عرض كتاب الوجود بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاذ خالد الحاج عبدالمحمود الحلقة التاسعة

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
التحالف الديمقراطي بأمريكا يقيم ندوة بعنوان آفاق التغيير ما بعد هبة يناير 2018
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 20-10-2018, 07:31 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-10-2018, 09:39 AM

محمد الفاتح عبدالرزاق
<aمحمد الفاتح عبدالرزاق
تاريخ التسجيل: 14-09-2018
مجموع المشاركات: 13

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


عرض كتاب الوجود بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاذ خالد الحاج عبدالمحمود الحلقة التاسعة

    09:39 AM October, 07 2018

    سودانيز اون لاين
    محمد الفاتح عبدالرزاق-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
    الوجود في الحضارة الغربية
    الفصل السادس
    الكون والعلم
    رأينا موقف الحضارة الغربية من الوجود الأساسي، وجود المطلق، الذي ترجع صور الوجود الأخرى إليه، وتستمد وجودها منه.. وقد انطلقنا في دراستنا، للقضية من الواقع، ومن الإطار المرجعي للحضارة.. والإطار المرجعي هو العلمانية.. والواقع يشمل إلى جانب العلمانية، التصور المسيحي، الذي غلبت عليه العلمانية، ووضعته في إطارها.. وقد رجعنا إلى رؤية الفلاسفة، في تياراتهم المختلفة، مع التركيز على بعض الأساسيين منهم، ولم نهمل ما بقي من العقيدة التقليدية.. وقد خلصنا من كل ذلك، إلى أن الحضارة الغربية، يغلب عليها في نظرتها إلى الوجود، الجانب التعددي، ولم يكن للعلمانية كإطار مرجعي أن تعطي خلاف ذلك، بحكم اعتمادها الكلي على العقل المجرد، وهذا هو أيضا موقف الفلسفة، فهي الأخرى تعتمد اعتماداً كلياً على العقل المجرد وحده.. وراجعنا بعض المحاولات الفلسفية التي عملت على رد الوجود إلى أصل واحد، خصوصاً عند اسبينوزا وهيجل.. ووصلنا إلى نتيجة هي أن الوحدة والمطلق عند هؤلاء جميعاً، ليست وحدة حقيقية، ولا هي مطلق حقيقي، وذلك لأنها تقوم على التركيب، وعلى الحركة، وعلى تطور المحدودات، وفيها الإطلاق هو إطلاق صيرورة، وليس اطلاقاً حقيقياً.
    ونحن هنا بصدد دور العلم، في بلورة نظرة الحضارة الغربية للوجود.. ونعتقد أن دور العلم هو الدور الأساسي، والأكبر.. وهو أهم من دور الفلسفة، لأنه أشمل، ولأن تيارات الفلسفة، خصوصاً المتأخرة منها، بنت على العلم وإنجازاته، وعلى منهجه.. فإذا كانت الفلسفة، كما رأينا، لم تقض تماماً، على العقيدة في الله، إلا أنها أبعدت الله تماماً من أن يكون له دور في الوجود، بصورة جعلته وجوداً غير مؤثر.. وجاء العلم ليوكد هذا الإبعاد بصورة أكبر، على أن هذا الإبعاد لم يكن نتاجا للعلم، بحكم طبيعته كعلم، وإنما بحكم التوظيف الذي وظِّف فيه العلم، كما سنرى.
    التحول الأساسي، في مجال العلم، الذي أثر تأثيراً أساسياً على تصور الوجود، هو ما تم على يدي نيوتن.. فنيوتن هو الذي جعل النظرة العلمية في تصور الكون، تسود، وتحل محل النظرة الدينية التي كانت سائدة في القرون الوسطى.
    ولقد سبق أن تعرضنا لهذه النظرة، في أساسها القائم على المادة والزمان والمكان.. ونحن هنا بصدد عرض التحول الذي حدث في نظرة الناس للعالم نتيجة للعلم الحديث..
