وجاءت سَكْرَةُ ما كُنتُم منه تَحِيدُون! بقلم فتحي الضَّو
كامل إدريس لن يصبح جزولي انتفاضتنا القادمة بقلم كمال الهِدي
منبر التجانى الطيب للحوار بواشنطن يقيم ندوة بعنوان الازمة السودانية و افاق التغيير يتحدث فيها على الكنين
بيان من نصرالدين المهدي نائب رئيس الجبهة الثورية بخصوص اعلان قوات الدعم السريع بطلب مجندين
سقف العصيان ، زوال النظام ..هكذا يقول فقه الثورات !
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 12-04-2016, 08:19 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

البجا بحث وتحليل بقلم جعفر بامكار محمد

06-10-2015, 06:09 AM

جعفر بامكار محمد
<aجعفر بامكار محمد
تاريخ التسجيل: 03-23-2015
مجموع المشاركات: 2

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
البجا بحث وتحليل بقلم جعفر بامكار محمد

    07:09 AM Jun, 10 2015
    سودانيز اون لاين
    جعفر بامكار محمد-الخرطوم-السودان
    مكتبتى فى سودانيزاونلاين



    من وحي قصيدة فزيوزي
    ماضي مجيد وقرن من الضياع ومستقبل مجهول!
    ابراهيم أحمد شليه
    القصيدة :


    FUZZY WUZZY
    RYDYARD KIPLING

    We've fought with many men acrost the seas,
    An' some of 'em was brave an' some was not:
    The Paythan an' the Zulu an' Burmese;
    But the Fuzzy was the finest o' the lot.
    We never got a ha'porth's change of 'im:
    'E squatted in the scrub an' 'ocked our 'orses,
    'E cut our sentries up at Suakim,
    An' 'e played the cat an' banjo with our forces.
    So 'ere's to you, Fuzzy-Wuzzy, at your 'ome in the Soudan;
    You're a pore benighted 'eathen but a first-class fightin' man;
    We gives you your certificate, an' if you want it signed
    We'll come an' 'ave a romp with you whenever you're inclined.

    We took our chanst among the Khyber 'ills,
    The Boers knocked us silly at a mile,
    The Burman give us Irriwaddy chills,
    An' a Zulu impi dished us up in style:
    But all we ever got from such as they
    Was pop to what the Fuzzy made us swaller;
    We 'eld our bloomin' own, the papers say,
    But man for man the Fuzzy knocked us 'oller.
    Then 'ere's to you, Fuzzy-Wuzzy, an' the missis and the kid;
    Our orders was to break you, an' of course we went an' did.
    We sloshed you with Martinis, an' it wasn't 'ardly fair;
    But for all the odds agin' you, Fuzzy-Wuz, you broke the square.

    'E 'asn't got no papers of 'is own,
    'E 'asn't got no medals nor rewards,
    So we must certify the skill 'e's shown
    In usin' of 'is long two-'anded swords:
    When 'e's 'oppin' in an' out among the bush
    With 'is coffin-'eaded shield an' shovel-spear,
    An 'appy day with Fuzzy on the rush
    Will last an 'ealthy Tommy for a year.
    So 'ere's to you, Fuzzy-Wuzzy, an' your friends which are no more,
    If we 'adn't lost some messmates we would 'elp you to deplore;
    But give an' take's the gospel, an' we'll call the bargain fair,
    For if you 'ave lost more than us, you crumpled up the square!

    'E rushes at the smoke when we let drive,
    An', before we know, 'e's 'ackin' at our 'ead;
    'E's all 'ot sand an' ginger when alive,
    An' 'e's generally shammin' when 'e's dead.
    'E's a daisy, 'e's a ducky, 'e's a lamb!
    'E's a injia-rubber idiot on the spree,
    'E's the on'y thing that doesn't give a damn
    For a Regiment o' British Infantree!
    So 'ere's to you, Fuzzy-Wuzzy, at your 'ome in the Soudan;
    You're a pore benighted 'eathen but a first-class fightin' man;
    An' 'ere's to you, Fuzzy-Wuzzy, with your 'ayrick 'ead of 'air --
    You big black boundin' beggar -- for you broke a British square!

    كانت لنا صولات حرب جمة عبر البحار
    مع الكثير من الرجال منهم الشجاع والجبان
    تعاركنا مع البيتان والزولو والبورميين
    فكان أروع المقاتلين ذلك المغوار
    الأجعد الليفي الشعر " الفزي وزى "
    فقد عجزنا إن نفت في صموده
    إذ كان رابض لنا يندس في سواتر الأشجار
    ليعقر الخيول منا بغتة
    ويستبيح ساحة الحراس في سواكن المحصنة
    يعابس الجنود مثل قطة تداعب الأوتار

    لذا نهديك صادق التحايا في بلادك السودان
    إن كنت في الحياة جاهل وبائساً
    فأنت في الحروب قمة الفخار

    اليكها شهادة الإبلاء في المنازلة
    وان أردتها ممهورة باسمنا
    نعطيكها من الإعجاب في إطار
    وان جنحت للتصخاب والمراح
    فإننا تتوق منك طيب الوصل والجوار

    فقد اخزنا في تلال ( خيبر ) نصيبنا من القتال
    وألحقت بنا يد ( البوير ) لطمه انكسار
    ( والبورميون ) أرعدوا أوصالنا من فزع
    وعانينا من ( الزولو ) المتاعب الكبار
    ولكن صار كل هؤلاء في جوار ( الفزي وزي ) قصار
    وكل هذه الحروب في القياس فرقعات
    بجانب الذي تجرعنا على يديه في المسار
    تذيع الصحف عنا بأس جندنا
    لكنه في ساحة النزال واحد بواحد
    أذاقنا من بأسه مذلة اندحار
    ( 1 )
    لك الإكبار أنت والصبايا والصغار
    تحية نسوقها في قالب اعتذار
    قد كان سحقكم ( اوامرا ) علينا لا خيار
    وهذا ما فعلنا اذ جعلنا لحمكم نثار
    بالمدفع ( المارتيني ) يقذف الدمار
    ولم يكن من الإنصاف شيئا هذا الانتصار
    فأنت رغم فارق الصراع بين شفرة ونار
    كسرت حائط المربع المنيع في اقتدار

    هذا المقاتل المهيب
    لا يحمل الوثائق الشخصية المميزة
    وليس في إهابة وسام او شعار
    لذا نعطيه ما استحق من شهادة
    على مهارة القتال والمناورة
    بسيفه الطويل ذو الحديين
    في وثبة السباع في الإحراج يستثار
    من خلف درع احدب كحافر الحصان
    ورمحه الجراف ماضي لا يعرف العثار
    يختال ( تومي ) يوم دفع خصمه
    يجتره مفاخرا مدار عام في انبهار

    تحيه نزفها إليك والرفاق
    رفاقك الذين لم يعودوا بالديار
    لو لم نكن فقدنا بعض صحبنا على يديك
    لواسيناك في أحزانك الكبار
    ولكن سنة الحياة الأخذ والعطاء
    فالنقتسم جراحنا في صفقة الشجار
    لان خسرت فوق ما خسرنا إنما
    لأنك اخترقت صفنا المربع الجدار
    ( 2 )

    شجاعة نظل في نسيجها نحار
    فحين نطلق النيران في ساحاته
    يداهم الدخان والشرار
    وقبل أن نرى سقوط ظله
    نلقاه في الوريد منا أنفذ الشفار

    إن عاش فهو شعله
    يزيدها صدى المعارك استعار
    وفي مماته --- على الأعم - - خادع
    لأنه يريك وجه ميت مستعار

    كزهرة الربيع رائع في صفوه
    وفي انفعاله تهتاج ثورة انتحار
    وداعة الحملان في سكونها شظية انفجار
    لم يحتفل بسطوة المشاة الانجليز
    ولم يحرك الغزاة فيه غير نظرة احتقار

    لذا نجزي إليك مدحا في بلادك السودان
    فأنت في الحياة معدم وجاهل
    ولكن في الحروب قمة الفخار
    نهديك هاهنا تحيه يا أشعث الاهاب
    يا من حكا وعاء التبن رأسه الدهين بالغبار
    وأنت الأسود الوثاب الساغب الحشأ
    لأنك اقتحمت صف الانجليز في اقتدار


