بعض من ملامح العرس الوئيد "يوميات العصيان الأول...
إلى شباب ثورة العصيان المدني: الحرية لا تقبل المساومة!
منبر التجانى الطيب للحوار بواشنطن يقيم ندوة بعنوان الازمة السودانية و افاق التغيير يتحدث فيها على الكنين
العصيان المدني...... تجميع فيديوهات للتوثيق ومزيد من النشر
19 ديسمبر .. إني أرى شعباً يثور !!
صدور... الهلوسة
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 12-07-2016, 06:27 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة عماد البليك(emadblake)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

فصل من رواية " ليالي دبي "

05-11-2004, 01:30 AM

emadblake
<aemadblake
تاريخ التسجيل: 05-26-2003
مجموع المشاركات: 791

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
فصل من رواية " ليالي دبي "



    ليالي دبي
    الفصل الأول

    قالت ماريا : " العقل هو الفضيلة التي تصعد بها الروح إلى مدرج الحبّ "ّ. لكن ماريا ومنذ أن سافرت إلى دبي لا تعرف أن تفرق جيّدا بين الحبّ والكراهية. انتابتها حالة عسيرة، بدأت معها النظر إلى الحياة بشكلٍ مختلف تماما، في صورة لا تقرن الأشياء بما يدور حولها، بل بما يفترض أن يحدث في الحياة، ما يجب أن يتم من خيارات وقصص، حتى لو كانت هذه القصص ملفقة ولن تؤدي لنتائج إيجابية.
    صعدت السلم ببطء، بعكس عادتها: العجلة والتحفز للدقائق القادمة. تصرفها بهذا الشكل، يعني أن هناك متغيرات من نوع ما تجري في حياتها.
    تعتقد ماريا أن الحياة مملة، لا فائدة أو رجاء يدفعان الإنسان للاستمرار في العيش، ففكرة الوجود الحقيقية مناقضة للروتين والملل. وفي خلال أيام قليلة، منذ أن جاءت للعمل في الشركة المتخصصة في تصميم فساتين الموضة، شعرت بأن الملل لا يحاصرها فحسب، بل يتمكن منها تماما، لا يصبح مجرد عادة، بل نوع من القدر الذي لا تملك إلا مسايرته.
    كلمة قدر - في حد ذاتها - تجلب القرف والإزعاج. عليها أن تنسى أن هناك قدر، هناك فقد حظوظ جميلة، وأخرى تعيسة، قالت لزميلتها في المكتب نادين:
    - " لو لم أكن مصممة أزياء، لكنت مهرجة في السيرك".
    ضحكت نادين بمبالغة، وهي التي لا تحب الضحك. لم تكن ضحكتها متعلقة بما ذهبت إليه ماريا، بل لتذكرها صورة المرأة العارية ذات الفخذين الأبرصين، التي رأتها ليلة أمس في التلفزيون، بإحدى المحطات الفرنسية، تلعب في حلبة السيرك.
    ماريا معقدة، ولا تثق بالآخرين، ردت عليها دون أن تفكر :
    - " أنت تحتقرين حتى ذاتك، فكيف ستحبين الآخرين".
    تتحدث ماريا عن مشكلتها، لا مشكلة نادين، ولم تكن تفكر كثيرا في الكلمات التي تتفوها، وقد أوقعتها هذه العادة في مواقف محرجة كثيرا وعداوات، لكنها غير مكترثة، أو تحاول أن تبدو كذلك. تدرك جيدا أن نادين طيبة، تحب الناس بشكل مبالغ فيه. في لحظات كثيرة فكرت في مصارحتها بهذا الأمر، بأن تكون أقل رأفة تجاه الآخر. فقط كانت تبحث عن يوم مناسب، تخرجان فيه سويا إلى مكان هادئ، بعيدا عن مشغوليات العمل لتبدأ معها حديثا خاصا، تتكلم فيه بضمير مرتاح، لتحكي لها عمّا يجب أن تتخلص منه حتى تكسب ذاتها. والهدف الثاني أن تجد فرصة لتثرثر لنادين بمشكلاتها، فما تعاني منه أكبر وأعمق بكثير، هكذا تعتقد ماريا.