    يقول والتر استيس عن أهمية النظرة للعالم: (تميل أفعال الناس وأفكارهم إلى أن يحكمها _أو يؤثر فيها على الأقل_ مجموعة من الأفكار العامة عن طبيعة العالم، ومكان الإنسان فيه. ويمكن أن نطلق على الأفكار العامة عن طبيعة العالم، من هذا القبيل اسم "صورة العالم" أو وجهة نظر الانسان عن العالم.. وتكون صورة العالم هذه عند العلماء والباحثين والفلاسفة متناسقة إلى حد ما، وإن كانت تعمل عند الغالبية العظمى من الناس بطريقة خفية بوصفها الخلفية المعتمة لأذهانهم، لأنهم لا يلاحظونها بأنفسهم بل يسلمون بها تسليماً.. ويكون، في العادة، لحقبة معينة في ثقافة معينة مثل هذه المجموعة من الأفكار الخاصة بها حيث تتغلغل في ثقافة ذلك العصر ككل.. وتتغير مجموعات الأفكار العامة خلال مجرى التاريخ بتأثير ظهور تجارب جديدة وخبرات جديدة للجنس البشري.. ومثل هذه التغيرات تكون بطيئة عادة، لكن في القرن السابع عشر من الحقبة المسيحية حدثت سلسلة أحداث تسببت في إحداث تغير ثوري وجذري في صورة العالم عند الرجل الأوربي..)..(5 ص 23).. ويقول في نفس الصفحة: (في استطاعتنا أن نقول أن صورة العالم عند رجل العصر الوسيط قد سيطر عليها الدين، في حين أن "صورة العالم" عند رجل العصر الحديث قد سيطر عليها العلم)..
    ويقول والتر استيس، عن النظرة الدينية القديمة: (دراما العالم تحكمها أهداف في ذهن الله، فكل شيء مما يحدث يتناسب بطريقة ما مع الخطة الإلهية).. (5 ص 25).. ويقول: (لابد للوجود وتاريخ الكون كله من هدف أو غرض.. بل لا بد لكل ما يوجد في الكون، وكل حادثة تقع فيه، من هدف أو غرض. ولابد لمثل هذا الغرض أن يتلاءم مع الخطة العظيمة والتخطيط العام للكل)..(5 ص 26).. ولكن الإنسان لا يعلم، كل الأهداف، وإن علم بعضها، ولكن المرء يمكن أن يكون على يقين من المبدأ العام الذي يقول أن لكل شيء غرض.. فقد كانت صورة العالم في العصر الوسيط خليطاً من الأفكار العلمية والفلسفية المتأثرة بالدين.. ويرى استيس أن هنالك ثلاثة أفكار فلسفية رئيسية هي: (الله، وغرضية العالم، والنظام الأخلاقي للعالم)..(5 ص 29)..
    أما النظرة العلمية التي جدت في العصر الحديث، حسب استيس، فقد اتجهت تحت تأثير العلم، إلى رفض الاتجاه الغائي، والتحيز للنظام الآلي، أو السببي. حيث يلخص استيس الوضع كما يلي: إن الإيمان بغرضية العالم كان جزءاً من التراث العقلي الغربي، لألفين من السنين، منذ عصر سقراط حتى القرن السابع عشر.. فما الذي حدث نتيجة لميلاد الروح العلمية؟ لقد سادت فكرة نيوتن القائلة بأن العالم آلة، وانتشرت انتشارا واسعاً، وهي فكرة ترى "ليس فقط العالم ككل آلة، بل إن كل شيء فيه هو أيضاً آلي.. قارن هوبز بين الجسم البشري وبين الآلة، وكتب يقول: "ماذا يكون القلب سوى نابض _زمبرك_ والأعصاب سوى مجموعة من الأوتار والمفاصل سوى مجموعة من العجلات التي تعطي الحركة للجسم كله؟". لقد عاش هوبز قبل أن يكتشف نيوتن قانون الجاذبية، لكن وجهة النظر الآلية عن العالم كانت ظاهرة، بالفعل، في الجو الثقافي.. ولم يكن على الساعة الشمسية عند نيوتن سوى تثبيتها.. ولقد كتب هيوم في القرن الثامن عشر يقول: "انظر إلى العالم من حولك وسوف تكتشف أنه ليس شيئاً سوى أنه آلة عظيمة تنقسم إلى عدد لا نهائي من الآلات الفرعية الصغيرة. والآن، لو أن كل شيء في العالم آلة، عندئذ يكون كل ما يحدث فيه يمكن تفسيره بطريقة آلية، ومن ثم استبعد التفسير الغائي، أو أصبح على الأقل غير ضروري"..(5 ص 116 - 117)..