    ان النص العربي لهذه القصيدة هو ترجمة بتصرف حاولت فيها رصد المضمون في سياق شعري بقر الامكان مع تفادي الحرفية ولابد ان يلاحظ القاري للنص العربي ان عوامل المساحة وذلك لتغطية الافكار الكامنة لإظهار المغزي المقصود أكثر من تقديم مجرد المدلولات المعجمية للنصوص خاصة وان القصيدة كتبت بالانجليزية القديمة التي تجاوزتها الآن القواميس المتداولة يقابل ذلك غلبة الايجاز في النص الانجليزي بل وما يشبه الابتسار في بعض ابياتها ولربما كان ايضاً لضرورات شعرية عند الشاعر خضوعاً لموازنات التقفية فحاولت اعطاء القارئ العربي أوضح صورة ممكنة للمضمون حسب فهمي له منالسياق العام والمعاني الضمنية وفي كل الأحوال لا أدعي ان الترجمة صحيحة مائة بالمائة أو أن فهمي للغة القصيدة فهم لا يتطرق اليه الخا لذلك يحسن بي وللقارئ الكريم ان أسميها تقريباً او نقلاً اجتهادياً أكثر من تسميتها ترجمة لا سيما في ضوء محاصرة القافية التي فرضت نفسها منذ البيت الأول.
    عبارة (فزيوزي) هي أسم أطلقه البريطانيون علي الرجل وهي تعني لغوياً (ذو الرأس الأجعد والمنفوش الشعر) والقصيدة تصوير دقيق لشخصية البجاوي المحارب في حالة الذود عن ارضه وعرضه حيث يتجرد من العاطفة البشرية التي تسمى الخوف.
    (المربع البريطاني) هو تشكيل عسكري ميداني إشتهر به سلام المشاة في الجيوش البريطانية حيث يكون الجيش في زحفه البري شكلاً رباعياً مؤلفاً من صفوف طويلة علي جانبي الجيش وصفوف مستعرضة في المقدمة والمؤخرة وبداخل هذ المربع توضع اللوازم والعسكرية الهامة مثل الذخيرة والمؤن وغيرها من العتاد العسكري . وبهذا تتشكل قامة منيعة متحركة يصعب علي العدو اختراقها.
    ويبدو ان المقاومة البجاوية هي الوحيدة التي استطاعت مراراً اقتحام هذا المربع والالتحام بالسلاح الابيض مع القوات البريطانية المنطلقة من قاعدتها البحرية في سواكن في اعقاب الحكم التركي واندلاع الثورة المهدية وبداية حملات فتح السودان، وذلك العديد من المواقع بسواحل شرق السودان في محاولات يائسة لاختراق البلاد من شرقها عبر بربر الي الخرطوم وهو الطريق الوحيد المعروف آنذاك الي أواسط البلاد ونتستطيع ادراك اسباب المثابرة والتمسك بهذا الطريق لعقد ونصف من الزمن اذا أخذنا في الاعتبار حرص القوات الغازية علي تأمين ظهرها بمنفذ الي البحار ولكن تصدى المقاومة البجاوية العنيف أفشل كل مساعي تلك الحملات وحصرها خلف اسوار سواكن علي مدى 15 عاماً وكان اقصى ما بلغته هذه الحملات في البر السوداني هو مشارف مدينتي طوكر وسنكات مع تكبدها وتكبيدها البجا الكثير من الخسائر البشرية مما حدا بالقوات البريطانية اخيراً الي الانسحاب من شرق السودان خاصة بعد حصار الخرطوم إذ لم يعد هناك وقت لانقاذ غردون المحاصر ثم الانتقام له بعد مقتله سوى دخول البلاد من مصر في حملة نيلية عبر شمال السودان حيث دخلت الحملة الخرطوم خلال عامين ونصف منالزحف انتهيا بمجزرة كري المعروفة وظل بعدها السودان تحت الاحتلال البريطاني قرابة سبعة عقود.
    كانت المقاومة البجاوية مؤلفة من ابناء قبائل البجة الصرف في تلال وسهول شرق السودان وكانت تجمع بين هؤلاء لغة وتقاليد وعقيدة واحدة وسمات اجتماعية مشتركة منها ارسال شعر الرأس لذلك أطلق عليهمالشاعر لفظة (فزيوزي) طبقاً للمسمى الانجليزي للظاهرة.
    وكانت المقاومة البجاوية كما هو معروف تحت قيادة الأمير عثمان دقنة الذي عرف عنه امتعاضه الشديد وحنقه علي الاتراك لغلظتهم وخشونة مسلكهم واستبداهم بالرعية وهوالمدرك الواعي الملم بعلوم القرآن والفقه والتوحيد والفلك والتاجر المتفتح الذهن . فما ان علم ببزوغ المهدية واستقرارها في غرب السودان الا وترك متجره مفتوحاً علي مصراعيه بسوق سواكن في وضح النهار ليخرج منها ولم يتوقف الا في الابيض لأخذ البيعة من الامام المهدي علي امارة قومه بالشرق فكان ذلك القائد الملهم والعسكري المحنك الذي لم يغفل ملك بريطانيا جورج الخامس عن ان يسجل له زيارة ذات دلالة بمعتقله بعد الفتح كما قام بزيارته ايضاً خديوي مصر ومن الواضح من القرائن ان تلك الزيارات الشخصية لم تكن لمجرد الرثاء لحالقائد اسير بقدر ما يمكن ان تفسر بانها انحناءة إكبار امام بطل جدير بالاعجاب وان كان عدواً لهما وهي ايضاً مؤشر علي امتداد قامة هذا الرجل النضالية في التاريخ السوداني.
    كان عثمان دقنة عليماً بطبيعة أهله فان البجاوي بعد ايمانه بالله يدين بالولاء والانتماء القوي الي تراب ارضه فهو لا يموت الي على ثراها لانه في حياته لا يبرح حدوده الجغرافية باختياره ولكنه لا يتسامح مع من يتعدى علي هذه الحدود ويفهم ان اختراق ارضه بغير الحسنى فعلة عربيدة لا تغتفر في عرفه ويترسب في اللاوعي منه مفهوم يتناغم طردا من هذا المبدأ بمنطق الاشياء وهو ان الذي يرتاد مكاناً غير ارضه غير جدير بالاحترام.
    هذه النزع، مقرونة بالروح الجهادي المتولد من فكرة صد الغزاة النصارى عن أرضه كانت وراءتلك الملاحم البطولية والتضحيات التي وردت حملات الامبراطورية علي أعقابها من مياه شرق السودان فخلد (كبلنج) هذه المواقف في قصيدته ويلاحظ ان ابيات القصيدة تتمحور حول اقتحام البجا للمبرع البريطاني الشئ الذي يتكرر ذكره في نهاية كل مقطع منها مما يوحي بأن كسر هذا المربع ظاهرة غير مألوفة قبلئذ والشاعر ، كما نرى، يضع المحارب البجاوي بي أشرس المقاتلين الذين التفت بهم جويش بريطانياً في آسيا وافريقيا إن لم يكن أشرسهم .
    معاملة البجا بعد الفتح :
    كان من نتاج هذه الصلابة تحريم غزو البلاد من ثغورها الشرقية وإغلاق هذه البوابة لذلك فإن البجا بلا شك صنعوا شيئاً ناصعاً من التاريخ في السودان ولكن كان ايضاً لهذا الانجاز ما بعده في سياسة المنطقة واهلها بعد الفتح إذ لا شك ان عثمان دقنة قد غرس حينها في قومه بذرة الحس الوطني العريض والنضال السياسي وسما بهم فوق الاحتراب القبلي الي نوع من التوحد في العمل والاشتراك في التوجه ولو أن بعضهم كان مناوئاً لعثمان دقنة طائفياً وقبلياً وبالتالي للمهدية نفسها ولكن بصورة غير مؤثرة في الحركة العسكرية الشاملة إذ أن التيار العام والغامر كان الثورة ضد الحاميات التركية في سواكن وطوكر وكسلا وسنكات والقضارف وغيرها كما كان الحال في جميع انحاء السودان بعد ظهور المهدية كما هو معلوم ولكن الرجل الأبيض المستعمر والخبير في سياسة لااقوام في جميع انحاء العالم، والحريص وبوعي ثاقب علي السيطرة علي منطقة الثغور في مستعمرته الجديدة سرعان ما اخمد فهيم هذا الروح العدائي وذلك في ضوء تفهمهالعلمي لطبيعة البجا الذين تتجسد فيهم نزعة المجتعات البدائية في اتباعهم وطاعتهم العمياء للزعيم القبلي او الروحي واحترامهم للمواثيق وإلتزامهم بعهود المصالحة والتحول الصادق بمقتضى ذلك الي المسالمة حتى وإن إبرمت في ساحة القتال والدماء سائلة فبدأ أولا بإيعاز زعيمهم المعتقل عن المنطقة لاحداث فراغ قيادي لديهم بعد الفتح ثم ملء هذا الفراغ بزعامات من نوع أخر قديمة/جديدة برع في تلميعها وبرعت في ترويضهم بوعي او بدون وعي خاصة وان لبعض تلك الزعامات رصيد من الولاء للاتراك عندما كان الانجليز اجراء لدى الخديوي فمن الحصافة استخدام هذه الارصدة وتنشيط مفعولها في موسم السيادة المطلقة وكان ذلك بالنسبة للبجاوي بمثابة تحويل المادة المركزة الي محلول محايد خامل الأثر يسهل لكل حلق ان يتجرعه ناهيك عن مصاولة الانجليز وقد أتوه من داخل بلاده وسادوا ارضه وقياداته الجديدة فتلاشى ذلك التوثب النضالي بانتهاء المهدية وانحسرت تلك التجربة العسكرية المبتورة بحلول الاستقرار وخضوع البلاد للقوى المستعمرة.
    كان ذلك فصلاً من الاحداث التاريخية لا نسميه باي حال حدثاً بكراً لان المنطقة شهدت الكثير من النضالات ضد غزاة أجانب عبر تاريخها الطويل قبل الاتراك والبرياطنين ولكنه تجربة مميزة تمثلت في جماعية عصرية ضمت كل القبائل تقريباص تحت قيادة واحدة مدفوعة بوعي قومي ديني وطني لاول مرة هو علي النقيض من سلسلة الحروب القبلية الدامية التي سبقته وكان موضوعها الصراع التقليدي علي الماء والكلا والتعديات علي الحمى القبلي والثارات ممتدة عبر قرون.
    أثر الفتح علي المنطقة والسكان:
    وبتأملنا الأوضاع الجديدة بشرق السودان بعد الفتح نجد أنها انعسكت في أثرين : أثرها علي المنطقة كجزء من السودان ككل فمن المعروف ايضاً ان بريطانيا نظرت ف يامر السودان فترة التكالب الاوروبي علي قارة افريقيا بعد ان تبلورت معالم حدوده السياسية إبان العهد التركي .
    فكانت حريصة علي احتلال القطر من أجل ما يحفل به من موارد وامكانات اقتصادية وأهمها انتاج القطن آنذاك فوضعت اراضي السودان الخصبة والمناخ الملائم نصب عينيها منذ نجاح تجارب ممتاز باشا في إدخال المحصول الي السودان رغم الزرائع والمبررات المعالنة بخلاف ذلك وكانت في سباق مع اي طامع اخر محتمل منزعجة من احتمالات المنافسة الاوربية خاصة فرنسا فكرست مسمى (السودان الانجليزي المصري) علي المستعمرة فيما بعد دون التطبيق الفعلي لمدلول المسمى في حين أن المرامي المعلنة وراء الغزو بإسم (الإسترجاع) كانت فك الحصار عن الخرطوم وانقاذ غردون الذيانتدب اساساً وقبل قليل لاخلاء السودان وبتشجيع من بريطانيا للخديوي علي ذلك ولكن سبق ذلك مقتله علي أيدي اتباع المهدي فتحول التحرك الي عملية انتقام وتأديب تحت ضغط الرأى العام البريطاني والمطالبة باخضاع هذه لاحركة الاسلامية التي تسمى المهدية وتحل أخطر منطقة في قارة افريقيا.
    فأهتمت بريطانيا منذ بداية الفتح بتنشيط زراعة القطن وتوطينه بكافة المناطق الملائمة له بالبلاد ضمن استثمارات احتلالها وأقامت المشاريع ذات الصلة بذلك من أعمال ري وطرق حديدة ومواني والقدر اللازم من التوعية الفكرية والفنية للانسان بما يكفل تسيير المصالح مع قدر كبير من الهيمنة والضبط وارساء الاستقرار السياسي.
