د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية!

كسلا الوريفة يحاصرها الموت
الوضع في كسلا يحتاج وقفتنا
مواطنة من كسلا توضح حقيقة الوضع في المدينة و اسباب وباء الشكنغونيا حمي الكنكشة - فيديو
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 24-09-2018, 07:12 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة فيصل محمد صالح(Faisal Salih)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-01-2005, 02:20 PM

Faisal Salih
<aFaisal Salih
تاريخ التسجيل: 12-10-2002
مجموع المشاركات: 477

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية!

    الأخوةالأعزاء
    تعميما للفائدةأنقل اليكم حلقتين من المقال الهام لعضوالمنبر الدكتور النور حمد بعنوان البراغماتية الإسلامية
    نشرت الحلقتان الأولى والثانية بجريدة الاضواء ضمن المقال الاسبوعي للدكتور النور حمد الذي ينشر كل يوم إثنين ،وستنشر الحلقة الثالثة يوم الإثنين المقبل وسانقلها لكم بعد نشرها ، شكرا

    -------------------------
    العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية!(1)
    النور حمد
    جامعة شرق واشنطن


    ارتطبت كلمة البراغماتية، بشكل عام، بالمنفعة، الأمر الذي ألقى عليها الكثير من الظلال السالبة. غير أن البراغماتية، على ما فيها من علات، هنا وهناك، قد مثلت تحولا كبيرا في مسار الفكر البشري، والفعل البشري، خاصة في القرون الأربعة الماضية. فالبراغماتية ربما قد مثلت في منعطفات شتى، من التاريخ البشري، الترياق الأكثر فعالية، لتخفيف غلواء الآيديولوجيا. عمل البراغماتيون، على جر كثير مما بشرت به الآيديولوجيا، من مشاريع كلية، كبيرة، اتسمت بالمثالية، وبالشطح، إلى حيث تفاعلات الواقع، وإلى حيث القبول بما هو ممكن التحقيق. فالآيديولوجيا قد حلمت كثيرا بتغيير الواقع، من غير أن تلتفت للآليات العملية، الواقعية، المتيسرة، التي بها يتم التغيير، وبها تتم المحافظة على ديمومته، وثبات وتائره.

    صحبت المثالية، الفكر الديني، وارتبطت به في غالب الحال. غير أن المثالية، في معنى عدم العملية، قد ارتبطت أيضا، في الجانب الآخر، بالفكر العلماني. وأنا ممن يميلون إلى وضع الماركسية اللينينية، بسبب عدم عمليتها، في خانة الآيديولجيا المثالية، شأنها، في ذلك، شأن الفكر الديني. أقول بهذا وأعلم أن كثيرين ربما رأوا في هذا المنحى، نوعا من المغالاة. غير أن الآيديولوجيا، سواء كانت دينية، أو علمانية، تشترك في طرح مشاريع كبرى mega projects. هذه المشاريع الكبرى، تقوم على رؤية شاملة، تزعم لنفسها معرفة البدايات، والنهايات. وبناء على هذه المعرفة بالبدايات والنهايات، فإن الأيديولوجيا تقوم برسم المسار كله، ومراحل حركة السير، في ما بين بداياته، ونهاياته. وقد رسمت الماركسية مسار تحولات المجتمع البشري على النحو التالي: عبودية، فإقطاع، فرأسمالية، فاشتراكية، فشيوعية، ففناء الدولة وذوبان سلطتها. يضاف إلى ذلك، ما جاءت به اللينينة في خلق الآليات، ورسم مسار التطبيق الإشتراكي، عن طريق التنظيم، والتعبئة، والتحشيد، لتطبيق الإشتراكية، ومن ثم، بلوغ مرحلة الشيوعية.

    لا أريد أن يفهم من قولي هذا، أن الماركسية، قد ذهبت جملة، وتفصيلا، إلى غيابات التاريخ، وأنه لم يبق منها شيء صالح. فشبح ماركس لا يزال يخيم على العالم الغربي، ومن ورائه، على بقية أجزاء العالم، كما أشار إلى ذلك، المفكر الراحل، جاك دريدا. فالرأسمالية التي أخذت تسعى بجنون الآن، للإطباق على عنق العالم، قد تنكرت، وهي تفعل ذلك، لأهم مباديء الإقتصاد الحر، المتمثلة في المنافسة الحرة. وقد أخذت مؤخرا، الإحتكارات الكبيرة، في ابتلاع المؤسسات التجارية، والأعمال التجارية الصغيرة، بوتائر مخيفة. وأصبح العالم، وكأنه في طريقه إلى الوقوع في قبضة مالك واحد. ولذلك، فلو قدر للبشرية الإنعتاق، من قبضة هذا الكابوس الكوكبي، الراهن، والرجوع، مرة أخرى، إلى اشعاع الحلم الإنساني، وإلى حالة التفاؤل، والتوقد القديمة، المرتبطة بالإيمان بإمكانية تحقيق العدل، فإن ذلك لن يكون، بغير أن يكون للفكر الإشتراكي جولة جديدة، ولكن في أفق جديد.

    العبارة القائلة، "السياسة فن الممكن"، عبارة تلخص جوهر البراغماتية. وهي تعني فيما تعني، إدارة شؤون الواقع، بالقوى المتيسرة في الواقع، في الظرف المعين، ثم القبول بالمردود الممكن، على أمل أن يزداد ذلك المردود، كلما تقدم الزمان. تدير البراغماتية أمورها، بعيدا عن النظرات الكلية، والموجهات المبدأية التي لا تساوم، ولا ترضى بأنصاف الحلول. بهذا المعنى تعني البراغماتية المرونة، والتعامل مع الواقع بوصفه متشكلا اجتماعيا، أرضيا، وليس بوصفه انعكاسا لمشروع غيبي كلي، جرى رسمه في الأزل. وبطبيعة الحال فإن البراغماتية، بوصفها أبرز توجهات حقبة الحداثة، قد وجدت الكثير من النقد اللاذع من جانب مفكري ما بعد الحداثة. وهناك الكثير من وجوه الحق، في بعض ذلك النقد، غير أن بعضه الآخر، ليس سوى رنين لأصداء بقايا الفكر المثالي، مما جرى استبطانه بواسطة مفكري ما بعد الحداثة.

    في كتابه "العقل العلماني"The Secular Mind أورد روبرت كولز، وهو من الباحثين الأمريكيين، المرموقين، في مجال الدعوة لعودة الروحانية، حوارا طريفا دار بينه، وبين دوروثي داي، وهي مفكرة، وناقدة أمريكية، مرموقة. قالت دوروثي داي لروبرت كولز، في ذلك الحوار: إنك تريد أن تصور غاليليو، ونيوتن، وفرويد، وما شابههم، وكأنهم المدافع الكبيرة، التي هدت أركان الدين، والتدين، في حياة البشر، في حين أن البروتستانتية التي انبثقت من اللاهوت المسيحي، قد مثلت ما يمكن أن نعتبره، نقلة علمانية في مضمار الدين المسيحي. وترى دوروثي داي، أن الديني والعلماني، يمكن أن ينوجدا في بنية الديني نفسها. وبتتبع التاريخ، يمكن التعرف على صراع الديني والعلماني، داخل بنية كل ديانة. وهو صراع امتد منذ فجر التاريخ. فالعلماني، في نظر دوروثي داي، ليس على الدوام، تيارا خارجيا، مستقلا تمام الإستقلال، عن بنية الديني، لا هم له سوى تقويض الدين. وإنما يمكن أن يكون المنحى العلماني ذو صبغة دينية، ومرجعية دينية، أيضا. ويمثل في مثل هذه الحالة، أحد جناحي جدال الديني مع ذاته. وهذا لم يتوقف في يوم من الأيام.

    البراغماتية، مرادفة للعقلانية، ولا تنحصر كليا في مجرد كونها تيارا خارجيا مناهضا لسلطة الدين، ومنبها إلى عدم عملية الدين، في بعض الأمور. وإنما تصبح البراغماتية أيضا، القوى المحركة، للتوجهات الإصلاحية، داخل الدين نفسه، كالبروتستانتية، في مقابل الكاثوليكية، والأرثودوكسية. فالكاثوليكية مثلا، قد ظلت تحرم الطلاق، ولا تسمح به، في أي ظرف من الظروف، كما ظلت تلزم القساوسة، بالتبتل، وعدم الزواج. وقد دللت التجربة العملية، على عدم عملية مثل هذه التشاريع، مما قاد إلى نشوء فقه مسيحي، جديد، يراعي النواحي العملية، الواقعية، وقس على ذلك، في القضايا الفقهية الأخرى مثل تنظيم النسل، وما شابه.

    أردت من هذه المقدمة الطويلة نسبيا، أن أدخل علي بعض العلامات الفارقة، في تاريخنا الإسلامي، وضرورة قراءة تلك المنعطفات، على ضوء المستجدات الفكرية. وقد مثل العصر الأموي، فيما أرى، نقلة كبيرة، في التاريخ الإسلامي، بها تحول الدين، من مجرد دين، أساسه القناعة بالقليل، والزهد في حطام الدنيا، إلى جسد حضاري كبير، عرف الناس فيه بحبوحة العيش، ورغده. كما تحولت دولة المدينة الصغيرة، التي كانت تدار، في أغلب أحوالها، شفاهة، إلى إمبراطورية ضخمة، ذات دواوين، وسجلات، وجهاز إداري، هو آية في التقدم، بمقاييس ذلك العصر. وبطبيعة الحال، فإن جذور الحالة الأموية التي سيطرت عقب الفتنة الكبرى، حالة ذات جذور ترجع إلى ما قبل الإسلام، في صراع بني أمية، وبني هاشم. وقد احتدم ذلك الصراع، وأخذ يتجلي، بوضوح شديد، في فترة خلافة، عثمان بن عفان. واستمر حتى آل الأمر برمته، إلى بني أمية.

    لا يزال الكثيرون يرون أن العصر الأموي، لم يكن سوى انحراف عن الجادة، التي كان عليها الأمر، في عهد الخلفاء الراشدين. غير أنه، ربما أمكن القول، بأن الأمر لو بقى على ما كان يريده الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، مثلا، وعلى ما كان يريده الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، لما تحول الإسلام لاحقا، إلى مد حضاري، بلغ أن يترجم عن اليونانية، في العصر العباسي، ويدخل في بنيته، علوم اليونان، ويهضمها، ويصبها في انجازاته، العلمية والفكرية، والسياسية، والإقتصادية، وليصبح، من ثم، طاقة، خلاقة تمكنت من تغيير وجه العالم القديم، وبشكل غير مسبوق. فعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، تغلب عليهما التوجهات الزاهدة، والقانعة بالقليل. حتى أن عمر كان يخشى على كبار الأصحاب من الذهاب إلى الأمصار التي تم فتحها، خوف أن تفتنهم الدنيا في دينهم. ولعل تجاوز هذا المفهوم قد ورد، بمعنى من المعاني، في عبارة الأستاذ محمود محمد طه القائلة، "لم تعد الدنيا والآخرة ضرتين، منذ اليوم".

    كل هذا يسوق في بعض جوانبه، إلى القضية المركزية، المتعلقة بتاريخانية النص، التي يمكن تلمسها، بقدر من المقادير، في أعمال الأستاذ محمود محمد طه، وفي أعمال محمد أركون، وفي أعمال نصر حامد أبوزيد، وسيد محمود القمني، وخليل عبد الكريم. فالأصولية التي علا صوتها، في العقدين الأخيرين، والتي أنشأت لها دولة في السودان، وفي أفغانستان، محاولة عبثا، إعادة حالة البعث الأولى، قد قفزت على تراكم معرفي كبير، مثل المفكرون المذكورون أعلاه، قمته. ولذلك فقد ارتضم رأس التجربتين الأفغانية، والسودانية بالحائط. فالتجربتان اعتمدتا التبسيط، والتعبئة، والحشد، والتعامي عن حالة الواقع، وعن التراكم المعرفي، ولذلك لم تصمدا سوى بضع من ضحى. وكلما استمرت المكابرة، في التجربة السودانية الحالية، كلما كانت الخسائر أفدح.

    البراغماتية تعني فيما تعني، مواجهة سلطة النص، حين يصبح تطبيق النص غير عملي، أو حين يقف النص ضد المصلحة، عامة كانت، أم خاصة. فموقف السيدة فاطمة ضد أبي بكر فيما تعلق بميراثها من أرض فدك، كان موقفا براغماتيا. فرغم أن أبي بكر قد حج السيدة فاطمة، بأن النبي لا يورث ذريته، بصريح النص النبوي، "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" إلا أنها أصرت على موقفها، وبلغ أن أخافت أبي بكر، بسلطتها الروحية، حين دعت عليه، وقالت له إنها سوف تكون خصمه أمام الله يوم القيامة. وقد وقف زوجها، علي بن أبي طالب إلى جانبها.

    أيضا، في الوقت الذي كان فيه علي بن أبي طالب يحارب معاوية بن أبي سفيان، قام الصحابي، عبد الله بن عباس، وهو إبن عم علي بن أبي طالب، وواليه على البصرة، بخذلان علي بن أبي طالب الذي ولاه على البصرة. ترك إبن عباس البصرة، من غير أن يستشير الخليفة علي بن أبي طالب. وأخذ أموال المصر، وتوجه بها إلى الحجاز، بعيدا عن كلا علي ومعاوية. (راجع طه حسين، الفتنة الكبرى: علي وبنوه). رأى ابن عباس أن الكفة ترجح، وبشكل واضح، في صالح معاوية. وأن مصير علي بن ابي طالب الهزيمة المحققة. وقد كان الناس، ينفضون من حول علي، بوتائر سريعة، الأمر الذي أنبأ إبن عباس بمآل الأمر كله. ويبدو أن الناس قد ملوا حالة الحرب، والجهاد الطويلة، وتاقت نفوسهم للسلم، وللراحة، وللدعة. ولربما رأى إبن عباس، والحالة تلك، أن الوقوف مع علي، يعني أ حد أمرين: إما النصر، وإما الشهادة. والنصر مع علي، يعني في نهاية المطاف، حياة متقشفة، زاهدة، بسيطة. خاصة، وأن الولاة الذين تولوا شؤون الأمصار المفتوحة، قد عرفوا رغد العيش، وهناءته، وطعم الثروة حين تجتمع مع السلطة.

    أخذ بن عباس، خراج البصرة، وذهب تحت حماية أقاربه إلى الحجاز، ليشتري الأراضي، والبساتين، والدور، والجواري. وقد كتب إليه علي إبن أبي طالب معنفا، ومقرعا، وواعظا، ومنذرا بسوء المنقلب، في الدارين، فرد عليه إبن عباس مفندا حججه، ومبررا ما جرى منه، غير آبه بمكانة علي بن أبي طالب الدينية، ولا مكانته السياسية، كخليفة. بل ومهددا علي بن أبي طالب، بأنه في حالة إصراره على مطالبته برد المال الذي أخذه، فأنه سوف يذهب به إلى معاوية ليحاربه به. (راجع، طه حسين، الفتنة الكبرى: علي وبنوه).

    ما أردت من كل ما تقدم أن يفهم أن البراغماتية، مرادفة للإنتهازية. بل ما أردت الإشارة إليه، هو أن البراغماتية، والخروج على سلطة النص، حين لا يكون اتباع النص أمرا ممكنا من الناحية العملية، مسألة قديمة، وقد صحبت الدعوة الإسلامية، منذ فجرها. والدعوة هنا، إنما هي إلى فحص التاريخ الإسلامي، على ضوء ما استجد من مفاهيم، بعيدا عن الأحكام التي جرى تلقيننا لها في المدارس، من النظرة الموروثة إلى الأمور التاريخية. (يتواصل الأسبوع المقبل)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2005, 02:22 PM

Faisal Salih
<aFaisal Salih
تاريخ التسجيل: 12-10-2002
مجموع المشاركات: 477

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    وهذه هي الحلقةالثانية
    ------------------------
    العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (2)

    النور حمد
    جامعة شرق واشنطن

    لعلني أشرت في مرة سابقة إلى عبارة الأستاذ محمود محمد طه، الجامعة، الباعثة على التفكر، التي قال فيها: "موضوع علي ومعاوية، يحتاج إلى فكر يغطِّس الزانة، ويطفِّح المسحانة". وكثيرا ما تحدث الأستاذ محمود محمد طه، عن ضرورة الجمع بين الشريعة، والحقيقة، أي رؤية الأمور بشكل مزدوج، من زاويتي، الحق، والخلق، وفي آن معا. وفي تجلي معرفي آخر، مصاقب لمفهوم الجمع بين الشريعة والحقيقة، يقول الأستاذ محمود، "لابد من رؤية الفاعلين".. أي رؤية الفاعل المباشر، والفاعل غير المباشر، في آن معا، أيضا. وهذه تعني، ألا تعميك "الفكرة" أو "الآيديولوجيا"، أو "المثال"، عن قراءة الواقع. فالواقع هو التجلي الأكبر للحقيقة الكونية الكلية، وبأكثر مما يمثله، أي نص. فالفكرة ـ أي فكرة ـ والنص ـ أي نص ـ بما في ذلك النصوص المقدسة، إنما هي حلم، والواقع يستهدف الحلم، ويسترشد بالحلم، ولكنه لا يذوب كليا في الحلم. فالمثال، أي "الفكرة" في تجربة آدم، ليس هو "المثال" في تجربة موسى. و"المثال" في تجربة موسى ليس هو "المثال" في تجربة عيسى. و"المثال" في المسيحية، ليس هو "المثال" في الإسلام.

    المثال، والحلم، يتغيران بتغير الأزمنة. ومن طبيعة الواقع ـ أي واقع ـ أن يفلت من "الفكرة"، في كل تجلياتها، أرضية، كانت أم سماوية. فالواقع لدي النظر الشامل، والثاقب، هو أيضا تجلي سماوي، به تتم محاورة "الفكرة"، ومقارعة سلطة "المثال". هذه المقارعة هي التي ينتج عنها التوسيع، والتعميق، وهي التي تقود إلى الخروج على النصوص، حين يكبر جسد الواقع على جلباب النص. ولو طبقنا هذا المفهوم على حالة الصراع التي جرت بين علي ومعاوية، لأدركنا معنى عبارة "يحتاج إلى فكر، يغطِّس الزَّانة، ويطفِّح المسحانة". فجسد الواقع قد كبر في تلك اللحظة التاريخية، على جلباب الدين، في النسخة التي كان يمثلها علي بن أبي طالب، وغيره من زاهدة الصحابة، وأتقيائهم. ولذلك، فقد كان حكم الوقت مع معاوية. وقد أشار الأستاذ محمود كثيرا إلى ما يسميه المتصوفة "حكم الوقت". كما أشار الأستاذ محمود، إلى ضرورة التفريق بين "الرضا"، و"الإرادة". فالواقع هو تجسيد للإرادة، و"الفكرة" التي تمثل الحلم، إنما هي تجسيد للرضا. وكثيرا ما يحدث تطابق بين الرضا، والإرادة، في جزيئات الزمان والمكان. وهذا من جنس الحفر المعرفي، المبصر، الذي يذهب بعيدا في العمق، وراء كل كليشهات التبسيطات الساذجة.

    كتب الأستاذ محمود محمد طه في توطئة البحث التي قدم بها كتابه "الرسالة الثانية من الإسلام" الصادر عام 1967، ما يلي:

    ((عندما استعلن النور الإلهي بمحمد الأمي من جبال مكة في القرن السابع الميلادي، أشرقت شمس مدنية جديدة، بها ارتفعت القيمة البشرية إلى قمة لم يسبق لها ضريب في تاريخ البشرية.

    ولقد قامت تلك المدنية الإنسانية الجديدة على أنقاض المدنية المادية الرومانية في الغرب، وعلى أنقاض المدنية المادية الفارسية في الشرق، ولقد بلغت هذه المدنية الإنسانية الجديدة أوجها، من الناحية النظرية على الأقل، غداة أنزل الله تعالى على نبيه الآية التي صدرنا بها هذا السفر، وهي قوله تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا.)) وذلك في نهاية الثلث الأول من القرن السابع، ثم أن النبي لم يلبث أن التحق بربه، فانثلمت بذلك قمة هرم هذه المدنية الجديدة، ومن أبلغ ما بلغنا في ذلك عبارة أحد الأصحاب حين قال، "ما كدنا ننفض أيدينا من تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا" وظهر صدق هذه العبارة عمليا في أخريات خلافة عثمان، مما انتهى إلى ما يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى.

    وهذه المدنية الإنسانية الجديدة، التي جاء بها الله على لسان محمد، والتي عاش محمد في أوجها، والتي انحسرت قمة موجتها بهذه السرعة المذهلة لدى موت محمد، كما جاء في عبارة أحد أصحابه، ما زالت قمتها تطمئن، وقاعدتها تتسع، حتى عادت مدنية مادية تشبه، من بعض الوجوه، المدنية الرومانية، والمدنية الفارسية، اللتين أسلفنا القول بأن مدنية الإسلام قامت على أنقاضهما.

    يقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وهذا حق، ولكنه ليس كل الحق، ذلك بان التاريخ لا يعيد نفسه بصورة واحدة، وإنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه، وتختلف من بعضها، عما كان عليه الأمر في سابقه، فالمكان ليس كرويا، ولا الزمان، تبعا لذلك بكروي، وإنما هما لولبيان، يسيران من قاعدة إلى قمة، تشبه فيهما نهاية الحلقة بدايتها، ولا تشبهها.

    وكما أن الزمان، على كوكبنا هذا، يسير على رجلين، من ليل ونهار ـ من ظلام ونور ـ وكما أن الإنسان يمشي على رجلين من شمال ويمين، فكذلك الحياة تتطور على رجلين من مادة وروح .. وعندما يقدم المجتمع البشري، في ترقيه، رجل المادة، ويثبتها، ويعتمد عليها، يكون في حالة تهيؤ ليقدم رجل الروح، وهو لابد مقدمها، ((كان على ربك حتما مقضيا.)) ذلك بأن تقدم الحياة لا يقف إطلاقا، ولا يتأخر، ولا يكرر نفسه، وإنما يسير قدما في مدارج مراقيه، حيث تطلب الحياة أن تكون كاملة في الصور، كما هي كاملة في الجوهر، وهيهات!!)) .. انتهى نص الأستاذ محمود محمد طه.

    بهذا المعنى، لم يكن معاوية، انحرافا كليا عن جادة الأمر، مثلما جرى تصويره تاريخيا، خاصة في الأدب الشيعي. بل يمكن القول بأن انتصار معاوية على علي، كان حدثا مهما، إذ به تحول الدين الإسلامي، من ضيق قالب الدين، وبساطته، إلى سعة الحضارة الإسلامية، وتركيبها، وتعقيدها. ولو فهم قومنا، من شاكلة القرضاوي، والترابي، والزرقاوي، وجماعة الإنقاذ، وكل المروجين لمشروع الدولة الدينية، الأمر على هذا النسق العالي، من السيولة، والحيوية الفكرية، لأراحوا الناس، وأراحوا أنفسهم، من محاولات كبس الواقع الكوكبي الراهن، بكل حيويته، وسيولته، وتدفقه، في جسد نصوص، ومتون، وحواشي السلف. ولانشغلوا، من ثم، بتوسيع الماعون الحضاري، بدفع قيم الحرية، والتعددية، والتنوع، والتثاقف، والقبول بالآخر، مهما كان اختلافه معنا. ولأصبح التوجه في جملته، نحو بناء حضاري، إنساني، منفتح، وليس نحو بناء دولة دينية، إسلامية، قابضة، منغلقة، مستعلية بعقيدتها، على كل من عداها. ولو كان مقدرا أصلا للدولة الدينية أن تبقى، لبقيت علي يدي علي بن أبي طالب!

    لم يكن للحالة الأموية التي ازدهرت فيها الحضارة، متمثلة في النهضة غير المسبوقة في العلوم، وفي العمارة، وفي الفنون، السمعية، والبصرية، والآداب، أن تقوم لولا ذلك التحول البراغماتي الذي صحب حالة الخروج على السلطة الدينية للخليفة الرابع، علي بن إبي طالب. ذلك الخروج الكبير الذي دشنه كبار الأصحاب، من عيار بن عباس، ومن عيار عائشة بنت أبي بكر. الشاهد أن تاريخ الإسلام، لم يقرأ نقديا بالقدر الكافي. وما من شك أن طه حسين قد أسهم إسهاما جليلا، في التأسيس للنظرة النقدية التحليلية. وما من شك، أيضا، أن طه حسين قد تأثر كثيرا، فيما كتبه، بما قام به من دراسة موسعة لحياة، الشاعر المفكر، أبي العلاء المعري. فأبو العلاء، من أميز الأوائل الذين اعتمدوا النظر العقلي، في الثقافة الإسلامية.

    لم ينصاع العصران الأموي والعباسي لسلطة النص الديني، ولو هما انصاعا لسلطة النص الديني، لما اقاما نظامي حكم وراثيين، منذ البداية. استرشد الأمويون، والعباسيون، بروح النصوص. ولذلك فقد تفتحت الحياة في مناحي كثيرة، وازدهرت الفنون، وقامت حالة "مدنية"، جديدة، في مقابل ما كان عليه الأمر من حالة "دينية". والذين استوحشوا، ونفروا، من حالة الدعة، والنعمة، ورغد العيش، وحالة الإنفتاح التي صاحبت الحقبة الأموية، فروا بدينهم إلى الكهوف والمغارات، والفلوات، وهكذا نشأ التصوف الإسلامي، وفيه حنين كثير للحالة الطهرانية الأولى. غير أن كل هذه التوجهات المختلفة، تعايشت، جنبا إلى جنب، في العصر العباسي. فقد كان للمتصوفة مجالسهم، وكان للفقهاء مجالسهم، وكان للخلفاء، وشعرائهم، وندمائهم، وجواريهم، وغلمانهم مجالسهم، أيضا. وبطبيعة الحال، فقد انفرد الحكام بالسلطة والثروة، وسادت تلك العصور المظالم، كما سادت غيرها من العصور. ولذلك فقد قامت الثورات المختلفة، ضد المظالم وجرى التنكيل بمشعليها، بمن فيهم الحلاج الصوفي المعروف.

    يعتبر كثير من الباحثين، أن أكثر النقاط إشعاعا في تاريخ الحضارة الإسلامية، إنما تمثلت في الحقبة الأندلسية. ففي الأندلس بلغت العلوم والفنون والآداب، والفلسفة، والتصوف، ونظام الحكم، درجة عالية من الرقي. ويكفي أن نذكر من أعلام تلك الحقبة، محي الدين بن عربي، وإبن رشد، وإبن زيدون، وولادة بنت المستكفي. وأكثر ما لفت نظر الباحثين الغربيين في الحقبة الأندلسية، حالة التعايش بين الأديان التي شهدتها. فقد كان اليهود مقربين جدا للحكام الأندلسيين. إذ كانوا المستشارين، وكانوا كتبة الدواوين. بل وكانوا المدافعين عن ديمومة تلك الحالة. ويقر اليهود بأنهم لم يعيشوا أمنا، وسلاما، كالذي عاشوه في الحقبة الأندلسية. وقد بلغ التعايش الديني حد استخدام المبنى الواحد، كمسجد للصلاة يوم الجمعة، وككنيسة لقداس المسيحيين يوم الأحد. كما أتقن أبناء المسيحيين اللغة العربية، لأنها كانت لغة الحضارة، ولغة العلم، والأدب، في ذلك الوقت. كما تحررت النساء من القيود القديمة، وأصبحن جزءا لا يتجزأ من الحراك الحضاري لذلك المجتمع المتفتح.

    مثلت الحقبة الأندلسية، صورة للبراغماتية الأموية، في أبهى تجلياتها، وبنشوء دويلات الطوائف، وسقوط الممالك الإسلامية في الأندلس، تحول قطب الحضارة، رويدا، رويدا، إلى أوروبا، وبقيت أوروبا على ذلك السرج الفخيم، حتى هذه اللحظة. ولابد من الإشارة هنا، إلى أن أوروبا إنما أخذت من الحضارة الإسلامية، جانب الإستنارة، وبنت عليه. وعلينا نحن الآن أن نأخذ بالجانب المستنير، والإنساني من بنية الحضارة الغربية. هذا لو قدر لا أن نصبح مركزا حضاريا، مرة أخرى، أو لو قدر لنا، أن نكون، على الأقل، شركاء في المركزية. ولا أعني هنا بالمركزية، مركزية الهيمنة والسيطرة، فهذه تمثل الجزء الذي لابد أن يفنى من جسد الحضارة الغربية. وإنما أعني مركزية دفع الحلم الإنساني، وحالة التواصل الإنساني المعافاة، إلى الأمام. العودة المطلوبة، هي عودة إلى روح الحضارة الإسلامية، وليست عودة إلى حالة البعث الأولى، بكل تزمتها وقيودها، وهيمنتها على خيارات الفرد، والجماعة. فتلك حالة لن تعود أبدا. وهي حالة لا تمثل روح الدين الإسلامي، كحالة حضارية، وإنما تمثل التضييق الذي اقتضاه الظرف التاريخي، وظروف البعث الجديد، التي اقتضت الصرامة، والحزم، للخروج من عقابيل الحالة السابقة.

    خلاصة القول هنا، أنه لابد من التخلي عن مشروع الدولة الدينية، والحلم بصب الناس في قالب واحد. هذه الفكرة قد خلفها التاريخ، وهي فكرة غير عملية، بل ومعوقة. كما أنها ليست مطلوب الدين، في جوهره الإنساني. لم تتعد الدولة الدينية، التي نشأت في المدينة، الثلاثة عقود. إذ سرعان ما عادت الحياة لطبيعتها، وسيولتها، وحيوتها. كل الذي حدث أن القفزة الحضارية الهائلة، التي استمرت لبضعة قرون عقب فترة البعث، قد استرشدت بروح البعث، ولم تقيد انطلاقتها بحرفية نصوص البعث... (يتواصل الأسبوع القادم)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-01-2005, 11:12 AM

Agab Alfaya
<aAgab Alfaya
تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    التحية للدكتور النور حمد
    والتحية لك اخي فيصل

    ونتمي ان نجد متسعا من الوقت للمناقشة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 01:05 AM

khider
<akhider
تاريخ التسجيل: 17-03-2002
مجموع المشاركات: 2361

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Agab Alfaya)

    لقد احيا فيني هذا المقال
    ماخفت ان يموت او علي انضف الحلول.. يذبل
    لذلك
    يرفع للمصلحه العامه في كل الاتجاهات
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 09:32 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: khider)

    شكرا فيصل على الإحتفاء بهذا المسلسل من المقالات، وشكرا للأضواء التي دفعت بها إلى أفق جديد على إتاحتها لي هذه النافذة الأسبوعية التي أصبحت أطل منها على مشهد الوطن.
    كما أرجو أن أجد من سعة الوقت ما يمكنني من متابعة تعلقيات مرتادي البورد.
    شكرا عجب الفيا، أسعدتني طلتك، والبيت بيتك بطبيعة الحال.
    شكرا خضر، ولا غرو! فأنت من ذواقة الأفكار.
    وأخيرا، شكرا مقدما لكل من يعبر من هنا.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 11:55 AM

Faisal Salih
<aFaisal Salih
تاريخ التسجيل: 12-10-2002
مجموع المشاركات: 477

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    شكرا للجميع
    وهذه هي الجلقة الثالثة التي نشرت اليوم

    قيصل
    ------------------

    العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية!
    د. النور حمد
    جامعة شرق واشنطن
    (3)
    من الكبسولات المعرفية الممتلئة معنى، التي وردت في كتابات الأستاذ محمود محمد طه، قوله، إن الدين قد نشأ في الأرض، وألمت به أسباب السماء فهذبته. وهذا يعني أن التشريع لا يجيء كليا من الغيب، وإنما يتشكل التشريع نتيجة لظروف الصراع الإجتماعي، على أرض الواقع. ولقد تضمن القرآن الكثير من التشاريع اليهودية، كما حفلت الشريعة الإسلامية، أيضا، بالكثير من الأعراف التي كانت سائدة في حقبة الجاهلية. لم تكن الشريعة الإسلامية، في جملة حالها، قانونا جديدا كل الجدة، جاء برمته من السماء، في هيئة شيء مستحدث كليا، لم يسبق أن سمع به أهل الأرض، إلا بعد نزول القرآن.

    غرضي من هذه المقالات هو لفت النظر إلى ضرورة إعادة تقويم كل من العصرين الأموي والعباسي، لا بوصفهما خروجا على جوهر الفكرة الإسلامية، وإنما بوصفهما تمديدا وتعميقا للفكرة الإسلامية، وهي تطور نفسها نتيجة للصراع مع الواقع المتحول. لقد مثل العصر الأموي، ومن بعده العصر العباسي، تجسيدان، عمليان، مبكران، لحالة الخروج من قبضة الدولة الدينية، ذات القالب البسيط، إلى الدولة الواقعية، التي يحكمها تشابك المصالح. ومن بداهة الأمور أن حيوية الحياة، وسيولتها الدافقة، لا يمكن كبسها في قالب واحد، وتحنيطها على هيئة واحدة أبد الآبدين. والحياة لم تخرج من قبضة الدولة الدينية القابضة، منذ البداية، إلا بسبب تفجر طاقاتها، واندياح دوائرها الإبداعية الخلاقة. وما كان للعلوم، والآداب، والفنون أن تزدهر، في الفضاء الإسلامي، لولا قيام دولة بني أمية، على الهيئة التي قامت عليها.

    أيضا، لم يكن لعصر النهضة الأوروبية، ولا لعصر الأنوار، أن ينبثقا من ظلام العصور الوسطى في أوروبا، لولا ارتخاء قبضة الكنيسة المسيحية. ولربما لا يجانب المرء الصواب، إن قال، إن حالات التقديس التي تتجاوز الحد، والتي يضفيها الأخلاف على تجارب الأسلاف، هي أصل المشكلة، فيما يتعلق باستمرارية حالات الجمود العقيدي، والركود الحضاري. فكثيرا ما يصل التقديس إلى حد إلغاء العقل. ولعل الوقت قد أزف لكي نبدأ في إخضاع تجربتنا الدينية التاريخية للفحص النقدي الصارم، والحازم، حتى ننزع هالات القداسة، التي تجاوزت المرسلين الأصليين، وانداحت لتشمل من بعدهم، الكثير من أتباعهم ـ بحق في بعض الأحيان، وبغير حق في أكثر الأحيان الأخرى ـ. ولقد دشن الأستاذ الراحل، خليل عبد الكريم، هذه الوجهة، بقراءة موسوعية، مدققة في تجربة الأصحاب. (راجع كتابه، "شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة" وكتابه، "النص المؤسس، ومجتمعه" وكتابه، "سنوات التكوين في حياة الصادق الأمين).

    يمكن القول، بشكل عام، إن البراغماتية الإسلامية، في التجربة السياسية السودانية، ذات وجهين: وجه نقدي، وعملي، استهدف تفكيك سلطة النص المقدس، وهذا يفسح المجال، إن أحسن استخدامه، لبناء حالة، حضارية، إسلامية عقلانية، ووجه انتهازي، ميكافيللي، استهدف إيقاظ التعصب الديني، والعمل على إحكام سلطة النص، من جديد، لا بهدف إرجاع حالة التقى، والورع، والزهد، التي صحبت البعث الإسلامي في بداياته، وإنما من أجل إقصاء الغير، وعزلهم، وإخراس أصواتهم. وقد مثل الأستاذ محمود محمد طه، في عموم الأمر، الإتجاه الأول، في حين مثل الدكتور حسن الترابي، في عموم الأمر، الإتجاه الثاني.
    في القضية الدستورية التي صاحبت حل الحزب الشيوعي السوداني، في ظل الديمقراطية الثانية، في منتصف الستينات، وضح الفارق الكبير، بين فكر الأستاذ محمود محمد طه، وبين بقية الدعاة الإسلاميين، خاصة فيما يتعلق بمسألة الدستور، والحقوق الأساسية. ومسألة الحقوق الأساسية، هي التحدي الأصعب، الذي واجه، وسيواجه مشروع الدولة الدينية. أجمع كل من الدكتور حسن الترابي، والسيد، الصادق المهدي، والسيد، إسماعيل الأزهري على شرعية حل الحزب الشيوعي، وذلك عقب حادثة طالب معهد المعلمين المشهورة. في حين عارضها بشدة، الأستاذ محمود محمد طه، طارحا مفهومه المتميز للدستور، وللحريات الأساسية. ومن أبرز المفارقات في الجدل الذي ثار وقتها، قول الدكتور الترابي، إن الجمعية التأسيسية، وهي السلطة التشريعية، يمكن أن تكون فوق الدستور. وأنها، بهذا الوصف، يحق لها تعديل الدستور، وتغيير أحد مواده الأساسية، كالمادة التي نصت على حرية التنظيم. فمن دون تعديل تلك المادة، لم يكن ليتسنى لدعاة حل الحزب الشيوعي، ودعاة طرد نوابه المنتخبين من البرلمان، فعل شيء. في كتابه الذي صدر في تلك الأيام، الذي أسماه "أضواء على المشكلة الدستورية" قال الدكتور الترابي يرى، إن الجمعية التأسيسية، فوق المحكمة العليا، نفسها. وقد أعطى الدكتور الترابي للجمعية التأسيسية، وهي واحدة من ثلاثة أجنحة تشكل في مجموعها سلطة الدولة، حقا مطلقا، أصبحت به، فوق القضاء، وفوق المساءلة!!

    انجر مع الدكتور الترابي، في هذا المفهوم، السيد الصادق المهدي، الذي حين بلغه أن المحكمة الدستورية قضت بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي، قال: حكم المحكمة الدستورية حكم تقريري، وهو غير ملزم للسلطة التنفيذية. ناسيا أنه قد جعل، بتلك القولة المتعجلة، السلطة التنفيذية، فوق السلطة القضائية. وبذلك قضى كل من الدكتور حسن الترابي، والسيد الصادق المهدي، على مبدأ الفصل بين السلطات، الذي هو أساس النظام الديمقراطي. كما جردا القضاء من صفته الأساسية، كحارس للدستور، ومفسر له، ومن صفته الأهم، بوصفه المرجعية التي تلجأ إليها كل من السلطتين التشريعية (الجمعية التأسيسية)، والتنفيذية، (الحكومة)، للفصل في الخصومات. (راجع كتاب الأستاذ محمود محمد طه، "زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: (1) الثقافة الغربية (2) الإسلام" على موقع،www.alfikra.org

    الشعارات الطنانة التي أطلقها تنظيم الدكتور حسن الترابي، في تخلقاته المختلفة، منذ الستينات، من شاكلة "لا ولاء لغير الله"، و"القرآن دستور الأمة"، و"لا حكم لغير الله"، لم تكن سوى شعارات تحشيدية، تعبوية، غرضها اشعال العواطف الدينية النواضب، واستعداء تلك العوطف الفجة على نور العقل، واستعداء العامة على النخب المستنيرة، ومن ثم منح العوام صكا دينيا يتعالون به على العارفين، والمبصرين. تعمد الدكتور الترابي خلق هذا المناخ العاطفي الشعاري، الذي يغيب فيه صوت العقل، ليشغل الصفوة التي لا تنتمي إلى تنظيمه بمهمة الدفاع عن نفسها، في وجه تهمة "العلمانية" وبأنهم "أعداء لله" وغير ذلك مما تفنن به في حصار المثقفين. وذلك بغرض عزلهم من التأثير على الجمهور، ليخلو المجال، له هو، وصفوته، للوصول إلى كرسي الحكم، ومن ثم التحول، عقب ذلك، من إخراس صوت الجميع، باستخدام سلطة الدولة الدينية. وقد فعل الترابي وقبيله ذلك، حين وصلت الإنقاذ إلى السلطة، كما فعلوه، جزئيا، قبل أن يصلوا إلى السلطة. وذلك، حين زينوا لنميري، أثناء تحالفهم معه، قوانين سبتمبر، وحين جلست كوادرهم، في صدارة ما سمي وقتها بـ "محاكم العدالة الناجزة".

    خدمت الحملة الشعارية الطويلة، التي أطلقها الدكتور الترابي، ورهطه، قبل ثلاثة عقود، أهدافها، التي قامت من أجلها، خير خدمة، وأوصلت الدكتور الترابي، ورهطه إلى السلطة. وشردت العقلاء، من نخب الشمال، في المنافي الفكرية، داخل بلدهم، وداخل محيط ثقافتهم. ثم ما لبثت أن دفعت بهم إلى المنافي الجغرافية، في كل بقاع الأرض. ولكن، ماذا حدث بعد أن وقعت تفاحة السلطة في حِجْر الدكتور الترابي؟!
    حين وصل الدكتور الترابي ورهطه إلى السلطة، وجدوا أنفسهم بغير فكر يذكر. أسوأ من ذلك، فهم قد قاموا، عبر سنوات التحشيد، والتعبئة الشعارية، بتربية غول تبسيطي، يتسم بكل سلبيات الجمود العقيدي، والجنوح للعنف في مواجهة المعضلات. ولذلك، ما لبثت صفوتهم نفسها، أن وجدت نفسها، مقيدة بسلطة ذلك الغول القروسطي، الذي صنعوه، وأطلقوه. ملأ ذلك الغول القروسطي أجهزة الإعلام، التي غدت على حين غرة، أجهزة كوكبية، بكل ما أستطاع أن يعيد إنتاجه من غابر الأساطير. فأصبح السودان، والسودانيين، مضحكة العالم. ولا تزال أجهزة الإعلام السودانية سادرة في ذلك الغي الموفي بأهله إلى النار، حتى يومنا هذا. فصاحب الدولة الدينية، أصم، بطبيعته، عن سماع أي صوت آخر، عدا صوته هو. وهذا نوع من العصاب عصيب، وعويص. وكما يقول المثل السوداني، "التسوي كريت في القرض، تلقاه في جلدها". ومن يفتل حبلا من مادة الدولة الدينية، لابد أن يخنق نفسه بذلك الحبل، طال الزمن أم قصر.

    ما لبث أن دفع الدكتور الترابي، ورهطه، ثمن تفريطهم في جنب الله، حين اعتمدوا التعبئة، والتحشيد، والعنف، والإقصاء، واستخدام قوة المال، بديلا عن التوعية، وبديلا عن أيقاظ العقل، وتنشيطه، وبديلا لمد الجسور نحو معارضيهم، الجالسين داخل حظيرة الدين، والجالسين، خوفا، خارج أسوارها. وهكذا حين دارت على الدكتور الترابي الدوائر، وقلب له تلاميذه ظهر المجن، تحول الترابي، في رمشة عين، وهو الذي أشعل حربا جهادية ضد قرنق، وحركته، إلى حليف جديد لقرنق ولحركته!! معطيا بذلك، أوضح النماذج للسلوك البراغماتي، ولكن، في أقوى تجلياته الإنتهازية، التى لا تعرف الحياء. بل، وتملك من "قوة العين"، ما يجعلها تستدير مائة وثمانين درجة، لتسير في الوجهة المعاكسة تماما، ولا تأبه بما يقال!

    تعيير المستنيرين بـ "العلمانية"، كان، ولا يزال، من أسوأ ما مارسه الدكتور الترابي، وقبيله، ضد النخب المستنيرة، بغرض عزلها عن الجمهور العريض. ولكن القائد الحاذق، لايستعدي الدهماء على العقلاء، لأن تلك كرة خاسرة، في نهاية المطاف. والترابي نفسه، يعلم، تمام العلم، أنه يستخدم نهجا علمانيا في معالجة كثير من القضايا التي يسبب اتباع حرفية النص فيها، إشكالات كثيرة. كل ما في الأمر، أن الدكتور الترابي منح نفسه ذلك الحق، في حين أنكره على الآخرين. ما لم يتفطن له الدكتور الترابي، هو أن تسليح العوام بالخطاب الديني، التبسيطي، يصرفهم عن التفكر، وعن النمو العقلي، والوجداني، ويقودهم، من ثم، إلى الإستعلاء بالجهل، بزعم أنهم إنما يقفون إلى جانب الله، وهذا يكفيهم، ولا يحتاجون معه لمعرفة شيء آخر. مثل هذه الإستراتيجية، تعطى البسطاء، والعوام، من الناس، قوة أكثر مما يطيقون تحمله، وأكثر مما يطيقون، حسن التصرف فيه. مثل هذه الإستراتيجية، ترتد على راسمها، فيجد نفسه، في نهاية الأمر، غير قادر على الخروج من حبال الشباك التي نسجها بنفسه، ولف بها نفسه.

    ظل الدكتور الترابي يظن أن في مقدوره التحكم، على الدوام، في خيوط اللعبة، وأن في وسعه أن يستخدم، مرحليا، قوى العقل السلفي المتحجر، وعصبيته، وعنفه، وإقصائيته، واستعلائه الأجوف بإيمانه، ليخدم بكل أولئك، مرحلته الأولى. وحين يفرغ من التأسيس، ويصل إلى مرحلة "التمكين"، يعود فينقلب على ذلك العقل المتحجر، فيعيد تسييله، وتحديثه، وإدغامه في حركته التحديثية!! ولذلك، فقد ظل الترابي، عبر مسيرته الفكرية، والسياسية، يتحدث، بلسانين. وكان أظهر ما تظهر إزدواجيته تلك، حين يخاطب وسائل الإعلام الغربية. غير أن الذين جرت تربيتهم على الإنغلاق، والتبسيط، وعلى ديماغوغية الخطاب الديني، أمسكوا بما جرى تلقينه لهم، إمساك الأعمى بالعكاز. وهذا هو ما قاد إلى أن يجد الترابي، نفسه، في نهاية المطاف، خارج الحلبة. إذ انفلتت من بين أصابعه كل خيوط اللعبة، وحين أحس بأن مجهود السنين، يذهب أدراج الرياح، وفي لمح بالبصر، ذهب بلا تردد للتحالف مع من كان يسميهم، بالأمس القريب، "علمانيين" و"كفرة"، و"عملاء للإستعمار والغرب". تحالف الترابي مع الذين سبق أن أطلق عليهم حربا جهادية، هي الأبشع، على الإطلاق، في تاريخ السودان! لم يتردد الترابي، "البراغماتي الإنتهازي"، من السير في الوجهة المعاكسة تماما. آملا أن يعيد إليه التحالف، مع حركة قرنق، لجام غوله الإسلاموي، المفقود، مرة أخرى، ولكن هيهات!.








                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 12:49 PM

elhilayla
<aelhilayla
تاريخ التسجيل: 05-02-2002
مجموع المشاركات: 5251

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


I encourage U to keep in dedicating to us such topics (Re: Faisal Salih)


    Salam my friend
    Faisal
    First thanks for the three topics of Dr. el Nour Hamad, which they definitely need a suitable time to go thru profoundly
    I encourage U to keep in dedicating to us such topics
    BTW we were colleagues in 1989-1990 in CCF
    I believe it is U, if I 'm wrong please correct me. In both cases please keep up, because I like Ur Role in the Board
    Zainelabdin

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 01:40 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: I encourage U to keep in dedicating to us such topics (Re: elhilayla)

    الحليلة
    زين العابدين ود كرم الله ود حمد ود زروق
    شكرا يا إبن العم على المرور.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 01:51 PM

abuguta
<aabuguta
تاريخ التسجيل: 20-04-2003
مجموع المشاركات: 8275

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: I encourage U to keep in dedicating to us such topics (Re: elhilayla)

    Quote: أخذ بن عباس، خراج البصرة، وذهب تحت حماية أقاربه إلى الحجاز، ليشتري الأراضي، والبساتين، والدور، والجواري. وقد كتب إليه علي إبن أبي طالب معنفا، ومقرعا، وواعظا، ومنذرا بسوء المنقلب، في الدارين، فرد عليه إبن عباس مفندا حججه، ومبررا ما جرى منه، غير آبه بمكانة علي بن أبي طالب الدينية، ولا مكانته السياسية، كخليفة. بل ومهددا علي بن أبي طالب، بأنه في حالة إصراره على مطالبته برد المال الذي أخذه، فأنه سوف يذهب به إلى معاوية ليحاربه به. (راجع، طه حسين، الفتنة الكبرى: علي وبنوه).


    المحترمين الاجلاء
    تحياتى
    المقال جميل وجدير بالوقوف به عند كل نقطة
    فاستدال الدكتور المحترم النور حمد بترف.... حبر الامة ابن عباس
    وشراه للبساتين.....بمصدر طه حسين....وهل كان طه حسن من العدول الثقات؟؟؟؟
    فمعرفة الصحابة موجودة فى سيرتهم الخالدة التى لم تخدشها ...اقلام المستشرقين
    فاحيلكم ياسعادة الدكتور وانت لا تحتاج منى لاحالة...الى كتابة الاصابة فى حياة الصحابة
    واسد الغابة...ومن الاخرين احيلكم الى كتاب رجال حول الرسول...
    فهنالك ستجد شخصية مخالفة لما اورده طه حسن... لان بن عباس..كان زاهدا متعففا
    فى ماكله وملبسه ومشربه..مقلدا لرسول الامة صلى الله عليه وسلم

    وما اردت الا ان تعم الفائدة ... ما استطعت
    ولكم خالص احترامى

    ابنكم
    م.احمد صديق

    (عدل بواسطة abuguta on 10-01-2005, 01:53 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 01:57 PM

merfi
<amerfi
تاريخ التسجيل: 05-02-2002
مجموع المشاركات: 685

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    Food for the mind and the soul
    Thanks for a good read
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 02:10 PM

إيمان أحمد
<aإيمان أحمد
تاريخ التسجيل: 08-10-2003
مجموع المشاركات: 3468

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: merfi)

    It is definitely a good read
    شكرا أستاذ فيصل محمد صالح
    شكرا د/النور حمد

    إيمان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 06:41 PM

ودرملية
<aودرملية
تاريخ التسجيل: 27-07-2002
مجموع المشاركات: 3687

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: إيمان أحمد)

    سلامات
    وعوافي
    ...
    فوق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 07:38 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: ودرملية)

    شكرا ميرفي
    شكرا إيمان أحمد
    شكرا ودرملية

    شكرا أبو قوته
    ولي ملاحظة على ما أوردته.

    طه حسين لم يعتمد كتب المستشرقين، وإنما اعتمد التاريخ الذي رواه المسلمون بأنفسهم. فقط إقرأ هذا الخطاب الذي أرسله سيدنا علي إلى إبن عباس حين يئس من بن عباس لترى أن كل ما ذكره طه حسين، قد ذكره الإمام علي بن أبي طالب في خطابه هذا. ولا أخالك تحاجج في أن إبن عباس قد خرج على طاعة الخليفة علي بن أبي طالب، وذهب من غير إذنه إلى الحجاز تاركا المصر بغير والي.

    خطاب الإمام علي بن أبي طالب، إلى إبن عباس، لا يترك مجالا للقول بأن طه حسين قد جاء بشيء من عنده هو، أو أنه أعتمد أقوال المستشرقين، وحسب. ثم إن القول بأن أقوال المستشرقين خاطئة، ومغرضة على إطلاق العبارة، قول غير سليم، وفيه تعميم، غير علمي، وغير موضوعي.

    وإليك خطاب الإمام علي إلى إبن عباس:

    ((أما بعد، فإني كنت اشركتك في أمانتي، ولم يكن في أهل بيتي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليّ. فلما رأيت الزمان على إبن عمك قد كَلَبَ، والعدو عليه قد حَرَبَ، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأمة قد فتنت، قلبت له ظهر المجن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين. فلا إبن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن لله تريد بجهادك، أو كانك لم تكن على بينة من ربك. وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد عن دنياهم أو تطلب غرتهم من فيئهم. فلما أمكنتك الغرة أسرعت العدوة، وغلظت الوثبة، وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الهزيلة وضالعها الكبير. فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر، تحملها غير متأثم من أخذها، كأنك لا أبا لغيرك، إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك. سبحان الله! أفما تؤمن بالمعاد ولا تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما؟ أوما يعظم عليك وعندك أنك تستثمن الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين افاء عليهم البلاد؟ فاتق الله، وأد أموال القوم، فإنك والله إلا تفعل ذلك ثم أمكنني الله منك لأعذرنَّ إلى الله فيك حتى آخذ الحق وأرده، واقمع الظالم وأنصف المظلوم. والسلام))..انتهى

    وقد حفلت مكاتبات الإمام علي، وردود إبن عباس عليه بالتوثيق لما اشرنا إليه في المقال. الشاهد، أن التاريخ الإسلامي بحاجة إلى إعادة قراءة. ما في ذلك أدنى ريب.
    ولك التحية، وخالص الشكر.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 08:00 PM

atbarawi
<aatbarawi
تاريخ التسجيل: 22-11-2002
مجموع المشاركات: 987

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: ودرملية)

    شكرا جميلا اخ فيصل على هذه المساهمة الثرة والعميقة في آن0
    والشكر موصول للدكتور النور على هذاالجهد المعرفي الرائع في تعرية جوانب قصور الخطاب الديني السائد منذ عصور الانحطاط وحتى راهن اللحظة0 وفي يقيني ان التصدي لمثل هذا الخطاب يجب ان يكون الهم الاكبر لمفكرينا0

    ارجو ان يسمح الوقت بمداخلة في فيما طرحه ابو قوتة من تعليق يتصل بابن عباس ينكر فيه على الآخرين مراجعهم لمجرد ان له مراجع مختلفة0

    لكم الود
    عبد الخالق السر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-01-2005, 08:35 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: atbarawi)

    شكرا عبد الخالق السر على الدخول.
    وأتطلع لمساهمتك في شأن إعتماد مراجع دون أخرى.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 00:03 AM

عبدالله عثمان
<aعبدالله عثمان
تاريخ التسجيل: 14-03-2004
مجموع المشاركات: 15434

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)


    الفقرة التى أوردها د. النور (لم يكن معاوية، انحرافا كليا عن جادة الأمر، مثلما جرى تصويره تاريخيا، خاصة في الأدب الشيعي. بل يمكن القول بأن انتصار معاوية على علي، كان حدثا مهما، إذ به تحول الدين الإسلامي، من ضيق قالب الدين، وبساطته، إلى سعة الحضارة الإسلامية، وتركيبها، وتعقيدها. ولو فهم قومنا، من شاكلة القرضاوي، والترابي، والزرقاوي، وجماعة الإنقاذ، وكل المروجين لمشروع الدولة الدينية، الأمر على هذا النسق العالي، من السيولة، والحيوية الفكرية، لأراحوا الناس، وأراحوا أنفسهم، من محاولات كبس الواقع الكوكبي الراهن، بكل حيويته، وسيولته، وتدفقه، في جسد نصوص، ومتون، وحواشي السلف. ولانشغلوا، من ثم، بتوسيع الماعون الحضاري، بدفع قيم الحرية، والتعددية، والتنوع، والتثاقف، والقبول بالآخر، مهما كان اختلافه معنا. ولأصبح التوجه في جملته، نحو بناء حضاري، إنساني، منفتح، وليس نحو بناء دولة دينية، إسلامية، قابضة، منغلقة، مستعلية بعقيدتها، على كل من عداها. ولو كان مقدرا أصلا للدولة الدينية أن تبقى، لبقيت علي يدي علي بن أبي طالب!) – إنتهى – هذه الفقرة ذكرتنى بواقعة، لها دلالاتها، شهدتها فى السودان، وهى مشادة حدثت فى البرلمان "الصورى" بين القمّص فيلوثاوث فرج والدكتور إبراهيم أحمد عمر- وزير التربية وقتها، والأمين العام للمؤتمر الوطنى الحاكم حاليا – الواقعة كان يشتكى فيها القس عن فرض الحجاب على الطالبات المسيحيات فى "ظل دولة دينية" وقال أن دينهم المسيحى يقول لهم "أن شعر المرأة مجد أعطاه إياها الرب فلها أن تتباهى به"!! الوزير عمر كان محددا وحادا فى رده إذ قال له، ما معناه، طالما فتياتكم إرتضين العيش فى بلادنا، فهذه قوانينا "الإسلامية" وعليهن إحترامها، فعقب القس "إذن أنت تتحدث عن دولة إسلامية وليس دولة دينية" قال السيد الوزير: نعم!! وسكت بعدها القس عن الكلام المباح.
    لعل هناك علاقة كبيرة بين هذه الواقعة والواقعة التى أرّخ لها الأستاذ محمود محمد طه فى حديثه عن ملابسات سقوط الدستور الإسلامى بين الأب فيليب غبوش ود. الترابى- فقط كان الترابى وقتها مرواغا ولكن عمر كان واضحا ومحددا هنا ولعل وضوحه وتحديده أملاهما بلوغهم "دولة التمكين" بينما كان الترابى وقتها فى مرحلة "التمسكن"!!
    ولكن، وبالتجربة فقد إتضح للإسلاميين، وكما قرر د. النور (كلما استمرت المكابرة، في التجربة السودانية الحالية، كلما كانت الخسائر أفدح) فقد إرتضوا الدنيّة من دينهم ووقف على عثمان ضحكا بين "الإستكبار العالمى" ممثلا فى باول و"مجلس الكنائس العالمى" ممثلا فى قرنق و"بصم" بالعشرة فى نيروبى.

    والواضح أن "السوس" قد نخر فى منسأة الإسلاميين منذ زمن طويل تبدت أولى ملامحه فيما كتب كمال حسن بخيت منذ أربع أو خمس سنوات لجريدة البيان الأماراتية عن إحتفال الشباب برأس السنة فى الخرطوم التى كان يطوف د. الطيب إبراهيم محمد خير والرائد إبراهيم شمس الدين فيها على فنادقها لفض الحفلات المقامة فيها محيين بذلك سنة المكاشفى طه الكباشى وغيره من قبيلهم. وقد حدثنا نورالدين مدنى – الصحافة – عن أن الأحباش قد عادوا وأفتتحوا لهم مطعما فى قلب الخرطوم ورقصت فرقهم الموسيقية فى الشارع وبلغ سعر تذكرة الدخول لحفل إيهاب توفيق فى قاعة الصداقة بمناسبة رأس السنة قرابة النصف مليون جنيه سودانى وعبرت الفتيات عن "إمتعاضهن" من قوالب الشريعة بالتولّه لحد "الهستيريا" – كما حكت الصحافة – ويقول الناس فى الخرطوم أن من أغلى الثياب النسائية سعرا ثوب إسمه "الشريعة طرشقت"!! وقد إمتعض راشد عبدالرحيم – الرأى العام – من مظاهر الإحتقالات برأس السنة بشارع المطار وتعجب لذلك فى ظل "دولة إسلامية" كما أسماها وجاءت بينات ملونة من وراء البحر الأحمر تدعو لعدم مشاركة المسيحيين أعيادهم كما أورد د. خالد المبارك – الرأى العام –
    وبابكر حنين يقدم فى قناة الأزرق نساء سودانيات بلا حجاب إسلامى ويحدثنا من تلفزيونه د. محمد محجوب هارون ود. خالد التجانى وحسين خوجلى وغيرهم من "الإسلاميين" يحدثوننا عن "توسيع الواعين" و"إستيعاب الآخر" وقدلة خليل فرح "من الفتيح للخور للمغالق" و"شادن العمراب"
    وقد بدأ الإسلاميون الآن ينظرون لدولتهم تتهاوى – راجع كتابات عوض الله – الصحافة وحديثه عن الإسلامى صاحب الموقع الحساس – الآن- فى دولة الخرطوم وهو يقترح له إبدال عنوان مقالته – بدلا من "محنة الإسلاميين فى السودان" الى "محنة السودان فى الإسلاميين" – ومع ذلك كانت تقول لافتة خرج بها طلاب الخرطوم أمس إحتفالا بالسلام "جاهزين جاهزين لحماية الدين"!!

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 00:30 AM

بهاء بكري
<aبهاء بكري
تاريخ التسجيل: 26-08-2003
مجموع المشاركات: 3420

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الشكر للخال فيصل علي جهوده التي بذلها في تطوير جريده الاضواء , فقد استكتب فيصل خيرة ابناء السودان من الوطنيين , فصارت الجريده مقرؤة . والشكر كذلك للكاتب المستنير المهذب الدكتور النور حمد , وحقيقه الفتره القادمه نحن محتاجين لاقلام شجاعه نحارب بها الجهل الذي استبطنه معظم اهل السودان البسطاء نتيجه آلة الجبهه الاعلاميه التي ظلت تردد في الاكاذيب لستة عشر سنه, هنيئا لفيصل والاضواء بالدكتور النور والاستاذ خاتم والدكتور مرتضي الغالي والاستاذ فيصل الباقر وبالتوفيق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 09:20 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: بهاء بكري)

    شكرا عبد الله عثمان
    تدهشني ذاكرتك التي تأتي بالإشارات لمقالات جرت كتاباتها قبل سنوات. وشكرا على الشواهد الكثيرة التي أوردتها.
    يدخل السودان مرحلة جديدة من غير شك، ونرجو أن يترك الجميع قديمهم البالي، ويقبلوا على تفهم الأوضاع الجديدة بعقول وقلوب مفتوحة. لابد أن تذهب، وإلى غير رجعة، محاولات التضييق على الناس، ومحاولات صبهم في قالب واحد. والحياة بطبيعة حيوتها، وسيولتها تستعصي على الصب في قالب واحد ضيق، ومع ذلك يصر بعض الغلاة على فعل ذلك. ولكن من فضل الله، أنهم كلما اصروا على التضييق وعلى تقحم خصوصيات الناس، كلما انفلت الأمر من قبضهم، وكلما أصبح أمرهم مدعاة للرثاء والشفقة. لابد أن تصبح الحياة في قطرنا حياة طبيعية، مثلها مثل أي حياة في بقية الأقطار العربية والإسلامية. لا تمارس دول الخليج العربية، باستثناء السعودية، والكويت، تضييقا على مواطنيها. كما لا تمارس التضييق كل الدول الإسلامية في إفريقيا، عربية كانت أو غير عربية، باستثناء السودان. وينطبق ذلك على الدول الإسلامية في شرق آسيا، حيث تعيش أغلبية المسلمين في العالم. قومنا هؤلاء يعانون من عزلة عجيبة، ويظنون أن السماء قد ارسلتهم، دون سائر العالمين، لهداية الناس. لكن المضحك أنهم لا يعيشون ما يدعون إليه، ولا بأقل القليل. وسأتوفر على التوسع في ذلك في مقالات قادمة بإذن الله.

    شكرا بهاء بكري
    هذا من فضلك
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 04:41 PM

b_bakkar

تاريخ التسجيل: 01-04-2004
مجموع المشاركات: 1027

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    الأخ العزيز فيصل،

    أطيب تحياتي وسلامي
    شكرا على إنزال هذا الموضوع الحيوي والممتع

    وتحياتي إلى أخي د. النور وتقديري الكبير لجهوده المتواصلة في الإسهام في حركة التنوير الناشئة في السودان وفي العالم العربي الإسلامي

    صحيح، كما أشار النور،إن مفهوم "البراغماتية" اكتسب مضمونا سلبيا يترادف في بعض الأحيان مع مفهوم "الإنتهازية". وذلك عائد إلى الممارسات العملية التي صحبت بلورة هذا المفهوم. ولكنه ظل أيضا- حسب السياق - يعني "الواقعية".
    ربما كان الأمويون يبدون في التاريخ واقعيين ويبدو الإمام علي مثاليا. ولكني أعتقد أن واقعية الأمويين او براغماتيتهم كانت إنتهازية بحتة. وكانوا موزورين بها وإن كانت هي من تدبير الإرادة الإلهية. وستظل القيم التي مات من أجلها الإمام علي مطلب الإنسانية دائما وإن ظلت قاصرة عنها حتى الآن.

    اتفق مع الأخ النور تماما على ضرورة الواقعية. وأضيف إلى الأمثلة التي ذكرها ما فعله القديس بولس الرسول بعد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. إذ أنشأ بولس المسيحية وبدأ تأسيس الكنيسة في خلق جديد.ولكن المسيحية لا تنسب الآن إلى بولس بقدر ما تنسب إلى المسيح.

    أنا مستعجل للخروج إلى موعد. ولكني أحببت أن أحييكم سريعا وأدلي بهذا التعليق الوجيز كمدخل وآمل أن أتمكن من العودة قريبا
    تحياتي وودي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 09:07 PM

Khatim
<aKhatim
تاريخ التسجيل: 16-05-2002
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    هذا جهد عظيم، يثير كثيرا من القضايا الفكرية الجديرة بالمتابعة والحوار. وأعتقد أن رفض الدكتور النور للدولة الدينية، في كل صورها، إستنتاج منطقي من كل تحليله. وأوافقه على إشارته إلى تفلت الواقع من النصوص، وضيقها المتواصل عنه. ومع أن هذه فكرة لا يختلف حولها كثير من الناس، إلا أنهم لا يلتزمون بها عمليا، ويستخدمون في ذلك حيلة، ليست مكشوفة دائما، وهي أن الواقع لم يتجاوز (بعد) هذه النظرية التي نؤمن بها او هذا النص الذي نقدسه. لقد أشرت في بعض كتاباتي، إلى تفرد قانون التطور الإجتماعي، وسميته مع بروفسور بلاميناتس: سوي جنريس Swis Generis ويمكن ترجمتها بأنه نسيج وحده. فأنت تبدأ التنظير بمعطيات محددة، وتصل إلى نتائج محددة بناء على هذه المعطيات. و لكن الواقع، الذي ربماينطلق من إستنتاجاتك ذاتها أو من غيرها، يضيف في كل لحظة، معطيات جديدة، مما يحتاج إلى تنظير جديد في كل لحظة هامة من لحظات التاريخ. وقد إشار إنجلز إلى هذه الحقيقة نفسها: أي إلى أهمية التنظير في كل منعطف هام لتطور العلوم، دون أن ينتبه إلى إعادة التنظير ربما تعني هدم القديم. وأوافقك على إعتبارك الماركسية نوعا من الأيديولوجيا لأنها تراكمت عليها المعطيات الجديدة، المختلفة نوعيا عن منطلقاتها الأولى دون أن تصاحب ذلك جرأة هدم المنطلقات الأساسية لدى الماركسيين، خاصة العاملين منهم في المجال السياسي وفي خدمة النظم التي كانت قائمة باسم الماركسية. بمعنى آخر كان المحتوى الأيديولوجي في الماركسية يتراكم على حساب أساسها العقلاني. وهذا حديث يطول.
    أعتثد كذلك أن الرأي الذي نسبته إلى دوروثي داي رأس صائب تماما. وقد عالج ذلك بصورة عميقة الدكتور عزيز العظمة في كتابه العلمانية من منظور مختلف، فأبان كيف نشأت دولة التنظيمات التركية، من داخل مؤسسة الخلافة. وقد أخترت أن أقول دائما أن العلمانية هي حركة المجتمعات نحو الإمساك بمصائرها، ولذلك فلا مهرب منها ولا مفر مهما تمترسالمتعصبون. إن إشارتك في هذا السياق إلى أن الترابي يلجأ إلى الاساليب العلمانية في الحفاظ على سلطته إشارة موفقة تماما.
    إني معرفتي بحدود المقالة الصحافية، مهما توسع المرء فيها، يجعلني أتجاوز عن بعض التعميمات التي ربما كنت ستتجنبها لو كان المقام ارحب من مقال صحافي. فالقول مثلا بأن البراغماتية مرادفة للعقلانية، فيه نظر. لأن متطلبات العقلانية في نظري أوسع من متطلبات البراغماتية. وتعصمك العقلانية عن أشياء، ربما تغريك بها البراغماتية. تجارة السلاح مثلا، ومنها بيع الأسلجة للطرفين المتحاربين، براغماتية لو نظرت إليها من ناحية جلب الأرباح وغير عقلانية لتدميرها للقوة الشرائية للطرفين على المدى البعيد. هذا إذا لم نتتحدث عن الجوانب الأخلاقية المتمثلة في الربح من موت الآخرين. وأعتقد أن البراغماتية يجب أن ترتبط بالعقلانية وبالأخلاق. أي براغماتية مكبوحة ومقيدة. ومن هنا فإن براغماتية معاوية كانت غير أخلاقية: حادثة رفع المصاحف، وحادثة بيعة يزيد. كما أن ممارسات بني أمية في الحكم كانت فاحرة بشكل كلي: الإغتيالات، تدمير مكة والمدينة، إستغلال الشعوب الأخرى والجبايات الفادحة إلى غير ذلك. الزاوية التي عالجت أنت منها الموضوع، اي زاوية إفلات الواقع من النص، هي التي جعلت نقطة تركيزك في غير هذه المواضع التي أشرت إليها من جانبي، والأمر مفهوم بالنسبة لي في هذا الإطار.
    كما ان البراغماتية التي تميز بها إبن عباس، في هذه الأحداث التي ذكرتها، لا يمكن أن تكون مثالا لشيء إيجابي. فقد كان في وسع الرجل أن يترك منصبه دون نهب الثروات. إن موقف علي الأخلاقي راجح بلا شك على موقفه النفعي. وتفعل خيرا إن أوردت رد إبن عباس على ابن عمه عليّّّ.
    من المهم الإشارة كذلك إلى أن الدعة ورغد العيش، بدأت في الحجاز قبل إنتصار بني أمية. وهي دعة ورخاء الدولة الريعية القائمة على الغنيمة والجباية، ولذلك فإن مواجهة بني أمية للحجازيين لم تكن مواجهة بين التقشف والدعة.
    أشكرك كثيرا على مقالة جيدة وليتواصل الحوار.
    خاتم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-01-2005, 10:33 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Khatim)

    هذى روآى من وحي الحلقة الاولى
    اولا آشكر الدكتور النور لدراستة المقارنة في ساندوتشة الدسم..........
    وصف الدكتور البراجماتية عامة بانها ارتبطت بالمنفعة علما بان البراجماتية كنظرية فلسفية لاتتحقق قضاياها الكلية الا إذا جلبت منفعة اي ان القضايا الفلسفية لا تكون صادقة الا اذا حققت منفعة وكل القضايا الفلسفية والاخلاقية مبنية على تلك القاعدة وبدون تحقيق منفعة فهى قضايا كاذبة لذا نجدالمنفعة تمثل العمود الفقري للنظرية وليس مجرد ارتباط

    ثم زكر الاثر الاسطوري التى احدثتة البراجماتية فى تحجيم غلواء الايدولجى وربما كان محقا لحد ما فقد استطاعت البراجماتية ان تصعق الماركسية فى اشتراكيتها واقتصادها ولكن تتمدد الاشتركية فى الصين بدرجة ربماتصعق البرجماتية فى عقر دارها.... لابل تتمدد ايدولجيات اخر ربما تمثل شوكة الحوت للتمدد المطلق للبراجماتية.... كفكر دريدا وجارودي المتجدد..... لابل الاسلام فى مدارسة المختلفة يسعى لتحقيق ذاتية متميزة.....وكذلك الكنفشيوسية....احسب ان الثورة العلمية الخرافية والمتطورة بصورة مزهلة هى التى تجاوزت الفلسفات والايدولجيات لا بل الجمت حنكتها دهشة وانبهار لذا يمكن القول ان سيادة العلوم فى الواقع البراجماتى وتاسيس منظمات العمل المدنى والتطوعى العالمي لها عظيم الادوار فى تحجيم غلواء الايدولجى على المستويات المحلية والعالمية.

    وصف دكتور النور البراجماتيةبمواجهة النصوص غير العملية مما يدل على مرونتها وقدرتها على التحور التى تفوق بة الحرباء فى تكيفها مع بيئاتها المختلفة وعلى ذلك تاسست الاخلاق البراجماتية التى لا تنفك عن نظرية معرفتها فالمنفة هى الغاية مهما كانت الوسائل لتحقيقها

    حاول دكتور النور توصيف بعص الحالات الفردية التى ربما حدثت فى الدولة الاسلامية مستخدما مراجع عن طة حسين الذى تحوم حولة الشكوك وربما يتهمة البعض بالماسونية وغيرها ونظريتة فى الادب العربي خير شاهد لذا لايمكن ان يكون من الثقاة الذين يرجع اليهم خاصة فى تلك الحالات....ولو افترضنا جدلا ان تلك الحالات حدثت فعلا فان فى ذلك تلبيس للبراجماتية لواقع يختلف عنها اختلافا جذريا فى المنهج فان سلوك الافراد الذاتى لايمكن تعميمة على منهج كامل متكامل وقياسا على ذلك يمكن توصيف حالات التجسس التى مارسها بعض الامريكين لصالح روسيا بشيوعية النظام البرجماتى لان الشيوعية ليست انتماء للطبقة ولكن بالدفاع عنها كالديمغراطيين الروس الذين ينتمون لطبقات برجوازية ولكنهم يدافعون عن الطبقات العاملة احسب ان في ذلك توصيف غير جائز لان الفلسفة تهتم بالقضايا الكلية لا الجزئيات

    ثم عبرالدكتور النور عن توصيف السياسة بفن الممكن وهي تعريف للفلسفة
    السياسية للبراجماتية التى لا تنفك عن نظرية معرفتها وصدق القضايا بما تعود بة من منفعة فهى بذلك تدرك مستجدات واقعها ثم تلبس ذلك الواقع المثل المدركة وهى خاصية عامة لكل الفلسفات فى تنزيل المثال للواقع
    ولكنى اقر واعترف هنا للدكتور النور باننى هاهنااتتلمذ على يديك واتلقى من طرائقك المتميزة فى السرد والحبك مايصعب على البعض فهذا ليس تعدي على اراءك ولعلمى بقناعتك بان لا قداسة للمعرفة والعراف لذا استاذنكم اخيرا ان اعبر عن موضوعك الاول وفقا لفهمى المحدد والمحدد جدا

    ولك الاحترام والتقدير

    منصور عبداللة

    (عدل بواسطة munswor almophtah on 12-01-2005, 10:06 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2005, 00:06 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    العزيز بشير بكار
    شكرا على الزيارة والتحية. وأتطلع بشدة لمداخلتك التي انتويتها.

    البحث في قصر عمر الدولة الدينية التي مثلتها دولة الخلافة الراشدة يحوي الكثير من الدلالات التي تحتاج التأمل والبحث والتقصي. ما من شك أن بني أمية قد انتهجوا نهجا براغماتيا انتهازيا. وحقيقة الأمر أن بني أمية يرون أنهم قد أعادوا مجدا وجاها كانوا هم أهله قبل ظهور الإسلام. وهم لذلك لم يروا في دولة المدينة، وسنوات الخلافة الراشدة، سوى فترة قصيرة اعترضت حالة عزهم ومجدهم وثروتهم وجاههم. (راجع كتاب المقريزي، "لنزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم"، منشورات دار المعارف، تحقيق الدكتور حسين مؤنس). وما من شك أن عليا إبن أبي طالب قد كان التجسيد الحي للقيم النبوية وللمثل العليا. غير أن الزمان لم يكن زمان المثل العليا. وأكثرية الناس لم تتغلغل القيم الجديدة في أنفسهم بما يكفي. وقد بدأت الغلاغل مع وفاة النبي الكريم. ويكفي أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين، من مجموع أربعة، قد ماتوا مقتولين في حوالي عشرين عاما.

    النقطة الجوهرية أن الدولة الدينية القائمة على المثل العليا لم يكن لتقوم لها قائمة إلا مع وجود نبي يمشي بين الناس. فبنوا أمية قد وجدوا الناس قد مالوا بالفعل إلى الدنيا فأعطوهم قيادة في تلك الوجهة. وهذه هي طبيعة البشر وطبيعة الحياة. فالناس هم الذين انفضوا من حول علي بن أبي طالب، واختاروا العاجلة على الآجلة. وقد فعل ذلك أقرب أقرباء سيدنا علي، ممن هم في قامة عبد الله بن عباس، فما بالنا بالبقية. غير أن تلك الإنعطافة لم تكن نكسة كما نصورها من زاوية الرؤية الطهرانية، أو من زاوية التشيع لآل البيت. وإنما اندغمت في تلك الإنعطافة ارتفاع في منحى ثاني. وهذا يفهم من رؤية الصورة الكلية، في عموم أمرها. تلك النقلة هي التي حولت الديانة إلى حضارة، وإلى مد حضاري غير وجه العالم القديم وقتها. تقدمت البراغماتية، وتأخرت القيم الدينية الرفيعة، ولكن لتبقى في خلفية الصورة، لتلهم وتوجه، دون أن تقفز إلى الواجهة. وهذا مجال بحث كبير.

    من يدعون لقيام دولة دينية اليوم يتجاهلون الكثير من الحقائق، ويتعامون عن طبائع الأشياء. المدهش أكثر أن من يدعون للدولة الدينية اليوم، لا يوجد من بينهم من هو في زهد، وعفة، وتقوى، وورع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب الذي لم يستطع على علو شأنه ورفاعة قامته الخلقية أن يرد الناس على ما كان عليه الأمر في بداياته.

    شكرا بشير، وأنا في انتظار مداخلتك التي لا شك في أنها سوف تثري الحوار.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2005, 09:18 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    العزيز الأستاذ الخاتم عدلان
    سرني ظهورك في هذا الخيط سرورا عظيما

    شكرا على الإضاءة التي تفضلت بها فقد أسهمت كثيرا في إزالة اللبس في بعض النقاط المحورية. ولا خلاف بيننا كما أشرت. والمقال الصحفية، كما أشرت أيضا، لا تسمح بطبيعتها بالبحث المتعمق المتأني والشامل. غير أنها تصلح للإشارة إلى ما يصلح أن يكون مبحثا جديدا ، أو مجالا جديدا لإعادة النظر. وأحب أن أشير على غرار إشارتك الكريمة لطبيعة المقال الصحفي، ومحدودية ما يسمح به، إلى أن كتاب فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ظهر في بداية أمره، مجرد موضوع في مجلة The National Interest. وتعليقات الباحثين والقراء عليه هي التي دفعت بمؤلفه لتوسيعه ليصبح فيما بعد كتابا. ومن ناحيتي أرجو أن يكون هذا الطرق قد وفق في فتح درب بكر به تتسارع الخطى في وجهة ردم الهوة بين المتعارضات التقليدية من شاكلة "ديني" و"علماني". فالعلماني قد كان على الدوام طرفا من الديني، والعكس صحيح أيضا.

    لم آت بشيء جديد تماما، في هذا المنحى الذي نحيته هنا. وكل ما فعلته هو أنني توكأت على عبارة الأستاذ محمود محمد طه الباعثة على التأمل والتي تقول: ((موضوع علي ومعاوية يحتاج إلى فكر يغطِّس الزانة ويطفِّح المسحانة)). في هذه الإشارة دعوة للنظر في الصورة الكلية، ودعوة لرؤية الجدل في أكثر تجلياته تركيبا، وتعقيدا. فالتفكير الخطي
    linear هو الذي قعد بنا عن رؤية المركب والمتشابك من صور الجدل. وقد تمثلت الرؤية الخطية في الثقافة الشعبية الإسلامية في التشيع المطلق لآل البيت وسط قطاع غالب من المسلمين، وفي نفس الوقت غض الطرف عن ما أنجزته النقلة الأموية والعباسية للتجربة الإسلامية في جملتها من تحويل الإسلام كديانة إلى الإسلام كجسد حضاري غير وجه العالم القديم عبر القرون السبع التي تلت البعثة المحمدية. خاصة حين ننظر للصورة الكلية من موقعنا الحالي من بنية التاريخ الكلية، وليس من موقع التحزب لأقطاب الصراع الذي انتظم الحقبة المسماة بالفتنة الكبرى. ولا يمنعنا هذا بطبيعة الحال من أن نتحدث عن مساوئ بني أمية وبني العباس وانتهازيتهم وعنفهم ومجزارهم التي تجل عن الحصر.

    أيضا أرى أن التشيع لسيدنا علي، ولآل البيت هو الذي غرس في المخيال الإسلامي العام، هذه الحالة النوستالجية من الحنين إلى حالة البعثة الأولى. في الوقت الذي تقول فيه حقائق الحياة إن ما مضى لا يعود، فما مضى لم يذهب أصلا ليعود. ما مضى إنما مضى ليفسح المجال لما هو أعلى وأعقد وأكثر تركيبا. فالحياة قد سارت على الدوام من البسيط إلى المركب. والإسلام كحضارة مركب، وهذا المركب إنما هو نتاج لجدل المثال مع الواقع. فحين يتجادل المثال مع الواقع يقوم الواقع بتجسيد الممكن من صورة المثال، ويقصي غير الممكن، أو قل يرجئه حتى ينضج ظرفه. ولذلك فالحقيقة التي يحسن البناء عليها هي محصلة نتائج اختبارات الواقع العملي للمثال. والبراغماتية بهذا المعنى تعني معرفة طاقة الواقع واستعداده لإخضاع المثال أو قل مقدرة الواقع على إدخال الممكن من المثال في حيز التداول والتعامل اليومي. هذا من غير أن نجنح للمحاكمات الأخلاقية للواقع استنادا على صورة المثال في الأذهان. مثل هذه المحاكمات سهلة جديدة وهي تعطي ممارسها احساسا بالراحة والرضا، ولكنها لا تعين على الحفر الأعمق. فالبراغماتية تعني في هذا الوضع الإقرار بالنسبية وعدم المبالغة في هجاء الواقع، استنادا على صورة المثال. فالواقع لم يكن ورديا في يوم من الأيام، وربما لن يكون أبدا. وهذا لايعني ، بطبيعة الحال، أن الواقع لا يتحسن أو أنه يظل يرواح مكانه.

    أعلم أن كل ما حاولت مقاربته عاليه لا يغيب على بالك. وكل ما قصدته هو تسليط مزيد من الإضاءة، وبغرض توسيع دوائر الحوار، وتمديد مساراته. ولك كثير المودة، وعميق التقدير، وخالص الشكر. وهذا ما سمحت لي به العجالة، فمعذرة. ولي عودة حين يسمح الوقت لعرض ردود بن عباس على سيدنا علي حين طالبه الأخير بكشف حساب البصرة.