    النظرة العلمية للعالم التي أدخلها نيوتن، تقوم على أن العالم محكوم بقوانين علمية مادية، شاملة، وحتمية، تصدق دائماً، وفي كل مجال.. فكل ما يجري في العالم محدد بهذه القوانين.. وما ينطبق على الكون المادي، ينطبق على الانسان أيضاً.. فإذا تمت معرفة الأسباب، تتم معرفة كل ما يحدث في العالم، والتنبوء به.. فكل حادثة في العالم تحكمها الأسباب تماماً، وليس الفعل البشري سوى حادثة من أحداث الطبيعة كالكسوف أو الخسوف، ومن ثم العقل البشري، مثل كل شيء آخر، تحكمه الأسباب السابقة له، بحيث إذا عرفت هذه الأسباب، يمكن أن يتم التنبوء به.. فالعالم كله منظم بحكم القوانين المادية التي تحكمه.. والعبارات التالية التي قالها لابلاس تعطي التصور لنظام الكون الذي يقوم على العلم بعد نيوتن، والذي كان سائداً، على عهد لابلاس..
    يقول لابلاس: (إذا كان هنالك عقل يعرف في لحظة من لحظات الزمان جميع القوى التي تعمل في الطبيعة، والمواقع السريعة الخاطفة لجميع الأشياء التي يتألف منها الكون في هذه اللحظة، فسوف يتمكن من فهم جميع الحركات التي تسلكها أعظم الأشياء في العالم، وأضأل الذرات التي يتكون منها شيء ما بشرط أن تكون لديه القدرة الكاملة بأن يخضع كل المعطيات للتحليل، ولن يكون أمامه شيء موضع شك أو ريبة، بل سيكون المستقبل والماضي معاً حاضرين أمام عينيه)!!..(5 ص 144).. وعلى ضوء هذه المعرفة العلمية، رد لابلاس على نابليون، بأن الله فرضية لا حاجة لها في الكون، فالكون عنده قائم من دونه، وتحكمه قوانينه المنضبطة.
    نتيجة للتفسير العلمي، أو التفسير الآلي، تم استبعاد الله، إما بصورة نهائية، أو استبعد إلى بداية الخلق عند من ظلوا يؤمنون به وبأنه الخالق، وفي الحالين لم يعد لله دور في الوجود، ولا بالنسبة للحياة الإنسانية.. فحاجات الإنسان يمكن أن تكون مكفية عن طريق العلم.. ويعلق استيس على هذا التصور بقوله: (من الواضح عبثية هذا الخط من التفكير، وخُلْفه.. فلماذا ينبغي علينا أن نفترض أن العلم يملك مفتاح كل شيء؟ ألا يعني ذلك أن العلم هو (الوثن) الذي يعبده العالم الحديث بطريقة عمياء تنطوي على حشد من الثغرات "غير العلمية"؟)..(5 ص 118)..
    النتيجة الثانية الهامة، هي، أن هذا التصور أبعد الغائية الكونية تماماً.. يقول برتراند راسل: (العالم الذي يقدمه العلم لكي نؤمن به، وهو عالم يخلو من الأغراض ، عالم لا معنى له).. (5 ص119)..
    هذه النظرة العلمية للعالم، ترسخت في وجدان الناس، خاصتهم وعامتهم، وأصبحت عقيدة عامة، وسادت بصورة تكاد تكون كلية.. وبالرغم من أن التطور العلمي نفسه دحض، جميع الأسس التي قام عليها هذا التصور، إلا أن التصور لا يزال قائماً، ولم تغير الرؤية العلمية الجديدة فيه شيئاً إلا لدى فئة قليلة جداً من العلماء، وحتى هؤلاء، التغيير بالنسبة لهم تغيير جزئي، لأنه لم يتوفر لهم البديل.. نحن سنتعرض لاحقاً للتغيير الكبير الذي حدث في النظريات العلمية، وهدم الأسس القديمة التي قامت على نظريات نيوتن، خصوصاً بعد نظرية النسبية، ونظرية الكوانتم.. ونحب أن نتحدث هنا، عن الإضافة، التي أضافتها نظرية (الانفجار العظيم) لتصور الكون.