    وكان من ضمن مناطق زراعة القطن شرق السودان بدلتا نهري القاش وبركة وحاول الاداريون حينها دمج بعض البجا في النمط الحياتي الجديد وتحويلهم من مهنة السيف الي الفأس والاستقرار خاصة القبائل الواقعة حول المناطق الزراعية مع تشجيع كافة المواطنين والمقيمين بالمنطقة الراغبين في العمل والاستيطان هناك فأتجه بعض سكان تلك المناطق من البجا الي الزاعة وقاموا بعمليات تمهيد الارض وقطعالاشجار وازالة الحشائش لاعدادها للزراعة حيث وزعت الاراضي الي احواض وحقول مازالت تحمل الاسماء التي كانت تعرف بها تلك الرقاع ومسجلة الي يومنا هذاتحت تلك الاسماء، خاصة في دلتا طوكر ، فانتقلت بذلك مجموعات من البجا الي حياة الزراعة والاستقرار فأفادوا من حياة المدينة والخدمات الحديثة مما مكنهم من الانخراط والتعايش الرائع مع هذه المستجدات فكانوا فكؤاً لاخوانهم غير البجاوين من ابناء السودان وغيره بالمنطقة ليجسدوا بذلك وحدة الجوهر الانساني في كل مكان وزمان وليعززوا نظرية ان الانسان علي وجه الارض من القطب الي القطب هو صنيعة بيئته يجمد بجمودها ويتحول بتحولاتها.
    والي جانب لاتطور والتحديث الزراعي انتظمت شرق السودان حركة اقتصادية كبري مرتبطة بموقعه كنافذة للقطر فتحول الي واجهة ومزرعة ومنجم وورشة عمل ومركز تجاري ومصب طرق داخلية وبالتالي الي منطقة جذب واعدة فكان من المحتوم المنطقي ان نستنبع هذه الحركة وفود وايفاد اعداد كبيرة من الناس من المواطنين من داخلية البلاد او الوافدين عبر الحدود والثغور للارتزاق او تسيير الاوضاع الجديدة المختلفة بالمنطقة وفي سياق هذه الحركة ايضاً شجع الحكام البريطانيون الاستثمارات التجارية شانها في ذلك شأن تشجيعها الاستثمارات في كافة حواضر السودان لااخرى بالخرطوم وامدرمان ومدني والابيض وجوبا وغيرها فمهدت بريطانيا للعديد من البيوتات التجارية والشركات من اوروبا والشرق الاسوط للاسهام في تحديث النشاط الاقتصادي واضفاء سمة حضارية سياحية علي حواضر الاقليم خاصة مدينة بورتسودان الحديثة النشوء والتي فاقت وبسرعة مثيلاتها من المدن السودانية من حيث المظهر الحضاري المماثل لمدائن البحر الابيض المتوسط وضمت خليطاً من الاعراق من ابناء اثينا والهند والحجاز والشام واليمن ومصر وغرهم بالاضافة الي المواطنين من مختلف انحاء السودان.
    وضع البجا ودورهم في المستجدات:
    ماذا كان اثر هذه التطورات علي الانسان البجاوي غير المهيأ للاندماج لا عرقياً ولا ثقافياً ولا اجتماعياً في منطقة تحولت فجأة الي وطن قومي عام بل الي ساحة عالمية مفتوحة اذا صح التعبير وقبل الاجابة علي ذلك يحسن بنا أن نتناول نقطتين أساسيتين حول البجا أنفسهم أولاً يمكن القول ان البجا من الاقوام الموغلة في البداوة بحكم نمط عيشهم المتوارث والمتصلد نتيجة تكرار انصبابهم في قالب واحد عبر الاجيال لذلك فان البجا لم يحفلوا كثيراً بالاعتبارات الاقتصادية الحديثة لانها خارج مناخ افكارهم ولكن ظل ولاؤهم لترابهم وقايداتهم القبلية والروحية في انضباط مطلق وهذه القيادات بدورها خضعت الان خضوعاً تاماً للحكام الجدد وأصبحت من ملاك الاراضي والاعيان وتحولت بمباركة السلطة الي طبقة تهيمن علي حياة البجا حاضرهم ومستقبلهم فكانت الفترة التي نحن بصددها عصر النهضة بالنسبة للمنطقة دون انسانها ومن سخرية الواقع ان يقابل هذه الاوضاع نزوح الكثيرين من القبائل البجاوية التي تحولت مراعيها بجوار المدن الي مزارع الضواحي والبوادي بمواشيهم تعذر عليه الرعي هناك بحكم القوانين الجديدة وهذه الحقيقة بما تنطوي عليه من دلالة القصور في الادراك وقصر النظر والعجز عن التطلع الي اية آفاق سوى خيار الرعي كانت صدفة مواتية وواقعاً مريحاً في توفير أٍباب الاحلال وإذابة (الفيزويوزي) وان تظاهر الحاكم الانجليزي بالتعاطف مع تخلف البجا في شكل مؤشرات رمزية كإعفاء أبناء البجة من شروط سن الالتحاق بالمدارس احياناً وتشجيع ابناء الاعيان علي التعليم وتقديم منح واعانات للبعض وغير ذلك من تلميحات التعويض عن هذا الفاقد ومن المعلوم ان مظاهر الرعاية وتطوير الانسان هذه من جانب الانجليز لم تتجاوز حدود تحسين صورة الحاكم والتحبب وتسيير المصالح بالبلاد كسلطة ويتساوى في ذلك جميع السودانين البجا وغير البجا والا لفرضت الرعاية كالضريبة.
    ونقطه اخرى تتمثل في عامل سلوكي ملازم للبجاوي ويكشف بعض جزور الصوره المنعزله له , ولربما كان وراء رجعيه البجا اكثر من غيره من العوامل الاخرى وبالتالي معزر لتراكم ورسوخ تقرده الذي تحدثنا عنه – ذلك هو ارتباطه بالارض بشكل لا مثيل له وبنزعه تكاد تكون عقائديه فالبجاوي في تعلقه بالارض هو اقرب الى النبات منه الى الانسان في الارتباط الحيوي بالتربيه والمناخ . فهو لا يأنس لاي محيط جغرافي لا تتعكس فيه شخصيته وخصوصيته البجاويه حتى يخال اليه أنه لا يسطتيع التنفس في مناخ غير بجاوي . ولعل ابرز دليل على هذه الاستمساك بالمكان هو يقاء جياع البجا في مناطقهم في فترات المجاعات بدلا من النزوح الى المناطق الزراعيه او ضفاف الانهار أو المدن كما فعل سكان الاقاليم الاخرى . وهذه سلوك جدير بالملاحظه والتعليل , فقد تكون هناك اسباب وجيهة . والحصيله المنطقيه لهذه النزعه- سواء اكانت هي السبب أو النتيجه لواقهم الحياتي هي انعدام فرص فرص التلقي بالتفاعل واكتساب الخبرات من خارج دائرتهم الجغرافيه المغلقه في حين ان محيطهم البيئي والثقافي علميا لا يهيئ لهم التحول الذاتي الابتداعي مما تتنفى معه بالبداهة مقدره التساوق الخضري ناهيك عن الاسهام في الوضع الطارئ على ارضه والاسنفاده منه . بل كان البجاوي في كثير من الاحيان هو في التاثير أقوى منه التأثر ,. لذلك يمكن القول ان البجا في السودان حالة فريده بالمقارنه مع سكان الاقاليم الاخرى بالسودان شماله وغربه وجنوبه.
    لذلك كان استقبال البجاوي للمستجدات ودوره فيها حاله من الزهول والتامليه الحائره نتيجه الحضور ( الغائب) حيث فقد الاتصال جراء الحاجز اللغوي وافتقد التناغم التعايشي بالعازل الاجتماعي الثقافي السميك ولذا – وهو الاهم – فقد قابليه المواكبه واخذ دور فيما جراء العامل النفسي المترتب على كل ذلك ليبقى مسكونا بالزينوفوبيا. فكان رد الفعل الطبيعي والوحيد هو النفور والانحسار الى هوامش المجتمع المديني ثم الانتقال الى هوامش الهوامش كلما اتسعت الرقعه . هذا حال الذين جاورتهم الحضاره في ديارهم . أما اهل الباديه فلا مجال للحديث عنهم بالمنظور التطويري والتنويري كما لا مجال امامهم سوى مواصله حياتهم البدائيه التقليديه كابناء للطبيعه تحت ظروف الفصول الاربعه وكانو سعداء بها الى حين ولكن حتى هذه الطبيعه الام غيرت قواعدها ومساراتها تجاههم منذ خمسينات القرن اذ تعرضت المنطقه للجفاف والتصحر لتمحي الحياة تدريجيا في صمت ويختفى الانسان فيها بالموت المجاني فأصبحت المنطقه ارضا بلا انسان من حلايب الى جنوب طوكر . فالموت هنا من حينها يدب بهدوء كهدوء الشروق والغروب لانه مسبوق ( بمسكنات) المجاعات المقعده وسوء التغذيه ومرض السل المزمن. وحتى الزين تعلموه تحت وطاة الشده والفاقه مبادئ الانتقال واللجوء كانت هجرتهم كانتقال الاشخاص الاشجار من جزورها تتيبس لتحترق على حواشي المدن.
    فمن بقى من البجا اليوم وماذا بقى لهم وماهو مصيرهم في ضوء حاضرهم التعس؟ ففي بواديهم واريافهم ورث الارض خالقها فباتت ارضا بلا انسان تقريبا كما اسلفنا والذين عاصروا هذه الفتره يدركون هذه الحقيقه من خلال مشاهد الماضي القريب خلال العقود الخمسه المنصرمه حيث كانت جموع البجا ترتاد القرى والمدن للتسوق او العلاج او زياره الاقرباء والمشايخ او بيع منتجاتهم من المواشي وغيرها. وكانو في الغالب يبدون بصحه جيده لان السماء حينها لم تضن عليهم بجودها بعد . كما كنت ترى في اسفارك البريه ومن منطقه كسلا عبر البراري شرقا الى تلال البحر الاحمر مرورا بالسهول الساحليه بضواحي ومدن سواكن وبورتسودان وجنوبا الى طوكر والى حدود ارتريا غطاء نباتيا متصلا يكسو تلك الربوع ينتظم الاراضي الزراعيه والرعويه على السواء وتشاهد قطعان الماشيه بانواعها ومختلف الاحياء البريه على امتداد البصر . ومن حين الى اخر تشاهد على مقربه من الطرق الدخان المنبعث من من بيوت الرعاء والزراع على ضفاف الاوديه مما ينم عن أن الارض كانت معموره بالانسان ايضا . واليوم لم تعد عين تكتحل بتلك المشاهد ولا عاد الانسان موجودا فقد رحل برحيل تلك الطبيعه الحانيه ومضى بغير احساس من احد سوى اقرب الاقربين وبعض رجال الاغاثه الاجانب في السنوات الاخيره في بعض المناطق المحظوظه نسبيا بسهوله الوصول اليها . فما اتعس وارخص الا نسان هنا وابشع مشاهد الاختصار الجماعي.
    هذا انسان الباديه في الجبل والوادي فماذا عن انسان الحضر؟ هناك قانون في علم الفيزياء يسمى قانون اللا ختراقيه اي , استحاله احتلال جسمين في اأن واحد نفس الفراغ المخصص لاحدهما . ذلك ان المواطن او غير المواطن القادم الى المنطقه من ايه جهه يتمتع بطبيعه قدومه يحثا عن الرزق بقدر بقدر من الوعي اكبر وحس مصلحي أوفر من المقيم المطمئن واحرص منه على تلمس طريقه واكثر استمساكا بالفرص المعيشيه وتوخي الانتماء الى ارض معاشه مع الحق القانوني الدستوري في ذلك. لذلك احتل القادمون وهم الاوفر حظا تعليما وحرفيا وادراكا عاما...... احتلوا معظم الساحات المتاحه وحتى عند ما تاهلت بعض الطلائع من ابناء المنطقه انطبق عليهم قانون اللا ختراقيه (بالمزاحمه) لانهم يجدون الاماكن ومراكز ( النفوز) أيضا مشقوله او محجوزه فكان نصيبهم الهامش الضيق والعسير في كل مناحي الحياء كما ان خدمات الدوله البلديه والصحيه والتعليميه وغيرها استاثر بها غيرهم بالوعي والاقدام في حين ان البجاوي البيسط يتردد عن كل شيئ نتيجه القصور في ادراك حقه نتيجه القصور في ادراك حقه نتيجه العوازل التي تحدثنا عنها وحتى المتوسط الادراك غالبا ما يخفق حتى في الوقوف في صف الحقوق لانعدام السند في حين ان المستنير الذي يحاول المجاهره يطلب العدل والاخذ بايدي ابناء قومه سرعان ما يبتلع كلماته تحت التعنيف الحاد او خشيه الباسه قميص العنصريه .وعليه ان يصمت لينعم بالقبول كشخص ( متمدن) فتسقط عنه تهمه ( الحلاقه الشرقيه). والحديث في هذا المسار ذو شجون وشجون يفيض عن كل وعاء اذا استرسلنا ويخرجنا عن اطارنا المحدود .( التوظيف بهيئه المواني , سودان لاين, المديريه. البلديه , السكه حديد, الشرطه, المستشفى بل واعمال الشحن والتفريغ ( نشوء ديم التجاني).
