لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان

في دعم حملة علاج دكتور الباقر العفيف:- قليل من كثر خير من كثير من قلة
نداء أنساني بخصوص الدكتور الباقر العفيف
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-11-2018, 10:22 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة حسن ابو السارة(AbuSarah)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
26-06-2003, 03:44 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان

    لوطني اكتب / السياسة الثقافية ... وثقافة الديمقراطية في السودان:

    ما المقصود بالسياسة الثقافية ، وما هي مقوماتها ؟ هل السودان في حاجة إلى سياسة ثقافية جديدة ، و ما الضرورة إلى ذلك؟ وأي نموذج من نماذج السياسة الثقافية نبتغي؟ أهي ثقافة الاندماج أم ثقافة التنوع في الوحدة؟ و ما هي القيم والغايات الوطنية المنوط بالسياسة الثقافية تحقيقها؟.
    مثلما هناك سياسة زراعية و صناعية و سياسة تربوية وأخرى دفاعية ، توجد كذلك سياسة ثقافية . فالسياسة الثقافية كمفهوم هي تلك الموجهات الكلية RUBIC التي تحدد القيم والمبادئ التي تلعب دورا تربويا وإرشاديا في الحياة الثقافية لأي مجتمع ، فهي عملية معقدة من حيث القيم و الأهداف المعبر عنها و آليات تحديد المساق أو النهج الثقافي ومن ثم كيفية اتخاذ القرار المتعلق بالثقافة السياسية.
    إن السياسة الثقافية في دول العالم الثالث عبارة عن صناعة تمتهنها الدولة ، ابتداء من الإدارة المدرسية وانتهاء بالمؤسسات الفوقية كالبرلمان ومؤسسات الرئاسة . هذا مع وجود دور يكاد يكون محدودا قياسا بالعالم المتقدم تقوم به مؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية. إن مهنة صناعة السياسة الثقافية في بلاد كالسودان عادة ما تسند لوزارات الثقافة والإعلام وروافدها المزودة للمادة الثقافية التي تمكن صانعي القرار من إتباع الإجراءات المؤثرة والموجهة للسلوك الثقافي الاجتماعي في الدولة .
    فالسودان ليس جزيرة معزولة عن ا لعالم فهو واقع تحت جاذبية قوانين التطور الحضاري كغيره من البلدان حيث التأثير والتأثر فهو أي السودان كسائر الدول المحافظة التي تعاني من صراع اجتماعي – ثقافي يعتمل بأحشائها ، يكون معني بالحقيقة القائلة بان الإنسان وفي عصر الحداثة الغربية التي غمرت فضاءات العالم بناتج الثورة التكنولوجية والمعلوماتية إنها أي الإنسانية تواجه الاختيارية بين احد أمرين احدهما وليس كلاهما مر:
    الأمر الأول: هو استغراق الإنسانية في اليأس والعدمية كحالة من حالات الاعتقاد القنوطي القائل بان لا قيمة لمعاني كالأخلاق أو الأديان Despairing Escape in Nihilism . أما
    الخيار الثاني: فهو أن تشحذ البشرية الهمم لتكون على قدر الهموم الإنسانية ومن ثم تعقد العزم وبكل حزم لمواجهة المستقبل Resolutely confronting the future .
    هذان الخياران يقفان في مواجهة دول الشمال بشكل أساسي لما يكتنفهما بصورة يومية من افرازات وتداعيات اجتماعية ، كما أنهما أي الأمرين المشار اليهما أعلاه وبدرجات متفاوتة يجابهان الواقع المتخلف و المحافظ في دول العالم الثالث ، ليضيفان إشكالية جديدة و جدية إلى محصلة العبء الاجتماعي – الاقتصادي . وهنا يبرز دور السياسة الثقافية لإحداث التوازن المطلوب في خضم أمواج الحداثة الغربية و ما يصاحبها من أزمات الرفاهية وسقطاتها.
    وثمة تساؤل يفرض نفسه عن ما هية السياسية الثقافية .. هل هي حالة يمكن الاحاطة بها عبر تعريف جامع مانع ؟ ام كيف يمكن إدراكها ؟ إن فعل السياسة الثقافية كما بينا لا يمكن إدراكه أو تحسسه إلا من خلال التأثير الثقافي الذي تتركه المؤثرات الثقافية غير المرئية ، بل إن السياسة الناجحة هي تلك التي تعتمد عدم المباشرة و منطق و فن الرسالة ا لخفية Hidden Message في معالجة قضايا المجتمع وتوجيه سلوكيات أفراده ...بما يشبه آليات الضبط الاجتماعي التلقائية في المجتمعات المحافظة قيميا، أي على طريقة المصطفى صلى الله عليه وسلم " ما بال هؤلاء يفعلون كذا وكذا " ... أو ما ضر أولئك إن فعلوا كذا و كذا....
    وللتدليل على ذلك يمكن أن نصوغ الفذلكة التالية وهي حالة إرشادية عادة ما تدعم الامتثال الجماهيري الطوعي لسياسات وزارة الزراعة ، الصحة أو وزارة الإسكان في البلاد التي تعاني من مستويات الدخل المنخفض أو زيادة كبيرة في معدلات النمو السكاني أو حتى يستخدم منهج الرسالة الخفية بغرض الإرشاد والتوجيه المعني في المجتمع بشكل عام لتكسب المادة المبثوثة عبر الوسيلة الإعلامية المعينة سلوكا اجتماعيا مكتسبا وينظم تلقائيا حياة الفرد والأسرة و العمل، انظر :

    " لدينا لوحة تعليمية –بوستر- Portrait يجسد واقع أسرتين هما "أ" و "ب" في وضع تناول وجبة الغذاء حيث تتكون الأسرة "أ" من أبوين وطفلين ، بينما تتألف الأسرة ب من والدين وستة أطفال . ومقارنة بالأوضاع المادية للأسرتين وجد بان الأسرتين متساويتين في الدخل المادي ومحدوديته ، بحيث لا تملك أي منهما القوة الشرائية لشراء أكثر من كيلو برتقال (4 قطع تقريبا) في الأسبوع.
    فالناظر إلى هذا الحال يتبين له بان كل فرد في الأسرة "أ" المكونة من أبوين وطفلين سيتناول برتقالة كاملة أسبوعيا ، بينما يكون نصيب الفرد من الأسرة "ب" هو نصف برتقالة في الأسبوع نسبة لكثرة أفراد الأسرة!!
    فالرسالة الخفية المستقاة من اللوحة التعليمية التثقيفية الإرشادية أعلاه توحي بضرورة تنظيم الأسرة بما يتوافق ودخلها او الوضع السكاني العام في الدولة حتى تتمكن أي أسرة من تربية و إعداد أطفال أصحاء ، وهنا يكون أطفال الأسرة "أ" الأوفر حظا من حيث الخدمة الصحية وغيرها قياسا بر صفائهم في الأسرة "ب" .
    فتجسيد هذه المعاني و بالصورة الفنية الإرشادية أعلاه يكون محببا إلى نفس المواطن من أسلوب التوجيه المباشر الذي يعده البعض توبيخا أو سخرية جارحة. فالرسول صلي الله عليه وسلم كما أسلفنا كان إذا أراد أن ينهي عن منكر او يأمر بمعروف على اثر حدث أتى به بعض أصحابه يقول " ما بال أحدكم يفعل كذا وكذا " فهذه رسالة خفية يتلقاها المتلقي ويعمل على تغيير ما بنفسه ، بل تغدو سلوكا اجتماعيا تلقائيا ومشاعا ، لتكون السياسة الثقافية بهذا المدلول هي اقرب الطرق لنقول قولا توجيهيا أو نصيحة مفيدة للتربية الفرد والمجتمع.
    فالسياسة الثقافية إذن ما هي إلا نظام لتلا قح الغايات و الأهداف و الوسائل المتبعة بامتثالية في المجتمع وتطبق في المؤسسات و الهيئات الرسمية وغير الرسمية بصورة تكاد تكون نمطية Stereotype . فحين يقال الحياة على الطريقة السودانية أو الطريقة الأمريكية فسرعان ما تكتمل الصورة في الذهن حيث المشار إليه هو السلوك الاجتماعي و المؤسسي البيروقراطي الذي أنتجته العادات والتقاليد والثقافة التعليمية والمعرفية في كل من السودان أو أمريكا و التي تحدد ملامح الشخصية الوطنية وطبيعة النظم الاجتماعية والثقافية السائدة في أي من البلدين على وجه المثال.
    يقال أن فلان خواجه في الزمن ... وهذا مدح لمن يحترم المواعيد ... وتسمع من يقول لك مواعيد سودانية أي تشير إلى إن أهل السودان لا يعيرون اهتماما كبيرا بزمن الميعاد المضروب بين شخص وأخر أي كانت أهمية ذلك الموعد ، وكل هذا ما هو إلا ناتج لثقافة سياسية سائدة في المجتمعات الغربية أو السودانية... فالتغيير الى الأفضل يقتضي نقد الافرازات السالبة لثقافة التسكع و اللامبالاة وهي نتاج عقلية يجب تفكيكها واعادة تشكيلها وهذه واحدة من موضوعات السياسة الثقافية التي نحو بصدد تقديم هذه القراءة بشأنها.
    النماذج السائدة كثيرة وقبل أن اغادرك عزيزي القاري إلى فقرة أخرى من هذا المحور وفي سياق ذات الفذلكة تحضرني رواية للعلامة الدكاترة فضل الله على فضل في واحدة من الدورات التنظيمية التي كنا نجلس اليه بغرض التعلم والتدريب"
    " يقول انه أجرى دراسات عديدة ومقارنات أطلق عليها حالات إدارية ، طبع بعضها في كتاب بهذا الاسم يدرس كنموذج في جامعة العين بالإمارات : يقول انه أجرى حوارا مع مدير بنك سوداني و أخر إنجليزي يريد أن يعقد مقارنة بسيطة بين السلوك البيروقراطي للموظف السوداني والموظف البريطاني.... السؤال واحد لكلا الموظفين السوداني والإنجليزي وهو : ان كان لديك اجتماع مجلس إدارة الساعة الرابعة بعد الظهر وأنت رئيس هذا المجلس ، وبينما أنت هممت بالخروج من منزلك إلى هذا الاجتماع جاءك زائرا افتراضا انه عمتك شقيقة والدك وجدتها عند الباب وأنت خارج قاصدا مقر الاجتماع ... كيف تتعامل مع موقف كهذا "...
    إجابة مدير البنك السوداني: ... انه لا يستطيع أن يذهب للاجتماع وسوف يعتذر لان عمته إذا رجعت البلد " حتشيل حسه" ولد فلان لا قاني في الباب و خلاني مشى"!!! سلوك بيروقراطي سائد في الخدمة المدنية عندنا في السودان .... يشكل مادة لنقد السياسة الثقافية البيروقراطية في بلادنا.
    إجابة الخواجة: طبعا بسيطة... قال انه سيقول مرحبا .. ويعتذر لعمته ويمضي في طريقه لحضور الاجتماع.. وهذه أيضا ثقافة بيروقراطية لاحترام العمل و إن الانضباط فوق أي اعتبارات اجتماعية أو عاطفية أخرى.
    إن أدبياتنا مليئة باحترام العمل الزمن و الإنسان ، إلا أن سلوك الإنسان في بلادنا ابعد ما يمكن أن يقارن بمنظومة الأفكار الدينية أو العرفية التي كثيرا ما نتفاخر بها ...نقد العقل الثقافي الاجتماعي السوداني ضرورة تؤسس لبنية معرفية مؤسسية جديدة في الوعي القومي و بالتالي على اليابسة.
    فالسياسة الثقافية بالمعاني و الموضوعات السالفة وغيرها تكون محددا رئيسيا لاتجاهات المجتمع ومسؤلة عن ما يتمظهر فيه من سلوكيات ايجابية أو سلبية ومن نظرة اجتماعية راقية أو متعالية و ذلك لكونها أي السياسة الثقافية تعتمد و تمزج معايير متعددة بالضرورة هي جماع مكونات الشخصية الوطنية اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا. فتنمية الحياة الثقافية في الدولة يقوم على الأعمدة و الدعامات المكونة للاجتماع البشري فيها ، فينبغي أن تنتصر السياسة الثقافية للغايات القومية لتلك الدولة و في مقدمتها بناء الشخصية القومية المتصالحة و المتعايشة مع غيرها في حقل الاجتماع السوداني ، وفي مجال المصالح الدفاعية و الاقتصادية والعقائدية ، وان تضفي معاني حضارية في السلوك والرؤى وتعزيز الانتماء الوطني لمواطنيها.
    فبغض النظر عن المؤسسات المعنية بهندسة الموجهات العامة للسياسة الثقافية ، فالمسألة الثقافية ينبغي ان تكون موحية على نحو أسلفنا بحيث يصبح المجتمع متسما بشعور جمعي تجاه القيم والمصالح وطريقة الحياة التي تميزه عن سائر الشعوب أو تجعله يحتل موقعه كشعب متحضر وراقي و يتمتع بآليات ضبط ذاتي
    “ Self-Control Mechanism تمنع الادعاء بامتلاك الحقيقة الكاملة مما يفضي إلى التطرف و التمرد على قيم الحياة الكريمة التي تعلي من قدر الإنسان كانسان في مجتمعه إلى جانب تقديس قيم العمل وعدالة الدور و عدالة الحق كدافع أساس للإنجاز و العمل على رفعة الأوطان والذود عنها.