    للكون بداية:
    كانت الفلسفة المادية، تعتقد أن وجود المادة، وجود سرمدي، ليست له بداية، ولن تكون له نهاية.. ولذلك، هي عندهم أصل الوجود.. والآن قد أثبت العلم الحديث أن للكون بداية.. وقد جاء هذا الإثبات من نظرية (الانفجار العظيم) وهي نظرية، اليوم، معتمدة، من معظم العلماء.. وقد بدأت النظرية من ملاحظة أن الكون يتمدد، في كل الاتجاهات.. ثم اكتشف إشعاع كوني في خلفية الكون، واعتبر هذا، برهاناً تجريبياً على أن هذا الكون المتمدد، كان في زمن بعيد، إلى الوراء يشغل نقطة واحدة، تعرف باسم (المفردة).
    وقد كان هابل هو أول من رصد أن المجرات تبتعد إحداها عن الأخرى.. وعندما تم اكتشاف الإشعاع توكدت نظرية بداية الكون.. ثم بدأت الدراسات العلمية، تضع السيناريوهات، لتكملة الصورة.. وهذه السيناريوهات ترجع إلى أن بداية الكون، هي عبارة عن نقطة كثيفة ساخنة.. والافتراض أن هذه النقطة هي الكون، ولذلك لا يتصور في إطارها فضاء كوني.. وهذه النقطة هي دون أي جزء متصور للمادة _تصغر كثيراً عن أي جسم تحت ذري_ هذه النقطة هي بذرة الكون كله.. فالخواص الأساسية للكون _المكان والزمان_ كانت مقيدة داخل هذه المفردة.. ولقد انفجرت هذه المفردة لينتج عنها الكون كله.. ويحذرنا العلماء من أن نتصور وجود فراغ له أبعاد انفجرت فيه هذه البذرة، إذ لم يكن قبل الانفجار وجود لأي فراغ، ولا زمان.. ومقدر لهذا الانفجار أنه حدث قبل 12-15 بليون عام.. وعندما برد الكون في مستوى معين، بدأت الطاقة تتحول إلى مادة.. وقد كانت هذه بداية ميلاد المادة.. والمادة نفسها تتحول إلى طاقة إلى أن بدأت تتكون أزواج من الجسيمات تحت الذرية ومضاداتها.. وما أن تلتقي هذه الأزواج التقديرية virtual من الجسيم ومضاد الجسيم، معاً، حتى يبيد أحدها الآخر، وتعود لتتغير إلى إشعاع.. ولوجود عدم توازنات طفيفة في الكون المبكر، كان هناك عدد من الجسيمات أكثر إلى حد طفيف جداً من عدد الجسيمات المضادة _حوالي واحد من البليون، لكل من بليون من الجسيمات المضادة_ وكانت الجسيمات القليلة جداً التي بقيت بعد إبادة الجسيمات والجسيمات المضادة لبعضها، هي المادة التي كونت الكون القائم اليوم.. وقد أصبحت هذه البواقي أول جسيمات مستقرة من الجسيمات تحت الذرية والتي ما زالت موجودة حتى الآن كلبنات للبناء تصنع الذرات: جسيمات البروتونات، والنيوترونات، والالكترونات.. فلولا وجود جسيمات أكثر من مضاداتها، لما وجدت هذه اللبنات التي قام على وجودها الكون بكل مجراته، ونجومه، وكواكبه، وبشره.. ويتابع العلماء الصورة إلى بداية تكون نوى الذرة إلى الذرات المستقرة وهم يقدرون أن:
    أول جسيمات مستقرة تحت ذرية تكونت عندما كان عمر الكون 10-4 من الثانية.
    أول نوى للذرات تكونت بعد ثلاث دقائق.
    أول ذرات تكونت بعد 300000 سنة.
    أما المجرات فيقدر زمن ظهورها في فترة من مليون إلى بليون من السنين بعد الانفجار.. والمجرات التي تم التعرف عليها حتى الآن تتراوح بين 50 إلى مائة بليون مجرة، ويعتقد أن عدد المجرات في الكون أكثر من ذلك بكثير..
    ونحن لا تعنينا، هنا، تفاصيل هذا السيناريو، ولذلك نعود إلى ميلاد الحياة.. يعتقد العلماء أن الحياة بدأت بعد ظهور المكونات الضرورية لها، وهي الهيدروجين، والكربون، والأكسجين، والنيتروجين.. وقد بدأت الحياة قبل حوالي 3.5 بليون سنة.
    وغدت الحياة تتطور وتتعقد، وفقاً لقوانين نظرية التطور، إلى أن ظهر الإنسان.
