ما الذي جرى لحسين خوجلي؟
التفكير الاستراتيجي و التفكير الآني - بين العصيان المدني و المقاطعة الجزئية آراء و مقارنات
الحزب الشيوعي بالمملكة المتحدة وايرلندا يدعوكم لندوة يوم السبت 3 ديسمبر بلندن
سقف العصيان ، زوال النظام ..هكذا يقول فقه الثورات !
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 12-02-2016, 06:03 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة عماد البليك(emadblake)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

أنا وأخري الملك - رواية جديدة

01-02-2004, 05:21 AM

emadblake
<aemadblake
تاريخ التسجيل: 05-26-2003
مجموع المشاركات: 791

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
أنا وأخري الملك - رواية جديدة


    أنا وأخري الملك

    إلى ثريا.. ومآب

    (1)

    في طريقنا إلى الخرطوم من بربر عبر الصحراء الموازية للنهر، توقفنا عند جبل البركل، قرب أهرامات محاطة بأسوار شائكة، أشار لي أخي الأكبر مرجان قائلا:"هذا موطن أجدادك القدماء لقد صنعوا حضارتهم هنا". جلست على الرمال الزاحفة أرسم أشكالا لم افهم ماذا تعني بالضبط، دائما ما أعشق الرسم، أرسم أشكالا لا أفهم إذا كان لها معنى أم لا، وأرسم في كل شيء يتوفر أمامي الورق – الحائط – سبورة الفصل – على ضفة النهر، في هذه المرة رسمت على الرمال، وفي هذه المرة اكتشفت أن رسمي له معنى كبير جدا.
    في الواقع كان أخي هو الذي اكتشف المعنى، سألني : هل تعرف مغزى ما رسمته، هززت رأسي أقول لا، فحدثني باستغراب: " أنت لا ترسم أنت تكتب لغة أجدادك الذين يعيشون الآن وراء هذه الأهرامات، تكتب اللغة التي اندثرت منذ الآلاف السنوات، ومعها اندثرت الحياة هنا في هذا المكان، نعم كانت هنا حياة لها قيمة، وكان الإنسان يفكر في قدره ومصيره مثلما نفكر نحن اليوم". لم يقل لي مرجان من أين تعلمت كتابة لغة أجدادي التي لم تعد معروفة الآن، إلا في كليات الآثار، في جامعات محدودة في العالم.
    نعم لم أكن أعرف معنى ما أرسمه، أو اشخبطه، وفي حياتنا نقوم بأشياء كثيرة لا ندرك إن كان لها مغزى أو أنها ستكون مفيدة ذات يوم، لكننا لو تأملنا فيها بيقظة أدركنا أن هناك فحوى ما. في ذلك اليوم تعلمت من مرجان أن العبثية شيء لا وجود له في العالم، وعلمني أن كل ما يفعله الإنسان له فائدة وتنضوي ورائه رسالة ما، لكن الإنسان قد يجهل ذلك، قال لي:"هذا طبيعي جدا إلى أن يزيل المرء الغشاوة عن عينيه وعن قلبه ويدرك سر هذا الوجود".
    ما قاله مرجان سيظل يشغلني لسنوات كثيرة من عمري، سأتجاوز طفولتي وكأنني لم اعبر بها، وسأنسى أنني كنت أكتب لغة أجدادي المندثرة، أكتب كما كان يكتب الملك "أركاماني"، الفرق بيني وبينه أن الملك كان يعرف معنى ما يكتب وأنا أجهل. وفعلا، وبعد مرور السنوات، كان ذلك اليوم قد مضى وكأنه حلم واحد من بين آلاف الأحلام الجميلة التي عبرت بها في مناماتي منذ طفولتي وإلى الآن. لم يكن باستطاعتي أن أحدد إن كان ما حدث واقعا أم خيال أم حلم جميل لا غير.
    مات مرجان قبل عشرين عاما، وكان الوحيد الذي باستطاعته أن يقول لي: "لا ما حدث كان واقعا يا محمد". تذكرت كل ذلك وطافت بي الخواطر وأنا وحيد، أقود سيارتي ماركة الجيب، أشق بها الطريق البري الذي قام حديثا، عابراً بموطن أجدادي، في طريقي إلى مسقط رأسي، كانت في الرأس هموم كثيرة، لكن منظر الأهرامات التي غلفتها الرمال من كل الجهات، سحب الهموم جانبا وأرجعني إلى هناك، إلى ذلك الزمن البعيد.
    تذكرت أخي مرجان وعودته لنا في البيت آخر العام بعد أن أكمل دراسته الجامعية، كان يوما من الفرح الكبير، فيه اكتظ بيتنا بالجيران، وزغردت النساء، وبدأ مرجان سعيدا بتخرجه.
    توقفت بالسيارة عند الأهرامات، وبدأت في البكاء على أخي الذي مضى، رأيته أمامي يشبه أركاماني بشكله البهي وعينيه الوخاذتين ونوره الذي يسطع كالشمس عند معبد "أبادماك"، وبدأ لي يوم عرس أخي يوماً لا يُمسح عن ذاكرتي، لم يكن ذلك الحدث قابلاً للشك، أو كان حلماً، كان واقعاً مائة بالمائة.
    خرج مرجان مرتديا زي العريس، ضاحكا، وإلى جواره مريم تجر ثوبها الفضفاض وتقبل في رفيق دربها الذي لن يعيش طويلا، كان الجميع يضحكون فرحاً، إلا أمي فقد مزجت الضحك بالبكاء، وهي تتمنى لو أن أبي كان حياً ليرى فرح أبنه البكر. بعد مقاومة عميقة للحزن، تغلب الفرح على البكاء، وعزت أمي نفسها بأن هذا هو حال الدنيا، لا تتوقف لأحد مهما كان ذلك الأحد.
    جلس أركاماني على عرشه الجميل إلى جوار عروسه الجميلة مريم، وبدأ معبد إله الشمس بؤرة ضوء تنير الليل الغارق في ظلام الصحراء على ضفاف النهر. لبس المكان ثوب الحلم البديع، وأعلن الملك تمرده على الكهنة يأمرهم:"حطموا إلهكم القديم وأسجدوا للإله الجديد". في تلك الليلة حطمت البجراوية الإله"آمون"، قتلت كهنته الجبارين بعد مرسوم صدر من الملك أركاماني يقول فيه:" وداعا لزمن أمون ومرحبا بعهد أبادماك، إلهكم وإله الشمس المقدس الذي ستكتشفون به حقيقتكم، من أنتم وماذا تريدون، وما أنتم فاعلون في يومكم من اجل غدكم".
    لماذا اختار أركاماني الأسد ؟ هل لأنه سيد الغابة ورمز الملك والسلطان على قبيلة الحيوانات، أم لسبب آخر، لا أحد يعرف السبب، وحده الملك المقدس يعرف كل شيء، ولم يكتب لنا المؤرخ الإغريقي الذي كتب عن مملكة نبته عن هذا الأمر، فقد كتب"ديدور الصقلي" يؤرخ ذلك اليوم القديم جدا:"احتفلت البجراوية بالإله الجديد، وقتلت الكهنة حرسة آمون وبعد أن ألقت بجثثهم في النهر، نصبّت الكهنة الجدد، الذين حرسوا معبد أبادماك، كان عيدا كبيرا في المملكة النوبية، تلونت فيه السماء بلون الفراش الوديع، وكان أركاماني الملك يخطو خطواته على درب الفراش إلى عرشه. في ذلك اليوم شاركت مليوني فراشة في الفرح تسد المسافة الفاصلة ما بين الأرض والسماء في البجراوية، كان الفراش قد تربى في معبد آمون لكنه خان آمون وأحتفل بإلهه الجديد".
    وأنا أراقب الأهرامات متذكراً رحلتي القديمة مع أخي، سمعت صوتا يناديني بهمس:"محمد يا ولدي لا تفكر كثيرا". من كان يخاطبني في وحدتي؟ في صحراء تمتد حول ذاتي الغريبة، في زمن لا شفيع لي، فيه، سمعت الصوت مرة ثانية من باطني، وأنا أواصل رسمي على الرمال، أكتب لغة أجدادي، أنزف دمي الثقيل عنباً أزرقاً يلون سماء البجراوية في أزمنتها القديمة، أسأل روحي:"من كان هنا، ومن ذهب، ومن سيأتي ؟ "، مجرة من الأسئلة حاصرتني وجعلتني أبكي في الغابة الجديدة.
    خرج أجدادي من الغابة إلى الغابة، من غابة الأشجار الباسقة الخضراء إلى غابة الأشجار الباسقة الشوكية، يحزنون لموت الحياة، يرقصون كالفراشات في عيد الشمس لا يعرفون معنى لكآبتهم، يشترون السواطير من أسواق أفريقيا البعيدة يحلقون بها اللحى في ظلام الليالي البعيدة، كان كل شي بعيد، حار جاف صيفا، دافئ ممطر في كل العام، كل شئ يتلون بلون الإناء الذي يصب فيه إلا أنت يا محمد، يرجع الصدى فأراه جالسا أمامي سيدي وملاذي أركاماني، قلت له:"هاأنذا لا أفكر كثيرا، أقطع أفكاري بنور الغيب القادم، فيه حلمي وأملي، وحيد ابحث عن ملاذي في الحياة، كالعصافير أنام في عشي المهجور بعد إيابي، صدقني أنا عائد إلى مسقط رأسي بعد الغياب الطويل، من يصدقني غيرك يا رب الشمس؟".
    كنت صغيرا جدا، وكنت كبير جدا، ربما في حجم طائر الزرزور، وربما في حجم الفيل، الذي وضع خرطومه عند ملتقى النيلين مدينة ملعونة. يسمونني محمد واسمي نفسي أركاماني، لساني قصير وعقلي كبير وعيناي وخاذتان تعجب الرجال المخنثين قبل النساء. كانت أفكاري تهرب مني فيسرقها القاصرون في وضح النهار، أحلب بعض الأفكار وحدي بقرة، واشرب الفكرة ثم الرؤية، ولا أنتفع بهذه أو تلك.
    هرب أركاماني تركني وحيدا أتلفت في الصحراء، أعاين الأهرامات القديمة، أسأل هل كانت هنا حياة ؟. هرب الملك وكان يعرف أن بإمكاني أن أدبر حالي في زمن بلا أحوال، فيه الرجال عراة بائسون إلا من أبى، يبحث عن حرية جميلة كالفراشات يوم عرسها، وكان يعرف أكثر أنني لا أرغب في فكرة الوجود، ولو سألني لما ؟ لما عرفت الجواب.
    يقول ديدور الصقلي أن عمري كان ثلاثة أعوام، يوم كتبت لغة أجدادي على الرمل، ويوم ضاع مني أركاماني إلى الأبد، غاب في النهر إلى بلاد بعيدة، لم يقل لي سأعود، لم يخبرني عن حيل محددة لمواجهة الحياة ووقاحة البشر والدنيا، لكني وجدت له العذر.
    كان الموج سريعا في تقلبه العصي، أسرع من عقلي وعقل الملك، رأيته يرفع يده اليسرى يستنجد بي، أو كأنه كان يقول لي وداعا يا محمد وداعا إلى الأبد، وداعا لعالم الجنون، لا تخف سنلتقي يوما ما. وطال انتظاري لهذا اليوم، تأخر، ولن يأتي أبداً في أيام الدنيا التي لا تفي بالوعود.
    كنت أنتظر ساعة القيلولة لأعود للبيت ونتغذى سويا أنا وأمي ومرجان، قبل أن يصلي أبي كعادته وينام إلى ما قبل العصر. يستيقظ بعدها للقهوة والتأمل في حال الدنيا والمعاش، لا يأخذه التأمل طويلا، يشرب القهوة على عجل ويهرب إلى المزرعة على ضفاف النيل، يحفر هنا وهناك، ويعالج المياه والسدود المتدفقة غضباً على حالها،. يؤذن المغرب، يعود أبي ليصلي في المسجد الكبير في الحي.
    في العادة المملة أذهب إلى المزرعة في الصباح مع أبي، في غير ما موسم المدرسة، أما في العصر فأظل كالبنت في البيت، أرتب الغرفة الوحيدة التي نعيش فيها، فلم تكن لنا أخت لتتولى هذه المهمة المخصصة للبنات. أفرغ من النظام، فتعود الفوضى مع عبثي هنا وهناك، بعد أن أكون قد غسلت أواني الطبخ وصببت الماء من الحنفية الشحيحة في الزير، وقدمت البرسيم للبقرة التي تمنحنا البقاء للغد، بلبنها.
    ينتهي العمل، فأخذ كراستي التي أهداني لها الطبيب الوحيد في عيادة الحي، وابدأ في الرسم والشخبطة. أرسم أشياء كثيرة، بعضها احتفظ به، وبعضها أمزقه في الحال، لأنه لا يعجبني، وأكثر ما كنت مغرما، برسم الفراشات، قبل أن أكتشف عالم الملوك، بعد موت أبي. كنت أصطادها من البر شرقي البلد في مواسم كساد النهر قبل الصيف.
    حبي للفراشات تحول إلى محبة لجنس هذه الحيوانات الجميلة، بعد أن تعرفت على الملوك، أشعرتني رقة الفراش وعذوبته بنوع من الأسى لعشرات الملوك الذين تعرفت عليهم لاحقاً في كتب التاريخ، وكنت أقول لأمي:"هذه كائنات تستحق منا العطف والمودة".
    قبل أن أشق طريقي إلى البجراوية وأتوقف هنا، لأسلم على سيدي أركاماني، كنت قد دخلت بلادي عن طريق المطار، استوقفني موظف الجوازات قائلا:"تعال، لا تعبر من هنا ألم تقرأ اللافتة ؟ ". لم تكن هناك لافتة، كان بصري قويا، كما لم تكـن لدي رغبة في محاجة الموظف الغبي، لم أتحدث معه كثيرا، اكتفيت بابتسامة مصطنعة أهرب بها من غبائه. وقفت في الصف إلى أن جاء دوري، قدمت جواز سفري، هويتي.
    سألني الموظف:"من اسمك؟". رددت عليه بغضب:"مسجل في الجواز، اقرأ، ألا تعرف القراءة!". لم يقل لي أنا أُمي، قال:"لا أعرف". قلت له:" أذن أكتب، اسمي أركاماني، مهنتي ملك متقاعد يحب الفراشات، رائحتي حلوة، وعيوني جميلة عسلية"، وأكملت الباقي في سري "ومؤخرتي تتسع لتمرير الجيوش النوبية في خيانة كبيرة"، لكنه لا يعرف أن يكتب، لكنه سمعني، وابتسم ابتسامة صغيرة لم أفهم مغزاها، ثم تغيرت ملامح وجهه الغبي، الذي يشبه علب الصفيح القديمة المثقوبة، ليسألني بخبث: " هل أنت لوطي ؟ ".
    كانت تلك عودة لا تنسى، فحادثة اعتقالي في المطار، لأنني أسأت للجيوش النوبية سراً، كانت مجرد حدث عابر، اعترف أنني زججت بنفسي في المصيدة، وشرحت لرجال الأمن الذين اعتقلوني من يكون أركاماني، فقد كانوا لا يعرفون عنه شيئا، لكن الحدث الذي لا ينسى حقيقة، هو لقائي مع أجدادي في البجراوية، قبل أن أصل إلى مسقط رأسي في الشمال، عند ضفة النهر.
    مررت بالخرطوم عابرا، كأنها لا تهمني أو أنني درست وعشت بها ذات يوم، وعملت فيها فترة من الزمن، كنت في شوق للقاء الأهل، بعد غياب طويل أمتد لعشر سنوات وربما أكثر بشهور. ودائما ظلت الخرطوم مدينة لا تبقى بذاكرتي، فالمدن عندي مثل الأحلام، أعاشرهن في ليالي ضحلة، أقضي بهن حاجتي، وأرمي بهن في الفجر مثل أعقاب السجائر الأمريكية التي أدخنها.
    في الصباح سأرمي بالخرطوم في مذبلتي كسيجارة صدعتني. وقد كان ذلك بعد نهاية الرحلة وعودتي لعملي خارج البلاد، كنت أجلس على مقعدي في الطائرة، متأملا بقايا سيجارة، رميت بها من على مقعدي، على الأرض، عند ملتقى النهرين، تلاشت حتى ذابت وانتهت بالموت. كنت سكرانا أخال نفسي ملاكا عظيما يسافر على متن الخطوط الجوية الملكية، ينظر للأرض من علٍ محمولا على طبق طائر بأجنحة البراق.
    وقفت المضيفة أمامي تسألني:"ماذا تريد؟" .. "لا شيء" .. "ألم ترن الجرس؟" .. "نعم " .. "إذن ماذا تريد؟" .. "أريدك أنت ملكة تجلس مع الملك في عرشه". لم تجب عليّ ، تشاغلت بتحريك نهديها الكبيرين تحاول إثارتي، لم تكن جميلة لكن أردافها كبيرة وعيناها تشبه عيني أبادماك، كانت تمثل أنها لا تسمعني، وكانت تسمعني بدقة تامة، كررت لها طلبي فضحكت تواصل سيرها في الممر، بين الركاب النائمين، في إضاءة خافتة، كانت تمشي مثل مدينة عرجاء لم أدخلها بعد، لكنني دخلتها بعد قليل.
    كنت قد دخلت جسد المدينة العرجاء، وخرجت منه غير تائب، أنا أركاماني. سألتني عن اسمي فقلت بزهو، أنفخ صدري:"أركاماني"، قالت:"هذا اسم عجيب!". حدثتها بغضب مفتعل:"الأعجب أنكم لا تعرفون تاريخ بلادكم". لم يكن ذلك كله مهما، المهم بالنسبة لي، هو دخول جسد المدينة المحمولة على طائرة الإيرباص الملكية.
    أشرت لها بإصبعي ففهمت أن المقصود هو "التوليت". دخلنا سويا، بل دخلت هي ورائي بحجة إصلاح عطل جرار الماء، وبقيت بالداخل، تحاول إصلاح الجرار بتلمس ذكر ملك أسطوري، وتماسكت بالذكر عندما أعلن الكابتن عن دخول منطقة مطبات جوية "يرجى من السادة الركاب التزام مقاعدهم". أغلقتُ الباب، فتحت جسد المدينة المحمولة جواً، فرأيت غابة ذكرتني بالغابات المدارية في ممالك النوبة، غابة بأشجار سوداء لم أرى مثلها من قبل. يقول ديدور الصقلي "مثل هذه الغابات كانت هنا في البجراوية في زمن ليس بعيدا، وظلت إلى ما بعد مئات السنوات من نهاية عهد الإله أبادماك".

