إختلال التوازن السياسي المزمن وفشل المشروع القومي في السودان طريق القبائل العربية في دارفور وكردف

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل معاوية التوم محمد طه فى رحمه الله
الاستاذ معاوية التوم في ذمة الله
رابطة الاعلاميين بالسعودية تحتسب الاعلامي معاوية التوم محمد طه
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-12-2018, 07:45 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
30-05-2014, 01:33 PM

د.ابراهيم مخير


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


إختلال التوازن السياسي المزمن وفشل المشروع القومي في السودان طريق القبائل العربية في دارفور وكردف


    طريق القبائل العربية في دارفور وكردفان


    د.ابراهيم مخير
    لندن 27 مايو 2014




    إن من يستمع للسيد ياسر عرمان قبل عدة ايام – له هنا التحيات الخالصة – والمذيعة الانيقة من قناة الفرنسية تسأله ودفاعه المستميت عن القضايا المرتكزة حول جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور والمعاناة التي يمرّ بها أولئك السودانيين ، يدرك بكل سهولة أن ياسر عرمان خاصة بعد استنتاجه الاخير في مونتريال حول "الجنوب السياسي" في الشمال ، والمتضمن للقارئ الإصرار علي الذهاب نحو نفس الاتجاه الذي أدي الي تقسيم السودان قبل سنين ومأساته الحالية علي الرغم من إعتراف ياسر عرمان الصنديد بخطأ ذلك ، يدرك أن عرمان أصبح بصورة متزايدة محاصراً في الوعي الشخصي حول الاصرار علي الهوية الافريقية للسودان دون العربية مثلاً أو الاسلامية خاصةً ، وان المسألة الافريقية انتقلت من خانة التكتيك لتصبح استراتيجية سياسية لا فكاك منها.

    ويصحب السيد عرمان في ذلك الحصار التكتل السياسي المسلح الذي تقوده كاودا ، والتي يعاونها السيد ياسر عرمان بما لديه من تاريخ نضالي ممعن في المعارضة وعلاقات دولية ثرة ، حيث هي نفسها - كاودا - أصيحت أسيرة للشعارات الي رفعتها عندما قام قادتها بثورتهم ضد المركز السياسي للبلاد والتي تخلط بين جغرافية المكان وثقافة الانسان ، علي الاقل في الوعي السوداني المحلي ، كما من السهل للمراقب عن البعد ادراك أن هذا التحالف هو من يمثل المعارضة السياسية منفرداً اليوم بأريحية علي الساحة الدولية سمحت له بتشكيل الوعي السياسي العالمي بصورة خاطئة للأسف حول السودان ويعمل للمستقبل - بقوة دفعها علي الاقل - في التجهيز لقيادة هذه البلاد تحت تنظيم أكثر ترهلاً الا وهو الجبهة الثورية " القومية ".

    والجبهة الثورية ، التي تمني لها الكثيرون أن تمثل السودانيين قومياً ، لم تستقبل بحماس كبير بالفعل دولياً بعد أن فقد النضال هويته - في نظرهم. إذ لم تحصل بصورة أوتوماتكياً علي تأييد الناشطين الدوليين المتوقع ولم يتحمسوا لها بعد أن خسّر التجمع تفرده الافريقي في إتجاهه نحو القومية ، أما محلياً ، وبإعتبار أن احزاب المعارضة التقليدية الطائفية منها والتقدمية لم تنضم لها عملياً الي اليوم وكذلك مجموعات القبائل العربية في السودان الغربي ، فما تزال الجبهة الثورية تبحث عن دوراً جماهيرياً لها لا تجده بسهولة ، فهي اليوم تحتاج بلا شك الي شئ ما يعيد لها بريقها يوم مولدها وإستمراريتها المطلوبة لتغيير النظام اذ ترتفع اصوات من داخلها بالتخلص منها أو علي الاقل تطويرها.

