ومزارعهم تتميز بنظامها وحسن ترتيبها . ووجدنا منهم استقبالا حسنا . وكانت الحلة للمجموعة التى تعرف باسم الكل ، ولم تكن بها بئر ، لكنهم استعاضوا بشجرة تبلدي ، مثلهم مثل اهل شلوتا والمناطق الحدودية في دارفور ، وتسمى الشجرة هنا (( تبلدية )) .
    وهنا قابلنا واحدا من رفاق السفر من دارفور كنا نظنه مازال وراءنا . وكان افقر رفاق سفرنا ويعاني من دوسنتاريا مزمنة ، ومات في نفس الليلة بعد ان اضطر الى السفر حتى اخر شهقة فيه . وهذا هو في الغالب مصير كل من يقع مريضا على الطريق . فالقافلة كلها لايمكن ان تتوقف من اجل فرد واحد ، وعلى المريض التعيس ان يضغط عى نفسه ويواصل السفر حتى تنطفىء حيوته . ولانه كان سيدفن في صباح اليوم التالي لم نسر سوى خمس ساعات ، ووصلنا أرشيو الى الشمال الشرقي عبر منطقة الحلفاية وهي منطقة تتألف من اثنين وعشرين حلة ، معظمها تحت مجال بصرنا . وكان استقبالهم لنا رائعا من جهة لانني قابلت رجلا من الخرطوم كنت قد عالجته باخراج رصاصة طبنجة استقرت بين عظام كاحله ، فاظهر امتنانه لي بحسن ضيافته ، ومن جهة اخرى لان محمد النور الذى اضحى الآن من موطنه كان يعرف اناسا كثيرين هناك .
    وكان امامنا الى الشرق جبل ابو سنون الذى نقصده في يوم 9 اغسطس حيث كنا نأمل ان نقابل اهل محمد النور ، وذلك بسبب رقيقه الذى ارسله عبر مناطق غير مأهولة .
    ووجدنا هنا كل مظهر لوجود ادارة حكومية منطمة ، ومسئولين يجمعون الضرائب وعليهم واجب منع تصدير الاسلحة النارية والذخيرة الى دارفور ، وجنود ، وماشابه ذلك .
    وفي سهل منخفض ويسير التعرجات ، تربته رمليه عميقة ، ممرنا بقرية غربا وحقول غلالها الزاهية .
    ب