ظاهرة الانشقاقات الحزبية أو داخل الحركات المسلحة والتنظيمات سمة رئيسية في الحياة السياسية السودانية منذ زمن طويل، وهي نتاج تغليب ثقافة الإنتصار (أنا أو الحريق) على ثقافة الحوار في الإختلاف ، لكن وتيرتها إزدات في عهد النظام الحالي بشكل جنوني ومقرف. للأسف الشديد حتى الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تنادي بأفكار جديدة وبسودان جديد وبنظام جديد والتي كان من المفترض أن تكون نموذجًا في تدبير أمورها التنظيمية ووضوح مشروعها والتصاقها بالجماهير ، لم تسلم من هذه الظاهرة المرضية الخطيرة. في عام 2011 بعد اندلاع الحرب في جبال النوبة ، انشقت الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال إلى عدة أجنحة حملت نفس الإسم مع ادعاء تبنيها السلام بدلاً عن الحرب ، وظهرت الحركة الشعبية جناح السلام ..الحركة الشعبية "الديمقراطي" ..الحركة الشعبية "الأغلبية الصامتة" ..الحركة الشعبية جناح "تابيتا بطرس"..الحركة الشعبية جناح "عرديب". وإن كانت هذه الأجنحة تعزى انشقاقها للإقصاء والتهميش وغياب الديمقراطية والشفافية ، إلآ أن المنشقون أنفسهم لم يطبقوا المؤسسية والديمقراطية بعد انشقاقهم ، بل هم أيضا مارسوا التهميش والإقصاء نفسه ، ليس هذا وحسب بل أصبحت مجرد كائنات طفيلية وأكشاك سياسية تعتاش على فضلات الحزب الحاكم الذي يحركها كدمي عند الحاجة تحت مسمى "أهل المصلحة الحقيقيين" بهدف سحب ملف المنطقتين من يد الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان وهو الهدف الذي لم يستطع النظام تحقيقه حتى الآن. من بين هذه الأجنحة المنشقة ، الحركة الشعبية (الأغلبية الصامتة) والتي يقيم اغلب أعضاءها في جوبا ونيروبي وكمبالا ويطرحون أنفسهم كقيادة تأريخية وشرعية للحركة الشعبية ولا قيادة غيرهم ...يعني هم قالوا صراحة وعلنا ، إما نحن أو الطوفان. وكان أحدهم وهو اللواء خميس جلاب قد زار العاصمة الأثيوبية أديس أبابا أثناء المفاوضات الأخيرة بحجة تقديم وجهة نظر جناحه للوسيط الأفريقي ثامبو إمبيكي حول مسألة جبال النوبة. وهناك قابل وفد النظام السوداني برئاسة الأريتري الأصل والفصل إبراهيم محمود ولا ندري ما الذي دار في لقاءتهم السرية جدا. على العموم ..بعد عودة خميس جلاب من أديس أبابا إلى جوبا سرعان ما طفا على السطح الخلافات الصامتة التي كانت تخنق (الأغلبية الصامتة) لفترة طويلة بعد ازاحتها اللواء تلفون كوكو من رئاسة التنظيم وتعيين جلاب بدلاً عنه. وفي حوار لصحيفة (الصيحة) صيحة بتاعت الطيب مصطفى صاحب (الأغلبية المهمشة) بتأريخ 28/8/2016 ، سئل عن ذهاب الفريق إسماعيل خميس جلاب إبان المفاوضات إلى أديس أبابا وكيف ينظر إلى ما قام به هناك ، فقال: ""اللواء إسماعيل خميس جلاب ذهب من دون أي دعوة من الوساطة الأفريقية.. وكذلك من دون الاتفاق من مؤسسة الأغلبية الصامتة.. وحتى شخصي الضعيف الذي برر هو عدم ذهابي إلى هناك على أنني سأكون حضوراً، لو كانت هناك دعوة فهو لم يبلغني ولم يجلس معي لمناقشة هذا الأمر.. فذهابه إلى هناك لا يمثل أي قيمة.. فهذا مجرد ظهور في الإعلام لجذب الأضواء على أنه موجود.. ولا يخدم أهداف الأغلبية الصامتة ناهيك عن قضية جبال النوبة.. لأن معظم لقاءاته في أديس أبابا كانت مع وفد النظام وكانت لقاءات خاصة.. فباختصار هو ذهب لكي يعرض قضاياه الخاصة لنظام الخرطوم عن تهميش الثلاثي له.. فهو سوف لن يوقف الحرب في جبال النوبة لأن لا قوات على أرض الواقع تحت قيادته"...انتهى كلام تلفون كوكو عن نائبه جلاب. ما أدلى به تلفون كوكو في الحوار المذكور وهو نائب لإسماعيل خميس جلاب في تيار الأغلبية الصامتة ، إنما دليل آخر على أن تنظيم الأغلبية الصامتة مجرد دكان سياسي صغير لا يتجاوز رأس ماله ورصيده عن 20 نفراً ، ويبدو بعد هذا الحوار أنه في طريقه إلى انشقاق آخر لنعود ونؤكد على أن الإنشقاقات داخل الأحزاب والتنظيمات والحركات السودانية غالباً ما تخضع لمنطق الشخصنة المرتبطة بصراع الزعامات، التي تتمحور في الغالب حول مصالح شخصية ضيقة لا علاقة لها بالمباديء وبالمصالح العامة!!. نعم إن الانشقاقات السياسية في السودان نتاج لتجذر ثقافة الاقصاء والتهميش بدل ثقافة التعايش بين التيارات المختلفة داخل الحزب الواحد أو الحركة الوحدة ، لكن هذا السبب وحده ليس كافياً للإنشقاق لأن الأحزاب والتنظيمات السياسية يجب أن تقوم على فكر ومباديء ويفترض اعتماد ثقافة الحوار الداخلي وسلك نهج التصحيح وإعادة البناء ووضع مصلحة الحزب أو الحركة فوق كل اعتبار بدل الإنشقاق عنه/عنها وبنفس الإسم كما يحدث في السودان ، الأمر الذي يجعلنا نتساءل : ماذا جلب لأهل الهامش انشقاق حركة العدل والمساواة إلى خمسين "جناح" وحركة تحرير السودان إلى ست وثلاثين "جناح" والحركة الشعبية إلى ست "جناح"؟...