    حدثت نفسها أن نادين لا تدرك معاناتها، والسر الكبير الذي لا يعرفه أحد غيرها، كونها ابنة زنا، هو نوع من العار الذي لا ذنب لها فيه، وعليها تحمله. وفي السنوات الماضية مرت بها مواقف كثيرة، انتهت فيها العلاقات الحميمة إلى موت سريع، بعد أن أكتشف الطرف الآخر الحقيقة، صديقاً كان أم حبيباً، لكنها لم تكن تعلم أن نادين تزوجت من رجل رأى فرجها قبل أن يتزوجها، إذن لها عليها الأمر.
    لم تسترسل في التفكير، قالت لنادين :
    - " هل فكرت يوما في العيش في مكان منعزل عن العالم، لا توجد فيه عقود زواج".
    فكرت نادين في سبب السؤال المباغت، ولم يتبادر إلى ذهنها ما كانت ماريا تقصده، لأنها لا تعلم عن حياتها إلا القليل، فقد جاءت إلى العمل معها في الشركة قبل شهرين فقط. كانت قد فكرت في قصتها التي لا يعرف غير مطلقها الدكتور سعيد، هل باح بالسر لأحد بعد أن تسلمت منه وثيقة الطلاق ؟ أف هؤلاء الرجال لا أمان لهم أبدا. تماسكت حتى لا تشعر زميلتها بالمفاجأة، لكن مشاعر ماريا تقول أنها لا تعرف شيئاً.
    شهران حفلا بالتفاصيل والأحاديث العميقة، حتى يخال لنادين في أحيان كثيرة أنهما تعرفتا منذ عشرات السنين. لا تريد أن تكون رومانسية ومبالغة فتذهب إلى أنها تعرف رفيقتها في العمل بشكل جيّد، وفكرت هل لو وجّه لها سؤال يتعلق بماريا، مثلا : "هل تثقين في ماريا؟" بماذا ستجيب ؟ لو كانت صادقة ستقول لا، ولو كذبت، كما يفعل الناس عادة، ستقول نعم أو "ربما" في أضعف الأحوال. أمامها سيكون الأمر مختلفا، فعندما تجلس مع الشخص صاحب الشأن، لا تستطيع أن تواجهه بالحقائق، هل من الممكن أن تباغتها بالقول: أنا لا أثق فيك.
    قالت نادين لنفسها : " هناك من يمتلكون القدرة على مواجهة الآخر، حتى لو لم يرض.. هل مثل هؤلاء صادقون أم كاذبون ؟ هل هم مجاملون بشكل ما ؟ ".
    سألتها ماريا مرة أخرى نفس السؤال، بعد أن لاحظت أنها سرحت بعيدا في خواطرها، قالت نادين :
    - " صدقيني لن أكون كاذبة معك، لا يمكن أن أتخيل هذا الشيء".
    - " هل التربية هي السبب، أعرف أنك دوما تفكرين في الأشياء بطريقتك الخالصة، لم أعهد منك ثقافة ضحلة".
    كلمة " ضحلة " استفزت نادين، دون أن تتذكر ما قالته لنفسها قبل قليل بخصوص الكذب والصدق في الحديث مع الأخر. حاولت أن تبدو متماسكة، غير منتبهة لما جاء على لسان ماريا، وفكرت هل تقصّدت الكلمة أم أنها مجرد ثرثرة ؟ أجابت " الأمر لا يتعلق بثرثرة فحسب، فماريا تعني ما تقوله تماما ".
    كالعادة لم تحاول ملاحقتها بمقصدها من الكلمة، ردت :
    - " لا أعتقد أن التربية كافية لأن أشكل موقفي، أنت تعرفين أنني متجاوزة للقيم التربوية، الأمر يتعلق بثقافة الإنسان .......
    قبل أن تكمل، حاولت أن تبحث عن كلمة جارحة موازية لكلمة ضحلة، بل أقسى منها، حتى تشعر ماريا بغلطتها، ما ارتكبته من أثم تجاهها. لم تجد عبارة مناسبة. اقتنعت أن على الإنسان ألا يحرص بأن يبدو الأفضل دائما، فكل شيء يأتي في أوانه، وواصلت الكلام، دون أن تتوقف أصلا، لأن ما فكرت فيه جرى في أقل من ثوان، وهي ملكة من ملكات الذهن البشري، الذي يستطيع أن يجري العديد من الأفكار ويحللها في أقل من الزمن نفسه.
    - " ...... هناك دائما فرق كبير بين القيم التي نكتسبها بالتربية، وما نعتقده معرفيا".
    قالت ذلك، وإلى نهاية دوام العمل، لم تكن متأكدة إن كان ذلك صحيحا أم لا !
    كانت ماريا تبحث عن يوم مناسب، تخرج فيه مع نادين إلى مكان هادئ، بعيدا عن مشغوليات العمل لتبدأ معها حديثا خاصا، لكنها لم تفهم زميلتها بعد، التي تدمن عشق سجن الذات، حتى لو كانت نادين تقول لنفسها " كأننا نعرف بعضنا منذ عشرات السنين ".
    من الصعب على الإنسان أن يفهم الآخر، حتى لو عاش معه ملايين القرون، قرأت نادين العبارة في مكان ما ذات يوم ورسخت في ذهنها، تذكرتها صباحا عندما قررت أن تقضي إجازة نهاية الأسبوع على شاطئ الخليج وحيدة " لا شيء أفضل من أن تكون وحيدا في هذا العالم ".
    لوحت بيدها اليسرى من على القارب الشراعي، يمخر عباب ماء الخليج في هدوء، تقول لطائر الكروان : وداعا، بصوت هامس، متوجس وراء القلق الذي حاصرها. لم تكن تعرف أنها خائفة، فقط حالة من الغموض تلف أيامها منذ أن جاءت إلى هذه المدينة الساحرة، هكذا تخيلتها قبل أن تأتي، هل ذهب السحر ؟ أم أن نادين تغيرت ؟.
    انشغلت بالطائر الذي اشترته قبل شهر من محل بوسط المدينة، بعد مساومة مع البائع الهندي، واكتشفت بعد مغادرة المحل أن هناك مدن تكسب الإنسان عادات جديدة سيئة. في حياتها بباريس لم تكن تتحدث كثيرا مع البائعين، تقرأ السعر المكتوب على السلعة، ثم تذهب للدفع فورا، نادرا ما تلاطف أحدا في مثل هذه الأمكنة، هنا عليك أن تتمتع بمزايا الشرق، أن تعرف كيف تساوم وبصوت عالي، وأن تجرب كل لغات العالم. فكرت أن دبي تشبه امرأة شرقية فاتنة، خلعت نقابها لترقص في ملهى ليلي، مهما حاولت الرقص، فتاريخ جسدها لن يشفع لها بأن تكون مبتذلة، الابتذال يتعلق فقط برجال ونساء محرمون من غريزة يمارسها الحيوان دون أن يخجل.
    قد لا تكون منصفة أحيانا في قرارها الذاتي تجاه الأشياء، أفكارها، وقد عانت من ذلك كثيرا مع سعيد، فهو أناني بشكل مبالغ فيه. ربما فهمت أنانيته بعد أن فات الأوان، المهم أنها الآن تحاول أن تفهم حياتها على نحو جديد، تملك رغبة كبيرة في تدمير الأمس، " لكن هذا الوغد لن يتركني.. مثلما فض عذريتي قبل أن يقترن بي، سيفض عذرية أفكاري ووحدتي، هؤلاء الرجال الشرقيين مصائب لا يمكن الفكاك منها أبدا".
    - " تري – هكذا نطقها يقصد ثري ( ثلاثة ) - ثاوسند أونلي "
    قال البائع الهندي، يبدو كئيبا ومرتبكا، لا يثق بذاته كثيرا، لكن ما الذي يشغله إذا كانت والدته ستجد له فتاة جميلة، وسيتزوج دون أن يدفع شيئا، فالعادة عندهم أن الزوجة هي التي تقوم بكل شيء، تذكرت حكاية زميلتها في العمل " أوشا " التي كانت بطنها ممتدة، وغابت ليومين لتعود إلى الشركة خائفة، وقد عاد للبطن وضعها الطبيعي. فهمت أنها قامت بإسقاط الجنين، كانت ماريا قد قادتها إلى البهو لتحكي لها ما سمعته من آخرين، قالت لها عندما وقفت أمامها حذاء الطاولة :
    - " تعالي لنشرب كوبا من القهوة سويا "
    فهمت نادين أن الأمر لا يتعلق بكوب قهوة، فقد وضعتا أكواب القهوة فارغة قبل ثوان، لا تزال على الطاولة، لم يحركها التي بوي السيريلانكي بعد، كان مشغولا بمشاهدة روبي التي اختيرت المرأة الأكثر شعبية في مصر، في استفتاء إعلامي.
