ابو القاسم حاج حمد ومنهجية القرآن المعرفية : لماذا يتهمونه بانكار السنة وشذوذ الاجتهاد؟ بقلم د.محمود

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 15-10-2018, 09:26 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
17-04-2015, 03:38 PM

د. محمود شعراني
<aد. محمود شعراني
تاريخ التسجيل: 17-04-2015
مجموع المشاركات: 13

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


ابو القاسم حاج حمد ومنهجية القرآن المعرفية : لماذا يتهمونه بانكار السنة وشذوذ الاجتهاد؟ بقلم د.محمود

    02:38 PM Apr, 17 2015
    سودانيز اون لاين
    د. محمود شعراني-الخرطوم-السودان
    مكتبتى فى سودانيزاونلاين



    بسم الله الرحمن الرحيم

    ابو القاسم حاج حمد و منهجية القرآن المعرفية : لماذا يتهمونه بانكار السنة وشذوذ الاجتهاد؟

    د. محمود شعراني



    رحم الله الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد المتفكر في القرآن في زمان قل فيه التفكر وشاع فيه عدم التدبر والتبصر وعاش فيه المسلمون على قشور من دينهم وقشور من حضارة غيرهم فما استطاعوا مضياً ولا هم بطبيعة الحال إلى قديمهم راجعون.

    ولقد كان بين وبين الأستاذ محمد مساجلات فكرية أشار إليها في بعض كتبه وعلى الرغم من عنفي عليه في بعض المواضع إلا أنه كان رحب الصدر كثير الصبر وذلك شأن العلماء والمفكرين وكان لا يقعده شيء أو ينتابه كسل فلا يشق عليه أن يتحمل عناء السفر من مدينة أبو ظبي لزيارتي بمدينة العين بدولة الإمارات لمناقشة مسألة أو مسائل وردت في كتابه (العالمية الإسلامية الثانية) كنت وقتها قد تناولتها في بعض دراساتي للكتاب فكان محمداً رحب الصدر حافظا للود معي إلى أن انتقل إلى رحمة مولاه.

    ولقد سرني أن أطلع مؤخرا على دراسته منهجية القرآن المعرفية في طبعتها الأولى الصادرة في عام 2003م والدراسة تتضمن مدخلاً وفصول ثلاث وخاتمة.

    في هذه الدراسة يضع الكاتب مفهوم إسلامية المعرفة في مقابل الفلسفات المادية والوضعية في أشكالها المختلفة ويرى في إسلامية المعرفة ضرورة ملحة ليس للمسلمين فقط ولكن للمؤمنين كافة وفي العالم كله ويقرر أن هذا منطلق أساسي في عالمية الرسالة الخاتمة. وفي اعتقادي أن الكاتب لم يتخذ هذا السبيل إلا لقناعته بفشل الفلسفات الوضعية والمادية المعاصرة في حل قضايا الإنسان المعاصر في كل مناحيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ثم هو يذهب إلى أبعد من ذلك –وأنا معه- حين يقرر أن إسلامية المعرفة ضرورة ملحة للمسلمين ولغيرهم في العالم كله، ولي في هذا تفصيل: وهو أن الخطاب الديني التقليدي يتسم بالجمود واجترار الماضي ومحاولة جره للحاضر.. حيث يقوم الخطاب بالدعوة للدين في مستوى العقيدة، وهذا أمر يفرق بين الناس ولا يجمع، ذلك أن الخطاب الديني المستنير المواكب للعصر يجب أن يكون قائماً على ما يجمع الناس لا على ما يفرقهم، والمستوى العقيدي يركز على الاختلاف حيث يقوم على قاعدة (كل حزب بما لديهم فرحون) ولذلك فإن الخطاب الديني التقليدي هو خطاب قاصر ولا يمكن أن يكون منطلقاً أساسياً في عالمية الرسالة الخاتمة ومن هنا برز السؤال المشروع الذي أطلقه الأستاذ حاج حمد في هذا المضمار وهو:

    ما هي خصائص هذا الخطاب العالمي المتسع لكل البشرية على اختلاف ثقافاتها وحضاراتها وعلى تباين أنساقها الفكرية وتجاربها العقلية؟

    هل هو ذات الخطاب الحصري الاصطفائي الرأسي السابق أم يحمل خصائص جديدة للبشرية جمعاء؟ (انظر في 56- 57).

    وعندي أن خصائص الخطاب العالمي المتسع لكل البشر هي بالضرورة خصائص تدحض مفهوم النسبية الثقافية وفق التوجه العربي وتأخذ بفكرة المطلق الثقافي التي تسقط من اعتبارها حيز الاجتماع والجغرافيا فالديمقراطية كمفهوم أصبحت اليوم حقيقة واقعة وذلك لأن التوحد الجغرافي للعالم والذي نعيشه اليوم بفضل تقدم وسائل المواصلات والاتصالات وتوفر المعلومات هو يستدعي بالضرورة توحيداً في القيم والمبادئ والأفكار ومن هنا يتحتم على الخطاب العالمي للرسالة الخاتمة أن يكون مواكباً لهذا التطور وأن يحمل مضموناً متجاوزاً لعصبيات التدافع الديني والتحزب للإرث التاريخي الذاتي بحيث تنعدم لغه الحوار بين معتنقي الأديان الأخرى كما يرى أبو القاسم.

    إن هذا السعي يفرض بالضرورة تقديم المبادئ الدينية للرسالة الخاتمة في مستواها العلمي لا العقيدي وبمعنى آخر أن يكون مضمون الخطاب العالمي موجهاً نحو الفطرة البشرية التي يجتمع فيها كل البشر وللأستاذ محمود محمد طه قول بليغ في هذا المضمار فهو يقول: (لو لم يكن في الإسلام غير العقيدة لكان وقته انقضى، لأنه في مستوى العقيدة تقابله عقائد عديدة لن يتخلى عنها أهلها حين يدعون إلى اعتناق عقيدة أخرى.. فانه في مستوى العقائد (كل حزب بما لديهم فرحون).. ولكن في مستوى العلم فإن الإسلام يقف في قمة تنتهي عندها على القمم.. ويلتقي عندها كل البشر فيجدون حاجتهم. فعبارة (الإسلام دين الفطرة) التي قالها المعصوم تشير إلى هذه المرتبة العلمية من الإسلام… وفي هذه المرتبة تظهر وتتحقق الوحدة البشرية لأن الفطرة البشرية حيث وجدت فهي بشرية). ويعني كل هذا بالضرورة أن الخطاب العالمي للرسالة الخاتمة ينبغي أن يكون علمياً وهو أي الخطاب لن يكون علمياً في غياب الضابط المنهجي فالمنهجية كما يقول الأستاذ أبو القاسم هي تقنين للفكر ودون هذا التقنين يتحول الفكر إلى تأملات وخطرات انتقائية قد تكون عبقرية ومشرقة جداً وذات جدوى في كثير من الأحيان وتصلح للمواعظ والمجادلة الحسنة ولكنها لا تكون منهجية فمنهجية الأفكار أو تقنينها بالمنهج تماثل حالة توليد القوانين من الطبيعة (ص 34- منهجية القرآن المعرفية).