    فالبجاوي الوحيد الذي بدا ينتقل من حياه البداوه الى الحضاره هو المزارع او التاجر او الموظف المستقر مع ان كلا منهم يمثل من حيث الكم نسبه لا تذكر من سكان المدن. ومع كل ذلك على علاته قد انهارت المدن الزراعيه مثل اروما ومدن القاش الزراعيه الاخرى وطوكر وقراها منذ العام 1951نتيجه انهيار اسعار القطن وبواره عالميا كسلعه لدرجه تاثرت معها مدن الشرق الاخرى غير الزراعيه كمدن المصايف بمنطقه سنكات ومدن الساحل من محمد قول الى عقيق تبعا لذلك . فانعكس ذلك على حياه الناس عموما ففي المدن الزراعيه المزكوره لم يستطع المزارعون الاعتماد على زراعه القطن كمحصول نقدي حيث تساوت تكلفه انتاجه مع قيمه عائده. ومع ذلك كان عليهم قانونيا الاستمرار في انتاجه فعاشوا سنين طويله على جهد لا عائد منه فاضروا على بيع ممتلكاتهم العقاريه والحيوانيه وترك الزراعه كمهنه . لذا فقد انتكست بالضروره تجربه تجربه المزارع البجاوي الحضاريه على قله عدده بهبوط الامكانيات بعد ان نعم بالاستقرار امدا ولو قصيرا وتطور وعيه بالحياء من حوله وبدا في تعليم ابنائه وتعاطي العلاج الحديث بالمستشفيات وتمتع بالامن الحضري والسكن المديني ودخلت بيته اسباب الراحه وتلقحت افكاره ومفاهيمه بالاحتكاك والتعايش الاجتماعي . اما البجا غير المزارعين من سكان المدت فهم في الغالب الاعم ليسوا متعلمين ولذلك كان نصيبهم في الوظيفه ضئيلا جدا كما انهم كاي مجتمع رعوي الجزور لايميلون اجماعياً الي الحرفة مما قلص امامهم فرص الارتزاق سوى اعمال هامشية كأعمال الشحن والتفريغ في الأرصفة والحراسات الليلية في المنشآات والمرافق الاهلية وبعض أعمال الاجور اليومية وغيرها من الاشغال العامة او انتاج الفحم النباتي وحطب الوقود والألبان في الضواحي ولكن بطرق ولكن بطرق بدائية وبقدر لا يتعدى الكفاف وكدح هو دون المقابل المالي كثيراً . أضف الي ذلك عوامل الفاقد البشري في شباب المدن والمتمثلة في فقر التربية نتيجة جهل الابوين مما جعل الكثيرين من نشئ المدن في دائرة الأمية منفلتين من قيود الاسرة متحللين من دور الفرد في بادية القبيلة ليصبحوا فريسة رخوة لافرازات الحضارة النسبية وحياة المدينة فارتاد بعضهم عنصر الكحول والقمار علي الاطلاق فاتجهوا الي شتى الانحرافات الطبيعية في غياب الوعي والتوجيه وبالتالي فيهم العاطفة الدينية وعزفوا عن الزواج والانجاب نتيجة العجز الاقتصادي عن تكلفة الزوجية بالمدينة.
    وهكذا نجد ان عوامل الجفاف والانهيار الاقتصادي الزراعي كأنما كانا علي موعد يطلان فيه معاً علي الاقليم ، والضربة القاصمة كما هو محتمل حلت بالبجا الذين كانوا مترسين أصلاً كما ذكرنا في قاع الحياة لاسباب غير المتغيرات المناخية مما زاد الطين بله فتمنعت لهم حتى اسباب الحياة الهامشية هذه في ظل التخلف والاهمال لينحدروا في هاوية الانقراض وفي الواقع يمكن للمتتبع الراصد للاحداث ان يدرك بسهولة ويقين ان قطار انقراض هذا الهندي الاسمر قد تجاوز الآن نفص رحلته ان لم يكن قد ذهب ابعد من ذلك وقد لا يأسف الركاب كثيراً علي حياة شقاء ضاقت الارض فيها عليهم بما رحبت في ظله فق يجدون تحت ارضهم قبراً ارحب وارطب لهم من سطحها وان كان مجهولاً او منسياً.
    النظرة والمواقف من البجا في إطار التردي العام وهضم حقوق الاقليم:
    هذه حقيقة البجا وماساتهم المريرة يعبرون الحياة من المهد الي اللحد بهوية البؤس والتخلف ويتعرضون علي ما هم عليه من عنت للموقف والنظرة الظالمة تجاههم من جانب الكثيرين من اخوانهم المواطنين وبعض السلطات والمفكرين وحتى البعض من ابنائهم او المحسوبين عليهم فإذا عبر البجاوي عن انتمائه وعشقه لارضه الذي لا يملك سواه بغبارة (وهاش هاشون) حقدوا عليه وطلبوا منه الصمت او الرحيل إنكاراً عليه هذه الحقيقة الساطعة بينما يحتضن الاحساس الصادق بانه نبات هذه الارض شعوراً بأن كل حبة رمل من ترابها هي تحولات من بقايا اجداده فهو الذي عاصر الفراعنة والبطالسة والرومان ومن عقبهم من عرب وانصاف عرب في ارتياد هذه المنطقة وصاولوهم علي ارضه منذ عشرات لاقرون وكون لغة وتقاليد اقوى من الجبال تنم عن تجذره وأصالته في أرضه والآن وقد (سحبت) عملياً من تحته هذه الارض بشك لما وبكل المعاني فهو، مع ذلك عرضة للاطهاد والسخرية والكراهية لمجرد الاعلان عن انتمائه ويتهم هو بالكراهية والعنصرية بيد أن الكراهية ان وجدت بمفهومها الذي في الاذهان قد تكون ردة فعل وتبادل اكثر من كونها مبادرة والعنصري التي يعتقد الي حد كبير ان البجاوي البسيط لا يدرك مدلولها فهي أيضاً ان وجدت بمفومها الذي في الاذهان ثوب سوداني منسوج من التباين العرقي غير المصقول حتى الان في بلادنا، فالبجاوي ليس استثناء وقد تكون لفظة العنصرية وهو الارجح في هذه الحالة مدخل هجوم كمفهوم (الارهاب ) اليوم في السياسة الدولية فاية غطرسة (اخوية) هذه .... يذكرنا هذا بقول الجنوبي لاخيه الشمالي (شم هذا التراب لترى ان كانت فيه رائحتك) فمثل هذه الاقوال علي ما يبدو فهيا من تطرف تقال في قطر واحد موحد وانما تعبر ضمن ما تعبر عنه عن القهر والمرارة من افرازات الاستعمار الاستيطاني القانوني الذي يعمل فيه الواعي المتفتح علي الغاء غير الواعي الغافل ومن تعالي وظلم وتحقير بعضنا البعض وهضم الحقوق في تعاملاتنا التعايشية كمواطنين او كحكام ومحكومين مما يبعث الميل في النفوس الي ابعاد الاخرين او الابتعاد عنهم في جميع اقاليمنا الكسيحة فعبارة (موندكورو) و (الجلابة) و(بلويت) او (كجر) وغيرها من المسميات والصفات ما آتت من فراغ فالسودان الموشي بشرياً بمختلف الاعراق والالوان والقوميات والمتشرب بالثقافة العربية الي التصنف الناس بين عرب وعجم و(المنحرفة اصلاً من التمييز بين الوضوح اللساني والعجمة) مع التفاوت في الوعي والتطلعات لابد ان يكون مكاناً للتصادمات النفية والمظالم الناجمة عن المطامع والانتهازية خاصة في غياب الضبط والانضباط رغم ثابت بين كل سوداني وسوداني كأفراد.
    هناك حقيقة تاريخية لا مراء فيها وهي التسامح التعايشي لدى البجا والمرتكز بالدرجة الاولى علي الصلات الدينية أكثر من غيرها من العوامل الاخرى منذ ان تحولت بلادهم ومدنهم بالذات الي وطن قومي أدى الي تدفق وتنوع سكاني وبالتالي الي إذابتهم مع اغفال اوضاعهم الحياتية الشئ الذي لا يخلو من انتهاز غلفتهم والتمدد علي حسابهم في كل مناحي الحياة يقابله انكماش ظلالهم في كل هذه المناحي ولكي لا نتهم بغلواء الحديث لنتأمل صورة معكوسة فنتصور لو ان البجا بل البعض القليل منهم نزح الي بيئة النخيل ليصبحوا مزارعين ينتجون البلح والعجوة خاصة وانهم يحبون هذه الثمار بصفتها مصدر السكريات الوحيد في ثقافتهم الغذائية وبالتالي احتاجوا كمواطنين سودانين الي حقول من النخيل واستبع استقراراهم هناك ايضاً الحاجة الي اراضي بلدية للسكن فكيف يا ترى كانت ستستقبلهم تلك الضفاف ؟ ولحسن الحظ في فان هذا الافتراض مؤغل في الخيال من كل الوجوه وان لم يكن مستحيلاً نظرياً. أو إذا افترضنا ان بعضهم أن بعضهم رأى ارتياد مراعي الغرب او غيرهم بقطعانهم وجمالهم في السنين العجاف واحتراف بعضهم النقاط الصمغ او احترفوا صيد الغابات وتوغلوا في جنوب البلاد فهل يا ترى سيجدون نفس التسامح والمعايشة السلمية التي يجدها الاخرون لديهم في بلادهم بغض النظر عما اذا كان الوافدون الي شرق السودان هم من السودان او خارجه ولنا سابقة في موقف البجا تجاه اللاجئين من ارض الحجاز فيما يسمى بسنة الهجرة عندما عبر بعضهم البحر الي سواكن ابان الحركة السعودية حيث استضافت كل اسرة من الوافدين في داره علي غرار موقف الانصار من المهاجرين حيث افرز هذا التعايش الجيل الذي انصهر فيما بعد بما يعرف (بالسواكنية) منحدراً من أمهات بجاويات في اغلب الحالات او مرتبط بانتماء قرابة ما بالبجا وهو جيل شديد الولاء والوطنية وامامنا احداث اسبق في هجرة بعض الرشايدة الي اقليم البجا في ازمن سحيقة وهم عناصر بادية حتى لاان شاركوا البجا في المراعي والبراري بسلام ولو انهم تيمزوا بمحدودية الانصهار العرقي في القبائل بعكس الاقوام الاخرى ولنا لاحقة في تدفق الاخوة الارترين خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية نتيجة النزاع الاثيوبي الارتري والذي تجدد وأدى الي نزوح مكثف والي مناطق كسلا بشكل خاص .
    ومن الملاحظ ان البجا لم يعرف عنهم النزوح كثيراً عن شرقهم الا للارتزاق او لاي غرض اخر بشكل يؤدي الي مضايقة اقوام اخرى في ديارهم بقدر ما تحركوا اول ما تحركوا من بلادهم لمناصرة اخوانهم اينما استدعت ضرورة الزود عن الوطن بالخرطوم او عطبرة او كرري او للتصدي لجيش الصحراء من كتائب كتشرن الي جانب مواطنيهم من سكان النيل وعرفوا في معارك المهدية بانهم اصحاب الكمائن الناجحة والضربات الخاطفة الموجعة للعدو.