    روبي تحرك جسدها وهي تغني، في الواقع تحرك مؤخرتها بشكل مثير، فاتن، يثير غرائز النساء والرجال، وبالنسبة لـ " بيم " السيريلانكي المتوّحد في غربته، والذي لا يتعدى راتبه 500 درهم، فهي توفر مادة خام يسترجعها في الليل، عندما يأوي إلى مخدعه المشترك مع العشرات من أبناء بلده، يدخل الحمام ويخرج، يكون قد أفرغ مؤخرة روبي في دورة المياه، على الرغم من يقينه من خلال تجارب بعيدة، تبدو وكأنها لم تحدث أصلا، أن متعته الحقيقية لا تتحقق إلا مع المقدمات، لا المؤخرات. يحس كأنه ارتكب عارا، فهو مسلم في المقام الأول، قبل أن يكون سيريلانكيا، وفي الإسلام يحرم على الرجل أن يأتي المرأة من دبرها.
    - " أوشا لا تريد بنتا حتى تدفع مهرا كبيرا لها، لديها بنيتن "
    - " لكن هذا حرام أن تقتل جنين عمره "
    - " خمسة أشهر.. عندما يكون المال هو موضوع الحياة فلا قيمة تظل في مكانها، على كل شيء أن يتغير، بإمكان فتيات جميلات أن يكن عاهرات "
    - " هل بوذا قال لهم اقتلوا الأجنة في بطون أمهاتها "
    - " صدقيني بوذا نفسه لو عاش في ظروف أوشا لفعل مثلها، هؤلاء لا يخترعون غير الترهات، علينا أن نجد لها عذرا "
    - " هل تأملت مشاعرها جيدا، تبدو خائفة "
    - " هي تعرف أنه لا توجد أسرار في العالم "
    - " لم تقولي لي من أخبرك بالأمر ! لديك شهرين فقط هنا، وتعرفين الأخبار أسرع من أي زميلة أخرى "
    شعرت ماريا بشيء من الضيق، لم تتوقع أن تخاطبها نادين كزميلة، لماذا لم تستخدم مفردة صديقة ؟ بدا التغير واضحا في مشاعرها. انتبهت نادين للأمر، لكنها لم تفهم أن السبب يتعلق بمجرد مفردة لغوية لم تفكر فيها كثيرا. تدرك، ربما يخال لها أن ماريا إنسانية في بعض المواقف بما يفوق الهبل، لا شك أنها تأثرت لما حدث.
    لو فكرت ماريا قليلا واسترجعت ما قالته نادين بالضبط، لفهمت أن مفردة صديقة لا يمكن أن تكون مناسبة كبديل لمفردة زميل، هل كانت ستقول لها " وتعرفين الأخبار أسرع من أي صديقة أخرى " يفهم من هذا أن الجميع أصدقاء لنادين، وهذا غير صحيح"، قالت ماريا لنفسها لاحقا في المساء : " كان عليها أن تقول الجملة بشكل مختلف، حتى لا تحرجني"، وضيعت أكثر من نصف ساعة تبحث عن جملة مناسبة توازن بين الأمرين : أنت صديقة، والآخرون مجرد زملاء عمل.
    عجزت ماريا عن تركيب جملة، رغم خيالها الفاره في تصميم الأزياء للدرجة التي تتهم فيها دوما بأن تصميماتها خيالية لا واقعية. كانت جالسة تشاهد التلفزيون، وانشغلت بمضغ العلك، والتدخين إلى منتصف الليل، قبل أن ترفع تتصل بنادين.