    أنني أرى أن قضية المنهجية التي أثارتها دراسة أبي القاسم هي أم القضايا في الفكر الإسلامي المعاصر وهي تمثل أزمته الحقيقية كما تمثل أزمة حقيقية بالنسبة للفكر الديني التقليدي ولا أرى أن الذين تناولوا هذه الدراسة بالنقد كالدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور على جمعه والدكتور محمد عمارة قد قدموا شيئاً يمثل تحليلاً عميقاً ونظراً دقيقاً في منهجية القرآن المعرفية فغاصوا جميعاً في تفاصيل وجزئيات أثارها أبو القاسم في دراسته متعلقة أما بتفسير بعض آيات القرآن أو بعض المصطلحات التي استعملها ولكنهم جميعاً وباستثناء الدكتور طه جابر العلواني لم يؤكدوا على ضرورة إيجاد منهجية تطويرية مستقاة من القرآن نفسه كما أشار إلى ذلك أبو القاسم حاج حمد ولكن الدكتور محمد عمارة والذي هو على قطيعة فكرية بينه وبين الأستاذ أبو القاسم كما يقول عمارة ذهب إلى اتهام أبو القاسم بإنكار السنة المحمدية ولكنني وعلى الرغم من قراءتي لكتابه العالمية الثانية وبحثه في المنهجية لم أجد ما يسوغ مثل هذا الاتهام بل على العكس تماماً لأن حاج حمد يورد في دراسته أنه : (بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام ختم الخطابي الإلهي الحصري الاصطفائي وأطلق الخطاب الإلهي العالمي للبشرية جمعاء: ثم يستدل أبو القاسم بالآية الكريمة: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158). فختم الخطاب الحصري الاصطفائي بمحمد يعني بالضرورة أن محمداً هو الوسيلة الراسلة والموصلة إلى الله وإن طريقته أي (سنته) هي الخطاب الإلهي العالمي للبشرية جمعاء (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً…) ثم أن آية الأعراف آنفة الذكر والتي استدل بها أبو القاسم وفيها الأمر باتباع الرسول (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إنما تؤكد أن أبو القاسم يرى في السنة النبوية (الطريقة المحمدية) في العبادة والعادة إنما هي مفتاح القرآن الكريم وهي المفهوم الديناميكي في منهجية القرآن المعرفية وحينما أقول هنا المنهجية المعرفية فإنما أعني بها التلازم بين الإطار المعرفي وعملية تفعيله وفي اعتقادي أن هذا هو ما أراد أن يوضحه الأستاذ أبو القاسم فكيف إذن يتهم بإنكار السنة؟.

    والدكتور عمارة يرى أن بحث أبي القاسم في منهجية القرآن المعرفية لا يمكن أن يناقش مناقشة جادة وحقيقية ومسئولة إلا إذا قرئ مع كتاب أبي القاسم عن العالمية الثانية ومع كتب محمود محمد طه، الذي يصنفه الدكتور عمارة ضمن أصحاب الاجتهادات الشاذة ويرى أن أبو القاسم يتبنى فكره ويذهب مذهبه حينما لا يشير في حديثه إلى حقيقة أن محمداً لم يكن فقط خاتم النبيين وإنما خاتم المرسلين أيضاً وذكر عمارة أن هذه قضية هامة عند الكلام عن العالمية وعن محمود محمد طه والرسالة الثانية بل وتثير علامات استفهام وتحتاج إلى شيء من التوضيح.. ولكن الدكتور عمارة هنا يلقي بالقول على عواهنه في محاولة لاتهام أبي القاسم بالقول بالإنكار أن محمداً كان فقط خاتماً للنبيين ولم يك خاتماً للمرسلين وهذه تهمة قديمة حاول أعداء محمود محمد طه لصقها به حينما أخرج كتابه (الرسالة الثانية من الإسلام) ولو كان الدكتور عمارة على قدر كافٍ من الأمانة العلمية في تناوله لذكر عنوان كتاب الأستاذ محمود محمد طه كاملاً بدلاً من الإشارة إلى الكتاب باسم (الرسالة الثانية) مع إغفال بقية عنوان الكتاب لان عبارة (من الإسلام) المكملة لعنوان الكتاب توحي حتى للباحث غير المدقق أنها الرسالة الثانية من الإسلام وليست من خارجه بحيث يستدعي وجودها رسولاً آخر ولكي أريح الدكتور عمارة فأنني أرجعه لصفحة 17 من كتاب الرسالة الثانية من الإسلام للأستاذ محمود محمد طه في طبعته الرابعة حيث يقول الأستاذ محمود: (إن محمداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية…).