    منطقياً يفهم المرء بدون عناء ان بلداً يضم هذه التشكيلة من المجتمع يكون من اولى اولويات السلطة المركزية فيه العدل وليس العدل القانوني النصي فحسب بل ايضاً الاخلاقي في الموقف والنظرة والتعامل والتنمية المتوازنة للانسان وذلك بالاخذ بيد الاقوام المتخلفة وتقليص الفوارق بين المواطنين حتى يتلاحق المجتمع ويتحقق التجانس القومي فتتكون اللبنة الاساية للامة وهي الانسان وبعد ذلك يأتي كل شئ الانجليز لا يلامون علي اغفال تنمية الانسان الا في حدود مصالحهم لان مصير انسان السودان ليس شأنهم علي انه من دواعى الاسى ربما كان الحكام الانجليز في هذا الصدد افضل كثيراً من العديد من قيادتنا المتعاقبة علي المقاعد بالخرطوم والسبب بسيط هو حسن ادارتهم وسوء ادارتنا.
    ولكي لا نتهم بالحدة والخيال لننظر الي مواقف دول تتقدمنا في عمر استقلالها بفارق زمني كبير كالهند مثلاً التي يتيح دستورها وضعهاً استثنائياً خاصاً لتنمية الجماعات المختلفة كالمجتمعات الريفية الفقيرة والطبقات المضطهدة كالمنبوذين وغيرهم من الذين ترسبوا لسبب او اخر في قاع الحياة حيث يستفيد هؤلاء من وضع خاص في القوانين الهندية كتوفير المنح الدراسية الخاصة لابنائهم واعفائهم من شروط القبول في المدارس مع تخصيص نسب محسوبة من المقاعد لنشئهم في كافة المسؤسسات التعليمية بمختلف المراحل مع اتاحة الفرص الوظيفية لهم بشكل استثنائي وغير ذلك من السياسات (رئيس الهند الحالي صاعد من طبقة المنبوذين).
    ولكن قد نكون ذهبنا مذهباً مثالياً في الافتراض فالحرج في عدم وجود هذا الالتزام التنموي مرفوع حتى الان عن الحكومات السودانيه التي لا زالت تفصلها مراحل عن اداء هذه الدور المقدم في العمل.
    والجدير بالزكر اننا ندعي الترابط والتلاحم وحسن التعايش رغم التنوع العرقي والثقافي وننتباهى باننا نموزج للتوحد والانصهار . وهذه حقائق نسبيه جدا وليست مطلقه لاننا حقيقه لسنا اليابان او الصين او ايران او كوريا فنملك كيمياء التوحد القومي القوي فينا ولا مستوى الرباط الوطني القائم على اساس العدل والقانون والسلوك الحضاري كما هو الحال في كندا مثلا او الولايات المتحده او سنقافوره . اذن لا بد من وجود ضعف وعلل في هذه التعايش وبالتالي احتمالات وجود الظلم وضحايا الظلم . وفي حين اننا نتحدث عن شرق السودان نجد كلا ان كلا يبكي على ليلاه . وان تركيز اكثر من ثمانين في المائه من ثروات البلاد في العاصمه مع ما يستتبعه ذلك من تمركز المؤسسات الاقتصاديه والصحيه والعلميه المتميزه بها هو في حد ذاته ظلم من وجهه نظر الاقاليم . وشرق السودان احدها وقد يكون من بين أباسها . صحيح أن للعواصم وضعها الخاص كقاعده عامه ولكن ليس الاخص بحيث تبقى هي واحه في محيط قاحل اجرد ومهمل يلهث في هجيره بقيه المواطنين ( الشماسه كلهم) .
    وباعتبار شرق السودان هو الرئه وقصبه التنفس الوحيده للبلاد كان يحقق لبريطانيا ان تحرص على السيطره على هذا الاقليم خاصه في ضوء تجربتها العسكريه مع اهله.وكانت ترى ومن وجهه نظري واقعيه ان من يهيمن على هذه المنطقه يضع يده على مقتل البلاد واهم مخانق الاقتصاد فيها . لزلك فان تخلف البجا واثر بيئتهم فيهم ونمطهم المعيشي مع النزعه الانعزاليه كل هذه السلبيات المعوقه للانسان كانت توحي وبكل يقين بان الانسان البجاوي سيتاخر ولن يتصدر المجتمع الحديث بالمنطقه . وهي معطيات مواتيه للحاكم الانجليزي حملت عته عبء تحجيم وتهميش هذا الانسان فلم يفعل اكثر من ان لا يفعل شيئا ويتركه لقدره خاصه وانه مجرد ٍالان من اية قيادات مناضله بحكم الاستقرار السياسي وقد اصبح اكثر من نصف سكان المدن والمناطق التى تهمه الشرق .. اصبحوا فجاء من غير البجا وهو واقع يتيح اذابه العنصر وخلق سكان( شبه مغتربين) هم الاغلبيه منهم المعيشه والمصالح الذاتيه ولا يستطيعون التضحيه من اجل موطنهم (الثاني) مقابل ما اعطاه ولو بالهم الشعوري بمصيره فيعطونه شيئا عن ذواتهم.
    ونلاحظ ان كل من يتحدث عن اوضاع شرق السودان من المقيمين فيه يعلق بقوله: ان المنطقه (ما عندها وجيع) لقد صدق الناس في هذا فان سجل المطالبات بحقوق الاقليم والتظاهرات يائسه تعكس ضاله الاصوات المطالبه بتحسين اوضاعه في ضوئ عدد سكانه وتعكس اقتصار همها على(أوشيك) و(أدروب) و(بامكار) في المواقف الساخنه. اما بقيه الناس فيفضلون البقاء خارج الخندق فلا داعي لتحويل ولائهم من البيت الى المطعم .ان احصائيه بسيطه للذين نزحوا او تاهبوا ٍللنزوح عن شرق السودان او باعوا كل او بعض ممتلكاتهم او قسموا اسرهم او احتفظوا بجزء فقط من ثرواتهم هنا اثر الاحداث العسكريه الاخيره وتهديد المعارضه بقطع الطرق وضرب المؤاني لتدل على ان ساكن البيت لا يحميه بالضروره ولا يموت على عتباته الا المولود في حجراته . تقريباٍ كما فعل ابناء الجاليات الاجنبيه من يونان وأرمن وشوام وحجازين واقباط وهنود وغيرهم عند ما تردينا وتردت بلادنا بعد رحيل الاداره الانجليزيه في عهود الحكم الحكم ( الوطني) ولكن هولاء اصطحبوا معهم في ذهابهم ايضا القشره الحضاريه التي كانوا اضفوها على بلادنا وحياتنا العامه . وهذه واقع يشمل كل السودان وليس شرقه فقط فانتهى بذهابهم ذلك المظهر السياحي والنظام والنظافه والانضباط في مدننا وشوارعنا ومتاجرنا وساحتنا فاصبحت الاغنام والابقار والجمال ترتاد شوارعنا القليله المسفلته مع المركبات والمشاه ونحن ناكل ما تيسر من الطعام على قارعه الطرق وننام في حرم المتاجر و(نشد ) كفتيره الشاي في برنده (رامونا) وعندما ناوي الى منازلنا نتعاطى مع صغارنا وعائلاتنا هموم الامن وثقافه (الحرامي) والسطو المنزلي ونشوه جدر اننا بالاسلاك الشائكه وكساره الزجاج من اجل الحمايه والميسوورن منا يقتننون ضمن اثاثهم واشيائهم المنزليه مولدات الطاقه واوعيه الجريكانات والبراميل لاختزان مياه الشرب في ارقى المنازل لان( الكهرباء قاطعه ) و( المويه قاطعه) منذ اكثر من ثلث قرن . وتعطل البعوضه ربع السكان من طلابنا وتلاميزنا وقوانا العامله وافراد عائلاتنا في كل يوم من ايام السنه لان البيئه مهياة لها , بل اصبح البعوض ينتشر في اماكن ما كان يتواجد فيها كالمناطق الساحليه المالحه فالمستقبل اكثر ازدهار للناموس منه للانسان وعند ما تزورالمستشفى للعلاج يستفسر الطبيب او الممرض عما جلبناه معنا من الى المصحه من مواد وعقاقير وابر طبيه اكثر من استفسارهما عن اوجاعنا . وعند ما نرتاد الاسواق واماكن الزحام والاحياء العشوائيه نجد ان السودان قد تنوع وتوسع توسعا كبيرا ( سكانا وليس مساحه) ليصبح اسما على مسماء الاساسي الذي اطلقه عليه المؤرخين العرب الذي يشمل بلادا تمتد من بعض اواسط القاره الى معظم بلاد غرب افريقيا فاصبحت اذاننا اليوم تلتقط مفردات من اللهجات الكينيه والتنزانيه والماليه والكونفوليه وغيرها من مدنى الى الخرطوم والى قمم سنكات وميناء عثمان دقنه وربما بعض مناطق الشمال كما الفنا من ذي قبل اللهجات النيجريه والتشاديه وكافه لهجات القرن الافريقي فلا غرابه اذ ان لدينا ثماني بوابات مفتوحه بانقلاب على مصارعيها من حولنا وبداخلها نملك كل اوعيه الامن الغذائي وكل مستودعات المياه السطحيه والجوفيه واكبر واخصب مساحات القاره واضخم تعداد حيواني واقرب المنافذ الى العالم المتقدم ومراكز المال والعمل بالشرق الاوسط . والاهم من ذلك نملك المساحه والتسامح الفريد الزي يتيح للضيف الطارق بلادنا المعبر والمحط والتوغل فينا من اللحم الى اعظم ( السياده) اذن نحن نتمدد ابدا سكانا وتنوعا ونتقلص ابدا ارضا ومساحه اذ ينقطع مقص المطامع الاقليميه من حواشينا مساحات على مثلثات من مثلث ليبيا الى مثلث كينيا والى مثلث حلايب وربما تكون هناك مثلثات اخرى تحت التصميم الان والى ان تتحول الخارطه الى جزيره مستديره تحيط بها انياب التماسيح في خصم من المطامع الاقليميه ونحن نظل دائما على يقين من اننا نملك مليون ميل مربع كما تقول لنا الجغرافيا النظريه.
    ان من ينشأ ويظل يعيش في بيئة اقتصادية وعلمية بسيطة لا يتألم للانقلابات الحياتية والانتكاسات الحضارية بنفس القدر الذي يحس به صاحب القريب السعيد والزكريات الجميلة من اجيال اواسط القرن العشرين، فاليوم يصعب لابنائي ان يصدقوا او يتصوروا اني ركتب القطار من بورتسودان الي سواكن عبر سلوم في رحلة ممتعة خلال اقل من ساعة او يصدقوا اننا كنا نضبط ساعات ايدينا في فصول الدراسة ببورتسودان علي صفارة القطار الداخل الي المحطة عند الساعة العاشرة وعشر دقائق لدقة مواعيده لانه يعملون من تجاربهم اليوم ان مواعيد طائرتنا علي شاشات الكمبيوتر في المطارات الدولية تعرف عبارة غير معلوم .
    ولا يسهل لاي شاب اليوم ان يصدق اننا شهدنا وباستمرار أبان دراستنا الثانوية في الخمسينات وفود الدارسين القادمين الي الخرطوم وامدرمان من شتى انحاء افريقيا وعدن ودول الخليج والقرن الافريقي لتلقى دورات تدريبية بالسودان في الادارة والتعليم والحكم المحلي واعمال البنوك وادارة الموانئ والآلة الكاتبة والتحكيم في كرة القدم والموسيقى والانشطة العسكرية وغير ذلك من الميادين الاكاديمية والفنية وسوف يتشكك الكثيرون اليوم اذا قلنا لهم ان اساتذنا حكوا لنا ان سياسيا سودانياً معروفاً كان مرشحاص لمنصب امين عام الامم المتحدة، وكان يتطلع الي هذا المنصب العالمي بكل جدارة وثقة ليسجل التاريخ ان اول رجل يتبأ هذا المنصب من قارة افريقيا هو من هذا السودان الحبيب ولكن هزمه الفيتو الامريكي لانه مسلم واسمر البشرة معاً وكما ان سودان النصف الاول من القرن العشرين في ذاكرة المختصين بالسياسة الدولية كان من بين اقوى الاصوات المدوية والفعالة في الساحة الدولية ان لم يكن اقواها في التصدي لنظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا قبل ان يتحول السودان من معرفة ساطعة الي نكرة مغمورة في المحافل الاقليمية والدولية قبل حوالي 15 عاماً التقيت برجل هولندي بالقاهرة ولما عرف اني من السودان اخذ يتحدث الي باسلوم حميم وعلمت منه انه كان من ضمن الفنين الذين اشرفوا علي انشاء وتسيير مصفاة بورتسودان للبترول وقال ان بريطانيا كانت تفاخر بمستعمرتها السودانية وتتباهى بان الشعب السودان تحت سيطرتها خلال ربع قرن من الاستعمار استيعاب الحضارة الغربية وتطبيق المفاهيم المتقدمة في كل مناحي الحياة باقتدار وقال الرجل : ان يؤيد هذا الزعم بالبراهيم فذكر ان مصفاة بورتسودان ومصفاة كينيا أنشئتا تقريباً في وقت واحد واستطاع السودانين تسيير كافة اعمال مصفاتهم بعد ثلاثة أعوام من إنشائها معتمدين علي انفسهم بما في ذلك تدريب الفنيين الجدد من كوادر المصفاة حين ان رفقائهم في كينيا احتاجوا الي ابقاء المشرفين الأجانب الي حوالي العام التاسع من انشاء مصافتهم.