    (2)

    كأنني ذاك الملك الذي تغلفت أيامه بالحزن، يوم قرر استبدال الإله، كأنه يعرفني، أو كأنني هو، كنت قد لاقيته، قبل سنوات بعيدة جداً، كان وسيماً، ذكياً، يتمتع بخواص نادرة، قل ما تتوافر للملوك، أمثالي. ضحك في وجهي، يقول لي:"أنت!". قلت:"نعم، أنا"، سألني:"متى عدت إلى البلد؟"، كذبت عليه، أقول:"قبل يومين". وفي الواقع أنني لم أفارق البلد أبداً. مضى في سبيله، ومضيت في حالي، أبحث عن مصادر جديدة لنهر الحزن في حياتي.
    لماذا أنا حزين؟. لا أعرف!. لكني سأحاول الجواب عن السؤال بتجردٍ تام، بمحاولتي استنطاق عفاريت ذهني المخبأة، أراجع ذاكرتي، لكن هذه الذاكرة الصدئة لا تعمل، إذن ماذا أفعل؟. أثرثر قليلا مع ذاتي، انشطر بكاءً، مع انحدار الدموع اكتشف أن البكاء يكسر حدة الحزن في الذات، يخفف الآلام الملك، الوحدة والعذاب، والتطاول على الآلهة.
    أدخل سجن الذات، لا أعرف جرمي، كنت أسير في الشارع، ابحث عن لقمة عيش أسد بها بؤسي، فإذا برجل بشارب كثيف ولحية يقف أمامي، يصوب نحوي مسدساً ضخماً، يقتادني نحو العربة، أجد نفسي داخل غرفة صغيرة مساحتها لا تتعدى حجمي بكثير، كأنما فصلت عليّ، أو كأنها قبري، ظننت أنني أنام في القبر، وفرحت كثيراً لكوني أودع عالماً من الشقاء والأنانية.
    إلى يومين وأنا على هذا الحال، خرجت بعدها من القبر، دخلت وخرجت دون أن أفهم السبب، أو يقابلني أحد ليحدثني، يسألني، دون أن أتعرض لركلة واحدة من قدم، أو يتفوه كائن ما بكلمات تشعرني بالضيق.
    مضى شهران، وربما أيام قليلة بعدهما، دون أن أفهم ما جرى معي، ما زلت أبحث عن لقمة العيش، وأفكر عندما لا أجدها بأن أكل أفكاري، حدثني أركاماني وأنا طفل:"يا ولدي الأفكار لقمة عيش". جربت أن أمضغ أعظم أفكاري، لكن بلا فائدة، "الفكر لا يسد رمقاً أيها الملك "، قلت له وهو بعيد عني، هناك يتوسد قبره في النهر.
    هل كان يسمعني؟. رأيته في الحلم، فتح رمسي، همس يقول لي:"اضحك"، كنت عابس الوجه، غير قادر على الضحك، كرر الكلمة، فضحكت مرة، مرتين، ثم صمت، فغاب عني، توارى وراء جبل من رمل.
    حاولت مراجعة الماضي في ذاكرتي المرتجة، وصوت مزلاج الباب القديم يكتم أنفاسي، تفوح منه رائحة نتنة، احتملتها. عاينت صورتي في مرآة الحائط بالحمام، كنت قد دخلت ونسيت أن أغلق الباب. تناولت سيجارة من الصندوق الذي سرقته في المساء من صاحب المقهى الليلي، مع أول نفث كنت أغني "سعادتنا في تحدي العالم"، تحديت العالم بتغوطٍ فظيع، تأملت خيوطاً هلامية على الحائط تواجهني، حاولت أن أجمّع منها صورة لحبيبة قديمة، هجرتني عندما اكتشفت أني حلمي أن أكون ملكاً. عجزت عن لم الصورة، فأغمضت عيني، كان الباب لا يزال مفتوحاً، قمت، أغلقته بهدوء، أسأل نفسي عن سبب هدوء الضجة، فالليل في بدايته.
    فتحت الماء، انساب يغمر جسدي العاري، لا استحي من الإعجاب به، افتعلت خوفاً أبرر به حياء مفتعلاً، أقاوم به جرأتي تجاه هذا الجسد، كنت كمن يخاف من مجهولٍ، جسدي كان هذا المجهول، ووجهي بدأ غريباً، كان رجل آخرٌ وراء المرآة يحدثني، يقلدني يسألني:"من أنت يا ملك الملوك؟".
    فجأة قفزت صورة الحبيبة القديمة، بعد أن دست ملامحها عني، بعد أن حاولتها فاستعصت عليّ، قلت:"يا ولد أتركها وشأنها"، كانت مكابرة كعادتها، الرجال يقولون عنها إنها بلا مزاج، وأنا أقول هي مغامرة.
    قبل أن أغلق الماء، نظرت إلى غائطي وقد أخذ طريقه إلى قاع المقعد، تملكتني رغبة في تحسسه، كم هو غليظ كقلبها، فكرت في قلبها، فزاحمني الرأس بشعرات مسافرة مع الريح، تتسلق الجدران، تسابق جنادب مقذذة، تلمستها رغم خوفي، أنادي بأعلى صوتي " يا لبؤس حياة الملوك ".
    أدخل الغرفة، أدفن رأسي في الوسادة، منبطحاً على بطني، أفكر في النوم، منذ أيام لم أنم مبكراً بسبب الزكام، قلت:"ربما كان الضوء سبباً"، أغلقت الستارة، أطفأت الشمعة الصغيرة، بدا شيء ما، دبيب من القشعريرة والاستياء، يحيط بي، يدخلني، يقاوم داخلي، تسمرت عاجزاً عن النهوض، مددت رجليّ، قفزت رجلي اليمني فأشعلت المصباح الكهربائي.
    مع الضوء كنت قد انزلقت على أرض الغرفة، على الرسومات التي انتهيت من تخطيطها بالأمس، قفز كاهن يعطس فيّ، لم أحفل به، سمعت تلك الحبيبة تقول لي:"رحمك الملك". أطفأت النور، رقدت على ظهري، سرقت أنوار الشارع العام مساحات من الغرفة، عبر ثقوب النوافذ، سمعت أصوات السيارات، همس العاهرات عائدات لتوّهن من الفنادق الليلية، صراخ الباعة، كان الفجر لا يزال رصيفاً.
    في الصباح عليّ أن أرتب أفكاري مع غليان " الكفتيرة "، سحبت أخر سيجارة أبقيتها من الليل، سكبت الشاي في المصفي، أضع الكوب تحته، أصب الماء الساخن، تعودت على هذه الطريقة في صنع الشاي من بائعات الشاي والهوى في شوارع الخرطوم.
    سحبت من بين الرسومات على الأرض، لوحة رُسِم فيها طفلاً يرسم على الرمل، أفكر هل هذا الطفل أنا؟، لماذا لا يكون محمد ؟. قذفت باللوحة بعيداً، أجذب نفثاً من سيجارتي، أراقب الدخان يصعد لسقف الغرفة، يتدلى عندما يرى العناكب في السقف.
    تذكرت جارتي سلوى التي قالت لي قبل يومين:"سأحضر لتنظيف الحجرة وترتيبها، يجب أن تعيش في وضع مريح"، كان العيد على الأبواب، ولكني لا أحفل به، لا ضيوف لي، ضيوفي جالسون معي دوماً، هؤلاء الكهنة الذين انتهيت من رسمهم قبل عام.
    سكتت، تمطّ شفتيها في وضع مثير، قالت:"أنت كذاب، حياتك كلها وهم". ضحكت أرد عليها:"لكن الوهم هو معنى الحياة يا سلوى، هو الحياة نفسها التي نبحث عنها". ضربت بيديها على ردفيها الكبريين، أنا مغرم بالأرداف الكبيرة. بصورة استياء متعمد، أغلقت الباب، كلهن يغلقن الأبواب، تبدو متضجرة وراغبة، لكني لم أعاقرها، لم أرى غير برهان الملك.
    قابلتها بعد ثلاثة أيام في سوق الخضار، كنت أبحث عن قطعة بطاطس تشبه وجه أركاماني، قرأت ليلة أمس ما خطه ديدور الصقلي "أركاماني عشق البطاطس طوال حياته، فعشقته البطاطس ،واختارت بعد هروبه إلى النهر أن تمنح بعض أحفادها شكل وجه الملك ".
    سألتني:"من كان معك ليلة أمس؟". فكرت هل كان معي أحد، لا أتذكر، لقد تشبعت بالنسيان منذ سنوات، أجبتها:"لا أحد". وضعت سلة الخضار على الأرض، ونظرت إلى عيني بعمق، شعرت بالخوف من نظراتها، وهي تحدثني بعنف:"أنثى أليس كذلك؟". غضبت أكثر، وصرخت فيها:"أنت مجنونة تتوهم".
    فلتذهب وجنونها، وتغسل بوهمها مؤخرتها، لا شأن لي، كنت أحدث نفسي وأنا أسلك طريقي عائداً إلى البيت، أنستني البطاطس بغضبي. في الشارع راجعت صورة الحبيبة القديمة، قبل أن تقلق مراجعتي، أبواق السيارات المكتظة في الشوارع الضيقة، جعلني الحر أتصبب عرقاً، كنت أريد أن أشتري منديلاً ورقياً، لكن ما بقي مع الملك من نقود، لا يكفي، ولم يتناول فطوره بعد، لم يشرب كوباً من الشاي، أو يشتري سجائر أو صحيفة صباحية تافهة، يرى فيها صورة الملوك الذين لا يتشبهون بالملوك.
    الطريق كان مزدحماً، لدرجة تقرف القرف، توقفت للحظات، أعاين وجوه المارة من البشر والسيارات والحمير، أتفحصهم جميعاً، كأنني لا انتمي لهذه الأشياء، فقد بدأت ملطخة بالوجع، لا اشتهاء فيها، يسكنني هاجس أنني مشرد، ومالكة الغرفة التي أسكن بها تطالبني بمغادرتها أول الشهر، صرخت وحدي:"العالم لا يطاق ".
    لا أنكر أنني فكرت قبل أيام في الانتحار، كوسيلة تخلصني من العذاب، من ضيق العالم، أكثر من عشر سنوات مضت لم أرى فيها نفسي، لا أذكر متى قرأت كتاباً جديداً، الكتب أصبحت لا تجدي، تشحنني بوجع القلب، انتبهت على صرخة سائق تاكسي، ينهرني كالبعير:"يا حمار، سر محترماً في الشارع"، صرخت فيه:"يا أهبل، وهل أنت محترم؟". لم يلتفت لي بعد قولته، استمر يضرب بوق سيارته المتهالكة، تصب الماء من أسفلها، كأنها تتبول، ينزع شريط الكاسيت من المسجل الحجري، ويضع أخراً، ينبعث منه صوت مرتل القران، فيّما كنت أفكر، أين أذهب؟.
    أول المساء، تبدو الأشياء مدوخة وقاهرة في مدينة ملعونة، فكرت أن أدخل المسجد، أصلي العشاء، منذ شهور لم أصلي، يكسوني وهم أنني نصف إله، وأحياناً إله كامل فقير. دخلت المسجد من البوابة الخلفية، انحرفت يساراً تجاه دورة المياه، أشار لي حارس الدورة العجوز، أن أجلس بعيداً، للناحية الثانية، قال بغضب:"هذه دورة النساء".
    عدلت حال سوستة البنطال، أحاول تحمل الماء الفائر في مثانتي، اتجهت نحو الجهة التي أشار العجوز لها، وجدت أكثر من عشرين رجلاً في صف طويل، كان أخرهم محمد، وبعد برهة طال الصف، فكنت أوله، أبصق على الأرض، فيقرصني جاري، منبهاً إياي، للافتة المكتوبة أمامي "الرخام جميل، من فضلك لا تبصق"، قلت في سري، لكن صوتي ارتفع : "هل هو رخام الجنة!".
    مع ضجيج البعض، الذي لم أهتم به، كنت قد أدركت محصل النقود، يجلس جوار منضدته الخشبية المتسخة، ممسكاً بمسبحة، لا يسبح بها الله، يحركها مع صوت النقود، وهي تسقط في الحصالة، يسجل كلاماً هيروغليفيا على الدفتر.
    أرتفع صوت المؤذن، ومعه بدأ الرجال يتململون في الصف، سمعت بعضهم يقول:"لن نحصل الصلاة "، كنت في أول الصف، بمحاذاة طاولة محصل النقود، لكني وجدت نفسي دون أن أشعر، في منتصف الصف تقريباً، ما الذي جرى ؟ لم أفهم!، ولم أجهد روحي بفهم ما لا يفهم.
    مرت خمس دقائق، كان الصف قد نقص خمس رجال من ذوي الأحجام الكبيرة جداً، والأجساد المرهلة بسفالة، حدثت نفسي ضاحكاً:"مثل هؤلاء، لا شك أن غوائطهم تسد أفواه المقاعد في الحمامات". قبل أن أفكر في غائط رجال كانوا أضخم من هؤلاء، رأيت رجلاً زهق فترك الصف، وهو يلعن دورة المياه، وكان في سره يلعن النظام، أن يقف الناس في صفوف مستقيمة، وآخر دلف بعد مشاجرة مع محصل النقود، عبر البوابة الواحدة للدورة، ففاز بحمام لا يجد فيه موضع قدم من العفن.
    أقيمت الصلاة، فرأيت أنني لو انتظرت في الصف، الذي أصبحت في نهايته، لن أصلي أبداً، فتركت رغبتي في الصلاة، التي أكتشفت أن دافعها الرغبة في التبول. خرجت من المسجد إلى الشارع المزدحم بالبائعين المتجولين وصبية الورنيش والنازحين خوفاً من الحرب.
    بدأ المطر يداعب خصلات الإسفلت المهشم، فقد كان الفصل أول الخريف، ارتفع صوت مادحٍ للنبي (ص) يغني:"الصلاة والسلام لك يا نبينا"، على يمينه، مجموعة من الناس، يلتفون حول صبي معوق يؤدي حركات بهلوانية، مثل أن يشرب الشاي برجله، فيضعون النقود أمامه.
    اتجهت نحو موقف الحافلات، وجدته خالياً، الركاب المنتظرون انحشروا في صالات الدكاكين خوف المطر، الذي انهمر فظيعاً، شعرت برغبة في التدخين، انزويت في صالة أمام مجموعة من الدكاكين، التي أغفلت أبوابها، اشتريت سيجارة واحدة من بائع السجائر الجنوبي، أشعلتها، جذبت نفثاً، أحاول معه أن أتأمل صورة الملك، أين هو الأن ؟ وماذا فعل به شعبه الوغد؟، هرب الملك، ومعه هربت حبيبتي القديمة، مع عبور فتاة من قبيلة " الزاندي " بجواري، ملتصقة بي، في وضع شبه متعمد، عندما نظرت إليها شذراً، قالت:"سوري"، واصلت سيرها، تابعتها إلى أن ركبت التاكسي، وهربت من المطر، الذي تحول طوفاناً.
    كان الليل يدخل ببطء في جسد السوق، والبرق يكشف عورة الأشياء، استحم أنا بوجعي، أتأمل خواطري السمجة، غير حافلٍ بما يجري حولي، تستند بعض الأشياء عليّ فأدفنها في خلاياي.

    (3)