    ولقد انطلق الدكتور عمارة فيما يبدو من فرضيات خاطئة أسس عليها نقده فجاء تخريجه شائهاً وجاءت رؤاه النقدية قاصرة وذلك حينما أصدر حكمه بإنكار أبي القاسم للسنة النبوية وكسائر الدعاة (الإسلاميين) يأخذ عمارة بالتعريف المتعارف عليه للسنة النبوية في أوساط الفقهاء باعتبار أن السنة هي عمل النبي وقوله وإقراره وهذا تعريف يحتاج إلى تصحيح وإعادة نظر حتى يمكن تحديد معنى السنة التي هي الطريقة والسيرة بصورة دقيقة لأن تجديد مفهوم السنة هذا يمكن من إحيائها ولكن تعريف الفقهاء للسنة يشمل إقرار النبي وإقراره ليس من سنته الخاصة به ولكنه تنزل من مستوى عمله في خاصة نفسه إلى مستوى عمل أمته ليعلمها فيما تطيق وليكلفها فيما تستطيع ولكنه مع هذا إدخر لها أحسن ما أنزل إليه من ربه وهي شريعته الخاصة به التي يمكن أن يستلهم منها المجتمع المعاصر ما يطيق فيما يخص أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع وقد كان عليه السلام متبعاً لأحسن ما أنزل إليه من ربه وهو أولى الناس بهذا الاتباع ولذلك فإن سنته هي مبلغ تخلقه بسنة الله فالسنة واحدة وهي سنة الله والنبي قد قال (تخلقوا بأخلاق الله.. إن ربي على سراط مستقيم) وحينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي قالت (كان خلقه القرآن) وطريقة النبي أو سنته قد جاء بها الأمر القرآني (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) وبذلك لا يستقيم القول بفصل السنة عن القرآن ابتداء ناهيك عن اتهام من يريد اتخاذ منهجية قرآنية بإنكار السنة وعليه فإنني أرى أن تأكيد أبي القاسم لضرورة وجود المنهج القرآني هو أمر لا ينفي السنة النبوية ولا يستبعد بالتالي القدوة المحمدية والمنهجية القرآنية إنما هي التحدي الحقيقي الذي يواجه أهل الإسلام اليوم وخاصة الدعاة منهم وقادة الفكر الذين انقسموا في غياب المنهجية إلى قسمين فهم بين مجتر للقديم أو متهافت على الحداثة ولا أدري أين يضع الدكتور محمد عمارة نفسه بين هؤلاء وأولئك وأما الذي صنفه الدكتور عمارة ضمن أصحاب الاجتهادات الشاذة على حد تعبيره فهو الأستاذ محمود محمد طه وهو الوحيد الذي ينماز عن بقية المفكرين لأنه صاحب منهجية قرآنية ذات قواعد وأصول ينطلق منها ويحلل بها الظواهر القديمة في كل مجالات الفكر وأحوال السياسة والاجتماع والاقتصاد ويقدم الأفكار الجديدة التي تضع الحلول لكل قضايا العصر الراهنة وفي تناول يجمع بين المادة والروح والأصالة والمعاصرة بمعنى أنه حينما رمى إلى التطوير لم يفقد هويته التاريخية ولذلك وصف جهده الفذ بأنه فهم جديد للنصوص القديمة وهذا الفهم الجديد يتلخص في الانتقال من نص في القرآن خدم غرضه حتى استنفذه إلى نص مدخر في القرآن نفسه وهذه هي عملية توليد المنهج التي أشار إليها الأستاذ حاج حمد وقد استطاع الأستاذ محمود محمد طه استخراج هذه المنهجية من القانون الطبيعي (الفطرة) ويقصد به النظم والقواعد التي يسير عليها الكون وهي النسق من القواعد والمبادئ التي تسير وتنظم بمقتضاها الشئون البشرية كما ذهب إلى ذلك علماء الاجتماع ولقد وصف النبي الكريم الإسلام بأنه دين الفطرة وتلك عبارة غاية في العلمية وهي من المؤشرات المؤكدة لعالمية الرسالة ولكن كيف نستخرج المنهجية القرآنية من هذا القانون الطبيعي (الفطرة؟) إنه لمن المعلوم أن هنالك أصلان في الوجود البشري هما القاصر والرشيد والمجتمع البشري في تطوره كالفرد البشري يمر بمرحلتي القصور والرشاد والتشريع لكل من المرحلتين موجود بين دفتي المصحف وضمن إطار القاعدة القرآنية العامة (وما فرطنا في الكتاب من شيء) وبصورة أدق وألطف يشير القرآن لوجود التشريع في داخله للمرحلتين فيقول (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) ثم إن قانون الفطرة هذا الطبيعي ينصاع له حتى الذي