    وعلي الرغم من إنضمام أفراد من أبناء القبائل العربية من دارفور وكردفان أو شرق السودان ووسطه للجبهة الثورية وكذا مجموعات مختلفة قد لا ترقي الي مستوي الاحزاب ، برغم ما لنا من مآخذ علي الاحزاب التقليدية القائمة ، الا انهم اعتبروا منشقين أو متحدّيين او متنكرين للتركيبة الثقافية الإثنية الواقعية للسودان في وعي المواطن العادي أو ممثلين للسياسة الانتهازية الميكافيلية معتمدين علي البعد القومي الذي يهدونه لهذا التجمع كبضاعة غير رخيصة بلا شك . والظاهر إن هذا التحالف الذي يتقوي دولياً بفكرة استقطابه لمجموعات أكثر أهمية من كونها سياسية ، أعني من النوبة في كردفان أو النوبيين في شمال السودان ، لم يجد في القومية شعاراً يستحق كثير عناء أو يحقق كبير مكسب إذ أن من الافضل لهم أن يظلوا علي إحتكارهم علي شعار أفريقية السودان المجزي والسعي في مواربة محلياً نحو السيطرة علي مستقبل السودان السلطوي .

    في المقابل ، هنالك تمثيل سياسي - عسكري مؤثر يعمل تحت غطاء الحكومة المركزية يعبر عن تحالف القبائل في وسط وشمال السودان - السودان النيلي ، والذين - شاء البعض أم أبي – يتركزون داخل المؤتمر الوطني بشدة ، لكن ذلك لا يعفي أحزاب المعارضة التقليدية أو الحديثة ، فحزب الامة مثلاً ، والذي فقد جاذبيته من المجموعتين الاثنيتين الاساسيتين في دارفور وكردفان – عرب وأفارقة - كما هو معروف ، أصبح يعتمد وبإستماتة علي الصوت الناخب من الجزيرة والنيل الابيض وجيوب قليلة في شمال السودان ، وكذلك أجرؤ أن اقول نفس الشئ عن الاتحادي الديمقراطي أم الشيوعيون والبعثيون وغيرهم من الاحزاب التقدمية الاخري فقد أصبح صوتهم القومي بلاشك مع مثقفيهم وقادتهم أنفسهم معزولاً تماما الا من وسط السودان في خضم التغييرات الحادثة في االاطراف .

    أما فيما يخصّ عرب دارفور وكردفان ، وبرغم انتشارهم في كل تلك المناطق جغرافياً والدوائر السياسية الا انهم ما يزالون بعيدين عن تمثيل قضاياهم المحلية - بكل أسف – إذ ما يزال معظمهم يتمسك بقومية الأمر والحلّ الاشمل ، انظر في اسباب وجود قواتهم في الخرطوم ، كما لم يفعل مثلاً أهل شرق السودان محلياً ولا دولياً ، أو ما لجأ اليه الجنوبيين من قبل ، اذ لم يتبني أي منهما قضية دارفور أو كردفان ولم نسمع ندائاتهم لحلا قومياً الا مرتبط بمصالح شخصية أو مكاسب جهوية أو دعاية سياسية لقضاياهم المحلية . وإن كنا لا نستطيع أن نتجاوز الانجاز الذي حققته جبهة شرق السودان ونجاحها في التصدي لقضاياها دولياً أو كذا أهل الجنوب بتحقيقهم " دولة" ، الا انهم بالفعل لم يستطيعوا ان يحققوا إختراقاً عملياً في القضايا القومية توفر لهم في اماكنهم الجغرافية راحة نهائية من هذه الفوضي ، مثلهم مثل الاخرين من السياسيين السودانيين الجهويين سوي في الحكومة أو المعارضة ، وعجزهم ذلك مرده ربما لأسباب عديدة تبدو للناظر بدون تدقيق أن أهمها الديكتاتورية – السدّ المنيعة ضد المشاركة "االديمقراطية" - الا ان حقيقة الاسباب وراء هذا العجّز مختلفة تماما عن ما قد يبدو بديهياً ، فالسودان وحتي في فترات الديمقراطية لم يتقدم قيد أنملة في الاتجاه الذي يتمناه له الجميع من تنمية ونهضة وسلام اذ كان الدولة مثلا في الديمقراطية تقتل مواطنيةا كما يقتلهم اليوم الديكتاتور بنفس الشراسة وكذا تعاني أطراف السودان من التهميش علي قدم المساواة مع ما هو حادث اليوم.