    (عدل بواسطة Dr.Elnour Hamad on 20-01-2005, 02:09 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2005, 09:33 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    شكرا الأخ منصور عبد الله على المداخلة
    لقد أثرت بعض الأمور التي تحتاج إلى إيضاح ولسوف أحاول أن أعرض إلى نقاطك في المداخلات القادمة. فالوقت الآن لا يسعفني. فهذه مجرد تحية وشكر.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2005, 03:19 PM

b_bakkar

تاريخ التسجيل: 01-04-2004
مجموع المشاركات: 1027

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    UP
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2005, 10:09 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: b_bakkar)

    الأعزاء زورا البوست
    سأتوجه إلى ولاية أيوا غدا الخميس لحضور احتفال الذكرى العشرين لإستشهاد الأستاذ محمود محمد طه، وارجو أن أعتذر مقدما لكل من يزور في فترة غيبتي من أنني ربما لا أتمكن من كتابة أي ردود في فترة الأيام الأربعة القادمة. ولكن الدار دراكم، فتفضلوا بالدخول، وبتسجيل آرائكم وملاحظاتكم، ولسوف أعود للتعقيب على كل من يزور عقب نهاية الإحتفال. وشكرا لكم مقدما.
    النور حمد
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2005, 05:58 AM

democracy
<ademocracy
تاريخ التسجيل: 18-06-2002
مجموع المشاركات: 1707

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    استاذي الباهر/دكتور النور محمد حمد


    تحياتي واشواقي

    -بخشوع تام،غبت فيه عن حواسي ،وغابت عني الا فيما ابصر واعقل،قرأت المقالين الاول والثاني تحديدا...وهما قطعا ليسا بمنتوج فكري او دراسي صرف،انهما من قبيل الفيوضات او قل (علي عملات السادة الجمهوريين)...وارد وهو بلا شك وارد مهول...هذا احسبه من واردات الثلث الثالث من الليل(ليل امريكي...وياله من ليل)
    -اوشكت ان اقف عند محطات وقف عندها الاخوين الخاتم عدلان ومنصور عبدالله...الا انني ادركت ان المساحة المتاحة في المقال لا تسمح للكاتب ان يخطو خطوا فسيحا مع افكاره...قد اتفهم ذلك لمعرفتي بك وبمنهج تفكيرك ومعالجاتك الفكرية للامور...لكنه ربما فات علي آخرين...لذا نرجو ان يكون ما طرقته مشروعا لكتاب ...يتيح لك متسعا رحبا ومجالات فيح...تضيئ بها ما جاء غير واضح ولا اقول معتما من زوايا.
    -قرأت خليل عبد الكريم ومن وحي قراءتي له سجلت بعض الخواطر ،كنت ازمع في تحويلها لمشروع كتابي لم اسميه بعد...مقال ،دراسة كتيب،كراسة لا ادري!...لذا استهواني ما كتبت استاذي الجليل.
    -تسليط الضوء بكثافة علي براجماتية المنهج الاسلامي في العصرين الاموي والعباسي وما تلاهما يخدم الفكرة الاساسية لما تبحث فيه...محاولة قراءة حركة الهوس الديني في السودان ..ربما ابعدك عما تتغياه وربما ،جعل المقاربة ادخل في السياسة منه في الفكر والبحث...ربما كان مفيدا ان يأتي هذا متأخرا، بعد قراءتك للتاريخ الاسلامي وفق ما تجترحه من منظور...نرجو استهداف وتعرية هالة القداسة المضروبة حول التاريخ الاسلامي والرموز الاسلامية...هذا من شأنه ان يحرر ذهنية المسلمين...كما يكون مفيدا الاستناد علي المظان التاريخية للتراث الاسلامي..
    -عفوا استاذي الباهر يبدو انني تطاولت بعض الشئ ...فمثلي لن يبارح مقعد التتلمذ ..ومثلك لا يزايل مقعد الاستاذية..فعذرا عما جري به القلم.
    -سلامي لاسرتك الكريمة والاحباب الجمهوريين...وسلامي يخص دكتور حيدر الذي عجزت عن التواصل معه...لعل غيابه غياب خير...
    -لك كل الود


    سيف الدولة احمد خليل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2005, 07:17 PM

Amani Alsunni

تاريخ التسجيل: 15-06-2004
مجموع المشاركات: 581

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: democracy)

    السلام عليكم جميعاً
    الأخ الكريم/ فيصل محمد صالح
    لدي تعقيب علي مقالات د.النور حمد وأرغب أن ينشر أولاً علي صفحات نفس الصحيفة التي نشر فيها مقاله ، ويمكن لاحقاً وصلها بخيط نقاشه الممتد إلي المنبر الحر...هلا دللتني علي كيفية الإتصال بك أو إرسال المقالات...أماإن كانت سلسلة المقالات لم تكتمل بعد فلا مانع من الإنتظار ، رغم أن الفكرة العامة قد بدت لي واضحة..
    ودمتم

    د. أماني السني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-01-2005, 09:52 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    التحايا للجميع ،،

    وكل الشكر للأستاذ/ فيصل محمد صالح ،، بنشره هذا المقال النّيـِّر للدكتور النور محمد حمد ..


    وإلي عودة ،، يـُرفع للأهمية ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-01-2005, 10:37 AM

ست البنات
<aست البنات
تاريخ التسجيل: 02-10-2002
مجموع المشاركات: 3639

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    أخى فيصل تحية وسلام ،

    دائما ورودك خيير ، وسخى !

    والأستاذ النور علم فى مجالات عدة

    و فى مجال الفنون أيضا !

    والأستاذمحمود محمد طه ، شهيد الحق ،

    كان اضافة واعية لفهم الدين من

    قالب حضارى ، دون المساس بالكيان !

    وهذا مقال رفيع اللفة !

    وخطاب سامى الروح والمقصد !

    وليت أولى الأمر قرأوه !

    وليتهم احتزوا حزوه !

    ففى ثناياه بعض الدواء للخروج من مأرق السلطة الخرقاء !

    ورفعة من شأن شريعة سمحاء لم يقدرها ذووها حق قدرها جهلا !

    وسلامى الى الحبيبة ، أخى فيصل .

    ست البنات .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-01-2005, 10:59 AM

مبيوع
<aمبيوع
تاريخ التسجيل: 26-02-2003
مجموع المشاركات: 1714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    اخوى الكبير د النور
    تحيه عطره
    اخذنى اسلوبك الرصين وتحليلك القيم
    وقراءتك المتانيه
    ولكن دعنى اختلف معك قليلا
    الامام على عليه سلام الله واهو باب مدينة
    علم رسول الله المجتبى باتفاق اعدائه
    واحبائه
    وكان عرابا للتصوف والمدارس الفلسفيه
    الاسلاميه وكان اول من صنف كتابا فى البلاغه
    قبل ابي الاسود الدؤلى
    وهو اعلم من كانو
    حول النبى واجدرهم بالخلافه
    بالنصوص والعقل
    ولعمرى
    فهو اجدر من يقود عمليه بناء الحضارة الاسلاميه
    بالعلم والزهد لا بالترف والمجون والقتل والقمع
    والكذب

    اراك تجد عذرا لبنى اميه فى اغتصاب الخلافه
    بدعوى اقامة وتاسيس صرح الحضارة الاسلاميه
    وانا اعلم ان النبى الخاتم قد مهد لها
    وان عد المسلمين وتوقهم الى نشر الاسلام
    وبرغم ضخامة الاعداد التى قتلت واللتى همشت
    فى صراع المسلمين على السلطه

    فان الحضارة الامويه قامت على اموال الخراج


    وهى اموال المسلمين بالمعنى استحلها بنو اميه
    وعمالهم فى الاقاليم ليعيشوا ترفا ويعيثوا
    فسادا
    وقد خطبت فاطمة الزهراء فقالت
    ما بالهم لو ولوها ابا الحسن
    والله لفتحت عليهم بركات من السماء
    ولاكلوامن فوقهم ومن تحتهم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2005, 08:15 AM

democracy
<ademocracy
تاريخ التسجيل: 18-06-2002
مجموع المشاركات: 1707

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)




    UP......UP......UP.......UP



    SAIF ALDAWLA
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2005, 10:45 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: democracy)

    الأخوة الأعزاء

    سيف الدولة أحمد خليل
    أماني السني
    محمد أبوجودة
    ست البنات
    ياسر مبيوع

    إليكم جميعا جزيل الشكر على زبارة الخيط.

    العزيز سيف الدولة
    أوافقك الرأي في أن القراءة التاريخية قد جاءت مبتسرة. أيضا كما تفضلت، فإن شؤون السياسية وانشداد نظري إلى الحالة الراهنة قد صرفاني عن التوسع في إماطة لثام القداسة الذي كسا صورة التاريخ في أذهاننا. المادة التاريخية متوفرة غير أن عرضها بتفصيل واف ربما اقتضى صدور كتاب، كما تفضلت أيضا. أنا هنا أطرح مسارا بحثيا، أو قل خطوطا عريضة لفكرة بحثية Thesis. وأرجو أن أجد من سعة الوقت، ومن عافية البدن ما يمكنني من انجاز البحث في شكل كتاب مستقبلا. هدفي القريب هو محاصرة مشروع الدولة الدينية ونقد محاولات حصر تصور عودة الإسلام في عودة الطهرانية التي صحبت البعثة المحمدية والنبي بين ظهراني الناس.

    الدكتورة أماني
    أتطلع لتعقيبك، وأوافقك أن الحلقات التي تم نشرها حتى الآن قد أوضحت ما أفكر فيه بشكل عام. ولابأس في أن تبتدئي.

    الأخ ياسر مبيوع
    لم يكن غرضي القول بأن معاوية أحق بالخلافة من الإمام علي. وإنما غرضي أن أبين أن هناك حكمة في تولي معاوية للأمر. (راجع مقدمة الرسالة الثانية من الإسلام للأستاذ محمود محمد طه. خاصة الموضع الذي تحدث فيه عن أن الحياة تسير على قدمين من مادة ومن روح. وهي حين تقدم رِجل الروح وتثبتها وترتكز عليها فإنها إنما تتهيأ لتقديم رجل المادة، وهكذا دواليك. كما أرجو ربط ذلك بقولته: (موضوع علي ومعاوية يحتاج إلى فكر يغطِِّس الزانة، ويطفِّح المسحانة). أنا وأنت ننظر الآن إلى جملة الأمر من موقع تاريخي متأخر. فنحن لسنا طرفا في الصراع بين آل البيت وبين بني أمية. لقد اختارت الحياة بني أمية ولم تختر الإمام علي على رفعة قدره وورعه وتقواه. ووراثة الإمام علي لأنوار النبوة أمر لا خلاف عليه. غير أن حكم الوقت (وهذا مصطلح صوفي) لم يكن معه، وإنما كان مع معاوية. فالناس قد انفضوا عمليا من حول الإمام علي، ويكفي الإشارة إلى خذلان عبد الله بن عباس له، وهو إبن عمه، ومن أكابر الصحابة. وقس على ذلك. كما خذل الناس إبنه الحسين من بعده حين هب لطلب الخلافة بعد وفاة معاوية وبيعة يزيد. العبرة في مجال التغيير ليست بالمثال وإنما بقبول الواقع للمثال. فالمثال قد كان حاضرا في كل التجارب والحضارات الإنسانية. غير أن الواقع يجسد من المثال القدر الذي يستطيعه في الزمان المعين والمكان المعين. الإمام علي امتداد لحالة الصفا الأولى التي مثلتها حقبة النبي وهو بين ظهراني الناس. وتلك حالة تصحب وجود المرسلين فقط، ولا يمكن أن تصبح وضعا دائما يعيشه الناس. ولذلك فإن الدعوة إلى طهرانية صرفة، وإلى عيش سماوي، دعوة غير واقعية، وغير عملية. ولعل أهل الإسلام السياسي يعرفون استحالة ذلك في أنفسهم، قبل أن يعرفونه في غيرهم، غير أنهم يكابرون، ويستخدمون الخطاب العاطفي لتجييش عواطف العامة فقط.

    الحضارة الأموية والعباسية، على ما فيهما من مثالب فتحتا التجربة الإسلامية على الفضاء الكوني، فتجاوز الناس إطار العقيدة الضيق ليدخلوا في عصر الترجمة فضاءات البحث العقلي اليوناني، ولترتفع عندهم حاسة البحث والتنقيب فتتخطى مجرد العلوم الشرعية لتلج فضاءات الرياضيات والمنطق والكيمياء والطب والفلك والفلسفة. يجب ألا نحبس أنفسنا ونحن ننظر للتجربة بعد ألف وخمسامئة عام، في إطار النزاع بين آل البيت، وبين بني أمية. فالأمر من زاويتهم هم ليس هو الأمر من زوايتنا نحن اليوم الذين نرى التجربة برمتها في شكل أكثر تركيبا وتعقيدا مما كان عليه الأمر في سني ما سمي وقتها بالفتنة الكبرى. والحديث في هذا يطول.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2005, 00:24 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    في ذكرى إغتيال الأستاذ محمود محمد طه:
    العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية
    (4)

    ((موضوع علي، ومعاوية، يحتاج إلى فكر، يغطِّس الزانة، ويطفِّح المسحانة))
    محمود محمد طه

    النور حمد
    جامعة شرق واشنطن

    ذكرت في مقالي السابق أن البراغماتية الإسلامية قد أخذت منحيين في مجريات الفكر والسياسة في السودان. وقد أشرت إلى أن الدكتور الترابي، عبر التخلقات المختلفة لحركته، ربما مثل، في عموم الأمر، البراغماتية الإسلامية، في نسختها الإنتهازية، الميكافيلية، الإقصائية، الإحتكارية، في حين مثل الأستاذ محمود محمد طه، عبر حقب حركته، وفي عموم الأمر، أيضا، البراغماتية الإسلامية، في نسختها العقلانية، الفاحصة لسلطة النص، والعاملة على تفكيك سلطة النص، وعلى إضاءة تحديات الواقع المتجدد لضرورة فهم الحكمة وراء النص.

    غير أن هناك تحفظات، لابد من إبدائها، فيما يتعلق بوصف الفكر الجمهوري، بالبراغماتية. فقد اتسم الفكر الجمهوري، بالكثير من البراغماتية، فيما يتعلق بفحص سلطة النص، والوقوف بعقلانية راسخة، أمام سلطة أقوال السلف. ولكن الفكر الجمهوري إتسم أيضا، بالرؤى، والتوقعات الصوفية، الغيبية، الغنوصية، Gnostic. يضاف إلى ذلك، فقد احتفظ الفكر الجمهوري، بجوهر الفكرة الدينية، المتمثل في اعتناق نظرية شاملة، وتصور كلي، وما يمكن أن يوصف بأنه خارطة طريق لحركة الوجود. الأمر الذي يجعل إضفاء صفة البراغماتية عليه، على إطلاق العبارة، أمرا غير صحيح تماما. وهذا ما أرجو أن أتوفر على إيضاحه في مقالات قادمة.

    ورد في معجم جامعة كيمبردج الفلسفي، تعريفا مطولا للبراغماتية، أقتطف منه هنا، هذا الجزء:
    ((لا يمكن تقرير الحقيقة عن طريق استخدام المقياس الإبستمولوجي وحده، لأن كفاءة هذا المقياس لا يمكن التحقق منها بمعزل عن الأهداف والقيم الظرفية المحيطة. فالقيم التي تعلو في ظرف تاريخي، وثقافي، معين، قد جرى تكييفها بحصافة، بالقدر الذي تستطيع به، فقط ، حل تلك المشاكل بقدر مُرضي، وبناء على ذلك فقد جرى الإعتقاد بأن تلك القيم تستحق أن يُحتفظ بها. فوفقا للنظريات البراغماتية عن الحقيقة، فإن الحقائق ليست سوى معتقدات جرى التثبت منها عبر شوط التجربة، ولذلك فهي قابلة للخطأ، وقابلة من ثم للمراجعة، لاحقا)).. (إنتهى ـ الترجمة من عندي).

    من أهم السمات البراغماتية، هي ألا يعمينا النص، عن رؤية الواقع. بعبارة أخرى، ألا نستعيض بتصوراتنا المسبقة ـ سواء أن كانت حدسا، أو نبوءات، وردت في النصوص المقدسة، أو تأويلات لتلك النصوص المقدسة، أو حتى نظريات سياسية، وضعها البشر ـ يجب ألا تعمينا كل تلك الأمور، عن مراقبة حركة الواقع، والتفاعل الظرفي معها. فقولة "السياسة فن الممكن"، عبارة براغماتية، وهي تعني ضمن ما تعني، التخلي عن فكرة تغيير الواقع تغييرا جذريا، وفي ضربة واحدة. فالتغييرات الجذرية، الراديكالية، تغييرات ثورية، مقضي عليها بالإنتكاس. فالعمل الثوري، لا يعكس في كل أحواله، سوى عجلة الصفوة للقفز إلى كراسي السلطة، وذلك قبل نضوج الظرف التاريخي. ثم استخدام السلطة كأداة يتم بها، فرض واقع جديد، لا وجود له إلا في أذهان تلك الصفوة المتعجلة. وهذا هو ما يجعل التغييرات الثورية السريعة، عرضة للإنتكاس.

    ومالنا نذهب بعيدا في التاريخ، فتجربة الإنقاذ الحالية لم تكن سوى قفز للسلطة قامت بها صفوة مؤدلجة، تدعي رؤية إسلامية للإصلاح. وقد حاولت تلك الصفوة فرض تصوراتها على الواقع، وظنت أنه في وسعها أن تستخدم السلطة لإعادة صياغة وعي الناس، تمشيا مع مقولة: "إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن". غير أن التجربة قد دللت، وفي سنوات قليلة جدا، على أن ذلك غير ممكن. فالواقع الثقافي، والإجتماعي، والسلوكي، الذي شكلته آلاف السنين، لا يمكن قلبه رأسا على عقب، بين يوم وليلة. وقد حاولت الإنقاذ، في بداية أمرها قلب منظومة القيم السائدة رأسا على عقب، مستخدمة سلطة الدولة، في التشريع، وفي إنفاذ التشاريع. ولا زال الجميع يذكرون كيف أن "مطوعي" الإنقاذ قد أخذوا يوجهون، في سنوات الإنقاذ الأولى، الرجال والنساء للباب المخصص لكل من الجنسين، في المركبات العامة. كما بدأو في التضييق على عمل المرأة، وعلى حفلات الأعراس، وكثير غير ذلك. وقد باءت كل تلك المحاولات، بالفشل الذريع. ولم يجدوا في نهاية المطاف سوى أن يقبلوا بالواقع على ما هو عليه. وتصبح البراغماتية، بهذا المعنى، خيارا لا مندوحة عنه. وهو خيار تفرضه قوى الواقع، حين تستعصي، عمليا، على حماقات الإيديولوج.

    في كتابه "الثورة الثقافية" (يمكن مراجعته على موقع www.alfikra.org )، تعرض الأستاذ محمود لمنهج كارل ماركس في تحقيق الإشتراكية، في مقابلة منهج الثري الإنجليزي المحسن، روبرت أوين. وكان روبرت أوين يؤمن بالإصلاحات الدستورية الوئيدة، التي يتم بها تحسين أحوال العاملين، رويدا، رويدا. في حين كان يرى ماركس أنه لا يمكن أن تتحقق الإشتراكية من غير استخدام العنف. وللأستاذ محمود تعبير لطيف يقول، إن الإسم الحقيقي للثورة هو التطور. فالتطور وئيد، والثورة سريعة. فالتطور نمو طبيعي، مثل نمو الشجرة، الذي لا يلحظه المراقب، عادة. والثورة قسر للواقع ليأخذ شكلا جديدا، قبل حلول الآوان. تجسدت المفاهيم الماركسية في الثورة البلشفية في روسيا، وسالت أنهر من الدم، في عهدي لينين وستالين، ومات الملايين، وبعد حوالي السبعين عاما من "المعافرة" مع الواقع السوفيتي، فككت التجربة الشيوعية نفسها بنفسها، وعدنا من جديد لرؤية روبرت أوين، التي سبق أن سخر منها ماركس، واصفا إياها بأنها مجرد يوتوبيا.

    يفرض الواقع مخارج لا سبيل إلى تجنبها، حين يصطدم بسلطة النص. وهذا ما اتسمت به بعض معالجات الأستاذ محمود محمد طه، لإشكاليات الشريعة الإسلامية، التي يريد النصوصيون، أن يلووا لها عنق الواقع ليا، ومن ثم، كبس الواقع، كبسا، في جلبابها البالغ الضيق. ومن أسطع الأمثلة التي أوردها الأستاذ محمود محمد طه، الذي نحيي هذه الأيام الذكرى العشرين لإغتياله، مثال حقوق المرأة. وأحب هنا، أن آخذ واحدا من شواهد المنحى البراغماتي، في منهج الأستاذ محمود محمد طه، فيما تعلق بمعالجة مسألة شهادة المرأة المنصوص عليها في القرآن. جاء في النص القرآني: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى". يرى الأستاذ محمود، إن نقص عقل المرأة ليس سوى علة مرحلية، سببها الظرف التاريخي الذي نزل فيه النص. فالمرأة التي كان العرب يئدونها حية، قبل مجيء الإسلام، لم تكن لتجد من حرية التجربة، ما يسمح لها بالتفتح العقلي، والنضج العاطفي، الذي يسمح لها بالشهادة بمفردها. ولكن إذا وجدت المراة فرصة التعليم، والتجربة، والتقلب في المجتمع، بنفس القدر الذي يجده الرجل، فإنها تحقق ما يحقه الرجال من كمالات.

    يقول الأستاذ محمود أن الدليل على كبر جسد الواقع على جلباب النص هو، أننا اليوم نرسل بناتنا إلى الجامعات، وإلى كليات القانون، فيتخرجن قاضيات، وكثير منهن يتفوقن على أقرانهن في مجال التحصيل الأكاديمي، وفي مجال الممارسة العملية لمهنة القانون. فكيف إذن يستقيم عقلا، أن نسمح بأن تتخرج المرأة من الجامعة، ونسمح لها بأن تصبح قاضية، بحكم تأهيلها، وجدارتها، ثم لا نسمح لها بأن تشهد ـ مجرد شهادة ـ بمفردها؟ ويبين التناقض أكثر فداحة، حين نسمح للرجل الأمي بالشهادة بمفرده، لمجرد أنه ذكر، ولا نسمح للخريجة، وإن كانت متخرجة بأعلى الدرجات العلمية، وإن كانت قانونية، بل حتى وإن كانت قاضية، بأن تشهد بمفردها، لا لشيء، إلا لمجرد أنها أنثى؟!

    وتقدم دولة الكويت أطرف الأمثلة في هذا المجال. في الكويت، يقف السلفيون، وبقوة، ضد حق المرأة في الإنتخاب، مستندين على أحكام الشريعة الإسلامية، المحكمة منذ القرن السابع الميلادي. الطريف أن مديرة جامعة الكويت، إمرأة، وهي ترأس بحكم موقعها ذاك بعضا من هؤلاء المتشددين الذين يعملون أساتذة في تلك الجامعة!! وتبلغ المفارقة والطرافة مداهما، حين يفكر المرء في حقيقة أن الفرد الأمي من الكويتيين يملك حق الإنتخاب، في حين لا تملك ذلك الحق، تلك المديرة، على جلالة قدرها العقلي، والعلمي، والمهني!!

    ومن الأمثلة الأخرى على كبر جسد الحياة على نصوص الشريعة، حكم تارك الصلاة، وحكم الردة، وأحكام الرق، وملكية العبيد، ومعاشرة الإماء بغير عقود زواج، وإعطاء الرجل حق ضرب المرأة وتأديبها. يضاف إلى ذلك، حرمان النساء من السفر بمفردهن، وهو أمر لم يعرفه السودانيون، في كل تاريخهم الحديث، إلا في سني عهد الإنقاذ. وبطبيعة الحال فالكل يذكر محاولة محافظ الخرطوم السابق، مجذوب الخليفة، منع النساء من العمل في محطات الخدمة، وفي غيرها من الأماكن العامة لكسب العيش، وما أثاره ذلك القرار من زوبعة. ثم ما كان من تراجعه ورضوخه مرغما نهاية الأمر لسطوة الواقع. الشاهد أن النص لن يقدر على قهر الحياة، مهما حاول ذلك النصوصيون. ولو كان للنص، أو للطهرانية، أو للدولة الدينية، أنت تستمر، لأستمرت مع علي بن أبي طالب، ولما آل الحكم للأمويين، منذ تلك البداية السحيقة، التي أرخت لخروج جسد الحياة النامي، على جلباب النص المحكم.

    البراغماتية التي نريد أن نعيد لها الإعتبار هنا، هي إبقاء العين مفتوحة على تطورات الواقع، وعدم إغلاق العقول في قماقم النصوص. وكما يقول الماركسيون: "النظرية رمادية، أما شجرة الحياة، فدائمة الإخضرار". فالبراغماتية، في نسختها الأمريكية، التي أسس لها بيرس في النادي الميتافيزيقي، بكيمبردج، بولاية ماساشوستس، في حوالي عام 1870، والتي أعلنها ويليام جيمس، كموقف متميز، في خطابه أمام الإتحاد الفلسفي، بجامعة بيركلي بكاليفورنيا، عام 1898، ثم جرى التمديد لها في مدرسة شيكاغو، بواسطة كل من، جون ديوي، وميد، وجين آدمز، حتى عام 1935، ليست شيئا جديدا تماما . فالتجربة الإسلامية التي أعقبت حقبة الخلافة الراشدة، قد انتهجت، من الناحية العملية، نهجا براغماتيا، جرى فيه استخدام العقل، وإدارة المصالح، بعيدا عن قطعية النصوص، وبقيت القيمة الدينية، الإسلامية، على خلفية التجربة، تلهم صالح القيم، وترفع عالي المثل للإستلهام، ولكن من دون أن يُسمح للتصورات الدينية، بأن تطفو إلى السطح، لتسيطر، وتعرقل عملية النمو الحضاري.

    وبالرجوع، إلى النموذج الأندلسي، وخاصة فيما يتعلق بوضع المرأة، نجد أن الباحثين الذين بدأوا إعادة فحص التجربة الإندلسية، ونواحيها الحضارية المتقدمة، يجمعون على وجود حالة متميزة من التعايش الديني السلمي بين المسلمين، واليهود، والنصاري. ذلك التعايش، وبالشكل الذي جرى به، لا يتماشي مع نصوص الشريعة القطعية، ولكنه يتمشى مع روح الإسلام. وقد أعمل أهل تلك الحقبة عقولهم، فاختاروا خدمة المصلحة العامة، التي كان يوفرها ذلك النوع من التعايش، الأمر الذي تجاوزوا به، عقبة النص. فالنص الذي يقصي غير المسلمين إنما ارتبط، في التجربة الإسلامية، بظرف تاريخي، بعينه. كما أجمع الباحثون في تلك الحقبة أيضا، على بروز النساء إلى الحياة العامة. إذ شاركن في إدارة شؤون السياسة، كما برزن أيضا، في التصوف، وفي الأدب. ولا غرابة إذن، أن أرسلت، ولادة بنت المستكفي، تلك الصيحة "الفيمنيستية feminist" الجريئة، في ذلك الزمان المبكر، حين قالت:

    أنا والله أصـلح للمعـالي، وأمشي مشـيتي، وأتيه تيـها
    وأُمْكِنُ عاشقي من صحن خدي، وأعطي قبلتي من يشـتيها

    فولادة لم تعد ترى في تلك اللحظة، من الإشراق الوعيوي، أن في أنوثتها ما يعيب، أو أن فيها ما يجعلها تستخذي من أن تفخر بنفسها، أو أن تعتز، وتباهي بها، أو أن في أنوثتها، ما يحول بينها وبين طلب المعالي.

    تعني البراغماتية في مناحيها الإيجابية، ضمن ما تعني، العقلانية، وكفكفة غلواء الجنوح الراديكالي الآيديولوجي. ولي عودة نقدية إلى الجنوح الراديكالي الآيديولوجي في الممارسة السياسية السودانية، وتأثيرات ذلك الجنوح على منعطفنا السياسي الراهن، خاصة بعد توقيع إتفاقية السلام بين حكومة الإنقاذ، والحركة الشعبية. (يواصل الموضوع الأسبوع القادم)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2005, 01:48 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 05-02-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    أستاذي النور حمد..

    جزيل الشكر على هذه المقالات الجيدة.. ولي بعض التعقيب

    أرى بداية، أن نظرتك لم تضح - على الأقل بالنسبة لي- بشكل كافي إلا في مقالك الرابع أعلاه، ولعل أحد أسباب ذلك هو اختيارك لمدخل شديد الوعورة، فقد قررت أن تدخل من باب الحديث عن البراغماتية كمصطلح دارت حوله الظنون السيئة لدهور، وكما ذكرت في مقالك الرابع، فرد الإعتبار إلى مصطلح البراغماتية كان من أهدافك الرئيسية هنا، ولهذا أحدثت مقالاتك "زوبعة" مفهومية لقرائك بسبب اختلاط معنى المصطلح عندهم، فبعضهم، وأنا منهم، كما فهمت من كتابتهم، لم يدروا ما إذا كان هدف مقالك هوالدفاع عن مواقف معاوية وابن عباس التاريخية، من حيث براغماتيتها، أم الدفاع عن البراغماتية بشكل عام دون توضيح الفرق بين معناها العالق في الكثير من الأذهان، ومعناها الأصلي..

    كان مدخلك وعرا، ولهذا لم تتضح معالم طرحك للكثير منا إلا رويدا رويدا، ولعل عندك المزيد لتقوله، وسنكون على انتظار..

    ومن المناطق التي كنت أحب منك فيها المزيد من التوضيح، نظرتك للفكرة الجمهورية كفكرة براغماتية.. احب هنا أن أطلب منك الإسهاب أكثر في هذه النقطة لصالح قرائك بأن تتناول بعض الأمثلة، كمثال علاقة الجمهوريين بنظام مايو، وتأييدهم له تأييدا مرحليا.. هل كان ذلك موقفا براغماتيا، في فهمك للبراغماتية، أما ماذا كان؟.. وكمثال خطاب الأستاذ محمود إلى اللواء محمد نجيب عقب انقلاب الضباط الأحرار على التاج المصري.. هل كانت رؤية الأستاذ تلك للأوضاع السياسية في مصر رؤية براغماتية؟ ودعني هنا أضيف سؤالا بسيطا، ماذا سيحدث لو استبدلنا مصطلح البراغماتية كمصطلح من حروف غير عربية، بمصطلح آخر، وهو "العملية" على سبيل المثال.. هل سيساهم هذا في توضيح اللبس في مفهوم البراغماتية أم لا؟

    كما أحب أن أطلب منك الحديث عن بعض المواقف الأخرى للحركة الجمهورية، مثل استقالة الأستاذ محمود من لجنة صياغة دستور السودان بعيد الإستقلال - حيث اختير فيها ممثلا للحزب الجمهوري- بسبب تدخل السلطة التنفيذية في عمل اللجنة والزج بمصالحها الضيقة في الأمر.. ما هي النظرة البراغماتية لموقف الأستاذ محمود هذا؟ وأيضاموقف حركة الأخوان الجمهوريين بشكل عام من الزهد عن تجنيد الناس في صفها، أو السعي وراء سلطات حزبية واسعة، والتركيز بدل ذلك على نشر الوعي بالوسائل الممكنة، وتربية الأفراد بالصورة الصارمة التي كانت.. ما هي النظرة البراغماتية لهذه المواقف؟

    هذا بعض ما وردني من خلال متابعتي لمقالاتك وردود المشاركين عليها..

    مع كثير الود والإجلال
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2005, 06:01 PM

atbarawi
<aatbarawi
تاريخ التسجيل: 22-11-2002
مجموع المشاركات: 987

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Yaho_Zato)

    الاخالدكتور النور حمد والخوةالمتداخلون
    سلامات
    كنت قد وعدت بالمداخلة والرد على تعليق الاخ ابوقوتة على تشكيكه في الخلاف التاريخي بين علي وابن عباس حينما ولاه الاول على البصرة0 وقد كان مجمل دفوعات الاخ ابو قوتة تنطلق من التشكيك في الرواية اصلا وفقاً لمفهوم "الثقات " الذي اجترحه السلفيين ليمارسوا من خلاله انتقاءاً تاريخي يرممون به ايدولوجيتهم0

    والحقيقة التي لا يريد السلفيون ان يسلموا بها هي أن التاريخ الاسلامي لم يستندا يوما على مؤرخ واحد أو مرجع واحد حتى يسهل اطلاق مصطح "الثقات" كما اعتادوا أن يروجوا0

    ولعل الاشكال الحقيقي الذي واجه وما زال كافة المتصدين للتأريخ الاسلامي هو هذاالتعدد والتضخم في الروايات القائم عليها التاريخ الاسلامي0 والاشكال المعقد هو الطريقةالتي جمع بها هذاالتاريخ منذ عصر التدوين والتي تلخصت في تسجيل الاحداث ومن مصادر متعددة دون التثبت من أيهم اصح0 ولذلك نقرأ في المرجع الواحد وفي حادثة واحدة أكثر من رواية متناقضة0 ولعل غياب المفهوم النقدي وقتها والركون للمنهجية والمنطق في تنقيح الروايات قد اسهم بشكل مباشر في هذه البلبلة بجانب الصراعات الايدولولجيا التي قامت حينها بين المذاهب المتعددة والصراعات السياسية التي تلت "الفتنة" كان فيها كلها التاريخ مطية وبات استخدامه لأغراض الصراع الايدولوجي مشروعاً0 اذن ان اي نوع من الحديث عن "ثقات" أو ما يفيد عن تمتع مصادر دون غيرها بمصداقية دون الأخريات، لهو نوع من المراوغة لا أكثر أو ان شئنا الدقة هو تحيز لا تحكمه اي اعراف منهجية0 فاذا كانت "السنة" - التي هي المصدر الثاني للتشريع- لم تنجى من التزوير والاختراق الايدولوجي وبشكل يبعث على الحيرة فكيف يمكن التكلم بهكذا ثقة عن "ثقات" وتكذيب بعض التاريخ لمجرد أنه لا يروق لنا؟!!0 ورغم هذا الارتباك المفاهيمي الذي تركه لنا الاوائل عبر هذاالتجميع المتضخم للتاريخ الاسلامي والباعث على الارتباك والتناقض، الا أن طرق البحث المنهجية في العصر الحديث قد قربت كثيرا من أمكانية الوصول الى الحقائق التاريخية وخصوصا المناهج النقدية في قدرتها على ممارسة الحفر المعرفي للوصول الى نتائج لم يكن من الممكن الوصول اليها من قبل0
    فمن السهل مثلا أن تعرف أسباب التضخيم الاسطوري لشخصية ابن عباس وما انبنى عليه من تاريخ بالغ الغرابة ينزع الى الاسطورية بديلا عن العقلانية عندما نعرف أهمية الشرعية الدينية ومدى اسهامها في تثبيت واقرار الدولةالعباسية في ظل هذا الخضم الهائل من صراعاتهم مع اللأمويين الذين لم يكن من الممكن ان يستسلموا بهذه السهولة لزوال دولتهم0

    فحرص العباسيون على أسطرة ابن عباس لا يقل عن حرصهم على دولتهم لأن تجسيد ابن عباس كأخطر شخصية في تاريخ الاسلام بعد النبي (ص) وترسيخ ذلك في الوعي الجمعي كان يؤمن لهم سلطاناً باسم الله وطاعة هم في امس الحاجة لها لتثبيت اركان الدولة0 لذا فلا عجب أن يشرع العلماء والفقهاء في تدوين الاساطير باسم ابن عباس واضفاء هالة القداسة على شخصيته حتى يتم "بلع" كافة الاحاديث والتفاسير الغرائبية التي تتم بواسطة استخدام اسمه0 ولذلك التاريخ مليء بالقصص الاسطورية عن ابن عباس بدءاً من علاقته بحفظ الحديث وهو ابن العاشرة (وفي بعض الروايات ابن الثامنة او الثالثة عشر) وهذاالكم من الاحاديث التي يحفظها والتي تفوق مئات الالوف!! وهو في هذه السن، في حين لم يفسروا لنا كيف يعجز عن ذلك صحابة راشدين في السن ولهم علاقة صحبة وطيدة بالنبي (ص) مثل عمر بن الخطاب وابوبكر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم أجمعين)؟؟0

    ان معضلة الجماعات "النصوصية" تتلخص في دوغمائيتهم التي تسلب عنهم ملكة التفكير وبالتالي السعي لعقلنة الاشياء0 ورغم دفاعهم المستميت عن قناعاتهم بهذاالشكل غير المنطقي الذي لا يحترم قدرات الانسان بسعيهم الحثيث للانتقاء والتشكيك في قيمة المصادر والتي للمفارقة هي نفس المصادر التي يعتمدون عليها، الا أنهم رغم ذلك يعجزوا أن يحلوا لنا مثل هذه التناقضات التي تطفح من محاولة سعيهم الدؤوب للانتقاء والنفي0 فمثلاً اذا سلمنا جدلاً بأن الرواية التي تشير الى الخلاف الذي اندلع بين علي وابن عباس رواية مشكوك فيها، فما هو التفسير اللائق لبقاء ابن عباس في خدمةالدولة الأموية من بعد، وهي الدولة التي قامت على انقاض الخلافة الراشدة والتي كان هو أحد ولاتها؟ ولماذا تم التنكيل من بعد بكل الموالين لعلي وسلم من ذلك ابن عباس؟ ان طرح مثل هذه الاسئلة هي في رأي أهم بكثير من السعي حثيثا للتشكيك في الروايات التاريخية لمجرد أن ذلك لا يتفق مع مزاجنا الايدولوجي، لأن مثل هذه الاسئلة هي القادرة بحق للنفاذ لما وراء ظاهر النص التاريخي0

    لكم جميعا الود
    عبد الخالق السر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2005, 08:04 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26623

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الأخ الأستاذ فيصل صالح
    الأخ العزيز الأستاذ النور حمد،
    وجميع المتداخلين
    تحية طيبة وكل عام وأنتم بخير
    الشكر للأخ الأستاذ فيصل لنقل المقالات من صحيفة الأضواء السودانية إلى منبر سودانيز أونلاين.. لقد استمتعت كثيرا بما قرأت هنا.. الطبيعة التفاعلية في المنبر تثري النقاش جدا.. فمثلا كان تعليق الأخ النور على الأخ أبو قوتة "أحمد صديق" متميزا لأنه جاء بوثيقة هامة هي خطاب علي لابن عباس وليت الأخ النور يلحقه بواحدة من الحلقات القادمة في السلسلة التي ستنشر في الصحيفة..

    لقد تذكرت تعليق الأستاذ محمود على كتاب الدكتور خالد محمد خالد "من هنا نبدأ" والذي نشر بجريدة الرأي العام يوم 2 مارس عام 1951 حول موضوع الدولة الدينية.. ولاحظت أن الأستاذ محمود يعتبر الخلفاء أربعة، يتقدمهم النبي عليه السلام، والدولة الدينية هي التي كانت في عهدهم، ولا يعتبر خلافة علي من ضمن تلك الدولة.. وقد فهمت من كلمة خليفة ما جاء في القرآن "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض".. الموضوع ممتع جدا ومثير للتفكير والتعليق..


    Quote:
    فى النقد
    كتاب الأستاذ خالد محمد خالد
    من هنـــا .. نبــــدأ




    جريدة (( لرأي العام)) 2/3/ سنة 1951م


    الكلمة الأخيرة في الإسلام لم تقل بعد.. ولا يتعلق الأمل في تحقيقها إلا بحرية الفكر في معالجة أصوله.. ولست أعني بحرية الفكر إسماح الجماعة لكل خائض أن يخوض من غير رقابة عليه ولا اعتراض، وإنما أعني تحرر الفكر المتصدي لمعالجة تلك الأصول من أوهام الحواس تلك التي جعلت عقول الناس حبيسة قماقم من الظلام لا ينفذ إليها النور.. والخوض في أصل الدين سير في الوادي المقدس، تخلع فيه النعلان، وتواصل فيه التلبية، ويستشعر عنده الخشوع.. فإذا دخله الذين لا يرجون له وقارا فانتظر بوائق الشرور وجوائح الفتن.. وقد دخله صاحب ((من هنا نبدأ)) بجرأة لا يملكها العارفون..

    لم يتفق لي أن أقرأ هذا الكتاب، ولكن الأستاذ ((ن))، صاحب سوانح في ((الرأي العام))، قد استعرضه أخيرا استعراضا وضع بين يدي من نصوص المؤلف ما فيه الكفاية.. ويبدو لي أن أهم ما في الكتاب مسألة ((الدين والدولة)).. وهي مسألة تاريخية.. ورأي المؤلف فيها رأي خاطئ.. ولكنه رأي شائع بين المفكرين الذين لم يهتدوا إلى حقائق الإسلام.. وخلاصة رأي المؤلف في هذه المسألة هي أنه يرى في الحكومات الدينية تجربة فاشلة.. ولكن ما هي الحكومات الدينية عنده؟؟



    الحكومة الدينية.

    إن الحكومة الدينية التي ينتقدها إنما هي تلك التي تعتمد على سلطة مبهمة، غامضة، ولا تقوم على أسس دستورية، واضحة، تحدد تبعاتها والتزاماتها، حيال الشعب، كما هو شأن الحكومات القومية، وتلك التي تمنح نفسها قداسة زائفة، وعصمة مدعاة.. ثم هو يمضي في ذلك حتى يتضح أنه إنما يعني حكومة الحجاز، وأضرابها من الحكومات العربية المعاصرة.. ونحن نقول للمؤلف: أن هذه ليست حكومات دينية، وإنما هي حكومات تتمسح بالدين لتستغل جهل الجاهلين.. وسبيل العارفين أن يكشفوا زيفها، ويسموها باسمها، ويبرئوا الدين منها، لا أن يصموه بنقائصها، ومخازيها..

    إن الخلفاء أربعة: محمد، وأبوبكر، وعمر، وعثمان.. والحكومات الدينية إنما هي تلك التي كانت على عهدهم.. ولقد كانوا، وكان الناس تبعا لهم، يطلبون الأخرى بحسن العمل في الدنيا.. وحسن العمل هو إفشاء السلام، وإشاعة المحبة والخير بين الناس، والجد بإخلاص في إصلاح أمورهم، والمساواة بينهم، وإقامة العدل، ونشر الحق، والخير، بين سائرهم، والسعي للكسب من الوجوه المشروعة، ثم اخذ ما تحتاجه مما تكسب، والعود بما يزيد عن الحاجة في محاويج المسلمين.. فكم مرة في حياة محمد نزل أبوبكر عن ماله جميعه، وكم مرة نزل عمر عن جزء كبير منه.. وكذلك فعل عثمان، وكذلك فعل عبدالرحمن.. وكان أبوبكر، وعمر، حين استخلفا، وانشغلا بتدبير أمور المسلمين عن الكسب، لا يأخذان من مال المسلمين لمعاشهما إلا ما يأخذه الرجل منهم.. ولما كان الناس، وحكامهم، يطلبون غرضا واحدا هو وجه الله، بعمل واحد هو الصالحات، لم يكن فرق بين عمل الحكومات وعمل الرعية، إلا تصريف الأمور العامة الذي تفرد به الخليفة، وكانت كلمته فيه، في كثير من الأوقات، الكلمة الأخيرة.. وكان الناس، مع ذلك، لا يألونه نصحا، ولا يترددون في الإعتراض عليه، ولا يتهيبون نقده.. وكان هو لا يستكبر عن الحق، ولا يستنكف أن ينزل على رأي أقلهم، حين يكون صوابا..



    إنحطاط الحكومة الدينية.