    ملحوظة:
    " هذه الحلقة الأولى من محور كتبته في نوفمبر عام 2000 بمدينة ببرمنجهام في بريطانيا ونشر في جريدة الخرطوم في أكثر من ثلاث حلقات كما علمت من احد الإخوة"... وكان ثمرة سمنار شاركت فيه في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة ببرمنجهام".


    اخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح

    ****************************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-06-2003, 03:39 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Hi, all,

    The second series coming up soon.

    stay tuned.


    AbuSara
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-06-2003, 06:05 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    الحلقة الثانية:

    السياسة الثقافية بالمؤشرات التي ذكرناها في الحلقة الأولى حتما لها جذورها في حياة كل شعب من الشعوب فيه مستمدة من التقاليد والأعراف و النظريات الاجتماعية ومفاهيم الاتوبيا ، مثلما نجدها ما ثلة في مقاصد الدين وخلاصة التجربة الإنسانية التي كفلت حرية المشاركة في الحياة العامة وحقوق الإنسان في كافة المجالات كما الاعتبار الاجتماعي في الحياة على الأرض وبين الأمة التي يعيش بين ظهرانيها الفرد.
    ففي كل الحقب الزمنية يضع الناس وفي أي مجتمع خيارات وتصورات عديدة بشأن النموذج المعرفي الثقافي الذي يمكنهم من التعبير عن إلهاماتهم ومخاوفهم to express their aspirations and fears ، أفراحهم واتراحهم Their Celebrations & Rituals ، هذا إلى جانب كيفية تحويل الطاقة الكامنة في وجدانياتهم إلى إبداعات فنية وأدبية وابتكارات علمية وإنجازات مهنية في ميادين العطاء والبذل الوطني.
    قصدنا بكل ما سلف رسم صورة ذهنية لمفهوم ودور السياسة ا لثقافية ، بالقدر الذي يمكننا من معرفة موضوعاتها والتي نبتدرها بالتساؤل الآتي: هل السودان في حاجة إلى سياسة ثقافية جديدة ام قل هل هناك ضرورة لإصلاح مساره الثقافي في كل أوجهه؟ .
    الواقع السوداني يجيب بتلقائية نعم ، فالسودان اليوم حاله كحال عموم الأقطار الأفريقية فهو أيضا يدفع ضريبة ماضيه الاستعماري ، خطل سياسات حكام مرحلة ما بعد الاستقلال الناجمة عن فشل النخب في إتباع سياسات و استراتيجيات سياسية ثقافية تعزز من مشيئة العيش والبقاء معا في وئام بين مكونات الاجتماع البشري السوداني...إن النخب الحاكمة في بلادنا منذ عام 1953 م والى اليوم هي إفراز طبيعي لمنظومة فكر الصراع بالوكالة التي أنتجته الحرب الباردة بين السوفيت والغرب هذا على الصعيد الاممي ، و الارتباك في صياغة هوية سودانية موحدة تشكل قاسم مشترك وجداني ثقافي وطني بين كل أبناء الأمة السودانية ، فعاشت بلادنا حالة من الفصام بين عروبية ناقصة التكوين ، وافركا نية يتعامل معها أهل الفكر والسياسة في بلادي بكثير من الاستحياء إن لم نقل التأفف... فكان الوليد الموضوعي لحالة كهذه جنين مشوش الذهن ، يعاني مسخا في كثير من ميكانيزماته.

    الفعل الاستعماري يتجلى بوضوح في التوترات الاجتماعية - السياسية في كل من الشمال السوداني على حده على نحو ما نشاهد الاحتجاجات المتباينة بين أقاليم الشمال نفسه " الغرب ، الشرق ، النيل الأزرق " التي تشكو هيمنة أبناء الشمال النيلي على صنع القرار ... وان من والهم من أبناء الأقاليم لا يعدو كونه " ديكورا" لإطفاء بعد قومي زائف على حكم لا يتسم بالقومية والحيادية في تطبيق سياسة ثقافية أو اجتماعية عادلة بين مكونات الأمة، هذا الواقع ما جعلت منه الحركة الشعبية دليل عمل لنضالها ضد الحكومات المركزية في الخرطوم منذ قيامها ، وذلك بوصف الإدارة الحاكمة في السودان بأنها تكريس لهيمنة أقلية عروبية على السودان... ووجد أذانا صاغية حتى من دهاقنة السياسة في الشمال من أمثال الدكتور منصور خالد ، الذي تحدث في احد كتاباته بلغة من اكتشف ذاته ان سار خطا و مشاوير في هذه الحياة ، عندما قال انه و في أمريكا اكتشف أناس يشبهون السودانيين الشماليين وعرف إنهم هم الزنوج الأمريكان... و لا شك إن دكتور منصور خالد يتحدث و هو واحد ممن امتهنوا السياسة السودانية كوزير تنفيذ للخارجية السودانية في عهد مايو ، ومنظر ومستشار لكثير من الدوائر الغربية فيما يتعلق بالشأن السوداني إلى جانب ارتباطه العضوي و الذهني بالحركة الشعبية في الوقت الراهن.

    هذا فضلا عن الحرب الأهلية الدائرة بين الشمال والجنوب منذ عام 1955م والتي توقفت إلى حين لم يتمكن فيه الوطن من التقاط أنفاسه حتى نشب أوارها مجددا في عام 1983 م . كما إن التنافر البادي في أوساط أبناء ا لجنوب لا يقل أثرا في إحداث شروخ في الجدار القومي عن ذلك الحادث في العلاقات البينية للشماليين أنفسهم... ما نعانيه اليوم هو نتاج سياستين استعماريتين طبقتا فعلا وقولا في سودان وادي النيل منذ العهد التركي السابق ومرورا بالحكم الثنائي الإنجليزي – المصري هاتين السياستين هما:

    أولا: السياسية الثقافية – الاجتماعية البريطانية

    تمثلت هذه السياسة بجلاء شديد في تطبيق مبدأ " فرق تسد" Divide Rule و ذلك بسن قوانين المناطق المقفولة في جنوب دارفور – جنوب كردفان – و جنوب السودان ، هذه السياسة لها افرازات خطيرة على الوجود السوداني وقيمة بقائه وهي الحروب الأهلية المتجددة على نحو ما أسلفنا منذ حروب "لانيايا" الأولى والثانية وانتهاء بالحركة الشعبية الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق. فالاستراتيجية البريطانية والتي سارت عليها الإدارة الأمريكية في أيامنا الحاضرة فيما يتعلق بمعالجة ملف السودان هي الإيحاء بان السودان قد تطور في اتجاهين افتراقيين العروبة والإسلام في ا لشمال والزنوجة والمسيحية في الجنوب و ان هذين الاتجاهين لا يمكن أن يلتقيا ليشكلا دولة سودانية متحدة ، لتكون النتيجة الحتمية لهذا الانفلاق في الخلية البيولوجية السودانية هو انفصال الجنوب بحدود جديدة تضم بعض المناطق المهمشة إداريا وتنمويا مثل جنوب كردفان و النيل الأزرق و أي أطراف أخرى تختار طواعية الانضمام إلى دولة الشمال أو الجنوب السوداني. حيث عملت الإدارة البريطانية من قبل و الحكومات الأمريكية من بعد على معالجة الواقع السوداني انطلاقا من هذا المفهوم الاستراتيجي والذي لا ينفصل عن مصالح اقتصادية ودفاعية وعقائدية للعالم الغربي وأمريكا في منطقة البحيرات والقرن الأفريقي.... وان استمرار هذه الاستراتيجية يجد ما يبرره في فشل السياسة الوطنية السودانية في ردم الفجوة والهوة السحيقة في ا لنظرة الإنسانية للسودانيين تجاه بعضهم البعض ، و من ثم الفشل في إيجاد توليفة قومية أو وطنيه تتجاوز حالة الثنائية أو الازدواجية الذهنية لمفهوم الهوية القومية للدولة وذلك بقيام دولة المؤسسات التي تطبق سياسة ثقافية وعدالية كلية محايدة تماما تجاه الاجتماع البشري المؤلف للنسيج السوداني...إن ذهنية " الاعلون والادنون " المستشرية في " الشارع " السوداني تحولت إلى سياسة وقوانين لدولة المحاباة والتمييز الاجتماعي والسياسي على مدى أكثر من خمس وأربعون عاما و إلى اليوم... وهذه وحدها حالة كافية لان يحكم العالم المتحضر على السودان الشمالي بأنه فاقد إلى النظرة الإنسانية الراقية تجاه الغير وبالتالي يستدعي الأمر مساندة القوة المستضعفة أو التدخل القسري في الشأن السوداني ليزنوا القسطاس بالعدل.

    ثانيا: أما السياسة الثقافية الاستعمارية الثانية

    هي السياسة التي طبقها حكام مصر من الخديويين في العهدين التركي – المصري 1821- 1885 م ، و الإنجليزي – المصري 1899-1956 م ، حيث عملت تلك السياسة وبدافع تقذيم و احتواء الثورة المهدية عملت على بذر الفتنة الاثنية و الجهوية بين المجموعات السكانية الشمالية نفسها حيث قسمت الأجهزة المصرية سكان الشمال ( اعني بالشمال الغرب و الشرق والشمال النيلي والوسط) قسمنا إلى عنصرين وفقا للمصالح المصرية في السودان:
    1- عنصر وحدة وادي النيل و تمثله بعض قبائل الشمال النيلي وإتباع الطريقة الختمية في السودان.
    2- عنصر الحركة الاستقلالية ومعني به سكان غرب السودان ، والوسط و الحركة الأنصارية في السودان.

    ووفق هذا السياق اخذ بعض الساسة السودانيون بوعي أو دون وعي ينفعلون بمقتضيات الاستراتيجية المصرية والتي تخدم أشواق حكام مصر في ذلك الزمان في ضم السودان تحت التاج المصري ، أكثر من الانفعال بتوطيد أسباب التوحد بين السودانيين أنفسهم و الانتصار لقيمة بقاء الدولة السودانية وغاياتها القومية كدولة ذات سيادة كاملة وهوية مميزة على أراضيها وشعبها ، فالبيت أولى بالترتيب و التأسيس قبل التفكير في الدخول في وحدات اندماجية أو احتواء أكثر مع الغير.... هذا هو النموذج الاستعماري الثاني الذي تتجلى قسماته في مواقفنا السياسية ونظرتنا الاجتماعية لبعضنا البعض في سودان اليوم .... تجدها ماثلة في حكاوي حبوباتنا الأنصاريات والختميات و يشب عليها مثقفونا و يتعاطون معها في بحوثهم وكتاباتهم باعتبارها بديهيات ومسلمات... ولنعيد بهذا أسباب أزمتنا القومية جيلا بعد جيل.
    أي إن هناك أكثر من الية لتغذيتنا بمدخلات الوعي الزائف بالذات الوطنية ، وإنها مازالت تعمل بطرقها وأساليبها لنظل غرقى في غيبوبتنا و صراعاتنا الوهمية ، وحروب الوكالة عن الغير... وهذا أيضا موضوع كبير من موضوعات التوجيه المعنوي والتربية الوطنية والارتقاء بالنظرة الإنسانية و التواضع والتسليم بإرادة العيش والبقاء معا مع الأخر المختلف في الرأي أو الدين أو اللون أو الجهة .... إنها موضوعات لرسم سياسة ثقافية واعية تشكل ذهنا مستنيرا و بناء.