    الحقيقة الاخري التي يتجاهلها السياسيين السودانيين عمداً وعلي الجانبين ، والتي يشاهدها بوضوح اليوم المراقب عن قرب أن الناس غير متفائلين بأن المعارضة كما هي الحكومة علي أي شكل إستقرا سوف يحققا السلام ناهيك علي النهضة والرخاء ، سوي أن حسمّ الامر بالاتفاق " الحوار" أو البندقية ، فان المرتبط ذهنياً أن المجموعات التي تنادي بأفريقية السياسة السودانية وبالتالي الدولة والهوية ، ولو أنكرت ذلك صوتياً ، قد تلتزم بقوة الدفع بتطبيق النموذج الجنوب أفريقي علي السودان - والذي انتهي بخلق إقلية عرقية مضطهدة من البيض هنالك ، واختناق سياسي هنالك وفساد. ولعبت الحكومة بلا شك دوراً تضخيمياً لهذا الامر ، الا أنها في المقابل أكدت ، حتي للمعارضة ، دور القبائل النيلية المركزي في قيادة السودان والسيطرة علي ثرواته وأقداره ، وهو أمر لا يمكن حتي للمعارضة المركزية تجاهله في تعاقدها علي اي صفقة سياسية. ثم هنالك احتمال أن يلتزم الطرفان بالتوجه الغربي المتضمن في الندائات المستمرة الاوربية والامريكية "بالحوار" والذي يهدف دون مواربة الي خلق افريقيتان احداهما كنائسية غنية في جنوب الصحراء لكنها منغمسة في العنف يقابلها شمالاً فقير منهك تحكمه العصابة المتطرفة الدولية ، وكلا الامران احلاهما مرّ كما هو واضح ومن ثمّ والي حين تقديم ضمانات عملية دون ذلك من الجانبين - الشمال "السياسي" والجنوب "السياسي" - تبقي الجبهة الافريقية هي بالذات بالتضامن مع المجموعات الاخري او بالاتفاق معها ، المرشحة دون الاخرين والمساندة دولياً وقارياً واقليمياً كي تحدد شكل السودان القادم لمصلحتها ، خاصة في مقابل الهوية العربية للسودان بعدما فقد الوطن العربي سطوته وهالته السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة - مصر وليبيا وقطر - إذ علي الرغم من بدأ العد التنازلي نحو انهيار الدولة السودانية لا تخطئه عين، ولكن ولأن كلا الاتجاهان في السودان عرقيان ، فإنه من الواضح عجز السياسة السودانية علي التخلص من مأساتها المزمنة - وبالتالي سقوط النظام نهائياً - اذ انها وفي أفضل الاحوال سوف تنتهي الي تبادل الادوار بلا نهاية.