لا يؤمنون بالله نفسه فهم يضعون تشريعاتهم الوضعية التي تنظم حياة الكائن البشري في مرحلتي قصوره ورشاده. والمنهجية التطويرية يجب أن تلتمس من داخل القرآن الذي وصفه الأستاذ محمود محمد طه بأنه جسم نام وحي ومتطور ومتوائم دوماً مع البيئة الحياتية في رقيها وانحطاطها، وكل ذلك في اتساق مع حركة المداولة التاريخية التي لا ثبات فيها ولا قرار إذ الحضارات تتداول والمجتمعات البشرية تتبدل وتتغير في نطاق دورة حياتيه تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت لتبدأ بالميلاد من جديد. وهنالك حقيقة لابد من قولها وهي أن القرآن كله مثاني أي (ذو معنيين معنيين) (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني..) وكذلك الآية القرآنية (واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ربكم) بها إشارة إلى أن القرآن كله حسن ولفظة التفضيل (أحسن) الواردة في الآية تتضمن إشارة واضحة إلى أن القرآن فيه أيضاً (فاضل ومفضول) .. غير أن التفضيل ينشد إلى طبيعة المرحلة.. فإن كانت المرحلة مرحلة قصور يمر بها المجتمع البشري فإن التشريع (الأحسن والأفضل) يكون هو تشريع الوصاية والقصور وإن كانت مرحلة رشد فإن التشريع الأحسن والأفضل هو تشريع الحرية والمسئولية. وتلك هي حكمة التشريع الإسلامي وإحاطته المحيطة بأحوال المجتمع البشري في رقيه وانحطاطه. وهناك لطيفة أخرى في الآية السابقة وهي: وعيد القرآن بمجئ العذاب عند الامتناع عن إتباع وتطبيق أحسن ما أنزل فيه وأحسن ما أنزل فيه إنما هو عمل النبي في خاصة نفسه. كذلك فإن في الآية السابقة إشارة لطيفة إلى النتائج والآثار الخطيرة التي تأتي كثمرة لاختلال موازين القيم واختلاط المعايير ذلك عندما يطبق تشريع القاصر ليساس به الرشيد.. أو عندما يطبق تشريع الرشيد ليساس به القاصر..بينما الحكمة تقتضي وضع الأشياء في مواضعها.. ولو كانت هنالك استحالة في التأسي بعمل النبي في خاصة نفسه لما جاء العمل بسنته الخاصة على سبيل الندب تطوعاً وسلوكاً فترك بذلك الباب مفتوحاً على التطوير والتحويد. يقول لوي غارديه: (إن الحضارات الإسلامية إن عرفت كيف تظل وفيه مخلصة لأفضل ما عندها من إيحاء فستبقى مؤهلة جداً لأن تقدم الكثير للثقافة الكونية في أيامنا..) وأفضل ما في حضارة المسلمين من إيحاء إنما هو قرآن الحرية والمسئولية الذي قامت عليه سنة النبي وعمله في خاصة نفسه، ولقد جاء التشريع في القرآن على مستويين كما أسلفت القول وذلك تأكيداً للقاعدة القرآنية (ومن كل شيء خلقنا زوجين) وقد يوافق الدعاة السلفيون –أمام هذه الآية- على هذا التقسيم فيقرون بوجود التشريعيين في القرآن غير انهم يرجحون الناسخ على المنسوخ بحجة أن هنالك تشريع نسخ تشريع والنسخ عندهم هو نسخ أبدي ونهائي بمعنى الإلغاء فإذا قلنا أن قرآن المدينة قد نسخ قرآن مكة –الذي هو في الحقيقة سنة النبي أي عمله في خاصة نفسه وتلك سنة عاشها النبي وطبقها وندب إليها أصحابه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، إذا قلنا مثل هذا القول لأصبح أفضل ما في ديننا منسوخ بما هو دونه- وإذا كانت آيات مكة قد نسختها (تاريخياً) آيات المدينة وأنه لا سبيل لإحكامها اليوم فلماذا إذن يزعم المسلمون جميعهم اليوم أن القرآن كله صالح لكل زمان ومكان؟ لماذا كل هذا التناقض في الفهم وليس في القرآن إذ أن هنالك سؤال يلح وهو: هل يستطيع البشر أن يعيشوا تحت ظل منظومتين قيميتين متعارضتين في وقت واحد؟ ومن أجل هذا الفهم المتناقض حل القرآن هذا التعارض بالتأكيد على حركة المداولة التاريخية وهي جزء من القانون الطبيعي العام الذي يحكم مسيرة البشرية وقد حكت عن ذلك الآية الكريمة (وتلك الأيام نداولها بين الناس) مما يؤكد أن القرآن جسم حي ونام ومتطور ولذلك هو متسق مع حركة المداولة التاريخية.