    وكما أن للكون بداية، له نهاية كذلك.. وهنالك العديد من النظريات العلمية عن نهاية الكون.. أهمها، وأشهرها، نظرية (الانسحاق العظيم).. وهي تقول بإيجاز أنه يمكن للكون أن يتقلص إلى نقطة واحدة، وذلك بسبب تغلب الجاذبية الكونية على التمدد، مما يؤدي إلى تقلص الكون إلى نقطة واحدة _عكس الانفجار العظيم1، وتصبح لهذه النقطة كثافة لا نهائية، وتسمى (نقطة أوميجا).
    ونحن لما كان يعنينا مجرد التصور العام، عرضنا الموضوع بصورة معممة جداً، ولكنها كافية لغرضنا.
    وحتى تكتمل الصورة، لابد لنا من الحديث الموجز عن السببية والغائية، في إطار العلم.
    السببية:
    السببية مسلمة أساسية من مسلمات الوجود الحادث.. فلا شيء، على الإطلاق، يمكن أن يحدث دون سبب.. فمن طبيعة العقول، أنها تدرك، بصورة تلقائية، أنه لكل حادث سبب.. ونحن نعمل في تفاصيل حياتنا كلها، وفقاً لمبدأ السببية.. ولو لم نكن ننتظر نتائج، محددة، من أخذنا بالأسباب، لما فعلنا شيئاً.. فنحن دائماً نعمل، وننتظر من عملنا هذا، نتائج مسبقة عندنا، يتسبب في تحقيقها عملنا.. وكذلك المنطق في تفكيرنا، يقوم على مبدأ السببية.. فلا يمكن للحياة أن تقوم، وللفكر أن يعمل، دون مبدأ السببية هذا.
    والعلم كله، كما سبق أن بينا، يقوم على مبدأ السببية.. وإذا انتفت السببية أو العلِّية، ينهار العالم كله.. ولذلك موضوع السببية هو قضية أساسية من قضايا فلسفة العلم، ولا يكاد كتاب، من كتب فلسفة العلم يخلو منه.. ونحن قد ناقشنا الموضوع بشيء من التفصيل في كتاب (المعرفة وطبيعة الوجود)، فيمكن لمن شاء أن يراجعه.. ونحن لن نتحدث عن الموضوع إلا في إطار حديثنا عن الوجود وقد سبق أن أوردنا في هذا الكتاب، ونحن نتحدث عن مصادرات العلم، قول د. قنصوة، الذي جاء فيه: (بيد أن مبدأ الحتمية نفسه، يتضمن افتراضات أخرى تسبقه، وتبرره، وتحدد محتواه.. وأول هذه الافتراضات أن ثمة نظاماً Order في الطبيعة.. والثاني هو أن هذا النظام متكرر الوقوع، في اطراد Uniformity.. والثالث هو أن هذا الاطراد محكوم بالعلاقة العلِّية Causality بين السبب والنتيجة).. ويقول: (أما مسلمة العلِّية فهي الصورة المعلنة التي يتخذها مبدأ الحتمية في معظم الأحيان، وتكاد تكون مرادفة لها، وعنواناً بديلاً عند أكثر الباحثين)..
    السببية العلمية التي يقوم عليها نظام الكون، هي التي أدت إلى رفض معظم الملحدين الذين تعرضنا لهم، وجود الله.. كما أدت إلى أن يقول لابلاس، قولته، في عدم الحاجة لفرضية الله.. وأهم من ذلك كله، أدت إلى إبعاد الله عن التدخل في شئون العالم، حتى عند الذين يؤمنون بوجوده.
    وكانت السببية، تقوم على الحتمية، فإذا حدثت الأسباب الصحيحة، والكاملة، لإحداث الظاهرة، لابد لها أن تظهر.