    وبما أن القبائل العربية في غرب السودان ليسوا ممثلين سياسياً - لا محلياً ولا دولياً - اي ليس لهم تحالف سياسي - عسكري ، اذ يصرّ "الجنوب السياسي" علي تجاهلهم بحسب هويته الافريقية ، وما تراكم من أحقاد شخصية وقبلية ، كما يصرّ المؤتمر الوطني علي "تمثيلهم" بمعني حملّهم معه مطرقةً اينما ذهب مستغلاً بعض المنتفعين ، ويسّر ذلك من بالشاطئ الآخر ، وكون أن العرب لا يستطيعون ان يساهموا علي طاولة المفاوضات القادمة حول السودان علي قدم المساواة مع التحالفات السياسية العسكرية الاخري لهذا الإصرار من الجانبين في تحديد الشكل القانوني والسياسي والاقتصادي للسودان - وبعد أن تسقط شعارات العدل والمساواة وتذهب معها الدعوة للتنوع الي ادراج مكاتب الدولة - فإن استمراريتهم في القتال تبدو أمراً قدرياً بل ومنطقياً لا مفر منه ، حتي من بعد التخلص من عمر البشير وعصابته ، في سيناريو يشبه صراع الشيعة والسنة اليوم في العراق "الديمقراطي" . إذ لن يبقّ العرب بلا صوت ومن ثم بلا وجود ، بل هم عصابات مسلحة تجوب الفيافي ليس لها الا الموت في نظر السلطة الديمقراطية اذا ما انهار النظام الديكتاتوري اليوم. والحقيقة ان اي وضع قادم سوف يتمخض عن موقف لابد منه في الصراع حول المصالح الاقتصادية يخرجهم الي خانة المتمردين ليتبادلوا موقعهم مع المعارضة المسلحة " الافريقية" اليوم ضد الحكم "الديمقراطي" ويصبحوا مطاردين ومطلوبين دولياً "لجرائمهم" ضد الانسانية ليستباحوا تماماً لحين ان تتدخل المنظمات الدولية في صالحهم .

    والسيناريو الآخر أن يسعي العرب الي تنظيم أنفسهم سياسياً تحت مظلة "الدولة الجديدة" بعد أن يجابهون بالأهمال من جانبها ، حيث لم يساهموا في بناء قوانينها الأمنية والشرطية ولا أطرها السياسية والاقتصادية بل قاتلها أبنائهم بشراسة ، فيبتزون سياسياً وعاطفياً ، ويواجههون بالتهم التي يحضّر اليها اليوم في الملأ –الجنجويدية - والتي قد لا تثبت عملياً وقانونياً لكنها بالطبع سوف تؤخر مشاركتهم للسودانيين عموماً في ما قد تتيحه اي نهضة قادمة من رخاء ولسنين لا يعلم بها الا الله برغم ان الواقع يقول ان ثروات السودان الطبيعية وطاقاته البشرية أصبحت تتركز بمناطقهم بعد إنفصال الجنوبوحينها لا بديل عن قولة شمشون : علي وعلي أعدائي.

    إن السياسي الفطن والقومي يدرك بالفعل الحاجة الي خلق توازن في المعادلة السياسية السودانية منطلقاً من تقبل واقع ثقافي تكّون عبر رحلة صعبة لبلادنا في العصر الحديث إذ أن الواقع ( The pragmatic approach ) يقول ان العقل السوداني يدور حول أربع محاور سياسية مختلفة من التقبل ، والتفكير ، والتفاعل مع المجتمع والبيئة في السودان ، ولنقل تحكمه ثقافات أربع ، وليس اثنان كما عهدنا ان نسمع : معارضة وحكومة.

    هذه الثقافات شئنا أم أبينا أكدّها وبلّورها عجز الفكر السياسي السوداني عن التصدي لها كتحدي وطني من أجل تحقيق القومية السودانية منذ بدايات الاستقلال وساهم في ذلك بلا شك النشاط الدولي حول السودان - ديني سوي تبشيري أو دعوي أو اقتصادي - حيث أدي كل هذا الي تغوير الهوة بين هذه المجموعات كما أدي الفشل الاحق عند اندلاع المشكل السوداني دون إيجاد معادلة تشمل الجميع وتحقق في المحصلة سعادتهم معاً الي تقسيم السودان نفسيا ثم جغرافياً.

    وإن أكثر التبريرات منطقية لفشل المشاريع السياسية المختلفة السابقة في السودان منذ استقلاله أنما كان لأنها أتت ثمرةً من إنكار العقل الباطن للسياسي والمثقف السوداني للواقع العرقي والثقافي للسودان ، إذ لا يكفي ان تعترف الدولة بالتركيبة القبلية للبلاد بل كذا أن تعمل علي تنزيل هذا الامر سياسياً واقتصادياً في شكل افتراضات موضوعية علمية لحلّ المشاكل المختلفة التي تواجه مجتمعنا جراء هذا التنوع ، ونتيجة تجاهل ذلك ظاهرة نتائجها علي البيان في مسألة انفصال ثم إحتراق جنوب السودان التي تمثل إنعكاساً واقعياً لما يمكن أن ينتهي اليه أي مشروع تقدمي يعاني من هذا العجزّ والانكار لذاته .