    إذن فالدعوى إلى ابتعاث سنة النبي التي قامت على آيات مكة- المنسوخة وقتها بآيات المدينة في حق الأمة وليست منسوخة في حق النبي- هي دعوة إلى الارتقاء والتطوير… وهي انتقال من نص إلى آخر اقتضاه حكم الوقت، وذلك لأن البشرية في سيرها الطويل تتقلب من حال إلى حال، وفي كل حال هي عليه تجد تشريعها في الكتاب الذي قال عنه منزل جل علا (وما فرطنا في الكتاب من شيء) .. وهنا لابد من التوقف للقول أن الأصل في أي إنسان أنه حر ومسئول إلى أن يثبت هو نفسه العكس فتصادر منه حريته بقانون دستوري.. ولقد خاطب القرآن مشركي مكة على أساس من هذا الأصل حينما صدر التوجيه القرآني للنبي في هذا الشأن فقال له: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) وظل النبي عليه السلام يدعو على هذا النحو مدى ثلاثة عشر عاماً بمكة فلم تستجب لدعوته إلا القلة وأما الكثرة فقد وصل الأمر بها إلى حد التآمر على حياته فكان الأمر له بالهجرة.. لقد أثبت مشركو مكة انهم ليسوا على درجة من الوعي والمسئولية تؤهلهم لتقبل الدعوة التي لم تكن وقتها دعوة بالسيف بل بالتسامح والحرية لكنهم رفضوا الدعوة وهددوا كل من يستجيب لها ووقفوا سداً منيعاً بينها وبين الناس، وكان كل هذا عند الله ظاهر، ولكن عدله يقتضي أن يخاطب الناس على الأصل فيهم وهو أنهم أحرار ومسئولون إلى أن يثبتوا هم العكس.. وقد أثبتوه.. ولهذا صدر في المدينة القانون الدستوري الذي سحب منهم حريتهم وصادرها وأقام عليهم ضرباً من الوصاية التي تضرب عادة على القصر.. فجاء تشريع المدينة قائماً على آيات السيف وقد أجمل معناها النبي في قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وأمرهم إلى الله.. وهكذا تم نسخ كل آيات الديمقراطية التي تحض على الدعوة على أساس من الحرية والاسماح والقائمة على قاعدة: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) والحق أن السيف قد استعمل هنا كمبضع الجراح وليس كمدية الجزار!! ولكن مزاعم المستشرقين التي يزعمون فيها أن الإسلام قد انتشر بالسيف هي التي ألبست على المسلمين أمرهم فراحوا يدافعون عن هذا الأمر دفاعاً باهتاً لا منطق فيه غير الإنكار وما كان ذلك إلا نتيجة لظن خاطئ وفكر جامد دفعهم إلى الاعتقاد بأن تشريع دولة المدينة هو الكلمة النهائية في هذا الأمر وإلى أبد الدهر.. وأنت إن سألتهم عن الحكمة في بقاء النصوص المنسوخة –التي تحض على الدعوة بالاسماح- بين دفتي المصحف إلى اليوم.. لقال لك أكثرهم علماً أن الحكمة من بقائها في المصحف حكمة تعبدية بمعنى أن يتعبد بها الناس تلاوة وتبركاً فقط، وهذا هو ضعف الفكر بعينة لأن لفظة تعبدية مشتقة من العبادة، وما العبادة في الدين إلا المعاملة.. بل أن الدين كله هو المعاملة بنص الحديث الشريف.. والمعاملة لا يمكن أن تنظم إلا بتشريع.. كما أن الله تعالى لا يعبد في فراغ بل يعامل ويعبد من خلال خلقه ولذلك جعل الصلاة ناهية للناس فيما بينهم عن الفحشاء والمنكر والبغي.. ثم هو تعالى يقول: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً..) والله ليس بمحتاج ولا فقير.. ولكنه المنهاج في التعامل معه –بل إن شئت عبادته- من خلال خلقه المحتاجين .. إذن فالتعبد لا يمكن أن يتم لتظهر به حكمة القرآن ويظهر به الهدي ودين الحق إذا ما فسرنا النسخ على أنه إلغاء نهائي للحكم الشرعي- يقول الأستاذ محمود محمد طه في أمر النسخ: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) يعني ما نلغي ونرفع من حكم آية.. قوله: (أو ننسئها) يعني نؤجل من فعل حكمها .. (نأت بخير منها) يعني أقرب لفهم الناس وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة.. (أو مثلها) يعني نعيدها هي نفسها إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأنما الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت فهي مرجأة إلى أن يحين حينها .. فإن حان حينها فقد أصبحت صاحبة الوقت ويكون لها الحكم فتصبح بذلك هي الآية المحكمة وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع منسوخة الآن.. هذا معنى حكم الوقت.. وهذه هي الحكمة وراء النسخ.. فليس النسخ إذن إلغاء تاماً وإنما هو إرجاء يتحين الحين ويتوقت الوقت.. هذا هو معنى تطوير التشريع.. إنه انتقال من نص خدم غرضه- خدمه حتى استنفذه- إلى نص كان مدخراً يومئذ إلى أن يحين حينه.. فالتطوير إذن ليس قفزاً عبر الفضاء ولا هو قول بالرأي الفج ولكنه انتقال من نص إلى نص).