اقول لكم ماذا جلب!!.. التجربة أثبتت أن تداعيات الانشقاقات كانت سلبية على العمل السياسي والميداني لهذه الحركات ، حيث فقدت أجزاء كبيرة من أراضيها المحررة ، وتخلفت عن القيام بمهامها في التكوين والتأطير. من يعتزمون الانشقاق عن الحركة الشعبية، فنصيحتي لهم أن يناضلوا داخلها لتصحيح الأوضاع فيها، وتصويب خطها السياسي، وتغذية حياتها الداخلية بالقيم الديمقراطية والشفافية والصراحة وإعمال العقل والنقد ، ذلك أن القضية التي تناضل الحركة من أجلها لا تحتاج إلى كائنات حركية أخرى، لأنها تظل مجرد اضافات عددية فقط لا تساهم في علاجها وحلها ، بل تزيد الوضع عبثاً. وعليه يجب على المنشقين على الحركة الشعبية الأم العودة إليها والمطالبة بالمؤتمر العام والإصلاح الهيكل التنظيمي والإداري ، لأن ممارسات القيادة الحالية للحركة الشعبية تركت أثراً سلبيا على عموم جماهير الحركة ، وعلى مروحة واسعة من السودانيين. مغادرة الحركة الشعبية أو الإنشقاق عليها أو عنها في مواجهة المكنكشين وديناصورات الحركة والماسكين بزمام القيادة ليست هي الحل ، بل ان هذه الخطوة مكنت من صعود التيار الإنبطاحي ، ودخول الوصوليين والانتهازيين إليها ، وهؤلاء لم يتوقفوا لساعة واحدة عن محاولاتهم لضرب المؤسسية. فقد أرادوها أن تكون رديفة للأحزاب السياسية الطائفية في السودان، وأهم تجليّات هذا الأمر هو انضمام الحركة الشعبية لتحالف نداء السودان الذي يضم حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي ، هذا المسخ الطائفي الإسلامي العروبي ، ومن قبله تحالفت مع الجنجويدي موسي هلالي في خطوة حيرت الجميع. الحركة الشعبية لتحرير السودان ، لم تكن يوما ما ملكا لمؤسسها الزعيم الرحل جون قرنق أو لسلفاكير ميارديت ، وعليه لم ولن تكن اليوم ملكا لمالك عقار وعبدالعزيز الحلو وياسر عرمان أو غيرهم ، بل هي ملك لكل من اعتنق فكرها وعلى الجميع تدبير ثقافة الاختلاف داخلها دون أن تمس التيارات المختلفة وحدتها أو مبادئها الأساسية... بمعنى يجب على أي تيار أن يضع وحدة الحركة كخط أحمر لا يمكن تجاوزه لأن التيار داخل الحركة هو تعبير عن تعدد التصورات والآراء واختلاف المواقف ، ذلك أن قوة الأحزاب ليست في كمّها وإنما في نوعها حينما تحمل مشاريع مجتمعية مختلفة ومتباينة قادرة على خلق حراك سياسي، من شأنه أن يعيد ثقة المواطنين فيها. الإنشقاقات على شكل دكاكين واكشاك سياسية لم تضعف فقط قضية المنطقتين ودارفور ، إنما دمرت هذه القضية تدميراً كاملاً وأعطت كل المبررات للنظام السوداني ليدعي الإنتصار تحت مزاعم أن أكثر من خمسين حركة مسلحة من دارفور والمنطقتين قد انضمت لعملية السلام الوهمية التي تجري تحت مظلة (الحوار الوطني) في الخرطوم. ومن كان قد انضم للحركة الشعبية عن قناعة وعن مبدأ لكنه انشق عنها أو عليها بحجة التهميش والإقصاء وووالخ ، عليه العودة إليها والنضال من داخلها لتصحيح مسارها المنحرف. أما من كانوا قد انضم إليها لمصلحة ما أو لسانحة الفرصة ، ثم انشقوا عنها ..يرجى منهم اختيار أسماء غير اسم "الحركة الشعبية" لدكاكينهم السياسية ويتركوا الحركة الشعبية والجيش الشعبي يمضيان في نضالهما ضد السودان القديم دون تشويش لأن التاريخ لا يرحم وكذلك الأجيال القادمة فلتسرع الخطوات ، فأمام الحركة الشعبية مسؤليات كبيرة ، ولتأسس لفجر جديد وصياغة جديدة لمنظمة العمل الحركي على كافة المسارات التنظيمية والسياسية والثقافية والاعلامية ...ولتنطلق الحركة الشعبية بوحدة قيادتها وقواعدها ومؤسساتها كما يرجو لها الجكاهير فلا مجال الآن للناعقين وأدواتهم التخريبية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة