ما عاد النهر الماجد بوب ينساب كعادته هادئا بقلم د- عبدالسلام نورالدين
كلنا شمائل النور! نداء للعلمانيين و الشيوعيين السودانيين
اليوبيل الذهبي لمدرسة محمد حسين الثانوية
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 02-19-2017, 02:17 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

هل العَلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟ قامُوسيّاً وأكاديميّاً: ما العلمانيّة؟ بقلم إبراهيم جعفر

01-27-2015, 05:13 PM

إبراهيم جعفر
<aإبراهيم جعفر
تاريخ التسجيل: 01-27-2015
مجموع المشاركات: 5

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
هل العَلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟ قامُوسيّاً وأكاديميّاً: ما العلمانيّة؟ بقلم إبراهيم جعفر

    تعريفٌ مُبْتَسَرْ

    ) العلمانيّة بأنّها، اصطلاحاً، ar.wikipedia.org/wiki/علمانية تُعرّفُ ويكيبيديا- الموسوعة الحرّة (
    "فصل الدين والمعتقدات الدينِيّة عن السّياسة" حيثُ تُفسّرُ كَلِمَةُ "السياسةِ"، في ذلكَ السّياق، على أنّها الشأن الدنيويُّ الزّمنيُّ آنَ قيامهُ إزاء الإنتماء المُطلق إلى العالمِ الرّوحيِّ أو الما ورائي. وأوّل من ابتدعَ المُصطلح "علمانيّة" هو، بحسب موسوعة ويكيبيديا الحرّة، هو الكاتبُ الإنجليزيُّ جورج هوليوك (1817-1906). وتربطُ دائرةُ المعارف البريطانية نهوضَ العَلمانية، كحركة اجتماعيّة-سياسيّة، بالنَّزعة الفلسفيّة الإنسانيّة المؤرّخَ بدؤُها بعصرِ النّهضةِ الأورُبّي. وقد كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك مُعرّفَاً غايةَ العلمانيّة بأنّها التوصّل إلى دينٍ صحيحٍ بوَاسِطَةِ تسامحِ الدولة مع كافّةِ ضروبِ الإعتقاد الإنسانِي الدينية والفكريّة والإجتماعيّة بحيْثُ يكونُ النّاسُ، إزاءَ الدّولةِ، أفراداً أحراراً على سبيلِ إدراكِ "الحقيقة". ويُؤَمِّنُ جورج هوليوك على التّعريفِ إيّاهُ حين يُوكّدُ استقلاليّة العلمانيّة، وليس ضديّتها، للمسيحيّةِ، كدين فهي، كما يفهمُها هو، معنيّةً أساساً بإيجادِ صيغةِ حُكمٍ إنسانيٍّ مؤسّسٍ على المعرفة التَّجريبيّة الإنسانيّة المُهتمّة بالحياةِ الإنسانية، وتطورها ورفاهها، في هذه الدّنيا، أساساً.

    ذلك كُلّه، وفق ويكيبيديا- الموسوعة الحُرّة، يترتّبُ عليهِ، قاموسيّاً واصطلاحيَّاً، تعريف العلمانية بأنَّها "ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية".


    ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
    أنظُر:
    ar.wikipedia.org/wiki/علمانية

    الجَّذرُ الفلسفيُّ الحديث لمفهوم "العلمانيَّة":

    يُحيلُنّا مصطلح "العلمانيّةِ"، كما يتبدَّى في الرُّؤيتين الأوربّيّتين الحديثة والمُعاصرة، إلى مُجملِ التوصيف النّظري/الأكاديمي/الإنساني الذي ينطبقُ على تلك النّزعةِ الفلسفيَّةِ المُترسّخةَ جذُورُها النّفسيّة والفكريّة في تفلسُفِ عصر التّنوير (وليس "الأنوار"، كما يُترجمُها، خطأ، عدّةُ مترجمينَ عرب بعضُهم ذا سطوةٍ ثقافيّةٍ نافذةٍ وشهرة!) منذ بدئه حتى قمَّة تجلّيه الفلسفيِّ والتّاريخيِّ في فلسفتي إيمانويل كانط وفردريش هيجل، كما وفي امتدادات الأنموذج الفلسفي الهيجلي الكُلاني-الشِّمُوليِّ، مقلوباً، في فلسفة كارل ماركس، على الأخص (فلذلك الأنموذج امتدادات وتداعيات فكريّة أخرى كائنة وكامنة في فلسفاتٍ أخرى، قبل- وبعد- ماركسيّة منها، على التّحقيق، فلسفة الألماني ليودفيغ فيورباخ الذي ألّف عنه رفيق كارل ماركس المدعو فريدريك أنجلز كتاباً سمّاه "ليودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكيّة الألمانيّة"). وذلكم يودي بنا إلى تصوّر العلمانيّة كنزعة فكرية واجتماعيّة وسياسيَّة قائمةً على نحوٍ تَيَّارِيٍّ تَحتِيٍّ، أو قاعديٍّ، في شتَّى شكول تصَوُّراتِ تفلسف عصر التنوير (منذ انفجاره البدئي، كما أسلفنا، وحتى قمة تجلّياته الفلسفية في مذهبي إيمانويل كانط وفريدريك هيجل الفلسفيين الشموليين وما تلا ذلك من امتداداتٍ مذهبيّةٍ لكلِّ ذاك الإرث حتّى زمكاننا الحاضر)، الشيءُ الذي يُولجُ في نسجهِ فلسفاتٍ ومذاهبَ فكريَّة متباينةَ في حقول بحثها المعرفي وفي توكيداتِها الرئيسة، أو الجوهرية، كما وفي أصول رؤاها فيمتَدُ، على سبيلِ ذلكَ (أو في ما تحتَ ذلكَ، على الأدق)، الخيطُ العلمانيُّ المُتصّل والمُوحّدُ، رُغم كلّ الفروقات الفلسفيّة الجذريَّة أو الفاصلة، فيما بين فلاسفة مختلفين ومتنوعين تنوع واختلاف فولتير وجان روسو ومونتسكيه وخلافهما من فلاسفة ومفكري عهد التنوير (وما بعد عهد التنوير).

    ممَّا ينطوي عليه التوصيف المُركَّز السَّابق، ضمنَاً، هو اشتراكُ كُلُّ أصحاب النِّزُوعِ العلمانيِّ، على شتَّى مَضَارِبِهم النَّفسيَّة والإجتماعية والفلسفيَّة بل وحَتَّى الرُّوحيَّة، في وضعيَّةِ كونهم كانُوا، في الأصلِ والجَّذرِ، أفراداً من النّاس الحسَّاسيِّن الإنسانيِّين النَّاهضينَ، نفسيَّاً وفكريَّاً، ثُمَّ عمليَّاً، ضدَّ سلطةِ الهيمنة الدينيَّة الهَوَسِيَّة، والهَيَجَانِيَّة (بذات المعنى الأثير عند المُفكَّر النَّقدي التَّجديدي بشأنِ ديانةِ الإسلام وجِمَاع الديانات التَّوحيدِيَّة الثّلاث مُحمَّد أركُون- أنظُر نحو نقد العقل الإسلامي، محمد أركُون، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنَّشر، بيروت، الطبعة الأولي، تموز (يوليو)، 2009م)، المُطْلَقَة التي كانت، تاريخيَّاً، مُجسَّدةً، بتَمامٍ أُنمُوذَجيٍّ، في الكنيسة الكهنوتيَّة القروسطيَّة [نسبةً إلى "القرون الوسطى الأوربيّة]. ثُمَّ، بالتَّداعي الإنساني والأخلاقي اللازم والمُلْتَزِم، كذلكَ في فِعْلِ كونِهم، ببساطةٍ، جِماعَ أفراد من النّاس ليس لهم أن يكفُّوا أبداً، في الشِّعورِ والفعل المباشرين تماماً كما وفي الشعور والفعل غير المُباشرين، عن الإهابة الصَّادقةِ، والضَّروريَّةِ، بكافَّة أفراد بناتِ، وبني، الإنسان بأن يُعْمِلُوا حساسيَّتَهُم وفكرهم النَّقديَّين الحُرَّين في كُلِّ ما قد يستبطنُونَهُ في شعورهم ووعيهم (في تجاربهم الحارقة، وغير الحارقة، الشّخصيّة والإنسانيَّة) من وضعيّاتِ العالم المحيطِ بهم، الاجتماعيّةَ والسّياسيّةَ والثَّقافيَّةَ والرُّوحيَّة.


    العلمانيَّةُ كتيّارٍ تَحتَانِيٍّ مؤسّسٍ لتفلسفِ عصر التَّنوير الأوربِّي:

    يشتملُ بحثي الأكاديمي الذي نلتُ به، في عام 1987 وتحت إشراف البروفسور و. أ. مِلَرْ W. A. Miller، شهادة ماجستير الآداب في الفلسفة من جامعة الخرطوم- كليّة الآداب، على توصيفٍ عريضٍ لتلكَ الحساسيّة الفلسفيّة التّنويريَّة الأوربيَّة مُوَكَّداً فيهِ سِمتُها العلمانيُّ الجَّذريُّ كأوّل حركةٍ فلسفيّةٍ أوربِّيَّةٍ حديثة (بمعنى كونها بعد- قروسطيَّة) تُرسِّخُ، في البيئة الإجتماعيّة والثقافيّة الأوربيَّة، جِماع عُصْبَةِ المفاهيم العلمانيّة الحديثة. ويُخصِّصُ البحثُ إيّاهُ، الذي قام مؤلّفُهُ (وحدَهُ لا شريكَ له!) بترجمته للغةِ العربيّة، فصلاً كاملاً عن ذلك النّزوع الفلسفي وفلسفة إمانويل كانط التي لم تكن هي، إجمالاً، سوى تطوير للجانب التجريبي من فلسفة التنوير (كما يتبدّى في فلسفتي جون لوك وديفيد هيوم التجريبيّتين) إلى هيئة نظامٍ فلسفيٍّ ميتافيزيقي ينشُدُ، إجمالاً، المواءمة بين العلم والعقل أو، على الأدق، بين ما هو تجريبيٌ وما هو عقلاني (أنظر صفحة 38 من الترجمة العربيَّة لبحثي المُسمَّى السوفسطائيّون الإغريق والوجوديَّة "دراسة مقارنة" والذي كان، في الأصلِ، أُطرُوحةٌ فلسفيَّةٌ كُتِبَتْ باللُّغةِ الإنجليزيّة وحازت، في نوفمبر 1987 وتحتَ إشرافَ البروفسور و. أ. مللر من جامعة الخُرطوم- كليّة الآداب- شعبة علم النَّفس، على درجة ماجستير الآداب في الفلسفة من كليّة الآداب، جامعة الخُرطوم، السُّودان).

    وفي بعضِ أوجهِ ذاك التّوصيف يَسِمُ البحثُ إيّاه، في الفصلِ المُشارِ إليهِ آنفَاً، حركة عصر التنوير الأوربيّة الحديثة بأنّها قد تبلورت، جزئياً، حولَ كونِها أضحت مُشكِّلَةً، في جِمَاعِهَا، "ردَّ فعلٍ ضد "الحماسة الدينية" ومحاولة لتفسير كلّ شيء وفق مصطلحات العلم والعقل". كما وهو يَسِمُ ذاتَ الحركةِ بأنِّهَا قد أضحت، بالأحرى أو على الأدقِّ الأعمق، موجةً فلسفيَّةً جديدةً مُوكِّدَّةً، أساساَ، على "مطلب الإنسان لأن يُعتَرف به ككائن راشد، عقلاني ومسؤول وذي قدرة على أن يقرر مصيره بمعزلٍ عن أيّ سلطة تقليديّة منظوراً إليها على أنها مشعوذة أو متطرفة"، ممَّا قد يُشيرُ، ضمنِيَّاً، إلى أنَّ الحركة إيّاها قد كانت محفوزةً، في بداياتِ نهوضها الفلسفي، "بخصومتها للسلطات التقليدية، بعلاقتها المتوترة بالمسيحية و بسعيها إلى الحداثة".

    لكنَّ جوهر الأمر، واُسِّهِ، في كُلِّ ذلك، هو التّوكيد، عِنْدَ فلسفةِ عصر التنوير الأوربيَّة الحديثة، على مطلب الإعتراف بحقِّ الإنسان في أن "يُعتَرف به ككائن راشد، عقلاني ومسؤول وذي قدرة على أن يقرر مصيره بمعزلٍ عن أيّ سلطة تقليديّة منظوراً إليها على أنها مشعوذة أو متطرفة". لماذا؟ ذلكَ لأنَّ توكيداً كهذا يكمُنُ في زُبْدَتِهِ من السّماحِ والوُسعِ ما يشملُ أيَّ فكرٍ إنسانيٍّ لا عنفيٍّ ولا تسلّطيِّ حُرٍّ بالقبولِ وبحقِّ التعبير عن نفسه بحريَّةٍ مُطلقةٍ، كما وبحقِّهِ في الحوارِ و"التَّداخُلِ" الإجتماعي والسياسي والثقافي والفلسفي مع خلافه من الأفكارِ والتصورات ورؤى العالم حتَّى ولو كان الفكر المُحَاوَرْ، أو المُتَدَاخَلَ مَعَهُ، على كُلِّ المُستوياتِ المذكورةِ آنفَاً، دينيَّاً، أو رُوحيّاً، صُرَاحا.

    وقد يحتَجُّ علينا، عِنْدَ هذه النُّقطةِ، مُنافحٌ راديكاليٌّ عن فلسفة التنوير والعلمانيّة مُلْحِدٌ بكُلِّ هيئاتِ وأشكالِ التَّدَيُّن، أو، من الجِّهةِ الأخرى وبذاتِ القدرِ والحُجَّةِ، مُعَادٍ راديكاليٌّ ودِينيٌّ سلفيٌّ لفلسفةِ التنويرِ والعلمانيَّة، بأنَّ الإشارات، في ما وردَ أعلاه، للـ"الشعوذة والتّطرُّف"، للخصومة "للسلطات التقليديّة" وللعلاقة "المتوترة بالمسيحيّة" بل وحتّى لـ"السعي للحداثة"، لا بُدَّ لها، منطقيَّاً، من أن تؤشَّرُ لعلاقةٍ ضديَّةٍ أساسيَّةٍ فيما بين حدَّى فلسفة التنوير والعلمانيّة، من جهةٍ، وحدِّ التَّديُّنِ، مُطلقَ التَّديُّنِ، من جهةٍ أخرى مما قد يؤدّى (في تصوّرِ هذا، أو ذاك، المحتجِّ الرّاديكاليِّ)، منطقيّاً، إلى نسفِ أيٍّ منهما في أيِّ معادلةٍ اجتماعيّةٍ-سياسيّةٍ- ثقافيَّةٍ-حضاريَّةٍ تتطلّبَ مُجرّدَ نهوضهما الحيِّ معاً في سهلِ عيشٍ وجوديٍّ ويوميٍّ واحد! وقد يُحاولُ الثَّانِي من ذينكما، خصوصاً، تدعيم موقفه وحجّتِهِ تلكَ بشواهدٍ مختلفةٍ من التّاريخِ السّياسيِّ الأوربيِّ، لا سيَّما ما قد وقع من تطرّفٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ شَرِسٍ، باسم مبادئ العلمانيّة والحقوق الإنسانيّة المدنيّة (حرية/مساواة/إخاء)، في عهدِ الثَّورة الفرنسيَّة الكبرى التي كانت هي أوّل الثَّورات الأوربيّة الحديثة المُستَلْهِمَةُ، في جِماعِ رؤيتها الاجتماعية والسياسيّة... إلخ، لفلسفة التنوير ولعلمانيَّة فلسفة التّنوير.