    إن الحلول المطروحة دوماً ما إفترضت أن السودان دولة متجانسة بالفطرة أو عملت علي فرض ثقافة بعينها كقاسم مشترك أعظم ( الثقافة العربية الشامية - المصرية - السعودية ) أو فكر بذاته ( الاشتراكية أو الاسلاموية ) أو أن يفقد السودانيين هويتهم تجاه الافريقية ويمتصون داخل الجنوب " السياسي" لتتمحور حوله الشخصية السودانية . تلك المشاريع حجّرت علي الانسان في انحاء البلاد المختلفة أن يتناول ثقافته بحرية ومنعت تطوره الي الامام نحو القومية إذ اصتدمت بإختصار بالفرد والمجتمع المحلي ودفعت المواطن كي يتقوقع حول ثقافته بعد أن عجز المشروع السياسي علي تقديم واقع أفضل وحمايته من الاعتداء علي هويته ، وأدي ذلك في النتيجة للاحتقان السياسي الذي نشهدّ – والذي لا حاجة الي القاء اللوم علي أشخاص بعينهم أو أطماع محلية أو دولية بذاتها كي نفهم ان الحل يجب ان يكون سودانياً خالصاً منطلقاً من ما نعانيه ، وإن كان لا بأس ان نستعين بما للشعوب من خبرات لا أن نسلمهم مقاليد أمرنا وعقلنا ونصبح مغلوبيين علي أمرنا مسلوبي الارادة السياسية المجتمعية تماماً كما يحدث اليوم ومنذ فترة غير قصيرة .

    وبما ان الواقع يقول ان الصراع في السودان في أوجه في هذا الاتجاه فمن البديهي الاشارة الي أن هذه الثقافات المختلفة هي التي سوف تحسم هذا الصراع الي خير عبر الحوار في ما بينها وتتفق علي إطار ( دولة ) يحدد كيفية ( قانون ) للتعايش ومن المفترض أن يفتح حوار هذه المجموعات المنشود بالتالي الطريق الحقيقي نحو ازدهار الجميع في هذه المنطقة المسماة السودان عبر تنشيط المصالح التاريخية بينهم ، وهي مهمة أصيلة للسياسين السودانيين ، وإلا البديل صراع دائم وانحطاط متواصل ولن يجد أي منا سعادته في هذه البلاد .

    وبما أن الدولة السودانية ومنذ استقلالها كان يفترض ان تنتبه لعدم التجانس هذا وتعمل مستغلة امكانياتها الحديثة والمتقدمة علي المجتمع من خبرات علمية وتراكم راس المال المتوفر لديها ، فتشجع ما هو موجود اساساً من تعاملات اقتصادية ومجتمعية بينية ، لكنها كما يبدو وكحكومة شابة إفترضت ان الناس كلهم " سودانيين"وأهملنا جانب الفروقات العرقية والثقافية تماماً ، أو استحيينا منه ، فقررنا ان نغلق العقل الباطن ونرفض كل الظواهر الاخري والبراهين التي كانت تشير الي ذلك بوضوح علي اختلاف تجاربنا وإكتفينا بالامل "ويسهل خداع الشباب لأنهم يستعجلون الأمل" كما يقول أرسطو . والتاريخ كما نري اليوم يعيد نفسه بسخافة وقسوة في العقل السياسي الذي ينادي بالتغيير من أجل التغيير ، دافعاً إيانا الي دائرة شريرة أخري من الملل القاتل.