    ولذلك التنبؤ في العلم _وهو من وظائف العلم الهامة_ يعتمد كلياً على مبدأ السببية.. أما الآن وبعد تطور العلم كثيراً، تمّ التخلي عن الحتمية، وأصبحت الأسباب في العلم، لا تؤدي بالضرورة للنتائج.. وربما كان لنظرية (اللاتعين) لهيزنبرج الدور الأساسي في هذا التغيير الجوهري.. فبعد هذه النظرية، وبعد نظرية الكم (الكوانتم)، لم يعد هنالك حتمية، والكثير من العلماء أصبحوا ينظرون لقوانين الطبيعة كمجرد انتظام، وهي قوانين إحصائية احتمالية!! يقول فرانك: (إذا بحثنا عن العلاقة السببية بشكل كامل وخالص ومطلق، فلن نستطيع العثور عليها، إذ أنها تعمل بشكل تقريبي، وفي عمليات معينة تحدد بالزمان والمكان، وحتى هذا لا يكون إلا في حالات خصوصية فقط).. ويقول دابرو: (في ضوء الاستحالة العملية لاختبار مبدأ السببية الدقيق عن طريق التجربة: ينبغي النظر إلى هذا المبدأ على اعتبار أنه عقيدة يمكن للبعض قبولها، ويمكن للبعض الآخر رفضها).
    الغائيـة:
    موضوع الغائية مرتبط بموضوع السببية.. فنحن نأخذ بالأسباب، بغرض الوصول إلى غايات، محددة سلفاً عندنا.. فالإنسان بحكم طبيعته كائن (مغرض) لا يعمل إلا لأهداف وغايات معينة عنده.. وهذا مرتبط بالتفكير، كطبيعة بشرية.. فالإنسان ككائن صاحب إرادة، وفكر، يعمل وفق تصورات محددة، ليصل إلى غايات معينة، قريبة أو بعيدة ، يحددها سلفاً.. فالحياة البشرية، حياة هادفة.. والأهداف قد تكون صحيحة، ومفيدة، أو لا تكون كذلك.. وقد تكون قابلة للتحقيق، بصورة ميسرة، أو لا تكون كذلك.. فعلينا دائماً أن نحدد الغايات، ونتخذ الوسائل السليمة لتحقيق هذه الغايات.. بصورة خاصة، علينا أن نعرف الغرض من حياتنا، والغاية منها، ثم نعمل وفق معرفتنا لهذه الغاية.
    الغائية في أصل الطبيعة الإنسانية، فهل هي أيضاً في أصل طبيعة الكون!؟ هل للكون غاية يعمل في جملته وفي تفاصيله لتحقيقها، أم هو يعمل لغير غاية!؟ هذا من أهم الأسئلة المتعلقة بطبيعة الوجود، وعلى الإجابة عليه تتوقف الإجابة على السؤال، عن الغاية النهائية للوجود الإنساني، كما يتوقف تحديد معنى الحياة الإنسانية.
    لما كان الله في الحضارة الغربية، حتى عند من يؤمنون بوجوده، وبأنه خالق الكون، لا يتدخل في الكون، فقد أصبحت الغائية الكونية، في الحضارة الغربية، أمر غائب.. ويؤكد هذا الغياب، ويعمقه النظرة العلمية للكون.. فالعلم المادي التجريبي، لا علاقة له بالغائية.. قوانين الطبيعة وأحداثها، في نظر علماء الطبيعة، لا تستهدف غايات معينة ولا هي مبنية على أسس غائية.. والمنهج العلمي ليس من طبيعته الانشغال بالغايات.. وبصورة عامة، التفكير المادي الذي يقوم على الصدفة وعلى الضرورة الميكانيكية لا يمكن أن تكون له علاقة بالغائية.. يقول روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو، من كتابهما (العلم في منظوره الجديد): (منطق المادة ينكر الغائية، ذاهباً إلى أن الكون ليس سوى مادة، وبالتالي لا يمكن أن يكون في الأشياء الطبيعية أي هدف، لأن المادة لا تستطيع أن تقصد هدفاً أو ترسم خارطة، بل تتصرف بضرورة ميكانيكية فحسب.. وبذلك يتحتم على التفسيرات العلمية أن تقتصر على الأسباب المادية والميكانيكية فحسب).. ويقول بيكون: (إن مطلب الغائية يفسد العلوم، بدلاً من أن يرقى بها).. أما ديكارت فيقول: (كل ضروب الغائية لا قيمة لها في الأشياء المادية، أو الطبيعية).. ويقول هيرو أليوت: (إننا لا نستطيع أن نلمس أي أثر لهدف أو غاية في أي جزء من أجزاء الكون الواسع الذي كشفته أكبر مراصدنا، وليس ثمة دليل على وجود أي قوة روحية، ولسنا نجد شيئاً سوى أبعاد لا يمكن تخيلها من الزمان والمكان، تتحرك فيها أجسام وفقاً لقوانين ثابتة باتجاه أهداف تقررها المصادفة، وليس له أي صلة مهما تكن صغيرة بحاجات الانسان ومنفعته).. عبارة (أهداف تقررها المصادفة )، عبارة كثيرة الورود، عند العديد من علماء الطبيعة، مع أنها تتناقض مع مبدأ أساسي يقرونه هم بأنفسهم، وهو أن المادة بحكم طبيعتها لا يمكن أن تكون هادفة!! راجع كتابنا (المعرفة وطبيعة الوجود)، إصدار دار النهضة العربية، القاهرة..