    لكنَّ ذلك كلّه، دونما أيِّ حاجةٍ للدخول في أيِّ تفاصيلِ ردٍّ عليهِ، لا يجرحُ في فلسفة التنوير، ولا في العلمانيّة، بقدر ما هو يجرحُ، أصلاً، في الصّحَّةِ والمشروعيَّةِ المفترضة لفهم كُلٍّ من ذينكما لهما. فكُلُّ من يقرأ، مثلاً، جملة فيلسوف عصر التنوير الفرنسي الشهير فولتير الأنموذجيّة العَلمَانيَّة والمؤكدّة على أنّه، شخصيّاً، سيُدافع عن حقِّ الآخرِ في الرّأيِ والممارسة الحياتيّة المعاشيّة الحرَّة الخاصَّة به حتّى الموت، إن يستدعي الموقفُ ذلكَ، حتّى ولو كان ذاكَ الآخر مُستنداًعلى قاعدةٍ رأيويَّةٍ [من "رأي"] وممارسةٍ معيشيّةٍ مختلفةً عنهُ، اختلافاً كبيراً، بل وحتّى تامّاً (إن يكن هناك، في الحقِّ والأصل، أيُّ إمكانٍ وجوديٍّ، أو/و"منطقيٍّ"، أساسيٍّ أولاً للإقامةِ الجّذريَّةِ ثمَّ، ثانياً، للإِستدامةِ الجَّذريَّةِ، لأيِّ خلاف تام الإطلاق والفِصام فيما بين أفراد البشر الشَتَّى بشأنِ مُختَلَفِ تصوراتهم الخاصّة والعامّة المُنشئة بشأنِ هذا العالم الواحد- على الاقل- وبشأنِ مُخْتَلَفِ هيئاتِ تَعَيُّنَاتِ إقاماتهم المعاشيّةِ واليوميّةِ فيه) سيُدركُ، على الأقلِّ، الجَّوهَرَ العَمِيقَ وإمكانَ العالميَّة التَّطبيقيَّة المنطوي عليهما (بالتَّعريفِ أو بنافِلِ الحِسِّ المُشْتَرَكْ) تصورنا أعلاه للعلمانيّة الإنسانيّة كأساسٍ جيِّدٍ لكلِّ ممارسةٍ مَعَاشيَّةٍ إنسانيَّةٍ مُعاصرةٍ حتَّى وإن، لسبَبٍ ما أو آخرٍ (أيدولوجيٌّ، في الغالب)، لم يتَّفق معنا في مُجملِ تجذيرنا المعرفيِّ والأنطولوجيِّ لمعنى وأصل مُصطلح، أو تعبير، العلمانيَّةِ في حدِّ ذاتِهِ. مَثَلُ ذلكَ، أيضاً، كُلُّ من ينظُرُ مليَّاً في طبيعةِ فلسفة التّنوير العلمانيّة الحداثيَّة ذاتها فيرى أنّها لم تضُمُّ في ما بينَ طيَّاتِهَا، في الحقِّ، سوى فلاسفةٍ، وليس فلسفات، متعدّدي المشارب والنِّزوعاتِ و"المذاقات" الفكريّة ولا يجمعُ بينهم، إجمالاً، على مستوى طريقة التفكير وممارسة العيش الحياتيِّ اليوميِّ، شيئاً أكثرَ من توكيدهم على منزَعِ وحقِّ التفكيرِ الإنسانيِّ الحرِّ العقلانيِّ المباشر في كُلِّ ما وُرِّثَ لهم من تصوُّرات سلفيَّة مُغلقة عن العالم والحياة.

    وقد وكَّدَ بحثي الفلسفيُّ المُسْتَشْهَدُ بهِ مُنْذُ بدء هذا القِسمِ جُملةَ أفكارِ هذا المقال السَّابقةِ جميعِها وذلكم في عدَّةِ عِباراتٍ جليَّةٍ قد نَسْتَرْفِقُ (كي لا أكتُبَ "نَستَصْحِبُ"!) منها، على هذا السّبيل، المُقتبسات الآتية: (1). "كما أبدل السوفسطائيون [الإغريق] (في روح ثورية متميزة) الطرائق الميكانيكية في التفكير بفلسفة إنسانيّة- عمليّة تقريباً كذلك تمرد رجال التنوير ضد مدارس التفكير التقليدية في زمانهم باسم برنامج طموح– برنامج علمانية، إنسانيّة، كوزموبوليتانيّة وحريّة (إبراهيم جعفر، السوفسطائيّون الإغريق والوجودية، ص. 38"؛ (2) "عُمدتا مستنيري القرن الثامن عشر هما نيوتن و لوك. كانت تعاليم نيوتن الأساسية، كما عُبِّرَ عنها في فلسفته الطبيعية أو فيزيائه، ما لها من صلةٍ سوى واهية ومفككة بأطروحاته عن الحقائق الروحانية (الدينية) التي كان جانحاً لقبولها خلل "تصوفه الشخصي" أكثر مما خلل إخضاعها لتأملات (تدبرات) منهجية تبدأ من افتراض أنها جزء لا يتجزّأ من فيزيائه. أما لوك فقد كان مؤلف فلسفة عقلية ليست لها علاقة مباشرة بالتطورات المعاصرة له في الرياضيات والعلوم الفيزيائية كما تبدتا– مثلاً – في النتاج العلمي لبويل أو نيوتن (إبراهيم جعفر، السوفسطائيّون الإغريق والوجودية، ص. 34)"؛ (3). ثُمَّ، في غايةِ الأمرِ، تأمُّلوا في هذا المقتبس الثالث الذي يُوكِّدُ انخراط مسيحيين أتقياء وجادّين وإنسانيين، دون أيِّ تعقيداتٍ أو إنغلاقاتٍ أيدولوجيّةٍ أو مذهبيَّة، في ذات المسعى التنويري التحديثيِّ بكُلِّ تفتُّح واستنارةِ وسماحِ ووسعِ رؤاه العلميّة والفلسفيَّة:- "آنما نتحدث عن الحقائق الاجتماعية للقرن الثامن عشر (قرن التنوير الذي اتخذ اسمه ذاك من كونه مواتياً لازدهاء حركة التنوير) سوف نُلفت، بجلاء، إلى تحديد حقيقة غزو الاتجاه العقلاني للتفكير للمجالات الثيولوجية للمعرفة على أنها واحدة من أعظم هاتيك الحقائق أهميّة. ذلكم الغزو بمستطاعه أن يُمَسَّ، بسهولة، في وقائعٍ شتّى– في إعارة الجَّوزيتيين The Jesuits سماعاً عادلاً، بل وحتى كريماً، لما كانت تقوله الأفكار العلمية؛ في إلقاء الألوهيين البروتستانت ظلالاً من الشك على الأساس الإعجازي لطائفتهم؛ ثم في محاولات الكنائس، في مختلف أرجاء البسيطة (الأوربيّة)، لتحييد فلسفة التنوير حتى تتواءم وموقعها الفكري المجدد في الثيولوجيا الحديثة. أعانت، آنذاك، مخترعات ثورية في العلم، السايكولوجي، الأفكار الاقتصادية والاجتماعية، التعليم والسياسة– أُنتجت في معظمها بواسطة مسيحيين جادين، بل أتقياء- رجال مثل هاللر وفُلَر وهارتلي وبريستلي (وأولئك هم رعاة كاتدرائيات غير متوافقين)– جهود حركة التنوير الراديكالية ووثّقت مواقعها الطليعيّة التقدّميّة (إبراهيم جعفر، السوفسطائيّون الإغريق والوجودية، ص. 33)".

    هل العلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟

    الإجابة البسيطة والبُدهيَّة على هذا السؤال هو أنّ العلمانيَّة، كمنهجِ وقانون حكمٍ دستوريٍّ، ليست، أبداً، مُناقضةً للتَّديّن وإنّما هي، على الأدق، ليست لها صلة بالتديُّن. وذلك بمعنى أنَّه يُمكن للمرءِ أن يصبح علمانيَّاً بشأن منهج ودستور الحكم السياسي في دولةٍ ما أو أخرى بذات القدرِ، وفي ذاتِ الزَّمانِ والمكانِ، الذي يمكن أن يغدو، بهم أو وفقهم، إنساناً عميقاً وأصيلاً في تديُّنه، فالشيئان، قطعاً، لا يستبعِدُ أحدهُمَا الآخر. لذا ليس لأيٍّ (لأيَّتِهَا) من النّاسِ أن يَظُنَّنَّ (تَظُنَّنَ)، في هذا المُفتَرق، أنَّ عبارة "ليست لها صلة بالتَّديُّن"، الموصوفةَ بها العلمانيَّةُ من جهةِ رؤيتِي تلك، قابلةً، على أيِّ وجهٍ من الوجوه الممكنة، أنَّ تؤوَّلَ، حصراً، لُتُفصَّلَ، مثلَ جَاكِتَّةٍ ضيّقة، على تصوِّرٍ مؤداه أنّ العلمانيَّة، في أصلها وجوهرها وجذرها (أي كعلمانيّةٍ في حدِّ ذاتها)، معاديةً للتديُّن بما هو تديُّن، خصوصاً ما يتبدَّى من شتّى أِشكال التَّديُّن على أنَّهُ أعلى تجليَّاتِ التَّديُّنِ في داخلِ هذه الدّيانَةِ (اليهوديّة، المسيحيّة، الإسلام، البهائيّة، مثلاً) أو تلك (الوثنيّة، الهندوسيّة، البوذيَّة، مثلاً). وربّما أفاد في بيان وُسع وسماح خاطرتي الفكريّة- الشّعوريّة هذي الفصلُ، في التَّصَوُّر والفهم والخيال (أي في جِمَاعِ الحساسيّة الإنسانيَّة الشعورية والفكريَّة)، فيما بين ذاك الإنحراف المعرفي (التصوُّري والمفهومي) الذي أنزعُ، إجمالاً، إلى أن أَصِمُهُ بنعتِ "العلمانيَّة الشّرسة" وتلك الصِّحَّة المعرفيّة (التّصوريّة والمفهوميَّة) التي لا أجدُ بُدَّاً، في الشعورِ والفكرِ، من أن أَسِمَهَا، بما يُكْفِي (وزيادة، كما قد آمل) من الحساسيّة الإنسانيّة، بذاك الوسم النبيل الواصف لها بأنّها، بدءاً وختماً، "علمانيّةِ إنسانيَّةِ".

    "العلمانيَّة" الشَّرسة والعلمانيَّة الإنسانيَّة

    ما قد يُتصوَّرُ من طرفِ العلمانيّة على أنَّهُ مُضادٌّ، أصلاً، للتّفلسفِ، خاصَّةً في بُعديهِ الميتافيزيقي (أو ما وراءَ الطبيعي) والأنطولوجي (أي المعني، جُمْلَةً، بالبحثِ في شؤوون الكينونة Being والوجُود Existence، ومن ثَمَّ بتوكيدِ وتوصيفِ الوجود العيني الإنساني)، ليس إلا هو ما قد أسميَّهِ التّطرُّف العدواني الأقصى المحيل للعلمانيّةِ من جِهَةِ حياديّتها المستنيرةِ الإيجابيّةِ الأصليّةِ إلى جهةٍ تُصَوَّرُ عِنْدَهَا، تصويراً مُشوَّهَاً ومُشَوِّهَاً لا ريبْ، على أنّها لا مَنَاصَ لها من أن "تَتَحجَّمَ" على هيئةِ أيدولوجيَّةٍ شموليَّةٍ وهَيَجَانِيَّةٍ في عمومِ تجليّاتِها المُختلفة ومن ثَمَّ إقصائيَّةً (بالتَّعريفِينِ الفكريِّ والوجوديِّ-المعاشيِّ معاً) مَغزُوَّةً بحُمَيَّا حسمٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ ونفسيٍّ عُنْفُويٍّ مُدَّعٍ لامتلاكه الأوحد، أو المُهيمن إن يُخفَّفَ التَّعبيرُ، للرؤية والمنهجيّة العلميّة "الصحيحة" ومن ثمَّ لـ"العلمانيّة" الصحيحة كذلك وذلكم كأنَّ مفهوم العلمانيَّة مُشتقٌّ، أصلاً، من "مفهوم العلم science" وليس، كما هو في الحقيقة، من مفهوم ما هو دُنيويُّ أو ليست له صلة بالتَّدَيًّن وبالتالي ليس بالضّرورةِ، المنطقيَّةِ والمعاشيَّةِ معاً، ضدّ التّديّن.

    ومن النماذج العالميَّة البارزة لذاك التَّطرُّفِ العُدوانيِّ الأقصى والغلوائيِّ المُسمِّيَ نفسه، دون أيِّ إنصافٍ أو حساسيّة معرفيَّة دقيقة كما- أهمَّ من ذلكَ وقبله- دون أيِّ خيالٍ إنسانيٍّ وكونيٍّ مُبدع، "علمانيَّاً" بامتياز par excellence الظاهرة الرَّوْبَسْبِيْرَوِيَّة (والنِّسْبَةُ هُنا تعودُ إلى مَاكسِيْمِلْيَنْ دي روبسبيرو Maximilien de Robespierre) إبَّان عهدِ الثّورةِ الفِرنسيَّةِ الكُبرى؛ الظّاهرة الهتلريَّة؛ الظّاهرةُ الستالينيَّةُ السَّوفيتيَّةُ بجذرها الماركسيِّ اللينينيِّ؛ ظاهرة الماركسيّة الماويَّة الصينيَّة الصُّنع؛ ثُمَّ ظواهرنا المتعددة المقرونة، بالكادِ طبيعيَّاً، بحكم الحزب الواحد والفرد الواحد الشموليِّ في عمومِ عالمنا المُسمَّى "ثالثاً". لكني سأقصرُ نفسي هنا على استعراضٍ تاريخيٍّ موجزٍ وتوصيفٍ وتحليلٍ فينومينولوجيٍّ للظَّاهرة الرَّوبسبيرويَّةِ مِن نَاصِيَةِ كيف أنّها قد قدّمت، منذ عهد الثورة الفرنسيّة الكبرى (1979م)، أنموذجاً أساسيَّاً أخّاذاً، في سلطويّته الضدّ-دينيّةِ وضدَّ-مَلَكِيَّةِ القُصوى، ربّما كان هو الأصل الأيدولوجيِّ المعاصر والمباشر (أو على الأقلِّ كان هو أصلاً أيدولوجيّاً معاصراً ومُباشراً من بين أصول وروافدٍ أيدولوجيّةٍ أخرى، مُعاصِرَةً ومُباشرةً كذلك) لما يمكن أن تكون قد استلهمته في القرن العشرين (ولو على خلفياتِ أيدولوجيّاتٍ مختلفةَ الأصول الفلسفيَّة-المعرفيَّة والسِّياسيَّة والإجتماعيَّة) فكريّات وأدبيّات واستراتيجيّات الشُّغلٍ السياسيٍّ والإجتماعيٍّ لظاهراتٍ فكريةٍ- سياسيّةٍ- اجتماعيَّةٍ بارزةٍ و، أقول- بأسى الفردِ الإنسانيِّ المَفجُوعِ، "كبرى"- من جهةِ حُسبانِ مواقفِ ووقائعِ وتوصيفاتِ التاريخ الإنسانيِّ السياسيِّ المأساتيِّ-الملهاتيِّ الكائنِ في التجريبِ والإختبارِ الواقعيِّ المَعاشيِّ اليومِيِّ- مثل، على التّعيين المُوجعِ الدّقيق، الظاهرة الستالينيّة السوفيتيّةِ، بجذرها الماركسي-اللينيني؛ ظاهرة الماركسيّة الماويّة الصينيّة؛ ثمَّ الظاهرة الهتلريّة (ظاهرة النازيّة أو "الإشتراكيّة الوطنيّة National Socialism").

    توصيفات توضيحيّة: الظاهرة البروسبيريّة كأنموذج مُتطرّف للعلمانيَّة الشَّرِسَة

    ولكي يُفهَمُ تفريقِي الآنفَ الوُرُودُ فيما بين العلمانيّتين الإنسانيّة والشَّرسة سأتوسَّعُ، قليلاً، في بعضِ تفاصيلٍ توصيفيَّةٍ مُتعلّقةٍ بجوانبٍ مشتركةٍ من العقلانيّةِ الإقصائيّة الواحدةِ، في أصلها الوجودي والإبستمولوجي، التي تقفُ، أو بالأحرى "تجلسُ"، وراء النَّماذج والظَّواهر المذكورة أعلاه وذلكُم، كما سبق القول، خَللَ فذلكةٍ تاريخيّةٍ عريضَةٍ معنيَّةٍ بسيرةِ بروسبيرو وموقعهِ الراديكاليِّ المُتطَرِّفِ من "إعرابِ" الثّورةِ الفرنسيّةِ الكُبرى ثُمَّ، من بعدِ ذلكَ، على سبيلِ توصيفٍ وتحليلٍ فينومينولوجيٍّ مُجْمَلٍ للظاهرة الرَّوبسبيرويّة الرّهيبة.

    وُلدَ ماكْسِيْمِلْيَنْ دي روبسبيرو Maximilien de Robespierre في إقليم الأوراس بفرنسا في السادس من مايّو من العام 1758 وتُوَفِّيَ في 28 يوليو من العام 1794. ثمَّ تحصّلَ، في أكتوبر من العام 1769، على منحةٍ دراسيّةٍ بالليسيه لِوِي لَو قراند ( Lycée Louis-le-Grand the) بباريس حيثُ تعلّم الشَّغفَ غَيرَ النّاقِدِ بالصّورة المثاليّةِ للجمهوريّة الرومانيَّة، بخَطابَةِ سيسروCicero وكاتو Cato وشخصيات كلاسيكيّة أخرى. ثُمَّ غدا، من بعدِ ذلكَ، عُرْضَةً لأفكارِ الفيلسوف الفرنسيِّ جان جاك روسو بيد أنّهُ أضحى، على ذلكَ السّبيلِ، مُغْرَىً أكْثَرَ بفكرةِ النَّفسِ الفاضلةِ: نَفْسُ ذاكَ الرَّجُلِ الذي يُتَصَوَّرُ على أنَّهُ قائمٌ وحدَهُ (بنَفْسِهِ) وغيرَ مصحُوبٍ على دربِهِ بشيءٍ سوى ضميرِهِ الخاص. ثم اعتنق بروسبيرو مفهوماً للفضيلةِ الثوريّة وصاغ برنامجاً لبناء السيادة السياسيّة عبر ديمقراطية المشاركة المباشرة، متأثراً في ذلك بجان جاك روسو. ولسعيه الراديكالي على سبيل تلك الأفكار المِثاليّة عُرِفَ روبسبيرو، آناء عهد الجّمهوريّة اليعقوبيّة The Jacobin Republic، على أنَّهُ "ثوريٌّ غيرُ قابلٍ للإفساد". آمن روبسبيرو بأنَّ شعب فرنسا هو، جوهريّاً، شعبٌّ خيِّرٌ، مؤسِّسَاً على ذلكَ أنَّ كلَّ ما تحتاجه الأمّة الفرنسيّة لتحقيق رفاهها هو سماع صوت عموم النّاس.