    فرغت من ترتيب أشياء قديمة، كنت احتفظ بها في حقيبة، عمرها لا يقل عن عمري، حملتها معي منذ طفولتي، تمنحني دفء الحياة، وتكسر من حدة حلمي بالثروة والثراء العاجل، أن أكون سيداً في قومي، يشيرون إليه بالبنان، أسير وسطهم كملك، يوقروني، حتى لو كانوا يكذبون عليّ، يكرهوني في سرهم، ينسون أنني أنتمي لعائلة فقيرة.
    الحياة كعادتها، لا تذهب وفق طموح المرء وأهدافه، فقد اكتشفت وأنا أقلب محتويات الحقيبة، أنني لم أغادر المحطة الأولى، فقد ظل وزني كما هو 52 كغم، وطولي 167 سنتمتراً، وبدا لي مشواري مع الدنيا، كمن غرس نفسه نبتة، وسط وادي أقرع، كان أمامي خيارَ أن أنفي جسدي، إلى وادي الموت، لكني جبان، شجاعتي لا تتعدى بطولاتي المزورة، في الورق، أن أرسم.
    هاتفت مريم، كانت تتهرب من مكالماتي، ترد علي بسرعة، ثم تعتذر قائلة:"أنا مشغولة يا محمد"، وأحيانا يرن جرس الهاتف حتى يئن، ثم عرفت لاحقاً بعد أن كثر أنين الجرس، أنها تزوجت وهربت مع زوجها إلى أميركا، بعد أن وقع اختيارها صدفة، عن طريق قرعة "اللوتري"، للهجرة.
    مات مرجان بعد عام من زواجه بها، ورغم فارق السن بيني وبينها، كنت أفكر فيها كزوجة، على الأقل سأضمن أنها ليست عاهرة، لكن أحلامها لم تصب في مجرى نهر أحلامي، لأنها لا تحترم من يحلمون بدرجة مبالغ فيها، أن يصبحون ملوكاً، ولأنها درست التاريخ بجامعة الخرطوم، فقد كانت كثيرة الشك تجاه من يثقون في التاريخ وملوكه. حدثتني بعد رحيل مرجان بأيام:"التاريخ أكذوبة كبيرة، تماماً مثل الحاضر"، كنت معجباً بفلسفتها، لكن الفلسفة تسقط أمام الفقر، وأنا كنت لا أملك لا قوتي، ولا قراري.
    دائما أسميها الحبيبة القديمة، وأتذكر ما كانت تكرره لي:"هذه الحياة لعبة، ونحن أوراق اللعب". وكنت أقول لها:"دعيني يا مريم أرتب الأوراق، لأكون معك، أحتاجك أن تنزعين قلقي لأعرف كيف ألعب".
    لكن كل شيء مضى، تساقط ورق الحلم، وأنا أنتظر مفاتيح الصباح، كنت وحيداً أدغدغ حزني، وكانت هي بعيدة، في بلاد تفصلها عني الجغرافيا وإحساسي بالعجز والإحباط وربما الخوف. حتماً لن أجدها، لن أضمها إلى حضني العاري، لن أقول لها:" تعالي نغني سوياً "، لتقول لي:"دع الغناء فإنه لا يجدي ".
    من سأحدثه عن مأساتي، جنوني، عن لغة الرفض التي تحاصر حياتي، فترفضني الحياة والأحلام، وماذا بإمكان رجل مثلي أن يفعل، وهو لا يملك غير سروال من القطن، غزلته أمه في ساعة من نهارات حزنها، ألبسته إياه، لكي يستر عورته، فهل انسترت العورة؟.
    تدرك مريم، أن لغة الرفض هي التي تقلقني، أن حلم طفولتي ضاع، لا تحاول أن تخفف من ألمي، لتقول لي:"ستعود أنت، أنت، ستحب الدنيا رغم زهدك المُدعى، وستنسى حزنك"، أنا حزين فعلاً، ولو أدركت مريم حزني، لاحترمت أخي في قبره.
    هل كنت أهزئ، أرى ما لا يراه خيالي؟ أم أن ما جرى وما يجري من حولي وفيّ، غيّر لغتي ونظراتي، حتى وجهي تغير، لم يعد ذلك الوجه القديم، أصبحت رجلاً كإناء من وجع، محفوف الشوارب، أصلع الرأس، زنديقاً، ينظر إلى عينيه وباطنه بأرق شديد، يحاول أن يتجاوز معنى العنف فيه، فيعجز، كدت أن أصرخ، وأنا أفرغ محتويات الحقيبة، ارمي بها بعيداً، في مزبلة الممالك النوبية.
    حتى هذا اليوم، كانت السماء تمطر، البروق تنتزع الفرح من قلب السماء بضحك يشمئز له العاقل، كنت مستعداً لإعادة التفكير في أشياء كثيرة، لكني أنسى، فقط أعود لتذكر جراح حياتي القاحلة، مفرداتي المنهوبة، الحرية كمفردة للعيش والانكسار، البطل الذي يأتي كما عودنا في نهاية المشاهد ليصرخ، هاأنذا، الجنون، الذي لم يعلم الفوضى تألقاً ونظاماً.
    وجدت المفردات تغرق ما حولي من سدود الخوف، باستثقالها خطوي، كأنها تضحك في وجهي، تلعنني بقوة قاهرة، تقول لي:"أنت حثالة زمن التيه". أرى في الظل أمامي ذكوراً بأذيال الكلاب، تعلموا النباح وصاروا يحترفون الخديعة، الخوف من أسيادهم الملوك، بعد أن تحولوا لطواحين من هواء حار، في أشد فصول العام برداً وقهراً. غادرت كل شارات الضوء والأمل، فوجدت نفسي وحيداً، أتقيأ الحزن على رصيف الطريق المبلط بالوجع، كان وجع العام ممتزجاً بأشياء لا مفر من الاستغراق في أحكامها السمجة، شاءت الروح البليدة أم غادرت إلى مطاف الأماني الكاذبة.
    سمعتُ صوتي العاثر، غريباً، تسوّد بالرغبة في تحطيم لغة الوجود، أن تتحلل عصابات الحروف الشاردة، في غابات ومستنقعات ببرك آسنة، لا تعرف كيف تقرر مصيرها، مثلها كعجزي عن استحضار لوحة العالم في قلبي، مصنوعة من بقايا نتف قديمة رائعة الألوان، تذوب فيها أجساد الغرباء، يغسلون ضوء الشمس بالنعاس اللذيذ، قبل أن يدلقون في الأحلام النهارية ألف لترٍ من ماء العفن، جبناء، يحدثون ذواتهم عن أنفسهم القبيحة، بكلمة ممجوجة لا تُصدقْ، تناوبوا الاستلهام الغائط في راحة العمر، يحنون لزمان آخر، تنكسر فيه المفردات جوراً، ثم تعود لتنزف دموع المحبة، تجاه عالم لا يصدأ بالأنين والصداع.
    سمعت صوتي، صوته، سيدي الملك، وأنا أخطط اللوحة الجديدة:"أنت ذاك البطل الذي غادر إلى مشهده الأخير دون الـ "هاأنذا"، كنت قد تأزمت بنفايات الخوف، أخال كل أناء معبأ بالعواطف ملِكٌ لي، أركض صريعاً بالتحدي المجوف، أن أتمرن على قراءة كتاب الزمن، احتراف لهجة الحركة والحرية في تقلباتي، ضد أشواق الجسد نحو مأساته، لأقف حليق الرؤى، أعد صالونات الغيب المنتهك بالشهوة المفتعلة، نادماً على الحياة، تمضي نحو جراثيم مبتغاها المستعجلة للرحيق.
    قلت للملك:"يا أبي هذه قوارير الظلمة تحرقني"، فقال لي، وهو يعبر جسر الحقائق الملفقة إلى تكويني، أن زورقي انشطر عند سدرة المنتهى، ضاعت خطواتي العجولة، وترملت أحلامي، قبل أن أغرق فعلاً في شيطان الروح، وأغني معه أغنية الصفير الكسول.
    كنت قد عبرت الجسر إلى السدرة، وجدته هناك جالساً، أركاماني، يتسلى بمضغ قصب السكر المعجون من بقايا رحلتي الأخيرة إلى ذاتي، في ليلة بلا أقمار اصطناعية، تشردت فيها البدايات، واستعجلت نهاياتي اللعب، على ميزان الخوف. كانت الطرقات مغلقة، صفوف من طوابير الملائكة والفراشات أمام المعبد الجديد، صفوف كسولة، تجلس على ظل رهقي، عطرتني بنكت مستورة من بحار بعيدة، يقول الكون أنه أحضرها ليدسها في صندوق المعبد السحري، في بيتنا القديم، على ضفاف النهر.
    الأبواب تُطرق، فلا يدخل أحد، أجعل الباب الأول مشرعاً للجنون، أحدث الملك أن لا يقص عليّ القصة، أو أن يطرد الأحلام عن زوبعة الفراشات المتمردة بالاستسلام، تهرب إلى ملاذها الأخير، عند ناحية الحديقة الجديدة في معبد أبادماك. أفكر هل كانت الفراشات سيئة المزاج؟ قبل أن استرسل في الفكرة، افهم حاجتي لاحتساء كوب قهوة يهلكني، استيقظ في الفجر، أو ربما لم أنم، أفك سروالي، أفرغ شاحنة المني المطاردة في قطارات الوجود، أولاداً يتطايرون على ملة الملك، يضاحكهم، ينكسرون بالحزن في وشوشة الموج، عند النهر.
    حدثني الملك:"حلف الأنهار والفراشات لا ينهزم"، لكنني صدقت عقلي، يرسل شارة الضوء النافذة، ويجذب رحيق الزهر عن أنفاس الفراش، قبل أن أرى روحي من قصب السكر، غلافي مقلوب، أسناني محطمة بقيود اللسان، أمام جلالته، سطوته، كان النهار لا يضحك، والمرآة تعاند وجه الملك، وزهدي في لقاء سلوى ينفصم بهيل مريم، تسد قواربها عند ضفة النهر، مع جاريات الكهنة الجدد.
    سلوى هذه الجارية المعذبة، ترغب في تدمير العالم، على شكلها الخاص، شكلي أنا، وحدتي، ترقص كما الفراش، على قلبي، تهدهد الشجن القديم، على رائحة احتراق البخور النوبي في غرفتي، مع شوارد الغضب النازع لشهوة الزمن الذي مات، لون المساءات في البجراوية، ربيعها الأزرق، هذا الباهت، الذي لا ينام إلا على وسادات الرمل، يرسم مجده الضائع، يحدثني أنها لي.
    لم أصدق، رمال النهر، لا تصدق، سلوى اكبر من كل الأكاذيب، ومن لعنة الملوك القدماء، سأدخل إليها الليلة، سأكون خائفاً، أطارد ظلي، سأعاندها، لنرحل معاً إلى بلادنا المفقودة في الرمل.
    أشياء تحاصر الذاكرة، فيصبح الوقت وقوداً للحاجات العصية، انتهيت من التمرين الرياضي، الصباحي، طالعت قرص برتقالة الشمس، وراء الشوارع وأعمدة الكهرباء، ما بعد ليل مطير. لسبب ما كان عليّ أن أتذكر جملة أحوالي في الأيام الأولى من انضمامي لطائفة الملوك.
    في تلك الآونة، لم تكن سلوى قد تبلورت بحجم الآن، مجرد حمل لطفلٍ سيئ المزاج، يدخل المدينة مساء بالقطار، متأملاً العالم، مستعيناً بأوجاع طفولته، يحاول بها استصلاح مكامن البور في جسده القذر، محو ماضيه، ينشد تطلعاته في جحور الدواهي.
    أوقفني الشرطي، عرف أنني غريب، سألني عن بطاقة الهوية، ظللت ساكناً، صامتاً، أؤمن بأن الصمت يحل عقد الناس، لكن ليس هنا، فالمكان يبدو أكثر اضطراباً من توقعاتي الخاطئة، ومن الصعب عبور الليالي سالماً، فالجسور محروسة بالأوغاد، البلد تعيش قلق تغيير النظام، والنهر مسكون بهاجس أن يسافر شمالاً، كل شيء يفر نحو الشمال، إلا محمد، فقد جاء للجنوب، من أجل يكون ملكاً مزيفاً.
    قلت للشرطي:"أنا أبن الملوك"، ضحك:"أي ملك؟". حدثت نفسي:"الجميع يعرفون الملوك، هذا الشرطي الأهبل، لا يعرفهم؟"، كنت أعتقد أن معرفتهم واجبة على كل إنسان، وبعد أيام فهمت أن الملوك ليس إلا مجرد ثقوب في إبر الدنيا، لا يخيطون، ولا يمررون الخيط إلا بأيادي العبيد.
    قضيت الليل في المخفر، أنا ذلك الولد المسكين، اطلقوني في النهار للريح، أحاول أن أزيح هاجس الملك، أتذكر كلمات سلوى:"المرء لا يصنع حياته إلا بنفسه ولنفسه"، حدثتها عن تفاهتي، وعن بحثي عن دليل لمغزاي، صرخت:"حياتك ملك لك وحدك، حريتك، لا تقهرني بالرعب". وطالما عذبتني سلوى لكن خلاصة العذاب، كانت فراراً لذيذاً إلى دنيا جسدها. فررت لأصنع حريتي، أتعلم أن سعادة الملوك لا تكون بغير النساء، حتى لو كسبوا كل الرجال.
    مع سلوى، لاحقاً، مضت السنوات، لترمي بي الحياة في مذابلها الوسخة، كرهت اشتياقي للمعرفة، وتسربت أحلامي في إقامة مملكتي الجميلة، هناك عند ضفة النهر، في وطن أجدادي، الذين رسمتهم ذات يوم.
    عدت إلى غرفتي، أحصيت مكامن الخوف فيّ، تخلصت لسبب مجهول، من كل الأوراق التي تتصل بماضي السوء، دخلت الحمام، تغوطت، عادة رذيلة أمارسها، حتى لو كنت ملكاً، أشعلت سيجارة أفكر في مريم، فأزيحها بسلوى، أكره أخي مرجان وأجدادي، تتخفى سلوى، رغم وجهها المحفوظ لي، كان العيد قد ولى، وبدأتُ التفكير بجدية في هجرتي خارج الوطن، سلوى علمتني هذا النوع القاسي من الأفكار، وأنا أدس ذكري في أنوثتها.
    لم أكن قادراً على مدافعة الفكرة، أقلقتني كبول ناري يعتصرني، لم أعد مستسلماً لمواجهة جحيم الحياة تحت شمس الخرطوم، الغبار، الليالي الطويلة التي لا تنتهي بسيقان مؤرقة، أغلقت باب الحمام، خرجت مواجهاً فراغ البيت، أصوات ما تناديني، لا استجيب لها، هؤلاء الملوك السخفاء، يريدون إعادتي لدورة سخيفة، جديدة، من حياتهم البلهاء، لن أستجيب لهم، لن أدخل في طاعتهم، سأصنع حريتي عبداً.
    علمتني سلوى أن الرغبات السيئة تدافع بقراءة الشعر، وأنا لا أفهم إلا في الرسم، في هذا الصباح سأقرأ شعراً، شاءت رغباتي أم لا، أريد شعراً طازجاً، مطهي بفنون الزمن الجديد، لا أريده غثاء، تذكرت أشعار سلوى، بدأت في قراءتها :
    أحاوركَ أول الفجر ، عصي أنت
    بمثل اكتشافك، كان المساء
    هل أنت مماس دائرة سجودي ؟
    أم فصول مطرك الجسدي.
    أرمي الأوراق، أعاين خلال نافذة الشارع، قلبي يدق، يبدأ الصبح استياء، يتقدم وجعاً قاتماً، أفرد أوراقي بشهوة الرسم، تطل عليّ من النافذة، تغني :
    وأنت آخر ما يرصد النائمون
    وأول ما يحلم الحالمون
    خرجنا سويا، اشترينا صحيفة صباحية، قالت لي:"تجارة الصحف أصبحت كاسدة"، لم أقل لها أن الناس لم تعد تهتم بالأخبار، تشغلهم أخبارهم، صنعوا ممالك وحدتهم البائسة، قرأت أفكاري، فقاطعتني:"كل إنسان يصنع حلمه، دولته، مملكته، ودستوره".
    دخلنا مبنى البوستة، وراء عمارة شائخة، فتحت الصندوق، لم تجد مجلة جديدة تنتظرها، أغلقت الصندوق بعنف، هربنا من وراء العمارة، ضمنا الشارع العريض، أخرجت صندوق السجائر، أشعلت سيجارة، وبدأت في الغناء تحت المطر، اشعر بسعادة غامرة، حرية أخرى مكتسبة، جذبت نفثاً ضحلاً، أعاين من بعيد، أفكر في سلوى، متى ستعيش معي إلى الأبد ؟.
    الشارع معبأ برجال بذقون وجلاليب بيضاء، عمم وقفطانات، تذكرت صديق قديم يعمل في مؤسسة جوار البريد، على بعد أمتار تبدو اللافتة القديمة، ذكرتني به، تشبه غفلته في الحياة، وروتينه الممل في فهم العالم، لا يصلح إلا لوظيفة كاهن في مملكتي، يؤدي فروض الخوف، ويُعمد أشيائي.
    كعادتي في الهروب، هربت من سلوى بين الزحام، دخلت المؤسسة التي تعمل في مجال كتابة التقارير السرية عن الحياة الجهرية، وأنا أدخل عبر الباب الزجاجي، تذكرت هدفي من هذه الزيارة التي جاءت فجأة، أن يساعدني صديقي القديم في استخراج جواز سفر جديد، فجوازي ممنوع من السفر، لأن موظف الجوازات الغبي، كتب في خانة المهنة ، ملك.
    وقفت أمام موظف الاستقبال، حليق اللحية، سألني عن بطاقتي، تأملها، قال لي برعونة:"أنت ملك"، كانت مهنتي على البطاقة رسام. غضبت من طريقته في القراءة المتوهمة، ومن لحيته الحليقة، وسط رجال تجمعوا في الفراغ بلحي طويلة، كلما عبر أحدهم لمكتبه، وقف الموظف بأدب مفتعل، يقول:"وعليكم السلام"، رغم أنهم لا يسلمون عليه.
    شربت ماء من حافظة كبيرة الحجم في صالة الاستقبال، وضعت الكوب، لأسمع الموظف يسألني:"ماذا تريد؟"، أخبرته:"أريد مقابلة صديقي جيلاني"، تشاغل عني بافتعال البهجة، عندما رأي موظفة بخمار وعطر نفاذ، تحمل رضيعها، تدلي حقيبة صغيرة من كتفها، تتجه لمكتب داخلي. صرخت فيه:"يا ابن العم"، رفع سماعة الهاتف لدقائق، وضعها، يحرك يديه، بصورة المنتصر، المزهو بغلبته، في وضع استفزني، يلخص انتظاري الطويل قائلاً:"غير موجود".
    قفزت عيناه في سرور، كنت قد دخلت في أظافري، أذوب، أتحول لقيمة تافهة في كيمياء الكون، أرى من خلال النافذة الزجاجية، التي انفتحت لثواني وأغلقت، جيلاني، هناك خلف مكتبه، أمامه فنجان قهوة ودوريات بلغات مختلفة، وورائه لافتة كبيرة كتب عليها بالأحمر "زيارتك تسرنا.. من فضلك لا تدخن"، قناة فضائية تبث مشاهد لراقصات، وملك يحمل رجليه، يهرب إلى الخارج، اكثر حزناً، ساباً للدنيا. أخرجت آخر سيجارة معي، أشعلتها، صوت قلق يشاغلني، أيام بعيدة في الذاكرة تتسربل، مثل طفل كنت أمشي بلا هدف.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