    وفي اعتقادي أن الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد يتفق مع هذا الرأي لاعتماده المنهجية كإطار مرجعي لأفكار موحدة لا تستخلص علمياً إلا من إطار موحد عضوياً ولذلك أثبت في دراسته أنه ليس في القرآن ناسخ منسوخ بمعنى الإلغاء وذلك حين قال: (وليس في القرآن ناسخ ومنسوخ فالقول الإلهي واضح وصريح، آيات تتبدل مواقعها فقط، وقرآن متنزل بالحق فلا ينسخ بعضه، ولا تسقط آياته، غير أن من ابتدع علم الناسخ والمنسوخ فقد كان يحاول أن يحل مشكلته هو مع القرآن حين لم يتفهم منهجيته الكلية الرابطة للآيات التي بدت له متضاربة أو متشابهة أو حتى متناقضة مع بعضها أحيانا، فأوجد علم الناسخ والمنسوخ الذي لا يعني سوى إقرار حالة التناقض في تركيب القرآن ومضمونه فظن بمجرد القول أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً أنه قد حل الإشكال وما أدرك بذلك أنه قد طعن في الحق الذي أنزل القرآن..) (انظر صفحة 95).

    ثم إن جهد الأستاذ محمود محمد طه التجديدي والذي زعم الدكتور عمارة أنه اجتهاد شاذ جاراه فيه الأستاذ أبو القاسم حاج حمد – هو جهد يتسق مع روح وطبيعة القرآن ولو أبدل الدكتور عمارة عبارة (اجتهاد شاذ) ووصفه بالاجتهاد الغريب لوقفت معه في ذلك لأن الغرابة ليست بمدعاة للرفض فقد بدأ الدين نفسه غريباً ولا أقول شاذاً وذلك عندما خاطب النبي الكريم مشركي أول الأمر فقال لهم (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) فاستغربوا ذلك منه وكان بالكعبة يومئذ ثلاثمائة وستين صنماً تعبد من دون الله وحكي القرآن عن استغراب هؤلاء فقال جل من قائل (أجعل الإلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) أي شيء غريب وهكذا وفي كل زمان فإن لكل جديد من يحاربه وهذا هو المجرى العادي للأمور في الحياة فالناس لا يألفون إلا المألوف وما وجدوا عليه آباءهم ولكن سير الحياة وفق الإرادة الإلهية لا يتوقف وسبحان الله الذي هو كل يوم في شأن .. ثم إن النصوص القرآنية إنما هي وسيلة وليست غاية لقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..) والتي (هي أقوم) هنا هي الغاية وما القرآن إلا الوسيلة للوصول لتلك الغاية بالغة ما بلغت البشرية من رقيها وانحطاطها وذلك لأن نصوص القرآن تتقلب مع تقلبات الزمان فتضع لكل زمن وحال تشريعه ولذلك وصف الإمام على بن أبي طالب القرآن بأنه (حمال أوجه) وكلمة (أوجه) الواردة في هذه العبارة تعني بالضرورة أوجهاً من التفسير والتأويل وبمعنى أدق (أفكار) .. ولكن الأفكار شأنها شأن بقية الظواهر الكونية والمخلوقات تخضع لسنة الله الكونية (الموت والحياة) .. الموت ظاهرة أو سنة كونية تطرأ على المجتمعات والأفراد والأشياء كما تطرأ على الأفكار، وقد أبان ذلك القرآن في قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) بمعنى خذوا من القرآن (أحسنه) مما يتضمن أفكاراً وتشريعات هي الأحكم والأنسب لمقتضى حكم وقتكم… ودعوا الباقي من القرآن وهو (الحسن) حتى يحين عليكم حينه فيصبح هو الأنسب والأحكم حينئذ بمقتضى حكم الوقت أيضاً. والله يمحو ويثبت وهو تعالى يقول: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون).