    بعد إكمال دراساته القانونيّة عُيِّنَ روبسبيرو قاضياً جنائيّاً في مارس من العام 1782. غير أنَّه سرعان ما استقال من ذلك المنصب تجنباً لإصدارِ حكمِ إعدام وغدا محامياً ناجحاً اختار، مبدئيَّاً، أن يُمثِّلَ، أمام القانون، الفقراءَ من النّاس. وقد عرف عنه أنَّه كثيراً ما كان يُنافِحُ، آناء جلسات الإستماع القضائي، عن مُثِلِ فلسفة التّنوير وحقوق الإنسان. إعتنى بروسبيرو، لاحقاً، بتوسيع معارفه وأضحى مهتمّاً بشؤون المجتمعِ في عمُومِهِ. ثمَّ صارَ، من بعد ذلكَ، أحد أبرز الكُتّاب وأشهرهم في أوساط شبابِ إقليم الأوراس الفرنسي. ومن كتابات بروسبيرو الشهيرة أُطروحةٌ له عما إذا كان ينبغي على أقرباء المُجرم المُدان أن يُوصَمُوا بعارِهِ.

    إشترك بروسبيرو، في عام 1788، في نقاشٍ حولَ كيفيّة انتخاب الحكومات الإقليميّة حيثُ أبانَ، في وَرَقَةٍ لهُ، بوضوحٍ وقُوّةٍ، أنَّ طريقة الإنتخابات السابقة التي تُجرى بِوَاسِطَةِ عضويَّةِ المقاطعات المحليّة سوف، إن هيَ أعيدَ تبنِّيهَا، لا يُمثِّلُ من يُنتَخَبُ، وفقَهَا، حاكماً عامَّا لتلك المقاطعات عموم الشَّعبَ الفرنسي. هذا وقد نجح بروسبيرو، بعدَ إصلاحاتٍ إنتخابيّةٍ أجراها الملك الفرنسي لويس السادس عشر، في أن يُنتَخَبَ نائباً خامساً لحاكم المقاطعات الفرنسيّة العام. ثمَّ صار عضواً في المجلس الوطني الفرنسي الذي بُدِّلَ اسمه، حينذاك، باسم "الجّمعيّة التّأسيسيّة". وفيما انشغلت الجمعيّة التّأسيسيّة بصياغةِ دستورٍ للدولةِ الفرنسيّةِ انصرف روبسبيرو لمخاطبةِ عمومِ الشَّعبِ الباريسِي. كان بروسبيرو متحدثَّاً معهوداً في الجمعيّة التّأسيسيَّة حيثُ جهرَ بعدّةِ آراءٍ مُتَّصِلَةٍ بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والأحكام الدستوريّة، الشيءُ الذي صَعَّدَهُ لأن يصير قياديَّاً في أوساطِ اليسار الفرنسيِّ المُتطرّف. ثم سرعان ما غدا بروسبيرو ناشطاً في جمعيّةِ "أصدقاء الدّستور" الفرنسيّة التي عُرفت، لاحقاً، باسم "النادي اليعقوبي" الذي اجتذبَ إليهِ، بمرور الزّمان، مزيدَاً من الحِرفيّين الأذكياء ومجموعةً صغيرةً من البَقَّالين. وإثر صراعات سياسيّة داخليّة أحكمت مجموعةٌ من اليساريين الفرنسيين، كان روبسبيرو من بينهم، سيطرتها على النادي اليعقوبي. وبعد حلِّ الجمعيّة التأسيسيّة الفرنسيّة في 30 سبتمبر من العام 1791 توّج الشعب الباريسيُّ بيتيَو وروبسبيرو كوطنيَّين غير قابلين للإفساد وذلكُم في سعيٍ للإفتِخَارِ بنقائهما المبدئيِّ، أسلوب عيشهما المتواضع، ورفضهما لقبول الرّشاوى.

    عاد بروسبيرو، بعد حلِّ الجمعيَّة التأسيسيّة، إلى إقليم الأوراس، في زيارةٍ قصيرة، حيثُ لقي استقبال الظافرين. ثمَّ رجع، في نوفمبر 1791، إلى باريس حيثُ تولّى منصب النّائب العام لمدينة باريس. ثم عُيِّنَ نائباً عامّاً لمدينة مارسيليا إلى أن استقال من ذلك المنصب في أبريل من العام 1792 وبدأ في إصدارِ مجلَّةٍ سمّاها "دفاعاً عن الدّستور" ردَّ فيها على اتهاماتٍ معارضيه. ولشعبيّته وسمعته كسياسيٍّ نقيٍّ ونفوذه في "النادي اليعقوبي" كان رجال كوميونة باريس الأقوياء مسرورينَ لعونه لهم ضد أحداثِ شغب بعلّةِ نقص الطعام وضدَّ التَّجَزُّؤ والإنقسام الحزبي. وفي 16 أغسطس، 1792، قدم بروسبيرو عريضةً من الكوميون إلى الجمعية التشريعية، مطالباً بإنشاء مجلس ثوري والدعوة لانعقاد مؤتمر حيثُ اتهمه أعداؤه الحزبيّون بالتمهيد لتأسيسِ حكمٍ دكتاتوري ودافع هو عن نفسه ضد متّهميه. وفي ديسمبر من العام 1792 نشبت نزاعات بشأنِ محاكمة الملك حيث دعا بروسبيرو إلى إعدامه رغم معارضته السابقة لعقوبة الإعدام. وكانت حجة بروسبيرو في ذلك أنّه لو كانت في التضحيةِ برجلٍ واحدٍ إنقاذاً للثّورة فلن يكن هنالك بديلٌ للإعدام المعني.

    بعد إعدام الملك تزايد نفوذ روبسبيرو ومجموعته (دانتون والساسة البرغماتيّين) على حساب نفوذ خصومهم "الجيروندستيّين" فتقسّم الحاكمون. ثمَّ تطورت الأحداث نحو إعلان بروسبيرو، عِنْدَ النادي اليعقوبيِّ، بدء حملةٍ ضدَّ "النواب الفاسدين" حيث اعتقل، في 2 يونيو 1793، 33 نائباً بتهم الشروع في نشاطات مضادّة للثورة. ثم بدأ عهدُ سيادةِ الإرهاب الذي تجسّد في مقولة روبسبيرو التبريرية التالية: "أن تُعاقب مضطهدي الإنسانيّة يعني أن ترحمهم. أما أن تغفر لهم فيعني أن تغدو بربريَّاً".

    بعد سقوط المِلكيَّة واجهت فرنسا سلسلةً من أحداث شَغَبٍ مُسبَّبَةٍ بنقصِ الغذاء واشتملت على انتفاضات شعبيّة واتهامات بالخيانة ضدَّ، ومن قِبَلِ، مَنْ اعتُبرُوا، مُسبَقَاً، أشخاصٌ وطنيّون ومن ثَمَّ نشأت الحاجة إلى حكومةٍ مستقرّة فأُنشئَت، في 11 مارس 1793، "لجنة الأمن العام"، المكونة من 9 أشخاص، بدلاً عن "لجنة الدفاع العام". وقد ضُمَّ روبسبيرو إلى عضويّة اللجنةِ إيّاها رُغم أنّهُ لم يَنْشُدْ ذلكْ. ثم بدأت لجنة الأمن العام إدارةَ الشؤون الأمنيّة الداخليّة.

    ورغم أنَّ أعضاء تلك اللجنة كانوا، رسميّاً، على سلطات متساوية إلا أنَّ روبسبيرو عُدَّ القوَّةَ المُسيطرةَ فعليَّاً عليها وبالتالي الدكتاتور المسيطر، واقعيّاً، على شؤون البلاد ومن هنا رُؤُيَ على أنَّهُ القُوَّةُ الدَّافعةُ وراء ممارساتِ عهدِ الإرهاب الفرنسي. وقد برّر روبسبيرو لذلك الإرهاب والتّرعيب ووصفه بأنه ضروريٌّ ومحمودٌ وحتميٌّ حيثُ آمنَ بأنَّ الجّمهوريّة والإستقامة (الثّوريّة) شيئين لا ينفصلان وحَاجَجَ بأنَّ الجمهوريّة لا يُمكن إنقاذها إلا بنقاء مواطنيها الثوري، ثمَّ بأنَّ الإرهابَ إستقامةٌ وفضيلةٌ لسعيه على سبيلِ صيانة الثَّورةِ والجمهوريَّة. وكمثالٍ لفكره الإرهابيِّ ذاكَ نقتبسُ عنهُ بعضَاً ممَّا قاله، في الخامس من فبراير من العام 1794 وفي تقريرٍ له حول مبادئ الاخلاق السياسيّة: "لئن كانت الإستقامةُ هي أُسُّ أيِّ حكومةٍ شعبيّةِ في زمن السّلم فإنَّ أسُّ تلك الحكومةِ آناءَ ثورةٍ هو الإستقامةَ المدعومة بالإرهاب فبدون الإستقامةِ يغدوا الإرهابُ مُدَمِّرَاً وبدون الإرهاب تغدو الإستقامةُ عاجزة. إنّ الإرهاب ما هو إلا العدل الناجز، الصارم والصّلب؛ ما هو إلا إنبثاقٌ عن الإستقامة.... وهو ضروريُّ المُمارَسَة عندَ الحاجَةِ الوطنيّةِ القاهرة.... إنَّ الحكومةَ تغدو، في عهدِ الثَّورةِ، استبدادَ الحريّةِ ضدَّ الطّغيان".

    آمن روبسبيرو بأنّ عهد الإرهاب هو عهدٌ لكشف العدوِّ في باريس، في فرنسا؛ ذلك العدو المُتخبّئ في ثيابِ وطنيّةٍ ظاهريّةٍ وآمنة. ولشعوره بأنّ الثورة في خطر من أن تُخَرَّبَ ما فتأ روبسبيرو يحاول أن يغرس في نفوس أفراد الشعب الفرنسي إحساساً مُلِحَّاً بضرورةِ إنفاذِ عهدِ إرهابٍ ثَورِي حيثُ، في تقريرِهِ المُشارِ إليه كما وفي كتاباتٍ أخرى، دفع بحكاياتٍ ومخاوفٍ مُنذِرَةً من فِعَالِ العملاء المأجورين، أنصار المَلَكيَّة والمُخرّبين المنبثّين والمندسّين في مختلفِ أنحاءِ الجُّمهوريّة وأجهزتها فوسّع، بذلكَ، القائمة التقليدية للموصوفين بأنهم "أعداء الثّورة" لتشمل المعتدلين من النّاس و"الثوريّين المُزَيَّفِين". وفي فهم بروسبيرو الخاص لم يكن أولئك الأخيرين على جهلٍ بالاخطارِ المُحدقةِ بالجُّمهُوريَّةِ فحسب وإنَّمَا هُم كذلكَ قد تستَّرُوا، في حالاتٍ عديدةٍ، تحتَ أقنعةِ فاعلينَ ثوريّينَ نَاشطين فيما لم يكونوا، في الحقِّ، سوى مُستنسخين لأعمالِ آخرين أو حتّى مُعَوِّقِيْنَ لزحفِ الوطنيين الفرنسيين التَّقدُّمِي. لذا تمَّ تطهيرُ ومُلاحقةُ كثيرينَ من عمومِ النَّاسِ والقياديِّين الثَّوريين ممّن لم يكونوا على انسجامٍ مطلقٍ مع لجنة بروسبيرو تلكَ. وفيما تظلُّ مسألة ما إذا كان بروسبيرو قد استهدف المعتدلين من الساسة بغرضِ التّعجيلِ بإنفاذِ أجندةٍ خاصَّةٍ به أو انطلاقَاً من همٍّ وطنيٍّ خالصٍ أمرَاً مُتَنَازَعَاً عليهِ يبقى مشهوداً أنَّ أيدولوجيّتَهُ وسياسته تلكَ قد أودت إلى إعدامِ كثيرين من حُماةِ وسَدَنَةِ الثّورة الأصليّينَ، الصّامدينَ والرَّاسِخِيْنَ على سبيلها.

    لم يُبْصِرُ بروسبيرو موقعاً للرحمةِ في إرهابهِ إذ صرَّحَ بأنَّ "التَّباطُؤُ في إصدار الأحكامِ يعني التّواطؤ على تدبيرِ الإفلاتِ من العقوبة"، وأنَّ "الحَذَرَ والتَّحوُّطَ بشأن إنجازِ العقوبات يُغرِي بالإجرام". ثمَّ هو قد آمن، في هذا السياق، بأنَّ واجبَهُ، كخادمٍ للشّعبِ، هو الدّفع بالثورةِ قُدُمَاً، وبأنَّ السبيلَ العقلانيَّ الوحيد لفعل ذلك هو الدفاع عنها عِنْدَ كُلِّ الجّبهات. وفي تقريره حول مبادئ الأخلاق السياسيّة لم يُحرِّض بروسبيرو فقط على سفحِ الدماءِ (بحُجَّةِ "حمايةِ الثّورة") بل هو، كذلكَ، استعرضَ (في التّقريرِ إيَّاهُ) كثيراً من الدعواتِ الأصليّة لثورة 1789 والتي منها الدعوة إلى تحقيق المساواة بين جميع النّاس، الدعوة إلى منح النساء الحق في الإنتخاب والتّرشُّح، ثُمَّ الدعوة إلى إلغاء الإمتيازات. عليه رُغم إعدامه للعديدينَ من رفاقه الثّوريّين بقي بروسبيرو واحداً منهم على مستوى النّظريّةِ وإن ظلَّتْ كيفيّةُ تطبيقِهِ لها موضعَ مُساءلة.

    وفي أوائل عام 1794 فَاصَلَ بروسبيرو رفيقه دانتون بسبب آرائه المعتدلة بشأنِ ممارسةِ الإرهاب فهو قد اعتقد أنَّ إنهاءَ ممارسة الإرهاب يعني- بالضّرورةِ- فقدان القوة السياسيّة التي أَمِلَ في أن يستخدمها لإنشاءِ "جمهوريّة الإستقامة". وقد دَمَغَ روبسبيرو، في هذا السّياقِ، خُصمائهِ السياسيّين بتهم التواطؤ مع قوىً أجنبيَّة. وفي ما بينَ 13 فبراير و13 مارس 1794 قلل روبسبيرو من نشاطاته في اللجنةِ بسبب المرض. لكنّه عاد إلى ذلك في 15 مارس، 1794، فأسفرت عودته عن اعتقال رفيقه السابق هيبيرت وتسعةَ عشرةَ من مُوالِيِيْهِ في 19 مارس من ذاتِ العام ومن ثّمَّ إلى إعدامهم جميعاً، بالمقصلةِ، في 24 مارس، من ذاتِ العامِ أيضَاً. ثم اعتقل، من بعدِ ذلكَ، دانتون وديزمولينز وأصدقائهما في 30 مارس، 1794، وأُعدُمُوا، بالمقصلةِ، في الخامس من أبريل من العام 1794.

    بعدَ إعدامِ دانتون عمل روبسبيرو على تطويرِ سياساته الخاصّة، آملاً في إجازةِ كل الإجراءات التي قد يُمليها. ثم استغلَّ نفوذه في النادي اليعقوبي للسيطرة، بِوَاسِطَةِ من يُوالُونَهُ، على كوميونة باريس فعُيّن مِنهُم جان بابتستي عمدةً للكوميونة فيما نُصِّبَ كلود- فرانسوا دي بايان مُديراً ماليّاً لها، كما وسعى، كذلك، إلى التأثيرِ على الجّيشِ خلال لويس دي سينت- جست الذي ابتعثه في مهمَّةٍ عِنْدَ الحدود.

    شدّد بروسبيرو قبضته الإرهابيّةِ في باريس. ولضمان إنفاذِ أهدافِهِ أوعزَ لحليفه في اللجنة، جورجس كوثون، بتقديمِ وفرضِ قانونٍ مُتطرِّفٍ جديدٍ غدت، وفقه، المحكمة الثلاثيّة محكمةً للإدانةِ دون حاجةٍ لشهود، الشيءُ الذي كان مؤدَّاهُ، حتّى حينَ وفاةِ روبسبيرو، إعدام 1,285 ضحيَّةً، بالمقصلةِ، في باريس.