01-02-2004, 05:24 AM

emadblake
<aemadblake
تاريخ التسجيل: 05-26-2003
مجموع المشاركات: 791

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
أنا وأخري الملك - رواية جديدة (Re: emadblake)


    (4)

    في أول فصل المطر، تبتدئ هجرات صغيرة، للطيور، شيء ما اسمه الخدر يلون الفصل، يجلس أركاماني بقلقه على حجر أصم، مراقباً الأشكال، الأشياء في ذاكرته، منذ متى دخل العالم واصبح ملكا؟ً. ربما منذ أمدٍ بعيد، قبل أن أكون.
    أشتغل بالتفكير في وحدته، صور طلاقه الغريب الذي أعلنه للعالم، تحديه للإلهة، مهجساً بالأفكار، هل يستغني الملوك عن التفكير؟.
    في وحدته كالإله الأسد، الذي لم يكبر بعد، يراقب النهر، الجاريات، الكهنة، الأطفال، المملكة الممتدة، تستحيل مراقبته لحزن شجي شفاف، لتصورات بلا معنى، يرى الطيور المهاجرة، سلطة الغيب، يحس بغشاوة تغلف أيامه الأخيرة في العالم، هالات مفتعلة متكررة، تبرر غايات الأشياء، توجسات عظيمة تجعله يستغرق في توحده، يركل الأوهام المتصدعة في الذاكرة، من زمان طفولته، محاولاً أن يجد لذة تغنيه عن محبة الناس.
    عشرة أيام مضت، يعدها بأصابعه، يكرر العد، يتذكر شهوة الأكل والجنس، والافتراء الكاذب على الذات، أن تشعر بأنك ملك، وأنت غير راغب في هذا الشعور، أن ترى الفوضى، وأنت تعشق النظام، أن تكره العالم، وأنت تحبه، لا تريد ان تغادر نزيفه الأحمق.
    هل كان فصل المطر قد بدأ فعلاً في مملكته المتوحشة؟ في أطراف الصحراء، على الشاطئ، أم في ضباب عينيه الكسولتين عن الرؤيا، لا يجد فرقاً بين الحلم والواقع، سلطته ولا سلطته،على الشعب والنهر، ينسى كل ذلك، معايناً الفراغ، بقايا من مطر الأمس في ساحات القصر المزهرة، طيور حطت بعد هجرتها، هل جنت طيور البجراوية، متى سافرت ومتى عادت؟، لا يهتم بها كثيراً، يحلم بحكم مملكة من الطيور، بدلاً للبشر التعساء، هل ينزع الملك جسده، وكيوننته، يصبح طائراً جميلا في قصر الملك، يستبدل النهايات بالبدايات الأزلية، في تصورات غير جادة للكون، الذي ليس بمقدور أحد أن يعلمه كيف يسير في مجرته.
    تصورنا للعالم، يبدأ بما تراه عقولنا المريضة، ذواتنا العاجزة، أركاماني يحس ذلك، أن البشر محطة سيئة في ميراث الوجود، سوف تأتي أزمنة ليستبدلون بكائنات مفيدة، العالم لن يعود محتاجاً لهم.
    هجس فيه شيء ما، ذكره بمرآى المدينة القائمة بين فخذي النهر، كم هي لذيذة وقاسية هذه المدينة ؟، سحرها لا يستسيغه، يرفع يديه للسماء، لإله الشمس، ينسى ألهه الجديد:"أسكنني في مستنقع روحك، كم أنا ضال!".
    في منظر المدينة، تتكاثف سحابات من هلام الخيال المدوخ، عمارات شامخة، ناس يركبون سيارات فارهة، خيول عليها رجال بسيوف لامعة، تطارد رؤوس الرجال في معركة دامية بدأت للتوّ، يطرد الصور عن ذهنه، لا يحب الدماء والحروب، يخاف أن تشهد الأيام المقبلة حرباً في المملكة.
    تخلص من صور المعارك، استبدلها برسومات في معبد أبادماك، أفاعي، نجوم، دوائر، جواري غارقات في النشوة، كهنة ملاعين بالنفاق، شعب لا يفتر عن الحراسة، ملك يخاف نفسه وتعاسته، خطوط غريبة تنتهي بذيول أسود، رؤوس لعبيد عراة، غول يجسم على صدره، لوحة كتب عليها بالطين "أدخلوا دار السلام"، يطارد الرسومات، يعاود افتعال منظر المدينة من سور القصر، يرى بيوت طينية تتسامق، تكبر، تقوم لها أظلاف نعاج من الصاج، من كل ظلف يخرج دخان، ومن بين الدخان تقوم نافورة دم عالية، تضيء السماء بالدم الأحمر الساخن، يسافر الدم جنوداً، أشقياء، تعساء، مغلفين بالمرارة، كراهية العالم، يغمرون الدنيا، بالفوضى.
    يلعن الإله، يستغفر ذاته، يقوم من عند الحجر الأصم، يراقب آثار موضع جلوسه، يبصر أشكالاً لطيور ستهاجر بعد قليل، كم تدوخه هجرات الطيور عن مملكته، هل كرهت البقاء هنا، هل رأت ظلاماً وظلماً للعبيد؟، لا تتخذ الطيور طريقها إلى النهر، تهرب إلى قلبه، وراء الصحراء، وراء الغابات الملتفة كنساء خائفات.
    بمزاج الطيبين، يعبئ ما بين الفينة والفينة، بالصمت على الكلام الجارح، يعاين حوله، لا يرى إلا وجوه الحراس، كالحة، تتحداه، يخافها، يفكر في فعل الملوك، يعزم أمره، يتوكل على أبادماك، "سأقتلهم وليكن ما كان، لتكن نهاية المملكة، نهاية الرجال المكفهرين، أوغاد الزمان" .
    يبصق على وجه الحارس الأول، الذي يحبه صادقاً، بعنف، يواجه الحياء الداخلي للملك، يناضل ضد حياءه، يكوّر أحاجيّ أدخرها في ذهنه كرة سوداء، مليئة بالرعونة والغضب، لمثل هذا اليوم، يشير بإصبع واحد، تجاه المدفن، يهتف:"من يقف في طريقي، فدربه إلى هناك"، لم يصدق الحراس، اعتبروها مزحة من الملك، هو لطيف وقادر، لكنه سهل الحمل، عودهم الضحك بلا مناسبات، منذ طفولته يضحك، في قلوبهم، ويشفقون على ضحكه.
    بصق ثانية، كرر ما قاله، أحمرّ وجهه، رأي رؤوس الحراس أشواكاً لنباتات صحراوية تُعمي العيون، طارده فزع وعرق، خاف من المواجهة، لكنها حدثت، "هل يخاف الملك عبيده؟". فكر أنه ربما كان يحلم، فعادة ما تنتهي لحظات مواجهته في الحلم بالصراخ واليقظة، أدرك أن مجرد تفكيره على هذا الشكل يعني أنه خائف، ضعيف، متوجس، عبيط، قاوم الخوف بتمزيق الحارس الأول بأنياب الأسود في حديقة حيوانات القصر، لهث معها هستيرياً، يحدث نفسه:"أنا الملك المسكين".
    قبل أن يحدث هذا التحول في حياة الملك، كان هادئاً، يظن أنه محبوب لدى شعبه، يخال ذلك، فالملك لا يرضى بغير الحبّ، الحب الذي لا يكون مثار شفقة، لكن كل شيء قد تغير الأن، بعد أن رأى رأس الأفعى، الخروج على الطاعة، شاهد من وراء السور، ما كان يتخيله حلماً في البداية، حلم من أحلام الملوك التي لا تنتهي، هذه الخيول وهؤلاء الرجال بسيوفهم اللامعة، كانوا واقعا، عليه أن يحترز، أن يطارد رؤوس الرجال في معركة دامية ستبدأ الأن، يتخلص من الحراس الخائنين، يستبدلهم بمن يكن له الحب.
    "هل في نفسك كل هذا القيح والصديد يا سيدي أركاماني؟"، سألته، وقبل أن اسمع الجواب سألته ثانية:"أين كنت تخبئ هذا الجمال؟"، ضحك، عرفت من ضحكته أنه فهم، اكتشف لأول مرة سر العالم، كم ظل سنوات طويلة، يحلم بمعرفة السر، ها قد عرفه اليوم، السر أن تكون جبارا وقاهرا، أن تتطاول، تتحدى البشر، تقتل، تسفك، لا ترحم، تسبي، تتزوج مئات النساء في ليلة واحدة، تقضي وطرك منهن، تقتلهن، تتزوج غيرهن، العدالة كذبة كبيرة، والحرية باطلة، حرية الملك في تخويف شعبه، بالدماء، بالخيول، بالرعب، في الزج بالناس في السجون، في نفي الخارجين عن قانون الملك، في الاحتراز الدائم، أن كل الناس أعداء لك وعليك أن تقتلهم قبل أن يقتلوك.
    "يبدو أنك قد عرفت ساعة الحقيقة..." لم يتركني اكمل، بدا عنيدا، ملكا، لا كما عرفته وحملته طوال حياتي:"سأتقيأ تاريخي، أكتب أسطورتي، وحتى لو مت قتلاً لن أندم، هل تظنني أندم ؟، لا". بإمكاني أن أشك، أقول هي لحظة عابرة في حياة الملك، ستنتهي بعد قليل، سيعود كما كان، جميلا، طيبا، محبوبا، قطعت شكي برؤية الدماء، تتدفق إلى النهر، وصراخه هائجاً:"لم تعرفوا معنى حياتي بعد، أنا اليوم اعرف المعنى، أيها الشعب الجبان، لن تخيفوني بطاعتكم الكاذبة، طأطأة رؤوسهم القذرة، لا شيء يبقى بعد الملك ولا قبله بقي شيء، أنا الأول والأخر، السطوة والسلطان، النار والجنان، الجن والإنسان، الحلم واليقظتان، البرد والحران، أنا الشيطان، أنا الملك الذي لا تعرفون من يكون، أنا من كنت قبلكم، وأكون بعدكم".
    أحياناُ يتحول الحب لكراهية قاسية، هذا ما فكرت فيه، وأنا اسمع خطاب أركاماني لممالك النوبة، حتى شككت، في يوم كان مقداره خمسين ألف شكاً، في وجود مفردة الحبّ في هذا العالم، لو كان هناك حب، فهذا يعني انه يبدأ كراهية ناقصة، تكبر لتبلغ ذروتها، يعني أن الحب هو البذرة التي تنمو منها شجرة الكراهية، نعيش سنوات طويلة نتأمل الشجرة، لنكتشف أنها مزيفة.
    لا أنكر أن أركاماني، ذكي وشجاع، هو أكثر من يستحق صفة الملك في هذه المملكة، في هذا العالم، لكنه عاش طفولة، اختزنت كراهيته المستبطنة للعالم، حبه للناس والأشياء، كان مزيفاً، كبر الأن ليفهم، لينفي الوهم الذي عاشه، يقتل فكرة عبقريته الكاذبة، يفهم أن هناك من هم أذكي منه، من يفكرون في صفة الملك، حتى لو كان المُلك متوارثاً.
    "هي الأيام يا محمد، تضيء للملك ظلمات ذاته، ليرى الجوهر، ويكتشف كم يضيق هذا العالم بالحبّ" قال لي هذه العبارات، بأسى شديد، كأنه نادم، على المجزرة التي انتهت قبل قليل، على كل حياته، طفولته العنيدة، خسارته المغفلة في شكل الكسب، أحسست أن وراء عباراته، تراكم لهموم لم تموت، يوم لن يغفر، يوم مواجهة الرجال، تشريد عواصف الحزن الهائم في الذات، يوحش مسارها.
    كان يوماً مشهوداً، وقف فيه أركاماني عابثاً في وجه تاريخه، في تاريخ وجهه، ساعة عبور صادق مع الذات، كتب عنه ديدور الصقلي يخط:"عندما شردت عواصف الحزن ووحشة الذات الملك أركاماني، بعد عام واحد من تنصيب الإله الجديد، عبث الملك بمملكته، رغم حب الشعب له، كان كمن يحدق في كابوس المستقبل، المجهول، خائفاً، وقيل أنه كرر القول، لا أدري ما أنا فاعل، ولا أدري ما أنا مفعول بي، ولهذا سأستبق الفعل على المفعول، وليكن ما كان، دائما يستخدم عبارة كان، ليوصف ما سيكون، حتى يقول بحتمية الوقائع".
    لف أركاماني أحلامه المعلقة، في لفافة أخرى من الزمن، صرخ يهزئ كالمجنون، ارتفع ضجيج الشعب من حوله، وثقوا قدميه، يديه، عصبوا عينيه، رموا به في النهر، ليغيب إلى الأبد، في بيت أجداده القدماء، لم يأسف عليه أحد، لكن التاريخ تذكره، سأحزن عليه كثيراً، حزن يخيم على جسدي الهش، سأنتصر له، شاءت المقادير أم أبت، فالملوك وحدهم، الذين يصنعون المقادير.