    إلى الحلقة الثالثة غدا إنشاء الله.


    اخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح
    **************************************************************************

    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2003, 01:10 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Third series on the way , appears before sunset.

    Regards.

    AbuSarah
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2003, 01:25 PM

فتحي البحيري
<aفتحي البحيري
تاريخ التسجيل: 14-02-2003
مجموع المشاركات: 19109

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    متا بعنك يا ابوسارة
    واصل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2003, 01:24 PM

sentimental


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Dear Abusara,

    I think this can be an official programme. it is realy an interesting issue and one of the essencial pilars in building the so called understanding towards unity.

    Although I have read the draft sheets before, but still I can find many new points. I hope that can be discussed by all memebers throughly.


    please go on and let us read the whole issue.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2003, 05:45 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    شكرا اخي / فتحي البحيري

    المقاتل الرابض في حياض الوطن تنفاح وتقاوم في وقت اصبح الشر فيه هو المسيطر ، وان ا لكلمة هي لسان حالنا الذي تتجاسر الانقاذ وربائبها يوما بعد يوم لقطعة ولكن هيهات
    ستجدني مواصلا

    Sentimental
    تحية لك نعم اظنك اطلعت على هذا المحور من قبل ، وكثيرا ما نقرأ اشياء مرة وفي المرة الثانية نكتشف ما لا نقف عليه في المرة الماضية ارجوك ان تدخل شيئا من تلك المثاقفات التي كنت تتحفنا بها في الادب الشعر والثقافة

    شكرا على مداخلاتكم المشجعة حتما

    ودمتم/ اخوكم
    ابوساره بابكر حسن صالح

    **************************************************************************مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-06-2003, 06:11 PM

omdurmani

تاريخ التسجيل: 22-06-2002
مجموع المشاركات: 1245

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    الاخ ابو سارة....
    نتابع باهتمام....ماتورده من افكار وتحليلات....واتفق تماما مع ما ذهبت اليه...ونرجو المواصلة....
    وربنا يديك العافية....
    .............
    امدرمانى/شريف
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-06-2003, 04:59 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    الحلقة الرابعة:

    فالسودان دولة متعددة الأصول الثقافية والأعراق كما الأعراف التقليدية النمطية ، فعلى الرغم من وجود عامل المواطنة الحافز لإرادة العيش والبقاء ومعنا بين كل الملل والنحل والأعراق ، وعامل الإسلام الذي يوحد بين تطلعات الأكثرية من سكان البلاد ، إلا أن السياسيتين الاستعماريتين أعلاه ظلتا ترياقا حقيقيا أمام أي تكامل وظيفي حقيقي بين المجموعات السكانية السودانية وحتى تلك التي يجمع بينها عامل الدين الإسلامي وهي المجموعة النوبية الدنقلاوية- الجعلية المتمركزة في الشمال ألنيلي ، والمجموعات الفوراوية و عرب البقارة في الغرب، والمجموعة البجاوية في الشرق هذا فضلا عن ان السياسة الثقافية القائمة على مبدأ فرق تسد قد باعدت بين المجموعات الشمالية الرئيسية المذكورة أعلاه فيما بينها ، فضلا عن إسفين الجفاء الذي دق بين كل تلك المجموعات مجتمعة والمجموعات الحامية النيلية التي تقطن جنوب السودان و تتقاطع مع السودان الشمال في بقاع كجبال النوبة والانقسنا ومناطق الفونج في الإقليم الأوسط . ومما لاشك فيه وبداهة روح الانتماء للوطن الواحد تتطلع كل من هذه المجموعات إلى روابط إنسانية تقوم على احترام حقوق المواطنة حيث لا اعلون و لا ادنون ، بل كل قاطني السودان من أفارقة أو عرب عاربة أو مستعربة جميعهم سودانيون ينبغي أن يعتزوا بهذا الوجود الفسيفسائي الذي تبدو فوائده إن تصالحنا مع ذاتنا الإنسانية أكثر من مضاره.

    إن التوترات الاجتماعية السياسية الحادثة في السودان ليست وقفا على سياسات الاستعمار فحسب ، بل ان السياسة الثقافية في مرحلة ما بعد التحرر من الاستعمار الاستيطاني الإنجليزي – المصري ، لا تعدو كونها سياسة لصب الزيت على نار الفرقة التي أشعلها المستعمر . فلم تعمل الحركة السياسية الثقافية بقدر كافي على إعلاء قيم الوحدة والإخاء الوطني في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني أو على الأقل فان الفعل الثقافي كان وما زال متخلفا عن المسعى والجهد السياسي ، فمثلا بينما يكون هناك مؤتمر للسلام ، يستمر التراشق في حقل الثقافة أو المجال العسكري ، وكأن تعلو الأصوات الانفصالية في الجنوب مطالبة بتقرير المصير عن أولاد العرب او ا لزعم في الطرف الآخر بان الجنوب نفسه عبء ثقيل على ا لشمال وان بتره أفضل من التمسك به ، هذا فضلا عن الذهنية الاستئصالية في كل جوانب الصراع السوداني وأطرافه سواء كانت شمالية شمالية أو جنوبية جنوبية أو على مستوى الجبهتين الشمالية الجنوبية.
    لقد كانت فكرة الأرض المحروقة the porched earth في الخمسينات والستينات هي ايدولوجيا تشبع بها بعض العسكر الشماليين وعلى رأسهم اللواء حسن بشير لإخضاع الجنوب للحكومات المركزية في الشمال أرضا خلاء بلا إنسان ، مثلما أن فكرة الجيش الشعبي لتحرير السودان والتي قال بها الدكتور جون قرنق في بداياتها في الثمانينات كانت هي إلقاء أبناء العرب والمسلمين في البحر المالح ليخلو الفضاء لبناء السودان الجديد و الانتصار للزنوجة والافركانية عبر بوابة حرب الابادة التي أتت على الأخضر واليابس في جنوبنا الحبيب، أي إن الأجندة الحربية من قبل كل الطرفين هي الآلية المثلي لوطن يقتات فيه الجزء على حساب الجزء الآخر ، يبنى بالسلب والقهر لا بثقافة الديمقراطية والتنظيم وحرية الاقتراع ... إنها كلها أفكار عدمية تنطلق من بقع عمياء هدفها الاستئصال في مباراة صفرية نتاجها هو فناء الكل في حرب الكل ضد الكل.
    لقد كان المرجو من النخب الحاكمة والمهيمنة على القرار السياسي الثقافي في مرحلة ما بعد الجلاء لا الاكتفاء بخروج المستعمر فحسب بل العمل على تطهير العقل الوطني من مخلفات السياسة الثقافية الاستعمارية وإفراغه من مدخلات الوعي الخرافي والمتعصب في لا موضوع أو موضوعية ، والتي غدت في مستقبل أيام الوطن قنابل مؤقته يديرها الاستعمار الحديثة من على البعد Remote ومن ثم تأزم واقعنا الاجتماعي السياسي على نحو ما نعيش اليوم حيث صار التخلف والفقر واستشراء فكر التجزئة والهدم يمينا أو يسارا فغدا وكأنه حالة قدرية في بلادنا وكذا الاحتراب لا فكاك منها.
    فالسياسة الديمقراطية الثقافية التكاملية لا سياسة الاندماج الثقافي القسري هي ما كان على النخب صانعة النسق العقدي في مرحلة ما بعد الاستعمار إتباعه وسنه لبناء مجتمع مدني ديمقراطي يتسم بالتعددية التي تستوعب الأصول الأفريقية العربية المتنوعة المشارب. فسياسة التذويب الثقافي Cultural Assimilation إلى جانب النظم الشمولية قد أفرزت أزمة الوطن ا لراهنة حيث تجأر مجموعات سكانية لا يستهان بها من الشكوى ضد سياسة التهميش وعدم الاعتبار الاجتماعي والسياسي ، حتى بين تلك المجموعات التي يوحد بينها عامل الدين الإسلامي واللغة العربية والتاريخ المشترك كما أسلفنا ، ناهيك عن ما خلفته من حرب مدمرة بين الشمال و الجنوب . فثقافة الوحدة الوطنية تعد مادة لسياسة الثقافية وضمن المساق الديمقراطي فيه تستوجب التصالح مع مكونات الأمة البشرية لتحقيق الوئام وشرط التعايش في سلام. وهذا ما لا توفره سياسات الاندماج والاحتواء التي تفضي إلى الإقصاء والتهميش ومن ثم الغبن الاجتماعي المفضي للاقتتال على نحو يهدد الأمن القومي وبقاء الدولة السودانية نفسه.




    صحيح إن للدولة السودانية مصلحة عقدية تقوم عليها فكرة الدولة كممثل لإرادة الأغلبية ، و لكن الدولة كمفهوم مجرد يشمل التعبير عن الإرادة الوطنية في التنوع نفسه ، فهي ليست أداة تستخدمها الأغلبية لهضم حقوق الأقليات وتهميش أرادتها الوطنية مثلما إنها أي الدولة ليس آلية تستغلها الأقليات للافتئات والبخس في حقوق الأغلبية ، فمثل هذا التجاذب بين الارادات تنتجه السياسات الثقافية الاحتوائية بينما تهذبه وتشذبه الديمقراطية الثقافية والتي تنعدم معها الوصاية و النظرة المتعالية تجاه الآخر المختلف عرقا و دينا وثقافة.
    فقيم التسامح والتعايش والاعتزاز بكل ما هو موجود في ارض الوطن يجعل التداول السلمي في كافة شئون الحياة أمرا ميسورا بحيث لا تكون هناك غرابة أو استهجان في أن يسعى بأمر الناس أدناهم و حيث لا مجموعة سكانية بعينها ترى بان لها الصدر دون الأخريات و ما عداها جنود وخدم منازل !! ففي وطن كالسودان بحجم قارة قليلة السكان ينبغي أن يكون هناك متسع لكل فرد ومنبر لك نبض ثقافي .... وهذا أيضا احد مواضيع السياسة الثقافية التي تصنع رجلا أو امرأة مؤتمنا أو مؤتمنة على الوطن كله و بأهله.



    اخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح

    ***********************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-06-2003, 07:10 AM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Dear all,

    The fifth series coming up sooner.


    Regards.

    AbuSara


    ************************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-07-2003, 07:59 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    نحن قادمون ...قادمون غدا

    ابوساره
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-07-2003, 09:36 AM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Hi brothers & Sisters.

    Sorry for this temporary cut off.

    I will be back tomorrow to Jeddah after few days business trip to London, and will continue posting the rest of this series.