    رن جرس الجوال كثيرا، إلى أن توقف، كررت الاتصال أكثر من مرة، اقتنعت بأن نادين قد تكون نائمة الآن، لكن عادتها ألا تنام مبكرا، فغدا عطلة نهاية الأسبوع، وفي العادة يقضيان الليل معا، فكرت ثانية بخبث " نادين مستيقظة ولا تريد أن ترد عليّ، إنها تكرهني، لأن المدير قال لي في الظهيرة ستسافرين معي إلى باريس للتعاقد مع الشركة المنفذة لأزياء ربيع العام 2004، هذه المرأة تتمتع بحسد غير متوقع، لكنها طيبة، كيف يمكن أن أفهم أنها طيبة وحسودة، لا عليّ، لو فكرت كثيرا لن أصل لشيء مهم، لن أخترع ذرة جديدة ".
    تخلت ماريا لفترة لن تطول عن رغبتها في الخروج مع نادين إلى مكان مختلف لتفضفض معها " هذه أسيرة ذاتها، معقدة، لن أفكر فيها طويلا، ينبغي أن أحل مشكلتي بمفردي، لا أحد يرى أشياءك مثلك، ثم ما الذي يجبرني على صداقتها".
    فكرت أن الظروف تجبر الإنسان على الالتقاء بأناس كثيرين، يخلق معهم علاقات، صداقات، يظل لفترات طويلة معهم، لكنه سرعان ما ينساهم، ويرمي بهم في مذبلة الزمن.. في زمن العولمة والترحال بحثا عن الفردوس الأرضي، الحياة الجديدة، في أماكن لم يكن أجدادنا أو آباؤنا قادرين على الوصول إليها، حتى لو في الأحلام، تتغير القيم بشكل فظيع، تكون المصلحة هي ما يجر الإنسان نحو الإنسان، تتبدل المحبة الصادقة التي كانت تسكن قلوب الناس في الماضي، إلى ضحكات صفراء، باهتة.. يعرف الإنسان أن الآخر لا يضحك بسبب الحبّ، فقد تلاشت هذه المفردة عن الوجود وإلى الأبد، يضحك لأنه يريد أن يطلب منك شيئا ما، لو رفضت سيقطب جبينه ويهرب بعيدا عنك، بحثا عن أناس آخرين قادرين على التعايش مع هذا الخداع المستمر للذات.
    ذات ما كانت ماريا تفكر فيه كان يشغل نادين، فقد طال اشتياقها للعودة إلى باريس، منذ أن جاءت من هناك قبل عام ونصف، في باريس تكتسب الحياة معنى مختلفا، لا يشعر المرء بأنه حر فحسب، بل يشعر بأنه قادر على التفكير دون قيود، دون مصالح ذاتية فجّة، لكن باريس ليست دائما هي الفردوس، ففي بعض الأحيان تحس نادين بأنها حشرة في مستنقع كبير من الظلام، في مدينة يصرون على اقترانها بالنور والجمال.
    " كنت سأعيد بعض ذكرياتي الجميلة هناك، سأمشى بأماكن حميمة، سأقابل صديقات وأصدقاء، سأفهم أن الزمن لا يتقدم إلى الأمام عندما نعود لأماكن نحبها ".
    واصلت التلويح للكروان على الشاطئ في قفصه الصغير، لقد أحبته فعلا هذا الطائر الذي اقتنع الهندي في النهاية أن يبيعه بألف وخمسمائة درهم، بنصف السعر الذي نطق به في البداية. تأملته، تحاول أن تنسى كراهيتها لماريا، التي جاءت فقط قبل شهرين لتأخذ نصيب من عملوا لسنتين في الشركة، منذ تأسيسها، هي ليست واحدة منهم فحسب، بل تعتبر نفسها مؤسسا ساهم في دفع نجاح العمل وتحقيق الأرباح الطائلة في نصف العام الأول بوجه خاص.
    فكرت أن الإنسان في بعض اللحظات القاسية، لا يعرف كيف تسير الأشياء في هذه الحياة، خاصة في المدن الشرقية، العربية. حتى لو تغلفت هذه المدن بغلاف المدنية الغربية، اكتنزت بالبارات والفنادق والملاهي الليلية، وبيوت العهر، ستظل تحمل تاريخها في جينات ترابها، فالمدن مثل الكائنات، مهما تغيرت ظروف حياتها، فإنها لا تستطيع وفي زمن وجيز أن تخلع ثوبها القديم، أن تغادر عاداتها وما ألفته منذ مئات السنين.