    (5)

    تذكرت كل ذلك وطافت بي الخواطر وأنا وحيد أقود سيارتي ماركة الجيب، أشق بها الطريق البري الذي قام حديثا، عابرا بموطن أجدادي، في طريقي إلى مسقط رأسي، أسأل نفسي:"هل مات الملك حقاً؟".
    كنت كمن خرج من ذلك المكان المظلم، إلى نور العالم، فراغ الحياة بكل ما فيها من تبلد للإحساس والمشاعر تجاه الذات والآخرين، أرى في الرمال من حولي، صورة ذلك الطفل المسافر على راحلة الوحدة، هل ينجح رجل مثلي في ركوب الزمن السيئ؟، يسير إلى غايته وبر أمانيه.
    أصبحت أقضي جل وقتي بعيداً عن الناس، اخرج في الفجر الباكر إلى الصحراء، وراء البيوت الطينية ذات الظلال الباهتة، أعود في المساء إلى بيتي، سجني، كانت الصحراء ملاذي الأول والأخير، فيها ومنها تعلمت حكمة التحديق في المطلق، الصبر على عداوة الزمان والملوك، فالذي لا يحتفل بالصحراء، ولا يقدسها، لا يدرك سر غربته ولا عرف الدنيا.
    أكثر حنيني، وأنا أتجول بين الرمال باحثاً فيها عن صور الماضي، أن أرى ذلك الملك الذي هرب مني ذات نهار، دون أن يحمل عني جزء من هموم الحياة، هذا الملك الذي لم تلد النساء مثله، كنت أحبه، مثلما أحببت سلوى أخيراً، بعد أن مارست عليّ حيل النساء في صيد الرجال المشغولين بالتوّحد.
    مع لمعان ضوء الشمس على الرمال، يبدو وجهي ممسوخاً، مشوهاً، قادماً من مدن تحت الأرض، خلاصة سنوات من سفر طويل في المجرة الأرضية، لم أنظر إليه، نظرت إلى داخلي العميق، إلى سلوى، تنتظرني هناك بعد أن رتبت لي الشقاء، هجرتي إلى الخارج، وسمتني الغجري الذي سيأتي يوماً ما من وراء البحار بجيش الفتح الأعظم، تقول ذلك أمامي وتضحك، لم أكن متأكداً، هل كانت ضحكتها سخرية أم رغبة في المزيد من عناء الحبّ؟، أم كانت تظن أن مملكتي المتوهمة ستنمو في الصحراء.
    أراقب الضوء، تحاول سلوى أن تجدني كائناً غير مشوه، تفرغ أحلامي من التيه والضلال، أرغب في بعض اللحظات، أن أغربلها عن روحي، أمسح ذاكرتها عن ذاكرتي، لأكون وحدي كما كنت، أدخن، أثرثر على راحتي، أدخل مدن الأسمنت كما أشاء وأخرج منها غير نادم على خروجي، على مغادرتي لمقاهي الليل، والفنادق الضحلة.
    اعتصرت الألم، غير قادر على فعل شيء مفيد، أفكر في الهروب الحقيقي إلى موطن الأجداد، أبحث عن إلهي الجديد، عن بنت حلال في قصر الملك، حتى لو كانت جارية سوداء، لن تقيدني بمناهج المسجد والحانوت والبيت، سأعيش معها مطمئن البال، أنقذ رغبتي الصادقة في العيش الخفيف، لا أشعر بالأسى أو النزيف الروحي، لكن التراجع كان يعني الهزيمة، أو ربما الموت القاسي الذي لا يحتمل.
    تناسيت ذلك، أو ربما نسيته حقيقة، بدأت أرسم على الرمال من جديد، هذه العادة الطفولية التي لن اتركها، ومع الرسم كان لقائي مع أجدادي في البجراوية، جاء نهار أجمل من كل النهارات التي عشتها بلا هدف، لم يكن لي أمل في حياتي، فجاء الأمل، ومثل كل الناس، أصبحت أفرح لأقل الأشياء.
    انتبهت لأصوات الأبواق الضاربة والطائرات الصاعدة فوقي، وصوت الملك يحدثني:"الطائرات تذكرك بالحرب يا محمد؟"، أنظر إليه باستغراب، ينظر إلىّ بشفقة، كأننا نتعرف على بعضنا لأول مرة، كان الملك فارع الطول، جميلاً، مملوء بالزهو، في عينه اليسرى حول، لا يلاحظ إلا بالاقتراب منه، كنت أمامه لسنوات، لكني لم أعرفه إلا اليوم، مع صوت الأبواق والطائرات.
    هبطت الطائرات، ومعها نزلت فرقة عسكرية تعزف موسيقى الفراشات، تكلم رجل ضخم الجثة، يشبه رئيس الكهنة، يدعو الشعب لاستقبال الملك، دون أن يحدثني، متى عاد الملك من قبره في النهر.
    لأول مرة يكتشف أهل البجراوية أن لهم ملك، جاءوا من كل بيت ومزرعة ومعبد، رجالا ونساء وأطفالا، رقصوا مع الموسيقى، وحلموا بحياة جديدة للملك، زغردت النساء "أي .. يو .. يو .. يا"، ارتفع الأطفال فوق أكتاف الرجال، ليشاهدوا ملكهم، هتف الناس بحياة أركاماني، ذبحوا عند قديمه ثوريين ضخمين. مشى الملك بزيه الأخضر اللامع تحت الشمس، فوق الدم، أرخى يديه، صبغهما بالدم، راح يضرب بهما على أكف الأطفال، الذين تصايحوا بشكل هستيري لطربهم.
    عصراً، ركب الملك الطائرة، ذهب، وسألته قبل الرحيل:" البجراوية مكان معزول عن العالم، فلماذا يأتي إليه الملوك؟"، لم يجب عليّ، انطلقت في وحدتي، أواصل الرسم على الرمال الساخنة.
    رسمت مدينة جديدة في الصحراء، على ضفة النهر، شوارعها مضيئة، خزانات المياه فيها كبيرة الحجم، يصل ماؤها لكل البيوت. بعد أيام عدت للاستياء مجدداً، أعيش بلا هدف، أدغدغ العينين، لقد ترك الملك بغيابه، فراغاً كبيراً في حياتي، نسيت طريقتي في الحياة قبل مجيئه إلى هنا، ومن على البعد، من عند الرمال الساخنة رأيت قاربه الشراعي على النهر، طاردت القارب، تمتلكني رغبة في تفكيكه خشبة خشبة، كنت وحدي الذي يعرف مصدر هذا الخشب النادر، الذي لو بيع، يحقق لبائعة ثروة تعيشه مدى الحياة.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

01-02-2004, 05:26 AM

emadblake
<aemadblake
تاريخ التسجيل: 05-26-2003
مجموع المشاركات: 791

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى
أنا وأخري الملك - رواية جديدة (Re: emadblake)


    (6)