    كما التمسك بوجهة النظر الداعية الي أن ازمة الدولة السودانية تكمّن في من يمسكون بالدولة حرفياً ، تلك النظرة التي إفترضها سياسييونا منذ بدايات هذه الدولة الحديثة الممحونة عند الفشل المذري للتنمية في السودان ، والتي كانت محصلتها عدم الاستقرار السياسي متمثلاً في الانقلابات علي الديمقراطية والثورات علي الديكتاتورية والتي دفعت الي الفهم المنادي بالتركيز علي تغيير الاشخاص مركزياً ، ومثال علي ذلك ما حاق بالموظفين في كافة مفاصل الدولة تاريخية في التطور السياسي السوداني ما بعد الاستقلال مما ادي الي اهدار خبرات وثروات الخدمة المدنية ، فهنالك السودنة بعد الاستقلال والتطهير في اكتوبر والصالح العام في الإنقاذ - كإجتهادات مستميتة ومدمرة بغرض تغيير المستقبل ، وهي افتراضات ثبت لاحقاً أنها غير صحيحة ولم تحقق النهضة ولا أي من الاهداف الوطنية الاخري كالوحدة القطرية ، بل علي العكس تماماًنشرت الاحقاد ووجدت الفساد.

    والحقيقة أن الدولة السودانية كمّن عجّزها في أحتفاظها بهوية متفردة لا مشتركة ، فهي ما تزال منذ الاستقلال تتسأل : هل هي انجليزية مصرية أو هندية القوانين بينما تتجاهل ما تراكم لديها خبرات عميقة وتجارب ثرة من القوانين العملية التي تحققها الادارة الاهلية وكذا خبراتها في التعاملات المختلفة ، والتي تحتاج بالفعل الي التطوير لا التجاهل . كما أن تطور السؤال لاحقاً حول الهوية السودانية لم يخدم البلاد في شئ كما هو ظاهر للعيان ، اذ اصبحت بلادنا محصورة تئن بين حجري المشروع العروبي الاسلامي والافريقي بلادنا . وسوف يستمر السودانيين علي صراعهم المنهك ما داموا يتنكرون لواقعهم وأصولهم وفكرهم المختلف الاصيل وتجربتهم المشتركة الثرة التي بدأت في هذه الجهات منذ زمن قبل الميلاد أي من قبل المسيحية والاسلام وما قبل العصر الحديث ، أي ما قبل السياسة الاوربية الحديثة من برلمانات وديمقراطية . وما لم يتفق السودانيين عموماً حول اهداف الدولة وأطرها السياسية والقانونية معاً فان البندقية لن تحسم الموقف وسوف يظل حوار الطرشان مستمراً وسوف يستمرون في ان يفقدوا مع الزمن أجزاء جديدة من وطنهم وروحهم للشيطان ، ويفترض اليوم والمنتظر من أي قوي حديثة تعمل علي التغيير أن تجري تلك التحولات الجذرية في مضمون الدولة التي ورثها السودانيين كما هي تخدم المستعمر ، إذ غيروا مسامير هذا الماكينة - السودنة - دونما ان ينظروا في حقيقة تغيير وظيفة الدولة الاساسية ويكيفوها كآلة تستخدم في صالح خدمة المواطن - وليس الحاكم ورهطه ( المستعمر الحديث ) ، ولذا لاحقاً اصبح النضال ضد حكوماتنا المتتالية التي تهدد المواطنين وتقف عثرة في طريق تطورهم ونجاحهم وتبتزهم دونما رحمة مشروعاً وطنياً وجهاً آخر للنضال ذد الاستعمار ودعوة للتحرر من الاضطهاد والبديل تقديم الطاعة وفروض الولاء والسخرة والاستعباد .

    الا ان التطور الطبيعي ( Natural history ) علي ما يبدو فرضّ نفسه اليوم في السودان ، الذي يجب ان نتيح له التطور مزيلين العقبات من طريقه ، إذ أن المجموعات التي تتدعي أصالتها في السودان وتتمسك بأفريكانية السودان الثقافية مع التي تتمسك بأقدميتها في هذه الاراضي قد اسست موقعاً سياسياً وعسكرياً شبه متكامل ، كما أسست في المقابل المجموعات النيلية منبراً سياسياً وعسكرياً تمثله أحزاب الوسط المعارضة بما فيها المؤتمر الوطني كما ذكرنا ، أما جبهة الشرق فتاريخها السياسي والعسكري ماثل ولا حاجة للتذكير به ، ومن ثمّ يظل العرب في دارفور وكردفان متأخرين في تمثيل انفسهم سياسياً برغم وجودهم العسكري المؤثر وموقعهم الاقتصادي الحاسم في ما يمكن ان تكون عليه نهضة السودان الموعودة .