    Best regards

    AbuSarah
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-07-2003, 03:03 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    ها نحن عدنا يا بوردادب مع الاعتذار عن التأخير الناجم عن ظروف سفر خارج البلاد

    اخوكم/ ابوساره
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-07-2003, 11:59 AM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    الرابعة: التجربة الأمريكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ... قياس مع شبه فارق بالحالة السودانية

    بالرجوع إلى التجربة الأمريكية في القرنين الماضيين تتبين تصاعد العنف والتفرقة العنصرية الثقافية ضد السكان المهاجرين إلى أمريكا والأصليين وذلك لان السكان البيض و الذين جاءوا من أوروبا الشمالية لاستيطان الدنيا الجديدة لم يخطر ببالهم ان نموذج حياتهم الذي بنوه على حساب السكان الأصليين من الهنود و استرقاق الأفارقة يمكن ان تهدده هجرات لاحقة . حيث أن الإنسان الأبيض اخذ بزمام السلطة السياسية وان وثيقة الحقوق الأساسية قد مهرت ببصماته وبشكل يحابيه وينحاز إلى أشواق الرجل الأبيض في كل شئ على حساب الآخر الزنجي أو الهندي أو الملون من المهاجرين. هذا الى جانب ممارسات الابادة والبطش وطمس الهوية الثقافية التي تمت من خلال محاولات عديدة في ظل السياسة الثقافية الاندماجية القسرية لاعادة تشكيل شخصية السكان الأمريكان الأصليين أو المهجرين وفقا للثقافة الأوروبية الوافدة إلى حملها معه الإنسان الأبيض إلى أمريكا. لقد مورس التهديد بالقتل أو النفي إلى جانب سياسة الاحتواء ضد الأخر أيضا ، بل كانت الإدارات الأمريكية تأخذ الأطفال قسرا لتودعهم في مأوى جماعي بدافع دمجهم في ثقافة مجتمع الدنيا الجديدة ، لقد عانى السكان الاصليون في أمريكا من الصراع الثقافي العنصري الاقصائي الذي قاده ضدهم الأوروبيون البروتستانت القادمون من أوروبا الشمالية كما أسلفنا وغيرهم.... الذين ينطبق عليهم المثل السوداني الكردفاني " دجاجة الخلاء طردت دجاجة القرية أو الحلة " .
    ظلت مجموعات سكانية كالهنود الحمر يصورون في الأفلام الأمريكية الوثائقية والترفيهية بشكل يسمهم بالوحشية والرغبة في القتال Brutal & Warmongering لذا أي الهنود يستحقون العذاب والقهر على يد الرجل الأبيض و حرب الحكومة الأمريكية ضدهم وقتذاك. إلا انه وعلى الرغم ممن الحرب الضروس ضد الهنود الحمر ظل تأثيرهم على الثقافة الأمريكية تأثيرا ظاهرا ، فالفلاسفة المعاصرين في الولايات المتحدة يعتبرون التقاليد والأعراف الهندية مصدرا أساسيا للتوازن الروحي والحكمة والتروي وهم أي الهنود الحمر يمثلون بذلك القدوة في القدرة على تحمل العذاب و الابتلاء والقهر بل إنهم يجسدون الكرامة الفطرية والطبيعة الإنسانية الخالصة ، وهذا ما يشير إلى إن الثقافة الديناميكية الاشعائية لا يمكن احتواؤها أو تذويبها ومهما ارتكب الإنسان من جرائم القتل و الابادة ضد أخيه الإنسان و مهما اجتهد في ممارسة التضليل والتشويه والطمس للشخصية الاعتبارية للأخر المختلف في الرأي أو العرق أو ا لدين.

    السياسة الاقصائية أو الاحتوائية تلك هي ما جسده الكاتب الأمريكي (زانجويل) Zangwill عام 1908 م في مسرحيته المسماة بوتقة الانصهار The Melting Pot حيث برز اثنان من المهاجرين وهما " فيرا" وهي مسيحية تعمل خادمة منزل و الآخر هو " ديفيد" أمريكي من اصل روسي ، لقد وقف الاثنان تحت ظل تمثال الحرية محدقين..!!!

    فيرا : كيف يبدو جميلا الغروب بعد العاصفة ؟
    ديفيد: إنها نار الله تحف بوتقته ، إنها بوتقة الانصهار العظيمة ... أنصتي !! أتسمعين الفوران و الغليان ؟ إنها فاغرة فاها ، إنها الملاذ حيث آلاف الشاحنات تأتي من فجاج العالم لتصب حمولتها من البشر !! آه أي اضطراب وزبد ! كلت Celt ، و لآتين ، سلاف وألمان ، إغريق و سوريين ، سود وصفر !!
    فيرا: يهود وغير يهود !
    ديفيد : نعم ... شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، قصارا وطوالا ، قطبيين واستوائيين ، الهلال والصليب .. كيف صهرهم هذا الكيميائي القدير ولحمهم بلهب التطهير ؟!! إنهم هنا ليتحدوا لبناء جمهورية الإنسان ومملكة الإله !.

    كانت تلك قمة الأمل في نفوس المهاجرين الجدد بالمساواة الكاملة في المجتمع الأمريكي ومع هذا الحلم الجميل قد فشلت سياسة بوتقة الانصهار في أمريكا وان تمظهرت فقط فيما تعارف عليه بالطريقة الأمريكية في الكلام والمعاملات الحياتية اليومية والمظهر العام في الشارع العام الأمريكي. فلم يجد وضع المهاجرين والزنوج في جيتوهات Gettos ومن ثم احتوائهم حضاريا في ثقافة واحدة تذيب فيهم الأصل ، حيث ظل الهنود هنودا والأفارقة أفارقة كل له مجتمعه الخاص به داخل الوجود الأمريكي الواسع وان لم تكن هناك قطيعة بين الوجودين المتمايزين ثقافيا ، فعلى الرغم من وقع الحياة المتسارع و أمواج الحداثة بقى التنوع الثقافي كما بقى سيدنا إبراهيم حيات تحت نار المجوس!!.
    فبعد أن فشلت سياسة ومنطق بوتقة الانصهار جنحت الحكومات الأمريكية في ثلاثينات القرن العشرين إلى اعتماد سياسة ثقافية وإدارية جديدة هي سياسة التنوع في الوحدة والوحدة مع التنوع والتي تمخض عنها توازن وجداني حقوقي في المجتمع ، فركزت الدولة الأمريكية على الحريات العامة والفردية وحماية المبادرات وحقوق التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة سياسية كانت أو ثقافية – اجتماعية اقتصادية ، فتقلصت بل انتفت بذلك الرغبة المتوحشة في التهام الآخر المختلف وتدميره أو تشويه إن تعذر احتواؤه أو هضم حقوقه.
    لذا يبدو إن مفاهيم كالتعايش و التسامح و التواصل الحضاري بين الاثنيات و في سياق " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .." تعتبر هي الأخرى مادة للسياسة الثقافية لا بمعنى المزايدة بالدين ومقاصده الكريمة ولكن ينبغي تطبيق هذه المعاني وترجمتها في حقوق المواطنة و في المشاركة الحرة في الحياة لكل مفرداتها ومناشطها الحيوية ، بحيث لا يكون هناك مستغلون وآخرون مستضعفون أي لا يملك زمام امرنا الأوغاد واللئام ويكون بعضنا كما يقول المثل " كرام في موائد اللئام ". .. فالمشكل السياسي – الثقافي الاجتماعي – الاقتصادي في سودان اليوم هو نتاج طبيعي لسياسة الاندماج والاحتواء القسري التي مارسها الاستعمار الاستيطاني التركي – المصري و الإنجليزي المصري والتي سارت على هديها النخبة التي حكمت السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال والتي مكنت لعصبية بعينها لم تحكم بمقتضى مفاهيم أو قوانين دولة المؤسسة والتي ينبغي ان تكون محايدة تجاه مواطنيها إحقاق لعدالة الدور وعدالة ا لحق.... سلطة ما بعد الاستقلال في السودان سارت على نهج فرق تسد The Divide Rule الاستعماري ، فتبدو الرغبة في تركيز السلطة والقرارات الوطنية في يد مجموعة بعينها ، ولكي تستمر في الحكم تعمل على احاطة نفسها بسياج من الخدمة المدنية أو القوات النظامية التي تم تشكليها بروح المحسوبية والمحاباة إنها ثقافة سياسية قبلية أو جهوية غيبت الشفافية والعدل الاجتماعي في البلاد وأحدثت ما نعيشه اليوم....خطاب ديني إسلامي أممي أو يساري – علماني ، بينما تجد آليات حكم أو إدارة حزبية تقوم على قانون القلة القليلة Law of Oligarchy ، وهذا هو السبب الرئيس في الصراعات الراهنة كما بينا بين الشمال والجنوب ، وفي علاقات الجنوب أو الشمال البينية ، صراع بين أبناء الغرب والبحر والشرق والشمال داخل الحزب الواحد سواء كان يمينيا أو يساريا ، جميعها صورا بائسة نتاج فكر اجتماعي عنصري متخلف تسعى به الصفوة المتعلمة أكثر الأميين والجهلة في المجتمع .... مثقفونا قبليين أكثر من زعيم القبيلة نفسه.. .يتشدقون بالديمقراطية ويرتدون الثقافة روب تخرج من الجامعة ويجيدونها في فنون الكتابة والرواية والشعر ويعيشون التحيز والتمييز الاجتماعي في كل خلجة من خلجاتهم...فادخلوا الوطن والدين في أزمة ومأزق.

    السياسة الثقافية الناجحة هي التي تنتج مواطن صالح بغض النظر عن عرقه أو جهويته ، متقلدون بقلائد الإنسانية وقيم المواطنة الحقة المستمدة من التجربة الإنسانية وقيم الأديان والأعراف المجتمعية الراقية ، مثقف أو حاكم أو مواطن كهذا يرجى منه الخير والعمل لرفعة ومصلحة وطنه دون أي نزوع للمحاباة أو انحياز اجتماعي أو تمييز عنصري.
    فمجتمع الاحتواء والتذويب يعد مجتمعا وصائيا متخلفا يحمل بذور فنائه وجموده في داخله ومهما تغنى بالمجد والمشروعات الحضارية لن يبلغ " بلح الشام ولا يطال عنب اليمن" ويبقى كالمنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.. مجتمع الإقصاء والطمس والتهميش تطفي بعض مجموعاته على نفسها صفات الوطنية والقومية والاصالة بينما تخلعها عن غيرها ، فبالتالي تنطلق مثل هذه المجموعات السكانية من بقع عمياء في تفكيرها ... فتنظر إلى بقية مكونات الدولة بنظرة سوداوية بغيضه ، يتعاظم لديها الشعور بكراهية الآخر المختلف ، فتجد هذه الكراهية طريقها إلى مؤسسات الدولة الخدمية والثقافية والعدالية فتنج الظلم والمحسوبية والتهميش.. و بذلك يختل التوازن وعدالة الدور والحق في الدولة من أعلى الهرم إلى أدنى مستوى وظيفي أو عمال بل تهمش طاقات وعقول كان من الأجدر أن تسهم في معركة التقدم والحداثة في بلادها.