    عبرت بذهنها صورة " وات " هذا الأميركي الغبي، الذي سهرت معه في " جيمرا بيتش " قبل شهور، يستمتع بأن ينطق كلمة " دبي "، يمد شفتيه للأمام في غباء، دون أن يخرج لسانه، مثل كلب ينبح نبحة واحدة ويسكت " دوباي "، ينطق الكلمة فخورا بأن الحضارة الغربية انتقلت إلى الشرق، قالت له بعنف، وهي تضع كأس الويسكي بعصبية على الطاولة :
    - " لن أرقص معك، ألا ترى إنك قبيح المنظر "
    ابتسم كاشفا عن أسنان صفراء معبأة بالدخان، كان ثملا بمبالغة، فقد شرب كثيرا. أصر على نادين أن تراقصه :
    - " أتدركين أن حلم طفولتي أن أرقص مع امرأة من الشرق، عربية بالتحديد "، قال ضاحكا بطريقة هبله.
    عليها أن تحتمله إلى نهاية السهرة، حتى لا ينقل عنها أي صورة مزاجية سيئة لرئيسها الفرنسي في العمل، هي تعرف أن الفرنسيين نادرا ما يثقون في الأميركيين، لكن عليها أن تضع احتمالا لكل شيء، في زمن صارت الوظيفة فيه وطنا، من يفقد وظيفته لا أرض له ليقف فوقها.
    رقصت ثملة مع وات، وقبّلها كثيرا. جاءت القبلة الأولى بمضض، مع الثانية صبرت على شفتيّن غلظتين، لأميركي مولد من أصول زنجية، بعدها صار الأمر عاديا، احتك النهدان بصدر متسع كغابة استوائية، مغطى بالشعر. كانت أزرار قميص وات مفتوحة إلى الوسط، أعلى السرة بقليل.
    منذ متى لم تلتصق بجسد رجل، حاولت مراجعة الذاكرة، ومع السكْر نست التفكير في أمر لن يكون مهما، في هذه اللحظة بالتحديد، عليها كامرأة أن تعيش حياتها، صحيح أنها معقدة ولا يمكنها التحرر عن عادات الشرق المتوارثة، حتى لو أنها عاشت في أوربا، لكن هذا ليس وقت انشغال الذهن بهذه الأمور.
    قطعت الاسترسال في العصف الذهني. اندمجت مع وات، رقصت بشقاء طفلة مراهقة، سافرت إلى مدن حلمت بالرحيل إليها في أزمنة غير قادرة على استحضارها الآن، طارت كعصفور صغير، ثم حطت على السجاد الفارسي في أرضية البار.
    بعد نهاية السهرة، استأجرا تاكسي، نزلت أمام العمارة التي تقطن فيها، في شقة صغيرة لوحدها. أخبرت السائق باسم الفندق الذي ينزل فيه وات، فقد كان الأميركي غير قادر على التفكير إلا في أمر واحد، أن ينام هذه الليلة مع هذه العربية، لكن مع الصباح وجد نفسه نائما وحده. استيقظ منتعشا مع حرارة الشمس المتسربة عبر النافذة، يتأمل الصحراء من الطابق العاشر في الفندق.
    ليس وات وحده، رجال كثيرون عبرت بهم في حياتها القصيرة، الحافلة بالتفاصيل المثيرة، يكون بعضهم مضمخاً بالعطور، لكنها سرعان ما تنسى، تغيب في تفاصيل الذات العميقة، في ذكريات نادين التي كانت تحلم أن تكون ممثلة في هوليوود، ربما راقصة في ملهي ليلي.
    الفكرة الأخيرة جاءتها من حالة السكر التي عاشتها ليلة أمس، مع عيني وات الغريبتين واللتان لا تقولان إلا معنى واحد " في أميركا تكمن أسرار الوجود، وفي عيون الأميركيين حتى لو بدا الغباء، فإن هناك قارة كاملة لم تكتشف بعد، نظن أننا نفهم الأميركي، لكن وراء الأميركي، حتى لو كان مولّدا، عالمٌ لا يزال مختزنا بالغيب.