    هذه هي الحكومات الدينية.. ولقد ظلت على هذا الذي وصفنا على عهد محمد، وعلي عهد أبي بكر، وعلى عهد عمر، وعلى الصدر الأول من عهد عثمان، حتى إذا كانت أخريات أيام عثمان أخذ الإفتتان بمباهج الدنيا يدب إلى القلوب دبيبا خفيا، فيفسد صفاءها ويفسد سلامتها.. فلما قضي عهد عثمان، أو قل لما قضي إصطراع المطامع على عثمان، وعهد عثمان، خلص الأمر إلى علي و معاوية، فاحتربا عليه فكان أحدهما يريد الآخرة، دأب أصحابه الذين تقدموه.. والآخر يريد الدنيا.. وعرف الناس على عهدهما خلافتين، إحداهما بالكوفة، والأخرى بدمشق.. حتى إذا قتل علي، وانفرد معاوية بالأمر، كان ذلك إيذانا بهزيمة الدين وانتصار الدنيا.. ثم لم يزل الناس، من بعدهما، يعظمون من أمر الدنيا، ويحقرون من أمر الآخرة، حتى انتهى بهم المطاف إلى عكس الأمر الأول، فصاروا يطلبون الدنيا بعمل الآخرة كما هي الحال اليوم.. فهل يقال أن الدين حط المسلمين، أم يقال أن المسلمين انسلخوا عن الدين فانحطوا؟؟ وكما انحط الرجل المسلم من مقامه الأول إلى مقام اليوم، إنحطت الحكومات الدينية من مقامها الأول إلى مقامها اليوم، ولنفس السبب، وهو أنها ليست من الدين في شيء، قليل أو كثير..

    وهذه الحكومات نفسها، في أول عهدها بالإنحطاط حين أعطت الصدارة فيها لشئون الدنيا، ولم تتخل عن الدين بعد، كانت أرقى حكومات عالمها، بدون منازع.. فقارن، إن شئت، بين حكومات بني أمية التي افترعها معاوية، وكان من حكامها عبدالملك، والوليد، وسليمان، وعمر، ثم حكومات بني العباس التي افترعها السفاح، وكان من حكامها المنصور، والمهدي، والرشيد، والمأمون، والمعتصم، وبين حكومات العالم على عهدهم، ثم جئني بمثلها، إن إستطعت.. فإن لم تستطع فكيف طوعت لك نفسك أن تقول أن تجربة الحكومات الدينية فاشلة؟؟



    الحكومة الدينية عندنا وعندهم.

    وحين أرى أن الحكومات الدينية لم تكن إلا على عهد محمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ثم بدأت من بعدهم تتخلى قليلا قليلا عن هذا الإسم يرى الأستاذ المؤلف: ((أن نجاح بعض الحكومات الدينية في عهد عمر وأبي بكر وعمر بن عبدالعزيز إنما يرجع إلى الكفايات الشخصية في هذا النفر))..

    وهذا هو أس البلاء الذي جعل المؤلف يفرق بين الدين والدولة، ويتحدث عن الحكومات الدينية، وما يسميه بالحكومات القومية، وعن رجال الدين، ورجل الدولة.. وعلى هذا النحو يفرق المؤلف بين الدين والكفايات الشخصية..

    وما هو الدين إن لم يكن الباعث للكفايات الشخصية، والمتمم لها؟؟ وهل جاء عمر بالكفاية الشخصية من حياته في الجاهلية، وهل جاء بها أبو بكر؟؟

    نعم إن الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة، وما الدين إلا مصهرة يذهب عن المعادن الشوائب والأدران، فلو نزل الدين على رجل معدنه من نحاس لما جعل منه رجلا معدنه من ذهب.. ولقد نزل الدين على عبدالله بن سلول، كما نزل على عمر، ولكنه لم يجعل من عبدالله إلا مثلا من أمثلة الخسة، والنفاق، كل هذا صحيح، ومع ذلك فلا يصح أن يفرق رجل مفكر بين الدين وبين الكفايات الشخصية التي ظهرت على المتدينين..

    إنا، حين نتحدث عن الحكومات الدينية، لا نريد إلا حكومات رجال هذب الدين نفوسهم، ونقى قلوبهم، وصفى اذهانهم، وهذه هي ((الكفايات الشخصية)).. ولست أدري ما الذي يعنيه الأستاذ المؤلف بعبارة: ((الحكومات القومية)) )في مقابلة الحكومات الدينية( فإنه ليس في نظم الحكومات الذي نعرفه نظام بهذا الإسم، إلا أن يكون مراد المؤلف الحكومات الوطنية العنصرية التي تزعم أن شعبها شعب الله المختار، الذي اصطفاه ليملك باقي الشعوب، كما كانت تزعم الحكومة الوطنية النازية في ألمانيا.. فإن يكن هذا مراد المؤلف، وما أراه إلا كذلك، فإنه لا شغل له في التعرض للتأليف في الدين..



    للإسلام طراز حكم خاص.

    والأستاذ المؤلف لا يرى: ((أن هناك طرازا خاصا من الحكومات يعتبره الدين بعض أركانه، وفرائضه، بحيث إذا لم يقم يكون قد إنهد منه ركن، أو سقطت فريضة)).. والذين يعرفون أغراض الدين يرون غير ذلك.. ولو قد جود المؤلف كلمة ((لا إله إلا الله))، قبل التصدي للتأليف في الدين لعرف أن هناك حكومات بعينها يفرضها الإسلام، ولا يرضى عنها بديلا، وتلك هي الحكومة التي تعمل وفق تعاليم القرآن التي تقول أن الأرض مائدة الله، وأن الخلق جميعهم، وعلى اختلافهم، عياله، وأنهم، على مائدته، سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وأن مسبر التقوى العمل على نفع عيال الله في الأرض.. فإن كان هذا المعنى بعيدا على مؤلف يتخبط مثل هذا التخبط، فإن هناك معنى أقرب منه وهو أن الله تعالى يقول: ((فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)) والذي أنزل الله إنما هو القانون الأزلي.. وأن الجماعة المأمورة بالإحتكام إلى القانون الأزلي لجماعة قد عين لها نوع حكومتها.. فإن هي تعدته إلى سواه فقد أحدثت حدثا أصبح الدين معه ((وقد إنهد منه ركن، أو سقطت فريضة)) على حد تعبيرك..



    أهداف حكومة الإسلام.

    وليست أهداف الداعين إلى النظام الديني كما تخيلها المؤلف، ثم ذهب يناقشها.. لا!! ولا كرامة!! وأقل ما يقال عن أولئك الداعين أن نظرتهم إنسانية وليست وطنية.. وأن أهدافهم إيجابية، وليست سلبية.. والباعث على الدعوة إلى النظام الديني هو أن العالم في حيرة مطبقة، لا يخرجه منها إلا مدنية جديدة تنتج من لقاح المادة بالروح عند لقاء المدنية الغربية المادية بالمدنية الشرقية الروحية.. وليس لهذه الأخيرة وجود إلا في المصحف.. وهذه المدنية الجديدة، بما تمجد من القيم، ستجعل الإنسان سيدا للآلة التي إخترعها لا خادما لها – سيدا يستخدم الآلة في نفع نفسه، ونفع الإنسانية، لا خادما تجره الآلة مسلوب الإرادة، وتجر الإنسانية معه، إلى موارد الحتوف.. هذه المدنية الجديدة هي التي ستبطل الحكومات الوطنية العنصرية الحاضرة التي هي السبب المباشر للحروب والشرور، وتنشئ مكانها حكومة عالمية، توحد الإنسانية، وتفيض عليها السلام، والحرية ، والعدل، على هدي القانون الأزلي الذي سارت على هداه الحياة من ظلمات العدم السحيق إلى إشراقات الوجود الزاخر بالشعور..

    المصدر:
    كتاب رسائل ومقالات الأول
    http://www.alfikra.org/books/bk026.htm

    (عدل بواسطة Yasir Elsharif on 21-01-2005, 01:37 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2005, 01:39 PM

Faisal Salih
<aFaisal Salih
تاريخ التسجيل: 12-10-2002
مجموع المشاركات: 477

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الإخوة الأعزاء
    سعدت بمداخلاتكم العميقة
    أنا أتابع البوست باهتمام ..وعفوا لأني لم أتداتخل مع كثير من الأخوة ولم أرد على تحياتهم فقد فضلت المتابعة
    الأخت أماني السني وكل من يود التعقيب في الأضواء يمكنكم مكاتبتنا على عنوان الصحيفة
    [email protected]

    ولكم شكري
    فيصل محمد صالح
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2005, 08:58 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    Bold Tex
    العزيز قصي
    شكرا جزيلا على المداخلة التي فتحت أبوابا كثيرة. وأراك قد أمطرتني بأسئلة لا أدري إن كان وقتي وطاقتي يمكناني الآن من متابعتها باستقصاء. غير أنني سوف ألمسها لمسا خفيفا من غير إدعاء بأنني أملك إجابات شافية في شأنها. وبغيتي عموما إنما تنحصر في محاولة توسيع ماعون التساؤلات التي لا سبيل بغيرها إلى بلورة مفهوم فاحص لصورة التاريخ الموروثة ومحو الأوهام التي راكمتها الروايات التاريخية المؤدلجة والمنحازة. فهن همومي محالوة إعادة الإعتبار للأخذ بعنصر الواقع على ضوء ما يبنيه ذلك الواقع عمليا، والتخفيف من غلواء التمسك الأعمى بصورة المثال الأخلاقي المعلقة في الهواء، وحدها.

    المرونة في فهم حركة الواقع وقبولها والبناء على ما تخلقه بآلياتها المعقدة الكثيرة والمتشابكة، أكفا في تقديري في مضمار الإسراع بالتغيير نحو الأحسن من مجرد التمسك الأعمى بالمبدأ والتعويل على التثوير والإقتلاع من الجذور. ولربما أعرض مستقبلا لمثالي حركة قرنق بوصفها نموذجا للمسلك البراغماتي المتعقل، بإزاء حركة التجمع الوطني في تشرذماته المختلفة التي ظلت تتمسح بالإمساك بالمبادئ حتى فاتها قطار الواقع فأخذت تركض لاهثة وراءه.

    البراغماتية إذن ربما تعني أحيانا المرونة والقبول بما هو ممكن ومتاح في الظرف المعين وغض النظر ولو مرحليا عن صورة المثال المطلوب. وما من شك أن صورة المثال تنير عتمة الواقع، ولكنها لا تقوم بديلا عنه في كل لحظة تاريخية معينة. فاللحظات التاريخية سيرورة متحولة تطلب المثال، لكنها لا تتمكن من ابتلاعه جملة واحدة.

    ورد تعريف شفيف للحقيقة في أبيات عرفانية وردت في قصيدة لشاعر الجمهوريين عوض الكريم موسى، وهي أبيات كان الأستاذ محمود محمد طه يكثر من تردادها. تقول تلك الأبيات:

    سر الحقيقة في خفا
    هو مقتضى فرط الجلاء
    وأتى بها خبر السماء:
    هي ما عليه العالمون!!

    ما فهمته من تلك الأبيات، ومن ما ردده الأستاذ محمود محمد طه من معان استولدها منها وسمعت بعضا منها في جلسات ومناسبات كثيرة، أن الحقيقة خافية بسبب فرط جلائها. ولربما أضرب لذلك مثلا من عندي بأن الحقيقة تشبه جسما صغيرا يجلس على أرنبة أنف أحدنا، فلا تراه العينان لفرط قربه. المفارقة تكمن في أن العينين تريان الأشياء البعيدة، في حين تخطئان رؤية ذلك الجسم الصغير الجالس فوق الأنف!! الحقيقة لدى ذوي البصائر هي ما عليه العالمون من الهدى والضلال. وقد فهم ذلك المتصوفة على نحو عميق واستلهموه في تجاربهم. وكانوا دائما ما يقولون "دعوا الخلق للخالق". وهذا موقف براغماتي يرى أن الحقيقة ليست سوى هذا الواقع الذي نراه بخيره وشره.

    رويت عن الحسن بن علي بن ابي طالب عبارة تقول: ((من وثق بحسن اختيار الله له، لم يتمن غير الحالة التي هو فيها)). هذا العبارة لا تعني بطبيعة الحال أن يجلس الناس مكتوفي الأيدي أمام مشاكل الواقع، وإنما تعني ألا تغفل أعيننا من رؤية المركب في كل وضع لا نرضاه. أي علينا أن لا نرى فقط بعين حاجتنا ورغبتنا وحدهما وإنما الإحتفاظ بإحدى نوافذ وعينا مفتوحة لنتمكن من خلالها أيضا من الرؤية، ولو بقدر قليل، بعين الوجود الكلية. فروح الوجود ربما كانت لها خطة أخرى بخلاف خطتنا التي أعددناها. والقدرة على القيام بمثل هذه المزواجة ليست هذا بالأمر الهين. فمن أجل مثل هذه الرؤية الجامعة ((التي تغطِّس الزانة وتطِّفح المسحانة)) زهد المتصوفة في متاع الدنيا وهاموا في الفلوات، وصمدوا في الخلوات.

    قد يتماهي الواقع مع المثال إلى حد ما، في فترة زمنية ما غير أنه لابد للواقع أيضا من أن ينفلت من صورة المثال. فبغير ذلك لا يحدث تطور. والتطور هو سنة الله في الوجود المنظور منه وغير المنظور، والمحسوس منه وغير المحسوس. وليس للمثال صورة واحدة. فالمثال صناعة بشرية، في معنى أن المعنى من حيث هو صناعة بشرية. فالإنسان كائن كلف بخلق المعنى. ولابد من الإشارة إلى أن المثال لا يبقى على صورة واحدة، وإنما يتسع باتساع حاجات البشر وباتساع مداركهم أيضا. فالواقع هو صورة الجدل المركبة المتشكلة في الزمان والمكان. والحقيقة ربما جسدها الراهن والمتشكل عمليا بأكثر مما يجسدها سرحان الأخيلة وتشهياتها العالقة بصورة المثال.

    البراغماتية كفلسفة ليست صنوا للإنتهازية كما شاع عنها كثيرا. وفي تقديري أن الآيديولوجيين هم الذين وصموها بهذه الوصمة لإبعادها من طريقهم القاصد إلى انزال المثال جملة واحدة، وكبسه جملة واحدة أيضا في جبة الواقع. ومن بين هؤلاء الأيديولوجيين الماركسيون مثلا. ومن بينهم أيضا المتدينون الذين يريدون أن ينزلوا ملكوت السموات إلى أرض الناس في يوم واحد.

    بالإضافة لما أوردته سابقا عن تعريف البراغماتية كما ورد في معجم كيمبردج الفلسفي فقد ورد أيضا:

    ((هي فلسفة تشدد على أهمية العلاقة بين النظرية والبراكسيس praxis (كلمة براكسيس مأخوذة من اليونانية prasso وتعني الفعل والإستجابة العملية) وبهذا فإن البراغماتية تأخذ استمرارية التجربة والطبيعة كما يجسدهما ناتج الفعل المباشر كنقطة ارتكاز لبداية التأمل والتفكر. فالتجربة هي محصلة التعامل المستمر بين العضويات organisms وبين بيئتها. وعلى سبيل المثال فإن هذا الفهم يرى أن الذات والموضوع مشمولين ومحاط بهما معا في هذه السيرورة ....... وبناء عليه فإن المعرفة يتم توجيهها إما بالمصالح أو بالقيم. وبما أن طبيعة الأشياء لا يمكن تعريفها بشكل سابق للتجربة، فإن دعاوى تملك الحقيقة يمكن إقامتها فقط بناء على الأحوال المتحققة عمليا التي فرضتها التجربة.)) انتهى. (الترجمة من عندي).

    وقد ورد في نفس المعجم بعض الأمثلة للتطبيقات العملية للبراغماتية في التجربة الأمريكية، أورد منها على سبيل المثال:

    ((النمو الأصلي للبراغماتية عبر أنظمة المعرفة المختلفة استمر متمثلا في تأثيرها على مجال الإنسانيات humanities. فمثلا، أوليفر ويندل هولمز الأصغر، عضو النادي الميتافيزيقي، والذي أصبح لاحقا قاضي بالمحكمة العليا الأمريكية طور نظرية براغماتية في القانون. كما أن مبدأ بيرس للبراغماتية والذي أضحى به فهم المعنى مرتكزا على التأثيرات القابلة للإستيعاب، إضافة إلى نظريته الثلاثية عن العلامات signs التي تطورت إلى ما عُرف لاحقا بحقل السيميوطيقا. كما أن مبادئ علم النفس لوليام جيمس (1890) لم تقف عند حد تأسيس علم النفس التجريبي في أمريكا الشمالية، وإنما نقلت الإنتباه الفلسفي بعيدا عن التحليلات المجرد للعقلانية ووضعته في وجهة التركيز على استمرارية البايولوجي والعقلي ........ كما أن نظرية ميد عن بروز النفس والعقل في الفعل الإجتماعي، وتحليلات جون ديوي لعلاقة الفرد والمجتمع أثَّرَتَا على حقل العلوم الإنسانية. فنظرية جون ديوي عن التعليم المرتبط بترقية المجتمع والتي تم بناؤها على نظرية مراحل النمو السايكولوجي، القاصدة إلى تحقيق المشاركة الكاملة في مجتمع ديمقراطي، مثلت الأسس الفلسفية للتعليم التقدمي))... انتهى. (الترجمة من عندي).

    يتضح مما تقدم أن التعامل مع البراغماتية بالمنظور الذي يطابق بينها وبين الإنتهازية، تبسيط غير مقبول، لكونه لم يقم على معرفة فاحصة لدور البراغماتية التاريخي الهام جدا والمتمثل في تعميق فهم العلاقة الجدلية بين النظرية والواقع. فالبراغماتية كفلسفة تمثل تجسيدا وتطبيقا عمليا للإتجاهات العقلانية في الفكر الغربي.

    ومن الأمثلة الصارخة للصراع بين الآيديولوجيا والبراغماتية ما جرى بين الإقتصاد الإشتراكي، والإقتصاد الرأسمالي في القرن الماضي في شأن الإختيار بين نهجي الاقتصاد الحر، أو اقتصاد السوق، وبين سيطرة الدولة وفرض التأميم وفرض الإجراءات الإشتراكية من عل باستخدام سلطة الدولة التي لم يتم انتخابها ديمقراطيا. فنهج الإقتصاد الحر نهج براغماتي يبني على المتشكل في الواقع. وفي تقدير البراغماتيين أن الواقع الملئ بالمظالم، والذي يسير ولو بطيئا جدا نحو الأحسن، خير من المغامرات الثورية ومحاولات قلب الأمور رأسا على عقب بالقفز في الظلام والإنخراط في التجريب العشوائي والإعتباطي الذي لا يأخذ في اعتباره قوى الواقع التي تشكلت تاريخيا، والتي لا يمكن نسفها جميعها في لحظة واحدة.

    وأما نهج الإشتراكيين ـ وأعنى هنا تحديدا تجارب الثورة الروسية والثورة الصينية والثورة الكوبية ـ فنهج يقوم على فرض المثال النظري على واقع غير مهيأ لقبول ذلك المثال واستيعابه. وهذا ما جعل العنف سمة لازمت كل هذه الثورات التي دفعت الناس دفعا، وقسرتهم قسرا، عن طريق التجييش والتحشيد العاطفيين برسم الأحلام الوردية، ببث الدعاية الرومانسية المكثفة، (الواقعية الإشتراكية والرومانسية الثورية في الفن والأدب، والإعلام الموجه)، أو عن طريق استخدام القهر وحمامات الدماء من أجل إنزال أحلام الصفوة والطليعة الثورية المؤدلجة في أسرع وقت إلى أرض الواقع.

    باختصار شديد، ليس منطلقي هنا مجرد الدفاع وبشكل مطلق عن البراغماتية. فالتطبيقات البراغماتية في مجالات السياسة والإقتصاد، وعلم النفس، وسائر تطبيقات العلوم الإنسانية، وخاصة التعليم، قد قامت جميعها على التصور العلماني للكون والحياة. وقد ساد هذه التصور ما نسميه بحقبة الحداثة، وهي حقبة تغطي بشكل عام القرون الأربعة الأخيرة التي تراجعت فيها الميتافيزيقيا، وسادت فيها العلوم التجريبية.

    وجهت أفكار ما بعد الحداثة نقدا كثيرا للعلمانية، وللوضعية ولما يقف وراءهما من أسس ابستيمية. وهو نقد صائب في كثير من مناحية. غير أن أيجاد بديل عملي للبراغماتية وتفعيله في حيز الواقع يظل حتى يومنا هذا هو التحدي الأكبر لكل أيديولوج. فما يحكم واقعنا اليوم وما يدير شؤونه حقيقة هو المصلحة وليس القيم المجردة. والتاريخ البشري بشكل عام مسار معقد تحركه المصالح. مع الإقرار التام بأن التاريخ قد اهتدى أيضا بالقيم وبالمثل العليا هنا وهناك في كثير من منعطفاته، ولا يزال يفعل ذلك وسيظل.

    الشاهد أننا نمر بمنعطف تاريخي هام تتوجب معه إعادتنا النظر في مفاهيمنا السياسية التي أوجدتها التصورات الآيديولوجية المختلفة سواء في الدين أو في الفكر العلماني. فجدلية "النظرية والوقع" وهي جدلية موغلة في القدم، ولامعدي عن محاولة فهمها باستمرار، قد أخذت تطرح نفسها اليوم في أفق جديد. هذا الأفق الجديد ربما اقتضي عقلانية من نوع جديد. أعني عقلانية غير العقلانية الوضعية الخطية التي أفلست ولم يعد في جعبتها شيء سوى إعادة انتاج المظالم. هذه الوضعية خدمت غرضها أجل خدمة غير أنها استنفدته والدليل على ذلك هو هذا الوضع المأزوم الذي يسود الكوكب الآن. فالقوة الفيزيائية لا تزال هي التي تصنع الحق وتتقاضاه بنفسها. وهذا وضع مهين للإنسانية ولابد من الخروج منه.
    أواصل لاحقا)
    t

    (عدل بواسطة Dr.Elnour Hamad on 23-01-2005, 09:25 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2005, 09:12 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    الأخ العزيز عبد الخالق السر "عطبراوي"
    التحية الخالصة والود
    أوافقك على ما أوردته، وقد خففت علي عناء الدفاع عن طه حسين. مسألة "الثقاة" هذه مسألة انتقائية فعلا. وهي مجرد حيلة يريد بها سدنة أصنام التاريخ حراسة تلك الأصنام. بعصاهم الغليظة. غير أن التاريخ يعاد تركيبه كل يوم، ولن يصح في نهاية المطاف غير الصحيح.
    ومع ذلك فقد اعتمد الدكتور طه حسين على أمهات كتب التراث. وأذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر:

    سيرة بن هشام
    طبقات إبن سعد
    أنساب الأشراف للبلاذري
    تاريخ البخاري
    تاريخ الأمم والملوك للطبري
    تفسير الطبري
    الكامل لابن الأثير
    البداية والنهاية لابن كثير
    تاريخ بن خلدون
    النزاع والتخاصم للمقريزي، إلخ

    وليراجع من شاء ثبت المراجع لكتاب الفتنة الكبرى (عثمان) لطه حسين
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2005, 09:47 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    الأخ العزيز ياسر الشريف

    التحية لك وللأخت إلهام وللابناء الميامين

    سعدت بدخولك كثيرا. وأشكرك على تثبيت نص الأستاذ الذي كتبه في مطلع خمسينات القرن الماضي. فهو نص مدهش!!

    في فهمي أن الأستاذ محمود حين يتحدث عن الدولة الدينية القادمة فهو إنما يتحدث عن حالة تعقب مرحلة العقائد. وهي لا تسمى دولة دينية إلا مجازا. فهي في حقيقتها "دولة إنسانية" أو قل دولة "روحانية" لا تقوم على العقيدة وإنما تقوم على الفطرة التي تجمع بين الناس بحكم كونهم ناس لقد بشر الأستاذ محمود كثيرا بحكومة عالمية. فالتشرذم الذي تمثله الدولة القومية القطرية الراهنة هو أحد مخلفات عالمنا القديم الذي تضعضعت فيه أحلام الإنسانيين والمرهفين وكبار الأحلام وأوشكت على الذبول والموت. عالمنا القديم الذي يولي الآن عالم وحشي كعالم البحار الذي تقتات فيه الأسماك الكبيرة على الأسماك الصغيرة. ولابد إن كان للحياة أن تستمر ولكرامة الإنسان أن تتحقق على ظهر هذه الأرض، من بزوغ شمس مدنية إنسانية جديدة. يصنعها الجميع شراكة، وبوعي أنساني كوكبي جديد. وذاك فضاء جديد لا يستعلي فيه أحد على أحد بدين أو بعرق أو بلون أو بنسب، أو بقوة مالية أو عسكرية. سمعت الأستاذ محمود مرة يقول: ((نحن نحلم الأحلام الكبيرة. ولكنها سوف تحقق!!)).

    وقوفنا ضد الدولة الدينية لا يعني أننا نؤمن بأن العلمانية التي يجسدها النموذج الغربي الآن هي طريق الخلاص. فالعلمانية الخطية الوضعية قد أفلست بشهادة أهلها، وبشهادة هذا الكوكب الذي يجأر بالشكوى من المظالم. غير أن الدولة العلمانية الراهنة بكل مساوئها افضل وبما لا يقاس، وأحفظ لحقوق الناس ولكرامتهم وبما لا يقاس من الدولة الدينية التي يريدها لنا أهل الإسلام السياسي الذين ينشطون الآن في العالم الإسلامي.

    وليعيد معى مرتادي البوست قراءة هذه الجزئية من نص الأستاذ محمود، هذا القديم الجديد، مرة أخرى:

    ((وليست أهداف الداعين إلى النظام الديني كما تخيلها الملف، ثم ذهب يناقشها.. لا!! ولا كرامة!! وأقل ما يقال عن أولئك الداعين أن نظرتهم إنسانية وليست وطنية.. وأن أهدافهم إيجابية، وليست سلبية.. والباعث على الدعوة إلى النظام الديني هو أن العالم في حيرة مطبقة، لا يخرجه منها إلا مدنية جديدة تنتج من لقاح المادة بالروح عند لقاء المدنية الغربية المادية بالمدنية الشرقية الروحية.. وليس لهذه الأخيرة وجود إلا في المصحف.. وهذه المدنية الجديدة، بما تمجد من القيم، ستجعل الإنسان سيدا للآلة التي إخترعها لا خادما لها – سيدا يستخدم الآلة في نفع نفسه، ونفع الإنسانية، لا خادما تجره الآلة مسلوب الإرادة، وتجر الإنسانية معه، إلى موارد الحتوف.. هذه المدنية الجديدة هي التي ستبطل الحكومات الوطنية العنصرية الحاضرة التي هي السبب المباشر للحروب والشرور، وتنشئ مكانها حكومة عالمية، توحد الإنسانية، وتفيض عليها السلام، والحرية ، والعدل، على هدي القانون الأزلي الذي سارت على هداه الحياة من ظلمات العدم السحيق إلى إشراقات الوجود الزاخر بالشعور)).

    .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-01-2005, 10:21 AM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 05-02-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    أستاذي العزيز النور..

    أعلم أني أمطرتك بوابل من الأسئلة التي قد أعلم مسبقا أنك قد لا تجد الوقت لها جميعا، خصوصا وأنها تحتاج فعلا إلى الكثير من الوقت لفض تشعباتها، ولكن هدفي كان هو حفزك، إن سمحت لي، إلى توضيح رؤيتك أكثر، فكما قد ذكرت لك أنا عن نفسي أن فهمي لمحتوى طرحك قد اتضح رويدا رويدا لي حتى استبان، في زعمي، عند مقالك الرابع، وأنا قد كان لي حديث معك في أيوا سيتي حول هذه المقالات في الأيام المنصرمة.. وقد اخترت أسئلتي وأنا أضع القارئ نصب عيني، خصوصا ونحن نرى أن الكثير من المشاركين هنا، من مختلف الإتجاهات الفكرية، قد أبدوا تحفظاتهم على نقاط معينة قد اشتركوا فيها رغم اختلاف توجهاتهم..

    ربما أستطيع تلخيص أهداف أسئلتي إلى هدفين:

    الأول: منحك فرصة أكبر لتوضيح مفهوم البراغماتية، خصوصا وأن أحد أهدافك الرئيسية كان رد الإعتبار له.. وكان قلب أسئلتي هو (ماذا سيكون لو استبدلنا مصطلح البراغماتية بمصطلح "العملية" أو لنقل "المعرفة العملية")، مثل قول الأستاذ محمود في حديثه عن خلق الجمال (نحن نبشر بعالم جديد، وندعو إلى سبيل تحقيقه، ونزعم أنا نعرف ذلك السبيل معرفة عملية..)، وهو ما كنت أرجو أن يكون تركيزك عليه..

    الثاني: منحك فرصة أكبر للحديث عن تصنيفك للفكر الجمهوري كفكر براغماتي (مع بعض التحفظ كما ذكرت أنت).. وبما أنك تنطلق من قاعدة كونك أحد المنتمين للفكر الجمهوري، فإن رأيك لم يكن مسهبا بالشكل الكافي في نظري.. ولعل هذه الأسئلة تعطيك أرضا خصبة للأجزاء المقبلة من مقالاتك..

    هذا، أستاذي، ولك جزيل شكري على ردك الذي حقق جانبا مما كنت أرجوه.. كما أني ما زلت آمل أن تواصل في تناول الجوانب الأخرى التي لم تتناولهابعد.. وليس هناك استعجال على كل حال.. وأرجو المعذرة إن كنت قد ألقيت على عاتقك مالا تسمح لك الظروف بحمله في اللحظة الحاضرة..

    مع كثير ودي وإجلالي

    وقد فاتني في مشاركتي الاولى أن أشكر الأستاذ فيصل على افتراعه لنا هذا الخيط المعرفي الجميل.. فله منا جزيل الشكر..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-01-2005, 10:50 AM

Raja
<aRaja
تاريخ التسجيل: 19-05-2002
مجموع المشاركات: 16034

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الفاضلان د. النور وفيصل..

    عيد سعيد وكل عام وأنتم بألف خير..

    شكرا لإشراكنا هذا المقال الدسم..

    تحياتي للمشاركات النيًرة للزملاء هنا..

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-01-2005, 12:53 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Raja)

    قال الجد بوصينا..........للأوفياء فقط

    قال الجد بوصينا
    بعد ما سهى قالينا
    بوصيكم
    على باب السنط ينسد
    وقت ما تهب رياح الحقد
    بوصيكم
    على الاطفال تربوهم
    على الشقا فى هجير الصيف
    على قتل العذاب والخوف
    حروفكم تبقى للإشراق
    ولى زرع الطريق آفاق
    تقولوا الأم
    وقبل الأم
    تقولوا بلدنا تتقدم
    بوصيكم
    على حب الأرض والنيل
    على وصل الصباح بالليل
    وشدالحيل على حب البلد بلحيل
    على وصل الصباح بالليل
    بوصيكم


    هكذا استهل الأستاذ الموسيقار محمد الامين المنصوري اول حصة موسيقى فى الثانوية واظنها الأخيرة كذلك ولكن سكنت تلك الكلمات فى نفسى منذ ذلك الحين لا بل ظلت تتاورنى كالضرس كلما ابعد فعلا او قولا عن حب الوطن فهى عندى كعازة فى هواك وكالملحمة ونحن جند اللة جند الوطن.... فهلا من اجلة نتسامى عن الصغائر واشباة الأشياء ولا أشياء ونواجة التحدي بوعى يتجاوزة لكم وللوطن الحب والتجلى


    منصور
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-01-2005, 04:09 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    براجماتية ((فكر يغرق الزانة ويطفح المسحانة))

    بعد مطالعتى لمداخلات دكتور النور حمد عن حضور البراجماتية فى واقع الدولة الأموية والعباسية والأندلسية ثم دولة الحركة الأسلامية فى السودان وجب على ان اوضح ذلك المفهوم الكثيف لا بل اللطيف للاستاذ محمود محمد طة
    ((فكر اغرق الزانة ويطفح المسحانة))
    ربما يحدث بقدرتة جل فى علاة كالاتيان بقصر بلغيس تلك التى كشفت عن ساقيها لتحتاط من الماء قبل ا ن يرتد بصر سليمان الية وما ادراك ما سليمان.
    ان جدلية الأستاذ في حوار الشريعة والحقيقة او الحوار مابين الحق والخلق لتبيان حقيقة الواقع الذي هوالتجلى الاكبر للحقيقة الكونية الكلية حيث يسترشد الواقع الحلم المقدس او المثال دون ان يذوب فية بل لعمري تلك قمة الإذابة والفناء فى كليهما ولكن الاستاذ يقول بالأسترشاد دون الإذابة.
    يستخدم الاستاذ نفس المفهوم الجدلى ((صراع الحق والخلق)) فى حالة اختلاف المثل عند الانبياء وذلك لاختلاف واقع كل منهم لذا تتعدد المثل لتستوعب الواقع المتحرك كذلك وفقا لظروف الزمان والمكان وذلك امر منطقى لاغبار علية ولكن تجاوز الوافع للمثال فى حالة التنزيل امر يحتاج الى مساءلة لان خالق الواقع وباعث المثل واحد وان اى رسول او نبى انما بعث بمقياس
    الزمان والمكان والحال ....لذا لا يضيق المثال ولكن تضيق عقول وقلوب غلف لغل او نكران....... ولكن يحدث ذلك اذا كانت الأفكار او المثل عقلية غير مطلقة ومصدرها العقل البشري الذى هو محدود بالضروة فان الواقع ربما يتجاوز المثال لذايستوجب توسيع المثال ليستوعب الواقع وهنا تبدو داينميكا الواقع والمثل المتحركين....
    ان تلبيس حالة التجلي السماوى التى تحدث الواقع بمحاورة الفكرة ومقارعة سلطة المثال لتثبيت حكم معاوية فى صدر الدولةالاموية انما هو انتصار حققة رائد من رواد علم الكلام فى الفكرالاسلامى الا هو ابو موسى الاشعرى فان عاطفة الاستاذ محمود التى دوما تناغى ذلك الضؤ الخافت المنبعث
    من ازدهار التصوف وعلم الكلام فى دولة الامويين مستخدما حكم الوقت لتبرير دولة معاوية,,, فان ذلك عين البراجماتية وعين توسيع المثال ليستوعب ذلك الواقع علما بان دكتور النور سعى لاظهار ازدهار الواقع الحياتى فى مختلف المناحى عند الامويين والعباسين والاندلسين فى الآداب والفنون والعلوم بلغت بة شانا وشأوا عظيما كان مدعاة لاهل التصوف من الفرار الى الكهوف والمغارات وهنا يستحضرنى سؤال لاستاذى دكتور النور الصوفى السالك فى دعواه لاخذ روح الحضارة مت تلك التجارب ومن روح حضارة براجماتية العصر لتاسيس دولة تزدهر فيها اسباب الحياة بتجاوز النصوص كما دافع عن دولة حكم الوقت ....هل فى ذلك دعوة اومدعاة لإبتلاء أهل التصوف للتطهر من ارجاس الإزدهار المادى بالخفوت والانكفاء عن واقع الحياة والهروب والإنزواء الى مغارات المستحيل....
    بين دكتور النور سلبية البراجماتية فى تجربة دولة الاسلامين فى السودان وفى اراء زعيمها كما بين ايجابية البراجماتية فى تجارب الامويين والعباسين والأندلسين ودعى لاخذ روح الحضارة من كل التجارب الحضارية لتاسيس واقع عادل مزدهر....
    اذا وجد تشابة فى ظواهر الحضارات احسب ويحسب غيري ان اللاحق يتاثر بالسابق فان وصف البراجماتية لحقب الامويين والعباسين براجماتية فى حد ذاتها لان البرجماتية العلمية الامريكية ما زلنا نعاصرها والاجدر توصيف البراجماتية اوتلبيسها توصيف السلف الذى تاثرت بة
    أخيرا اوافق دكتور النور فى اخذ روح الحضارات وتاسيس واقع حياتى لا يتعارض مع اسباب السماء وان تنداح بكثافة فية الروح كلما تعالت غلواء المادة وان تكون فية كل أسباب إكرام انسانية الانسان وحيوانية الحيوان واسباب الحياة المعافاة للنباتات والمحافظة على البيئة.
    والشكر والتناء لاستاذ الأساتيذ النور حمد لموضوعيتة الوعرة التى تغرق الزانة وتطفح المسحانة

    منصور عبداللة

    (عدل بواسطة munswor almophtah on 14-02-2005, 09:08 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-01-2005, 07:24 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    الأخ منصور عبدالله
    الأخت رجاء
    أتقدم باعتذاري لكما ولبقية زوار البوست للغيبة عبر الأسبوع الماضي.

    الأخ منصور
    شكرا على القصيدة وعلى المداخلة.
    يقول الأستاذ محمود محمد طه عن القرآن إنه ((لايزال بكرا ولم يفض منه الأوائل غير ختم الغلاف)). وعلى نفس المنوال، فإن فكر الأستاذ محمود محمد طه لا يزال بكرا، ولم يفض من الدارسون من تلامذته، وأنا واحد منهم، ومن غير تلامذته غير ختم الغلاف أيضا. المحاولة كل المحاولة هي فهم جدلية النظرية والواقع. من عبارات الأستاذ محمود محمدو طه الشيقة قوله ((إنزال الفكر إلى مستوى الواقع، ورفع الواقع إلى مستوى الفكر)) والعمليتان متداخلتان. هذه الثنائية الجدلية تأخذ تجليا آخر في مزاوجة الروح والمادة. قال الأستاذ محمود إن الدنيا والأخرى لم تعدا منذ اليوم ضرتين!! والشاهد أنهما حين كانتا ضرتين لم يجد المتصوفة بدا من الهرب بدينهم إلى المغارات والكهوف إيثارا لأخراهم على دنياهم. والكمال هو أن تنمو الدنيا وتتسع، ولكن ليس على حساب الدين، أي على حساب الأخلاق، أوقل على حساب القيمة الإنسانية بلغة هذا العصر. إن المطلوب دينا وعقلا لهو تعمير الأرض. بل وتعميرها لدرجة الكمال الأقصى الذي يبلغ حد الزخرفة!! ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس)). فهناك مشوار طويل نمشيه به تبلغ الحياة على ظهر هذا الكوكب تلك الدرجة العالية من الكمال التي يصح معها وصف الأرض بالزخرف وهي كما نرى جميعا لا تزال إلى اليوم مليئة أحجارا وصحارى وأدغالا. لقد جاء الوقت الذي تتضافر فيه الروح والمادة لتحقيق تلك الحالة. ما هدف إليه فكر الأستاذ محمود محمد طه هو تعايش الروح والمادة في وعي وفي تطبيق كل منا جنبا إلى جنب بلا تنافر، ولا ضدية. فهذا أوان التقاء الغيب وبالشهادة. أو قل المستقبل بالحاضر. أو قل الحقيقة بالشريعة. هذا أوان نهاية الثنائيات dichotomies. حتى ثنائية "علماني" و"ديني" ثنائية عفا عليها الدهر، وقد أصبح رفعها الآن معوقا. وهو أحد أقوى الدلائل على العجز العقلي الذي يحول دون القدرة على المزاوجة والموالفة synthesis بين الجهد الإنساني العام. ولذلك بناء على هذا المفهوم التوحيدي فإنه لا توجد "حقوق إنسان غربية"، و"حقوق إنسان إسلامية" كما يقول بذلك السلفيون الذين يريدون هضم حقوق الناس وإهدار كرامتهم الإنسانية بإسم الدين. فكل المفاهيم الإنسانية المتجهة نحو القيم الرفيعة قيم إسلامية بغض النظر عن الجهة التي رفعتها. وهذا يحتاج إلى كثير تشقيق أيضا. ارجو أن يتسع الوقت وتتوفر الطاقة له. ودمت.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-01-2005, 03:49 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26623

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الأخ العزيز النور،
    تحية لك ولقراء البوست والمشاركين فيه
    لقد قرأت مقالا متميزا في صحف الخرطوم لكاتبه نزار أحمد أيوب، في هذا البوست
    صحف الخرطوم والجمهوريين.. والذكرى العشرين لإعدام حقوق الإنسان
    غير أن الذي استوقفني فيها نظرته النقدية التي أودعها ختام مقاله وإليكموها:

    Quote: أسئلة على هامش الفكرة:
    إنتقى من كل حدائق الفكر.. ليصمم نسقاً «معرفياً» يستدمج في دواخله شواهق الابداع الانساني.. مهتدياً ومسترشداً بالنصوص القرآنية الكريمة والسنة المحمدية الشريفة وإرث الصوفية التليد.. نسقاً له اتساقيته الداخلية، والتي لا تلغي مشروعية التساؤلات حوله:
    أ/ أسئلة حول نخبوية الفكرة.. وطوباويتها.. ترفعها واستعلائها؟ صلاحيتها واستعداديتها في الانتقال من نهج صفوة منتقاة الى تيار شعبي؟؟
    ب/ جدواها الاقتصادية في حال شيوعها كناظم للدورة الانتاجية والاستهلاكية؟ وهل ينمو الاقتصاد بتوسيع خيارات الاستهلاك؟ أم بتجييف الدنيا وتبخيسها، ثم سحقها بين النعلين؟ وغياب التنافسية الاقتصادية هل يصلح كأساس للنهوض والتنمية؟
    ج/ أخلاقية الإدعاء حول التعايش مع مستصغر الشرر تجنباً للفتنة الكبرى، والاستظلال بالمستبد الأصغر خوفاً من فراعنة المستقبل؟
    د/ ما هي المعايير الموضوعية لقراءة النص وهل تصلح الذوقانية الذاتية كمدخل لتأويل النصوص الدينية ومقاربة القضايا السياسية والاجتماعية؟
    هـ/ ترجيح اللا عنف والسلم كقيم مطلقة دون النظر في الملموس، ربما ينجح على المستوى الفردي، ولكنه قد يضع مفاتيح التاريخ عند الطغاة والكولنيالين فقط!!
    ع/ توهان التلاميذ الفكري والروحي بعد مضي الأستاذ وانتظارهم لاذن قادم من برازخ الغيب.. أو نصر فجائي ينبت كالخرافة من ثنايا الهزيمة.
    و/ صمم الأستاذ استمارة شاملة للتغير والاصلاح وضبط السلوك.. تصادر الاحلام الصغيرة لاجل امتخاض الكمالات، وطقوس احاطية كثيفة تبدأ من ارتشافه شاي الصباح حتى السجدة الأخيرة لصلاة القيام.. فكرة لا تتسع جنباتها لملعب كرة القدم، ولا تطأ قدماها دور الخيَّالة، ولا تستمع أذنيها لدندنة حسن عطية ولا طمبرة عثمان اليمني.
    أليس ذلك ببرزخ الشمولية الجديدة.. الذي انقطع عن عالم الملك ولم يلتحق بعالم الملكوت.
    أسئلة وأسئلة.. لكنها لا تقدح في مصداقيتك، فكم انت رحيباً.. وكم ضيقة هي الفكرة!!
    وعفواً أيها الركابي الوضيء المضيء ان أدرت لهم ايسرك ليصفعوك فاخذوا الخد والجسد!!