    بعد التطور الكبير، الذي حدث في مجال العلم، أصبح الكثير من العلماء اليوم، خصوصاً المهتمين منهم بمجال التطور، يرون الأمور في الكون تسير نحو أهداف محددة.. لكن بدل أن يرجعوا هذه الأهداف إلى قوة عاقلة، قادرة، يردونها إلى الصدفة!!
    مثلاً هويمارفون ديتفورت، في كتابه (تاريخ النشوء: في البدء كان الهيدروجين)، كلما ذكر انتظاما في ظاهرة كونية أو حياتية، يجري بصورة هادفة، رد ذلك إلى الصدفة!! فهو يقول مثلاً: (من المعلوم أن البيولوجي الذي يحاجج استناداً على قوانين العلوم الطبيعية يستعين في هذا الموقف الحرج بفرضية مزدوجة.. إنه ينطلق من أنها تحصل دائماً في الخلايا، عند انقسامها، "طفرات" أي تغيرات طفيفة تطرأ بالصدفة على مخطط البناء المتوارث المخزّن في نواة الخلية. وهو مضطر لأن يفترض فوق ذلك أن عدد الخلايا التي تحصل فيها مثل هذه الطفرات كبير بما يكفي لأن يتيح الإمكانية لأن توجد بالصدفة المحضة، بين هذه الطفرات الصدفوية، أيضا تلك الطفرة التي قد يحتاجها التطور، أي متابعة استمرار الحياة، في نفس اللحظة المطلوبة. إن مثل هذا التتابع من الصدف الهادفة يضع مصداقيتنا على محك تجربة قاسية).. (9 ص 205 - 206).. ويقول: (لقد كاد التطور أن ينقطع آنذاك، لو لم تظهر في هذه اللحظة من تاريخ الأرض على الأقل خلية واحدة تمتلك "بالصدفة المحضة" ومنذ لحظة نشوئها بالضبط وبالتحديد الأنزيمات النوعية الجديدة، التي كانت تحتاجها كي تستطيع "التنفس". ولكي نكون أكثر وضوحاً: يجب أن تكون هذه الخلية قد امتلكت المجموعة اللازمة من الأنزيمات منذ لحظة نشوئها أي قبل أن تحتك مع أكسجين الغلاف الجوي.. هل هناك إمكانية على الإطلاق لمثل هذا التطابق أن يحدث بالصدفة المحضة؟ هو ذا السؤال الأساسي لجميع التطور البيولوجي. وحسب الإجابة عليه تفترق الطرق.. تعتبر الإجابة بـ (نعم) على هذا السؤال، نوعاً من الاعتراف الإيماني لعالِم الطبيعة المعاصر.. وإذا أردنا التعبير بطريقة عدوانية، نستطيع أن نقول أيضاً: لم يبق أمامه أي خيار سوى أن يقول (نعم)، لأنه هو الذي حدد هدفه منذ البدء، بأن يفسر ظواهر الطبيعة بطريقة عقلانية استناداً على قوانين الطبيعة دون أن تلجأ إلى أي مساعدة من تدخل فوق ـ طبيعي. هنا عند هذه النقطة حشر نفسه، في محاولته هذه، كما يبدو للوهلة الأولى، بصورة نهائية في الزاوية.. بماذا عليه أن يعتقد الآن، بعد أن حاصرته الشروط التي صاغها هو نفسه، إن لم يطلب النجدة من الصدفة؟ وإلا كيف نستطيع أن نفسر علمياً ـ طبيعياً أن تكون، بغرض متابعة التطور، قد وجدت الآن، دفعة واحدة، خلية تستطيع "التنفس"؟ تماماً وبالضبط في اللحظة التي أصبح فيها هذا التفاعل الكيميائي المعقد ليس مفيدا وحسب، وإنما لا غنى عنه إطلاقا لمتابعة الحياة الأرضية؟).. (9 ص205)..