    غاصت إطارات سيارتي في الرمال، قبل مغيب الشمس، لا أدري أي سبب جعلني أفارق الطريق المعبد، لأجد نفسي وسط وادي من الرمل الجبلي.
    دخل الظلام سريعاً، ومعه باءت محاولاتي لإنقاذ الإطارات، بالفشل، استخدمت كل ما لدي من حيلة، واستعنت بحيل الأجداد الملوك، ولكن دون جدوى، وفي نهاية الأمر استسلمت لما كان، أن أبيت الليل في المكان، لأرى ما سيحدث في الصباح.
    الجو بارد، جعلني أعاني كثيراً، دخلت السيارة، أغلقت الأبواب بإحكام، لم اكن قادراً على النوم، كان الخوف يحاصرني، أن يهاجمني أحد قطاع الطرق الليليين، بدأت أسلى نفسي بالحكايات، كانت هناك سيارة يقودها أخي مرجان، وكنا في طريقنا إلى الخرطوم، بعد نهاية عطلة عيد الفطر، وكان معنا، من كان معنا؟، كان الطريق البري المعبد لم يشيد بعد، الدروب صعبة ووحل، ومليئة بالمفاجآت، بين مناطق تتفاوت بين الجبال والرمال، هناك احتمالات للتوهان، من لا يتذكر الطريق جيداً، لا يصل، هذا إذا جربه من قبل، ومن لم يجرب سيموت عطشاً وجوعاً. مرجان يحكي عن صراعاته مع الحياة، التي تشبه هذه الدروب الصحراوية المضللة، يحلم بمغامرات كبرى في العالم، وأحياناً يتذكر طفولته ومريم.
    يمضي الليل، نقاومه، أقاومه بالحكايات والثرثرة بصوت عالي مع الذات، بان ضوء الصباح، كانت الساعة الخامسة، صليت الصبح حاضراً متيمماً صعيد أجدادي، انتظرت لساعة حتى طلعت الشمس، أصبح بإمكاني رؤية الأشياء بوضوح، الإطارات غائصة في الرمل، إلى أكثر من منتصفها، كيف سيكون بمقدوري ان أنقذ السيارة، لأواصل رحلتي إلى مسقط رأسي.
    لا شجر ولا بشر على مدى البصر، حفرت تحت الإطارات، أزيح الرمل، ومن ثم حفرت مجرى طويل يمتد لمسافة تفوق العشرين متراً، ركبت السيارة، شغلت ترس القوة، بدأت السيارة في الحركة، كانت تتحرك لنصف متر وتقف، لتغوص في الرمل من جديد. أكثر من عشر محاولات باءت بالفشل، تقدم الوقت، الساعة تجاوزت التاسعة صباحاً، شعرت بالجوع، تذكرت أن معي بيض وقطع من الجبن، أكلت كثيراً، فقد كان الطقس بارداً، والشمس لا تغسل المكان بالحرارة، كما أنني بذلت طاقة في محاولة اقتلاع السيارة من الرمل.
    أشعلت سيجارة بعد الأكل، دخنت، أشعلت أخرى، نسيت وأنا أدخن السيارة التي غاصت في الرمل، الوقت الذي يمضي، رحلتي في هذه الدروب الشائكة في مواطن أجدادي، رحلتي في الحياة، ليس ثمة أمل يلوح لينقذني، أن أنجح يوماً ما في اقتلاع الحزن عن رمل ذاتي.
    قمت، تكررت ذات المحاولات، بلا جدوى، انتصف النهار، تحول البرد إلى حرارة لاذعة، شعرت بالإعياء والتعب، تصببت عرقاً، ماذا أنا فاعل؟، في لحظة، وجدت نفسي غير قادر على فعل شيء، غير الاستسلام، وزاد من يأسي اكتشافي المذهل، أن وقود السيارة قد نفذ مع محاولاتي الفاشلة للخروج من وحل الرمل، في حين لم يكن معي وقود إضافي. أصبحت تحت تصاريف القدر، قد أواجه الموت، إلا أن يحدث أمر خارق، وهذا مستحيل، كنت قد ضللت الطريق، فمن غير المعقول ان يأتي أحد عابراُ بهذا المكان.
    أحياناُ يكون وجود المرء في الحياة، مجرد ورطة، تماماُ كما أحس في هذه اللحظات العسيرة، لا قرار شجاع يجدي، ولا تجرد عن المبادي، يستوي الأمر أن تكون ملكاً أو كاهناً يعمل في خدمة الملك. إذا كان العالم من حولك، يشحنك بالكراهية والبغض والأنانية، فإن مثل هذه المواقف تجعلك كائناً مجرداً عن كل معنى، عن كل حبّ مزيف، تلتهم الوهم لتواجه الحقائق، حقيقة هذا الوجود القاهرة، كيف بإمكان قيم الجمال أن تسقط فجأة، تتغير الملامح المألوفة للأشياء، وللذات، لن يعود العالم كما ألفته.
    أحتاج إلى ذلك القرار الصعب، المفقود، لأصنع معنى وجودي في التيه، أتحسس طاقاتي المخبأة، ما أحمله من إمكانيات ومواهب كاذبة، في زمان غاب فيه الرضى، وماتت راحة الضمير، في زمان آخرٍ، لغة أخرى للإنسان، لغة تباعد ما بين الحلم وخيبة الأمل في الحاضر والمستقبل، فينفصلان، انفصال الروح عن الجسد. أرى حلمي مشعاً مشرقاً على الوجود، راحة بال تقتل خيبة أملي في ضميري المتقد بكراهية العالم، ولا أحفل بقبح ما حولي.
    بين غياب الراحة والمعنى، أظل وحيداً، تائهاً في الصحراء، لا ممالك لي في هذه الصحراء المتسعة، لي مملكة روحي الفانية بعد قليل، أنا الملك الأوحد، يبحث عن رضاه في وحدته، ها قد وجد الوحدة، وحصل العذاب، يمشي لا دليل له فوق رمال تتسع، تمتد بعرض وطول المجرات المجهولة.
    مثلي كان يحلم أن يكون لكنه عجز، كان ممتلئاً بحب العالم الذي تحول لكراهية كبيرة، تحول التعايش والتمازج مع الألوان الصاخبة، إلى شارات بلا مغزى، تكرس البغضاء، تقطع حبال الزمان القديم والجديد، على غير ما ميعاد، في برهة تنكفئ فيها مواعين الجدوى والرغبات، يصير كل لون من طيف الحياة أسوداً، قاتماً، يغيب الهدف والضمير والحرية.
    مثل ما ولدت بلا قرار، أموت بلا قرار، أفقد الرجاء والأمل، كنت أنشد حياة أفضل، حقي المشروع، رغبتي في أن أكون بشر على الأقل، لا أريد أن أكون ملكاً، ها كل طعم يتحول لمرارة قاسية، حتى ليكاد الموت أحب لدى المرء من الحياة، بعد أن تدنس العالم بالقبح، بالأنا والتوّحد الجاد، وماتت كل أشكال الشرور، الغرور الكاذب، والفوضى، ومن وراء غبش السنوات، كنت أتلمس موضع جرحي القديم، أنني أعشق أجدادي، رائحة الخراء في العراء، وراء ممالكهم التي حقنتني بالتيه، هل كنت أحن لخيام متحركة مصنوعة من سعف النخل؟،.
    صوت كلب يجيء ويروح، أزمنة وجعة ترخي رأسها على وسادة القلب الحزين، تحرقه، أسلك طريقي راجلاً إلى المدينة القديمة، وسط الغبار والبرد الليلي، رأسي يسخن بالهموم، أغطيه بشال من القطن، تغطس أرجلي النحيلة في الرمل، ترتفع، الطريق طويل إلى المدينة، أجتاز الوادي المقدس، أتذكر أنه مغلق عند نهايته، فقد بدأ الكهنة في سده قبل أيام، يقولون، يريدون أن يتزوجوا بعد أن قضوا أكثر عمرهم شواذاً، بنوا حجرات من الحجر لزوجاتهم، واستعدوا لإنجاب الأطفال، لسنوات سيغطسون فيها في الرمل، أو يعبرون النهر بعد يأسهم.
    لم أكن أعرف هدفي بالضبط!، لكن قلبي حدثني وسط الظلمات:" ضوء يأتي من ناحية المعبد، فأسلك الطريق إلى هناك وأنسى طريق الوادي المسدود". أقسم لروحي أنني سمعت أصوات بكاء، قبل أن أصل المعبد، كنت أجرجر روحي، أدس قارورة خمر حلمتها معي في مخلاة صغيرة، دخلت المعبد، وضعت القارورة إلى جواري، ووضعت حذائي عند النافذة، حتى لا يسرقه لصوص المعبد، صليت للإله أبادماك، أتذكر أني حذائي مهتري، ميت مثلي.
    تعشيت في المعبد بلبن دافئ، راقبت من فوق رأس الحائط، جهة الشرق، رأيت الضوء الذي حدثتني عنه سنوات طفولتي الأولى، فكرت فيه بعمق، وكان هو يفكر مثلي، أسأله:"من مات ومن جاء إليك؟"، راح يعد المرشحين للموت، كنت واحداً منهم.
    عاينت موقد الشاي في ناصية من المعبد، اشتممت رائحته تغلي، غلبني النعاس، أرخيت رأسي لوسادة من حجر، تغافلت رغبتي في شراب الشاي، لأنوم، لم يتركني أحد الكهنة وحالي، أحضر كوبين، صب الشاي، تمتم باسم أبادماك، ودعاني للشراب، لكني لم أهتم بدعوته، استعرضت صورة النهر، المزارع الممتدة حوله، سمعت صوت الريح في المملكة، تنفث خارج المعبد، ناديت جوفي ساخطاً، ألعن الزمان الذي جعلني أندم على حياتي ذات يوم، أعيش في عزلتي عن العالم.
    ضحكت وأنا أتذكر، الملك، الذي سيقابلني في الفجر، ليحدثني عن مملكته ذات التاريخ العظيم، لا أدرك هل قرأ الملك تاريخ مملكته أم عاشه؟!، كنت قد قرأته في كتب مكدسة في بيتنا بمسقط رأسي، قلت له:"عفواً أيها الملك، أي عظمة لتاريخ يضيع فيه المرء دربه"، لم يحفل بي، قام من مقامه على العرش، راقب عيون الكهنة والجاريات، في الضوء الباهت، أشهد أنه جميل، لكن الحياة لا تحفظ الجمال، فالملك سيموت بغبائه، لأنه لم يدرك سر الوجود.