    أدّى تطرّف بروسبيرو إلى فرضه، في غايةِ الأمر، مبادئ مناقضة لأسِّ الثورة الفرنسيّة العلمانيِّ ذاته (بالمعنى الفاجع لإنقلاب الشيء إلى ضدّهِ عِنْدَ زيادَتِهِ عن حدِّهِ) ففرض، على الناس، عبادةَ ما أسماهُ "الكائن الأعلى" وفقَ مرسومٍ جمهوري فعَمَهَ، بذلكَ، على سبيلِ إنشاءِ ما يُشبه ديانةً جديدةً هو مركزها، بل وإلهها، الأوحد. وقد نشَرَ ذلكَ السّبيلُ الدّكتاتوريُّ الأكيدُ فيما بين الكثيرين من رفاقه القياديين حال اضطرابٍ وخوفٍ أدَّت، في غايةِ الأمرِ، إلى سقوطِه عن سدَّةِ الحُكمِ في يُوليو من العام 1794 وإثر محاولةٍ لاغتيالهِ جرت في 25 مايُّو من ذاتِ العام. كان ذلك القانون المتطرف الذي أشرنا إليهِ آنفَاً قد طُبِّقَ ضدَّ عامّةِ النّاسِ دون استشارةِ لجنة الأمن العام، الشَّيءُ الذي ضاعف عدد الإعدامات التي أجازت تنفيذ أحكامِها "لجنة السلامة العامَّة". قد أجاز القانون إياه تنفيذ عقوبة الإعدام حتى لمجرد الشبهات الظنيّة الخالصة في أن مواطنين معينين يمكن أن يُصنّفُوا في خانة "الثورة المُضادّة" ودون أيّ محاكماتٍ مُفصَّلَة. حين سمح روبسبيرو لذاك القانون بأن يُجاز بدأ الشعب الفرنسي يُسائلهُ واللجنة بفعلِ تنفيذِ أحكام إعدامٍ في أناسٍ عديدينَ لأسبابٍ، فيما يبدو، جدَّ واهية، كما وبسبب إجازةِ قانونٍ دونَ عونِ لجنة الأمن العام. كان ذلكَ طرفاً مِن بدايةِ نهايةِ عهد روبسبيرو.

    وإثر انتقاداتٍ عديدةٍ من قبلِ رفاقه السابقين حاول بروسبيرو، في حديثٍ مُطوّلٍ في باريس، الدفاع عن نفسه ضدّ تهم الدكتاتورية والتسلّط، كما وحذر من مؤامرةٍ ضد الجمهوريّة لم يُسمّي أطرافها. ثمَّ تطور الأمر إلى حدِّ المناداةِ باعتقاله من قبل قياديين معارضينَ لسياساته فتمَّ ذلكَ في خاتمةِ نزاعٍ شديد فأُعدمَ روبسبيرو، في اليوم الثامن والعشرين من يوليو من العام 1794، بذاتِ المِقصلة التي طالما سفك عندها دماءَ الكثيرينَ الكثيرين من النّاسْ.

    قد كانت غايةُ روبسبيرو العُليَا (كما تصوّرها هو) هي ضمان استقامة الثورة وسيادة الشّعب. عليه هو لم يستحبذُ أيَّ أفعالٍ قد يُرى فيها تعريضاً للأمّةِ لتخريبِ الثوريين المُضادِّين والخائنين ممَّا صيّرهُ، بتزايدٍ، على خوفٍ من هزيمةِ الثورة ومن هُنا جاء ابتدارُهُ لعهدِ إرهابٍ ودمٍ وموتٍ تأميناً لسلامة واستقامة الجمهوريّة الفرنسيّة. لكنَّ مُثُلَهُ وإِنفاذَها تجاوزا حدود حاجاتِ وبُغياتِ الشَّعبِ الفرنسيِّ فأضحى (هو نفسُهُ) يُشكِّلُ تهديداً لذات ذاك الذي كان قد ابتغى صونه وتأمينه فأودى به ذلك إلى نّهايتِهِ المُحتَّمَة.

    وفي حديثها عن شخصيّة بروسبيرو وصفت دائرة المعارف البريطانيّة (1911) بروسبيرو بأنّهُ مُنظّرٌ شابٌّ ذكيٌّ بيد أنّهُ مُفتَقِرٌ للتجربةِ والخبرة إذ هو ، شأنُهُ شأنُ آلافٍ من الشباب الفرنسيين الآخرين، "قرأ كتابات جان جاك روسو واتخذها إنجيلاً له". غير أنَّهُ، تستمرُّ دائرةُ المعارف البريطانيّةِ في وصفهِ، "في وقتٍ لم يُهزَم فيه وهمه بعد بفعل حقائق الحياة، وبدون تجربةٍ سبق وأن علّمتْهُ لا جدوى الأحلام العاطلة والنظريّات، نُصّبَ قائداً ثوريّاً وجمهوريّاً عظيماً".

    لم يُفهَم بروسبيرو في باريس حتى التقى بسامعيه من تلاميذِ جان جاك روسو عِنْدَ النّادي اليعقوبي حيث أكسبهُ تعصُّبُهُ مُناصِرِيْنَ وصوتُهُ المتعاطفُ الليّنُ الجَّذَّابُ سامعين فيما كانت استقامتُه محطَّ إعجابِ الجميع. بيد أنّهُ، حينَما ما فتئت الأوضاعُ تقتربُ، شيئاً فشيئاً، من حافّة الكارثةِ الرهيبة، فشل، ما عدا في حالتي مسألتي الحرب ومُحاكمةِ المَلك، في أن يُظهر نفسه على أنّهُ رجل دولة وذلك بفعلِ افتقارِهِ للآراءِ الليبراليّة والغرائز العمليّة التي جعلت من ميرابو ودانتون رجلين عظيمين فهو قد رسَّخ عهد الرّعب خَلَلَ هوسه بقسرِ أفكارهِ ونظريّاتِهِ الخاصّة على التطبيقِ القهري على عموم شؤون وأهل الجمهوريّة الفرنسيّة الوليدة.

    العلمانيّة البروسبيريّة الشّرِسَة: البذرة المُعاصرةِ لأيدولوجيّةِ "عبادة الشّخصيَّة"

    "لئن كانت الإستقامةُ هي أُسُّ أيِّ حكومةٍ شعبيّةِ في زمن السّلم فإنَّ أسُّ تلك الحكومةِ آناءَ ثورةٍ هو الإستقامةَ المدعومة بالإرهاب فبدون الإستقامةِ يغدوا الإرهابُ مُدَمِّرَاً وبدون الإرهاب تغدو الإستقامةُ عاجزة. إنّ الإرهاب ما هو إلا العدل الناجز، الصارم والصّلب؛ ما هو إلا إنبثاقٌ عن الإستقامة.... وهو ضروريُّ المُمارَسَة عندَ الحاجَةِ الوطنيّةِ القاهرة.... إنَّ الحكومةَ تغدو، في عهدِ الثَّورةِ، استبدادَ الحريّةِ ضدَّ الطّغيان".

    هذا المقتبس عن تقريرٍ لروبسبيرو عن "مبادئ الأخلاق السياسيّة" يكشفُ لنا، بوضوحٍ، عن جذر الظاهرات الإستبدايَّة القرنعشرينيّة المركوز في تطرُّف التفلسف التنويريِّ التطبيقيِّ كما في حالة بروسبيرو على الأدق. أنا هنا أفرّقُ بين فكر التنوير النّظري، بتعدُّداتِ نسجه المختلفة- فالتنوير الفلسفيُّ الأوربيُّ كان موجةً-حركةً أكثر من كونه بناءاً فلسفيّاً كلانيّاً مثل البناء الفلسفي الكانطيِّ أو النّظام الفلسفيِّ الشّموليِّ (أي الضِّدّ-فردانيٍّ، على الأدقِّ والأخصِّ معاً) الهيجلي مثلاً رُغم أن ذينكما البنائين الفلسفيّين كانا، بالتّحديدِ، تتويجاً للرّوح الدّافعة له باتّجاه مستقبلٍ فكريٍّ وسياسيٍّ تُبرزُ، عندَهُ، الدّولةُ الشموليّة العلمانيّة/العالميَّة وكأنّها هي نهاية التاريخ. ودُونكم في هذا المُتَّصَل، تمثيلاً لا قسراً أو حصراً، تصوّر هيجل للدّولة/الإمبراطوريّة الإستبداديّة البروسيّة على أنَّها التجلّي الأعلى للرّوح المُطلق على مستوى النّظر والفعل السياسي، كما والتّصوّر الماركسي-اللينيني لدولة البروليتاريا وكأنها قمَّة تجلّي انتفاء الصراع الديالكتيكيِّ الذي يُفترض فيه، فقط بمجرِّدِ حكم تعريفه كديالتيك، أن ينطوي جذريَّاً، أي أنطولوجيَّاً [كما هو في الحقِّ- من جهةٍ أخرى- سعي المتصّوف الفردانيِّ نحو الأُلوهة أو، لكي يرضي متديّنُو ديانات العهد الجّديد the New-agers، نحو أُسّ الكينونة] سعياً سرمديَّاً ليس منتهى من حيثٍ أو غايةٌ من عِنْد.

    إنَّ ربط بروسبيرو الضّروري لمفهوم الإستقامة بفعل ممارسة الإرهاب بمختلفِ مُسميّاته وأشكاله وتبريراته الأيدولوجيّة والفلسفيّة، دينيةً كانت أم غير دينيّة- علمانيّةً كانت أم غير علمانيّة، ما هو، في تقديري حدسي الفلسفيِّ الحاليِّ، إلا بذرةُ القرن الثَّامن عشر الأيدولوجيَّة، النّظريَّة والتّطبيقيّة معاً، التي تفتقت عنها، في القرن العشرين وفي امتدادات لا تزالُ في القرن الواحد والعشرين (وإن بأشكالٍ مُموّهةٍ ومُحوَّرةٍ، قليلاً أو كثيراً) أيدلوجيات وتطبيقات أيدولوجيّات إرهابيّة تجسّد ما كان منها علمانيّاً راديكاليّاً ومُتطرّفَاً في ظاهرتي "عبادةِ الشَّخصيَّةِ" المُتعيّنتينَ، على الأدقِّ المُوجعِ الرّهيبِ، في الظاهرتين الهتلريّة والسّتالينيَّة. وما الظّواهر العربية-الإسلاميّة المتفرّعة، عصريّاً، عن هاتين الظاهرتين أساساً، إلا نبتاتٍ شَرَّانِيَّةٍ [ولا أقولُ "شيطانيّة" حتى لا أظلمُ أو، على الأرَقِّ أجرحُ، شيطاناً خصوصيّاً مُبدعاً أعرفهُ!] مَارِقَةً عن جذر أساسيٍّ، أنطولوجيٍّ ووجوديٍّ، واحدٍ وسقيمَ النّفس/الرّوح بصرف النّظر عن صورة التّأدلج التي يتخّذُها، زمكانيّاً- أي في العالم- والتي لا يفرقُ، في هذا المُتَعَلَّقِ، كثيراً أن تكونَ إسلاميّة، ماركسيّة أو مسيحيّة أو أي "إيّةٍ" أخرى- الظاهرة الخمينيَّة الهوسيّة الإسلاميَّة والظّاهرة الصّدّاميّة الهَوَسِيَّة المسلموعلمانيَّة، مثلاً. لا غرابةَ إذاً، والتَّـأويلُ هكذا، في أنَّ بروسبيرو قد انتهى، في قمَّةِ تجليّاتِ تطرّفه العنفويِّ الأيدولوجيِّ والسّياسيِّ التطبيقيِّ إلى أن يفرضَ، في غايةِ أمرهِ التراجُوكوميديَّةِ المؤسيةِ، كما أفدنا آنفَاً، على الفرنسيّين من النّاسِ والمواطنينَ "مبادئ مناقضة لأسِّ الثورة الفرنسيّة العلمانيِّ ذاته (بالمعنى الفاجع لإنقلاب الشيء إلى ضدّهِ عِنْدَ زيادَتِهِ عن حدِّهِ)"، الشَّيءُ الذَّي توكَّدَ في ترسيخِ قهره الماجدِ لهُم في غصبِهِ "الثَّوريِّ" لهم على "عبادةَ ما أسماهُ "الكائن الأعلى" وفقَ مرسومٍ جمهوري" ناشزٍ وناجزٍ، معاً، فكانَ، كما قد سبقَ وأن كَثَّفَنَا القولَ/التّوصيف الفينومينولوجي الموجز المُكثَّف"، قد "عَمَهَ، بذلكَ، على سبيلِ إنشاءِ ما يُشبه ديانةً جديدةً هو مركزها، بل وإلهها، الأوحد".

    وفي مقالٍ، أو على الأدقِّ حاشيةً، قصيرةً لي وُسِمَتْ بعبارة "هربيرت ماركيوز:- إنسان الفاشيّة كنقيض لتطوّر الشخصية الإنسانيّة وتطور المعرفة (حواشي عابرة على بعضِ هامش كتاب "فلسفة النفي" لهيربيرت ماركيوز)" يُوصَّفُ إنسانُ الفاشيّة الهربيرت-ماركوزي هذا، في لُغَةِ هربيرت ماركوزِ نفسه، بأنَّه ذلك "الإنسان البطولي المرتبط بقوى الدّمِ والمنبت.. الإنسان المسافر خلال النعيم أو الجحيم، الإنسان الذي لا يطلب تعليلاً أو سبباً، بل يندفع إلى العمل، يفعل ويموت، ويضحّي بنفسه لا لأيّ غرضٍ بل خضوعاً لقوى الظّلامِ التي تغذّيه....". ثمُّ، كما أنشَأْتُ مُواصلاً لكلام هربيرت ماركوز، "يستدركُ [هربيرت ماركوز] بأنّ تلك الصورة منطوية، بالتمديد الطبيعي و"المنطقي"، على "الرؤية الخاصة بالزعيم الأسطوري الذي لا تحتاج زعامته إلى تبريرٍ على أساسِ أهدافهِ"، وذلكم لأن مجرّد ظهوره على الخَلْقِ مُضمرٌ فيه، قبليّاً، البرهان على الحاجة إليهِ- على ضرورتهِ-لذا ينبغي "تقبّله على أنّه نعمة من نعم الله لا يستحقّها النّاس!"

    يَقْبِضُ كِتابُ فلسفة النَّفي، لهربيرت ماركيوز، الذي همَّشنا بعضَ ما يُوصِّفُ به إنسان الفاشيّة في حاشيتنا الآنفةَ الذِّكر، على كثيرٍ من، وليس كُلِّ، أُسِّ ظاهرة الطّاغية المُستبِدِّ بعلمانيّتِهِ الراديكاليّة الشّرسة. فهو، عند رسمِهِ للصّورةِ الدّاخليّةِ أو الباطنة لإنسانِ الفاشيّة في تحليله النقديِّ المعنيِّ، يطبعُ بعضَ ملامح ذاك الإنسان في الخاطرِ القارئ، بقُوّةٍ حيّةٍ إلى درجةٍ كبيرةٍ، حيثُ، على الأخصِّ، يُعَيِّنُهُ على أنّهُ "مُرتبطٌ بقوى الدّمِ والمنبت" ، وعلى أنَّهُ نازعٌ إلى "تفسيرِ العمليّةِ التّاريخيّةِ كعمليّةٍ طبيعيّةٍ عضويَّةٍ"، ثمَّ على أنَّهُ غافلٌ ومُتجَاوِزٌ، عن وعيٍ أو غيرِ وعيٍ- عن عَمَدٍ أو عن غيرِ عَمَدٍ، في سيرورته القُدَّامِيَّةِ (فهي ليست، بأيِّ تعريفٍ ممكنٍ للـ"التَّقَدُّمِيَّة"، تَقَدُّمِيَّةً، إمّا بالإستنتاجِ أو بالضّرورة)، "القوى الدافعة الحقيقيّة [ويعني هربيرت ماركيوز بذلك القوى الإنسانيّة الحيَّة:- الإقتصاديّة والإجتماعيَّة والثَّقافيَّة] إلى مجالِ الطبيعة الخالدة الثابتة". إلقْ، لتُدرِكَ المعنى التطبيقيِّ الفاجع لما يُعِيِّنُهُ هربيرت ماركيوز أعلاه، نظراً فكريّاً، ولو عابراً، في هذا المُتَّصَلِ، على ظاهرتي أدولف هتلر وبنيتو موسوليني- نظريّة التّفوُّق العُنصري الجّذريِّ للجّنسِ الآري ثُمَّ، قبل ذلك، على الظاهرة البروسبيرويَّة نفسها، خصوصاً عندَ ناصيتي جنوحيها الأخلاقيِّ والميتافيزيقيِّ المتمثّلين في تصوّرات بروسبيرو المفهوميَّة المُتطرّفة عن "الإستقامة الثوريّة" أو"النقاء الثَّوري" وعن ذلك "الكائن [الإفتراضي] الأعلى" الذي، كما سبقَ وكَوَّرْنَا القَوْلَ كَرَّتَين، قد "عَمَهَ [بِهِ] على سبيلِ إنشاءِ ما يُشبه ديانةً جديدةً هو مركزها، بل وإلهها، الأوحد".

    قُلْنَا إنَّ كتابَ فلسفة النَّفي، لهربيرت ماركيوز، يقبضُ على كثيرٍ من، وليس كُلِّ، أُسِّ ظاهرة الطّاغية المُستبِدِّ بعلمانيّتِهِ الراديكاليّة الشّرسة. وذلكم حتَّى ولو نشاءَ أن نَربِطَ، كما عَمِلْنَا بالفِعْلِ في "هربيرت ماركيوز:- إنسان الفاشيّة كنقيض لتطوّر الشخصية الإنسانيّة وتطور المعرفة (حواشي عابرة على بعضِ هامش كتاب "فلسفة النفي" لهيربيرت ماركيوز)، ما سَوَّاهُ فكر هربيرت ماركيوز في ذاك الكتاب بكلامٍ آخرٍ لهُ عن "تطوّرِ الشّخصيّةِ وتطوِّرِ المعرفةِ" حيثُ يُؤوَّلُ ذينكُمَا التَّصوُّرين على أنَّهُمَا يشيان، في [مُجَرَّدِ] حدودِ أو مَدَى أُفِقِ وتعبيرِالتّفلسُفِ الماركوزي نفسَهُ، عن "بصيرةٍ في أبنيةِ الواقع الذي يعيشُ فيهِ الإنسان". غير أنَّ بصيرَةً كتِلْكَ، كما يجيءُ في كِتَابَتِنَا عِنْدَ تلكَ الحواشي، "بفعل "هيئة" جوهرها نفسه، هي نقيض لمتضمنات إنسان الفاشيّة التي وُصّفَتْ آنفاً وذلك لأنها موثوقةً بالإدراك الذي تؤدي كلُّ خطوة من خطواته، بحسب تحليل ماركيوز السّايكو- فلسفي، إلى تبديل حال الفرد الإنساني من حال "التقبّل الجاهز للأيدولوجيا التي تخفي جوهرها"- ومن ثمّ إلى "تقويض" صورة "السعادة" الجّمعيّة المُسَلْعَنَة بِواسِطَةِ الأيدولوجيا إيّاها- إلى حال يكن فيه منصرفاً إلى شأنِ معرفته العينية الخاصّة به كشخصٍ وكإنسانٍ كائنٍ في هذا العالم مما يُفضي، بقولِ ماركيوز، إمّا "إلى الصراع ضدّ الواقع القائم، أو إلى نكران الذّات". من هذا يستبصر ماركيوز أنّ المعرفة قد لا تعين الإنسان على "الحصول على السعادة". وذلكم رغم أنّ الإنسانَ، بدون المعرفة، يقع في مأزق "العلاقات المتشيّئة" الذي هو، في عرف ماركيوز، "مأزقٌ لا مهربَ منه" إذ هو يضع "المتعة" في مواجهة "الحقيقة" أو، بتعبيرٍ ماركيوزيٍّ آخرٍ، "السعادة" في مواجهة "العلاقات الجوهريّة للأفراد".

    على كُلٍّ، نحنُ قد أشرنا، في الحواشي إيَّاها، إلى أنَّنَا نَرَىْ أنَّ: "هناكَ مخرجٌ من المأزق الماركيوزيّ هذا، لكنّ ذاك المخرج يتطلّب بصيرةً أخرى وعيشاً على هيئةٍ أخرى ومستوىً آخر لا يتوفّر عليهما، ولو حتى ضمنيّاً، التحليل الماركيوزي بحكم طبيعته النقديّة- الجّدليّة ذاتها، وذلكم لأنّ "قاعدة" كلّ أولئك (البصيرة المعنية؛ العيش المعني؛ الهيئة المعنية والمستوى المعني) كائنةً تحتانيّاً في ذائقاتِ تبصُّراتٍ مختلفةٍ، في أُسِّ ميلوديّاتها وإيقاعاتها، عن تبصّرِ مار كيوز الأساسي، ومن ثم كل ما تفرع عنه من بعد ذلك منها وأعني بتلك، جملةً، جماع الذائقات ذات الصلة بالتفلسف العيني-المعاشي الوجودي كما يتمظهر- على سبيل المثال المُخصّص- في حيواتِ، و"فلسفات"، أشخاصٍ لا أستطيع الآنَ دخولاً في تفاصيل "تفلسفهم" لكنّي أشُوفُهُمْو، بعبارةٍ واحدةٍ، في هيئاتِ أُناسٍ من أمثال قابرييل مارسل ونقولا برديائيف". لكنْ ما علينا الآنَ من هذا الغوص العميق، بعض العمق أو كلّه حتّى، فمسألتُنا هنا هي، أساسَاً وجوهراً، مسألة العلمانيّة والسُّؤال عمَّا إن تَكُنْ هي، أصلاً وجَذْرَاً، مُناقضةً للتَّديُّن. تتعيَّنُ العودةُ، إذاً، إلى توصيف العلمانيّة الإنسانيَّة بموازاة العلمانيّة الشّرسة حتى يتفتح علينا سبيلُ الـ"أَمَّا بَعْدِيَّةِ" الذي هو ماشٍّ، بقدرِ الوُسعِ الإنساني الممكن في الشِّعُورِ- قبل الفِكر- وفي الخيال، نحو علمانيّة إنسانيّة جديدة و/أو مُتجدّدة.

    العلمانيَّة الإنسانيَّة:

    قد نلمسُ جذوراً تجريبيّةً للعلمانيّة الإنسانيّة الشسيعة الشِّعور والفهم للإنسان ونُشدانه (مهمّته/رسالته) في هذا العالم في فلسفة السوفسطائيين الإغريق Greek Sophists القديمة، ولا سَيَّمَا في مقولة بروتاقوراس Protagoras الشّهيرة "الإنسانُ مِقياس الأشياء جميعاً"، أكثر ممّا في فلسفاتِ أفلاطون وسقراط وأرِسْطُو التي رسّخت وحدانيّةً في تصوِّرِ الحقيقة وأنظمةً مذهبيَّةً شموليّةً، في الأساس، قد تكون أخلاقيَّةَ وسَمَوِيَّةً (من "سِمُو") وإنسانيَّةً في التَّوَجُّه ومنظُور التَّفلسُف (كمثال سقراط في تلكَ الـ"أعرفْ نَفْسَكْ" الشَّهِيْرَة) غير أنّها، مع ذلك، هي أنظمةٌ فلسفيَّةٌ، في الغايَةِ، لذا ليس لها، بحُكمِ طبيعتها النَّسقيَّة المنطقيَّة المُوحَّدة سلفاً على ثُلَّةِ مقولات ومفاهيم تُشكّلُ في تركيبها بعضاً على بعضٍ بناءاً فلسفيّاً واحداً هو، في تصوّر بانيه، بناءُ الحقيقة الأوحد أو هو، على الأقل، بناؤها الأساسيُّ والجّذريُّ وما عداه ليس إلا امتداداتٍ شكليَّة أو صُوَرِيَّةً له بالإيجاب [مما يعني الصِّحّة] أو بالنَّفي [مما يعني، وفق منظور المذهب المعني، اللا صِحَّة]، أن تُفسح، عِنْدَ ذاتِ جذرها الأنطولوجي/الشّعوري ومن ثمَّ الإبستمولوجي، مجالَ اختلافٍ أو حيادٍ معرفيٍّ خلاق يمكن أن تَقُمْ، عِنْدَهُ، أيٌّ من سماتِ تلك التَّعدُّدِيَّة التياريّة الشعوريّة والفلسفية-الفكريّة، أو، بعبارةٍ أخرى واحدةٍ، تِلْكَ السَّماحيَّةُ الأساسيَّةُ التي هي أسُّ التعريف الإنساني للعلمانيّة وجذره. ثم قد نرى تلك الجذور ثانيةً، كما قد شرحنا القول وأسلفنَاهُ في شأن العلمانيّة المُعاصرة في بدايةِ هذه الأُطرُوحة، عِنْدَ أُسِّ تلكَ الحركةِ الفلسفيّةِ الحداثيَّة الواسعةِ التي تمَّ ابتدارها في القرن الثّامن عشر كحركةٍ فلسفيّةٍ تعدّديَّةَ الأصلِ وتيّاريّة عريضةً ونابتَةً عِندَ رأسِ موجةِ ما اصطُلح، في تاريخِ الفلسفةِ المعاصرةِ البَعْدِيِّ، على توسيْمِهِ باسمِ بفلسفة التنوير الأوربيّة المعاصرة. ثُمَّ، إيغالاً في المعاصرة، نُواتِي تلك الجذور، ثالثةً، بارزةً، بروزاً عينيَّاً شديداً، في تلكَ الفلسفةِ التّيّاريّةِ العريضةِ المُعاصرةِ التي لُقِطَتْ، إجمالاً، تحت اسم الفلسفة الوجوديّة والتي ما وَنِيَ ممثّلوها المعاصرون يوكّدونَ، مباشرةً أو ضِمنيَّاً، على أنَّها- ببساطةٍ، وأيُّما بساطة!- تَكُنْ قائمةً هُناكَ وحيَّةً بقدرِ ما هُنَالِكَ من فلاسفةٍ وجوديِّيْنْ. لكن ذلك الكلام لا يعني، سوى بإمكان فهم خاطئ أو مُلْتَبِسْ السّبل (بالمعنى السّلبيِّ البَّرّاَنِيِّ للإلتباس)، أنّ أمثال تلك الفلسفات ذات النُّظم الكُلانيَّة (الـ، على عِلّاتِها أو otherwise، مُضيئةً وعميقة من نواحٍ فكريّةٍ وفلسفيّةٍ عِدَّة) لا يمكن أن يتّسع لها الوجود والسّماح في جناب أيِّ بلادٍ تتّخذُ من العلمانيّةِ إطاراً وهيكلاً دستوريّاً مُنَظِّمَاً لحيواتِهَا السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة إذ هو فقط يزعمُ أنَّ هُنَالِكَ أشكال فكرٍ وتفلسفٍ تياريّة الرّوح (أو، إن تشاؤونَ، تَعَدُّدِيَّةَ الحسِّ والتّصوّر في أصلها وجذرها) أكثر من كونها أنظمةً/أبنيَةً منطقيّةً كلانيّةً أو تجريديَّةً شاملةً تتآخَى، في جذرها وطبيعتها الكينونيّة، مع رُوح العلمانيّة الإنسانيَّةِ الحقَّةِ أكثرَ من خلافها ومن ثَمَّ هي(مثلَ كائناتٍ مائيّةٍ فاعلةً ومختارةً- طبيعيّاً وغريزيّاً- في بحرها المُحيط) أدعى لأن تكونَ قَبْلِيَّاً متوافقةً ومنسجمةً، مِزاجيِّاً وشعوريَّاً وفكريَّاً، بل وطبيعيَّاً، مع روحِ العلمانيّة الإنسانيَّة الحقَّةِ.

    أيُّ تَدَيُّن؟!

    وذلكَ يُودِي بنا، مُباشرةً، إلى سؤال أيِّ تَدَيُّنٍ (وليس "دين"، بالمعني الشموليِّ السّائد والمعهود والـ، قليلاً أو كثيراً، قهريٌّ حتّى وإن تستّر برطانةٍ معاصرةٍ عن "الصّحوةِ" و"السّماح" (الإسلام) أو، عِنْدَ جهةٍ ثَانِيَةٍ، برطانةٍ أخرى قديمةٍ-جديدةٍ، بيد أنها هلاميّةً وإنشائيّةً وعامّةً، عن "المحبّة الطّهرانيّة المجرّدة والغفران وقيد الخطيئة الأصوليّ الأبدي" (الأصولية المسيحيّة الجّديدة- الأنجليكانيّة، خِصُوصَاً)...) ستكون هنالك، في جذره وأصله الكينونيِّ والوجوديِّ، قائمةً نزعةُ العلمانيّة الإنسانيَّة، بكُلِّ وُسعها وانفتاحها الخلاق، كَجزءٍ طبيعيٍّ وأصيلٍ من المُهَيْكِلاتِ القاعديَّةِ لأسُّ نسجه الشعوري والفكريِّ الأوّلانيِّ نفسه؟! هل هنالك تّديُّنٌ كذلك؟ أنا أجيبُ على هذا السؤال بنعمٍ؛ بل ونَعَمٍ خلاقَةً ومُتجدّدةً. كما وأزيدُ أنّه لا ضمان لرسوخ أيِّ علمانيّة حقيقيّة، أي علمانيَّة إنسانيَّة أصيلةً ومُسْتَدّامَةً، بل وإنسانيَّةً كَمَالَيَّةً كذلكَ، سوسيولوجيّاً ونفسُورُوحيّاً psycho-spiritually، في الوُجُودِ الإنسانيِّ، والكائِنِيِّ-الحيِّ [نسبةَ إلى "جِمَاعِ الكائنات الحيَّة"]، دونَ، بالذّاتِ، تأسيسِها على جذرِ تلكَ الهيئةِ الكينونيَّة الأساسيَّة المُرتَسِخَة، بل والمُنْتسِخَة، في أسُّ ذلك التَديُّن الفردانيِّ الخاص الذي أعنى والذي قد يتلخّصُ جوهرهُ، ببلاغةٍ مُكثَّفةٍ ومُحِيْطَةٍ، في عِبارةٍ عِرفانيَّةٍ دقيقةٍ صَدَرَتْ، ذاتَ كَشْفٍ كينونيٍّ-معرفِيٍّ شَدِيْدِ، لمايستر إيكهارت Meister Eckhart، مُتصَوِّف القرون الوسطى الأوربيّة المعروف على الأخصِّ عِنْدَ أهلِ "ديانات وتَدَيُّنات الأسرار esoteric religions and religiosity " المُحدثين:- "عندما ألجُ القاعدةَ، الجَّذرَ/القاع، النّهر، التيَّارَ ومنبعَ الألوهة لا يسألُني أحدٌ عمَّا من أينَ جئتُ أو عمَّا حيثُ كُنتُ. لا أحدٌ يفتقِدُنِي هُناك فهُناكَ الإلهُ نفسُهُ يختفي!"* (إيكهارت، 1956، صفحة 182- منتخبات من كتاباته انتقاها ج. م. كلارك- أدنبرة: نيلسون آند سونسEckhart, M., 1956: Meister Eckhart, selected by J. M. Clark, Edinburgh: Nelson and Sons).

    إنَّ ذلك المقتبس )الذي لقيناهُ عِنْدَ مُؤلَّفِ أريك فروم المُسمَّى مُراجعة فلسفةِ التّحليل النّفسي The Revision of Psychoanalysis- تحرير رينر فُنْكْ- ويستفيو بريسInc. Westview Press- بولدر، سانفرانسسكو، أوكسفورد- 1992( يَنْوَسِمُ، بإفعامٍ عميقٍ، بالحريّةِ والإستقلال المُتجَذِّرِيْن في تٌخُومِ ما وراء جِمَاعِ العالمِ الإنسانيِّ السوسيويولوجيِّ الـ، أكثر أو أقلَّ، يظلُّ ظاهراً أو ظاهريَّاً أو - بعبارةٍ أخرى أوجز وأوفى- في الكينونةِ الإنسانيّة الجَّذريَّةِ؛ في الرُّوح. لذا ليس هنالك، في كثيرٍ من أقوال النّاس المُختلفين الآخرين- إلا قليلاً- ما هو، في حُسبانِيَ، أكثَرَ منهُ علمانيّةً، بالمعنى الإنسانيِّ والكَائِنِيِّ-الحيِّ الإيجابيِّ العميق والأصيل. فالعلمانيَّةُ المُضمرةُ في مثل ذاك القول/البَوح ليست باردةً، أبداً، أو مُحايدةً أو، على أيِّ نحوٍ من الأنحاءِ، لامُباليَةً أو حتّى "مَوضُوعيَّة"- بمعنى "الموضوعيّة" كما هو واردٌ ومفهُومٌ في فلسفة العلم الحديث، كما و- بالذّاتِ- في تقليد الفلسفة الغربيّة العقلانيَّة المُمَنْهَجَةِ التي ترجعُ عمُومُ أصولِها التاريخيّة والمعرفيّة، أولاً، إلى الفلسفة اليونانيّة السّقراطية وما بعد السّقراطيّة، ثُمَّ، ثانيَاً، إلى فلسفة التّنوير الأوربيّة التي طغا مَدُّهَا الفكريُّ في القرن الثامن عشر الميلادي، بكُلِّ امتداداتها البعديَّةِ في التّفلسُفِ الأوربيِّ القائمَ إلى يومنا هذا، أو قبلهُ قليلا. وذلكم لأنها، بالتّوصيفِ الدّقيقِ الرَّقيقِ، علمانيّةٌ إنسانيَّةٌ قائمةً على استقلال الشّخص الإنسانيِّ الحُرِّ وتنزُّهِهِ عن عِبادةِ أيِّ وثنٍ من الأوثانِ (الدينيّةِ وغير الدِّينيّةِ) المقيّدةِ لرُوحهِ الساعية على سبيل استنارتها المُفردةِ والمُتَعَاطِفَةِ بعمقِ، مع أو- على الأدقِّ، بسببِ ذلكَ عَيْنَهُ، مع كُلِّ سُبل الإستنارة الأخرى المُختارة من قبلِ أفراد آخرين، متدينين بجلاءٍ كانوا أو غير مُتديِّنين، مُعلنينَ جهريّين للاتَديُّنهم أو غير مٌعلنين فهنالكَ، عِنْدَ الجَّذرِ العلمانيِّ الإنسانيِّ الأساسيِّ الذين منه جِمَاعُ أولئكَ يَغْتَرِفُون يتآخى، في الكينونةِ والرّوح، كلُّ أولئكَ، وغيرُ أولئَكَ؛ هُناكَ حيثُ "أنا" حيٌّ، تَمامَ الحياةِ، وحيثُ لا يَسألُنِي، كفردٍ إنسانيٍّ وكونيٍّ حُرَّ السبيل الشعوريِّ و الفِكْرِيِّ، أحدٌ ما، أو آخَرٌ، عمَّا من أينَ جئتُ أو عمَّا حيثُ كُنتُ إذ أنَّ لا أحدٌ يفتقِدُنِي هُناك فهُناكَ اللّهُ نفسُهُ يختفي! فلئن لم أكُن، وفقَ رؤيا مايستر أيكهارت، أُسألُ (بكلِّ معاني السؤال العميقة أعلاه)، حتّى عندَ جذر الكينونة حيث اللّه نفسه يختفي، فأيُّ تجذيرٍ إذاً، يا ايُّها الإنسانُ، لأيِّ علمانيّة ولأيُّ حريَّةٍ ولأيِّ إنسانيّة- بلى، إنسانيَّة- أكثرَ ممَّا تُجَوهِرُهُ رؤيا مايستر إيكهارت تلك من توكيدٍ مُطلقٍ لانفتاح وتواصل وسَمَاحِ للفرد العينِي الإنساني إزاءَ الآخرَ المُختلف عنه ليس عِنْدَ تِخُومِ ومُحدوديّة (أي زمكانيَّةَ) هذا العالم المُسمَّى محسوساً ومرئيّاً و"ماديّاً" فحسب بل حتَّى عِنْدَ تِخُومِ الله (الألوهة) المُتخفِّي (المُتَخَفِّيَةَ)، بالذّاتِ عِنْدَ الآنَ الذي يُومئُ إليه مايستر إيكهارت، طيَّ عينِ ذاتها المُطلقةِ نفسها؟!