    وأملي أن تتمكن يا عزيزي النور من الكتابة في التعليق على هذه الرؤية النقدية، فقد ذكّرتني بكتابة متميزة قرأتها لك في صالون الجمهوريين، وآمل أن تشرك فيها القراء هنا، خاصة أنها في اتجاه موضوعك هنا.. ولك شكري..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-01-2005, 08:22 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Yasir Elsharif)

    لعصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:
    بين الموقف الأخلاقي والموقف البراغماتي
    (5)

    تفضل الأستاذ فيصل محمد صالح بنشر الحلقات الثلاث الأول من هذه السلسلة بمنتدى السودان للحوار بموقع "سودانيزأونلاين" بالشبكة الدولية للمعلومات. وقد تكرم بالتعليق على تلك الحلقات التي تم نشرها، بعض الأساتذة الأفاضل، أذكر منهم على سبيل المثال الأستاذ، بشير بكار، والأستاذ، الخاتم عدلان، والأستاذ، سيف الدولة أحمد خليل. ومن جانبي فإنني أزجي إليهم من الشكر أجزله على مداخلاتهم القيمة تلك.

    جاء في تلك المداخلات أن براغماتية بني أمية قد إتسمت بالإنتهازية، وهذا قول صحيح وهناك ما لا يحصى من الشواهد التاريخية الدالة على ذلك. كما ورد أيضا، أنه يلزم أن يكون هناك تفريق واضح بين العقلانية والبراغماتية، فالبراغماتية ربما تنحو مناحي لا تحفل أحيانا بالمبادئ الأخلاقية. وقد ضرب الأستاذ الخاتم عدلان في ذلك مثلا لتاجر السلاح الذين يبيع السلاح لكلا الطرفين في الحرب الواحدة. وتلك إشارة موفقة، والأمثلة العملية تسهم دون شك في إجلاء المفاهيم. غير أن الخيار العقلاني ربما تطابق أحيانا مع الخيار البراغماتي، ولسوف أعرض لذلك لاحقا. وتعريف البراغماتية الذي أوردته في الحلقة الرابعة كما ورد في معجم كيمبردج الفلسفي، يظهر جوانب من ترادف البراغماتية والعقلانية.

    لا أزعم أن ما طرقته في هذه السلسلة قد كان مسددا بالقدر الذي كنت أوده له. وما أكثر ما أحسست بالفجوات فيما أكتب. غير أن هذا الإحساس لا يجب أن يقعد المرء عن الكتابة. فعملية الكتابة عملية تكاملية بين الكاتب والقارئ، سواء أن قرأ القارئ وصمت، أو قرأ وعلق. فالقارئ الصامت يتفاعل من النص في صمته، بما يديره من حوار مع نفسه، فيقبل من الطرح ما يقبل، ويطرح منه جانبا ما يطرح. كما يتفاعل كذلك القارئ صاحب التعليق فيصبح بتعليقه امتدادا لعملية الكتابة نفسها. وتستوي في القيمة، لدى الكاتب الحريص على تشميس أرائه مع الآخرين، وعلى التكامل معهم، التعليقات الموجبة والسالبة، سواء بسواء. فالكاتب ينتفع بالملاحظات، والتعليقات أيا كانت وجهتها. فلابد للأفكار ـ إن قدر لها أن تتدلى لتلامس أرض الواقع، بغية التأثير على مساراته، بأي قدر من المقاديرـ من أن يتم بناؤها بهذا الشكل الجماعي التكاملي. فالفكرة التي لا تصبح ملكا للقارئ فكرة معلقة في الهواء.

    ليس معيبا في كل الأحوال التنازل عن التمسك الأعمى بالمبدأ الأخلاقي. بعبارة أخرى، ربما أصبح التنازل عن التمسك الأعمى بالمبدأ الأخلاقي ضرورة عملية، أحيانا، خاصة حين يصبح ذلك التمسك معيقا وضارا بالمصلحة، أو مفضيا إلى نهاية مغلقة. ومن أمثلة ذلك ما كان من شأن الصراع العربي الإسرائيلي، على سبيل المثال. إذ ما من شك أن دولة إسرائيل دولة قد تم زرعها في الفضاء العربي. وهي بهذه الصفة دولة قد قامت في معارضة تامة لمبدأ أخلاقي شديد الوضوح. ولكن، من الناحية الأخرى، فإن التمسك بالمبدأ الأخلاقي القائل بوجوب اقتلاع تلك الدولة التي تم فرضها بالقوة والجبروت أمر أوضحت التجارب أنه غير عملي. وقد كان التمسك بالمبدأ الأخلاقي القائل بضرورة اقتلاع إسرائيل من جذورها هو الوقود الذي ظل يشعل حالة الصراع الدموي الطويل بين العرب وإسرائيل. وإتجاهات المصالحة والإعتراف بإسرائيل التي تسارعت وتائرها مؤخرا، قد انبنت على التجربة التي دللت أن التمسك بالمبدأ الأخلاقي الأساسي وحده، وعدم إبداء المرونة إزاء الظروف العملية المحيطة، سوف يقودان يوما بعد يوم إلى مزيد من الخسائر.

    لقد كان الأستاذ محمود محمد طه براغماتيا في موقفه المبكر الذي دعا فيه العرب إلى الإعتراف باسرائيل. وحين صدع الأستاذ محمود محمد طه بذلك الموقف الجرئ بعد حرب 1967 مباشرة، استنكر الناس موقفه ذاك أشد الإستنكار. بل وذهب المغالون منهم ليتهمونه بالعمالة للإمبريالية والصهيونية، كما جرت العادة وقتها!! أصر العرب على رفض إسرائيل رفضا مطلقا استنادا على أنها دولة غير شرعية، ومن ثم فإنه يجب عدم التعامل معها بأي شكل من الأشكال. وقد كان شعار مؤتمر الخرطوم الذي انعقد عقب هزيمة 1967، مباشرة، "لا اعتراف، ولا تفاوض، ولا صلح مع إسرائيل" وتعاقبت الهزائم، وتعاقب ابتلاع الأراضي، وتعاقب خسران الرأي العام العالمي، وضاعت عقود من التنمية، وضاعت مئات الألوف من الأرواح، وعاد الناس مجبرين ليقبلوا بالبعض الذي لا يزال متبقيا مما رفضوه رفضا تاما قبل نصف قرن تقريبا.

    يقول المبدأ الأخلاقي العام أن على الإنسان أن يستميت في الدفاع عن أرضه المغتصبة، وأن يناضل حتى الموت لإسترجاعها. هذا هو المبدأ الأخلاقي، بشكل عام. والتمسك بالمبدأ على هذا النحو، من دون التحلي بالمرونة والعقلانية اللازمتين تجاه ما يحيط بذلك الخيار من ملابسات في الظرف الزمكاني المعين، ربما قاد إلى الإنتحار، في بعض الأحيان. وربما قاد أيضا إلى مزيد من الخسران. خاصة، حين تكون قوة المقاوم أضعف بكثير من قوة المغتصب، كما هو الحال في مثال النزاع العربي الإسرائيلي.

    أما البراغماتية المتمثلة في تاجر السلاح الذي يبيع السلاح لطرفي النزاع الواحد، فهي قطعا ليست أخلاقية، وتجسد الفصل الحاد، بل والتعسفي، بين مهنة التجارة، وبين أي قيمة خلقية. وهذا نوع من البراغماتية معيب، كما تفضل بالإشارة إلى ذلك الأستاذ الخاتم عدلان. غير أن البراغماتية التي تقبل المساومة المتمثلة في التخلي عن المبدأ الأخلاقي، نسبة لعدم عملية التمسك بذلك المبدأ، في الظرف المعين، والإكتفاء بتحقيق ما هو ممكن التحقيق ولو جزئيا، بدلا عن التشبث المستميت بما لا يمكن تحقيقه، فإنها براغماتية مطابقة في تقديري للعقلانية.

    وبما أنني أتحدث عن العصر الأموي بوصفه فجرا للبراغماتية في الفضاء التاريخي الإسلامي، فلربما مثل موقفا الحسن والحسين أبناء الإمام علي بن أبي طالب نموذجين: مثل أحدهما الموقف الأخلاقي المصادم حتى الموت، ومثل الآخر الموقف البراغماتي المرن الذي يتضمن إقرارا بفكرة أن الواقع لا يلين بالضرورة لمجرد أن الحق في جانب مع المناضل، وأن ذلك المناضل مصمم وصلب ومتمسك بمبدئه، ومستعد للتضحية في سبيله. ففي حالة الحسين بن علي، فإنه على الرغم من معرفته أن الناس قد انفضوا منذ البداية من حول أبيه الإمام علي، ووضح جليا أن أمر الخلافة في طريقه لأن يؤول إلى الأمويين، إلا أنه أصر على حقه، كما أصر من قبله أبوه. فاختار الشهادة على بيعة يزيد بن معاوية. أما الحسن فقد قبل بالأمر الواقع، وبايع معاوية قبل موته، وبقي على بيعته.

    يحكى عن الإمام علي أنه كان على يقين من أنه سوف يموت مقتولا، بناء على ما جرت به إحدى النبوءات النبوية. وقد ورد عنه أنه حين كان يرى انفضاض الناس من حوله، وانحطاط عزائمهم وخمود هممهم عن الجهاد، كان قلبه ينقبض، ويصاب بحالة من الغم، تبلغ أحيانا حد الزهد في الحياة نفسها، فيردد قائلا: "ما يؤخر أشقاها؟"، أي، لماذا لا يأتي ذلك الشقي الذي نُبِّئت بأنه سوف يقتلني فيقتلني ويخرجني من هذا الغم!؟ وقد ورد في النبوة المشار إليها عاليه، "يقتلك أشقى هذه الأمة". الشاهد أن الإمام علي لم يكن واثقا من انتصاره على معاوية، غير أنه رضي بقدره المكتوب عليه، وهو القتال من أجل ما كان يراه حقا حتى الموت، وقد تبعه إبنه الحسين في ذلك الطريق الإستشهادي.

    وموقفنا نحن الجمهوريين عقب إعدام الأستاذ محمود محمد طه، حين قبلنا بما جرى إملاؤه علينا إكراها وقسرا في مهزلة الإستتابة التي استأسد علينا فيها بسلطة مستعارة من سلطان جاهل وأرعن، كل من المكاشفي الكباشي، والمرحومين محمد محجوب حاج نور وعبد الجبار المبارك، قد كان موقفا براغماتيا، وهو موقف قد مثَّل، بلا شك، هبطة كبيرة إذا ما قيس بالموقف الأخلاقي الصارم الذي وقفه الأستاذ محمود محمد طه.

    أردت من سرد هذه الشواهد أن أشير إلى تعقيد وتركيب الخيارات البراغماتية، وما يمكن أن يحيط بكل موقف منها من خيارات ظرفية، ومن حسابات تختلف باختلاف المحيط الظرفي العام والمحيط الظرفي الداخلي للشخص، أو للجماعة صاحبة الإختيار. ولابد من الإشارة إلى أن المواقف الأخلاقية السامقة، ليست من حظ عامة الناس، وإنما هي من حظ قلة من المصطفين الأخيار. فالموقف الأخلاقي، في سبحاته العليا ربما اقتضى استعدادا لتقديم التضحية في شكلها الأعلى المتمثل في قبول الموت برضاء تام. ومن المصطفين الأخيار، الذين جازوا الإختبار الأقسى، مسلمون، وغير مسلمين. ومثل تلك المواقف الأخلاقية السامقة وقفها في التاريخ الإنساني بشر كثيرون من الذين حققوا تماهيا واتساقا مع الحقيقة الكونية، جعلهم يجمعون في لحظة القرار بين عدوتي الغيب والشهادة. ومن أمثلتهم السيد المسيح، وعلي بن أبي طالب، وإبنه الحسين، والأستاذ محمود محمد طه، والفيلسوف سقراط، وجان دارك، والحلاج، وغيرهم كثيرون، ممن لا يتسع المجال لحصرهم.

    الشاهد أن البراغماتية ليست دائما مرادفة للإنتهازية. غير أنه ما من شك أن البراغماتية ربما مثلت في كثير من الأحيان حيادا عن الموقف الأخلاقي الأعلى، وربما مثلت مساومة. غير أن المبادئ الأخلاقية العليا ليست هي التي وجهت غالب مسار التاريخ، على الأقل، حتى يومنا هذا. فالبراغماتية لا تعني العماء التام عن رؤية المثال، بقدر ما تعني العمل على تحقيق الممكن والمتاح منه في الظرف التاريخي المعين. بهذا المعنى، أسهمت البراغماتية كفكرة في تطويع المثال لضرورات الواقع. فالواقع يستلهم المثال، ويسعى نحوه، ولكنه لم يستطع، ولن يستطيع في يوم من الأيام من ابتلاع المثال جملة واحدة. ولذلك يصبح استخدام المعيار الأخلاقي وحده لقياس المواقف أمرا تبسيطيا.

    لقد حرمت الديانات الكتابية الثلاث الربا بشكل حاسم. غير أن الحضارة المعاصرة قد قامت على الربا، بل والربا وحده. والقروض الدولية كلها مبنية على سعر الفائدة. ولم نسمع بدولة إسلامية معاصرة أقرضت دولة أخرى، ولو كانت دولة مسلمة، بغير فائدة!! كما لم نسمع بدولة إسلامية رفضت أخذ قرض لأن فيه سعر فائدة!! فالمبدأ الأخلاقي المقرر في النص السماوي، هو ألا يتعامل المسلمون بالربا أبدا. ولكن الواقع العملي يقول إن هذا المبدأ غير ممكن التطبيق في عالم اليوم المترابط والمتشابك المصالح. غير أن فقهاء المسلمين حين أحسوا استحالة الوفاء بالمبدأ الأخلاقي المحرم للربا، ذهبوا في وجهة التحايل، فخرجوا على الناس بما أسموه البنوك الإسلامية غير الربوية التي اعتمدت "المشاركة" و"المرابحة"، ظنا منهم أن ذلك يخرجهم من الورطة. غير أن مما لاشك فيه هو أن ما قامت به البنوك الإسلامية، وما تبعها من مؤسسات مالية وتجارية، ليس سوى غش صراح للنفس وللناس. (راجع كتاب الجمهوريين "بنك فيصل الإسلامي"، وكتاب الدكتور منصور خالد، "الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة"). الشاهد أن الدول التي تدعي اتباع شرع الله في زماننا هذا ليست سوى دول مدلسة. فهي دول علمانية، حتى النخاع، شأنها شأن غيرها.

    واجهت معضلة الربا السلفيين، وخاصة جماعات الإسلام السياسي، فواجهوها بالتحايل وخداع النفس. كما واجهتنا نحن الجمهوريين، أول ما وطئت أقدامنا أرض الغرب، ولم يكن أمامنا غير أن نقبل بالواقع الذي نقر بمخالفته للنصوص فروعها وأصولها. فالبيت يتم شراؤه بالربا، والسيارة يتم شراؤها بالربا، وبطاقات الإئتمان التي تؤجر بها السيارة، وتدفع بها فاتورة الإقامة في فندق، وتشتري بها مجمل حاجياتك اليومية بطاقات ربوية. (يواصل الأسبوع القادم).
    ا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-01-2005, 06:35 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26623

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    فوق.. لحين عودتك يا عزيزي النور..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-01-2005, 11:50 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Yasir Elsharif)

    شكرا الأخ ياسر على رفع البوست
    لقد تعمدت الغياب عن البوست لفترة حتى تتقدم صحيفة الأضواء قليلا في نشر هذه السلسلة التي امتدت أكثر مما كنت أتوقع لها. الحلقة السادسة التي سوف يتم نشرها يوم الإثنين القادم، وردت مادتها في ردي على الأخ قصي، في صدر هذا البوست . ولذلك فسوف لن أقوم بنشرها هنا. وسأواصل نشر الحلقات تباعا إبتداء من السابعة ولكن بعد أن تظهر في صحيفة الأضواء. بطبيعة الحال. فلا أريد أن أسابق الصحيفة.

    الأسئلة التي تكرمت بإيرادها نقلا عن الأستاذ نزار أحمد ايوب، أسئلة تهمني كثيرا وكما تفضلت أنت بالملاحظة فقد ورد لمس لما أشارت إليه تلك الأسئلة في خطابي الذي بعثت به قبل سنوات للأخ الراحل، طيب الذكر، طه أبو قرجة. ولربما أعود لنشر ذلك الخطاب لاحقا في هذا المنبر.

    الشاهد أن تجربة الجمهوريين "التسليكية" التي عاشوها مع الأستاذ محمود محمد طه، والتي حالت بينهم وبين الأدب، والفن، والموسيقى، والتمتع بما تهبه الحياة في تجلياتها المختلفة، ليست هي الصورة التي ينبغي أن يكون عليها حال الجمهوريين في مقبل أيامهم. والفكرة الجمهورية لم تأت أصلا لتبشر الناس بمثل تلك الصور "الطهرانية" أو قل "المتزمتة" للحياة، حيث لا فن ولا رياضة، ولا موسيقى، ولا ترويح ولا نزهة، ولا ولا!!

    تلك كانت تجربة استثنائية جرى تصميمها لإخراج دعاة اختاروا أن يعيشوا مع الداعية النموذج ليتشربوا منه ما تتسع له مواعينهم . فنموذج الأستاذ محمود نموذج فريد. فهو قد عاش ما يقول، وبدقة متناهية، كما نذر كل حياته للتبشير بما يؤمن به، متخليا تماما عن نصيهة من الدنيا.ولسنا ندعو لكي يعيش كل الناس نموذج الأستاذ محمود، ولكننا ندعوا إلى الإستهداء به واستلهامه قدر المستطاع. الشاهد أن تجربة التسليك الجمهورية جربة تقع في المنطقة التي تشترك فيها قاعدة الفكر الجمهوري مع تراث التصوف في مجال التسليك والتربية، خاصة ما يعنيهما المصطلحان الصوفيان: "الخلوة" و"الجلوة".. فالخلوة فترة انحصار يجمع فيها السالك نفسه من شتات الحياة اليومية وبلبلتها للفكر وتوزيعه. ولكن حين يصل السالك إلى حالة مناسبة من الإنحصار، يخرج من خلوته إلى جلوته.بعد أن يمتلك الميزان، الذي يعرف به ما يستحق أن ينفق فيه الوقت، وما لا يستحق.

    كما أن الخلوة تقوي العزيمة التي تجعل قياد النفس في يد السالك. وبالعزيمة يتمكن السالك من شد لجام النفس حين تتهاوى وتتهافت على ما لانفع فيه من ضروب التسلية وتزجية الوقت. وللأستاذ محمود أدبيات ثرة في التربية لم يتعرف عليها الناس خارج الدائرة الجمهورية بعد. ومن تلك الأدبيات مفهوم "الواجب المباشر". يقول الأستاذ محمود إن الواجبات ترد إلى المرء في شكل خط عرضي أفقي وبلا ترتيب. وعلى المرء أن يعيد ترتيبها لتقبل نحوه في شكل طابور. فيبدأ بالتعامل معها وفق الأهم، ثم المهم، ثم الأقل أهمية. وهذه تحتاج إلى قدرة على التمييز يعرف بها المرء أي هذه الواجبات أكثر مباشرة، وله من ثم الأولوية. كما تجتاج أيضا إلى قدرة على تحييد النفس التي غالبا ما تميل إلى اختيار ما يريحها أكثر من ميلها لاختيار ما هو أوجب.

    الإسلام بالمفهوم الذي يطرحه به الأستاذ محمود فضاء إنساني متسامح ومنفتح أساسه الفطرة التي تجمع بين كل البشر. وهو بهذا المعنى، "ليس دينا بالمعنى المفهوم عن الأديان"، وهذه العبارة للأستاذ محمود محمد طه. من يقرأ ما كتبه الأستاذ محمود عن التعليم، وما كتبه في كتابه " أسس دستور السودان"، وما كتبه فيما أورده الدكتور منصور خالد: "نحن نبشر بعالم جديد" لابد أن يلمس الهدف القصي للدعوة، وهو تحقيق السلام، وخلق الجمال، وإشاعة قيمة الحرية. في كتابته عن التريية ركز الأستاذ محمود تركيزا شديدا على الموسيقى، والفنون، والرياضة، وكل ضروب الإبداع بل إن الأستاذ محمود يذهب فيذكر من التفاصيل أمورا مثل تربية الطيور والتشجير والإهتمام بالتزهير، وترقية الحس الجمالي، وتجميل البيئة. وحين تحدث عن الديمقراطية في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" أورد خطبة بركليس الشهيرة التي وصفت جانبا من حياة الإغريق وقتها. الدعوة الجمهورية ليست دعوة طهرانية متزمتة تريد أن تكبل الحياة بالأغلال، وإنما هي دعوة للحياة لتعبر عن نفسها وبحرية ولكن وفق أكثر المعادلات اتساقا. وهذا حديث يطول التفصيل فيه.

    أظن أن بقية المقالات التي سوف توالي الأضواء نشرها تتضمن محاولة لفهم الإسلام بوصفه ثقافة إنسانية وأسلوبا حضاريا متميزا، لا بوصفه ديانة قابضة ومكبلة. وما من شك أن نصوص الشريعة تقيد وتكبل طاقات الحياة، وهذا ما من أجله كانت دعوة الأستاذ محمود قائمة في المقام الأول على بعث أصول القرآن. فالسيولة والحيوية في الفكرة الإسلامية في فضائها التاريخي إنما تلتمس في الفكر الصوفي، لا في الفقه الإسلامي. فالفكر الصوفي هو الذي جعل إسلام إفريقيا مثلا، يحمل سمات مغايرة بل وربما معارضة لسمات إسلام الجزيرة العربية.

    وهذا ما من أجله نقول إن الفكرة الجمهورية فكرة سودانية، أصيلة، وصميمة، وأن تيار الإسلام السياسي تيار وافد. وهو تيار فشل فشلا ذريعا في قراءة ملامح إسلام إفريقيا الذي أعادت تشكيله الثقافات الإفريقية والتجربة الإفريقية الحضارية الطويلة، مقارنا بإسلام جزيرة العرب. الذي قعدت به الحياة البدوية وجمدته في أكثر القوالب تبسيطية وتزمتا.

    ولا ينحصر الأمر في إفريقيا وحدها. فالإسلام الذي يشكل الخلفية للتجربة الماليزية المعاصرة، إسلام ممتزج مع مادة الثقافات الشرقية، والديانات الشرقية. يعيش في ماليزيا إلى جانب المسلمين، بوذويون، وهندوس، وتاويون، وغيرهم. الشاهد أن ماليزيا بقيت دولة إسلامية الطابع ولكنها دولة عصرية ناهضة ومنفتحة على ثقافات شعوب العالم المختلفة. ويقبل عليها السياح من جميع بقاع الأرض . أما التطرف الذي وصل إلى أندونسيا وإلى الفلبين، فقد أوصله إلى هناك المد التبشيري السعودي الوهابي. والتطرف الذي جاءنا إلينا في السودان، أوصله إلينا المد الإخواني المصري، ثم لحق به المد التبشيري الوهابي السعودي، فيما بعد.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-02-2005, 05:15 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-02-2005, 04:32 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26623

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الشكر للأخ "مطر قادم" لنشره بوستا في هذا المنبر أورد فيه ملخصا لندوة الدكتور عبد الله النعيم في القاهرة.. وهو بصدد الموضوع هنا:

    Quote: التساؤل عن مستقبل الشريعة الاسلامية فى العالم الاسلامى,مطروح بقوة لا سيما ,بعد فشل عدد من تجارب الحكم الاسلامى فى السودان الجزائر وايران فى تحقيق اى نهوض اقتصادى سياسى لهذه البلدان فضلا عن انتهاك هذه الانظمة للعدي من حقوق الانسان لمواطنيها
    وفى محاولة للتعرف على الاجابات المحتملة عن هذا السؤال استضاف مركز القاهرة فى 13 مايو2004 المفكر السودانى المعروف د.عبد الله النعيم,الاستاذ بكلية الحقوق جامعة امورى بالولايات المتحدة ليدير حوار فكريا مع مجموعة من المفكرين والباحثين المتخصصين حول النقاط الرئيسية لمشروعه الفكرى حول مستقبل الشريعة يستهدف التغيير الاجتماعى والسياسى فى المجتمعات الاسلامية من منطلق كونه مسلما ومواطنا مهموما بواقع الحال فى مجتمعاتنا
    العلمانية فى التراث
    اعرب النعيم عن تقديره ان المستقبل لا يقدم مجالا لان تطبق الشريعة الاسلامية مشيرا على ان تطبيق الدولة للشريعة كقوانين وسياسة رسمية هى فكرة مختلة مفهوميا ومستحدثة, واضاف ان مجال الشريعة الاسلامية فى المستقبل هو فى اطار المجتمع, وليس فى اجهزة الدولة السياسية والتشريعية, واكد النعيم على اعتقاده بان الدولة كانت دائما علمانية فى التاريخ الاسلامى, وبالتالى ليس صحيحا ان العلمانية اتت الينا من الغرب وانما هو مفهوم اصيل فى تراثنا وتجربتنا التاريخية شرط ان تفهم العلمانية بانها تجربة كل مجتمع على حدةفى موازاة العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.اكد النعيم ان مفهوم "الدولة الاسلامية"مفهوم متناقض, لان الدولة مؤسسة سياسية لا تقوم على المعتقد, ولا يجب ان يكون لها معتقد,وانما المعتقد يكون لدى القائمين على الدولة. فاذا تحدثنا عن معتقدات القائمين على امر الدولة فاننا نكون قد تحدثنا عن السياسة وليس عن الاسلام كمعتقد للدولة نفسها.وانتقل النعيم الى مفهوم "الشريعة الاسلامية" مؤكدا ان الشريعة الاسلامية لا يمكن ان تقنن اطلاقا لان عملية التقنيين نفسها تسقط صفة الشريعة عن المشروع المقترح, لانه بمجرد تقنن الشريعة اصبح التقنيين الذى تم هو معتقد الدولة وليس الشريعة نفسها لان الشريعة متنوعة ومتغيرة فى عملية فهمها. وبالتالى فان ما يشرع وينفذ هو الارادة السياسية للدولة وليس الشريعة الاسلامية.ونوه النعيم الى فكرة ان الشريعة الاسلامية هى تراكمية عبر الاجيال, وان اى مذهب فقهى لايعد مذهبا فقهيا صحيحا الاباجماع اجيال متعاقبة من المسلمين على صحته,اذ لاتوجد اى جهة تمنح المذاهب الفقهية صحتها.وبالتالى فان العملية التشريعية من منظور اسلامى تعتمد على الاجماع وعلى التراكمية عبر الاجيال, وليس ادل على ذلك من ان تاريخ المسلمين عرف مذاهب فقهية انقرضت واخرى نمت وانتشرت لانها حازت القبول والاجماع من المسلمين عبر لاجيال.
    الدين والدولة والسياسة
    واكد النعيم على ضرورة الفصل الصارم مؤسسيا بين الدين والدولة. ولا ينبغى ان تمنح الدولة قداسة ادعاء تطبيق الشريعة الاسلامية, لتمنع بذلك المعارضة السياسية من ممارسة دورها,رغم ان كل لانظمة هى سياسيةوليس اكثر من ذلك,ولكن من الضرورى التاكد على ان الشريعة الاسلامية والدين الاسلامى سوف يستمر تاثيرهما فى حياة المجتمعات الاسلامية بصورة مركزية وجوهرية,وبالتالى لايمكن الفصل بين الدين والسياسة, ولكنلابد من الفصل بين الدين والدولة فصلا صارما لان اى جمع بينهما فتنة,وقد دفع الشعب لسودانى ثمن هذه الفتنة ثمنا غاليا.
    الفقه والشريعة
    ومن ناحيته اشار د.عبد المعطى بيومى عميد كلية اصول الدين سابقا وعضو مجمع البحوث الاسلامية,الى ضرورة التفرقة بين الفقه والشريعة,مؤكدا ان كل ما جاء على لسان د. النعيم يخص الشريعة,انما المقصود به الفقه.كما رفض د. بيومى ما ذهب اليه د. النعيم من انه لامستقبل سياسيا وقانونيا للشريعة الاسلامية على مستوى الدولة, مبررا رايه بان الشريعة مستعدة تماما لتقبل اى تغييرات فى زمان ومكان.كما رفض بيومى القول ان الدولة كانت علمانية على مر التاريخ الاسلامى مؤكدا ان عملر الدولة فى الاسلام لا يتجاوز المائة والثلاثين عاما, واضاف ان الاسلام يعطى للانسان حق التشريع وفقا للمتغيرات السياسيةولاجتماعية حتى تبدوا الدولة فى الاسلام دولة مدنية, لكنها ملتزمة بقواعد اصولية عامة ومبادى انسانية موحى بها فهى انسانية والهية فى آن واحد.وانتقد بيومى مقولة انه لابد من الفصل الصارم بين الدين والدولة.واعتبر ان حصر الشريعة فى المجتمع يشكل تناقضا فى مشروع النعيم,وان اقر بيومى بان "اى تجربة لتطبيق الشريعة الاسلامية حتى الان تجربة فاشلة
    العقيدة والشريعة
    ومن ناحيته اكد د.محمود اسماعيل الباحث المتخصص فى سوسيولجيا الفكر الاسلامى,على ان ممكن الخلاف فى ضرورة التفرقة بين الاسلام كعقيدة والاسلام كشريعة.ويذهب الى ان الاسلام كعقيدة لايثير اى خلاف فى حياتنا العامة والخاصة ولا مجال للتجديد فيها,اذن الخلاف حول مفهوم الشريعة,مشيرا الى انه يتفق مع د. النعيم فيما يتعلق بالسياسة وما اثبته الواقع سواء فى السودان او فىاى مكان مارست فيه الحركات الاسلامية المتشددة ممارسات سياسية تسئ الىالاسلام. واكد ادانته للدور السلبى لفقهاء السلطان فى كل العصور الذين اساءوا للاسلام بل ويعوقون اى محاولة للتجديد فى الاطار الاسلامى.وفى ماخلته اثار د.حيدر ابراهيم استاذ علم الاجتماع ومدير مركز الدراسات السودانية سؤالا حول العلاقة بين النص المقدس وممارسات المسلمين الفعلية على مر تاريخهم, مشيرا الى ان الانتقادات الموجهة لممارست التجارب لاسلامية فى الحكم غالبا مايرد عليها بان هذه التجارب لم تكن تطبق الشريعة الاسلامية الحقيقية او الصححة, الامر الذى ينبغى معه محاولة الاجابة عن التساؤلات الخاصة بالاسباب التى جعلت"الشريعة الحقيقية لم تطبق؟ والتساؤل كذلك عما يطبقه المجتمع من الشريعة بالفعل وكيف يطبقه؟ مشيرا الى اهمية الاجابة عن هذه التساؤلات.لاسيما بعد فشل المشروع الاسلامى فى الجزائر وباكستان والسودان وكذلك ايران بارتدادها الى ولاية الفقيه ومنع الاصلاحيين من المشاركة فى الانتخابات.واوضح د.حيدر ابراهيم ان هناك فارقا بين مفهومى "العلمانية"و"العلمنة" مشيرا الى انه اذا كانت العلمانية مفهوما غربيا يثير الريبة فى المجتمعات الاسلامية,فان مايراه مناسبا للاسلام هومفهوم العلمنة على اساس ان الدين كلما ارتبط بالممارسات الحيتية اليومية للناس كان دينا معلمن,واضاف ان مقولة "الاسلام دين ودولة"على الرغم من انها اكثر المقولات التى تنتقد العلمنة الا انها وللمفارقه مقولة "معلمنة" لانها تعنى ارتباط الدين بحياة الناس اليومية.وتعقيبا على بعض المداخلات اعتبر د. النعيم لاقيمة على الاطلاق لهذا التمييز بين الفقه والشريعة,لانهما فى كل الاحوال نتاج الفهم البشرى للنصوص الدينية.بل ان المصطلحين"شريعة", "فقه" نتاج الفكر البشرى,مشيرا الى ان الرسول لم يترك فينا نصا صريحا بان هذا فقه ةتلك شريعة
    المؤسسة الدينية
    واشار الباحث احمد راسم النفيس الى ان سقوط الخلافة العثمانية كان بمثابة زلزا افاق منه العالم الاسلامى فوجد نفسه انه لايطبق الشريعة الاسلامية,متسائلا ومتى كانت تطبق الشريعة الاسلامية؟واكد النفيس اننا دولة اسلامية غير ديمقراطية لان العالم الاسلامى هو من قعد واسس للفكر الاسلامى بتحريمه للمعارضة السياسية باعتبرها خروجا على صف الجماعة, كما لفت النظر فيما يتعلق بالدعوة الى فصل الدين عن الدولة الى استحالى قبول الدول الاسلامية التنازل عن هيمنتها على المؤسسة الدينية واستغلاله كاداة لاتقل اهمية عن مؤسسة "المخابرات"
    اما د.احمد سالم مدرس الفلسفة بداب طنطا فقد راى ان طرح النعيم بمثابة مشروع فوقلى لايمكنه ان يغير فى واقع مجتمعاتنا شيئا, مستندا الى القول ان العقلية العربية الاسلامية هى عقلية معيارية تقيس الامور بمبدا الحلال والحرام, وان دور رجال الدين يفوق بكثير اى دور للاكاديميين والمثقفين. ومن ثم لا يمكن لهذا المشروع ان يغير فى واقع المجتمعات العربية الا بتغيير آليات العقل المعيارى وهذا غير ممكن.
    كما اشار د.ياسر قنصوة مدرس الفلسفة باداب طنطا الى ان التجربة الماليزية التى تجسدها عبارة مهاتير محمد"حين اصلى ادير وجهى للكعبة,وحين اتعامل اقتصاديا ادير وجهى ناحية بورصة نيويورك" ان هذه التجربة احد المشروعات المرشحة للتطبيق فى المجتمعات الاسلامية مشيرا الى ان سؤال المواءمة بين الشريعة والعلمانية يثار دائما بحافز خارجى وليس نابع من محاولة داخلية لتطوير الذات
    واشار مجدى النعيم المدير التنفيذى لمركز القاهرة الى ان الدعوة لتطبيق الشريعة هى مشروع سياسى مكلف جدا مدللا على ذلك بالاعداع الهائلة من الضحايا من جراء التجارب التى عرفتها افغانستان ايران السودان الجزائر الامر اذى يطرح السؤال حول الاسباب التى تدفع النخب الحاكمة الى تبنى الدعوة لتطبيق الشريعة حين تمر هذه الانظمة بازمات تهدد مشروعيته وصلاحيتها للحكم مثلما حدث فى (سودان نميرى,مصر السادات)واتفقت د.هدى الصدة استاذة علم الاجتماع مع طرح د.النعيم لكنها اثرت تساؤلا حول ما يمكن ان يترتب على القول ان للشريعة مستقبلا فى المجتمع وليس لها مستقبل فى مؤسسات الدولة,لاسيما فيما يتعلق بقوانين لاحوال الشخصية,حيث يرد الى الذهن ما وصل اليه الوضع فى العراق اذا الغيت قوانين الاحوال الشخصية واحيلت المسالة كلية للمذاهب.وتساءلت د.منى طلبة الاستاذة باداب عين شمس اذا كان الاسلاميون يقرون بفشل التجارب الاسلامية التى وصلت الى السلطة حتى الان .فلماذا التمسك بهذ المشروعات السياسية الى هذا الحد؟! ومن ناحية ثانية اوضحت ان هناك مغالطة فى اعتبر ان الشريعة هى الثقافة العربية الاسلامية. مشيرة الى ان ما يمثل الهوية العربية الاسلامية هو الادب والفنون والمعمار وان الشريعة هى اضعف حلقات الهوية.
    علمانية منقوصة
    ومن ناحيته لفت د. انور مغيث استاذ الفلسفة النظر الى تحذير النعيم من تطبيق الشريعة نابع من استقرائه لتجارب الاسلاميين فى الحكم فى عدة بلدان, ونفى صحة الزعم بان رجل الشارع يميل للشريعة مؤكدا ان رجل الشارع اذا سئل فانه لن يطلب سوى انتخابات نزيهة وتحديد فترات حكم الرؤساء بفترة او فترتين,وتحقيق مصالح الفقراء وهى ايضا ليست من الاسلام فى شئ وان كان الاسلام لا يتعارض معها, واضاف مغيث ان الربط بين الدين والدولة ليس له مبرر سوى تبرير القمع فى البلدان الاسلامية.
    اما د.هبة روؤف المدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السيسية,فقد اشارت الى انه رغم الاختلاف البين بين ماتراه ومايطرحه د. النعيم الا ان هناك افكارا مشتركة احيانا, مشيرة الى ان لديها فكرة فى الوقت الراهن ترى ان الدولة كمؤسسة سلطوية عسكرية بوضعيتها الراهنة لامكنها ان تطبق الشريعة الاسلامية لان المشكلة فى مفهوم "الدولة" وليس مفهوم
    طالاسلامية
    ط. واشارت من ناحية ثانية الى ان الاشكالية فى التعامل مع النظام العالمى الجديد لاتكمن فى السياسة او فى الحركات الاسلامية وانما تكمن فى البعد الاقتصادى والمتمثل فى قوة فقه المعملات لاسلامى الذى يتابى على التكيف مع السوق المفتوح فى ظل النظام العالمى الجديد.وقد رفض د.حسن طلب استاذ الفلسفة بجامعة حلوان الزعم القائل ان المسيحة لم يكن لها لديها شريعة,الامر الذى يسر لها النهوض فى عصر النهضة مؤكدا انها كانت لها شريعة تبرر محاكم التفتيش التى عانت منها اوربا فى العصور الوسطى,لكن لم يحدث النهوض فلى العالم المسيحى الا انه بدا ينقد العقيدة ويعيد النمظر فيها,مما اتاح له نقد الشريعة بعد ذلك.
    *نقلا عن نشرة سواسيةالعدد57-58 2004

    نحو مقاربة للتعايش بين العلمانية والشريعة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2005, 11:02 AM

راشد يحى مدلل
<aراشد يحى مدلل
تاريخ التسجيل: 22-08-2004
مجموع المشاركات: 338

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    فوق لمزيد من الاطلاع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-02-2005, 01:21 PM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)



    خـُذْ من زمانك مــا صـَفا ،،، ودَع الذي فيه الكدر
    فالعُمر أقصـَـر من مـُـعاتبة،،، الزمان علي الغِـيَـر !

    عزيزي د. النور ، أطيب التحية وعظيم التقدير علي هذه السياحة الفكرية الراقية
    في شأن براغماتية الامويين التي أسهمت بالقدر الوافي في نقل المسلمين " الأُول " من ضيق قالب العقيدة الى بَراح التأسيس الحضاري . وقد توقـّفتُ كثيرا في ربطك هزيمة مـا أسميته
    " الدولة الدينية " علي يد " علي بن ابي طالب " بعد ان انفضَّ الناس من حوله ، ليلتفـّوا حول معاوية مؤسس الدولة الأموية " وهيَ هاهنا ، بحسب التحليل أعلاه ، ليست دولة دينية ! " جرّاء ما تميّزت به من براغماتية وانتهازية أتاحت لهاعدم التقيُّد الحرفي بالنَّص الديني والركون لِروح الدّيانة الاسلامية فيما اختطّـته من تشريع ومبادئ هادية للمسلم . فهل الدولة الاموية أو العباسية وما تلاهما من دول ، حتي دولة بني عثمان في القرن الخامس عشر الميلادي ، لم تكن دولا دينية ؟ .. وهل كان أهلو هذه الدول ومتسـلِّطوها ومنظِّروها يقبلون بتسميتها دولا غير دينية ؟؟ نقول هذا وقد سمـع بعضنا أئمة مساجدنا يدعون للسلطان عبدالحميد بالنصرة في خُطب الجمعة والسلطان قد وُوريَ الثري قبل انتهاء دولة الخلافة العثمانية التي تمّ إلغائها في العام 1924 م ! باعتباره آخر خُلفاء المسلمين .. بل ، حتي دولة الاندلس في قرطبة ودويلات الطوائف من بعدها ، مع كل التسامح الديني والانفتاح المشهود ، لم يكن أهلها ليقبلون بوصمها بأنها " غير دينية " ! فضلا علي اعتمادها في تولية العرش في غالب أيّامها علي الحديث الذي ظهر في معمعة " سقيفة بني ساعدة " [الأئمة من قريش] ، أو : نحن الأمراء وانتم الوزراء .


    لك عظيم التقدير أخي د. النور ولكل المتداخلين/ات ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-02-2005, 03:33 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    العزيز أبو جودة
    التحايا وخالص الود

    نعم، حديثك صحيح تماما، فمنذ الأمويين وحتى العثمانيين ظلت هذه الإمبراطوريات والممالك الإسلامية تسمي نفسها دولا دينية لتعطي نظم حكمها سندا وتفويضا إلهيين. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن الدين تراجع منذ الفتنة الكبرى إلى الخلفية، وأصبح يستخدم بصورة إنتقائية بواسطة المؤسسة الفقهية التابعة لجهاز الدولة والتي تنحصر مهمتها افي إخراج الفتاوى على هوى الحكام. فهذه المؤسسة هي التي أفتت بقتل الحلاج، كما افتت بقتل كثيرين غيره ممن وقفوا بجانب المستضعفين والمظلومين. والمتصوفة يمثلون في التاريخ الإسلامي الرهط الذي قبض على وهج النبوة. غير أن أكابرهم كانوا يقولون أن "حكم الوقت" مع هذه الممالك الإسلامية، ولذلك فقد انصرفوا إلى ترشيد الناس وتسليكهم، ولم ينازعوا الحكام. وهذه في حد ذاتها براغماتية غارفة من نهر الحكمة التي تمزج مزجا عميقا بين المادي والروحي. هذا المزج عرفة المتصوفة السودانيون حين قالوا: "ما في دين بلا عجين". والذين خرجوا على التزام عدم منازعة الحكام، من المتصوفة جرى تقتيلهم.