    يحكي لي بعض الإخوة من خريجي الجامعات السودانية في تسعينات القرن العشرين أي في عهد سطوة الشيخ حسن الترابي ، يقول انه ذهب ليتعين بوزارة الخارجية واجتاز كل المراحل بجدارة تامة ، وعند المقابلة الشخصية مع الوزير أو وكيل الوزارة قال له انك من قبيلة كذا ، وهذه القبيلة تاريخها السياسي معروف .... وبالتالي لا مجال لك في العمل هنا .... ويفصح متحدثي أكثر ليقول لي انه من قبيلة الحمر وهي قبيلة في كردفان تدين بولائها للمهدية وحزب الأمة ، وان الشخص الذي أجرى معه المقابلة وعلى حد قوله انه شايقي.
    فان حدث هذا بالفعل فهو شئ طبيعي في دولة ما زالت تحمل في طياتها الكثير من الرؤى المتخلفة المتغلغلة في مؤسسات الدولة ، و قد يكون حظ محدثي فقط هو الذي وضعه في مقابلة شخص مشحون بفكر التجزئة والكراهية ، لكني على يقين بان وزارة الخارجية بها الكثير من أبناء الحمر والغرب والشرق و الجنوب ، صحيح قد يكون هناك لوبهات داخل الوزارة وأي وزارة أخرى ، قد لا تجعل مبدأ الحيادية التام في المؤسسات الحكومية مطبقا ..فما حدث لصاحبي هذا نموذج تعالجه السياسة الثقافية القومية الواعية – المؤسسية المحايدة .
    بحيث يدرك الشايقي أو الدينكاوي بأنه ليس أحق بالانتماء والولاء الوطني من ابن الشلك أو الحمر ، وان لا يدعي بان السودان سيغرق أو إن ابن القبيلة أو الجهة الفلانية " سيسومنا سوء العذاب و يستحي نساءنا من بنات جعل او دينق " . فتلك من المفاهيم البالية التي انتقلت وقننت كبنود في الإدارة اليومية للدولة السودانية المعاصرة... فالدولة في تقديري هي كالأب أو الأم تحمل في أحشائها مشاعر محايدة تجاه أبنائها وبناتها.
    فمن اولويات السياسة الثقافية التي نريد و نعمل على تحققها في بلادنا هي العمل على صون الوحدة الوطنية و إشاعة مبدأ عدم الإكراه أو الكراهية في كل شئون الحياة في المجتمع حيث لا إكراه في الدين وبالتالي في التنوع الثقافي الذي لم تتجاهله الأديان أيضا بل اعترفت به في أكثر من معنى أو دلالة .
    مثال آخر هو إذا ما نظرنا إلى الثقافة الحربية وإنتاج أجهزة التوجيه المعنوي في جانبي الصراع السوداني الراهن بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية يبدو واضحا إن الإنتاج الأدبي في مرحلة من مراحل الصراع انه إنتاج ثقافي لا يخدم المسعى من اجل السلام والوحدة .
    فالحركة الشعبية غذت مقاتليها بالعداء ضد العرب أو المتسعربين و المسلمين في السودان الشمالي بصورة دمرت معها أجهزة التفكير الموضوعي في عقول إتباعها، حيث إن إثارة العداوات في ظروف الحرب يعد احد دواعي التوجيه المعني في المسألة العسكرية لحمل المقاتل ليقاتل بوحشية ضد خصمه. فالحركة استقدمت ثقل التاريخ الاستعماري و الكثير من أباطيله لتدمغ بها الوجود المستعرب – المسلم في السودان بصورة بلغت حد المبالغة في اتهام الشماليين بالاتجار في الجنوبيين في أيامنا الحضارة من نهايات القرن العشرين ومطلع هذا القرن الجاري ، فضلا عن الزعم بان الإمام المهدي كان تاجرا للرقيق وغيرها من التهويمات ، إلى درجة إن الرجل الأبيض الأمريكي أو الأوروبي وبسبب دعمه الحالي لقضية الحركة الشعبية وتبنيه لها أصبح اقرب عضويا إلى نفس مقاتلي الحركة الشعبية وبعض النخب الثقافية الجنوبية من أخيه الشمالي المستعرب أو المسلم والذي يشاطره ذات الاهاب الأسمر و لو بدرجات متفاوتة. لتبدو بذلك الصورة مقلوبة في عقل إنسان الجنوب الذي تعمل بعض نخبه الثقافية على تبرئة الرجل الأبيض من جريمة الرق في أفريقيا والتي لم يسلم منها السودان ، وكان و ليمسبرج وفيرجينيا لم تشهد في التاريخ وصول او شاحنة من الرقيق الأفريقي عام 1616م أي قبل ميلاد الإمام المهدي بأكثر من قرنين من الزمان ، حيث ظل سدنة الرق و باستمرار يقدمون التبريرات الدينية والأخلاقية والعلمية بل السياسية وغيرها من النظريات البيولوجية والنفسية عديمة المعنى Mumbo- Jumbo إلا في التأصيل لدونية و احتقار و استعباد إنسان أفريقيا.
    وبذات القدر فان الخطاب الحربي في الجانب الشمالي المستعرب المسلم لم يكن اقل ضررا بالوحدة الوطنية من الخطاب الجنوبي . فالخطاب الديني الممعن في التطرف أوغر صدور الجنوبيين ، مثلما أعطاهم مادة جيدة أصبحت دليل عمل للصراع تخدم بوعي أو دون وعي الأهداف الاستعمارية المستترة و التي ترمي إلى تقسيم السودان شعبا وأرضا و إن كان هذا لا ينسجم مع آمال الوحدويون من أبناء الجنوب والشمال على خد سواء، إلا ان الوحدويين من أبناء الجنوب يبدون في استياء تام من تصوير الحرب ضد إقليمهم وكأنها حرب دينية بين الإسلام والمسيحية او عنصرية بين العرب الأفارقة في السودان...
    فالسياسة الثقافية المنتجة في زمن الحرب هي ثقافة أزمة لا تصلح كمادة حيدة للثقافة السياسية الداعمة لمفاهيم التعايش و السلام ، فهي أي الثقافة الحربية عادة ما تكون محكومة بالشطط والعدوانية و استدعاء كل صور الاتوبيا و البارسايكولوجي في العملية القتالية على نحو ما شاهدنا في أهازيج الحماسة و الاستغراق الديني الغيبي في خطاب الجبهة الإسلامية الجهادية، لدرجة الزعم بان " القرود " تشارك في القتال ونزع الألغام التي يزرعها العدو ، كما هو معلوم في القرآن بان هناك أقوام جعلهم الله قردة وخنازير ، فكيف أصبح قرد هذا الزمان مجاهدا ؟!! ليس هذا فحسب بل سمعنا بمن يشم رائحة المسك تفوح من البصل ، ومعلوم إن سيدنا موسى قال لقومه حين طلبوا منه البصل والثوم " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" ، هذا إلى جانب زيجات تعقد للشهداء في بساط الدنيا الفانية على الحور العين في دار المقام " الاخره" ، فما سمعنا بهذا في الأولين... كل هذا وغيره من صور الترغيب في الفعل القتالي ضد الخارجين على الدولة لا يؤسس ثقافة الوئام والسلام و الوحدة في السودان.
    صحيح إن المصلحة الدفاعية هي احد الغايات التي تعمل السياسة الثقافية على غرسها في نفس المواطن و ذلك عبر برامج فدائية وحماسية عديدة ولكن ينبغي أن تكون الدولة أكثر رشدا في إنتاج مثل هذه الثقافة و التي سيكون لها ما بعدها خاصة في مرحلة إقرار السلام حيث تبدو لتلك الأهازيج دلالاتها في نفوس المقاتلين على الجانبين. لا شك ان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ومطلوب لحماية البيضة والدفاع عن الأوطان ، ولكن ينبغي إلا يسوق له ثقافيا بتلك الكيفية وكأن الغاية من الجهاد هي زواج في الآخرة يتم إشهاره في الدنيا ، فاخر آية نزلت في القرآن هي " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا " تبين هذه الآية وبشكل قاطع أي نوع من الثقافة الدينية مطلوبة هنا حيث روي في سبب نزولها إن رجلا قال : ( يا نبي الله إني أحب الجهاد و أحب أن يرى مكاني ) ، فانزل الله هذه الآية لتوضح بان الغاية من الجهاد ليست التباهي أو الزواج من الحور العين بقدر ما هو عمل صالح يرجو به المرء لقاء ربه. فقيم الأديان وتعاليمها ومقاصدها هي أيضا مادة للسياسة الثقافية التي ينبغي ان تتوخى مؤسسات صنع الثقافة في بلادنا الدقة في إنتاجها ومن ثم ضخها إلى عقول الجمهور كمدخلات رشيدة للوعي:
    فإذا أردت ان تدمر جهاز تفكير إنسان ما فزوده بمعلومات مغلوطة أو مضللة... فتراه ينطلق كثور في حلبة الصراع الأسباني ....في تهور وحرب بالوكالة ... لا يدرك خطأ فيها إلا بعد أن ينزع من عينية تلك العصابة من المعلومات الكاذبة.
    فالحرب الأهلية ومهما علا فيها صوت الخطاب العنصري أو الديني أو الجهوية في الشمال أو الجنوب أو الغرب و الشرق ، فهي في النهاية ليست كذلك وان الانتماء القومي لأي من أبناء السودان ليس موضع طعن ، أو تجريح فيه حرب عدالية بالدرجة الأولى لا ينبغي لها إلا أن توخذ كذلك فكل من الطرفين يقاتل لاسترداد أو الحفاظ على حقوق جهته أو مجموعته السكانية وهذا يمكن أن يتحقق في نطاق دولة القانون و الاعتراف المتبادل و التبادل السلمي للسطلة و الأدوار في كل مؤسسات الدولة المدنية العسكرية النظامية وغيرها ... نعم إننا في حاجة إلى سياسة ثقافية تنموية جديدة تجعل الوحدة حالة ذهنية و نفسية متأصلة في وجدان كل سوداني و مهما وقع عليه ظلم شخصي أو على مجموعته الاثنية ليكون لسان حاله:

    بلادي وان جارت علي عزيزة *** أهلي وان ضنو علي كرام

    نعم انه معلوم لدينا من وجهة نظر الاجتماع البشري واشكالياته انه:
    إن كان في الأرض عدل *** ما شب فيها قتال

    ولكن الروح المبثوثة في بيت الشعر الأول أعلاه ، تجعل من الحلول الحضارية السلمية لقضايا الإنسانية أمرا متأتيا وبأقل الخسائر ويشيع ثقافة التسامح وهي ثقافة سياسية ديمقراطية مطلوبة ....

    ودمتم/
    أخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح

    **************************************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-07-2003, 01:31 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Six series is coming up very soon.

    yours,

    AbuSara
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-07-2003, 10:45 AM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    التكامل الاجتماعي الوظيفي + قيم العلم والعمل ... مادة للسياسة الثقافية الرشيدة- الحلقة السادسة:

    اذكر في هذا السياق عندما تخرجنا في جامعة الإسكندرية عام 1990م ، جلس عدد من زملائي الخريجون السودانيون إلى الدكتور عواد حسين راعي رابطة الطلاب الأفارقة بالجامعة . اخذ الأستاذ الجليل يسأل عن تطلعات وآمال مرحلة ما بعد التخرج.... فكانت توقعاته ان يسمع أحاديث مثفائلة من طلبته ، إلا أن ردود ومداخلات جل الخريجين جاءت تشاؤمية ، فنظر استأذنا الى تلاميذه خريجو ذاك اليوم قائلا إنكم شباب حديثو التخرج وتحملون مؤهلات معتبرة ولديكم بلد ملئ بالخيرات ، مئات الملايين من الأفدنة الصالحة للزراعة قياسا بواقع الحال عندنا هنا في مصر حيث ستين مليون مواطن يعتمدون على ستة ملايين فدان صالحة للزراعة !! فلماذا كل هذا التشاؤم ، وأردف الدكتور عواد حسين قائلا ما الذي يجعلني اجلس عشرات السينين في هذه الجامعة وراتبي فيها لا يتجاوز مائتين وخمسون جنيها هي (مصاريف) شهرية لأي طالب منكم هنا ، فرغم ذلك أقول ان عزائي هو مصر ... مصر ، فلماذا لا يكون عزاؤكم هو السودان؟!!.
    الحالة أعلاه قصدت بها الإشارة إلى دور السياسة الثقافية واثرها في توليد العصبية الوطنية في وجدان المواطن ليصبح الوطن عزيزا بالفعل على أهله حتى وان جار عليهم او ضن . وهذا ما أشرت إليه بضرورة ان تصبح الوطنية حالة ذهنية ووجدانية في تكويننا النفسي والعقلي ، ولكن هذا لا يتأتى في ظل السياسات الثقافية الاقصائية التي تعمق الولاء القبلي والجهوي ، وتعمل الية التهميش او التذويب القسري لمجموعات سكانية هي اكبر من حجم دول تعد صناعية في العالم الغربي بل اكبر من الكثير من مساحة وسكان دول عربية عديدة. فالعصبية الوطنية تنشأ من الاعتبار ، فحين يكون للإنسان قيمة في وطنه يبدو دوما مشدودا تجاهه لا مدفوعا الى ولاءات خارجه.