    انا هنا أدعو السياسيين ، ليسوا فقط المنتمين للقبائل العربية بل القوميين المهتمين حقيقةً بحل جذري لمشكلة السودان عموماً ان يفتحوا المجال ويساهموا في تأسيس مثل هذا المنبر ويمحوا له بالانتشار عبر حوارات مفتوحة متواصلة داخل مجموعاتهم وبمختلف جهاتهم بحيث يعملوا علي جمع تلك المجموعات الاربع علي طاولة مفاوضات حول السودان القادم ، إذ ان هذه في اعتقادي هي المهمة الوطنية القومية الاولي اليوم اذا ما اردنا لبلادنا ان تذدهر ، فكذا نتصدي للمؤامرات الخارجية والاطماع الفردية الداخلية ونجابه امر العنف من جذوره ونفتح في الاخير المجال الي حياة مشتركة يجد فيه الجميع تمثيله السياسي العادل دون أن نضطر من جديد الي تقسيم بلادنا في ما بيينا اذ لا يمكن افتراض ان تعطي ولاية - مساحة جغرافية - لكل مجموعة عرقية معينة كما حدث في جنوب السودان أو مثل ما سعت له الدولة في دارفور بتقسيم الاقليم عرقياً الي خمس ولايات ، بل من الافضل البحث عن المصالح التاريخية بين المجموعات الاثنية المختلفة والعمل علي تنشيطها ، وهي المهمة المفترضة للدولة المفتقدة في السودان وكذا أيضاً نقضي علي الديكتاتورية ممثلةً في الفكر الاحادي.


    نحن يجب أن نكون منهجيين وأصيلين في تفكيرنا وإستنتاجاتنا السياسية ونقنع الاخرين - المجتمع الدولي- بخيارناالذي نختار فيه أن نقف كسودانيين بجانب بعضنا البعض ، وأن نؤمن بشدة بالمصالح التاريخية المشتركة للقبائل والمجموعات البشرية في هذه المنطقة المسماة السودان وارتباطها الازلي بمصالح بينية دهرية والتي هيئت لهم أن يتفقوا علي أن يتعايشوا حتي من قبل وجود الدولة الحديثة ، والواقع ان الدولة الحديثة هي سبب الاشكال وليست المجموعات البشرية التي تسكن هذه المنطقة .

    إن في تصوري أن هذه التحالفات الثقافية الاربعة سوف تقضي علي الاختلال السياسي المزمن في السودان وتلعب دورها المؤثر كمعبر وليس محصلة للحل السياسي ، إذ هي التي سوف تقضي علي الفساد السياسي المتمثل في حكم الفرد، وتتشارك في تكوين الاطار السياسي القانوني الجديد لهذه البلاد كما سوف تحدد الهوية المشتركة للدولة - اذا ما جلست معاً بقلب مفتوح وبعقل ينظر الي المصالح المختلفة التي يمكن ان تجنيها من مثل هذا اتفاق ، والكل متفق معي لا شك في ان الحياة السودانية اصبحت متعثرة بشدة ومحتاجة الي اعادة نظر علي عدة مستويات ومن ذلك مستوي اللبنات الأساسية - كالاحزاب - حول وظيفتها وودينامكيتها ، التي يفترض بها ان تتطور كي تعبر حقيقة عن من تمثلهم مثلاً وغير ذلك كثير من الامور لا يتيح المجال هنا لمناقشتها ، وإذا ما إبتدئنا خطوات عملية اليوم نحو هذا الحوار ، فسوف ننتهي بدولة جديدة موحدة ذات هوية مشتركة في خمس سنين من اليوم.



                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de