    فمصطلح "حكم الوقت" مصطلح صوفي عميق يتجه إلى التنبيه إلى معرفة ما يمكن أن نسميه بالمصطلح العصري "نضج ظروف الثورة". فكل ثائر يتحرك قبل أن تنضج لثورته الظروف الموضوعية، تفشل ثورته، وغالبا ما يقتل.لم يكن الحلاج ثائرا عنيفا، ولكنه كان يؤلب العامة ويحرضهم، ويعرض بأهل السلطة والثروة، مما أزعج الخلافة العباسية فألبسه فقهاؤها تهمة الزندقة والتجديف كما هو الحال دائما. ولم يكن الأستاذ محمود محمد طه ثائرا عنيفا أيضا، وتم قتله في أخريات القرن العشرين. بل إن الأستاذ محمود محمد طه هو الذي دعا لنزع عنصر العنف من معادلة التغيير الماركسية القائلة: ((العنف والقوة وسيلتان ضروريتان لتغيير المجتمع)) نزعا نهائيا. وهو من أكابر مفلسفي حركة اللاعنف.

    سلم بن عربي من القتل بحكم صفويته وغموضه واستغلاق فكره على العامة، وعلى معظم الخاصة. وقتل الحلاج لشعبيته وحرصه على الوقوف بجانب المستضعفين. ومضت تلك العهود الغاشمة التي نشهد غروب شمسها في جيوب معزولة، مثل إيران، والسعودية، والسودان، وبعض بلاد الشرق الإسلامي. ولا تزال ضرورة الثورة قائمة، ولا يزال النظر الحصيف لنضج الظروف الموضوعية مطلوب أيضا. فالتثوير ليس خيرا دائما. ولربما تكون مقولة: "الوالي الظالم خير من الفتنة"، مقولة صحيحة في كثير من الأحيان.

    في كتابه "دين الإنسان"، كتب المفكر السوري، فراس السواح (199 مقاربة حصيفة لموضوع "الديني والعلماني"، وتبادلهما الأدوار على سيادة الساحة. كتب السواح:

    ((كثيرا ما يقال لنا، بأن الفلسفة الإغريقية قد وضعت حدا للفكر الديني والميثولوجي، وإنها بذلك قد حررت العقل من شروطه القديمة. وهذا الطرح يسير مع الفرض القائل بأن الدين هو شكل أدنى من أشكال النظر العقلي، والفلسفة هي شكله الأرقى والأعلى. واعتمادا على تكرار هذه المقولة التي لم تخضع للنقد، فإننا نقبل بالتقسيم المعتاد لتاريخ الفكر الإنساني إلى أربع مراحل هي: السحر فالدين فالفلسفة فالعلم التجريبي. غير أن نظرة جديدة غير متحيزة على مسار الحياة الفكرية للإنسان، تظهر لنا بوضوح أن الفلسفة الإغريقية لم تكن سوى بارقة عارضة، ما لبثت أن انطفأت أمام مد الفكر الديني والأسطوري، وتراجع الفكر الفلسفي قرونا عديدة قبل أن يبعث مجددا في العصور الحديثة، متوكئا عصا عربية أبقت على قبس من الفلسفة متقد، على الأطراف الخارجية لثقافة دينية سائدة، سواء في الثقافة العربية أم في الثقافة الأوروبية الوسيطة. أما العلم فرغم الأرضية الصلبة التي فرشتها أمامه الفلسفة مع فترة مدها الأولى، فقد بقي أسير التصورات الدينية والأسطورية، إلى أن أينعت ثمار عهد النهضة في أوروبا، وجاء كوبرنيكوس بنظريته الجديدة عن النظام الشمسي، التي كانت فاتحة لاستقلال العلم عن الدين والأسطورة، وتبعه غاليليو فنيوتن، فكان لهولاء فضل وضع أسس التفكير العلمي الحديث))... انتهى نص السواح.

    ما أردت توكيده هو أن مفهوم فصل الدين عن الدولة بالصورة التي تحددت به صورة الدولة الحديثة، والذي يظن الناس أنه قد بدأ في أوروبا، قد بدأ في حقيقة الأمر في العصر الأموي، في غمار الإضطرابات التي سميت لاحقا بـ "الفتنة الكبرى". كل ما أريد الإشارة إليه، هو ضرورة متابعة المنحى الهام الذي نحاه طه حسين في دراسته للفتنة الكبرى، وذلك على ضوء مقولة الأستاذ محمود محمد طه، اللاحقة، الجامعة المانعة: ((موضوع علي ومعاوية يحتاج إلى فكر يطفح الزانة ويغطس المسحانة)).

    أرجو أن تواصل معي عزيزي أبو جودة. مع خالص شكري وتقديري.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-02-2005, 10:08 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    أخي العزيز / دكتور النور ،،

    التحية والاحترام ،،

    وشكري الجزيل علي هذا التعقيب الوافي والمفيد بمعلوماته وتحليلاته ، وأرجو ان تسمح لي بإبداء وجهة نظرى المتمثلة في أنّ :" مفهوم الدولة الدينية " ما يزال عندي من المتحرِّكات ! أعني بذلك ، أنّ تعريفات الدولة دستوريا ، تلك التي رَكَن إليها المُـنَقِّبون في الفكر السياسي منذ اسبرطة وطروادة وأثينا ، هيَ : أوتوقراطية /أوليغاركية/ديموقراطية ، يتّفق علي هذا الإجمال عدد كبير من المنظَّرين . ولعلّ مسألة تعريفات الدولة قد كانت من " غير المُـفَكَّر فيه " ، لدي كل من المسلمين الأُول ، شأنهم في ذلك شأن الدول التي كانت سائدة عصرئذٍ في فارس حيث ارتباط أىِّ " كسري أبرويز " بموبذان نار المجوس ، مُستلهما منه المدد الروحي لتقوية قبضته السياسية . كذلك ، كانت امبراطورية روما الشرقية التي درج " هرقل - هــا " دوما إلي استمداد كبير الطاقة الروحية من لدن كِبار الأساقفة الذين كان لهم القِدح المعلَّي في هيمنة الدين بالحِيَل وبالحروب مشفوعة بالإستكانة لرغبة الإمبراطور ورَفدِه بما يحتاج من أحابيل دينية ! لايقلِّون في ذلك عن تنابلة السلطان من فقهاء المسلمين علي مرِّ العصور .

    لقد فهمتُ من خلال مقالاتك أنّ الدولة الدينية ، إسلاميا ، انهزمت مع " علي بن أبي طالب " ، بما يعني أنّ دُول الخلافة الراشدة ، التي سبقته كانت دُولا دينية في سمتها وبيانها ! فهل يمكننا هاهنا إعطاء صفة "الدولة الدينية" لــدولة الخليفة الثالث بعد عامه السادس في الحكم (وقد قيل أنّ خـاتَم النبي صلي الله عليه وسلم ") قد طاح من إصبعه في بئر " أريس " التي تبعد مَيْلين عن المدينة ! فكانت حكومة عثمان بن عفّان في السِّت سنوات هذي ، بلاءا كبيرا علي المسلمين بما اكتنفها من مصائب وفِتَن ، ومثالا مُطابقا لِما تخوّف منه الفاروق بأنّه لو ولّي ابن عفان ، لَحَمـَل " بني مُعيط " علي رقاب المسلمين ، فلا يبرح ان تلتفت إليه العرب فتقتله ! ، بل وتحكي الروايات أنّ الفاروق قد أكمل هذا القول بِقَسَمٍ : "والله لوفعلتُ ، لفعَلْ ! ولو فعلْ لَفعَلوا !!" .. أهـ. .. وقد كان ! وكمثال علي تلك الفوضي ، فقد شكا أهل الكوفة والِيهم : الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، أخ الخليفة من الرضاعة ، لأمير المؤمنين وطالبوا بعزله واستشهدوا بأنّ الوليد قد صلّى بهم " الفجر " – وهو سكرانٌ ، ثلاث ركعات ! وحينما استوقفوه قال لهم: إنْ شئتُم زِدناكم !! .. ولم يعدم الوليد من يصوِّب رأيه في هذه الدولة الدينية ، كالحُطيئة بقوله :
    شَهِد الحطيئة يوم يلقي ربَّه ،،، أنّ الوليدَ أحقَّ بالعــذر !
    نادي وقد تمّت صـــلاتَهمُ ،،، أأزيدكم ! سُكرا ، وما يدري
    فأبوا، أبا وهبٍ، ولو أذنوا ،،، لقرَنتَ بين الشفع والوتـر
    كَفُّوا عنانك إذ جريتَ ولو ،،، تركوا عنانك لم تزل تجري !!

    عزيزي د. النور ،،
    في ظنِّي ، أنّ تعريف مفهوم الدولة الدينية الذي قدّمتَ به لهذا المبحث الفكري المتين ، مايزال في حاجة لبعض الإضاءات الكاشفة لعَتَماته ، لاسيما عند ربطه بالتجارب الحالية لدول مثل السودان وإيران والسعودية ، وكذلك ، بوضع تجارب الدولة الأموية وما تلاها من دول " تـَـغَـلـُّب ، ومُلكٍ عَضُوض " كَمـُقابِل لهذا المفهوم ، أى أنّها ، دولٌ قد نَجت من الوقوع في مِظَلَة " مفهوم الدولة الدينية " لـِتـَصبح أقرب لمفهوم الدولة الحديثة ..


    ولكَ خالص الود ،،/
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-02-2005, 02:11 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    العزيز، محمد أبو جودة

    أراك تعينني كثيرا في إجلاء ما غمض من طرحي، فلك جزيل الشكر.

    يقول محمد أركون في كتابه "العلمنة والدين":

    ((القول بأن هذه الحكومة أو تلك، في السياق المسيحي أو الإسلامي أو أي سياق آخر، مرتكزة على إرادة الله يعني السقوط في نوع من الخيال أو المُتَخَيَّل. ولكنه مُتَخَيَّلٌ ضروري بالطبع من أجل سير المجتمع وآلية اشتغاله. ولا يوجد أي مجتمع بشري يمارس دوره أو آليته بشكل مختلف، أي بدون تشكيل مُتَخَيَّل ما. فحتى النظام الجمهوري يحتاج إلى المتخيل، لكي تستقيم أموره. ولكن ينبغي أن نأخذ علما بهذه الحقيقة ونبرزها في دائرة الضوء عندما نتصدى لدراسة الروابط بين الدين والسياسة والمجتمع وتقييمها)).. انتهى نص أركون.

    الشاهد، كما أشرت سابقا، أن النظم الجمهورية في الغرب تسند في بعض شؤونها إلى مرجعيات دينية. فالأحزاب المحافظة التي تقف ضد الإجهاض، وضد الإستنساخ، وحتى ضد تنظيم النسل، وضد كثير من الأبحاث والخيارات، مثلا، إنما ترفع مفاهيم دينية في وجه ما يراه مخالفوهم في الرأي/ مجرد خيارات ديمقراطية للناس. وبالطبع فإنه من حق هذه الأحزاب أن تستند على مرجعية دينية، وتروج لقيم دينية تسند إلى تلك المرجعية، ما دام الفيصل، في نهاية المطاف، هو صندوق الإقتراع.

    غير أن الفارق بين ما يحدث عندهم، وما يحدث عندنا، هو أنهم يحتكمون إلى صناديق الإنتخاب في تمرير التشريعات سواء أن استندت إلى مرجعية دينية، أو إلى مرجعية علمانية ليبرالية. فالتشريعات التي تجيزها الأغلبية، حتى وإن كانت ذات مرجعية دينية، تحظى باحترام الأقلية المعارضة لها، وبالإمتثال لها. ولكن! فإنه من حق تلك الأقلية أن تعمل على مناهضة تلك التشاريع بالطرق الديمقراطية المشروعة، حتى تحرز الأغلبية التي تمكنها من تغيير تلك التشريعات من داخل البرلمان.

    أما نحن فتقوم من بيننا جماعة ما، مثل "جماعة الإنقاذ" أو أسرة ما، كأسرة "آل سعود"، لتقول لنا هذا "كلام الله"، وسوف نطبقه عليكم أردتم أو لم تريدوا!! فما يسمى هنا بـ "كلام الله" ليس سوى سيف يشهر في وجه الناس من أجل إرهابهم باستخدام سلطة السماء، بغرض تمرير الأجندة الخاصة بذلك الكيان المعين، سواء كان ذلك الكيان، "جماعة الإنقاذ" أو "آل سعود" مثلا.

    ما من شك أن الأستاذ محمود محمد طه يدعو إلى إقامة دولة دينية! ولكن يكمن الفرق في كونه إنما يدعو إلى دولة دينية طريقها الإقتناع وصندوق الإقتراع، وليس السيف أو الدبابة. فدولته دولة مقترحة يتوصل الناس إلى إقامتها حين يقتنعون بها، مستخدمين صندوق الإقتراع، حين يصبحون أغلبية. فالدولة الدينية المرفوضة من وجهة نظري، هي الدولة التي تفرض المفاهيم الدينية على الناس فرضا، بقوة السلاح، لا بقوة صندوق الإقتراع.

    الدولة الدينية التي عاشها المسلمون أثناء دولة الخلافة الراشدة لم تكن دولة ديمقراطية بالمفهوم العصري. فهي قد قامت على سلطة سماوية، وقد فرضت تلك السلطة السماوية، أو دعنا نقول، ما نطلق عليه مصطلح، أ لفظة "سلطة سماوية" على الناس فرضا. وكونها قد تم فرضها فرضا، لا يعيبها، في ذلك الإطار التاريخي بالذات. فقد كانت تلك هي طبيعة ذلك العصر. فذلك العصر هو عصر الملكية، وليس عصر الجمهورية.

    الفارق الباهر في التجربة الإسلامية التي مثلتها دولة الخلافة الراشدة، هو أن من كانوا على رأسها لم يكونوا ملوكا، أو أباطرة، وإنما كانوا أولياء أمور عاشوا بين الناس بكل الزهد، وبكل التقشف. فالسلطة والثروة لم تكن هي همهم من البقاء على هرم السلطة، وإنما تثبيت ما رأوه قيما واجبة التثبيت. وقد كان ذلك المثال مثالا نادرا في التاريخ الإنساني، ولذلك فإنه لم يعمر طويلا. ولسوف تكون لذلك الأنموذج البسيط، انعكاساته المستقبلية، ولكن في فضاء كوني جديد. ذلك الفضاء الجديد هو ما أشار إليه الأستاذ محمود محمد طه في مقارباته المختلفة، واشار إليه كثيرون آخرون ممن يعرفون مرحلية النظام الرأسمالي، ويعرفون استخدام الرأسمالية للسلطة والثروة من أجل تشييء الناس ودفن حسهم الإنساني، وصم آذانهم عن سماع صوت نداءات الروح المنبثقة من سويداء أفئدتهم. فوراثتنا للتجربة التاريخية الديمقراطية لأنظمة الحكم الغربية، هي التي جعلت مقاربتنا اليوم لموضوع "الدولة الدينية" مقاربة مختلفة.

    وبعبارات أوضح، فإنني أقف ضد مشروع الدولة الدينية. غير أن ذلك لا يعني أنني أقف، وبالضرورة ضد العمل على تجسيد كثير من القيم الدينية "الدستورية" في التشريع، باستخدام الوسائل الديمقراطية. فاستخدام الوسيلة الديمقراطية ينفي عن تلك القيم صفة "الديني"، بمعنى فرض القيمة على الناس فرضا، بغض النظر عن رغبتهم فيها، أو استيعابهم لها، أو إحساسهم بالحاجة إليها. وهذا ما من أجله قال الأستاذ محمود محمد طه إن الإسلام في المستوى الذي ندعو إليه، ليس دينا بالمعنى المألوف عن الأديان.

    هناك مدخلان تبسيطيان مخلان يتعاوران إدارة الصراع في قضية "العلمنة والدين". فالقول بأن المفاهيم الدينية مفاهيم قد خلفها التاريخ، وأن "العلمنة" هي الخيار "الحتمي" الوحيد المتبقي، مدخل تبسيطي. وقد جرب هذا المنحى الشيوعيون في التجربة الشيوعية التي انهارت في الإتحاد السوفيتي، وفي الصين، وفي كل الدول التي دارت في هذين الفلكين.

    كما أن القول بأن كل ما يكفل مصالح الناس موجود في الكتب المقدسة، وأنه ليس من حق الناس مناقشة "كلام الله" وأنما يجب الإذعان له فقط، من غير مناقشته، أو اخضاعه للإقتراع، قول تبسيطي أيضا. القضية هي قضية حق الناس في أن يختاروا التشريع الذي يناسبهم، والقيم التي تناسبهم مما يتضمنه التشريع. سواء كانت مرجعية تلك القيم مرجعية "نصية" "دينية" أو مرجعية "عقلانية" "علمانية". ويمكن للناس أن يختاروا الدين بالوسائل الديمقراطية. غير أن الذين يقدمون الدين اليوم، لا يملكون تصورا للدين يقبله الناس، وهم يعرفون ذلك، ولذلك فإنهم يختارون طريق الدبابة، وأجهزة المخابرات، وقمع الرأي المعارض، والإستحواذ على السلطة والثروة، وقفل الباب أمام النمو بكل صوره، المادية منها والمعنوية.

    حين أوشكت جماعة الإنقاذ الجزائرية في يالوصول إلى السلطة عن طريق الإنتخاب، بدأوا في التفلت. فأخذ بعضهم يذيع بأنهم لا يؤمنون حقيقة بالنظام الديمقراطي، وإنما سيستخدمونه للوصول للسلطة فقط. وحين يصلون إليها سوف يقفلون هذا الباب، مرة واحدة، وإلى الأبد!! الأمر الذي قاد المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى إلغاء الإنتخابات، مما ترتب عليه دخول الجزائر في مسلسل من العنف والعنف المضاد، لم يسبق له مثيل. وقد يحدث مثل هذه السيناريو في الأردن، أو في الكويت، أو في اليمن، أو في غيرها من دول المنطقة.

    والجبهة القومية الإسلامية السودانية، بقيادة الدكتور حسن الترابي، مارست الديمقراطية ثلاث مرات، من غير إيمان حقيقي بها. ولذلك فقد ظلت تعمل على تقويض الديمقراطية باستمرار، وعلى سلبها كل مصداقية لها وسط الجمهور، حتى تسقط غير مأسوف عليها. وهذا هو ما مكنهم من تسلم السلطة في عام 1989 عن طريق الإنقلاب، الذي تم بسهولة لم يسبق لها مثيل. ولم يترددوا حين وصلوا إلى السلطة من قفل باب الديمقراطية قفلا نهائيا. بل ذهبوا لضمان عدم عودتها مذاهب لم يسبقهم عليها أحد. فقضوا على العمل النقابي، قضاء مبرما. وتخلصوا من كل معارض لهم في الجبش والشرطة، وسائر الأجهزة الأكنية. كما شردوا القوى العاملة، ففصلوا مئات الآلاف من الخدمة العامة. كما غيروا الجهاز القضائي. وقضوا على منظمات المجتمع المدني، وعذبوا كل الناشطين في مجالات السياسة وحقوق المواطنة. واستهانوا بالفكر والمفكرين وهمشوا كل صوت لا يتغنى بنشيدهم. ودفعوا السودانيين لموجات من الهجرة لم يعرفها تاريخ السودان الحديث. وظنوا أنه "التمكين" الذي لن تتلوه زعزعة.

    ولكن أنظر حال المشروع الذي أزهقت فيه الأرواح بالملايين، وما آل إليه، في نهاية المطاف! ((ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين)).!

    أرجو أن يكون في هذه العجالة بعض جلاء لما أردتني أن أجليه.
    وتقبل كثير شكري وعميق تقديري.


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-02-2005, 04:38 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    تحية طيبة أخي / دكتور النور حمد ،،


    وشكرا علي هذا الجلاء والاشارات المُجَـلِّـية بدورها ، سواءٌ تلك المقتبسة من أفكار وآراء الاستاذ محمود محمد طه ، ومحمد أركون وفرج السوّاح ، أو تلك الإشارات الواردة في بدايات هذا الخيط عن " البراغماتية " ممـّا أتاح لي ، علي النطاق الشخصي ، وبالضرورة أتاح لكثيرٍ من المتابعين، سهولة الاستزادة من مواقع البراغماتية علي الشبكة العالمية، والتي تتصدّرها صورة " William James " . في حقيقة الامر ، إنّني مُتـِّفق مع الخط العام لهذه السلسلة من المقالات فيما تهدف إليه من تنوير بضرورة رفض مشروع "الدولة الدينية " و بالتالي ، التمسـُّك بالمفهوم المترادف له : " فَصْل الدين عن الدولة – علي الأقل في حالتنا السودانية الراهنة - لـِما ثَبـَتَ بالدليل القاطع وشواهد الحال غير المُجادَل فيها إلآ لذوي الظِّنَّة! ، أنّ تطبيقات الدولة الدينية الاسلامية من لدن سنوات الخليفة الثالث عثمان بن عفّان ، الذي رفض الإنتصاف الذي دعاه له فُقهاء الصحابة في عهده بإعتزال الأمر حينما ارتـُّجَّ عليه ! ليقول قولته المشهورة ( لا أخلع قميصا ألبسنيه الله تعالي ) ، مرورا بِـدُوَل " الملك العضوض " في بني أمية وبني العباس والفاطميين والمرابطين والموحِّدين والسلاجقة والغزنويين والأيوبيين فالمماليك فالعثمانيين وغيرهم من دول السلاطين الغالبة بالعصبية والصولجان والفلتان ؛ وحتي دُويلات اليوم ، التي يتفاخر بعضها بأنه دولة دينية وما هيَ إلآ دولٌ أُسَرية! ، ويُكابر الآخر في الإقرار بأنهم " دولة دينية " ويتكاذبون – كدأبهم !- بنصوصهم الدستورية ، مهدورة المعني !، والتي تُعلِّي من رايات " المواطنة " كأساس للحقوق والواجبات ..! ولكنّها ، للحق ، ترزح في دوائر الأشر والبطر والإقصاء والإستعلاء ، في غير علو!، كما هو الحال عند حكومة الجبهة الحالية في سوداننا ..

    لا يفوت عليّ أن استثني ، سنوات الخلافة الراشدة في عهد العُمرين بما يقارب ثلاثة عشر عاما ، و أربعُ سنوات في إمارة المؤمنين لإبن أبي طالب ، مع الاخذ في الاعتبار " إستثنائية السياق الظرفي الذي جاء فيه " على بن ابي طالب " . فبالرغم من أنها كانت دُولا دينية ، وكان العصرُ ، للملكيات ، أو بالأحري للإمبراطوريات ، ولم يحِنْ بعدُ زمان الجمهوريات ؛ إلآ أنّها ، في اعتقادي ، كانت دُولا ذات أُفق سياسي مفتوح ، وقابِل للوصول لبَرِّ الأمان في استناد التشريع الحُكمي علي مفهوم " الاُمة ، هىَ مصدر السُّـــلـُـطات " ، وبالضرورة ، أنّ " مـُتـَـخَـيل " تلك الامة ، لم يكن غير الاعتقاد السماوى في ريعانه الاوّلي ، ولطافته التي لم تتكاثف عجينتها باللَّتِّ الذي أعقب ّ! .. وهنا أقتبس من تعقيبك الوافي أعلاه ، كلام محمد أركون : (القول بأن هذه الحكومة أو تلك، في السياق المسيحي أو الإسلامي أو أي سياق آخر، مرتكزة على إرادة الله يعني السقوط في نوع من الخيال أو المُتَخَيَّل. ولكنه مُتَخَيَّلٌ ضروري بالطبع من أجل سير المجتمع وآلية اشتغاله. ولا يوجد أي مجتمع بشري يمارس دوره أو آليته بشكل مختلف، أي بدون تشكيل مُتَخَيَّل ما.) . ، وفي رأيِّ ، أن كلمة " السقوط " هذه غير مُستساغة ، طالما أنّ هذا المتخيل ، من طبائع الاشياء ..

    تأكيدا للمعني أعلاه ، فإنّي أوافقك تماما في الفقرة التي أوردتـَها كمايلي ، أو دعنا نقول، ما نطلق عليه مصطلح،أو لفظة "سلطة سماوية" على الناس فرضا. وكونها قد تم فرضها فرضا، لا يعيبها، في ذلك الإطار التاريخي بالذات. فقد كانت تلك هي طبيعة ذلك العصر. فذلك العصر هو عصر الملكية، وليس عصر الجمهورية. الفارق الباهر في التجربة الإسلامية التي مثلتها دولة الخلافة الراشدة، هو أن من كانوا على رأسها لم يكونوا ملوكا، أو أباطرة، وإنما كانوا أولياء أمور عاشوا بين الناس بكل الزهد، وبكل التقشف. فالسلطة والثروة لم تكن هي همهم من البقاء على هرم السلطة، وإنما تثبيت ما رأوه قيما واجبة التثبيت)

    في اعتقادي ، أنّ عبرة تعريف الدولة بأنها " دينية " في معرض إظهار سلبيات هذا المفهوم ، ينبغي أن تتحدّد بمعيار واضح ، كأن يتم محاكمة "الشـِّعار " المرفوع للدول الزّاعمة أنّها دينية ، على قاعدة " العبرة بالنتائج في مجال عمارة الأرض وترقية حياة الإنسان بما تشمل من أخلاقيات عالية ويـُسر في الحياة تكفُــله آيات التكريم لبني الإنسان ، وحـَمـْلهم في البّرِّ والبحر " ، وفي هذه الحالة تسقط الهالة عن بني أمية والعباّسية وآل سعود وطالبان والخمينيين وجماعة الانقاذ بزعمهم! .. كما يُمكن اجتراح معيار قـِيـَمي للدولة " الدينية " في معرض إظهار إيجابيات هذا المفهوم ،يُـقَـوَّم فيها هذا المعيار على حَسَبْ ما تقوم عليه من ركائز وسـُلطة سماوية ، النّص المقدّس فيها ، غير مـُحْــتَــكَــر التأويل بأيدى مَـنْ يــــُـســَـمـَّوْنَ بــــــــ" أهل الحَلِّ والعَـقـْــدْ " ..

    وبشيئ من IF 3 ، لو غـُيض لكلِّ من العـُمرين أو إبن أبي طالب ، أن تستمر إمارته لعدد مساوٍ لسنوات معاوية أو عبدالملك أو المنصور ، أكـُنــَّا سنكون في هذا الـــ " حيص بيص " الآن ؟؟

    ولك عظيم تقديري وشكري ،،

    وبأمل مواصلة السياحة في هذا الخيط الثمين ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-02-2005, 00:57 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    الأخ الكريم محمد أبو جودة

    شكرا على المواصلة وعلى ملاحظاتك الباعثة على التأمل، والمثرية للحوار.

    أوافقك الرأي أن عبارة "سقوط" عبارة غير مناسبة في هذا المقام. والحقيقة أن كتاب محمد أركون "الدين والعلمنة" هو عبارة عن محاضرة لأركون، وقد تمت المحاضرة باللغة الفرنسية، وقد ترجمها المترجم المشهور، هاشم صالح، وجرى إخراجها في هذا الكتاب. فاستخدام عبارة مثل "استخدام المتخيل"، أو "الإرتفاق بالمتخيل"، ربما كانت أنسب من استخدام "السقوط" في المتخيل. خاصة أن أركون قد أردف قائلا أن هذا "السقوط" ضروري، وحتى الدول العلمانية تعتمد "المتخيل" وتشرعن به أمورا كثيرة.

    عموما، ليس لي تعقيبب على كل ما تفضلت به، إذ أنني أوافقك على كل ما قلته. غير أن سؤالك الأخير الذي أسمينه، بالـ (If 3 ). وربما لا يعرف أهل الأجيال الجديدة عبارة الـ (If 3 ( فهي من كتاب قواعد اللغة الإنجليزية القديم الذي كان يدرس في رابعة وسطى على ما أذكر في الزمن السابق لسلم محي الدين صابر التعليمي. وهي تعني if الإفتراضية، أو المستحيلة. مثل If I were a river. الشاهد أن سؤالك الذي قلت فيه:

    ((وبشيئ من IF 3 ، لو غـُيض لكلِّ من العـُمرين أو إبن أبي طالب ، أن تستمر إمارته لعدد مساوٍ لسنوات معاوية أو عبدالملك أو المنصور ، أكـُنــَّا سنكون في هذا الـــ " حيص بيص " الآن ؟؟ )) .. انتهى.

    سؤال طريف، ومشروع، ويدخل في جوهر ما نحن بصدده. فالوجوديين، مثلا، يقولون ما معناه، كون أن الشيء لم يحدث فعلا، يمثل دليلا على أن إمكانية حدوثه لم تتوفر.

    في الحلقات السابعة والثامنة التي سوف تظهر تباعا بصحيفة الأضواء في يوم الإثنين المقبل والذي يليه، استعرضت رؤية الدكتور محمد عمارة لحالة البعثة الأولى بوصفها حالة ثورية إشتراكية لم يكن الواقع مهيأ لها. ولعل من المناسب أن نشير إلى أن حروب الردة قد قامت بسبب الزكاة. قال الذين ارتدوا: ((والله لنشهد، ونصوم، ونصلي، ونحج، ولكننا لا نؤتي أموالنا!! إنها الجزية والله)). فقال أبو بكر: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .. والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه)). وقد كان أن قاتلهم حتى أرجعهم إلى الحظيرة. فقُتل من قُتل وحيي من حيي. فأعراب الجزيرة العربية، في عموم حالهم، في ذلك الوقت، لم يكونوا مهيأين لإعتبار حق الفقير في أموالهم. وكانوا بعيدين عن تلك الحالة الإشتراكية التي كان عليها النبي الكريم، وصاحباه أبوبكر وعمر.

    ذلك التخلف الأخلاقي من جانب الرعية هو الذي عصف بدولة الخلافة وبقيمها، وبسرعة شديدة. وهو الذي حول الأمر إلى إمبراطورية كسروية. ووصف "كسروية" هذا، وصف استخدمه كبار الأصحاب لتصوير ما آل إليه شأن الخلافة في نهايات حكم عثمان. أستخدموا عبارة "كسروية" في الرسالة التي بعثوا بها إلى أهل الأمصار طالبين منهم ازحف على حاضرة الخلافة الإسلامية للضغط على الخليفة عثمان بن عفان لكي يخلع نفسه. ولربما كان من المدهش أن يكون ذلك التخلف الأخلاقي الذي يهتم بالجمع والكنز، والوجاهة، ويرفض القتاعة بالقليل، والزهد، ويرفض إشراك الآخرين فيما يملك، هو الذي تسبب في قيام الإمبراطورية المتسعة التي مثلت قمة التقدم الحضاري في العالم القائم آنذاك.

    في تقديري، ولك حق الخلاف معي بطبيعة الحال، لو قدر لعمر وعلي أن يحكما طويلا، وتلك فرضية قد أخرجها التاريخ عمليا من المعادلة، بطبيعة الحال، وأصبحت من ثم if 3. لو حدث ذلك ربما لم يصل المد الحضاري المدى الذي وصل إليه. وأعنى هنا الحركة الفكرية التي خرجت من قيد التصور الديني، وانفتحت على فلسفة اليونان وعلومهم. هذا المد الحضاري الكبير هو الذي شكل في نهاية تداعياته خميرة النهضة الأوروبية في منتصف الألفية الميلادية الثانية. تلك النهضة التي استمرت ليتوحد عليها الكوكب جغرافيا، وبشكل غير مسبوق في القرن العشرين.
    وأحب أن أسمع منك في هذا، أيضا.
    ولك كثير الود، والتقدير، والإعزاز.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-02-2005, 03:18 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 09-12-2002
مجموع المشاركات: 26623

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-02-2005, 07:27 AM

شتات
<aشتات
تاريخ التسجيل: 03-05-2003
مجموع المشاركات: 1160

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Yasir Elsharif)

    الأخ العزيز د. النور
    التحية لك وأنت تنقِّب بمهارة في مفاهيم البراجماتية .. الأيديولوجيا .. الرأسمالية .. الاشتراكية .. الواقع .. المثال .. الدين .. العلمانية .. في حوار كنَّا قد لامسنا بعض جوانبه في مدينة الرياض في يومٍ ما ..
    الفلسفة البراجماتية هي التي توجِّه السياسة والاقتصاد وحتى حركة المجتمع في الغرب وفي كثير من أجزاء العالم اليوم نتيجة لإيقاع الحياة السريع وضيق الفرص والموارد وأهمية الزمن واستثماره . وهي كما تفضلت لا تعني الانتهازية ولكنها لا تخلو في ممارستها في بعض الأحيان من الميكيافيلية ولكنها ليست سمة ملازمة لها ، وهو البعد الأخلاقي الذي أشار اليه الأستاذ الخاتم عدلان ، وهو ما افتقدته الدولة الأموية رغم أنها بغير وعي من حكامها قد ساهمت في دفع حركة التاريخ وانتقلت بالدولة الإسلامية إلى آفاق أرحب في العلوم ونظام الإدارة واتساع رقعة الدولة . ولعل هذا الحال يتطابق مع ذكره نيتشه أن التاريخ لا يتقدم أحياناً إلا من أسوأ أبوابه ، أو "مملكة الضرورة" التي تسبق وتمهِّد إلى "مملكة الحرية" ، وكذلك ما أشار أليه الكثير من الفلاسفة أن الطغاة يخدمون أحياناً مشيئة الرب ، أي دفع حركة التاريخ إلى الأمام . فبنو أمية انحرفوا عن جادة الحق في كثير من الأحيان دون وازع أخلاقي وتسببوا في كثير من المظالم والمآسي لكثير من الناس وهو ما ينطبق أيضاً عليه قول نجيب محفوظ عندما قال "إن ما تذخر به حياتنا من آلام ومآسي وأحزان ما هو إلا النفايات الضرورية للبناء الكوني في شموخه العظيم" ، وأعتقد أن الأمر هنا يقودنا أيضاً إلى العلاقة بين "الرضا والإرادة" وبين الفاعل المباشر والفاعل غير المباشر .
    والبراجماتية التى يجب علينا أن نتمثلها هنا هي القراءة الواقعية لحياتنا الاجتماعية والفكرية والتي يمكن أن نتجاوز بها سلطة النص وقدسية التاريخ حتى نشارك في البناء الإنساني ونقدم الإسلام في قالب حضاري ليكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان ، ولن يكون كذلك إلا بفهم وتفسير مفتوح على الآفاق بعيداً عن الانغلاق والجمود ، فالإسلام كما تفضلت ثقافة إنسانية وأسلوب حضاري متميز ورسالة مفتوحة تستوعب كل مناحي الحياة بشقيها المادي والروحي . ويحضرني هنا كتاب قيِّم هو "الكونية الجذرية" Radical Universalism لكاتبه فريد هاليداي والذي يدافع فيه عن وجود منظومة قيم عالمية مشتركة تتفق عليها الحضارات والأديان كمرجعية ونظام معياري يحددان أنماط العلاقات على أسس تعاونية من دون الانجرار إلى مثالية طوباوية ، مع تأكيده الدائم على السمة الواقعية للكونية الجذرية التي ينادي بها ، ويقول أن جوهر هذه الكونية ومكوناتها الرئيسية ليست نتاج التفكير الغربي حصراً ، بل الفكر الإنساني بعمومه الذي ساهمت فيه وما تزال كل ثقافات العالم ، سواءً راهناً أو عبر قرون التاريخ الطويلة .
    ولعل في حادثة صلح الحديبية ما يؤكد على الإيجابية والتعامل الواقعي العملي مع الظروف حيث طلب الرسول (ص) من سيدنا علي بن أبي طالب أثناء كتابة الوثيقة مع سهيل بن عمرو أن يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله مع سهيل بن عمرو" فرفض سهيل وقال للرسول (ص) بل أكتب باسمك اللهم فنحن لا ندري ما الرحمن ، وأكتب هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو فلو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك ، وهنا طلب الرسول (ص) من سيدنا علي أن يمسحها فرفض علي قائلاً والله لا أمسحها ، فمسحها الرسول (ص) بنفسه . ولعل في ذلك إشارة واضحة تؤكد تجاوز الرسول (ص) للتفاصيل الإجرائية والمسميات رغم قدسيتها من أجل إدراك الغايات والمقاصد العليا ووافق على شروط الصلح رغم ما رآه بعض الصحابة ظلماً فكان صلح الحديبية وكان فتح مكة .
    وفي اعتقادي أن سيدنا عمر بن الخطاب نموذج حقيقي للقائد البراجماتي العملي الذي لا يتوقف في حدود الأيديولوجيا والمثال ولا يتقيد فقط بظاهر النصوص ، وهو أول من سعى لتطوير التشريع بما تقتضيه الضرورة الاجتماعية والمنفعة العامة حيث عطَّل حد السرقة في عام الرمادة نتيجة للفجوة الغذائية وأعاد توزيع الفيء حتى يكون المال دولة بين الناس ومنع أصحابه من الزواج من فاتنات فارس والروم حتى لا يهجر أصحابة الزواج من نساء الجزيرة العربية ويتحول الأمر إلى أزمة اجتماعية. وغيرها من نصوص الشريعة كان يتمنى أن يمتد به العمر ليعيد النظر فيها ، ولعمري هذا ما نحن أحوج إليه أكثر من أي وقت مضى .

    الشكر كل الشكر أخي العزيز النور .. وأتمنى أن يستمر التواصل بيننا على صراط المعرفة وهدى الحق .
    وتقبل أطيب تحياتي .. ولك مني كل الود ..
    والتحية والشكر أيضاً للأخ فيصل صالح ..
    ولي عودة أخرى إن شاء الله .

    صلاح / شتات

    (عدل بواسطة شتات on 15-02-2005, 07:36 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-02-2005, 09:25 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: شتات)

    العزيز ياسر
    سرني أنك متابع ومستمتع بهذا الخيط. وشكرا على المساهمة التي أوردتها عن الكاتب الهولندي.

    العزيز صلاح شتات

    لا أزال أذكر حوارات الرياض وأيامنا العامرة بالفكر على قلتها.
    كيف حالك وكيف حال الصديق عثمان عبد القادر؟
    أرجو إبلاغه تحياتي.

    شكرا على المساهمة القيمة التي أوضحت بها كثيرا مما أرمي إليه. وأحب أن أنقل عن قولك:

    Quote: وهي كما تفضلت لا تعني الانتهازية ولكنها لا تخلو في ممارستها في بعض الأحيان من الميكيافيلية ولكنها ليست سمة ملازمة لها، وهو البعد الأخلاقي الذي أشار اليه الأستاذ الخاتم عدلان، وهو ما افتقدته الدولة الأموية رغم أنها بغير وعي من حكامها قد ساهمت في دفع حركة التاريخ وانتقلت بالدولة الإسلامية إلى آفاق أرحب في العلوم ونظام الإدارة واتساع رقعة الدولة. ولعل هذا الحال يتطابق مع ذكره نيتشه أن التاريخ لا يتقدم أحياناً إلا من أسوأ أبوابه، أو "مملكة الضرورة" التي تسبق وتمهِّد إلى "مملكة الحرية"، وكذلك ما أشار أليه الكثير من الفلاسفة أن الطغاة يخدمون أحياناً مشيئة الرب، أي دفع حركة التاريخ إلى الأمام. فبنو أمية انحرفوا عن جادة الحق في كثير من الأحيان دون وازع أخلاقي وتسببوا في كثير من المظالم والمآسي لكثير من الناس وهو ما ينطبق أيضاً عليه قول نجيب محفوظ عندما قال "إن ما تذخر به حياتنا من آلام ومآسي وأحزان ما هو إلا النفايات الضرورية للبناء الكوني في شموخه العظيم"، وأعتقد أن الأمر هنا يقودنا أيضاً إلى العلاقة بين "الرضا والإرادة" وبين الفاعل المباشر والفاعل غير المباشر .

    والبراجماتية التى يجب علينا أن نتمثلها هنا هي القراءة الواقعية لحياتنا الاجتماعية والفكرية والتي يمكن أن نتجاوز بها سلطة النص وقدسية التاريخ حتى نشارك في البناء الإنساني ونقدم الإسلام في قالب حضاري ليكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، ولن يكون كذلك إلا بفهم وتفسير مفتوح على الآفاق بعيداً عن الانغلاق والجمود، فالإسلام كما تفضلت ثقافة إنسانية وأسلوب حضاري متميز ورسالة مفتوحة تستوعب كل مناحي الحياة بشقيها المادي والروحي .


    وأرى أن إشارتك إلى تنازل النبي عن عبارة "محمد رسول الله" من أجل إمضاء الصلح، ونزولا على رغبة خصومه، إشارة حصيفة. فقد كان ذلك موقفا براغماتيا واضحا. فالنبي تنازل مؤقتا عما يراه حقا من أجل تحقيق مصلحة يمثلها إمضاء ذلك العهد الرامي إلى الصلح.

    ويمكن القول أيضا أن نسخ الأصول بالفروع ـ وهو مفهوم أوضحه بجلاء شديد، الأستاذ محمود محمد طه ـ قد مثل حين جرى في القرن السابع الميلادي قد مثل منحى براغماتيا. فقد غيرت الدعوة نهجها في التسامح القائم على الآيات الداعية إلىالتسامح، وإلى عدم رد العنف، بآيات القتال. فقد ظل النبي الكريم يدعو أهل مكة بالحسنى لثلاثة عشرة عاما. ويأمر أصحابه بتحمل الأذي، وبعدم الرد. وهذه هي الأصول السامقة، والثابتة للدعوة الإسلامية، في جوهرها. غير أن الواقع أثبت عمليا أنه لم يكن مهيأ لذلك المستوى من الدعوة.