    ويُقدّمُ لنا (في شَوْفِيَ الخاص) قواتاما سِدْهَارْتَا- بُوذا Gautama Siddhartha- Buddha ، مؤسّس التَّدَيُّن البُوذيِّ، في سيرته وحياته المُفعمة- كينونيّاً- بالشّعورِ والتعاطف الإنسانيِّ الجّذريِّ، أنمُوذجاً وجُوديَّاً-عينيَّاً لما أحدسُ أنا أنَّهُ علمانيةٌ إنسانيَّةٌ أصليّةٌ في الفِكْرِ والشِّعُورِ والسلوك والتَّعامل لم تبلغ شأوها، بَعْدْ، حتَّى غالبُ تطبيقات العلمانيّة في هذا العصر المابعد-تنويريِّ المُسمّى علميّاً وعلمانيّاً- والشيئين مختلفين، مفهوماً وممارسةً، وإن اتّصلا بموجب مجمل العلائقيَّة/التَّداخل الذَّوَاتِي inter-subjectivity اللّذينَ هُمَا سمةُ الحياةِ الإنسانيّةِ والكَونيَّةِ في جُملتِها.

    من أشهر جُمَلِ قواتاما سِدهارتا-بوذا، في التأريخ الثقافي المُعاصر لسيرته وتعاليمه، هي تلك الجُّملَةِ التي يُرشِدُ فيها أن "إسعْ- بِنَفْسِكَ- على سبيلِ خلاصكِ الخاصِّ بكلِّ مُثَابرة work for your own salvation with diligence". الشيئان الأكثرَ أهمِّيَّةً، في مُتَّصَلِ مَقَالِنَا الحاليِّ بِتِلْكَ الجُّملةِ هما، في رأيي، التَّوكيدُ، في الجُّمْلَةِ إيَّاهَا، على كون أنَّ السَّعي على سبيلِ الخلاصِ لا بُدَّ له أن يكون، في جوهرهِ، شَخْصِيَّاً وعينِيَّاً(كما في "بِنَفْسِكَ"تِلْكَ)، ثُمَّ على أنَّ ذاك السّعي، إن يتأتَّى له (كما في شعرِ رينيه ماريا ريلكه Rene Maria Rilke) أن "يُثْمِرَ فاكِهَةً"، لا مناصَ له من أن يُوسمَ (أو يُوصَمَ، بالأحرى) بالمُثابرةِ والمُوالاة حتَّى على حافَّةِ الملل، الجُّرح، اليَأسِ الإنسانيِّ أو الهاويَةِ-الأُمِّ نفسِهَا! فتلكَ الإستقلاليَّة الجَّذريَّة للشَّخصِ العينيِّ الإنسانيِّ التي يَشْرِطُ بها البُوذا- قاعديّاً- سبيلَ (وقبل ذلك "معنى") الخلاص الإنساني هي (في مُتَّصَلِ مقالنا الحالي بِجُمْلَةِ البُوذَا تِلْكَ) ليس هنالكَ من تأسيسٍ جذريٍّ لعلمانيّة إنسانيّة حقيقيَّة وعميقة بدونها. حقيقيّة لأنها عينيّة ووجوديَّة، وعميقة لأنّها متجاوزةً، في ذاتِ الآن وبحدسٍ كينونيٍّ-وجوديٍّ أصيل، للعلمانيّة الشّرسة كما وللعلمانيَّة المتّصلة بالتنظير الفلسفي الإنساني "الدّنيويِّ" المنفصل عن التَّديُّن في إطلاقهِ المنفتح (أو الزّاعم أّنه يمكن له، في الأصل والكينونة، أن ينفصل- اساساً- عن كلّ أشكال وسبل التديّن الممكنة في هذا الكون حتى ولو كانت مُنفتحةً وفردانيَّةً ومُطلقةً في الرُّوح والنَّفَسِ) واللذين هما معرّضين دوماً، وإن على نحوٍ مختلفٍ في حالةِ كلٍّ منهما، للإرتكاس نحو إما حكم الأصوليِّة اللا دينيّة الشِّمُوليّة الإرهابيّة المُطلقة (بروسبيرو وستالين وهتلر- عبادة الأفراد) أو دكتاتوريّة مدنيّة ليبراليّة حياديَّةَ النّظريّة وباردةَ النَّفَسِ ظاهريَّاً غير أنها- بالفعل- خاضعةً، على نحوٍ بائنٍ أو مُتَسَتِّرٍ، أو على الأقلِّ ذات قابليَّةٍ أنطولوجيّةٍ ومِزَاجيَّةٍ لأن تخضع، لسُلطة النّسج الفكريِّ والتاريخيِّ للمركزيّة الأوربيَّة المُستبعِدَ، معرفيّاً وسياسواجتماعيّاً، لما عداه من أنسجة فكريّة وشعوريّة أخرى لإنسانِ هذا العالم، بل الكون على جِمَاعِهِ، والمتحدّد، بدءاً، بالفلسفة اليونانية وبالتنوير، ثمَّ بمآلاته الحديثة والمعاصرة في فلسفة التنوير المتوجة بنظامي كانط وهيجل (هِيْقَلْ) الفلسفيّين الشّموليّين والتجريديين (أي غير العينيّين) وامتداداتها المابعديَّة المختلفة.

    يَوَكِّدُ قواتاما سدهارثا- بُوذا، كما قَدْ سبَقَ وأَنْ استبصرنَا، على أولويّةِ ذاك الجّذرِ العينيِّ الشّخصيِّ، للعلمانيّةِ كفلسفةِ كينُونةٍ ووجُودٍ، كتحتانيّةٍ أصلانِيَّةٍ وقبل-عقلانيّةٍ، أي مُتّصلة بجذرِ الإنسان في الإنسان وهو- أساساً- الشّعور والتحسسات الغريزيّة-العاطفيّةِ الخالقةَ له- كصوتٍ وهيئةٍ نفسيرُوحيّةٍ- منذ بدئه بل وما قبل بدئهِ في تناسُخِهِ الزّمكانيِّ الحاليِّ، على أيِّ تسميةٍ فكرانيَّةٍ، عقلانيّةٍ، ومن ثمَّ بَعْدَانِيَّةٍ posteriori، لهُ قد تجسّدت، تاريخيّاً أو في ما قد يُرى ممَّا قد يُسمَّى- رَسْمِيَّاً وعُرْفِيَّاً "تاريخاً للفلسفةِ الغربيَّةِ" على الأقل، في تصوّراتِ البناءاتِ العقلانيَّةِ الفلسفيّةِ المختلفةِ منذُ عهدِ "اللّوغوس" اليونانيِّ الما بعد-سقراطيِّ العريق وحتّى عهود تفلسفِ التّنوير The Enlightenment Philosophy وامتداداته في أنظمةِ كانط وهيقل Hegel وماركس الفلسفيَّة الشِّمُوليّة، كما وفي الفلسفةِ الوضعيَّةِ والرياضيّةِ الحديثَةِ، تجريبيّةً كانت أم منطقيّة، وتجسيداتها اللاحقةِ والحديثةِ والمُعاصرةِ في فلسفاتٍ لُغويَّةٍ في أساسِهَا المعرفيِّ كما البُنائيَّةِ وما امتدَّ عنها من تصوُّوراتٍ فكريّةٍ وأيدولوجيّةٍ وأشكال تطبيقاتٍ عمليّةٍ وبرجُماتيَّةٍ حتّى لحظتنا الزمكانيّةِ-الإستهلاكيَّةِ المُعاصرَةِ هذي. المُهِمْ (في هذا المُتَّصَلْ، كما قد أقولُ) دَعْ عنْكَ، الآنَ، إغراءَ لَوْمِي المُحتَمَلِ بشأنِ مَظَنَّةِ تَسْلِيْلِي [من "الوضع-في-سَلَّةٍ]، أو حتّى "بَرْكَسَتٍي" [من "بروكوست" الشَّهير]، ومن ثَمَّ رميي المُسْتَخِفِّ لكلِّ أولئكَ عِنْدَ مَطْرَحٍ هو، كثيراً أو قليلاً، واحدَ القواعِدِ المعرفيَّة (أعني الإبستمولوجيَّة)، وخَلِّنَا نشُوفُ، ببعضِ عينينَ واصِفِتَيْنَ، ماذا يقولُ البُوذَا في شأنِ، أو على سبيلِ، ترسيخِ توكيده أعلاه في عباراتٍ وأمثلةٍ، بل وأمثُولاتٍ parables كَذّلِكَ، مُفصّلةٍ، قليلاً أو كثيراً.

    من أوائل علائم التَّرسيخِ الوجوديِّ ذاكَ هو عدم أُخْذَةِ البُوذَا بالأسئلة التجريديّة الخالصة حين تُطرح تلك الأسئلة عِنْدَ أيِّ مركَزٍ آخَرٍ غَيْرِ مركزِ مَحَلِّ المعاناة الإنسانيّة الحيّة المُحايثة لهذا العالم، أي لهذه الدُّنيَا. فهو، بعبارةٍ أخرى، غيرَ مأخُوذٍ البتَّةَ بكُلِّ أشكال الخلوصٍ المنطقيٍّ- الرياضيٍّ- الديكارتيِّ-الوضعيِّ المنطقيِّ-التحليليِّ اللُّغويِّ المُسمّاةَ- أكاديميَّاً- "فلسفَةً" والـ، في غالبِ تَعيُّناتها/تمظهُراتها، تَكُنْ قائمةً، في هذا العالمِ، ككائناتِ تجريدٍ هوائيَّةٍ ومُفْرَغَةً من نَسْغِ شَجَرِ حَيَوَانِ عينيّةِ الحياةِ ذاتِهِ. عَايِنْهُ كيف يتحدّثُ لسائلٍ لهُ، على نحوٍ تجريديٍّ خالصٍ، عن شأنِ العالم (في عمُومِهِ) وعمّا إذا كانَ أزليّاً ولا نهائيّاً وعمّا إذا كانت الرُّوح، ومعها الجّسدُ، شيئاً واحداً ومتطابقاً مع ذاته أم لا. "كأنَّ الأمرَ"، يقولُ البُوذَا عِنْدَ تِلْكَ المُفَاكَرَة، "أنَّ هُنَالِكَ رَجُلٌ ضُرِبَ بسهمٍ كان مُلَطَّخَاً، بكثافةٍ، بالسُّمِّ فاستدعى له أصدقاؤُهُ وصِحَابُهُ وآلُهُ وأقاربُهُ طبيباً كي يُعالِجَ عَنْهُ السَّهمَ فبادرهم سائلاً: "لن أسمحَ بسلِّ السّهم المميتِ عن جسدي ما دُمتُ لا أدري ما إذا كان الرّجلُ الذي راشني بالسّهم من طبقة البراهميين أو "الكِشاتريّين"، "الفيشيايين"، أو "السُّدْرَا"؛ ما دُمتُ لا أعرفَ اسمَهُ وعائلتهُ وما إذا كان طويلاً أم قصيراً أم متوسّط الطّول"... ذلك الرّجُل [يقولُ البُوذَا] قد لا يكتشفُ تلكَ الأشياء، لكنّهُ قد يمُوت" (Pankaj Mishra, An End To Suffering, The Buddha In The World, pp. 230-231, Picador, 2004).

    عليهِ عُنِيَ البُوذا بالشأنِ الإنسانيِّ الخالص الذي هو معاناة الإنسان على هذه الأرض، أسبابها وكيفيّة تجاوزها، مبيّنَاً أن الإنشغالَ بمسألتي الأزليّة والرّوح (وخلودها) قد كان هو إمّا انشغالٌ غير ذي صلةٍ أو انشغالٌ مُتَخَلَّلٌ بافتراضاتٍ خاطئة أودت بالإنسانِ إلى المعاناة، ثُمَّ مُوكِّدَاً على أنَّ الإنسان الفرد ينبغي عليهِ، وحدَهُ، تحمُّلَ مسؤوليّةَ وضعيّتِهِ الخاصّةِ بنفسِهِ ممّا يُرجعنا، بالتّداعي الفكريِّ العفويِّ، إلى جُملته المهيبة بالإنسان الفرد إلى أن "[يَسعْ]- بِنَفْسـ[ه]- على سبيلِ خلاصِـ[هِ] الخاصِّ بكلِّ مُثَابرة work for your own salvation with diligence". على سبيلِ هذا السّعي الوجُودِيِّ-الدُّنيويِّ-الإنسانيِّ يتفكّرُ البُوذا، ببداهةٍ وطبيعيّةٍ خالصةٍ، أنَّهُ "ليس ممَّا قد يُودي بالإنسان إلى أن يحيا حياةً أزليّةً كونه متخذاً رأياً مُفيدَاً بأن العالمَ أزليٌّ، كما وأنَّهُ ليس كذلكَ ممَّا قد يُودِي بالإنسان إلى أن يحيا الحياةَ الرُّوحيَّة المنشودة كونه متخذاً رأياً مفاده أنَّ العالمَ ليس أزليَّاً. فلئن اتّخذَ الإنسانُ رأيَاً مفادَهُ أنَّ العالمَ أزليَّ، أو اتَّخَذَ رأيَاً مفادهُ أنَّ العالمَ ليسَ أزليَّاً فسيظلُّ باقياً، هُناكَ، الميلادُ، أرذلُ العُمْرِ، الموتُ، وجعُ الفُقْدَانِ، اليأسُ، الألمُ والشَّقاء" (Pankaj Mishra, An End To Suffering, The Buddha In The World, p.231, Picador, 2004).
    يهبُنا البُوذا هنا، كما وهبنا المتصوف المسيحي-الغُنُوصي ماستر إيكهارت لاحقاً في القرون الوسطى الأوربيّة، حكمةً قائمةً على أسِّ المشروعِ الإنسانيِّ الوجوديِّ الأخلاقيِّ والرّوحانيِّ الفرديِّ. وذلكُم، في حِدْسِي ورُؤياي، هو ذاتُ ما تنطوي عليه الرؤيا الجّذريَّة والكينُونيَّة العميقة للعلمانيّة الإنسانيَّة، كمشروع وجودٍ، ومشرُوعِ حياة. ومما لا يحتاجُ إلى تفصيلٍ هنا هو أنَّ هنالك أيَضاً مستويات مشهودة من مثل ذاك التّديّن الذي تحسّسنا باطن رؤياه وجذرها أعلاه في الإرث اليهودي والإسلامي الصّوفي-الغنوصي-الباطني كذلك مُوكَّدٌ ومُستبطنٌ فيها، كتحتانيّةٍ أصلانِيَّةٍ وقبل-عقلانيّةٍ، ذاك الجّذرِ العينيِّ الشّخصيِّ للعلمانيّةِ كفلسفةِ كينُونةٍ ووجُودٍ؛ ذلكم الجّذرُ الذي، فيما سبقَ من هذا "الكلام" أو هذي "الكِتَابَة"، قد وصَفتُهُ (فينومولوجيّاً) بأنَّهُ مُتّصلٌ بجذرِ الإنسان في الإنسان الذي هو- أساساً- الشّعور والتحسسات الغريزيّة-العاطفيّةِ الخالقةَ له- كصوتٍ وهيئةٍ نفسيرُوحيّةٍ- منذ بدئه بل وما قبل بدئهِ في تناسُخِهِ الزّمكانيِّ الحاليِّ. وقد نستشهدُ- عابراً- هنا، فيما يخصٌّ التّديّن العِرفاني والتجريبيِّ-الصُّوفيِّ الإسلامي، بأبيات الشيخ الأكبر مُحيي الدّين ابن عربي الشّعريّة الشّهيرة، في مؤلّفِهِ تُرجُمان الأشواق، التي يتناغمُ فيها وصوتُ قلبه الإنسانيِّ (أي جذره الإنسانيِّ العينيِّ الشَّخصيِّ) فيجعلُ من نَفْسِهِ/رُوحِهِ، بحريَّةِ ضميرٍ مطلقةٍ ومنفتحة (وحرية الضمير المطلقة والمُنفتحة على الإختبار والتجريب العيني الشخصي هي، في شوفي، قائمةً عِنْدَ أسِّ وجذر أيِّ علمانيّةٍ حقيقيّةَ الإنسانيّةِ والسَّماح)، قابلاً لكُلِّ صُورة: مرعى لغزلانٍ؛ دير لرهبانٍ؛ بيتٌ لأوثانٍ؛ كَعْبَةُ طائفٍ؛ ألواح توراةٍ؛ مصحف قُرآنِ:-

    كــنـــت قـــبـــل اليـــوم أنـــكــــــــر صــاحبــي إذا لــم يــكــن ديــنـــه إلــى ديــــنـــي دانِ
    لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــــــانِ
    وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
    أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَانـــــي

    تُلاقِيْنَا، أو تُلافِيْنَا فيما يتبدَّى، الخُلاصةِ الخارجة من سُؤالِ هذه النّاصيةِ من البحث (أي سُؤَالُ أيُّ تَدَيُّن؟!) بأنَّ الذي هو تجربة يقظة الشّعُور الكينوني بطبيعةِ، وبـ"وجه"، العالم الأصليّين عِنْدَ البُوذيّة، مُجْمَلاً، وفي البُوذيّة الزّينيَّةِ Zen Buddhism، تَعيِيْنَاً، (بكُلِّ التَّوصيفاتِ الفينومينولوجيّة لتِلكَ التَّجربَةِ للـ"التَّفارق detachment" وللكينُونة الخلائيَّة الفسيحة The Void)، وأنَّ الذي هُوَ دينُ مُحيي الدّين بن عربي، الحُبُّ، ليس ببعيدينَ (بمعنى التّآخِي النّفسيرُوحيِّ المُوازي أكثرَ منهُ بمعنى التّطابُق correspondence أو التَّهاوي [من "هويّة"] المكرُور)، مع وضعِ التّأويلاتِ العينيّةِ المُختلفةِ بحُكمِ تلوّناتِ التّاريخِ والجّغرافيا والقوميّة والهويّة والنّفَس في كُلِّ حالةٍ وانميازٍ في موضعِ شَوفِ المعنى والجَّمال الخاص بها، عن دين، أو، على الأدقِّ والأَرَقِّ مَعَاً، تَدَيُّن، ماستر إيكهارت الذي قال ماستر إيكهارت، بشأنِهِ، تلكَ الجُّمْلَةَ المركزيّة والأساسيَّة الآنفةَ الذّكر والمُوكِّدَةَ- من جِهَةِ اختبارها الوجُوديِّ المُباشرِ للبُعدِ التّرانسيندينتاليِّ ("المُتَعَالْ") للكينُونة الذي نَشَدَ كارل ياسبرز Karl Jaspers، في نَهْجِ الفلسفةِ، اللُّغَةَ بأن تكونَ شفرته آنما باح هُناكَ بأنَّ اللُّغَةَ هي شَفرةِ العِلُوِّ الكامنِ في الوعيِ الوجُودي، أُنْظُر: - أنّنِي، أنا الإنسان، إن " ألجُ القاعدةَ، الجَّذرَ/القاع، النّهر، التيَّارَ ومنبعَ الألوهة لا يسألُني أحدٌ ["هُنَاكَ"] عمَّا من أينَ جئتُ أو عمَّا حيثُ كُنتُ. لا أحدٌ يفتقِدُنِي هُناك فهُناكَ الإلهُ نفسُهُ يختفي!"* (إيكهارت، 1956، صفحة 182- منتخبات من كتاباته انتقاها ج. م. كلارك- أدنبرة: نيلسون آند سونسEckhart, M., 1956: Meister Eckhart, selected by J. M. Clark, Edinburgh: Nelson and Sons.

    أمّا بَعْدِيَّة: نحو علمانيّةٍ إنسانيَّةٍ، ثُمَّ سُودانيَّةٍ، جديدةٍ و/أو مُتجَدِّدَة:

    أظُنُّ أن قصيدتي المُسمّاة أشواق الصّوفيِّ-الوثنيِّ، القائمةَ في مسوّدة مجموعتي الشّعريّة الغير منشورةَ في كتابٍ مطبُوعٍ والموسُومَةَ بعنوانِ أشباح الرّؤيا الشِّعُوريَّة، يُمكن أن تُوَصِّفَ لنا، بالتّخييلِ العينيِّ الوجُوديِّ (أو، بعبارةِ أخرى، بواسطةِ حيلةِ تحسيس المَعقُولِ الشّعريّة)، خَطْفَةً وَامِضَةً من اللّوحةِ الجَّانبيَّةِ لجَذْرَ، ووجهَ، تلك "الأمَّا بعديّة" النّاشِدَةَ سيراً صيرُوريَّاً "نحو علمانيّةِ إنسانيّةٍ جديدةٍ و/أو مُتجَدِّدَةْ". أمَّا ما قد يَتَبَدَّى من حالِ إنزالُ ذلك التّوصيفَ عِنْدَ الأُفُقِ السّودانيِّ الكبير فقد تحدّثتْ عنهُ، فيما أظُنُّ، في العديدِ من قصائدي الشعريّة، لاسيّما العاميّات العربيّات-السّودانيّات منها ومنها، تمثيلاً، قصيدتِي المُسمّاة "محجوب الآخراني" المضمومةَ في مسودة مجموعتي الشعريّة المُسمَّاة باسم "قُول لَيَّا وَيْنْ مَارِقْ وِحَيْدَكْ؟!".

    القصيدتان


    أشواقُ الصُّوفيِّ – الوثنيِّ

    أُجبل من نارٍ تتلظّى
    في خشبِ الأيّامِ المألوفةَ
    أخلقُ من عصفورةِ ضوءٍ
    تتهادى في شرقِ الرؤيا
    تتشكَّلُ لوناً ربّانيَّ الزرقة
    كوناً، قرآناً ورسوماً وثنية
    أو أُجبلُ حزناً، شفقاً
    طَوَفانيّ الروح
    يمازجُهُ وردٌ نيرفانيٌّ
    يتفتّق في لحمي نُوّارةُ سحرٍ غسقي
    أتمازجُ حزناً لهبياً
    أو فرحاً عصفورياً
    لكن ..
    أتدحرج لا كي أسقط
    في هوَّةِ نهرٍ سفليٍّ
    يفجؤني في الذات بهاء أساهِ الشيطانيِّ
    بل كي أتمدد في خشبِ الأيّام المألوفةِ
    كي أتفسَّخَ في دُودةِ أيّامي المألوفة
    كي ..
    هل تحترقُ الأيّامُ المألوفةُ
    هل يتحوّلُ جسدي عضواً جنسيّاً
    فأُضاجعُ في حضنِ المرجِ، الموجِ
    بشهوةِ عشبٍ برِّيٍّ عسل اللَّذةِ
    هل تتوحّد بي سايكي *
    فأعود بشرقِ الرؤيا
    لوناً ربَّانيَّ الزرقةِ
    كوناً، قرآناً ورسوماً وثنية؟!

    31/12/1982

    * سايكي هي ابنة أحد حكام مدن الإغريق. و هي كانت، فيما تروي الأسطورة، ذات جمالٍ غريبٍ دفع سكان مملكة والدها لعبادتها وممارسة طقوس التقديس لها، متخلِّين بذلك عن عبادةِ "إفروديت"، إلهة الجمال عند الإغريق.. فحقدت عليها "إفروديت" وأمرت ابنها كيوبيد "إله الحب" بإيقاعها في غرامِ أحقرِ المخلوقاتِ كافَّةً. ولكن كيوبيد وقع، بدلاً عن ذلك، في حبِّها وأخفي ذلك عن والدته. ثمّ تزوجها على أنه "أحقر" المخلوقات كافّة ًولكنه اشترط عليها ألاّ ترى وجهه أبداً وإلاّ فهو هاجرها. ولكن أختيها الحاقدتين كادتا لها فنظرت وجهه فإذا هو كيوبيد الجميل ذاته. فهجرها كيوبيد وتاهت هي في البراري.. ثمّ أجرت لها "إفروديت" اختباراتَ عدّة "من منطلق الحقدِ" عندما أبدت لها رغبةً في عودةِ كيوبيد إليها. وقد انتهت كلُّ تلك الاختبارات بصبرِ سايكي على ما دُبِّرَ لها. وفي نهايةِ الأمرِ عفا عنها زيوس "كبير الآلهة" فشربت الشراب الإلهي و رُفعت إلى الأولمب فصارت إحدى الإلهات.


    محجُوب الآخْرَانِي*

    صَبْرَكْ ملامحُو بتَفْرُزَكْ
    من بين خلايِقْ مُتْرَفِيْنْ
    وطَنَكْ نِداهُو بْيَوْسِمَكْ
    بي وشْمُو خَتَّامْ الجَّبِيْنْ
    وانتَ المَدَايِنْ تَرْسُمَكْ
    سهرانْ على بَلَدَاً مُبِيْنْ
    ياتُو المنافِي بْتَقْرَعَكْ
    عن شَوْفَةَ الْوَعْدَ الْمَكِيْنْ
    هلا دِنْقَيْرَةْ صَلاتُمْ تَوْهِمَكْ
    والغُرّة أو شَامْةَ الجَّبِيْنْ؟
    أيُّ الدِّقُونْ بتْضَلِّلَكْ
    عن سِرَاطْ أَهَلَكْ ودِيْنْ
    سَوَّيْتُو نَفَّاجْ لي الحَضَارَه
    ولَي لِقَا الرُّوح والْقَرِيْنْ
    من تَالا أَقْوَامَاً نَصَارَى
    وخِيَّانُمْ الدَّيْكْ مُتْلَفِّعِيْنْ
    بسَمَاحَةَ الْحُبْ مُسْلِمِيْنْ
    ثُمَّ الّذِيْنَ بوَجْدِهِمْ
    سِرْبَالُمْ الأرْضَ الأُلُوْهَهْ
    بالْعُشْبِ آمَنُوا والحَنِيْنْ
    لَيْ رَوْضَةَ الأبَنَوْسْ بتَلْمَعْ
    بَيْ برُوقْ سَارْيَه وعِيُونْ
    لَيْ دَيْلْ ودَيْلَكْ
    يا مِحَيْجِيْبْنَا الشَّرِيْفْ
    كُتَّ مَشْمُولْ بَيْ عَنَاكَا
    ولابْسُوْ كَنْقَوْلِيْ وْعَمَايِمْ
    عَرَّاقِيْ بَرْضُو ولاوَوْ زَيْنْ
    إلا اليَقِيْنْ
    خَلاكَ أيضَاً
    حسْ مَطَمَّنْ
    بَيْ بيُوتْ نَاسْنَا وأَرِضْنَا،
    انْسَانَا سَقَّايَ الاغَانِي
    وتُرْبَتُو تذَّارِفْ لِحُونْ
    صبْرَكْ ملامْحُوْ بْتَفْرُزَكْ
    من بينْ خَلايِقْ مُتْرَفِيْنْ
    وَطَنَكْ نِدَاهُو بْيَوْسِمَكْ
    بَيْ وَشَمُو خَتَّامَ الجَّبِيْنْ
    واتّّ الْمَدَايِنْ تَرْسُمَكْ
    سهرانْ على بَلَدَاً مُبِيْنْ

    السبت 1 مايُّو 2004، ثُمَّ
    الأربِعاء 5 مايُّو 2004.

    * هو شاعرُ الشَّعبْ محجُوب شَرِيْفْ. وتِلْكَ " الآخْرَانِيْ " فَارِزَةً لهُ من محجُوب سراج، ذلك الرّومانسيُّ الغَرْقَانْ الذي " لافَيتُهُ " بقصيدةٍ أُخْرَىْ في تِلْكَ المجمُوعة.

    أشواقُ الصُّوفيِّ-الوثني؛ من جهةِ نظرةِ عينِ الطّائر:-

    في أشواقُ الصُّوفيِّ-الوثني تنتسخُ رؤيا كونيّة قاعديّة تُؤهّلُ الإنسانَ للإختبارِ الوجوديِّ والمَعاشيِّ لذاتٍ على مَسْعَى نُشدانِ تحقيقٍ ذاتيٍّ-إنسانيٍّ لها على مستوياتٍ وجوديّة منفتحة على اختلافٍ متعدّدَ الأصلِ الكينونيِّ بكُلِّ مُشْتَمَلِ ألوانِ شعوراته وتحقّقاتهِ الوجديَّةِ، كما وتمثّلاتِهِ الفكريّةِ/الفلسفيّةِ المُتَقَمِّصَة والمُسمّية له من عِدّةِ أوجهِ ومَحلاتِ تصوُّرٍ وتخييلٍ وتدرّجاتٍ مُمْكِنَةَ التّقمُّص والتّسمية ففيها الكائنُ الإنسانيٌّ، الشّاعرُ الشخصيُّ-الإعترافيُّ، المُتحدّث بلسانِ انميازهِ الفرديِّ العينيِّ غير القابلَ للإستبدال والإحلال (فيما يقبلُ- قطعاً- التآخي والتّوازي، بل والتّهاوي/التّماهي، معه (أو ضده أو إزاءهُ) من قبل أفرادٍ آخرين موازينَ له في ذاتِ ذاك الإنمياز)، يُحايِثُنَا (نفسيّاً ورُوحيّاً وتخييليَّاً) مُباشَرَةً بما قد يُحْدَسُ/يُبْصَرُ، عِنْدَ البُوذيِّينَ الزَّينيّينَ Zen Buddhists خصُوصَاً، على أنَّهُ صُورةُ وجهه الأوّلِ الأصليِّ**آنَ ما يتقمَّصُهُ ("يَتَشَجَّرُهُ") حالُ القصيدةِ فينفكُّ- بقدرِ المُتاحِ لهُ آنيَّاً من المِزَاجِ واللّغةِ والصُّورة- كاتبَاً:-

    أُجْبَلُ من نارٍ تتلظّى
    في خشبِ الأيّامِ المألوفةَ
    أخلقُ من عصفورةِ ضوءٍ
    تتهادى في شرقِ الرؤيا
    تتشكَّلُ لوناً ربّانيَّ الزرقة
    كوناً، قرآناً ورسوماً وثنية

    قد وَصَفْتُ ألوانَ الشِّعُوراتِ والتَّحقُّقَاتِ والتَّمَثُّلاتِ تِلْكَ بأنّها ليست مُطلقةً من عِنْدَ إمكانِ التَّقَمُّصِ والتَّسْمِيَة وإنّما هي مُقيَّدةً، كينُونِيَّاً، بنسبيَّةِ "عِدّةِ أوجهِ ومَحلاتِ تصوُّرٍ وتخييلٍ وتدرّجاتٍ مُمْكِنَةَ التّقمُّص والتّسمية". ذلكم لأنَّ هُنالكَ، في الوجود والفعل الإنساني الحي، ثَمَةُ، كما تُوكّدُ تجريبيّاً و"فنِّيَّاً"، أي شِعريّاً وتَخييليَّاً، قصة قصيرة-كتابة لي تحتَ مُسَمَّى شهوةٌ في زمن الحُرقة الخفيفة- مسودة مجموعة كيفَ أنامُ وفي دمِي هذي العقارب؟!، تجاربٍ في الشِّعورِ والتَّحايُثِ النّفسِيْرُوحِيِّ مع كينوناتِ ووجوداتِ أشياء وأحياء الكون، ومن ثَمَّ الدُّنيا أو العالم، المُختلفة "تنِدُّ بطبيعتها عن الإنسجانِ في صيغتنا اللغويّة، أو حتّى التّصوّريّة، وربّما الشِّعوريّة؟!"

    صلةُ تلك الرّؤيا بالعلمانيّة الإنسانيّة، التي هي مركزُ ولُبُّ تَوَجُّهِ جِمَاعِ هذا النَّسْجِ الكَلامِيِّ الحاليِّ، قائمةً في أنَّهَا، ببساطةٍ، تصبغُ الإنسان، كينونيّاً وأولاً وآخراً، بصبغةِ خبرتِهِ العينيّةِ الدُّنيُويَّةِ الأولانيّة أنّى كانت هيئةُ توجُهها منهُ وإليه ففيها يتحقُّقُ، ببساطةٍ كذلكَ، جوهر رؤيا جُملة ماستر إيكهارت تِلْكَ ("عندما ألجُ القاعدةَ، الجَّذرَ/القاع، النّهر، التيَّارَ ومنبعَ الألوهة لا يسألُني أحدٌ عمَّا من أينَ جئتُ أو عمَّا حيثُ كُنتُ. لا أحدٌ يفتقِدُنِي هُناك فهُناكَ الإلهُ نفسُهُ يختفي!") بِكُلِّ انفغامِهِ، وانفعامِهِ (إن تَكُن هنالك كلمةٌ، في العربيّةِ، كتِلْكْ!) بالإنسان المُتحقّقِ، في أعلى تجليّاتِهِ، في تَديُّنِه وبالتَّدَيُّنِ المُتحقِّقِ، في أعلى تجلّيَاتِهِ كذلكَ، في إِنْسَانِهِ. فما عليَّ، وعلينَا، من بعدِ ذلكَ، من قولٍ سوى ذاتِ جُواءِ الصَّمْتِ نَفْسِهِ والتَّغَوُّرْ!

    محجوب الآخراني؛ من جِهةِ نَظْرَةِ العينِ الأرضِيَّةِ السُّودانيَّة:-

    في محجوب الآخراني، بمُنتهى مآل الشّوف العميق المُمكن، مانفستُو رؤيوي علماني إنساني أرضي مُتكامِل التّصوّر الفلسفي والمعاشي الوجودي، مع توكيدِهِ على التّديّن التّعدّدي المُنفتح على رُوحانيّاتٍ، على تَديُّناتٍ، بشريّةٍ أصليّةٍ مُوصِلَةً لكُلِّ فردٍ إنسانيٍّ مَعْنِيٍّ، في ذاتِهِ وعَبْرَ تداخلِ ذاتِهِ مع هِباتِ المجتمع والحضارة (الثقافة والمَدَنِيَّة) التي يُجذّرُ- بدءاً- في شَبَكَةِ الـ"نَحْنُ التَّشارُكَ- ذواتِيَّة" [أو ما يدعوه الفيلسوف الوجودي الفرنسي قابريل مارسل في مُجْمَلِ رؤياه الفلسفيّة باسم الـ"we subject" أو الـ we-are] الخاصّة بها، بِغيبِهِ الضروريِّ الخاصِّ به أو، في كلامٍ آخرٍ، بأُلوهتِهِ الضّرُوريّةِ الخاصّةِ به على الصّورةِ الوجُوديّةِ التّلقائيّةِ والعينيّةِ التي تَقْبِضُ بها، شعوريّاً و"لا شعوريّاً"- وجديّاً وفِكرانيّاً، كُلانيّتُهُ جوهرَ تَجَسّدِ ذاكَ الغيب؛ جَوهرَ تَجَسُّدِ تِلْكَ الأُلُوهَة.

    عِنْدَ تنزيلِ هذا المانفستُو الرّؤيوي المُكَبْسَلَ تَصوُّرُهُ وتخييلُهُ آنفَاً على أرضِ أصواتِ وأفعالِ النّاس المُسمّيينَ، لقِصْرِ في أصلِ اللّغة والتّعبير وليس لأيِّ عِلّةٍ جذريّةٍ أخرى، "حقيقيّين" بمعني كونِهم "يَومِيّين"، تلفاهُ مُخيَّلاً، في محجوب الآخراني، بعاميّةٍ غنائيّةٍ سُودانيّةٍ-عَرَبِيَّةٍ كثيفةٍ وكفؤةَ الصُّورةِ بما يُكفِي (بمُوجبِ حسنِ ظنّيَ بـ، وتقديريَ الضّرُوريِّ لـ، شعري وكتابتي على الأقل!). إقرؤُوا:-

    أيُّ الدِّقُونْ بتْضَلِّلَكْ
    عن سِرَاطْ أَهَلَكْ ودِيْنْ
    سَوَّيْتُو نَفَّاجْ لي الحَضَارَه
    ولَي لِقَا الرُّوح والْقَرِيْنْ
    من تَالا أَقْوَامَاً نَصَارَى
    وخِيَّانُمْ الدَّيْكْ مُتْلَفِّعِيْنْ
    بسَمَاحَةَ الْحُبْ مُسْلِمِيْنْ
    ثُمَّ الّذِيْنَ بوَجْدِهِمْ
    سِرْبَالُمْ الأرْضَ الأُلُوْهَهْ
    بالْعُشْبِ آمَنُوا والحَنِيْنْ
    لَيْ رَوْضَةَ الأبَنَوْسْ بتَلْمَعْ
    بَيْ برُوقْ سَارْيَه وعِيُونْ
    لَيْ دَيْلْ ودَيْلَكْ
    يا مِحَيْجِيْبْنَا الشَّرِيْفْ
    كُتَّ مَشْمُولْ بَيْ عَنَاكَا
    ولابْسُوْ كَنْقَوْلِيْ وْعَمَايِمْ
    عَرَّاقِيْ بَرْضُو ولاوَوْ زَيْنْ
    إلا اليَقِيْنْ
    خَلاكَ أيضَاً
    حسْ مَطَمَّنْ
    بَيْ بيُوتْ نَاسْنَا وأَرِضْنَا،
    انْسَانَا سَقَّايَ الاغَانِي
    وتُرْبَتُو تذَّارِفْ لِحُونْ

    أليسَ في هذا النَّسْجِ تعيُّنَاً حيّاً وبسيطَاً وغنيّاً وعميقاً، في ذاتِ الآنِ، لما ألقيناهُ، في أول هذه الكتابةِ، من تعريفٍ قاموسيٍّ وأكاديميٍّ نثريٍّ عامٍ جدّاً ومعهُودَ الموضُوعيّةِ للعلمانيّةِ، عموماً، ثُمَّ لمَّا سَوَّيْنَاهُ، من بعدِ وفي باطنِ ذاتِ الكِتابةِ، من تفكّراتِ واستبصاراتٍ باسمِ، ووسمِ، العلمانيّةِ الإنسانيّةِ، تعيينَاً؟! خَلُّوا، في آخرِ هذا المَوقفِ النّقديِّ الشّخصيِّ من شِعْرِيَ الشَّخصيِّ (نعم، شِعريَ الشّخصِي!)، بينِي وبينَ تَسَاقُطِ هذا الكلام، وهذه الكتابةِ، إذاَ!

    أمّا بَعْدِيَّة: نحو علمانيّةٍ إنسانيَّةٍ، ثُمَّ سُودانيَّةٍ، جديدةٍ و/أو مُتجَدِّدَة:

    من القراءة الثانية البصيرة، أو التأمل الثاني البصير (بالمعنى الذي يتقوَّمُ عليه جذر تفلسُفِ الفِرنسيِّ قابرييل مارسل Gabriel Marcel الخِبْرَوِيِّ-العينيِّ-الوجُودِيِّ الموسُومةَ بهِ كثيرٌ من كتاباته لا سيّما "اليوميّات الميتافيزيقيّة")، في جُملةِ ما سُلكَ أعلاه من سيرورةِ فكريّاتٍ وخواطر وتوصيفاتٍ شعوريّةٍ، بدءاً من أوّلِ سبيله اللّولبيِّ وخَتْمَاً بالقصيدتين المُكَبْسِلَتَيْنَ لحساسيّة العلمانية الإنسانيّة الجديدة، كونيّاً أولاً (في أشواقِ الصّوفيِّ-الوثنيِّ)، ثّمَّ سُودانيّاً ثانياً (في محجوب الآخراني)، يأملُ هذا البيانُ أن تَنْوَسِمَ، وِفْقَهُ، فينا، من جهةِ النّفسِ والخيالِ والرّوحِ، سبيكةُ المعاني البليغة (والبلاغة هي الإيجاز مع الإصابة) التاليةِ بوصفِها الجّذور الكينُونيّة والوجوديّة الأساسيّة لتلكَ العلمانيّةِ الإنسانيّةِ و"الما بعديَّة":

    1. العلمانيّون هُم، في الجّذر الكينوني والوجودي ومن ثمَّ التّاريخي، "جِماعَ أفراد من النّاس ليس لهم أن يكفُّوا أبداً، في الشِّعورِ والفعل المباشرين تماماً كما وفي الشعور والفعل غير المُباشرين، عن الإهابة الصَّادقةِ، والضَّروريَّةِ، بكافَّة أفراد بناتِ، وبني، الإنسان بأن يُعْمِلُوا حساسيَّتَهُم وفكرهم النَّقديَّين الحُرَّين في كُلِّ ما قد يستبطنُونَهُ في شعورهم ووعيهم (في تجاربهم الحارقة، وغير الحارقة، الشّخصيّة والإنسانيَّة) من وضعيّاتِ العالم المحيطِ بهم الإجتماعيّةَ والسّياسيّةَ والثَّقافيَّةَ والرُّوحيَّة".
    2. "العلمانيَّة، كمنهجِ وقانون حكمٍ دستوريٍّ، ليست، أبداً، مُناقضةً للتَّديّن وإنّما هي، على الأدق، ليست لها صلة بالتديُّن. وذلك بمعنى أنَّه يُمكن للمرءِ أن يصبح علمانيَّاً بشأن منهج ودستور الحكم السياسي في دولةٍ ما أو أخرى بذات القدرِ، وفي ذاتِ الزَّمانِ والمكانِ، الذي يمكن أن يغدو، بهم أو وفقهم، إنساناً عميقاً وأصيلاً في تديُّنه، فالشيئان، قطعاً، لا يستبعِدُ أحدهُمَا الآخر".
    3. وذلكم يستدعى توصيفاً عُمقيّاً، أي عمُوديّاً، وإن بِمُقْتَضَى إيجاز "الخَتْمَةِ/القَفْلَةِ" الرّاهنةِ أو الآنيّةِ الحاليّة، لهيئة التديّن الذي قائمةً، في جذره وأصله، العلمانيّة أو، بمعنىً دقيق، العلمانيّة الإنسانيَّة التي لَهَجْتُ بذكرها، بسفُورٍ أو بإضمارٍ، في ثنايا شَتّى الفواصل التأمليّة المنطوي عليها هذا المقال وسؤاله الكينوني-الوجودي الأساسي:- "هل العلمانيّة مُناقضة للتّديُّنْ؟". أقُولُ، بالجُّمْلَةِ-الشّجَرَةِ التّامَّةِ، أنَّ التّديّن إياهُ مركوزٌ، بتَكثِيْفٍ وبما يُكْفِي من الإغْنَاء، كينُونيّاً ومعاشيّاً كما و"مَعَادِيَّاً"، في ما أشعرناهُ، أو أنزلناهُ، أعلاه، في نَسْجٍ كان، بضُرورةِ المُتاحِ ممّا قد يُكفِي من مِزاجِنَا النفسيرُوحيِّ، أو الـ psychospiritual، الحاليِّ، فلسفيشِعْرِيَّاً poe-philosophic، عن مايستر إيكهارت:- ("عندما ألجُ القاعدةَ، الجَّذرَ/القاع، النّهر، التيَّارَ ومنبعَ الألوهة لا يسألُني أحدٌ عمَّا من أينَ جئتُ أو عمَّا حيثُ كُنتُ. لا أحدٌ يفتقِدُنِي هُناك فهُناكَ الإلهُ نفسُهُ يختفي!")؛ عن قواتاما سدهارثا- بُوذَا:- "إسعْ- بِنَفْسِكَ- على سبيلِ خلاصكِ الخاصِّ بكلِّ مُثَابرة work for your own salvation with diligence"؛ وعن مُحيي الدين ابن عربي:
    لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــــــانِ
    وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
    أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَانـــــي
    4. أظُنُّ أن قصيدتي المُسمّاة أشواق الصّوفيِّ-الوثنيِّ، القائمةَ في مسوّدة مجموعتي الشّعريّة الغير منشورةَ في كتابٍ مطبُوعٍ والموسُومَةَ بعنوانِ أشباح الرّؤيا الشِّعُوريَّة، يُمكن أن تُوَصِّفَ لنا، بالتّخييلِ العينيِّ الوجُوديِّ (أو، بعبارةِ أخرى، بواسطةِ حيلةِ تحسيس المَعقُولِ الشّعريّة)، خَطْفَةً وَامِضَةً من اللّوحةِ الجَّانبيَّةِ لجَذْرَ، ووجهَ، تلك "الأمَّا بعديّة" النّاشِدَةَ سيراً صيرُوريَّاً "نحو علمانيّةِ إنسانيّةٍ جديدةٍ و/أو مُتجَدِّدَةْ". أمَّا ما قد يَتَبَدَّى من حالِ إنزالُ ذلك التّوصيفَ عِنْدَ الأُفُقِ السّودانيِّ الكبير فقد تحدّثتْ عنهُ، فيما أظُنُّ، في العديدِ من قصائدي الشعريّة، لاسيّما العاميّات العربيّات-السّودانيّات منها ومنها، تمثيلاً، قصيدتِي المُسمّاة "محجوب الآخراني" المضمومةَ في مسودة مجموعتي الشعريّة المُسمَّاة باسم "قُول لَيَّا وَيْنْ مَارِقْ وِحَيْدَكْ؟!".



    إبراهيم جعفر
    لندن، خريف 2011م؛ شتاء 2011م-2012م

    * نصَّ المقتبس، باللُّغَةِ الإنجليزيَّة:-
    “When I enter the ground, the bottom, the stream and the source of Godhead, no one asks me where I came from or where I have been. No one missed me there, for there even God disappears”.
    ** أنظر:
    THE WAY OF ZEN, Alan, W. Watts, Arkana Peguin Books, London, 1990, especially its Chapter which is entitled as: ZEN IN THE ARTS. Also all of the insightful writings of the late Alan Watts (1938-1973) reflect such a distinguished understanding of Zen.
    سبيلُ بوذية الزَّين، ألان و. واتس، أركانا بنجوين بوكس، لندن، 1990، خصوصاً فصله الخاص بعلاقة بوذية الزين بالفنون. أيضاً جماع كتابات واستبصارات الراحل ألان وات (1938-1973) تعكس ذاك "الفهم" المُنماز لبوذية الزَّين.
























    South Sudan and Chinese imperialism By: Sirir Gabriel Yiei Rut

    Is 30, June,1989, the last coup in Sudan? by Muhyi Eldeen Homeida


    A look into Sudan's futile presidential initiative in the making

    The Dirty Hand of Qatar in Sudan’s Conflicts


    Beyond Conflict in South Sudan by Dr. Ahmed Hamoda H. Fadlalla

    What is the Goal and Objective for Sudaneseonline.com?


    Forgery in Sudan Identity! ! ! ? ? ?


    The travesty of the IGAD peace process for South Sudan By Amir Idris


    A journalist tell the tale of Sudanese with the 23rd, July revolution

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

01-30-2015, 06:55 PM

محمد صهيبة


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: هل العَلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟ قامُوسيّاً وأكاديميّاً: ما العلمانيّة؟ بقلم إبراه (Re: إبراهيم جعفر)

    شكرا
    الحل فى مشكلة السودان هو العلمانية
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

01-30-2015, 10:40 PM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 02-04-2002
مجموع المشاركات: 19156

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: هل العَلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟ قامُوسيّاً وأكاديميّاً: ما العلمانيّة؟ بقلم إبراه (Re: محمد صهيبة)
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

01-31-2015, 04:07 AM

عبد الكريم موسى


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
Re: هل العَلمانيَّة مُناقضة للتَّديُّن؟ قامُوسيّاً وأكاديميّاً: ما العلمانيّة؟ بقلم إبراه (Re: بكرى ابوبكر)



    العلمانية هي النتانة المستحيلة التي لن تكون يوماَ في السودان ، والذي يحلم بذلك قد يطول حلمه لمليون عاماَ ، فليحلم الجاهل كما يشاء ، والحياة في ظلال الإلحاد أفضل منها الحروب حتى قيام الساعة ، وتلك شيمة السودانيين منذ أن قالوا كلمة ( لا إله إلا الله وأن محمداَ رسول الله ) ، وذلك الأب حين أطلق الاسم ( محمد ) كان يرجو أن يحمل الابن اسم أفضل الأنبياء !! ، ولكنه أخطأ الخيار والاختيار لإنسان لا يستحق أن يحمل ذلك الاسم الشريف لأعظم رسول يمثل خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وسلم ) !! ، ونحن نعذر ذلك الأب الذي كان يحلم عند التسمية وهو يرجو أن ينشأ الابن صالحاَ ، ولكن تلك مشيئة الأقدار حين ينادي الابن بالعلمانية بدل الإسلام .. وذاك فساد يتواجد في بعض الأبناء رغم أمنيات الآباء .

    وقصة نـوح عليــه السلام مع ابنه تتناول نفس نوايا الأب الصالح مع ذلك الابن الطالح ..
    ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( 45 ) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) ) ونسأل الله أن ينجي المسلمين من بوائق العمل الغير صالح .

    .
    .
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de