    هذه إذن دورة حياتية للأفكار القرآنية وهي خاضعة لظاهرة الموت والإندثار تماماً كخضوعها لظاهرة الحياة والانتشار.. وقد عبر النبي الكريم أبلغ تعبير عن ظاهرة موت الأفكار وذلك حينما تنبأ باندثار سنته التي قامت على أصول القرآن فقال: (الذين يحبون سنتي بعد اندثارها) .. وماذا يعني اندثار السنة غير موتها وخمود جذوتها في النفوس وإتباع السنن من قبلها؟ ثم ماذا يعني إحياؤها وبعثها غير أنها ماتت بالفعل بعد حياة؟

    ويحضرني في هذا المقام قول الأستاذ مالك بن نبي والذي يقر فيه بنظرية الأفكار الميتة والحية فيقول في كتابه (رسالة الإسلام): (إن غربلة الأفكار الميتة عمل أساسي في كل نهضة صحيحة).

    والمسلمون اليوم ليسوا على شيء حتى يحدثوا هذه الغربلة بمنهجية القرآن وهذا هو المنطلق الأساسي لعالمية الرسالة الخاتمة.





    د. محمود شعراني

    رئيس المركز السوداني لدراسات

    حقوق الإنسان المقارنة

    الخرطوم

    E-mail: mahmoudshaarani @ Yahoo.com



    مواضيع لها علاقة بالموضوع او الكاتب

  • قصيدة: لقصة السودان بقية.. حكايةالعملاق والأقزام !! د.محمود شعراني 08-10-14, 03:47 PM, د. محمود شعراني
  • نشفتو البلد..!! د. محمود شعراني 07-28-14, 07:24 PM, د. محمود شعراني
  • كشف الحساب ..!! (قصيدة) للدكتور محمود شعراني 07-15-14, 09:19 PM, د. محمود شعراني
  • الانقاذ: من كيد الترابي الي كيد النساء .. !! د.محمود شعراني 06-29-14, 09:49 PM, د. محمود شعراني
  • الانقاذ: من كيد الترابي إلي كيد النساء .. !! د.محمود شعراني 06-29-14, 08:52 PM, د. محمود شعراني
  • حول الدور السياسى للقضاء الدستوري : الحق في التقاضي تصادره السلطة ام يسلبه القاضي ؟د. محمود شعراني 03-19-14, 05:19 PM, د. محمود شعراني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de