    لو استمر التمسك بالدعوة على مستوى الأصول، واستمر الثبات على مبدأ الإسماح، الذي قرره القرآن المكي، وبقي المؤمنون الأوائل على تقبل العنف وعدم الرد عليه، لربما لم تتمكن الدعوة من أن ترى النور أبدا. ولربما قضى النفر القليل الذي آمن من الأصحاب تحت وطأة التعذيب، وبقي بقية الناس بعيدا عن الدعوة خوف أن يلقوا نفس المصير. ولذلك فقد تم نسخ الأصول القائمة على الإسماح وجرى استبدالها بآيات القتال.

    ولا يغير في نتيجة هذه النقلة الكبيرة كون أن ذلك التغيير قد جاء به الوحي، ـ أعني مجيء الوحي بأمر النسخ ـ أو كون أن الواقع العملي هو الذي فرض تلك النقلة. فالنتيجة سيان، وهي التصدي العملي للواقع القائم، بالصورة التي تبقي على الدعوة، فلا يذهب بريحها عنف المعارضين. فقد تم غض النظر مرحليا عن القيمة الجوهرية المتثلة في الإسماح. وتحول الإسلام إلى فرض عقيدته على الناس فرضا بحد السيف. وقد كانت آية السيف هي الآية التي نسخت كل آيات الإسماح، كما يورد إبن كثير. ونص آية السيف: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، وأحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم..)). وبناء على هذه الآية جاء الحديث النبوي القائل: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... فإن فعلوا، عصموا مني أموالهم إلا بحقها، وأمرهم إلى الله)). النزول من الدعوة بالإسماح، إلى حمل الناس على العقيدة بالإكراه، مثل أول وأكبر حدث براغماتي في مسار الدعوة الإسلامية!

    وإشارتك إلى مفهومي "الرضا" و"الإرادة" كما أبانهما الأستاذ محمود محمد طه، إشارة موفقة جدا. وقد عبر عن هذين المفهومين الأستاذ محمود محمد طه، في أماكن أخرى بعبارتي، "الشريعة" و"الحقيقة". فالنص يمثل الشريعة في عموم الأمر، وواقع الحال، وما عليه حال الناس، يمثل الحقيقة.

    (عدل بواسطة Dr.Elnour Hamad on 15-02-2005, 09:26 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-02-2005, 02:18 PM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    تحية للجميع ،،

    شكرا استاذنا د. النور ،، علي هذا التناول البديع لهذه القضايا الحيوية الماسَّـة ، وأقبـلُ ، بكل رحابة الصدر ، ومشورة الرأس ، بيانك الجميل : [في تقديري، ولك حق الخلاف معي بطبيعة الحال، لو قدر لعمر وعلي أن يحكما طويلا، وتلك فرضية قد أخرجها التاريخ عمليا من المعادلة، بطبيعة الحال، وأصبحت من ثم if 3. لو حدث ذلك ربما لم يصل المد الحضاري المدى الذي وصل إليه. وأعنى هنا الحركة الفكرية التي خرجت من قيد التصور الديني، وانفتحت على فلسفة اليونان وعلومهم. هذا المد الحضاري الكبير هو الذي شكل في نهاية تداعياته خميرة النهضة الأوروبية في منتصف الألفية الميلادية الثانية. تلك النهضة التي استمرت ليتوحد عليها الكوكب جغرافيا، وبشكل غير مسبوق في القرن العشرين. ] .. مع احتفاظي بحقّي في إبداء وجهة نظري ، لاحقا ، تحديدا بعد قراءتي للحلقة القادمة من سلسلة هذه المقالات ..

    أسعدني كثيرا توضيحك لحالة ال if 3 ، للأجيال الجديدة ، وذكّرني بروائع بنات " برونتي " في كلاسيكيات الأدب الإنجليزي ، إيميــلي واختها شارلوت في Jane Eyre و Wethering Hights ، متزامنة مع (coincidently) مع كنوز الملك سليمان و آلان كواترمين لــ Sir Rider Hagard ومن بعد" Pride & Predujice" ،رائعةJane Austins ،فقد كان الزمان خصيبا ، نوعا مـا ، بلا أىّ مقارنة مع حال هذي الأيام سريعة الوقع والوجـــعِ ..

    تحيتي لك وللاخ د. ياسر وللأخ شتات ولكل المتداخلين/ات ..

    مع وافر الاحترام والود ،،/
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2005, 03:07 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:
    بين البراغماتية كفلسفة والبراغماتية كموقف لحظي
    (6)


    بغيتي من وراء هذه المقالات المسلسلة ليست قطعا الإتيان بإجابات شافية، في شأن جدلية النظرية والواقع. وإنما محاولة توسيع ماعون التساؤلات التي لا سبيل بغيرها إلى بلورة مفهوم فاحص لصورة التاريخ ومحو الأوهام التي راكمتها الروايات التاريخية المؤدلجة والمنحازة. فغرضي الأساسي هو إعادة الإعتبار للأخذ بعنصر الواقع على ضوء ما يبنيه ذلك الواقع عمليا، ومساءلة غلواء التمسك الأعمى بصورة المثال الأخلاقي المعلقة في الهواء.

    المرونة في فهم حركة الواقع وقبوله والبناء على ما تخلقه آلياته المعقدة الكثيرة والمتشابكة، أكفا في تقديري في مضمار الإسراع بالتغيير نحو الأحسن من مجرد التمسك الأعمى بالمبدأ والتعويل على التثوير والإقتلاع من الجذور. ولربما أعرض مستقبلا لمثال الحركة الشعبية بوصفها نموذجا للمسلك البراغماتي المتعقل، بإزاء حركة التجمع الوطني الديمقراطي في تشرذماته المختلفة التي ظلت تتمسح بالإمساك بما تراه مبادئ لا يمكن الحياد عنها، حتى فاتها قطار الواقع فأخذت في الركض لاهثة وراءه.

    البراغماتية في بعدها الفلسفي تتطابق والواقعية. فهي تنتهج المرونة والقبول بما هو ممكن ومتاح في الظرف المعين مع غض النظر ولو مرحليا عن صورة المثال المطلوب. وما من شك أن صورة المثال تنير عتمة الواقع، ولكنها لا تقوم بديلا عنه في كل لحظة تاريخية. فاللحظات التاريخية سيرورة متحولة تطلب المثال، لكنها لا تبتلعه أو تتشربه جملة واحدة.

    في أفق العرفان الصوفي، ورد تعريف شفيف للحقيقة في أبيات عرفانية وردت في قصيدة كتبها شاعر الجمهوريين الأستاذ عوض الكريم موسى، وهي أبيات كان الأستاذ محمود محمد طه يكثر من تردادها. تقول تلك الأبيات:

    سر الحقيقة في خفا
    هو مقتضى فرط الجلاء
    وأتى بها خبر السماء:
    هي ما عليه العالمون!!

    ما فهمته من تلك الأبيات، ومن ما استولده الأستاذ محمود محمد طه منها من معان سمعتها مرارا في جلسات ومناسبات كثيرة، أن الحقيقة ربما تخفى بسبب فرط جلائها. فالحقيقة لدى ذوي البصائر هي ما عليه العالمون من الهدى والضلال. وقد فهم ذلك المتصوفة على نحو عميق واستلهموه في تجاربهم وفي تعاملهم مع خلق الله وخاصة قبولهم للناس على علاتهم. وكانوا دائما ما يقولون: "دعوا الخلق للخالق". وهذا موقف براغماتي يرى أن الحقيقة ليست سوى هذا الواقع الذي نراه بخيره وشره. كان الصوفية يعملون على تغيير الناس ويحرصون على ذلك ولكنهم كانوا بفعلون ذلك في اعتدال وبغير قسر وكانوا ينجحون حين يفشل الآخرون!!

    بعبارة أخرى، علينا ألا نرى الأمور فقط بعين حاجتنا ورغبتنا وحدها وإنما يجب أيضا أن نحتفظ بإحدى نوافذ وعينا مفتوحة، لنتمكن من خلالها أيضا من الرؤية، بعين الوجود الكلية، بقدر ما نستطيع. يجب أن يكون ذهننا مفتوحا لإحتمال أن تكون لروح الوجود خطة أخرى بخلاف خطتنا التي أعددناها. والقدرة على القيام بمثل هذه المزواجة بين ما نبنيه نحن ونعمل على إنفاذه وبين ما يطرحه الواقع ويفرضه علينا فرضا، ليست بالأمر الهين. فمن أجل مثل هذه الرؤية التوليفية الجامعة التي ((تغطِّس الزانة وتطِّفح المسحانة)) زهد المتصوفة في متاع الدنيا وهاموا في الفلوات، وصمدوا في الخلوات.

    قد يتماهي الواقع مع المثال إلى حد ما، في فترة زمنية ما، غير أنه لابد للواقع أيضا من أن ينفلت من صورة المثال. وهذا ما حدث لدولة المدينة على عهد النبي والشيخين. والتطور هو سنة الله في الوجود المنظور منه وغير المنظور، والمحسوس منه وغير المحسوس. وليس للمثال صورة واحدة. فالمثال صناعة بشرية، في معنى أن المعنى من حيث هو صناعة بشرية. فالإنسان كائن كلف بخلق المعنى. ولابد من الإشارة إلى أن المثال لا يبقى على صورة واحدة، وإنما يتسع باتساع حاجات البشر وباتساع مداركهم أيضا. والحقيقة بمعنى هذا الواقع ربما جسدها الراهن والمتشكل في الواقع العملي، بأكثر مما يجسدها سرحان الأخيلة وتشهياتها العالقة بصورة المثال.

    البراغماتية كفلسفة ليست كليا صنوا للإنتهازية كما شاع عنها كثيرا. وفي تقديري أن الآيديولوجيين هم الذين وصموها بهذه الوصمة لإبعادها من طريق تصوراتهم القاصدة إلى انزال المثال جملة واحدة، وكبسه جملة واحدة أيضا في جبة الواقع. ومن بين هؤلاء الأيديولوجيين الشيوعيون مثلا. ومن بينهم أيضا المتدينون الذين يتصورون ملكوت السموات تصورا قاصرا ويريدون مع ذلك أن ينزلوه إلى أرض الناس في يوم واحد. ولا أقول هنا إن البراغماتية بلا مثالب، وإنما أقول أن النهج البراغماتي أو الواقعي يكون خيارا لا مناص عنه في كثير من الأحيان.

    بالإضافة لما أوردته سابقا عن تعريف البراغماتية كما ورد في قاموس كيمبردج الفلسفي فقد ورد عنها أيضا: ((هي فلسفة تشدد على أهمية العلاقة بين النظرية و"البراكسيس" praxis ، (كلمة براكسيس مأخوذة من اليونانيةprasso وتعني الفعل والإستجابة العملية) وبهذا فإن البراغماتية تأخذ في الإعتبار استمرارية التجربة والطبيعة، كما يجسدهما ناتج الفعل المباشر، كنقطة ارتكاز لبداية التأمل والتفكر. فالتجربة هي محصلة التعامل المستمر بين العضويات organisms وبين بيئتها. وعلى سبيل المثال فإن هذا الفهم يرى أن الذات والموضوع مشمولين ومحاط بهما معا في هذه السيرورة ....... وبناء عليه فإن المعرفة يتم توجيهها إما بالمصالح أو بالقيم. وبما أن طبيعة الأشياء لا يمكن تعريفها بشكل سابق للتجربة، فإن دعاوى تملك الحقيقة يمكن إقامتها فقط بناء على الأحوال المتحققة عمليا التي فرضتها التجربة.)) انتهى. (الترجمة من عندي).

    وقد ورد في نفس القاموس بعض الأمثلة للتطبيقات العملية للبراغماتية في التجربة الأمريكية، أورد منها على سبيل المثال: ((النمو الأصلي للبراغماتية عبر أنظمة المعرفة المختلفة استمر متمثلا في تأثيرها على مجال الإنسانيات humanities. فمثلا، أوليفر ويندل هولمز الأصغر، عضو النادي الميتافيزيقي، والذي أصبح لاحقا قاضي بالمحكمة العليا الأمريكية طور نظرية براغماتية في القانون. ومن ذلك أيضا مبدأ بيرس للبراغماتية والذي أضحى به فهم المعنى مرتكزا على التأثيرات القابلة للإستيعاب، يضاف إلى ذلك أيضا نظريته الثلاثية عن العلامات signs التي تطورت إلى ما عُرف لاحقا بحقل السيميوطيقا. أيضا، فإن مبادئ علم النفس لوليام جيمس (1890) لم تقف عند حد تأسيس علم النفس التجريبي في أمريكا الشمالية، وإنما نقلت الإنتباه الفلسفي بعيدا عن التحليلات المجرد للعقلانية ووضعته في وجهة التركيز على استمرارية البايولوجي والعقلي ........ كما أن نظرية ميد عن بروز النفس والعقل في الفعل الإجتماعي، وتحليلات جون ديوي لعلاقة الفرد والمجتمع أثَّرَتَا على حقل العلوم الإنسانية. فنظرية جون ديوي عن التعليم القاصد إلى ترقية المجتمع والتي تم بناؤها على نظرية مراحل النمو السايكولوجي، الهادفة إلى تحقيق المشاركة الكاملة في مجتمع ديمقراطي، مثلت الأسس الفلسفية للتعليم التقدمي))... انتهى. (الترجمة من عندي).

    يتضح مما تقدم أن التعامل مع البراغماتية بالمنظور الذي يطابق بينها وبين الإنتهازية، تبسيط غير مقبول. مثل هذه المطابقة لا تقوم في خير أحوالها على معرفة فاحصة لدور البراغماتية التاريخي الهام بوصفها موقفا فلسفيا دارسا لجدلية النظرية والواقع، ومنحازا لتجليات الواقع وإفرازاته أكثر من انحيازه وبشكل أعمى للطرح النظري المجرد. فالبراغماتية كفلسفة تمثل تجسيدا وتطبيقا عمليا للإتجاهات العقلانية والواقعية في الفكر الغربي وهو يتعامل مع الواقع.

    ومن الأمثلة الصارخة للصراع بين الآيديولوجيا والبراغماتية ما جرى بين الإقتصاد الإشتراكي، والإقتصاد الرأسمالي في القرن الماضي في شأن الإختيار بين نهجي اقتصاد السوق، القائم على حقائق الواقع وبين سيطرة الدولة وفرضها التأميم والإجراءات الإشتراكية من عل باستخدام سلطتها التي لم تحرزها أصلا عن طريق انتخاب ديمقراطي حر. وقد أوضحت التجربتين الروسية والصينية أن الشيوعية قد أثبتت حتى هذه اللحظة التاريخية أنها مجرد حلم مثالي. فالواقع المتسم بوجود مظالم، والذي يسير ولو بطيئا جدا نحو الأحسن، أفضل من المغامرات الثورية ومحاولات قلب الأمور رأسا على عقب.

    باختصار شديد، ليس منطلقي هنا مجرد الدفاع وبشكل مطلق عن البراغماتية. فالتطبيقات البراغماتية في مجالات السياسة والإقتصاد، وعلم النفس، وسائر تطبيقات العلوم الإنسانية، وخاصة التعليم، قد قامت جميعها على التصور العلماني للكون والحياة. وقد ساد هذه التصور ما نسميه بحقبة الحداثة، وهي حقبة تغطي بشكل عام القرون الأربعة الأخيرة التي تراجعت فيها الميتافيزيقيا، وسادت فيها العلوم التجريبية. فالبراغماتية واعتماد المصلحة وحدها هما اللذان سوغا للدول الغربية الإسترقاق واحتلال قارات العالم ونهب ثرواتها.

    وجهت أفكار ما بعد الحداثة نقدا كثيرا للعلمانية، وللوضعية ولما يقف وراءهما من أسس ابستيمية. وهذا النقد يشمل البراغماتية بطبيعة الحال. فالبراغماتية متجذرة في الفكرة العلمانية الوضعية عن الكون والحياة. فالنقد الذي تقدم به مفكرو ما بعد الحداثة لحقبة الحداثة، نقد صائب في كثير من مناحية. غير أن أيجاد بديل عملي للبراغماتية وتفعيله في حيز الواقع القائم الآن يظل حتى يومنا هذا هو التحدي الأكبر لكل الذين يؤمنون بنظريات شمولية. من السهل أن يحاكم المرء الواقع ويدينه عن طريق قياس الواقع إلى أحلامه، ولكن ليس من السهل أن يأتي المرء بحل عملي قابل للتفعيل في ذلك الواقع. فالتاريخ البشري مسار معقد حركته المصالح في عموم أمره. هذا مع الإقرار التام بأن التاريخ قد اهتدى أيضا بالقيم وبالمثل العليا هنا وهناك في كثير من منعطفاته، ولا يزال يفعل ذلك وسيظل.

    العصر الأموي الذي هو مرتكز هذه السلسلة من المقالات، ومن بعده العصر العباسي، مثّلا من الناحية العملية التاريخية، كبر جسد الواقع على جلباب الدولة الدينية الرسالية. وحين ننظر نحن اليوم إلى تجربة الأمويين وحين نموضعها في موقعها من مسار التاريخ العام نجد أنها تجربة إيجابية في إطار الصورة العامة لتاريخنا الإسلامي، ولتاريخ العالم القديم في عمومه. ومع ذلك يبقى الإمام علي وما جسده من رفيع القيم وسامقها نبراسا للتطور الطالب للمثال.

    جدلية "النظرية والوقع" جدلية موغلة في القدم. وهي جدلية لا مفر لنا من محاولة فهمها باستمرار، خاصة وقد أخذت تطرح نفسها اليوم في أفق جديد. هذا الأفق الجديد ربما اقتضي عقلانية وواقعية من نوع جديد. أعني عقلانية غير العقلانية الوضعية الخطية التي انتهجتها القوى الغربية التي لم يعد في جعبتها شيء تقدمه للبشرية سوى إعادة انتاج المظالم. فالقوى الغاشمة المتمثلة في قوة المال وفي قوة الآلة العسكرية لا تزال هي التي تصنع الحق وتتقاضاه. وهذا وضع مهين للإنسانية وقد آن أوان الخروج منه. ولكن في نفس الوقت، فإن النوستالجيا الطهرانية العاطفية المتوهمة التي يدعونا إليها جماعة الإسلام السياسي، موهمين الناس بأنهم قد عقدوا العزم على إعادة دولة المدينة كما كان عليه حالها في عهد النبي والشيخين فليست أكثر من مجرد وهم. وهو وهم مغاير لطبائع الأشياء، وهو غير مطلوب الآن، لا دينا ولا عقلا. وسيجيء بيان ذلك لاحقا. (يواصل الأسبوع القادم).

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2005, 03:13 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:
    مقاربة لافتراق وجهتي الإمام علي والصحابي عبد الله إبن عباس

    (7)

    كما تفضل الأستاذ الخاتم عدلان في مداخلته التي شاركني بها في منبر الحوار بسودانيزأونلاين، فإنه كان بوسع عبد الله إبن عباس أن يخرج على طاعة الإمام علي، من غير أن يأخذ أموال خراج البصرة ويذهب بها إلى مكة بعيدا عن مدى ذراعي كل من علي ومعاوية. وقد تأول بن عباس أحقيته في تلك الأموال بوصفه من آل البيت ومعلوم أن لآل البيت الخمس من الفيء كما هو مقرر وفق النص القرآني. غير أن النقطة التي التي أحب أن يكون عليها تركيزي هنا هي نقطة تمرد الواقع على المثال المفروض، والذي بدأ في الظهور منذ فترة حكم عثمان. فكثير من الشواهد تدل على أن الناس قد ملوا الطهرانية والتشدد، وحالة الزهد المستديمة، والإستنفار والتشمير الدائمين. حالة الزهد والتشدد والإستنفار والتشمير مثلها عمر بن الخطاب، وامتدت بعده متمثلة في شخصية الإمام علي وفي رؤيته للأمور وفي أسلوب عيشه. ذكر طه حسين، متوكأ على كتب التاريخ الإسلامي على سبيل المثال، أن الناس قد أحبوا فترة حكم عثمان وفضلوها على فترة حكم عمر بن الخطاب. وذلك للطبيعة المتشددة لدى الأول، وللسهولة واللين والتسامح لدى الأخير.

    البراغماتية في موقف بن عباس لا يجسدها مجرد أخذه أموال الخراج لنفسه وتركه للولاية وذهابه إلى مكة بغير إذن الإمام علي الذي ولاه وائتمنه على البصرة. وإنما قد يكون لها تجلي آخر في احتمال يمكن أن نستنتجه استنتاجا تسنده الوقائع وواقع الحال وقتها، ويقبله العقل. وهو احتمال أن يكون إبن عباس قد راقب الواقع ودرسه دراسة فاحصة، وأيقن من دراسته تلك أن الناس قد بدأوا يميلون إلى الدنيا، ويتقاعسون عن الإستجابة إلى نداءات الآخرة. فإبن عباس قد كان محاربا مع علي في واقعة الجمل، ورأى كيف أن كبار الأصحاب قد بدأوا يتشرذمون ويشيرون إلى بعضهم البعض بالخروج عن السراط، بل ويقتلون بعضهم بعضا. وقد حدث ذلك عمليا في واقعات صفين والنهروان والجمل.

    وصف طه حسين يوم واقعة الجمل بقوله: ((ورأى المسلمون يوما لم يروا مثله شناعة ولا بشاعة ولا نكرا. سل المسلمون فيه سيوفهم على المسلمين، وقتل خيار المسلمين فيه خيار المسلمين. فقُتل من أولئك وهؤلاء جماعة من جملة أصحاب النبي ومن خيرة فقهاء المسلمين وقرائهم))..انتهى. فإبن عباس وهو يرى التشرذم الذي أصاب معسكر الإمام علي، ربما وجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: فهو إما ان يبقى في صف الإمام علي، وهو صف كان الناس ينفضون عنه باستمرار، فيقاتل حتى الموت، وأما أن يخرج على طاعة الإمام علي ويتواءم مع ما رأى أن الواقع متجه لا محالة لفرضه، وهو أيلولة الأمر برمته إلى معاوية.
    ورجل في حصافة ودربة وتجربة الصحابي عبد الله إبن عباس لم يكن لتخفى عليه مؤشرات خسران الإمام علي لتلك المعركة. ولذلك فلربما اختار أن يعتزل المسألة كلها وينصرف إلى شؤون حياته العادية مبعدا نفسه من حلبة الصراع. وهذا الموقف بما يبدو فيه من انحصار في الهم الشخصي إلا أنه لا ينفي عن إبن عباس كل فضيلة، وبشكل مطلق، كما قد يتبادر لأذهان البعض.

    لربما رأى إبن عباس أن الحياة لا يمكن أن تسير على النحو المتقشف المتعفف الزاهد الذي مثلته سيرة الإمام علي. وربما أن قراءته لكل الوضع أنبأته بأن الواقع يشير إلى نقلة جديدة في مضمار التجربة الإسلامية يخرج بها الناس من الضيق إلى السعة، ومن حالة التشمير إلى شيء من الإسترخاء. لقد حدث شرخ كبير بلغ أن أدى بأصحاب النبي إلى مواجهة بعضهم بعضا بالسيوف. فالأمر لم يكن محصورا فقط في النزاع بين علي ومعاوية على الخلافة، وإنما شمل الإنقسام معسكر الإمام علي نفسه وبلغ درجة التقاتل العنيف. ويكفي أن نتصور أن تصل الفتنة حدا يدفع بالأصحاب ممن هم في قامة طلحة بن عبيد الله، والسيدة عائشة بنت أبي بكر زوج النبي، إلى مواجهة علي بن أبي طالب بالسيوف حتى يهلك بينهم خلق كثير من خيرة المسلمين. لقد تحول الأمر كله إلى فتنة واسعة وإلى تحزب وتعصب وشحناء جعلت الكثيرين في حيرة من أمرهم، وفي مع من يقفون. وهناك عبارة شهيرة منسوبة إلى أحد الأصحاب تقول: ((الصلاة خلف عليٍّ أقوم، والطعام عند معاوية أدسم، والجلوس على هذا الكوم أسلم)). وهذه العبارات تعكس تشخيصا لذلك الواقع الذي بدأ في البروز وتعكس مدى الحيرة التي أطبقت على الناس وقتها.

    حين نشب الخلاف بين الإمام علي وإبن عباس حول أموال البصرة قال إبن عباس للإمام علي في خطاب أرسله إليه حين شدد عليه الأول بضرورة كشف حساب تلك الأموال: ((أما بعد. فقد فهمت من تعظيمك عليَّ مرزئة ما بلغك أني رزأته أهل هذه البلاد. والله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحب إلي من أن القاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال بذلك الملك والإمارة. فابعث إلى عملك من أحببت))!!.

    وقد كان إبن عباس يشير بذلك إلى الدماء التي سفكت في يوم الجمل ويوم صفين وفي النهروان. فهو يقول للإمام علي، وبحدة غير خافية، إنه ـ أي إبن عباس ـ ليؤثر أن يلقى الله وفي ذمته شيئا من أموال المسلمين على أن يلقاه وفي عنقه شيء من دماء المسلمين. فهو إذن يقول للإمام علي بن أبي طالب وبصريح العبارة، إن حالي أفضل من حالك عند الله. فأنا في ذمتى أموال، وأنت في ذمتك دماء!! ويروى طه حسين أن عليا بن أبي طالب قال حين قرأ تلك الفقرة من خطاب إبن عباس، وقد بدت عليه إمارات الحزن الشديد والحسرة: ((وإبن عباس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء؟!)). والحق أن إبن عباس كان شاهدا لكل تلك المعارك المذكورة ومشاركا فيها. وواضح من خطاب إبن عباس أنه لم يعد يرى في الإمام علي بن أبي طالب خليفة شرعيا يحاول في تجرد أن يرد الأمور إلى نصابها، وإنما شخصا مدفوعا إلى القتال من أجل الجاه والملك والإمارة. (راجع رده أعلاه). ولذلك فقد ختم إبن عباس خطابه مستقيلا من عمالة البصرة بقوله: (فابعث إلى عملك من أحببت).

    الشاهد أن الأصحاب تفرقوا شيعا منذ مقتل عثمان. فالصراع لم يكن بين معاوية وعلي وحدهما. فقد توجب على الإمام علي وهو يواجه معاوية أن يحارب الكثيرين ممن كانوا حوله ليجمعهم تحت رأيته أولا. فالعقد قد انفرط إلى حبات انتثرت هنا وهناك. وقد قرأ إبن عباس الواقع بعد تجربة طويلة من الوقوف إلى جانب الإمام علي، وعرف من كل التجربة ومن كل الحروب ومن كل الفتن التي تناسلت داخل معسكر علي نفسه، ان الأمر لا محالة آيل إلى معاوية. ولربما رأى إبن عباس أن من الخير، والحالة تلك، أن يؤؤل الأمر برمته إلى معاوية. أما أخذ إبن عباس لأموال الخراج سواء كان ذلك بغيا وعدوانا أو تأويلا للنص القرآني القاضي بحق آل البيت في الخمس، فأمر آخر ولعل من الأنسب أن يتم النظر إليه في إطار منفصل. أي في إطار غير إطار التسليم لميكانيزمات الواقع حين تفرض واقعا يستحيل قلبه رأسا على عقب. وهو الأمر الذي تهمني مقاربته هنا.

    مفهوما "الأمر التكويني" و"الأمر التشريعي" اللذان طورهما الأستاذ محمود محمد طه في أدبياته الثرة ربما أعانا في فتح الباب للنظرة المزدوجة لحوادث التاريخ. ففي الأمر التكويني كما قرر الأستاذ محمود محمد طه، لا توجد معصية. فمن عصى الأمر التكويني فإنه قد أطاع الله في معنى ما قد عصى!! يقول الأستاذ محمود ان الله قد يريد شيئا ولكنه لا يرضاه. فهناك فرق بين الرضا والإرادة. فالإرادة مثل اللبن في حين أن الرضا مثل الزبد الذي يمخض من اللبن. فحقائق التوحيد كما هي مجلوة في فكر الأستاذ محمود محمد طه، تقول بأنه لا يدخل الوجود شيء بغير إرادة الله، لأن الفاعل في نهاية الأمر واحد. ويورد الأستاذ محمود الآية القرآنية القائلة ((إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم)).

    الكفر والإيمان مصدرهما واحد، وهو الإرادة القديمة. ولكن الله لا يرضى في نهاية الأمر غير الإيمان، هذا وإن أراد الكفر وفرضه على من فرضه عليه. وهناك حديث نبوي ينص على حقيقة أن الكفر والإيمان من الله، ونصه: ((من آمن فقد أمن بقضاء وقدر، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر، رُفعت الأقلام وجفت الصحف)). غير أن الرضا الذي يمثل الطرف اللطيف من الإرادة لا يقبل بغير الإيمان. فالأمر التكويني مهيمن على قطبي الكفر والإيمان. أما الأمر التشريعي فإنه يعاضدد قطبا واحدا هو قطب الإيمان وللذلك فهو يقف في معارضة الكفر. وقد بلغ الأمر التشريعي في معارضة الكفر في شريعة الفروع درجة قتل الكفار، وقتل المرتدين، وحتى قتل تاركي الصلاة.

    وفي سبيل إجلاء التركيب الذي يستشكل على كثيرين في مفهومي الرضا والإرادة، يورد الأستاذ محمود محمد طه الحديث القدسي القائل: ((يا داؤد إنك تريد وأريد. وإنما يكون ما أريد. فإن سلَّمت لما أريد كفيتك ما تريد. وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد. ثم لا يكون إلا ما أريد!!)). ولربما يطول كثيرا شرح تجليات مفهومي الأمر التكويني والأمر التشريعي. فليراجعهما من شاء في مؤلفات الأستاذ محمود خاصة كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام".

    أريد في هذه المقاربة أن أزاوج المفهومين المتعلقين بـ "الأمر التكويني" و "الأمر التشريعي" بما أشار إليه الأستاذ محمود محمد طه أيضا في مقدمة كتابه "الرسالة الثانية من الإسلام" حيث قال إن الحياة على ظهر هذا الكوكب إنما تسير على رِجلين: رِجل مادة ورِجل روح. فهي حين تثبت رِجل الروح فإنها تستعد وتتهيأ لتقدم رِجل المادة. وهكذا دواليك. ففي حقبة البعثة الأولى قامت الحياة بتثبيت رِجل الروح، فارتفعت بها القيم التي أحدثت نقلة غير مسبوقة لمجتمع الجزيرة العربية. ولكنها حين كانت تفعل ذلك، فقد كانت أيضا تتهيأ لتقدم رِجل المادة. وهو ما فعلته عقب الفتنة الكبرى. فرِجل الروح وحدها لا تقود الحياة، وكذلك الأمر في شأن رِجل المادة. ولذلك فإن كلا من علي ومعاوية أنما مثَّلا في ذلك المنعطف التاريخي رمزhا مجازيا (metaphor) لهاتين القدمين اللتان تمثلان جدلية المادة والروح، أو قل جدلية الآجلة والعاجلة. والنظرة إلى الأمر من موقعنا التاريخي الراهن يجب أن تتعدى مجرد إبداء العواطف بالتشيع للإمام علي لكونه الأتقى والأزهد والأنقى ـ وكل تلك حقائق لا مراء فيها في شأن الإمام علي ـ لنلج إلى عمق القراءة التوليفية(synthesis) التي تزاوج في مقامنا الراهن بين المادة والروح. وقد افترع هذا النهج الفاحص الأستاذ محمود محمد طه في مقدمة كتاب الرسالة الثانية من الإسلام.

    (يواصل الأسبوع القادم).



                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2005, 03:26 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)


    العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:
    كيف شقق جسد الواقع جلباب النص؟!

    8

    تميزت نظرة الدكتور طه حسين للفتنة الكبرى بكثير من الموضوعية والحيدة. فقد حرص طه حسين على أن ينهج نهج المؤرخ وأن يبتعد، ما وسعته الحيلة، عن الإنحياز لغير الحقائق التاريخية، ولغير التحليل العقلاني. مثلت مقاربة طه حسين لموضوع الفتنة الكبرى والتي جرى نشرها في النصف الأول من القرن العشرين قفزة كبيرة في طريقة تناول المسلمين لتاريخهم. فقد فتحت الباب لكثير ممن جاءوا بعده، وأرخت لبداية الخروج من الهتافية الدينية والخطاب التمجيدي الذي ساد طويلا، إضافة إلى تجنب الإزورار المزمن عن لمس حقائق التاريخ لمسا موضوعيا. وما أكثر حقائق التاريخ الإسلامي التي جرى اتفاق غير معلن، على دمدمتها بسرابيل من النكران والتناسي المتعمد، خشية أن تفسد مقاربتها بشكل جدي، الصورة الوردية التي صنعها المخيال التمجيدي التقديسي على حساب المصداقية التاريخية، وعلى حساب فرص اندياح العقلانية في الفضاء التاريخي العربسلامي.

    قال طه حسين في كتابه ((الفتنة الكبرى: "1" عثمان)): ((فلست عثماني الهوى، ولست شيعة لعلي، ولست أفكر في هذه القضية كما يفكر فيها الذين عاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها)) .. انتهى. ويواصل طه حسين في مكان آخر، فيقول: ((وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريدا كاملا من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها))..انتهى. هذا الخط البحثي الذي دشنه طه حسين وجد استنكارا ومقاومة، بل واتهامات جمة من شاكلة خدمة الأجندة "العلمانية"، و"الماسونية" وما شابه، كما جرت عليه عادة المقاومين لإعمال العقل في مقاربة التجربة التاريخية الإسلامية. غير أن هذا النهج عاد مرة أخرى ليواصل حمل رايته في أخريات القرن العشرين، عدد من الباحثين في حقل التجربة الإسلامية. أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، نصر حامد أبوزيد، وسيد محمود القمني، وخليل عبد الكريم.

    ولا بد من الإشارة إلى أن إسهام الأستاذ محمود محمد طه في إعادة قراءة التجربة الإسلامية في أفق جديد ومختلف، إسهام يرجع تاريخه إلى منتصف القرن العشرين. وهو اسهام يتميز على كل من عداه لكونه قد قام على تفريق منهجي بين قرآن الأصول وقرآن الفروع، وبين السنة والشريعة، وبين الإيمان والإسلام. هذا التفريق هو الذي حدا بالأستاذ محمود ليقول، إن العصر الذهبي للإسلام أمامنا وليس وراءنا! وفق هذا المنظور أصبح من الممكن النظر إلى تجربة الدولة الدينية القصيرة، التي سبقت الفتنة الكبرى، بوصفها مجرد مقدمة استثنائية قصيرة ومحدودة لحالة إنسانية كبيرة سوف تأتي لاحقا. غير أن كتابات الأستاذ محمود لم تجد، إلى اليوم، طريقها إلى الفضاء العربسلامي بقدر كاف. كما لم تجد أيضا حظا وافيا من القراءة المحايدة والدارسة المتانية، وذلك بسبب حالة الخوف السائدة وسط الباحثين من تبني طروحات الأستاذ محمود التي خرجت على مناهج البحث الإسلامية المو########. وهي طروحات ينبغي، في تقديري، الدفع بها قدما نحو نهاياتها المنطقية الهادفة إلى تحرير العقل من قبضة التصور الديني الأحادي. يضاف إلى تلك العوامل فإن التشويش الكبير الذي أحاط بأعمال الأستاذ محمود محمد طه، وتهمة الردة التي جرى إعدامه بسببها قد جعلت كثير من الباحثين الإسلاميين يختارون السكوت فيما يخص فكر وتجربة الأستاذ محمود.

    لقد امتد أثر طه حسين فشمل كاتبا كالدكتور محمد عمارة. ومحمد عمارة فضَّل، في عموم حاله، أن يلعب دور دور المنافح عن التجربة التاريخية الإسلامية، والإنحصار في إيجاد شتى الحيل والمخارج لإشكالات مشروع الدولة الدينية، على أن يلعب دور الناقد الباحث عن الحقيقة في تجرد. وصل تأثير طه حسين إلى محمد عمارة وتمكن من تلوين رؤيته للأمور، خاصة اعتباره لعنصر التاريخ واعتباره لدور الواقع في تشكيل آفاق التجربة الإسلامية في تمدداتها التاريخية. فالتاريخ لا تصنعه النصوص السماوية وحدها. وتتضح تاثيرات منهج طه حسين على د. محمد عمارة فيما دونه قلم الأخير حين قارب موضوع الفتنة الكبرى، في الباب الذي أوكلت إليه كتابته في "موسوعة الحضارة العربية الإسلامية" التي صدرت عام 1995، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

    أشار محمد عمارة إلى أن الفتوحات الإسلامية قد أدخلت في إطار دولة المدينة التي مثلت الكيان الإسلامي الجديد النامي، مجتمعات ذات حضارة متقدمة وتقاليد طبقية عريقة تختلف عما كان عليه الحال في مجتمع شبة الجزيرة العربية البسيط. يقول محمد عمارة: (( لكن الإختلاف الذي طرأ على طبيعة المجتمع وفي بنيته، ثراء، وحضارة، وفيه النظم الطبقية ذات العراقة .. إلخ .. إلخ.. قد أوجد فجوة بين الواقع المادي الجديد، الذي دخل في إطار الدولة بعد الفتح، وبين الفكر الإجتماعي الثوري والتنظيم الإجتماعي شبه الجماعي الذي أقامه المسلمون الأوائل في مجتمع شبه الجزيرة العربية البسيط، والملائم للجماعية إلى حد كبير)).. انتهى.

    ويواصل الدكتور محمد عمارة في نفس السياق فيقول: (( والصورة التي تعبر عن المخاطر التي نشأت بذلك المجتمع نتيجة لذلك الثراء الجديد، هي صورة عمر بن الخطاب عندما حملت إليه كنوز أكاسرة الفرس، ووضعت في فناء المسجد، وانعكست عليها أشعة الشمس فلمعت وحميت! وتشاور المسلمون، أيوزعونها بالعد؟ أم بالمكاييل؟!... وكانت المفاجأة عندما نظر عمر لهذه الكنوز وبكى! .. ولما سئل ذلك السؤال الإستنكاري: كيف تبكي يا أمير المؤمنين في موطن الرضا والشكر؟! أنبأهم أنه يدرك المخاطر التي تحملها هذه الكنوز إلى النفوس)) .. انتهى.

    الدعوة الإسلامية كما جاءت في النصوص، وكما جسدتها حياة النبي الكريم دعوة جوهرها الزهد القاصد إلى تحقيق العدل والمساواة بين الناس كافة. وقد قبل الواقع الحجازي البسيط بتلك الدعوة، بادئ الأمر وحاول المسلمون الأوائل جهدهم في أن ينطبق مسلكهم مع النموذج النبوي الزاهد المقتصد المضروب أمامهم. غير أن الفتوحات أتت بالثروات التي لم يحلم بها في يوم من الأيام أهل ذلك الإقليم المجدب الفقير، فبدأ شرر التلطع للثروة وللتملك ينقدح في النفوس مما صاغ حالة الصراع لقرون وقرون تلت.

    يقول الطبري إن عمر بن الخطاب كان قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج إلى البلدان إلا بإذن وأجل محدد، وذلك خوف فتنة الجاه والمال. ولما ولي عثمان بعد مقتل عمر لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به، فخرجو إلى البلاد، وهذا هو ما جعل عثمان أحب إلى قريش من عمر، حسب رواية الطبري. وواضح هنا أن الخليفة عمر كان يقف موقفا يستهدي بجوهر الإسلام، ونموذج النبي الكريم. غير أن قريشا كان لهم رأيا آخر ولذلك فقد رضخوا لسلطة عمر على مضض. وما أن ولي عثمان الأمر حتى اندفعوا نحو الدنيا اندفاع الماء المحبوس.

    والإنصراف عن التعلق بالنموذج النبوي الذي حرص كل من عمر بن الخطاب وعلي إبن أبي طالب على تمثله داء لم يصب العامة وحدهم، وإنما أصاب في المقام الأول، كبار الأصحاب! يقول الدكتور محمد عمارة في ذات السياق السابق: ((وبعد التقشف الذي تميز به عمر، والتحرج الذي تميز به إزاء مال المسلمين العام ـ والذي أصبح مضرب الأمثال ـ وجدنا الواقع يفرز أفكارا جديدة تزيل الحدود والحواجز بين مال الحاكم الخاص وما تحت ولايته من مال عام .. فمعاوية بن أبي سفيان، والي الشام، يعترض على قول إبي ذر الغفاري: إن المال مال الناس، ويقول: إنه مال الله، وأن التصرف فيه من حقه كحاكم، منحا ومنعا.. وعثمان لا يرى فرقا بين أن يكون "الخازن" خازنا لبيت المسلمين أو خازنا لخليفتهم، الأمر الذي أدى إلى غضب خازن بيت المال، وقوله: إن خازنك هو غلامك! أما أنا فخازن بيت مال المسلمين.. ولقد استقال الرجل بأن حمل مفاتيح بيت المال ووضعها على منبر المسجد عندما رفض عثمان أن يوقع صكا يثبت أن عطاياه لبعض المقربين إنما هي فرض في ذمته عليه الوفاء به لبيت المال!))..انتهى

    أشار الدكتور محمد عمارة إلى أن عمر بن الخطاب رغم حرصه الشديد على تحقيق المساواة بين الناس، ورغم وقدرته على أخذ الناس بالحزم والشدة، إلا أنه لاحظ أن تدفق الأموال على حاضرة الخلافة قد خلق تفاوتا وأوضاعا طبقية جديدة حدت به لأن يقول: ((لو عشت من قابل لسويت بين الناس في العطاء)).. أو عبارته التي أظهرت رغبته في عمل ذلك "بأثر رجعي" كما عبر د. محمد عمارة، والتي قال فيها: ((لو عشت من قابل لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء)).. والتي وردت في رواية أخرى تقول: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء))..