    تذكرت نادين فيلم آلام المسيح الذي شاهدته قبل أسبوعين مع ماريا في السينما، مخرجه ميل غيبسون أميركي أسترالي الأصل، فكرت أن الفيلم الذي أثار ضجة، في مقالات تابعت بعضها على النت، لم يكن يستحق كل هذا الضخ من المقالات " نحن العرب شغفون بكل ما هو أميركي، إننا نصلي لهم دون أن ندري.. لإنسان يعتقد أن أميركا هي نظام كامل من الحرية، لا يمكن أن يفكر إلا بهذا الشكل ".
    - " في أميركا الحياة لا تقف، لكن يبدو أن الجميع لا يعرفون إلى أين هم سائرون " قال وات قبل أن يتناول كأسه الثانية.
    - " نحن نقول نفس الشيء عن حياتنا، إنها تسير، لكنها تتدفق نحو مستنقع من الحضيض "
    - " بالعكس، حياتكم مفعمة بالأساطير... وهذا ما يكسبها المعنى.. بتصوري أننا بدأنا نكتشف هذا الأمر متأخرا، شاهدي أفلامنا، ما يسمونه بالخيال العلمي، إنه محاولة لرد الاعتبار للأسطورة في حياة الأميركي.. الحروب التي يديرها الأميركيون في الشرق لا تخلو من هذا الهدف، لا أعتقد أن الرئاسة عندنا تفكر في النفط، لدينا نفط كثير يكفي لمئات السنين، فنزويلا معبأة بالبترول والمسافة إليها أقرب من الشرق الأوسط "
    - " ما هي علاقة الحرب بالأساطير التي تحلمون بدور لها في حياتكم ؟ "
    - " سأقول لك سر يا نادين، كل أميركي، وربما كل إنسان في العالم لديه أشواق تجاه هذه المنطقة من العالم، أشياء خفية تحرك أرواح البشر نحو الأرض العربية، لا أدري ربما لأن الحياة بدأت هنا ".
    - " هل تعتقد أن الديانات لها علاقة بذلك ؟ "
    - " بالتأكيد.. هنا دفنت روح الوجود، في الشرق، لهذا لا أعتقد أن الحروب ستتوقف عندكم أبدا.. سأقول لك مثالا آخر يقرب لك صورة ما قلت.. إذا كان الأمر متعلقا بالنفط كما يقولون، ما الذي يدفع الغرب للمجيء إلى هذه المدينة، ألا ترين عشرات الشركات تتحرك من الغرب نحو دبي، أنهم باحثون عن حقائقهم القديمة، أرواح أجدادهم في هذا المكان الساحر.. بإمكان الأميركيين أن يأخذوا النفط ويذهبوا بقوة السلاح، دون أن يخلفوا حضارة في هذا المكان، ما الذي يهمهم تجاه أن يكون العربي مدنيا ومتحضرا ؟ "
    - " وات أنت أحيانا تخلط الأمور، هل كل الأميركيين يفكرون بهذا الشكل الــ.... ؟" كادت أن تقول وصفا قاسيا، توقفت، صبت كأساً ثالثة ورابعة لوات، قالت :
    - " المسألة لا تتعدى المفهوم الرأسمالي، سيادة الكون بعولمتكم هذه "
    مع الوقت وتداخل الأفكار، وثقل الرأسين، لم يعد مهما لوات أن يفكر كثيرا، أما نادين فكانت تفكر في حلم قديمها أن تعمل راقصة في ملهي ليلي، هي الأخرى منشدة بأشواق عجيبة تجاه الغرب، حضارته، إنسانه. لم تقل لوات بالفكرة التي عبرت بذهنها " تعالوا هنا ودعونا نذهب إلى هناك، وإلى الأبد، إذا ما كان الأمر لا يعدو مجرد أشواق روحية، حنين للأرض التي بدأ فيها الإنسان يفهم علاقته بالوجود، يرّكب أساطيره الخاصة، حتى يعطي لحياته معنى". ولم تقل أيضا " إذا ما استمرت أميركا نحو النظر إلى الأساطير بشكل جدي، فسوف تنهار".