    ربما أشياء كثيرة من الماضي البعيد كانت تدوخ الملك، أصوات أرجله الحافية تغوص في الطين اللزج، وقصاصات من أوراق النسيان في الذاكرة، قبل قرون كان قلبه مسرحاً للهوى الجميل الوقاد، أما الأن فقد تغير العالم، خواطره استنفدها هذا الليل الماسي، مع صوت المطر يتساقط على النهر، الماء يداعب الماء، يعانقه، سكون باطن النهر الممتد في مزاجه حلماً قديماً يوم دخله قبل شهر.
    اغتسلت من درن الطفولة، عيون الملك لا تفارقني، المملكة قائمة في المكان المنخفض في الذاكرة، تواجهني جهة الصحراء، من بعيد تبدو المعالم كالأحلام، والرمال خيالاً تافهاً، يلتهم الظل أشعة القمر الفضية، ذلك القمر الميت للتوّ وراء المعبد الحجري، أسمع صوت الأسماك، أحزان الجاريات في القصر، كان رجال يقودون معدية ويغنون أغنية الشقاء المدمر لهذا القلب الموجع.
    يترك الملك للوجع ناصية النهر، يقاوم لزوجة الطين، يدخل باطن الماء، كحيوان سيئ المزاج، يقاوم الأمواج، يحاول أن يصل إلى الأرض التي تخرج الدواهي، "أليس باطن النهر موطن العقارب في مملكتي، وفي القلب عقرب يتلمس طرقات الفراش"، يفكر ولا يواصل التفكير، يكتفي باستنشاق هواء الشمال بصعوبة، يحاول تقيئ العالم في الماء البارد، قلبه يدق.
    لم يعد مكان النهر، إلا تراب حفت به الأعشاب الوخاذة، نباتات العشر، كانت العصافير قد ماتت، رحلت، " تبدل العالم يا ولدي"، سمعته يحدثني، يحاول أن يتذكر كيف كان ممكناً له ممارسة العوم، يقولون أنه كان سباحاً ماهراً، يقطع النهر مثل السكينة، أسرع من المعدية، أما اليوم فلا يتذكر من مهارته القديمة أمراً، أمام مقصلة الموت.
    يرتفع صوت النهر في القلب، هل هو القلب أم النهر؟، ينادي من وراء القرون، أيها الوجع!، ترقص أرداف نارية في قرارة لجه، يقاوم الموت، لكنه لا يقاوم، إنه نشيد إلهي رائع للبشر، هؤلاء التائهون. فكّر ماذا كانوا سيفعلون لولا الموت، لماذا لم يجربه منذ الطفولة، إذن لحقق الراحة مبكراً، لغاب عن سوء الوجود، يسأل الروح:"أكان العالم هكذا، أم نحن الذين تغيرنا؟"، تلمس موضع الجرح في زمان انقرض في القلب، لم يجده، أصبح تحت الماء، صاح من التحت، انزلق للأرض التي يسكنها النور، رأسه يواجه قبلة المعبد.
    في مقاومة النهاية، يريد أن يحدث النفس بأشياء كثيرة، لكنه ينسى موضعه من الزمكان، الأحوال، رائحة الدم تتسربل إليه من الباطن، وفي ذهنه تتوقد الحياة بعد انفجارها المتأخر، " أليس أنت ابن النهر؟"، لا أجيبه، لا يكرر سؤال الذات، بغرور يتحدى الطين اللزج، يقاومه، يتذكر أخر مرة كلمته فيها سلوى عن النهر، قالت له:"هو قدرك يا محمد".
    جاءت في نهار ضبابي، تحتس العرق عند نواحي السوق القصية، تعيش الحياة بقلق عميق، تتأوه من مستقبل شرس أمام ناظريها، تراجع صورتها، كلامها، يوم موتها اللذيذ، ساعة دفنت صدره في صدرها، كانت السماء تمطر، يناديها:"يا ملاك يا صاحبة الملك"، يخفي صوته عن العالم، لم يعد العالم يسمع الأصوات التائهة، والمرء لا ينشد سعادته إلا في وحدته.
    جاءت تبحث عن أجدادها الذين عبروا النهر، في زمان قديم، قبل قرن، قرنين، شيطان من القرون، لا أحد يعرف، قال لها حارس المعبد:" الإنسان إذا لم يجد جذوره مات، لأن الجذور هي التي يصعد بها ماء الروح إلى وجدان البقاء، تذكري أن الماء هو أصل الحياة"، سمعته وواصلت البحث عن رأس جدها الأول، الذي قال أنه سيد أهل زمانه في بلاد الصحراء، كان قويا، قهر الزنج.
    تعودت معها الذهاب إلى النهر، أن تقودني كالأعمى إلى السوق، إلى الصحراء، عرفت معها أماكن لم أتعودها من قبل، لم أراها في عالمي الذي كان صغيراً، فاتسع، أدركت أن معرفة الوجود لا تكون إلا باصطحاب الأنثى، أوقفتني عند قبر الملك:"كم هو جميل هذا القبر!".
    جمال الملك الوقاد، أو جمال قبره، تدثرا وراء حجاب القرون، وبفعل وقاحة الذات دخلت القبر معها، صافحت سيدي الملك في منامه العميق، حدثته عن قلقي وفظاظتي، وجور الزمان والسلطان. خرجنا، بكت، ترسم على الرمل وجهها بالدموع، تصرخ:"أليس العالم كتلة من الألم وكومة من الرجاء المنقطع!".
    مضى النهار المذهب الذي جاءت فيه، الأشياء الرائعة تراجعت، حملت زفة الملك وحدي، أنتقل بها من شبابي إلى كهولتي، أغني كواحد من هذا العالم، بصوت عذب، يرتفع الغناء في الصحراء وسط الرمال والظلام، أغنيات عربية وأخرى من بلاد الزنج، تتداخل الكلمات والإيحاءات، كان لوني فاتحاً وشعري مجعد غير مسترسل، صعب النمو.
    في أيام الحزن الأول، لم يكن لي عمل محدد غير مشاهدة النهر، أقول للملك:"يا ملك، أنت ضيفي فلا تقلق حياتي الهادئة بتأملاتك في الماء". عرفت بعدها أن الكلام يؤثر فيه، كان حساساً، بكى وحده، غضب مني، حدق بوجهه في المجهول، اللاشيء، يقول:"لولا أني ما أحببتك لما بقيت فيك ليلة واحدة، كل بلاد الله ضاقت بي"، أما أنا فقلت:" بلادي لا يكرهها أحد، أرض البركة والخير، هذه دعوة سيدي الملك".
    مضت نهارات طويلة وليالي، كما ألفته، بل عرفته أكثر، "هل يعرف المرء نفسه؟"، كان يقضي المساءات عند مزار قلبي، باكياً حتى الفجر، أما أنا فأنام مبكراً، أعيش في الظلام مع الخوف، لا أسمع في منامي إلا صوت الريح الشمالية القاسية على القلب.
    في حياء شديد، يدخل الملك الماء، أشاهده يقود جاريته سلوى، يدخلها في الماء، كانت تسبح كسمكة، يسألها:"ملاك هل عندك نهر؟"، تقول:"وبحر، وغابات، وبشر"، يصيح:"لا، لا، أنا لا أحبهم، أحب النهر والرمل"، تسأله:"والموت؟"، لا يجيبها، يواصل قهره للزمان، يقهر مملكته وشعبه، ينادي ملاك:"يا ابنة الغربة والعذاب".
    عاشت معه موجعة، حتى يوم موته مقتولاً بمنجل فلاح من شعب مملكته، في مزرعة مجهولة من مزارع كونه الكبير. قتله فلح سيئ الظن بالذات والآخرين، هوى بالمنجل عليه، صائحاً:"أبادماك أكبر"، تدفق الدم يبدل لون الأخضر لأحمر، مص الملك شفتيه، وقف مشدوهاً، غمرته فرحة لا مبرر لها، أما الفلاح فهرب إلى المعبد يلجأ لإلهه.
    تدخل النهر معه، لكنه الأن يدخله وحده، يغيب فيه إلى الأبد، تغيب ملاك، "هل ماتت ملاك مثل البشر؟"، يسأل الروح، كانت كحلم تسرب في حياته، غاب فجأة، مثل غابة مكتظة بالشجر، زحفت عليها الطبيعة بفظاظتها، بدلتها، لا يكاد يصدق، لكن عليه الأن أن يصدق، يرش الماء على جسده ساعة يهبط طائر، يضرب بجناحيه على الماء.
    خرجت من بيتي باكراً، في انتظار أن يدق القلب في لحظة ما، يخفق خفقا كبيراً، يجيء الخفق فيكون عليّ مغادرة العالم، إلى أين؟، لا أدري، فقط عليّ أن انصرف، أما أحببت سنوات طويلة أن أعيش وحيداً، كم رباني الزمان على عادات سيئة كالوحدة، كراهية العالم، البحث عن أهداف بلا غايات، خاصة بعد أن مات الملك، وواجهت ذاتي.
    المدينة تبدو من جهة النهر كتلة صماء، معبداً قديماً، متاهة فضفاضة، وهماً كبيراً، لا يسكنه إلا الوهم، تتناثر النجوم فوق المعبد، من تحتها الحجارة التي تسد طريق الذكريات، بصعوبة بالغة أتحدى الحجارة، انتصر لذكرياتي المؤلمة، تاريخي الوقح، كما تصورته، لم أحقق شيئاً مما حلمت به ذات يوم في حياتي، هل يفشل الإنسان أم أن وقاحة الملك تمتطي صهواتهم؟!، أسب نفسي والملك، في ليل يسرق الضوء المنبثق من غصن النهار البعيد، أرى الأشياء تتوجس بالسكون، غلاف الموت يغلفني، النهر هادئاً كوداعتي، مثله أسلك دربي وحيداً، غريباً عن العالم والبشر.