    لسنا ندري مدى صحة هذه المعلومات كما اني لست علي يقين تام بصحة تفاصيل كل ما ذكرته واذكره للقارئ الكريم عن الشأن السوداني والبجاوي لاني أكتب عفو الخاطر من الذاكرة محاولة لايصال الفكرة العامة من وجهة نظري الخاصة التي أومن بها ولكن من املعلوم لدى الجميع ايضا ان ابناء السودان منذ ان اصبح بلدهم منتجاً ومصدراً لمغتربين يعملون بدول النفط وغيره منذ مطلع السبعينات كان السودانين مفخرة لوطنهم من حيث كفاءتهم وادائهم المميز والتزاماتهم بشرف المهنة وحسن السلوك العام والوظيفي في مغتربهم وهذا يقودنا الي السؤال الكبير: ما الذي أطفا هذه الشمعة المضيئة في قلب افريقيا وما الذي حدث للسودان والسودانين سوى الاستقلال والسيادة المطلقة علي بلادهم؟ ويبدو أننا أمة تنضبط تحت السيطرة من قبل حاكم او كفيل اجنبي وتنفلت وباستهتار تحت الرقابة الذاتية.
    استميح القارئ عذرا اذا شطح بي الخاطر من قضية البجا الي هموم الوطن الكبير الم أقل لكم في مطلع حديثي ان الحديث ذو شجون؟ فالحلقة وثيقة الصلة بالسلسلة المزرية وعودا الي مأساة البجا يمكن القول ان الانجليز اذا ارادوا الاخذ بيد البجا وانتشالهم من التخلف وتميكنهم من التمتع الواعي بحقوق المواطنة لفعلوا وبكل نجاح لانهم اكثر اقتداراً مالياً وعلمياً واداريا وسلطويا من اولائك الافراد لاخالدين في تاريخ البجا المعاصر الذين عملوا من اجل أهلهم ما لم تفعهل الحكومات أمثال المرحوم علي بيتاي والشريف ادروب ومحمد بدري ابو هدية وغيرهم من الجنود املجهولين وتذكيراً با سبق ذكره من ان الانجليز لا يعاتبون باي حال علي اغفال تنمية الانسان لان المصير البعيد للانسان يحتل اخر قائمة همومهم وبرامجهم الاستعمارية علماً ان بريطانيا قد فعلت الكثير نسبياص بالنسبة للسودان واحترمت انسانه مقارنة بسلوكها مع الشعوب الهندية مثلاً او مقارنة بالانماط الاستعمارية الاوربية الاخرى بالتارة كالاستعمار الايطالي والفرنسي والبلجيكي ولكن مع ذلك فقد اتبعت في حكمها للعشب سياسات متباينة وغير متوازنة تنموياً فقد عملت علي تهميش بعض الاقاليم فبقى الانسان علي فطرته واغلقت بعض الاقاليم حرصاً علي السيطرة علي القطر موحداً ضدى قوى اخرى محتملة وفي ذات الوقت وفي بعض الاقل .
    ولكن ما بال قياداتنا الوطنية تسير على نهج الاستعمار فتمارس نفس سياسه التهميش والاغفال واللا مبالاة بالانسان في معظم الاقليم وعلى وجه الخصوص الانسان البجاوي بشرق السودان فهل يكفي مبررا الاهمال ان يعجز المرئ لجهله او اغير ذلك من الاسباب عن معرفه حقوقه الوطنيه او كيفيه الحصول عليها ؟ اين مسئوليه الدوله عن (رعاياها) ان لم يرقوا الى مستوى (مواطنيها)؟ مع ملاحظه ان مواطني شرق السودان وعلى راسهم البجا ظلوا يرفعون الى السلطات في الخرطوم مطالبهم العادله باستمرار عبر نصف قرن من الزمان بدون تجاوب فعال ويظهر أن البجا ليسوا في ضمير الخرطوم. ألم يمكن لاي مسئول ولا واحد على الاقل ان يدرك أن الناس هنا يموتون ظما وجوعا مثلما تنفق انعامهم بجوارهم . فلو أن الحكومات المركزيه منحت نصف اهتمام لمثل هذه الضرورات الحيويه فافردت جزاء من نفقات احتفالات يناير أو نوفمبر أو اكتوبر أو مايو أو ابريل أو يونيو الرسميه أو غيرها من المصادر لتقيم سدا واحدا كل عام باحد الاوديه التي تصرف مياة الامطار هدرا الى البحر في شتى بقاع مناطق البجا لتكونت اليوم عشرات السدود التي من شانهأ ان تحيل الارض الموات الى حقول ومراعي الى جانب رفع مناسيب المياة الجوفيه . وبذلك يتوفر للانسان حقه الاساسي .. حق البغاء وكرامه العيش خاصه وأن مطالب الناس هنا بسيطه ولا تتجاوزحاجاتهم الزرع والضرع. فضلا عن أن ذلك ربما ادى بهم الى الاستقرار مما يتيح لهم أسباب التطور والارتقاء. ولكي لا نطلق الحديث جزافا لنتأمل اليوم الاثر الذي احدثه سد سنكات المتواضع والذي اقيم منذ حوالي عامين من حيث ما وفره من مياه سطحيه أو ما اثرى به مخزون المياه الجوفيه فيما جاور منطقه السد نفسها على الاقل. وماذا عن اثره على البيئه والمجتمع من حوله ؟ لربنا كان الوقت الان مبكرا لتقيم ذلك المشروع مبادره من الحكومه المركزيه نسال الله أن يجزيها خيرا على الرفق بالانسان. خلال اربعين عاما مضت والى الان لماذا لم يرق قلب اي وزير من وزراء الصحه بالسودان لحال البجا باعتباره على علم بأوضاعهم الصحيه فيعمل على انشاء شفخانات تخدمهم بالمناطق الاهله أو تحسين خدمات المصحات الموجوده بمدنهم أوامداد بعض المراكز بسيارات اسعاف طبي ولو سياره في كل خمس سنوات لانقاذ جريح نازف أو أم او شابه تحتضر بتعسر ولاده في وضع وليدها البكر؟ مره اخرى يبدو أن البجا ليسو في ضمير هذه الامه فالشواهد كثيره .
    واذا تحدثنا عن ثقورناالبحريه فاننا بالتاكيد لا نتحدث عن مناطق اقليميه وانما عن مدن قوميه بكل معنى الكلمه تتمازج فيها الوان الطيف السوداني من البشر وتتلاقى بساحتها كل المصالح الاقتصاديه القوميه مما يبرر الاعتقاد بانها كانت وما زالت جديره بالاهتمام والعنايه باعتبار ها المنافذ التي نطل منها على العالم ويطل العالم من خلالها علينا . فلننظر اليوم الى ما ال أليه ميناء بورتسودان , تلك العروس التي كانت تستحم في ذلك الهلال المائي تحت صخب الحياة العامره صباحا وتسهر تحت لالاء الشاطئ مساء . ولن نتحدث عن شاطئها المرح المفتوح المحيط بمعظم المدينه ولا عن شوارعها النظيفه وارصفتها ومتاجرها العامره ومطاعمها ومقاهيها ولا عن أحيائها الامنه السعيده أو عبق الفل والياسمين الراحل على متن النسائم الرطبه لن نتحدث عن كل ذلك لكي لا نذرف الدمع على الورق في ذكرى ذلك الماضي الجميل المفقود . فاليوم لم تعد المدينه مدينه ساحليه الا تاريخيا فقد فصلنا عنها البحر بجدار لان مفهوم (الزول) الحضاري اوحى لنا بقطع المشهد عن السكان وحجب زرفة البحر عنهم في حين أن مدينتهم اضحت طللا ينعب فيه الغراب في كل حين وتسود اجواءة أبخره ( البلاعات ) المهمله واسراب البعوض والذباب وتنتشر في ساحاته شجره ( السيسبان) الجريئه التي اصبحت تغزو اجمل الضواحي في كل مدينه بالسودان وربما اجتاحت يوما ما ( وستجتاح) كافه الاراضي الخصبه بالبلاد لاننا امة تدع الامور تجري في اعنتها متمسكه بمبدا خلو البال . لذلك يطيب لكل مخلوق طفيلي ان يبني لدينا مقامه فنألفه فما لغراب في بيتنا او بعوضه في ساحلنا او شجره موسكيت او حتى عشر في حديقتنا . ألم نالف انقطاع الماء . والكهرباء وبدانا نعايش شح الغذاء والكساء ووفره الارض . ولا عجب فاننا في سودان التسامح الذي يتاقلم فيه الانسان مع كل الشروط حتى شرط ان لا تكون.
    ولنتامل ميناء سواكن التاريخي , تلك الدره التي غمرها تراب الاهمال وطمستها يد الخراب. ولنسترجع في الذاكره مشاهد الماضي القريب لتلكالابراج البيضاء الشاهقه تعانق زرقه السماء والبحر في الافاق تتراءى عن بعد للقادم للمدينه شرقا من مرتفعات سنكات أوشمالا من سهول طوكر او جنوبا من بورتسودان عمودا من الفضه مغروسا في صحن ذلك الشاطئ الازرق تتهادى حوله اشرعه الزوارق وتتناثر على جوانبه القباب والمنارات فتهفو نفس الرائي الى عناق ذلك التاريخ الاسلامي الشرقي المتكئ في اطمئنان على ساحلنا الشرقي الانيق. واليوم قد تعرت صفحه البحر عن تلك الستاره من القصور المتراصه وبتسارع ملفت لتتحول الى اكوامن التراب هي اشبه بالقبور من الاثار . وحتى الاثار التي هي عباره عن حجاره المباني تحولت الى رماد في ( كمائن) الجير بينما استلت اخشاب مدينه كامله من بين الانقاض لتختفي الى الابد بما فيها من نقش وحفر وتلوين وغير ذلك من الفنون المعماريه . كل ذلك على مراى ومسمع من السلطات طوال اربعين عاما . فاذا كانت العباره تقول :(صار الشيئ أثرا بعد عين) فان سواكن القديمه لم يبقى منها حتى الاثر.. انها خيبه انسان اكثر من خيبه امل.