    الحجة الأساسية هنا، هي أن العالم حدّد هدفه منذ البدء بأن يفسر ظواهر الطبيعة بطريقة عقلانية، استناداً إلى قوانين الطبيعة دون أن يلجأ إلى مساعدة من تدخل فوق ـ طبيعي، ولذلك عليه عندما يجد ما لا يمكن تفسيره بقوانين الطبيعة، أن يلجأ للصدفة!! ولكن هل من قوانين العقل، أو قوانين الطبيعة قانون اسمه الصدفة؟! قطعاً لا.. وماهو تعريف الصدفة؟! وهل هي قوة عاقلة، حتى تقوم بهذا الذي ينسب لها من أعمال دقيقة وهادفة؟! إذا كان الله تعالى، قوة غير طبيعية، فمن المؤكد وبصورة أوضح أن الصدفة غير طبيعية. ديتفورت يرى أن هنالك ثلاث احتمالات لنشوء الحياة في الأرض بالصورة التي تمت بها، وهي:
    أن يكون قد حصل ما حصل بمجرد الصدفة، علماً بأنه يقول: (حقيقة لا يمكن تفسير نشوء جزيئة واحدة من جزيئات البروتين، بكل ما لها من وظائف بيولوجية ومن تركيب شديد التخصيص والتميز، عن طريق التقاء الذرات المنفردة الكثيرة التي تتألف منها صدفة، وأن تلتقي فوق ذلك جميعها صدفة بالتسلسل الصحيح وبالحلقة وفي الموقع الصحيح وبالمواصفات الكهربائية والميكانيكية الصحيحة)..(9 ص 82)..
    أن يكون قد حصل ما حصل، لأن خالقاً قديراً يقف خارج الطبيعة كان يريد منذ البدء أن تنشأ الحياة على الأرض. ما من أحد، حتى ولا أي عالم، يستطيع أن ينفي أن للإله القدرة على توجيه التطور في المجرى الذي يناسب إرادته).. (9 ص 83)..
    أن يكون قد حصل ما حصل بالطريق الطبيعي.
    وقد اختار هو الاحتمال الثالث، وواضح أنه يرى أنه لابد للعالم الطبيعي، أن يختار هذا الخيار.. وهذا الخيار، عنده، لا يكتمل إلا بإدخال الصدفة، وفي أحرج الحالات، وأدقها!!
    فهنا نرى أن الخيار الوحيد الذي تم استبعاده هو الله، الخالق القدير!! هنالك وهم حقيقي، وخطير، في هذا الأمر، وهو أن العالم الطبيعي يعتقد أنه إذا ردّ الأمور إلى الله، يكون قد أدخل أمراً خارج الطبيعة، في تفسيره الطبيعي!! وهذا وهم لا مبرر له على الإطلاق.. فالعالم الطبيعي، يمكن أن يعمل بنفس منهجه، وآلياته في العمل العلمي، ويصل إلى ما يصل إليه من نتائج علمية، وفي نفس الوقت، يكون على عقيدة بأن كل ما يجري في الطبيعة، من أدق شيء إلى أعظم شيء هو عمل الله.. ولكنهم يعمدون إلى الازدواجية: مسألة داخل الطبيعة وخارج الطبيعة!! هذه ربكة، لا معنى لها، ولا مبرر لها.. فالعالم الطبيعي، في عمله العلمي، لا يعلم ما هو خارج الطبيعة، حتى ينسب إليه شيء.. والطبيعة، في الدين، هي إرادة الله، متجسدة، كما سنبينه في موضعه.. فما هو خارج الطبيعة، عندهم، هو الصدفة، التي ينسب لها العلماء أهم الأشياء، وأخطرها، وهي ليست خارج الطبيعة وحسب، بل خارج التفكير العقلي السليم!!
    نخلص (من الاستعراض أعلاه) إلى أن الوجود، في الحضارة الغربية لا يقوم على غائية كونية، ولذلك ينعدم فيه وجود هدف نهائي أو غاية نهائية، للكون، وللإنسان، وللحياة، وبالتالي ينعدم فيه المعنى.. وهذا ما جعل العديد من مفكري الغرب يتحدثون عن غياب المعنى والهدف في الحياة الغربية.

    7/10/18م
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de