    ان الثقافة الديمقراطية و السياسة الثقافية التي نريدها لا تنحصر في الهم الوحدوي فحسب بل تتعدى ذلك لتحقيق عدالة الدور وعدالة الحق كضمانة أكيدة لتأمين وصون التكامل الوظيفي الاجتماعي والوحدة السياسية ... إننا نريدها ثقافة ماثلة في سلوك وأدب المعاملات والنظرة الإنسانية الصادرة عن الإنسان لأخيه الإنسان في سياق وحدات ا لزمان المتوترة بشكل يومي في سودان وادي النيل ما أشرقت شمس او غابت . نريدها ثقافة تنعكس احتراما لقيم العلم والعمل ، ثقافة تطبق في الزراعة والصناعة وفي مراكز البحث العلمي وحقول التجارب ، نريدها سياسة لقيم الإخاء والمشاركة يسعى بها المجتمع مثلما تحملها كافة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني و المؤسسات الخدمية العام منها والخاص.
    وهنا استميح القارئ عذرا مجددا لاستحضر مقولة الإمام محمد عبده قبل مائة عام ونيف حين قام بأول زيارة له إلى أوروبا ... قال الشيخ الجليل " وجدت إسلاما بلا مسلمين" ، أيا ترى ماذا وجد هذا العالم الكبير؟ حتما إن الإمام محمد عبده لم ينظر إلى الغرب بعين السخط التي تبد المساوئ ، و لا بعين الرضا التي هي عن كل عيب كليلة ، بل كان الرجل موضوعيا عقلانيا منصفا متجرد ا.
    فالزائر إلى بريطانيا في أيامنا الحاضرة تلفت انتباهه سلوكيات اجتماعية مرغوبة يعيشها المرء في وقع الحياة اليومي انطلاقا من طريقة التخلص من القمامة المنزلية حيث " النظافة من الإيمان" ، وانتهاء بمحطة مترو الإنفاق أو الأتوبيس وأماكن التسوق و المؤسسات الخدمية الحكومي منها والخاص ، فحين يقف المرء أمام أي عامل أو موظف في تلك البلاد لإنهاء معاملة ما بيعا أو شراء أو خدمة ، يشهد اهتماما بالغا به وفوق ذلك يجد الكفاءة العالية والسرعة في الأداء المصحوب ببشاشة وترحاب من الموظف أو الموظفة يثلج الصدور ويريح نفس المكدود أو طالب الخدمة الذي يقف أمامه / أمامها ، وهنا نجد كما وجد الإمام محمد عبده مبدأ إسلاميا في غير بلاد الإسلام الا وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من عمل منكم عملا فليتقنه) ... و لا إيمان بلا عمل..
    ليس هذا فحسب بل انك لترى الكل مصطف كالبنيان المرصوص في انتظار قضاء حوائجهم لا احد يسابق أحدا ، وإذا غفلت عن دورك ينبهك من هو خلفك. فالاصطفاف هنا لا لازمة أو نقص في الخبز أو البنزين كما هو حادث في بلاد كثيرة ، بل انه النظام وعدالة الدور ، لا احد يطلب منك أن تؤثره على نفسك ولو كان بك خصاصا ، و لكن مطلوب منك فقط هو إلا تكون أنانيا " لتتغول " على دور وفرصة غيرك.. وفوق كل هذا تشهد الاهتمام البالغ بالعلم و البحث و التحصيل المعرفي ، و هذا أيضا بعض ما وجد الإمام محمد عبده ليقول قولته الذهبية المشهورة المنقولة إلينا جيلا بعد جيل.

    تلك الحياة الغربية المفعمة بتقديس قيم العلم والعمل و حب النظام و التي تبدو هادئة ومتسارعة في ذات الوقت ما هي إلا ناتج لسياسة ثقافية عملت على إعادة تشكيل و بناء العقل الغربي وتنقيته من رواسب و عقد الجهل في القرون والوسطى وصدأ العنصرية و التمييز الاجتماعي في عصور الإقطاع الغربي و الاستعلاء العرقي ، وقتذاك ... فليس هناك مستحيل إذا ما توفرت الإرادة و العزيمة والحزم والطموح المستهدف لمواضع الخلل القاصد سبل التغيير والإصلاح و إعادة البناء.

    اتيحت لي الفرصة لزيارة قسم الدراسات العليا شعبة الفيزياء وعلوم الفلك بجامعة بيرمنجهام في أكتوبر عام 2000م برفقة زوجتي الدكتورة/ نهى بشرى التي كانت تحضر للماجستير في الأشعة و الفيزياء الطبية بالجامعة . فدخلت في غرفة ذات أثاث عتيق ، إلا انه يبدو عريقا ، حيث رسائل الماجستير والدكتوراه في علوم الفيزياء تزين الأرفف ، فجلست على كرسي حول طاولة عودية اللون تشبه في متانتها أخشاب التيك و المهوقني الاستوائي ... و لمجرد أن أخذت مكاني قيل لي أتدري أين أنت جالس الآن ... قلت هنا في هذه المكتب... فقيل لي في هذا المكان وهذه الطاولة التي أنت جالس عليها هذه اللحظة وقبل أكثر من خمسون عاما أنهى العالم الشهير البروفسور " بيرل " حساب مكونات أول قنبلة نووية ، وكان من المفترض ان تصنعها بريطانيا وقتذاك ، وإنها ذات النتائج التجريبية والحسابية التي قدمها اينشتاين لأمريكا لتقوم بتصنيعها و استخدامها ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية.....!! فصمت هنيهة وقلت في نفسي المثل السوداني ...." الخيل تجقلب والشكر لحماد..". يعني البروفسور بيرل هو أبو القنبلة الذرية ، وما كان لاينشتاين إلا اجر المناولة لأمريكا... أرجو الا يذهب تفكير القارئ إلى ما ذهبت إليه دور اينشتاين في صناعة القنبلة النووية فهو اكبر من ذلك بكثير.
    فازداد فضولي فأخذت أحدق في المخطوطات من حولي ومن فوقي علي أجد اسما سودانيا أو حتى عربيا وبعد جهد جهيد وقع طرفي على اسم احمد و لكنه ( احمد خان) و آخر اسمه غلام فالاثنين من الأسماء يبدو أنهما من باكستان أو الهند ، فقلت في نفسي هذا جانب من سر امتلاك هاتين الدولتين للطاقة النووية سواء لأغراض تنموية أو لإحداث توازن في الرعب بينهما لا القوة فحسب في أوقاتنا الراهنة.

    فسألت الطالبة السودانية زوجتي الدكتورة نهى وقلت لها ، أين السودانيون هنا... للأسف لا احد بل ذكرت لي بان احد أستاذها قال لها تعقد مؤتمرات علمية حيوية في مجالات علوم الفيزياء الطبية والطاقة و يؤمها العلماء والباحثين من كل فج في العالم إلا انه لم يشاهد أو يسمع مشاركا سودانيا في أي منها... فكانت موضع احترام دكاترتها وتشجيعهم . فحدثت نفسي مجددا متسائلا أيمكن أن تبني امة مشروعها الحضاري بصيحات دفاعنا الشعبي يا هو ديل............أو دي !!!

    دعك عن أولئك القابعون داخل أسوار الوطن حكومة وشعبا ، فماذا يفعل هذا لكم الهائل من السودانيين هنا في بريطانيا ... ألا يكون العلم والتحضر من ضمن أسباب هجرتهم إلى هنا أم إنهم في شغل و لهو عن أسباب المعرفة معرضون . إن الأكثرية من بني وطني هنا تعيش ضنك العيش في بلاد الرفاه ، إنهم في ملهاة انتظار استحقاقات اللجوء السياسي وصدقاته التي قد يطول أمدها . لقد قذفتهم عوامل الطرد Push Factors خارج ديارهم قسرا ، فغدا من كان حريصا على الترقي في سلم المعرفة مقعدا بفعل صنوف الدهر ع موكب العلم.. هذا فضلا عن حالة عدم الترابط الاجتماعي بين السودانيين هناك إلا من رحم ربك ! و على النقيض من حالنا يسرك منظر الجاليات الآسيوية الأعجمية من سيخ ، هنود ، و باكستانيين ، حين تراهم يتغلغلون في كل مؤسسات الحياة العلمية والاقتصادية والخدمية في بريطانيا ، ومع ذلك تراهم ركعا سجدا يتسابقون إلى المراكز الإسلامية و إلى مرافق العلم والبحث و التحصيل. وفوق ذلك تراهم يحافظون على عرى الترابط الاجتماعي و يحافظون على سماتهم و نسقهم الإنساني المترابط و المتراحم في تكافل و تكاتف مثير للإعجاب. فسألت نفسي لماذا تبدو هذه الأقوام هكذا في بلاد المهجر أينما هاجرت ، بينما نحن السودانيون يصبنا داء الشتات و النفور من بعضنا البعض إن لم نقل التأفف و التنكر لأبناء جلدتنا !!
    ما هو السبب في حالة التفكك الاجتماعي وعدم التكاتف التي تعتري جالياتنا السودانية في الخارج ، لماذا نتمظهر في شكل جمعيات قبلية هذه للمحس وتلك للدناقلة وثالث لكذا ، بينما تضمحل الرابطة الوطنية في إطار نطاق أبناء الجالية السودانية بمختلف جهوياتهم وقبائلهم " و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وذلك قياسا بالهنود والباكستان وغيرهم من شعوب آسيا الذي توحد بينهم رابطة الهندية أو الباكستانية أكثر من أي رباط آخر...ما هو السبب ؟ هل هو قسوة الحياة أم المتوارث من ثقافة الحبوبات و الأثر الاستعماري المصري – التركي ام الإنجليزي المصري الذي اعمل فينا سياسة فرق تسد بين أبناء بحر و غرب وشرق وجنوب ، أم إنها تأثيرات أمواج الحداثة و المادية الطاغية و التي وأدت قيم الحنان الاجتماعي و المروءة و الشهامة وكرم الضيافة في مواطنينا هناك !! و لماذا تفعل هذه العوامل فعلها فينا نحن كسودانيين ، بينما لا تجد طريقها إلى الأنساق الآسيوية الأخرى من يا بانيين و صينيين و غيرهم ؟.
    إن كان لي أن اجتهد لإيجاد سبب في ما هو عليه واقعنا الاجتماعي في الخارج ، يمكنني إن أقول إن السبب واصح هو السياسة الثقافية لتلك الشعوب سواء كانت افريقية أو آسيوية ، فالسياسة الثقافية هي التي توحد بينهم مصيريا او تفرق بينهم ، في التي تغرس حب الأوطان وضرورة التعايش والتكامل مع كل أهلها وسكانها بمختلف أعراقهم وثقافاتهم وجهوياتهم أينما رحلوا أو حلو ، إنها السياسة الثقافية التي تطالب المواطنين بالسعي و تعليم الأبناء علوم عصرهم لذلك نجد الهنود في أوروبا هم من أميز مهندسو الكمبيوتر و أفضل الأطباء ، بل صار لهم تأثير حتى في وسائط الإعلام والفنون والذوق العام في الأزياء والموضة وغيرها في البلاد التي يقيمون فيها...قد يقول قائل لا ان السودانيون هم أفضل الأطباء في بريطانيا ، نعم لهم وجود كبير ولكنه لا غير منظم ، و لا اثر له بمقاييس روح الجماعة وقيم المجتمعات التي تبدو متماسكة على الطريقة اليابانية أو الهندية التي تؤثر وتتأثر في معطيات الفعل الحضاري والثقافي في البيئة التي يعيشون بها وهذه لا تتم الا من خلال ترابط اجتماعي بين الجاليات كنسق متفاعل ومنفتح على غيره من مكونات المجتمع دون عصبية عرقية او طائفية.
    أن الدول تتنافس على سوق العمل العالمي و لذا فان من اولويات سياستها الثقافية هو الحض على التأهيل لا التجهيل.. في ذاك العالم الذي رآه الإمام محمد عبده لا مجال للتواكل والكسل فمن تصبه عاهة من هذا فمكانه قاع المدينة ! وهذا ما اربأ بأهلي وبني وطني اإن ينحدروا أو يسقطوا في غيا هبه في تلك الديار النائية.
    فالعالم الغربي كما شاهده داعية الجامعة الإسلامية الإمام محمد عبده زاخر بأسباب التقدم والحداثة لمن أراد من الشعوب أن ينهل منها ، مثلما هو ملئ بأسباب الانحطاط لم أراد ان تذهب ريحه وقيمه من الأمم والشعوب. فدور السياسة الثقافية في أي بلد من البلدان هو الذي يكون بمثابة البوصلة التي توجه اتجاهات أبنائها نحو الوجهة الصحيحة حين يحار دليلهم و سواء كانوا داخل الوطن او خارجه.
    ففي عصر تكنولوجيا المعلومات لا يجدي الخوف من الغزو او الاستغزاء الثقافي ، فإذا لم يكن للشعب ثقافة أصيلة تكون بمثابة الحصانة الأخلاقية والمبدئية التي تصون مواطنيه ونسقهم القيمي وأعرافهم و تقاليدهم ، يكون شعب كهذا غير قادر على أن يكون مؤثرا وفقا لقوانين التطور الحضاري بل يكون مستهلكا للناتج الإنساني فقط، لان نمط الحياة الغربية يتسرب إلى مجتمعاتنا كما يفعل الهواء او الماء بمسامات التربة Soil Porous .

    اخوكم/ ابوساره بابكر

    *********************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2003, 03:13 AM

أبكر آدم إسماعيل
<aأبكر آدم إسماعيل
تاريخ التسجيل: 05-10-2002
مجموع المشاركات: 549

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)


    ***
    up
    ***
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2003, 01:59 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Hi,
    Coming up sooner.

    AbuSara
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2003, 02:07 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Thanks, Dr. Abakar A. Esmaeil,

    Hope we add some meanings that can enlight the spots of darkness in our socio-economic and political life.