    لعلي لا اكون خرجت عن الموضوع اذا قصصت لكم حكايه ذات صله كنت من بين شخوصها . كنت في رفقه رجل انجايزي زائر لفرع شركه كبرى ببورتسودان وذلك في رحله له من بورتسودان الى سواكن لزياره المدينه الاثريه اذ كلفنى بذلك احد اقربائي كان مسئولا بالشركه وكنت حينها في طريقي من وادي سيدنا الى اهلي بمدينه طوكر في عطله مدرسيه في اعقاب الخمسينيات. كان الطريق ايامها وعرا . وعند وصولنا الى وادي( هوشيرو) طلب مني السيد روبرتسون, وهذا اسمه – أن اطلب الى السائق التوقف قليلا عند كتف الوادي ففعلت وتوقف السائق ضاحكا ظنا منه ان ( الخواجه) كان فزعا من الولوج في الوادي اذ كانت ضفته شديده الانحدار الى قاعه .وكنت قد شرحت له ان هذا الوادي ينصف المسافه تقريبا بين المدينتين وهي ستين كيلومترا . حمل الرجل كمرته وترجل من السياره والتقط بعض الصور القريبه والبعيده على طول وعبر الوادي , ثم واصلنا رحلتنا والسيد روبرتسون مستغرق في تاملات واخليه يتلفت يسارا الى البحر ويمينا الى التلال البعيده والمنحدرات المخضره . وبعد ان عبرنا الوادي انهمك في احاديث طليقه قائلا انه لوقدر له ان يزور السودان مره اخرى في المستقبل فانه يتمنى أن يشاهد هذه المنطقه ليرى ما اذا تحققت احلامه. فتساءلت مندهشا: اية احلام يعني ؟فاجاب بأن هذه اول زياره له للسودان ولديه انطباع بان السودان يضم شعبا ذكيا متطلعا وحسب معلوماته أن هذه الامه يمكن أن تسهم في حضاره افريقيا مستقبلا . وكان يتحدث معي في تبسط وحميميه . اما بالنسبه لاحلامه فقال ان مدينه بورتسودان ستمتد جنوبا الى الضفه الشماليه لهذا الوادي وستتسع سواكن شمالا حتى ضفته الجنوبيه . وسيتحول هذا الوادي على ضفتيه الى معموره تمتد من الجبل الى البحر تقام فيها الملاهي والملاعب والحدائق والانديه والمطاعم والمسارح كمنطقه ترفيهيه مشتركه بين المدينتين. كنت اشعر بسعاده غامره باحاديثه وترتسم في مخيلتي اشياء كثيره زاهيه وجميله تتجسم صورا وظلالا كلما توغل في استرساله في تصوير المستقبل واتخير لنفسي مكانا في هذا الفردوس الخيالي.
    وصلنا الى سواكن ومضينا توا الى (الجزيره ) حسب رغبة السيد روبرتسون الذي كان حريصا على العوده مبكرا الى بورتسودان تمهيدا لسفره الى الخرطوم فلندن . وبعد اول جوله بين المباني في الشوارع المعرجه طلب من السائق ان يوقف السياره بعيدا عن المباني وان يرافقنا على قدميه اذا رغب في التجوال . وعلقوهو يحدق في اعالي المباني المتصدعه والاحجار الايله للسقوط بقوله : ان ذبذبه محرك السياره كفيله باسقاط كل ما تبقى من مدينتكم. وينبقي ان يتجول زوارها على ظهور الجمال اوغيرها من الدواب . وحتى يتوجب تحديد مسئوليه تعريضها للخطر وكانت لهجته في الحديث محتده وفي مزاج مغاير لمرحله السابق. ولم اكن بالطبع سعيدا بهذا التهكم والنقد اللازع والمستند على الحقائق المريره . وتعمدت ان اتجول به في اماكن اخرى ومبانى اكثر متانه اعرفها واصعد به الى الطابق الرابع في بعضها واطل به على المشربيات الخشبيه المزخرفه بينما اشرح له ان الانجليز تعمدو اهمال هذه المدينه منذ العام 1911 واجبرو اصحاب هذه المباني على هجر سواكن الى بورتسودان للالتحاق بوظائفهم واعمالهم ومصالحهم هناك . وعليه فان الانجليز هم المسئولون عن هذه الخراب لاهمالهم هذه المدينه منذ بدايه الاستعمار , بل يقال انهم قد نسفوا بالمتفجرات بعض الابنيه هنا. فقال : هناك قوانين واعراف تحكم الاثار . وانتم عند ما طالبتم باصرار بنيل استقلالكم منحتوه , وهو امر اصعب منالا من ترميم اثار تاريخيه علما ان معظم مباني المدينه ما زال قائما الان وبعضها يقطنه اصحابه . ولقد مضى على استقلالكم وقت كاف للبدء تجاه هذه المباني الاثريه بايه خطوه ولكن ما هناك ما يشير فيما ارئ الى اي تحرك في هذه الاتجاه بينما تتساقط الابنيه الجميله امام اعينكم . ومن يهون عليه حدوث الخراب امام ناظريه لا بد ان يصعب عليه الاعممار بيديه .
    ونحن على كل حال لا نتحدث الان عن ماضي ونوايا او اسباب بقدر ما نتامل واقعا ماثلا امامنا. ومن الملفت ان يجد المرء نفسه احيانا مضررا على تغير ارائه وقناعاته سريعا). من البديهي انني ادركت ما كان يرمي بقوله هذه . وبعد انتهاء جولتنا توقفت السياره امام دار اقاربي بسواكن حيث ترجلت منها لتناول امتعتي من على ظهرها . وترجل هو الاخر وقال لي: اشكرك على طيب الصحبه , فقد سعدت برفقتك كثيرا وارجو ان تعتبر احاديثي لك في رحله القدوم ثرثره من رفيق درب واحلام يقظه قد اكون اسرفت فيها . على اني ما زلت اعتقد انكم شعب ينضج حيويه . وهناك مثل انجليزي يقول( لا يوجد جنود رديئون ولكن يوجد ضباض رديئون). ومد الى بطاقه عنوان كنت اختفظ بها الى وقت قريب . ثم لوح لي بكلتا يديه مودعا من داخل السياره التي انطلقت شمالا ودلفت انا الى الدار متعبا بخواطري التي لم يرحني منها سوى التحديق في بخار ( الجبنه):
    واليوم وانا استرجع هذه الذكريات عن السودان وشرق السودان تطعن خاطري اسئله لا اجد لها اجوبه شافيه. فاذا اعتبر الانجليز ان سواكن مدينه تركيه وان لبعض اهلها ولاء للاتراك او انها موطن عثمان دقنه المشاكس , وعلى اساس هذا الافتراض تعمدت اهمال والغاء هذه المدينه ومحو اثارها بهجرها كميناء والتضحيه بالاموال التي انفقتها لانشاء ميناء جديد في حين ان مرسى سواكن الدائري يستوعب ستين سفينه في ان واحد مع تميزه بمجرى مائي عميق مفتوح الى اعالي البحار لا يحتاج الا التنظيف من الشعب المرجانيه في مدخله مره كل ربع او نصف قرن فان الصفه المعنويه الحضاريه للمدينه والقيمه التاريخيه لما تضمه من اثار لا يعني شيئ بالنسبه للانجايز لانه لا الاثار نفسها ولا التاريخ الذي تمثله ملك لهم يحملونه اكتافهم عند الجلاء. ويمكن فهم هذا الموقف بل وقبوله من جانب الانجليز ولكن من غير المقبول باي حال ان نحذو حذوهم فنهمل ما اهملو ونهمش من همشوا بل ونهدم ما بنوا كالخط الحديدي وخطوط الهاتف والتلغراف وخدمه البريد في حين توقف محلج القطن عن العمل منذ امد بعيد والسكان الذين بقوا بسواكن بعد خرابها , ومعظمهم من النساء والمسنين المتقاعدين عاشوا على احسان ذويهم الذين نزحزا الى بورتسودان معتمدين عليهم في غذائهم وكسائهم وحاجاتهم الاجتماعيه والى يومنا هذا عبر ما يزيد عن اربعه عقود.
    هنا تتجلى صور التراحم الرائعه شيمه الشعب السوداني بينما تتجسم مظاهر ( العون الذاتي) سمه الحياة في العالم الثالث المحروم من خدمات الدوله ورعايتها فعند ما ظهرت ضروره تحويل حركه ركاب البحر الى سواكن وقامه مرابط البواخر فيها امدت الحكومه فقط مكاتبها وموظفيها بالماء والكهرباء دون اعتبار لما يترتب على المشروع من اذدياد في سكان المدينه او ضغوط المسافرين والحركه الجديده على امكانيات المدينه المشلوله اصلا فالمواطن في ذهن الحكومات السودانيه عاده ما يدير شئونه في تامين حاجياته الضروريه فهو يلجا الى مسرجه الكيروسين والحطب والفحم ويشري الماء بالجوالين والصفائح او غيرها من المكابيل . وهي اساسا مياه تم الحصول عليها بالسطو على جزء من مياه بورتسودان .
    وعندما انشأنا الطريق المعبد من بورتسودان الى العاصمه كان من وظائفه السلبيه البارزه هذا التدفق المنفلت للوافدين من كل حدب وصوب منذ ان افتتح هذا الطريق . ونقاط الطرق تستجوب القادمين : ( ماذا لديكم) وليس( من انتم) فاكتظت المدن الساحليه بالناس شوارعها واسواقها ونشات ( بورتسودان) ثانيه عشوائيه فتضاعف عدد السكان عده مرات دون ان يعلم احد منهم المواطن السوداني وغير السوداني . ولكن من المؤكد ان يحمل من اراد منهم جواز سفر سوداني في وقت ما وبكيفيه ما عند الحاجه . ولا احد من المسئولين يجهد نفسه بالتفكير في هذا الانفلات واثاره القريبه والبعيده والظاهره او الخفيه . فالتغير السكاني اصبح واضحا في كافه مدن الشرق منعكسا في اختلاف اللهجات والسحنات والازياء والسلوكيات . من ناحيه اخرى انعكست هذه المتغيرات على معيشه الناس اذ تضاعفت اسعار السلع التموينيه بشكل جنوني لاسباب من ضمنها اذدياد الطلب نتيجه هذا التدفق فباتت الضروريات كماليات في زمن تحولت فيه الكماليات الى ضروريات في بعض العوالم حولنا . وانتشرت الاحياء العشوائيه بشكل مخيف في ضواحي المدن بما يشكله ذلك من مخاطر امنيه واجتماعيه على المدن وعلى من أمن منشأتها الحيويه خاصه مدينه بورتسودان حتى ماء الشرب اصبح اليوم يباع بالاكواب على قارعه الطرق طوال شهر الصيف . ولا عجب فان خزان المياه اليتيم بالمدينه والذي شارف القرن من عمره المديد اصبحت تحتل الطحالب والطين والاحياء الطفيليه جزاء من طاقته الاستيعابيه . واصبحت المساحات المسفلته من شوارع المدينه مخصصه لحركه المشاة الذين احتلوها من الحافه الى الخافه اكثر من السيارات . فاذا اردت ان ترتاد اسواق المدينه وجدت قد تفضل السير على الاقدام لتتنقل بشكل اسرع . واذا رغبت لقاء معارفك او رفاقك في المدينه وجدت نفسك غريبا مستغربا.
    هذا هو الحال في مدن المنطقه , وهذا ما الت اليه هذه المدن الجميله . وكل مسئول اشرف على اداره الامور فيها منذ امد بعيد هو على علم تام بهذه الواقع الماثل امامه وقد شهد هذه المتغيرات المذهله ولكنه لم ولا يحرك ساكنا , وفي افضل الحالات يعجز عن ان يحرك ساكنا ولو اراد بينما تقبع في ملفات الدواوين ومكاتب المسئولين المعنين الاف الطلبات والمذكرات والالتماسات عبر السنين لمعالجه هذه الاوضاع وكل شيئ على ارض الواقع يظل اجراس انذار تقرع على المسامع .. الهم ألطف بعبادك واجعل هذا البلد أمنا.
    واذا تناولنا سوء الادارة الوطنيه ومن مظاهرها ضعف العداله , أو سلبيات التعايش ومن سماتها الاساءة والتحقير , قد يكون من الاوفق بسط شواهد على شكل نمازج من التعامل والمواقف تجاه بعضنا البعض كشعب او كحكام تجاه المحكومين وهو الاهم . على ان هذه المواقف في الغالب الاعم لا تتخذ صفه الاقتصاديه على اقليم او طائفه بعينها ولو انها اكثر ظهورا واثره تجاه شرق السودان والبجا بشكل خاص.
    لقد عرضنافي السياق العام لبعض المواقف السلبيه من بعض من عايشوا البجا في ديارهم كالتراخي عما يهم المنطقه والاشتراك في اي مطلب باسمها رغم المصير المشترك بل وانتهاز جهل وقصور الوعي في البجا في حالات كثيره وغمر حقوقهم مع الاقتدار على الانصاف من جانب الكثيرين من ذوي النفوذ. ومن غير المستغرب ان تكون مثل هذه المواقف في اصحابها مصحوبه ايضا بنزعه التعالي على البجا وتحقيرهم ووضعهم موضع التندر والسخريه مما يولد ويرسب ردرد فعل مريره لدى الجانب الاخر . على انه من العدل ايضا ان لانعمم هذا السلوك على كل من عايش البجا في منطقتهم . فهناك من ارتبط بالارض والانسان والمصير برياط اصدق واقوى من عناق البجا انفسهم لقضايهم . فهؤلاء وان كانو قلة في الاخصاء فانهم كثرة