    اكتفى الكروان بصفير موسيقي تعودت سماعه طوال الأيام الأخيرة في شقتها، وهي تجهد عقلها لإنتاج طريقة مبتكرة في تصميم الأزياء. شعرت مع الموسيقي عند الشاطئ بانمحاء ذكريات الطفولة الغريبة، رغباتها وعطشها للحياة والمعنى، قبل سنوات تعجز الذاكرة عن إحصائها بسهولة. ذكرتها الموسيقى بسعيد، الذي كثيرا ما يردد " الموسيقى خمر الروح"، يشغل الأسطوانات العتيقة لبيتهوفن وموزارت، ويبدأ في الشراب، بعد أن يجعل الإضاءة نصف قمرية، متأملا لوحة على الجدار لفتاة تحمل جرة ماء في طريقها إلى البيت، واحدة من اللوحات التي رسمها المستشرقون بتصوراتهم عن الشرق، تذكر اللوحة سعيد بزوجة نبي الله موسى، ابنة شعيب، يقوم باحثا عن كتاب قصص الأنبياء لأبن كثير، ليقرأ فصلا عن شعيب النبي.
    علاقاته مع الأفكار تقوم على مشاهد يراها، في أحيان كثيرة يعتقد أن هذه الطريقة في معرفة العالم خاطئة، لكنه لا يتحرر عن عاداته. كان يظن أن دراسته في جامعة السوربون، وحصوله على الدكتوراة في الفلسفة سوف تجعله رجلا طليقا، متحررا من طفولته والآثام التي ارتكبها تجاه ذاته قبل أن يأتي إلى فرنسا. مع الوقت وجد أن سعيد لا يتغير كثيرا، قد تتغير معتقداته على مستوى التنظير، في مؤلفاته وأحاديثه ومحاضراته، وحرصه على أن يظهر أمام الفرنسيين كرجل خالٍ من العقد، لا سيما عقدة الأنثى والجنس، لكنه يظل سعيد الذي يقتل الأجنة في بطون أمهاتها.
    في ساحات السوربون يتنقل سعيد في مشية الفيلسوف، يخال أن البعض ينظر إليه على أنه ابن رشد الجديد أو التوحيدي، لكن ابن رشد كان حرا، يحدث نفسه، إلى أن يدخل القاعة لاستقبال الطلاب الجدد المبتعثين من دول الشرق الأوسط وأقصى آسيا.
    هناك تقليد يجري في السوربون في مطلع كل عام، أن يقوم أستاذ شرق أوسطي بمخاطبة الطلاب القادمين من الشرق، وتعريفهم بالجامعة. وقف سعيد ليؤدي هذا الدور، وبعكس طلاقته المعتادة في الكلام، تلعثم مع هذا الصباح الذي سيكون مختلفا. التحمت عيناه مع فتاة تجلس في الصف الثاني، تبدو واثقة من ذاتها بشكل كبير، تشبه إلى حد بعيد ابنة شعيب على اللوحة التي سيعلقها لاحقا في صالون البيت، يشير إليها من يوم لآخر، أثناء جلوسه في الصالة مع نادين، قائلا:
    - " أحيانا تبدو هذه الحياة كمزحة، لم أكن أتوقع أنك ستكونين هنا "
    تضحك نادين، مع ضحكتها تحاول أن تنسى العار الذي عبر بحياتها، الطفل الذي مات دون ذنب في شهره الثالث، لحماقة اسمها الشرف. ذات الحماقة تعيدها الآن في شريط الذكريات على الشاطئ " ألم يتآمر سعيد عليك، اختصر الموضوع ببساطة، إما___ وإما ___ .. لم يترك لك احتمالات أخرى للخيار.. كان رفضك يعني الرسوب في نهاية العام، هل هكذا كان الفلاسفة؟.. حديثه المتواصل في قاعات الدرس عن كيف نبني مجتمعات مثالية في الشرق، كان مجرد كذبة من أكاذيب الفلاسفة، بصقتِ على وجهه : أنت ستبني مجتمعات من الحيوانات ! ".
    " هتفتِ .. صرختِ دون تحكم في مشاعرك الصغيرة المهذبة. تجمهر الطلاب من شتى جنسيات الدنيا، هؤلاء الذين سيقررون مصائر المجتمعات خلال سنوات بسيطة قادمة. لم يفهم أحد ما جرى معك. جاءت نهاية العام، لم تمرين في مادة الفلسفة.. لم تشفع لك الدعوات المتواصلة في ليالي باردة، هل كانت ملائكة السماء مشغولة بترتيب أقدار أخرى لك في الحياة".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de