    Iam following all the debates you post ( Al Mustaliwatia ), it is really a challangable and facinating ideas, I do appreciate the methodology and susbstantive way you adopt in your analysis.

    Best regards.

    Sincerely Yours,

    AbuSarah
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-07-2003, 03:46 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)


    المروءة والنجدة كما تصورها ثقافتنا السودانية – وعلى نحو ما هي في الغرب اليوم :

    تكملة حلقة الأمس :
    فالسودان كغيره من البلاد النامية و التي تعتبر محافظة في جل مفردات حياتها يتعامل مع ناتج الحداثة الغربية بنوع من النوستالجيا Nostalgia أي الفرحة الممزوجة بالحزن ! ، يبهجنا تطور العلم وتقنياته المفيدة للإنسانية و التي نأمل إحلالها في بلادنا ، ولكن تحزننا مظاهر التفسخ والإباحية و سقطات الفردية والمذهب الوجودي التي تجعلنا نتوجس خيفة على قيم أصيلة في مجتمعنا مثل الكرم و النجدة والتكافل أو التعاون المتبادل Mutual Aid أي روح النفير في أوقات الزراعة أو " الفزع" وزمن الحصاد و عند الكوارث من فيضانات أو حرائق وغيره من تقاليد الحياة في المجتمعات الزراعية الرعوية المحافظة التي تتسم بروح الجماعية و التعاضد.

    ولكن من قال إن تلك القيم التي نعض عليها بالنواجذ و نجتهد في صم آذاننا أو صد أبوابنا ضد كل وافد ثقافي أن ينال منها ، من قال إن هذه القيم معدومة في العالم الغربي؟ .
    إن الذي حدث هناك هو فقط عملية تغير في الأدوار ، فقيم مثل المروءة والنجدة و التعاون والتعايش التي نعيشها في أريافنا ومدننا في السودان وهي ما يسمى قيم الريف Rural Values ... هذه القيم تقوم بها في الغرب مؤسسات خدمية حكومية كانت أو قطاع خاص أو جمعيات خيرية دينية مسيحية أو مدنية من منظمات المجتمع المدني المختلفة . فمثلا حين يجتاح الفيضان مدينة " سوسك " في بريطانيا فليس مطلوبا من الأفراد خلع البدل والقمصان و من ثم " ترس البحر بالخير سان" ، ولكن سرعان ما تنهض وتهب مؤسسات الدفاع المدني أي الجهة الخدمية المعنية لمعالجة الأمر بأسرع ما يمكن أن يخطر على بال المرء.. فالنجدة هنا يقوم بها المجتمع بصورة مؤسسية فهي مدفوعة الثمن و ذلك من خلال التزام المواطن هنا بدفع الضرائب و التأمينات المستحقة لتمكن تلك المؤسسات الخدمية للاضطلاع بدورها الاجتماعي كاملا بجاه المواطن صاحب الاستحقاق . و ذات الحال تجده في الحقول حيث الآلة حلت محل العمل اليدوي الكثيف في مجال الزراعة فلا حاجة " للنفير القروي " كما هو في مناطق الزراعة المطرية في بلاد السودان. وفي الخدمات الصحية لا حاجة " للفكي أو العرافة " فالاستشفاء تقوم به مؤسسات طبية غاية في التطور العلمي التكنولوجي و مجانا !! بل إن مراكز التأهيل الصحي تقدم الآليات والمعدات الطبية المطلوبة للمعاقين دون أي مقابل سوى أن هذا المواطن التزم قبل إعاقته بدفع الضرائب المستحقة وبالتالي استحق التأمين على صحته . فالمعاق على سبيل المثال لا يحتاج إلى مناشدة أهل الخير لشراء دراجة " عجلة " تعينه على الحركة و الاميز من كل ما سبق تجد هناك شركات ومؤسسات تمويل تقوم بدعم الطلاب Student Fund Corporation بحيث يحق لأي طالب أن يأخذ قرضا مناسبا لإكمال دراسته وعليه الالتزام بالتسديد عقب الانتهاء من الدراسة والحصول على عمل لائق، وفقا للتربية الثقافية في هذا المجال يلتزم الطالب بذلك ويسدد الدين الذي عليه للشركة التي ساعدته بقرض دراسي ... انظر على سبيل المقارنة عندنا حين تبعث الحكومة شخصا ليدرس في الخارج و يكلف دافع الضرائب السوداني مئات الآلاف من الدولار او الاسترلينهات ولم يعد إلى الوطن بل لم يرد ما دفع له.. ويتصرف وكأن شيئا لم يحدث ... انه فرق بين ثقافة و ثقافة.
    تجد في تلاك البلاد كما شاهدنا مراكز محو الأمية منتشر في كل حي ، و أرجو الا يخطر ببال القارئ السوداني إن الأمية التي نتحدث عنها في بريطانيا هي أمية القراءة والكتابة لا يا أخي العزيز !! في بلاد الإمبراطورية العريقة والتي وصفت بأنها لن تغيب عنها الشمس يوما ما ، تعنى الأمية ، إن كل شخص لا يجيد التعامل مع الكمبيوتر فهو أمي ! مما يستدعي تنظيم دورات مجانية لتعليم كل من لا يجيد استخدام برمجيات الكمبيوتر و برامجه " محو أمية كمبيوترية " !.
    نعم يصدق المرء او لا يصدق فهذا بعض الذي شاهدنا وعايشنا و إن الذي اشرنا إليه قليل من أنماط الحياة التي تواضعت عليها المجتمعات في تلك البلاد التي عشنا بين ظهرانيها بعض من الوقت ليس بالكثير ، وقد زارها عالمنا الجليل الإمام محمد عبده قبل مائة عام ويزيد و قال قولته الشهيرة " وجدت إسلاما بلا مسلمين " .. فماذا هو قائل اليوم إن كان من بين إحياء عصر الانترنت وثورة الاتصالات و الذي صار الطب والتنمية فيه هي علوم الفيزياء والطاقة.

    لذا فان التفكير الذي ينبغي أن يتناهى إلى ذهنية صانعي القرار الثقافي و المعرفي في بلادنا هو إن العالم الغربي نفسه لا يخلو من سلفية وانشداد إلى قيم العهد الفكتوري و ما قبله و إن الكثير من فعالياته تعزي التفسخ الحالي في المجتمعات الغربية إلى المادية والحرية الفردية الطاغية و إنها ليست من القيم الأصيلة للإنسان الغربي المستمدة من الدين المسيحي و الأعراف المحافظة.. وان العديد من الحركات الثقافية أو الدينية الناشطة في الغرب تطالب الحكومات بإعادة النظر في الجانب الاجتماعي من السياسة الثقافية أو ثقافة الديمقراطية في بلادها.
    نواصل...........


    اخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح

    ****************************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-07-2003, 07:30 PM

Elmosley
<aElmosley
تاريخ التسجيل: 14-03-2002
مجموع المشاركات: 34418

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    موضوع قوي يحتاج منا الي فراءات متعدده
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-07-2003, 08:17 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Iam coming along.

    Regards.

    AbuSara
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-07-2003, 06:32 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    Tomorrow is a new down.

    Enjoy it the coming series

    AbuSarah
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-07-2003, 07:00 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    الحلقة السابعة والأخيرة: ثقافة الديمقراطية الرفيعة... وحيادية مؤسسات الدولة وقوانينها !!

    لا احد يستطيع أن يمحو من أي اجتماع بشري بعض النزعات العنصرية حتى في العالم الغربي الذي بلغت فيه الديمقراطية الاعتراف بالآخر المختلف ثقافة وعرقا شانا عظيما، ناهيك عن مجتمعاتنا التي مازالت تحبو في سلم الرؤى الإنسانية الراقية للإنسان تجاه أخيه الإنسان... فالرؤى المتخلفة في سودان اليوم ناشبة في عصب المجتمع كله شماله وجنوبه شرقه وغربه ، مثلما إن الهزو البرئ متأصل في مجتمعنا فمهما بلغنا من تطور مدني فتبقى نكات " الشايقي والجعلي " مادة لأحاديث المجالس ، وكذا " التريقه " في الشارع العام ... يا أدروب ... يا غرباوي و ياحلفاوي وغيرها .
    ولكن الذي نريد ان يؤسس له مع غيرنا من خلال هذا المحور حول السياسة الثقافية في السودان ليس ذاك الذي يندرج في ما يعرف بلغو الحديث ، وإنما نتطلع إلى بناء ثقافة وتشكيل عقل إداري وطني يعمل بمقتضى تلك الثقافة بحيث ينشأ جيل بآسره تصبح الدولة فيه أداة محايدة لتحقيق مصلحة البقاء و العيش المشترك بين كل مواطنيها وإنها ليست أداة لهيمنة قبلية أو طائفية أو جهوية...نريد خدمة مدنية تختار من هو كفؤ لذلك لا على أساس أهل الثقة لا أهل الخبرة أو الكفاءة الذي تدمرت بسببه الخدمة المدنية والقوات النظامية وبالتالي صارت كل ميكانيزمات الدولة اعجز أن تقدم أداء حسنا يجعلها دولة تتسم بالشفافية والمحاسبية
    Transparency & Accountability ، ها نحن نواصل ما انقطع من الحلقة السابق ...... في خواتيم هذه القراءة:
    لقد سادت العالم الغربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ما اصطلح عليه " بثقافة الديمقراطية الرفيعة" ، والتي من المآخذ عليها إنها ركزت على إطلاق الحرية الفردية في مجال الاعتقاد الديني والقيم الأخلاقية إلى جنبا إلى جنب مع الترويج لقيم العلم العمل والالتزام بالنظام العام واحترام الحرية الشخصية في نطاق مفاهيم الديمقراطية الثقافية ودولة القانون. لقد قدمت الدول الأوروبية في الحقبة أعلاه دعما سخيا للترويج لثقافة الديمقراطية الرفيعة حيث سخرت مؤسسات إنتاج الثقافة من مسارح ونوادي ومنتديات وغيره لتقديم عروض ثقافية لم تقتصر على صالات العرض المسرحي السينمائي المغلقة فحسب بل تعرض مادة ثقافة الديمقراطية الرفيعة في الهواء الطلق في باحات المدارس وصحون المستشفيات وعلى جنبات الطرق وكل ذلك في سياق حملة ثقافية امتدت على المدى الزماني والمكاني لغرس معاني الثقافة ونمط الحياة الجديدة.
    إن المسرح والسينما والمعارض الفنية والنوادي وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني الثقافية جميعها آليات لنشر الثقافة والقيم في المجتمعات جنبا إلى جنب مع المؤسسات الدينية كالمساجد والمؤسسات التعليمية للعلوم الحديثة وغيرها. فهذه الآليات منوط بها بذر القيم الفردية والجماعية الايجابية في المجتمع وان تعظم من قيم العلم والعمل ووعي الإنسان الكامل بحقوقه وواجبا ته تجاه نفسه ومجتمعه وهذا هو الجانب المضئ في ثقافة الديمقراطية الرفيعة الذي أنتج التقنيات العلمية في الحداثة الغربية وهذا ما نريده لنهضتنا وتقدمنا من ناتج تلك الحضارة الغربية- الأمريكية.
    انه بمقدور الثقافة المحافظة سواء كانت دينية أو معتقدات أخرى أن تترسم خطى سياسية واعية وعقلانية مبنية على غايات أهداف الشعب والدولة لتعزيز قيم التعايش والسلام وأهمية العمل والعلم واحترام القيم المأمور بها دينا وخلقا بل إن ناتج الحضارة اليوم يبرهن جدوى الإعلاء من شأنها والسعي إليها.
    فالإسقاطات السالبة في الحداثة الغربية لا يمكن تفاديها بالوسائل النمطية او قل على طريقة محاولات تشويش هيئة الإذاعة البريطانية BBC !!! مثلما إن الدولة " الدنكشوتية " ستجد نفسها تصارع طواحين الهواء أو كمن يحرث في البحر في خضم أمواج المعلوماتية إذا ما حاولت مثلا تسخير إمكانياتها لحجب مواقع تراها غير مرغوبة في شبكة الانترنت ، حيث تكون المحصلة النهائية هي الفشل وتبديد المال والجهد والوقت . فيكون الأجدى هو ان تحتل الشعوب موقعها في سوق المعلوماتية لبث المعاني الجميلة في ثقافتها ومعارفها داخل الشبكة العنكبوتية بدلا من المقاومة اليائسة !!.
    فمثلما نوجه نحن الانتقادات إلى السياسة العامة في بلادنا ومثيلاتها أيضا تواجه الثقافة الديمقراطية في العالم الغربي انتقادات بل مواقف انسحابية تعبر عن الامتعاض وعدم الرضا لهذه الرتابة اللااخلاقية في الجانب الاجتماعي من الحياة وليس في حقل المعرفة والعلم. هذه الموجة من الاعتراضات حدت بصانعي القرار الثقافي في البلاد الغربية بان يأخذوا ما يصدر عن الرأي العام بعين الاعتبار ومن ثم طرحه أمام الحكومات فمن بين تلك القضايا والتساؤلات المستقاة من الرأي العام الغربي نورد التالي:
    أولا: كيف يمكن علاج الضياع التجذر في الحداثة الغربية.
    ثانيا: ما السبيل لاسترداد التقاليد الغربية الأصيلة ومن ثم المحافظة عليها.
    ثالثا: امن المستحيل تشجيع التواصل و التلاقح الثقافي والتعاون بين الثقافات المتنوعة في العالم الغربي.
    لقد أصبحت هذه التساؤلات كما أسلفنا مشروع عمل يطرحه وزراء الثقافة في أوروبا في كل المحافل وطاولات الحوار الهادفة إلى رسم السياسة الثقافية التي يمكن أن تعيد للغرب توازنه ، على نحو ما نطرح نحن في بلادنا تساؤلات عن أسباب الانكفاء التهميش الثقافي والتخلف الاجتماعي والعلمي المعرفي القابض بمفاصل المجتمع والدولة في السودان بفعل الذهنية المركزية التي تصر على تقسيم المجتمع إلى طبقات حكام – نبلاء – وجند ، وفي سبيل أن تسود هذه النظرة الوضيعة للمجتمع تصر تلك الشريحة المستفيدة من التقسيم أعلاه على فرض جدلية الاعلون والادنون دينيا وعرقيا وجهويا ، في بلد كالسودان صارت قضية أكثر توصيفا وتشخيصا وان اقل ما يمكن أن يقال بشأنها ما قاله المؤرخ الغربي المعروف ارنولد توينبي " بان مشكلة السودان هي مشكلة أفريقيا التي تنقسم على نفسها قسمين " قسم مستعرب حول الاستعراب من قضية ثقافية إلى عروبة عرقية في نظرته للأخر غير المستعرب ، وقسم أفريقي قح حول الأفريقية إلى افريكانية ترى في المستعربين أو العرب العاربة من اهلل السودان ما هم إلا قوى عنصرية تمارس " الابارثيد" Apartheid بابشع صوره على نحو ما هو حدث في جنوب أفريقيا قبل الثورة " الماندلية" نسبة للزعيم الأفريقي نلسون مانديلا.... وبين الوجهين الذين ينبغي أن يكونان عملة واحدة نشأ تنافر حاد أورث البلاد حروب ضروس ما أن اشرأبت النفوس إلى إطفاء إحداها إلا وشبت أخرى على نحو ما يجري في دار فور الحبية اليوم.