    أحدث المقالات


  • يغالطوك في إسمك! بقلم مصطفى عبد العزيز البطل 06-10-15, 06:21 AM, مصطفى عبد العزيز البطل
  • تقرير المصير بين الواقع والخيال بقلم محمد ادم فاشر 06-10-15, 06:19 AM, محمد ادم فاشر
  • جزاء التحرش الجنسى بالأطفال : تجربتان من كينيا والسودان !. بقلم فيصل الباقر 06-10-15, 06:17 AM, فيصل الباقر
  • فاليريا كيربتشنكو بقلم د. أحمد الخميسي – كاتب مصري 06-10-15, 06:15 AM, أحمد الخميسي
  • مفتاح النجاح ..!! بقلم الطاهر ساتي 06-10-15, 06:12 AM, الطاهر ساتي
  • إعلان 9 يونيو 1969: بصمة الرفيق جو بقلم عبد الله علي إبراهيم 06-10-15, 03:40 AM, عبدالله علي إبراهيم
  • كيف دمر النوبييون حضارتهم و دمروا السودان بقلم Tarig Anter 06-10-15, 03:37 AM, Tarig Anter
  • حان الوقت لاستراتيجيّة جديدة بقلم ألون بن مئير 06-10-15, 03:35 AM, ألون بن مئير
  • الى الأمام بقلم عمر الشريف 06-10-15, 03:33 AM, عمر الشريف
  • أبطال في زمن العبيد بقلم ماهر إبراهيم جعوان 06-10-15, 03:10 AM, ماهر إبراهيم جعوان
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de