    (7)

    ارتفعت الطائرة عن أرض المطار وبدت المدينة الساحلية على الخليج، عبر النافذة الزجاجية الصغيرة مجموعة من علب الكبريت المتلاصقة، هبطت دمعة من العين وراء النظارة السوداء الداكنة، امتزجت بخد أسود تلاعبت به تصاريف الزمان، بعد دقائق بدأ كل شيء مستقرا، أزيحت الأحزمة جانبا، باشر المدخنون في مؤخرة الطائرة التدخين، تعالت القهقهات هنا وهناك، وارتفعت أصوات المدردشين في مجموعات صغيرة تنبش حالة الوطن العصية على الفهم.
    لم يشارك محمد في أي حوار مع أحد، أخرج منديله العتيق الأبيض ماسحاً الدموع عن خديه، أزاح النظارة السوداء، وضعها على الطاولة أمامه، أرخى المقعد للوراء، أغمض عينيه، ودخل في نوبة من التفكير العميق ما بين اليقظة والنوم.
    بعد لحظات أيقظته المضيفة ذات الساقين الطويلتين، اعتذر لها بأنه لا يريد أن يأكل أو أن يشرب شيئا، كانت مساحات الحزن قد سودّت قلبه، لكنه بدأ لطيفا وهو يعتذر للمضيفة، عاد برأسه للوراء، وواصل رحلة التفكير في حاله.
    بعد دقائق، فتح عينيه مقاوما التفكير في أزمات متشابكة ألمت به في حياته وظلت بلا حلول، تلفت يمينا ويسارا، كان الجميع مشغولين بالثرثرة، أحس برغبة في التبول، كانت سببا مباشرا في قطع أفكاره، تحرك عبر الممر الضيق حتى أدرك الحمام، تبول واقفا،عاد لمقعده مستغرقا في النوم.
    لم تكن الرحلة طويلة، ثلاث ساعات أو أقل، أدركت بعدها الطائرة مطار الخرطوم، نزل، بعد عشر دقائق، كان قد غادر المطار المتهالك إلى محطة الحافلات، في طريقه إلى مسقط رأسه، بعد عشر سنوات قضاها خارج الوطن في المهجر، عمل فيها معلما لمادة الفنون، في مدارس الخليج.
    طرق باب بيتهم، جاءته ابنته الصغيرة مكة، كانت قد كبرت، لم يعرفها، حسبته ضيفا، ظن أنه أخطأ المقصد، تركها ما تزال رضيعة. جاءت أمه مسرعة، تغيرت ملامح وجهها، اكتست حزنا وسوادا، كانت تلبس ثوبا أزرقا قديما باليا، ضمته إلى صدرها في حنان دافق، شعر كأنما العالم انطوي وغاب في تلك اللحظات، وبكى بكاء مريرا على النفس.
    عشر سنوات كيف مضت سريعا أشبه بحلم في ساعات القيلولة؟. كان مليئا بالطموحات والأحلام التي تعثرت في مشوار الحياة، لم يفز بشيء، وخسر كل شيء، ارتشف ماء البئر القديمة في البيت، تناول الغداء، ثم نام في الحجرة التي ولد فيها قبل خمسة وثلاثين عاما، كانت كما هي لم تتغير أبعادها ولا محتوياتها.
    استيقظ بعد الظهر، امتلأ البيت بالجيران والأهل، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، استقبلهم بفرح كبير، كانوا يثرثرون من حوله، ويحتسون شراب الليمون الذي صنعته أمه للضيوف، ظل صامتا يقاوم الحزن، يبستم كلما تقاطعت نظراته مع وجه من الوجوه التي بدأت غريبة عنه.
    في المساء بعد أن انفض الجميع، ولم يبق إلا أمه وزوجته سلوى، حدث أمه بأنه سيزور قبر أبيه، ولم يستجب لمحاولاتها بتأجيل الأمر إلى الصباح، وصحبته وسط الظلام إلى المقبرة الواقعة وراء محطة السكة حديد، في نهاية البلد من الشرق، أشارت له إلى القبر، جلس على الأرض، شرع في البكاء، كانت لحظات عصية على القلب، بكت أمه معه، احتضنته، ثم عادا في ظلام الليل إلى البيت.
    نام تلك الليلة كـأنه ينام في قبره الأبدي، قاوم الجراح والأحلام الميتة، لم يمارس عادة القراءة كما تعود في ليالي الاغتراب، ونسى في ذلك الليل آفة السهر إلى ما قبل الفجر بقليل، لم يشتهي علبة السجائر الأنيقة، وشعر بألم تجاه كل سجارة دخنها كان بيتهم في حاجة إلى ثمنها، كان قد صلى العشاء عند القبر، ومنذ سنوات لم يصلي أبدا.
    رأي أبيه في الحلم ما قبل الفجر، يضع يديه على رأسه، يقول له :"لا تحزن على الماضي يا ولدي "، كان ضوء كثيف قد غمر المكان، استيقظ في الصباح الباكر، شرب شاي الصباح، بدت أمه اصغر سنا من الأمس. كانت مكة تجلس منزوية في ركن قصي من المطبخ، تضع أصابعها على فمها، حملها على كتفه وخرج بها إلى ساحة البيت.
    غابت خمس نخلات كانت في وسط الساحة، تغير الحمام القديم عن مكانه، قام بدلا عنه حمام جديد في ركن آخر، دخل الغرفة القديمة بحثا عن كتبه ومذكراته الورقية ورسوماته، كانت في مكانها، لم يصبها أذى، كأنما الزمن لم يتقدم يوما على يوم سفره، بدأ في تصفح الأوراق المصفرة، تراجعت ذاكرته للوراء أيام الحلم الكبير، عندما كان في الحياة متسعا من الوقت للأحلام، وكان بإمكان كل شيء أن يكون في المستقبل، لأن المستقبل كان بعيدا، لكنه اقترب وذاب في الحاضر، لتتلون الأيام خوفا مما تبقى منها.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de