    ليس هذا فحسب بل إن دول الشمال الغنية قد أثارت قضايا وموضوعات عديدة حري بدول الجنوب الوقوف عندها وذلك قبيل الشروع في تنفيذ أي سياسة ثقافية تمت بصلة إلى الديمقراطية الثقافية وثقافة الديمقراطية ألا وهي:
    أولا: كيف يمكن بناء الوسط أو المجتمع الديمقراطي؟
    ثانيا: كيف يمكن ضمان المعرفة والوعي الشعبي بالوسط الديمقراطي باعتباره وسيلة للتعبير الحر لا أداة للفوضى.
    ثالثا: كيف بالا مكان تشجيع وصون حياة المشاركة وجها لوجه في المناشط الثقافية في مجتمع مشبع أو تجتاحه منتجات الحداثة المتدفقة.
    هذه التساؤلات تتعلق بموضوعات بث الحيوية في المجتمع و التي تقتضي وجود مؤسسات وآليات ثقافية تمكن من تشجيع المهارات الفنية والتنظيمية لمساعدة الأفراد في الاكتشاف والتعبير عن هوياتهم الثقافية وممارسة قدر من التحكم في عملية إدارة التنمية الثقافية في المجتمع. فتدعيم وسائل المشاركة الثقافية يعد من موضوعات السياسة الثقافية حيث ينبغي أن يكون هناك تكافؤ في الفرص بين ثقافات المجموعات الاثنية التي تتكون منها الدولة. فلا يكفي على سبيل المثال أن يقدم التلفزيون السوداني وعلى استحياء رقصة للدناقلة أو الهوسا !! . فالمشاركة يجب أن تكون فعلية وليست رمزية أو اسمية وذلك من خلال كل بوابات العمل والفعل الثقافي وعبر استديوهات التلفزيون الراديو وغيرها، بغرض تحفيز المجموعات السكانية المختلفة للظهور والمشاركة في إنتاج برامجها الثقافية وفقا لرؤيتها دون حرج أو وصاية ومن ثم بثها عبر التلفاز القومي أو الولائي وكافة دور العلم والحركة الثقافية بالا صالة لا بالوكالة على نحو ما هو حادث في الأعمال الانتقائية التي تمارسها السلطات صانعة الأنساق الثقافية في الخرطوم . سياسة ثقافية تتيح فرصة العطاء للجميع من شأنها أن تحقق قدر كبير من الإبداع الذي يثري واقع حياتنا اليومي ، ويرتقي بذوقنا ورؤيتنا القومية لثقافات الآخر المختلف عرقا أو جهة أو دينا وهذا يساعد على علاج كثير من النظرات القاصرة للواقع الاجتماعي البشري السوداني التي ورثتنا الكراهية والاستعلاء الكاذب الذي هو أشبه " بالحمل الكاذب " ..

    كمواطن سوداني عادي أتطلع لأرى ابن أو بنت الدينكا أو الفور يشكلون ثنائيات في برامج تلفزيوني أو إذاعي مع أبناء الشايقية أو الجعليين ، أتطلع لأرى فرقا ولائية من جميع الولايات مؤلفة من أبنائها ، غير الفرق القومية للفنون التي عادة ما تقدم فنونا بالوكالة عن أصحابه و لا تجيدها على نحو ما هي عليه طبيعة أهلها ، أريد أن أرى فرق أصلية للسكان الأصليين للولايات تشارك في إنتاج وتقديم ثقافتهم وفنونهم ، لتبرهن فعلا عن ثقافة التنوع في الوحدة . وهذا من شأنه إزالة بعض صور الغبن الثقافي الفني أو اللغوي أو العرقي في مؤسسات الدولة القومية و الإقليمية.

    في توالي هذه القراءة لا بد من الإشارة إلى أن السياسة الثقافية في السودان مطالبة بطرح والإجابة على تساؤلات وموضوعات جد حيوية للتنمية الاجتماعية والثقافية في الوطن ، فمن بين تلك الموضوعات على سبيل المثال لا الحصر:
    أولا: لماذا يرزح السودان في هذا الجو الخانق من التخلف الاقتصادي – الاجتماعي على الرغم من قلة سكانه وكثرة خيراته.
    ثانيا: كيف يمكن أن تكون الديمقراطية وثقافة الديمقراطية عاملا ماعدا للخروج من تلك الأزمة وصون الوحدة والسلام ومن ثم تحقيق شروط النهوض والتنمية سياسية كانت أو ثقافية اجتماعية.
    ثالثا: كيف بمقدور صانعي القرار السياسي الثقافي إنتاج مادة ثقافية تنتصر للسلام والتعايش والوئام وفق مبدأ إرادة العيش والبقاء معا وان تباينت الأعراق والمشارب؟!
    رابعا: كيف يمكن ان تعود للسودان وإنسانه روح التسامح والمحبة التي وأدت في خضم التطرف الديني و اللاديني الذي خلفه صراع السلطة في السودان بين العسكريتاريات والقوى المدنية الديمقراطية من جهة ، والتوترات الاجتماعية الثقافية بين المركز والهوامش من جهة أخرى.
    خامسا: كيف يمكن أن يصبح الولاء للوطن والمواطن وحب العلم والعمل حالة ذهنية متأصلة فينا؟
    سادسا: هل يمكن بالفعل إعادة تشكيل العقل السوداني بحيث يستطيع القائمون على أمر مؤسسات الثقافة الحكم والخدمة المدنية القوات النظامية وغيره من آليات الدولة والمجتمع في السودان ، مخاطبة التنوع الثقافي دون محاباة أو تحيز لجهة او تمييز اجتماعي ، هل بالا مكان الاعتزاز فعلا لا قولا بكل ما في البيئة السودانية من إنسان وثقافة ؟... هل بامكانهم التفسح في مجالس الثقافة ليتيحوا حيزا لغيرهم من أبناء وطنهم ممن يجأرون بالشكوى من الإقصاء والاغتيال الثقافي – الاجتماعي؟
    مما لا شك فيه إن هناك معوقات عديدة تقف حائلا أمام تطبيق أي سياسة ثقافية ومهما يكن فينبغي أن تتضافر الجهود بين عطاء الدولة وما يمكن أن يقدمه القطاع الخاص من رعاية ، فبناء مسرح أو نادي خاص لا يقل في أهميته للمجتمع عن بناء مدرسة أو مسجد ، ففي البلاد الغربية تحفز الدولة الشركات والمؤسسات الخاصة بتقديم إعفاءات جمركية أو ضريبية لكل شركة أو مؤسسة تقوم بدعم أو بناء صرح تعليمي أو ثقافي فني ، وهذا بدوره يوفر التمويل اللازم لشراء الآليات والمعدات المطلوبة لنشر النسق الثقافي الذي يراد له أن ينتظم المجمع.
    إن من اخطر معوقات السياسة الثقافية الرشيدة و التي تعمل لاستيعاب كل أو جل الواقع الثقافي في أي بلد هو الشوفينية التي قد تبديها مجموعة سكانية بعينها من بين سائر الاثنيات ، وذلك بالوقوف ضد مفهوم التنوع الثقافي أو الديمقراطية الثقافية خشية التنافس أو رغبة في الهيمنة النافية للتنوع نفسه . ومهما يكن لا ينبغي الانحناء لفكر التطرف و الانكفاء أيا كان دينيا أو لا دينيا ، عرقيا كان أم جهويا ، لطالما إننا نتطلع إلى سودان يتسع لكل أبنائه تنتصر فيه قيم العدل والكرامة الإنسانية.
    نريد سياسة ثقافية تعلي من شأن حقوق الإنسان كانسان، ثقافة تحول دون التعسف في اتخاذ القرارات على أي مستوى وظيفي أو مهني بالدولة، بحيث لا نسمع بان هناك بروفسير في الفيزياء أو الاقتصاد أقيل من عمله بحجة الصالح العام لأسباب سياسية ، او ان شابا رفض طلبه في الالتحاق بوزارة الخارجية بسبب إن التاريخ السياسي لقبيلته يفيد بمناصرة الثورة المهدية أو الطريقة الختمية. إننا نريد سياسة ثقافية تحقق الاعتبار للإنسان السوداني في وطن تعلو فيه قيم العلم والعمل وحرية المشاركة ، وذلك بمنطق الأديان و الأخلاق والحق الإنساني والرغبة في النهوض و التقدم.
    إن قيم كالوئام و السلام الاجتماعي ، وتقديس العلم والعمل ، وكافة حقوق الإنسان ، هي لعمري تلك الأخلاق التي ما إن توارت إلا وأفل نجم كل مشروع حضاري أو امة ما.

    إن إنما الأمم والأخلاق ما بقيت
    هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا....


    اخوكم/ ابوساره بابكر حسن صالح

    **********************************************************
    مكتوب لك الدهب المجمر تتحرق بالنار دوام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-07-2003, 03:06 PM

AbuSarah

تاريخ التسجيل: 27-05-2003
مجموع المشاركات: 667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لوطني اكتب/ السياسة الثقافية وثقافة الديمقراطية في السودان (Re: AbuSarah)

    End of the Series.

    AbuSara
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de