    ضاق الناس بحكم عثمان لما رأوا فيه من استئثار بني أمية بالأموال العامة وبولاية الأمصار. فقامت "هيئة المهاجرين الأولين" كما أسماها د. محمد عمارة باستنفار الأمصار للقدوم إلى المدينة وتخليص الخلافة مما حاق بها. فاستجاب ثوار الأمصار للنداء وزحفوا على عاصمة الخلافة وحاصروها وحاصروا بيت الخليفة إلى أن حدث قتل عثمان وتمت بيعة علي بن ابي طالب مكانه.

    قاوم عثمان بن عفان محاولات تنحيته حين طلب منه الثوار أن يخلع نفسه، فرد عليهم بقوله: ((لا أخلع قميصا قمصنيه الله)) أو ((لا أخلع ثوبا ألبسنيه الله)). وهنا تتضح بدايات مواجهة الواقع لسلطة الخليفة. فالجمهور ممثلا في الثوار وقادتهم يريدون تنحية حاكم لم يعودوا يريدون حكمه. غير أن عثمان تمسك بحقه الإلهي في الحكم رغم اعتراض الجمهور العريض وتوافدهم من أقاصى الأمصار بغرض إسماعه رأيهم وعرض عزمهم الأكيد على تنحيته. غير أن عثمان لم يرضخ لرأي أهل الحل والعقد الذين أتوا به إلى الحكم عن طريق نظام "الشورى"، كما لم يرضخ أيضا لرأي الجمهور العريض الذي زحف على عاصمة الخلافة. فعثمان يرى في نفسه خليفة لرسول الله، وامتدادا لسلطة الرسول الروحية. وهو بهذا المعنى إنما يستمد شرعيته من سلطة النص السماوي، ومن التقليد الذي تبع سلطة النص السماوي عقب موت النبي، فأتي بكل من أبي بكر، وعمر من قبله إلى الخلافة. فسلطته وشرعيته كخليفة نابعتان من النص السماوي، وليس من الجمهور حتى يصبح من حق ذلك الجمهور خلعه وتنحيته. وهنا يكمن مأزق من يتحدثون عن نظام "الشورى" بوصفه نظاما ديمقراطيا! وهذا أمر أوسعه الأستاذ محمود إيضاحا في مؤلفاته.

    نجحت الثورة في عزل عثمان عن طريق قتله. غير أن الأمر لم يستتب للثوار، ولا لقادتهم من أهل الحل والعقد في حاضرة الخلافة. فتناسلت الثورات، وتناسلت الخلافات، وبقي الأمر في نهاية الأمر، في أيدي بني أمية، مثلما كان عليه الحال في أخريات حكم عثمان. بل وتحققت مصالح بني أمية بأكثر مما كان عليه حالهم في حكم عثمان. آلت الخلافة برمتها إلى معاوية بن ابي سفيان، الذي أورثها من بعده لذريته وذويه. وهكذا عاد الواقع إلى ما يشبه واقع الحال في ذلك العصر. لم تلق دعوة الإسلام للزهد وللنقاء، وللعدل والمساواة سوى آذانا صاغية قليلة، ربما انحصرت في قلة من أكابر الصحابة. فأكثرية كبار الأصحاب قد بدأت تنكص قليلا قليلا عن جوهر الدعوة وترضخ لسلطة الواقع ودينمياته التي تحركها شهوات السلطة والثروة. نعم لقد استضاءت تجربة الأمويين وما أعقبها بنور النبوءة وقبسها الممتد، غير أن تجربة الأمويين والعباسيين من بعدهم ترجمتا في المجال العملي عن قوى الواقع القائم وقتها، بأكثر مما ترجمتا عن سلطة النص.
    (يواصل الأسبوع القادم)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-02-2005, 07:01 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    الناس للكريم خليها واترك شانا
    وستارى العروض فى الآخره بعلو مكانا
    هم خلق اللطيف بى لطفو ابقى معانا
    وإستروا حالنا جمعا خالقنا خابرو غبانا



    اللهم آمين لطفك وسترك


    منصور
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2005, 06:26 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    الأخ منصور
    لم أفهم ماذا تقصد من الأبيات التي أوردتها!
    هل تقصد أن نترك دراسة التاريخ وفحصه وإعادة قراءته؟!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2005, 07:13 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19062

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    دكتور النور لك السلام بعد القيام..... فى بوست مسدار يا أهل المسادير كتب الاخ المسافر


    الناس فى العروض ما تقيسها بى تيبانا
    مايهمك لباسهم والعروض عريانه
    هم حراس رزق زى التكنو أمانه
    زي ابل الخلا الشايله السقا وعطشانا

    فرديت اليه

    الناس للكريم خليها واترك شانا
    وستارى العروض فى الآخره بعلو مكانا
    هم خلق اللطيف بى لطفو ابقى معانا
    وإستروا حالنا جمعا خالقنا خابرو غبانا



    اللهم آمين لطفك وسترك



    ثم رايت لجديد عندك ولم أقرأه كله بعد ورايت الذي فى quote على نفس المعنى اي ان الصوفيه قالوا خلو الخلق للخالق .....وسوف لا ولن أقول الذي فهمته تحت اى موثر ولك منى الود والاحترام

    وكذلك لنرفع البوست الذي يستحق ان يقرأ ويرفع ليقرآ

    منصور

    Quote: سر الحقيقة في خفا
    هو مقتضى فرط الجلاء
    وأتى بها خبر السماء:
    هي ما عليه العالمون!!

    ما فهمته من تلك الأبيات، ومن ما استولده الأستاذ محمود محمد طه منها من معان سمعتها مرارا في جلسات ومناسبات كثيرة، أن الحقيقة ربما تخفى بسبب فرط جلائها. فالحقيقة لدى ذوي البصائر هي ما عليه العالمون من الهدى والضلال. وقد فهم ذلك المتصوفة على نحو عميق واستلهموه في تجاربهم وفي تعاملهم مع خلق الله وخاصة قبولهم للناس على علاتهم. وكانوا دائما ما يقولون: "دعوا الخلق للخالق". وهذا موقف براغماتي يرى أن الحقيقة ليست سوى هذا الواقع الذي نراه بخيره وشره. كان الصوفية يعملون على تغيير الناس ويحرصون على ذلك ولكنهم كانوا بفعلون ذلك في اعتدال وبغير قسر وكانوا ينجحون حين يفشل الآخرون!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-02-2005, 09:05 PM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: munswor almophtah)

    شكرا الأخ منصور على التوضيح
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2005, 05:40 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    الاخ د. النور


    شكرا لك علي مواصلة إنزال الحلقات المكمِّلة لهذا الجهد الكبير
    في مقال :العصر الاموي ، وفجر البراغماتية الاسلامية . ولك وافر التقدير
    على هذا الجهد الكبير في زحزحة هذه " الصخرة السيزيفية " التي جثمت
    كثيرا علي صدور الناس ، وقد أعيا الناس انصداعها ..

    لاشك أنّ المسلمين عامّة ، وفي السودان علي وجه التحديد، قد خبروا " عدم جدوى"
    التطبيقات السياسية لمفهوم الدولة الدينية بأيدي " الاسلامويين الإنقلابيين " فبالضرورة
    ليس مَنْ رأى ، كَـمَـنْ سَــمِـع ! فلطالما رأى الناس ، بل وعانوا ، كيف تحوّل الشعار من عبادة حقّة الي تغوُّلٍ وافتئاتٍ وشُح و و و و ، علي رؤوس الأشهاد ! ولكن :

    أيقبل أىِّ مُسلم بأنّ تصبح الفلسفة الحاكمة لحياته هيَ " البراغماتية " علي سبيل المثال؟ ، سيِّما وأنّ هذا المسلم يقبع تحت ميراث غليظ من الفقه القروسطي المُعنعن ، قانعا بِصحـَّة مـا جاء فيه ! بل ولا يرى " جدوى " في الاقتداء بما استخلصه بشـرٌ آخرون من فلسفات ؛ ولا ولا يتردّد هذا المسلم في دحض هذه الآراء الفلسفية بأية وسيلة ! غض النظر عن مواكبتها وعدالتها والتزامها شرائط المعرفة المتفق عليها ..

    وقولي أعلاه ، ينصبُّ أساسا علي " حدس " فحواه : أنّ الناس ، في عمومهم ، ربما أقنعتهم
    الاحداث السالبةاليومية في خضم الحكومة الاسلاموية الإنقلابية الفاشلة الآن ! بأن لافائدة ولا رجاء في " دولة دينية " ولكنّه للأسف ، إقناعٌ هش ! بمعنى أنّهم سريعا ما يلجأون الى التبرير فالتسويغ ومن ثم يسعون الى رفع شعارات التصحيح والتضحية بكبش سمين والاستعاضة عنه بآخر ، هو في قناعاتهم ، الاوفر حظّا والاكثر نجاءا لهم من إتِّباع " الغرب " !


    ولك عميق احتراماتي ،،/
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-03-2005, 09:44 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    العزيز أبو جودة
    التحية وخالص الود
    ما تفضلت بقوله صحيح، وهو أنه بالرغم مما يراه الناس من فشل ماحق للحكومات الدينية، إلا أنهم سرعان ما ينقلبون لكي يعزوا الفشل إلى الأفراد بأكثر مما يعزونه إلى الرؤية الفكرية التي أتت بمروجي مشروع الدولة الدينية للسلطة. فتجربة نميري في تطبيق الشريعة التي حركها الدكتور الترابي وقبيله من خلف الكواليس، وتطوع بأن أجلس ألمع كوادره قضاة في محاكم طواريها، ثم امتداد تلك التجربة في حقبة الإنقاذ، قد قدمتا للشعب السوداني، وللعالمين أجمعين أنصع نماذج الفشل لمشروع الدولة الدينية. وكما تفضلت أيضا، فإن الناس لا يلبثون أن يغرقوا كرة أخرى في موجة الحنين لتلك الدولة المتوهمة التي تقيم العدل والإنصاف فوق الأرض.، ظنا أن تلك الدولة موجودة في النصوص المقدسة، ولا يحتاج الناس إلى أكثر من تفعيل تلك النصوص في الواقع!

    غاية هذه المقالات التأكيد على أن حلم الدولة الدينية الفاضلة، المطلقة الفضيلة، حلم لا يسنده الواقع. فتجربة الدولة الدينية على عهد النبي، وصاحبيه أبي بكر وعمر لم تستمر سوى بضع عقود. وقد عاد الواقع بعد تلك العقود، ليدير شؤونه بالطريقة التي كان يديرها بها منذ فجر التاريخ، وهي الإعتماد على قوتي المال والسلاح. وما من شك أن الواقع قد استنار كثيرا بأنوار البعثة النبوية التي بشرت بالمستقبل البعيد بأكثر من كونها قد جسدت قيم ذلك المستقبل في واقع القرن السابع الميلادي، والقرون التي تلته. فالدعوة الإسلامية دعوة اشتراكية، وديمقراطية في أساسها، ولكنها اصطدمت بواقع غير مهيأ لها.، ثم جاء الفقه الإسلامي فيما بعد ليعمل مباضعه في تفريغها من محتواها الأساسي بوصفها لاهوتا للتحرر، لتصبح لاهوتا لترسيخ حكم الملوك والأباطرة، ولتبرير المظالم .

    من طبيعة النص ـ أي نص ـ أن يضيق بالواقع. فالنص لا يغني أبدا عن إعمال العقل. فالأمر في نهاية المطاف، عقل، ليس نقل. ولسوف يجبر الواقع الناس، جميع الناس على جر صورة المثال وإنزالها إلى أرض الواقع. ولكن لابد أن تتضافر كثير من العناصر حتى يصبح هذا الإنزال ممكنا. ومشروع انزال المثال لكي يستقر على أرض الواقع مشروع لم يبدأ ببداية، ولن ينتهي إلى نهاية. فقد ظل مستمرا عبر حقب التاريخ. فالبعثة المحمدية قد مثلت قفزة كبيرة في هذا الإنزال، كما مثلته قبلها حياة السيد المسيح ودعوته. كما مثلت ذلك الإنزال أيضا، الثورة الفرنسية، بما أحدث من انعطاف كبير في حركة التاريخ، كما مثلته الماركسية أيضا، وهي تحاول محو الفوارق الطبقية، وإقامة العدالة الإجتماعية. هذا المشروع لا يجيئ من النصوص المقدسة وحدها، كما لا يجيء من الأفكار الوضعية وحدها. وإنما يجيء من تفعيل العناصر المستقبلية في كل أولئك.

    الدعوة ليست إلى اتباع "البراغماتية" الغريبية، حذوك النعل بالنعل، وإنما لقراءة الواقع، وقراءة النصوص في آن معا، وبذهن مفتوح. والبراغماتية الغربية قد خدمت حقبة لم يكن من الممكن أن تخدم بغيرها. وقد استنفدت "البراغماتية الغربية الفلسفية" طاقتها، وجاء الوقت لكي يتم تلقيحها بعناصر من خارجها. ومن بين هذه العناصر عناصر "دينية" ، أعني "روحانية" مما يقع خلف فضاء الدين المؤسسي. فحركة اليسار الجديد كانت تمردا على ضيق القالب الماركسي، وقد قاد ذلك التمرد لكي تلتقي الماركسية بلاهوت التحرر. وهناك كثير من الإتجاهات الروحانية التي بدأت في الخروج على قبضة الدين المؤسسي "الأرثوذكسي" التزعة. وطروحات الأستاذ محمود محمد طه واحدة من هذه الإتجاهات القاصدة إلى توحيد الجهد البشري في وجهة واحدة بمنأى عن القيد العقيدي القابض المشرج في تربة الدين المؤسسي. من ناحية أخرى، فإن الدين المؤسسي، والرأسمالية وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يعاني من نفاد الوقود اللازم لتحقيق الوعود الإنسانية.

    في تصوري أن المستقبل يفرض نفسه فرضا في اللحظة التاريخية المؤاتية. التغييرات لا تأتي بالضرورة نتيجة للقناعات الفكرية. فالقناعات الفكرية كثيرا ما تولدها الضغوط التي يفرضها الواقع فرضا. وفي تقديري أن الظروف الحياتية، والضغوط الخارجية، هي التي ستفرض التوجهات الجديدة على الفضاء الشرق أوسطي فرضا. ولي عودة.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-03-2005, 01:20 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    Quote: وما من شك أن الواقع قد استنار كثيرا بأنوار البعثة النبوية التي بشرت بالمستقبل البعيد بأكثر من كونها قد جسدت قيم ذلك المستقبل في واقع القرن السابع الميلادي، والقرون التي تلته. فالدعوة الإسلامية دعوة اشتراكية، وديمقراطية في أساسها، ولكنها اصطدمت بواقع غير مهيأ لها.، ثم جاء الفقه الإسلامي فيما بعد ليعمل مباضعه في تفريغها من محتواها الأساسي بوصفها لاهوتا للتحرر، لتصبح لاهوتا لترسيخ حكم الملوك والأباطرة، ولتبرير المظالم .


    أستاذى د. النور ،، هذه عبارة بليغة تُنير الطريق لكل ســالك ومُعرج نحو الحقيقة ، فلكَ كريم التقدير علي هذه الاضاءة ؛ وبالأحرى فالمداخلة في مُجملِـها ، إضاءة كاشفة ؛وعليه، فإننا في انتظار عودتك القريبة .

    -----

    (لمّا اراد علي بن ابي طالب ، المسير من " الرّبذة" الي " البصرة" لملاقاة طلحة والزبير وعائشة ؛ قام إليه ابنٌ لِـرفاعة بن رافع وقال: يا أمير المومنين،الي أين تُريد ؟
    قال ابن ابي طالب : أمّا الذي نُريد وننوي ، الإصلاح إن قبلوا منّا وأجابونا إليه .
    قال ابن رفاعة :فإن لم يجيبونا إليه ؟ .. قال عليٌّ : نَدَعَهم بعُذرهم ونعطِهم الحقَّ ونصبر. قال: فإن لم يرضــوا ؟ .. قال عليٌّ : نَدَعَهم مــا تركونا . .. فقال : فإن لم يتركونا؟ قال عليٌّ :إمتنعنــا منهم . .. فقال ابن رفاعة : فَـنَـنعم إذن ، لآوفِينـَّك بالفعلِ كما أرضَيتنى بالقول . )
    الكامل في التاريخ لابن الأثير

    أخى الدكتور النور ، حينما اعيد قراءة هذه القطعة التراثية أعلاه وأمثالها في كُتب التاريخ الاسلامي ، مُسـتحقبا ما فهمتُه من هذه السلسلة القيِّمة من مقالاتك أعلاه ، أحسُّ حقيقةً مدى السِّعة الإداركية التى رفدتَّــنا بها ؛ هذه السِّعة تكاد ان تكون بالغيغابايت عِوَضا عن الميغا التى كنتُ عليها! او هكذا أظن ، فلك عظيم التقدير ..

    وحتى لا تضيع منّى بعض الخواطر المستحدثة ، فاقول :
    كّانّه كان من عظيم الفائدة ، أن تحدث " الفتنة الكبرى " في عصرٍ عاشه كِرام الصحابة ! ذلك أنّ التعاطي الدينى والسياسي في تلك المعمعات ، والذي رَشَـح من خلال مواقِفهم، ما كان له ان يحظى منّا بهذا الاهتمام ولا تلك الثقة! ، ولا كان هناك من املٍ لمتانة الاستشهادات التي تمّ وسيتمُّ استخلاصها من تلك الفتنة الكبرى .. والقول الفصل لله ربِّ العالمين (وعسى ان تكرهوا شيئا وهوَ خير لكُم )

    خالص الود والتقدير ،،/
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-03-2005, 10:45 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: محمد أبوجودة)

    العزيز أبو جودة
    التحايا وخالص الود
    ولك جزيل الشكر على المداخلة القصيرة الملأى بالمعاني. وكما تفضل الأستاذ الخاتم عدلان، بوصفك من قبل: فأنت من القراء والكتاب الذين يضيفون إلى ما يقرأون، وهذه خلة نادرة!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-03-2005, 09:14 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)

    العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:
    كيف شقق جسد الواقع جلباب النص؟!

    (9)

    لقد مثلت الإطاحة بخلافة عثمان إنقلابا على سلطة الخليفة، وتمردا على التفويض الديني للحاكم. فقد تقاطر الثوار من الأمصار، وحاصروا الخليفة في مقره إلى أن قتل. يقول د. محمد عمارة، أن الثوار بايعوا الإمام علي على الخلافة، فما كان منه إلا أن: ((بادر في اليوم الثاني لبيعته فأعلن أول خطبة له التغييرات الثورية التي ألغت ما طرأ على المجتمع الإسلامي في عهد عثمان:

    1- ففي السياسة والإدارة: أعلن عزل عمال عثمان وولاته على الأمصار والأقاليم.
    2- وفي الإقتصاد الزراعي: كانت هناك الأرض التي جعلها عمر ملكا خاصا لبيت المال، ثم جاء عثمان فاقطعها لأوليائه وأعوانه وولاته وأهل بيته. فأعلن علي رد هذه الأرض إلى ملكية الدولة وحوزة بيت المال، ورفض أن يعترف بالتغييرات التي حدثت فيها، وقال في ذلك كلماته الحاسمة: (والله لو وجدته ـ (أي المال) ـ قد تزوج به النساء، وملك به الإماء، لرددته .. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق!). كما أعلن أن التمايز الطبقي الذي رفع من لا يستحق وخفض من لا يستحق قد حان الحين لتصفيته فقال: والذي بعث محمدا بالحق إنه (لا بد أن يعود أسفلكم أعلاكم، واعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قد قصروا، وليقصرن سابقون كانوا قد سبقوا)!
    3- وفي ميدان العطاء: أعاد نظام التسوية بين الناس، فنفذ بذلك عزم عمر الذي لم يتمكن من تنفيذه. وعاد بالأمر إلى سنة النبي وأبي بكر.... ولما احتج نفر من الأشراف وبعض من الذين سبقوا إلى الإسلام بأن عمر قد ميزهم في العطاء قال علي: (... قديما سبق قوم إلى الإسلام ونصروه بسيوفهم ورماحهم، فلم يفضلهم رسول الله في القسم ... فالله لم يجعل الدنيا للمتقين أجرا).

    وكان بهذه النغييرات، يطبق ويضع في الواقع الإسلامي مطالب الثوار، ويقنن عملية التغيير الثوري .. كما كان يشرع لفلسفته الثورية في الأموال، تلك التي نظرت إلى مكة ككل متحد ومتكافل، والتي أودعها كلماته التي تقول: (إن الله سبحانه، فرض في أموال الأغنياء اقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك)..)) .. انتهى نص الدكتور محمد عمارة.

    وتأتي المفارقة حين نعلم أن عليا بن إبي طالب رغم ما قام به من تغييرات ثورية عكست مطالب الثوار، واتجهت إلى فرض روح الإسلام على الواقع الذي أخذ يتفلت، لم يستطع في نهاية الأمر، من جمع الأمر كله تحت رايته. فسرعان ما انقسم ضده المنقسمون وبدأت سلسلة المعارك الحربية بين الفصائل المختلفة، وانتهى الأمر برمته إلى الأمويين. وهذا ربما يوضح أن الشعارات التي رفعت ضد حكم عثمان لم تكن ترمي في حقيقتها إلى رد الأمر إلى ما كان عليه في عهد النبي وأبي بكر، وعمر.

    في المقدمة التي كتبها الدكتور حسين مؤنس للتحقيق الذي قام به لكتاب "النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم"، ذكر الدكتور مؤنس أن بني أمية قد هبوا للدفاع عما حققوه من مال وجاه حين قرر الإمام علي عزل ولاتهم ورد الأراضي والأمول منهم. ويقول حسين مؤنس إن المبادئ والإخلاص، وحتى الدم، أمور تهون حين يصبح الأمر منحصرا في الدفاع عن المال والجاه. والدليل على ذلك في رأي الدكتور مؤنس: ((أن بني هاشم أنفسهم عندما اتيحت الفرصة لفرع منهم للإستيلاء على الخلافة انقلبوا على أبناء عمومتهم آل علي، وأنزلوا بهم من المذابح والويلات ما زاد على ما فعله معهم بنو أمية)).. ويواصل الدكتور حسين مؤنس فيقول: ((وهذه الحقيقة تجيب على السؤال الذي وضعه المقريزي ثم لم يجب عنه وهو: كيف وصل بنو أمية إلى الخلافة وهم كانوا في رأيه ـ أقل القوم استحقاقا لها؟ والجواب: أن الخلافة ما دامت قد أصبحت سياسة وقوة ومالا وجاها، فإن الذي يفوز بها هو الأمهر في شؤون الدنيا والسياسة والقوة والمال، ولا ينتصر فيها قط الأتقى أو الأقوم خلقا أو الأشد تمسكا بالدين، لهذا فاز بالخلافة أولا بنو أمية ثم بنو العباس، وعندما يتعلم بعض آل علي أسرار السياسة وأساليب الوصول إلى الحياة والسلطان سيفوزون بها أيضا)) .. انتهى

    لقد سبق أن أشرت إلى أن دولة المدينة قد مثلت حالة إستثنائية أتت مع تلك النفحة السماوية التي صحبت البعثة المحمدية الشريفة. تلك الحالة الروحية لا تتفق للناس إلا بوجود نبي يعيش بين ظهرانيهم. فهي ليست نموذجا يمكن أن ينادي به زيد أو عبيد من الناس مدعيا امتلاك القدرة على إقامته، والحفاظ عليه، وضمان استمراريته وديمومته. فلو قدر لذلك النموذج الديني أن يستمر لأستمر على أيدي أبو بكر وعمر وعلي.

    أشار الدكتور طه حسين إلى تلك الحالة الإستثنائية، إشارة حصيفة وذلك حين قال في كتابه "الفتنة الكبرى: (1) عثمان": ((وأكاد أعتقد أن الخلافة الإسلامية، كما فهمها أبو بكر وعمر، إنما كانت تجربة جرئية توشك أن تكون مغامرة، ولكنها لم تنته إلى غايتها، ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى غايتها، لأنها أجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تجري فيه))..انتهى.
    ولقد أشار الأستاذ محمود محمد طه إلى تلك الحالة السماوية التي وسمت دولة المدينة في العقود الثلاث الأولى، إشارة أكثر عمقا وتركيبا من إشارة طه حسين، وذلك حين قال في مقدمة "الرسالة الثانية من الإسلام":

    ((ثم أن النبي لم يلبث أن التحق بربه، فانثلمت بذلك قمة هرم هذه المدنية الإنسانية الجديدة، ومن أبلغ ما بلغنا في ذلك عبارة أحد الأصحاب حين قال: ((ما كدنا ننفض أيدينا من تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا)). وظهر صدق هذه العبارة عمليا في أخريات خلافة عثمان، مما انتهى إلى ما يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى.

    وهذه المدنية الإنسانية الجديدة، التي عاش محمد في أوجها، والتي انحسرت قمة موجتها بهذه السرعة المذهلة لدى موت محمد، كما جاء في عبارة أحد أصحابه، ما زالت قمتها تطمئن، وقاعدتها تتسع، حتى عادت مدنية مادية تشبه، من بعض الوجوه، المدنية الرومانية، والمدنية الفارسية، اللتين أسلفنا القول بأن مدنية الإسلام قامت على أنقاضهما.

    يقولون ان التاريخ يعيد نفسه، وهذا حق، ولكنه ليس كل الحق، ذلك بأن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة واحدة، وإنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه، وتختلف من بعضها، عما كان عليه الأمر في سابقه، فالمكان ليس كرويا، ولا الزمان، تبعا لذلك، بكروي، وإنما هما لولبيان، يسيران من قاعدة إلى قمة، تشبه فيهما نهاية الحلقة بدايتها، ولا تشبهها))...انتهى.

    لقد كان عمر متأثرا بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، في الزهد والتجرد والورع والحرص على تحقيق العدل والمساواة بين الناس. وقد كان النبي يضرب للناس في ذلك النموذج العملي المجسد في اللحم والدم: ((لقد خيرت بين أن أكون نبيا ملكا، وبين أن أكون نبيا عبدا، فاخترت أن أكون نبيا عبدا)).. ((والله ما أحب أن يكون لي مثل جبل أحد ذهبا أنفقه في سبيل الله)) ..((يا آل محمد إنكم أول من يجوع وآخر من يشبع)). تشرب عمر بن الخطاب روح النموذج النبوي، وكذلك الإمام علي من بعده. غير أن المثال لم يستطع في نهاية الشوط قلب الواقع العملي رأسا على عقب.

    من الإشارات الباعثة على التأمل الإشارة التي وردت كثيرا في محاضرات وكتابات الأستاذ محمود محمد طه، والتي تقول كان النبي وكأنه قد جاء إلى أمة القرن السابع من القرن العشرين. فمن الواضح جدا أن الإسلام في جوهره دين ذو توجه اشتراكي. فعمر قد جعل الأراضي ملكا عاما، وحين أخذ عثمان في اقطاعها لأهله وذويه ومعاونيه وولاته، جاء علي بن أبي طالب من بعده وأمر بردها إلى بيت مال المسلمين. كما كان واضحا أيضا حرص كل من عمر وعلي على المساواة بين الناس. لقد كان الإسلام عند النبي وعند الشيخين وعلي، دينيا ثوريا هدف إلى فرض المساواة في الواقع فرضا. غير أن الواقع لم يكن مهيأ لذلك المثال. ولذلك فقد سار الواقع مسيرته المقدرة له، فتحولت الخلافة إلى مجرد ملك، والشورى في اختيار الحاكم على أساس التقى والورع إلى نظام للتوريث أساسه الدم. وهكذا بقي المثال معلقا ينتظر نضوج الظروف التي لم تنضج حتى يوم الناس هذا.

    تحدى الواقع المثال المرفوع، عقب موت النبي مباشرة. وامتناع الأعراب عن أداء الزكاة عقب موت النبي كان السبب الأساسي لحروب الردة. قالت الأعراب عقب موت النبي: ((إننا لنصوم ولنحج ولنصلي، ولكننا لا نؤتي أموالنا! إنها الجزية والله)) وكان ذلك تحديا لسلطة الدولة التي أنهت نظام القبيلة، وتحديا لروح الدعوة القاصدة إلى تحقيق العدل والمساواة. ولذلك فقد قال أبو بكر دونما تردد: ((والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه!)). الشاهد أن الواقع أخذ في الإنحراف عن وجهة المثال منذ تلك اللحظة حتى تحول، في نهاية التداعيات السريعة، إلى "ملك كسروي" في أخريات خلافة عثمان، كما وصفه كبار الأصحاب في رسالتهم التي بعثوا بها إلى الأمصار مستنفرين أهل تلك الأمصار للزحف على عاصمة الخلافة.

    الشاهد أن الدولة الدينية التي تستمد شرعيتها من السماء لا تقوم إلا بوجود نبي يمشي بين الناس. ولذلك فإن الحديث عن دولة دينية بهذا المعنى استنادا على حقيقة أن النص السماوي موجود بين أيدينا، حديث كله غش وتدليس، وقصاراه أكل الدنيا بإسم الدين. فالقائلون به يريدون لأنفسهم سلطة سماوية لا ينازعها منازع، ولا يحاسبها محاسب، مع حقيقة أنهم لا يملكون أخلاق أبوبكر، وعمر، وعلي!! فالنصوص على حداثة عهدها في القرن السابع والثامن الميلاديين لم توقف الفتن التي تناسلت حينها. وبناء على النصوص نفسها تواجه بالسيوف علي وطلحة، وعلي وعائشة، كما تواجه بالسيوف مسلمون كثيرون بعدهم.

    قال الأستاذ محمود إن الماركسية قد جعلت عودة الإسلام ممكنة!! وهو يعني أن تجربة التطبيق الإشتراكي القائمة على العنف وعلى فرض المثال من فوق قد فتحت نتيجة لإخفاقها أذهاننا إلى حقيقة أن الإشتراكية لن تتحق إلا عن طريق الديمقراطية. والديمقراطية كما ينبغي أن تكون، لا تزال حلما لم يتحقق إلى اليوم. لا!! ولا حتى في أعرق الديمقراطيات الغربيات! الفضاء الذي يشير إليه فكر الأستاذ محمود فضاء إنساني عريض يلتقي فيه الديني بالعلماني فيمتزجان. في هذا الفضاء الفكري الجديد يلتقي الإسلام ببعض تيارات ما بعد الحداثة، وبعضا من تيارات حماية البيئة. كما يلتقي بغارودي في "الذي يعد به الإسلام" ومع غيره من دعاة لاهوت التحرر. كما ينضم إلى هذا الركب الإنسانوي نعوم شموسكي، وسمير أمين، وغيرهم من المشفقين على الإنسانية من احتمالات تعميم النموذج الأمريكي على بقية الكوكب.

    (يواصل الأسبوع المقبل))






                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2005, 01:07 AM

EXORCIST7
<aEXORCIST7
تاريخ التسجيل: 05-02-2002
مجموع المشاركات: 1103

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Dr.Elnour Hamad)


    د. النور حمد ..شكرا على تسليط الضوء على تأريخنا الإسلامى ومحاولة تناوله بصورة تحليلية نقدية ، ولكن لى بعض الأسئلة أستجوبك إياها
    هل نرهن الدين للبراغماتية والعقلانية دائما ؟
    فى رأى أن الدين هو العاصم لحركة الإنسان من الزلل فى سيره إلى الله والإنسان عليه أن يستصحب المثال فى حياته حتى يرتقى فى قيمه وأخلاقه وكسبه حتى يلقى الله ولكن مذهب البراغماتية يرتهن الدين للمصلحة العاجلة على الأجلة فهذا ربما يؤدى إلى إعتقاد البعض بأن القيم الأخلاقية الإسلامية لست بقيم ثابتة وإنما تتبدل بتغير الزمان والمكان، فإن كان ذلك كذلك فالمسلم الذى لا يعيش بين ظهرانى المسلمين لا يستطيع أن يتأقلم مع المجتمع الغير مسلم بل سيكون منعزلا أو يعيش فى قيتو...فالمسلم حتى يعيش فى سلام مع ربه ومع نفسه والمجتمع وحتى لا يعيش التناقض لابد له من مثال ثابت يقتدى به فهو يدور حول المثال ولا يدور المثال حوله ...!!!
    إذا لم يكن الزمان زمان المثل العليا هل على الدين النزول عند رغبات الإنسان المختلفة أم عليه الصعود بالإنسان لمثله العليا ؟
    ألا يمكن أن تعود الطهرانية التى صحبت البعثة المحمدية إلى حياة الناس أبدا ؟
    فالمسلمون يعتقدون فى بعثة المهدى المنتظر ونزول عيسى والذى فى عهده ستسود الطهرانية الإنسانية فى غالب أمرها
    وهل إستحالة الدعوة إلى طهرانية صرفة تلزمنا القبول بأوضاعنا كما هى ؟....وإذا كان ذلك كذلك فلن يبقى من الدين إلا رسمه فى مستقبل أيامه !!

    وأكتفى بهذا القدر من الإسئلة
    والسلام
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-03-2005, 00:24 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: د. النور حمد يكتب: العصر الأموي، وفجر البراغماتية الإسلامية! (Re: Faisal Salih)

    أخى العزيز د. النور

    أطيب التحايا ، والشكر علي مواصلة هذه السلسلة الفكرية الضرورية ، والتي
    نأمل أن يضمَّها كتاب يجمع دُررها بين دفَّتيه ، في القريب العاجل ؛ ونكون من قرائه ..

    أسعدنى كثيرا أن أُلمَّ بهذا البيان الواضح لثورية علي ابن ابي طالب ، عندما آلت إليه إمرة المسلمين ، فلم يُماري في " دِينه " ، علي الرغم من آراء ومشاورات ونصائح بعض جماعته ، كرأى ابن عباس بإرجاء عزل معاوية ! فكان رأى " علي " بأنّه لا يُداهِن في دِينه . ومن الملاحظ أن " علي " قد قَبِل مشورة أصحابه في أشياء كثيرة أخرى واتَّبَعها ، كما في قبوله لرأي " جارية بن قُدامة " أحد أصحابه وقوّاده ، عندما انتقضت " فارس " علي عُمَّالِه ، فاستشار أصحابه ، فقال له " جارية " : ألا أدلَّك يا أمير المؤمنين علي رَجلٍ صليب الرأي ، عالم بالسياسة ، كافٍ لما وَلِيَ ؟ .. فقال مَنْ هو ؟ قال : زياد ابن أبيه ؛ فولاّه فضبطها .

    نعم ، لابد أن نعي تماما ، أنّ السياق التاريخي الذي نشأت فيه دولة الاسلام في فجرها ، قد كان غير السياق الذي نعيشه الآن . وبالتالي ، فقد كانت " دولة المدينة " قمّة في المدنية والرَّقي العقلي ، مقارنة بما عاصرها أو كان سالفا عليها من " دُول " ؛ كذلك كانت الدولة الأموية والعباسية ودولة الأندلس الإسلامية ، جماعا لبعض " الروح الأمين " وبعض " التراكم المعرفي في مجالات السياسة والحكم " بالنسبة للدول المغايرة في سياقها. هى ، تجارب إنسانية حاولت جهدها السّعى للمقاربة التطبيقية مع الفهم المقدور عليه من " النص " المثال ، كما حاولت جهدها "توفيقية " طموحاتها الدنيوية التطبيقية هذي مع ذاك المثال ، لتنجح بعض حينٍ وتفشل كثير أحيان بحسب معطيات زمانها ؛ ليبقي التحدّي الآن ..! فهل الدولة الدينية ، بما عرفنا ، أهلٌ لإعادة تطبيق في سياق القرن الحادي والعشرين ؟ والمسلمون يقبعون بأدنى السُّلَّم الحضاري ، عالميا ؟؟

    أخى العزيز النور ،،
    عظيم امتنانى لثناؤك العاطر ، والامتنان موصول لأستاذي / خاتم عدلان .
    وإنّنى في الحقيقة ، بين خِشْيَة وثقة وسراط ممدود بينهما ! فلولا "ثقةٌ" في صِحَّة تتلمذي علي سامق فِكرَكُما وآخرين من بنى جلدتي وغيرها ، لما استطعت ان اتجاوز تلك " الخشية " من ثناء كريم كهذا ، خوف ان تردينى من حالق ! وتُرينى من نفسي ماليس لي به قُدرة ، والنفس أمّارة ... بُورِكتَ يا أخي واستاذي النور ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2005, 10:12 PM

Agab Alfaya
<aAgab Alfaya
تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شرك لمحمد ابو جودة (Re: Faisal Salih)

    الاخ محمد ابو جودة اشكرك جدا علي المهاتفة ،

    ويؤسفني انني فقدت رقم تلفونك عند استبدال الشريحة الي موبايل اخر مع مجموعة اخري من الارقام ،

    فارجو مكاتبتي علي الايميل [email protected]


    عفوا دكتور النور والقراء

    وبهذا اناشد الاخ بكري باستعادة الماسنجر فورا لانه ما عندو ذنب

    (عدل بواسطة Agab Alfaya on 02-04-2005, 10:13 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2005, 00:11 AM

محمد أبوجودة
<aمحمد أبوجودة
تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3714

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شرك لمحمد ابو جودة (Re: Agab Alfaya)

    أخى العزيز الاستاذ/ عبدالمنعم الفيا

    التحية الطيّبة والاحترام ،،

    عرفتَ وين تشرِّك لي ! فهذا البوست : لأستاذنا دكتور : النور حمد ، الذي نتسائل عنه ، مع معرفتنا بكثرة المشغوليات هاهنا وهناك ؛ أظلُّ دوما من المــاكثين فيه أبدا .


    شكراً لسؤالك ، أخي منعــم ، وسأوافيك برسالة عجلى ..


    العزيز الدكتور : النور حمد
    أين أنتً يا رجل ؟؟ نتمنّى أن تكون بخير ، وأن تطلَّ علينا ASAP


    - - - - - -

    دعواتنا وابتهالاتنا لله - سبحانه وتعالى - بأن يشفي استاذنا/ خاتم عدلان
    والامل بالله ، كبيرٌ ، والركون الي عزيمة وجَلَد استاذنا الخاتم عدلان ، وتصالحه مع نفسه ومجتمعه ونضاله لأجل غدٍ مشرق للسوان ، وكذلك تقدُّم الطب ؛ كل أؤلئك ، يمنحوننا التماسك وتمسـُّكا بترقُّب الانباء العظيمة ..

    وقد قِيل :

    إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ،،، فأهـوَن مـا يمرُّ به الوحول
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2005, 01:07 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شرك لمحمد ابو جودة (Re: محمد أبوجودة)

    العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية:

    "الملك المتوارث" كان سمة المرحلة .. و"الخلافة" حالة عارضة!

    (10)


    تعرضت في الحلقات السابقات لرأي الدكتور طه حسين القائل بأن الدعوة الإسلامية قد مثلت حين جاءت في القرن السابع الميلادي، قفزة كبيرة، مقارنة بما كان عليه حال الناس وقتها. كما سبق أن أوردت ما قال به الدكتور محمد عمارة، الذي تتطابق رؤيته مع رؤية طه حسين في هذا المنحى، من أن القيم المتعلقة بملكية المال، والداعية إلى الشراكة، ونبذ الإكتناز، قد جاءت محلقة فوق رؤوس الناس. وحقيقة لم يتمثل تلك القيم في واقع السلوك اليومي سوى قلة ممن كانوا حول النبي. ومنهم على سبيل المثال، أبو بكر وعمر وعلي. ويرى طه حسين أنه ما كان لتلك القيم الرفيعة أن تعمر طويلا إذ أن الواقع لم يكن مهيأ لها تماما. ولذلك، فسرعان ما عاد ذلك الواقع إلى ما كان عليه. وقد سبق أن أشرت إلى أن حروب الردة قد كانت بسبب امتناع الأعراب عن إيتاء الزكاة. فالإسلام قد جاء بنهج إشتراكي ثوري، لم يكن الظرف التاريخي مهيأ له، ولم تكن النفوس مهيأة لقبوله أيضا.

    لقد عارض أبو سفيان بن حرب الدعوة الإسلامية، أبتداء. وقد كانت معارضته للدعوة امتدادا طبيعيا لصراع طويل حول زعامة قريش يرجع إلى الأخوين اللذان يقال أنهما ولدا توأمين وهما هاشم، جد الهاشميين، وعبد شمس جد الأمويين. يقول المقريزي، في كتابه، "النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم"، ((يقال: إن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين، خرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم، ولقد لصقت أصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نزعت دمي المكان، فقيل: سيكون بينهما، أو بين بينهما دم، فكان ذلك)).. انتهى نص المقريزي.

    عارض أبو سفيان دعوة النبي بسبيل من تلك العداوة القديمة الممتدة القائمة على التنافس، ولم ينطق أبو سفيان بالشهادتين إلا حين فتح مكة. والراجح أن أبا سفيان قد أسلم مضطرا، ولم يحسن إسلامه. لم يفهم أبو سفيان أبدا، أن دعوة النبي دعوة من السماء، وإنما ظل دائما يراها مجرد وسيلة جديدة توصل إليها بنو هاشم ممثلين في شخص النبي، هدفها الأول والأخير هو سحب الوجاهة والزعامة من بني عبد شمس. يقول المقريزي في كتابه "النزاع والتخاصم" المشار إليه عاليه: ((روي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله عنه حين صارت الخلافة إليه، فقال: قد صارت إليك بعد تيم وعدي، (يشير إلى أبي بكر وعمر)، فأدرها كالكرة ـ وفي رواية فتزقفوها تزقف الكرة ـ وأجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، وما أدرى ما جنة ولا نار. فصاح به عثمان رضي الله عنه، قم!! فعل الله بك وفعل)).. انتهى نص المقريزي.

    من النص أعلاه يتبين أن أبا سفيان لم يكن يرى المسألة كلها سوى صراع بين أبناء عمومة بينهم تنافس قديم على القيادة! ولكن، رغم المقاومة الشديدة، انتصرت الدعوة الإسلامية على أبي سفيان، وعلى كل وجهاء قريش. ولم يجد أبو سفيان في نهاية الأمر بدا من أن يسلم، وكذلك فعلت زوجه، هند بنت عتبة.

    حين وصلت الخلافة إلى عثمان، رأى أبو سفيان أن الزعامة قد عادت إلى بني أمية مرة أخرى. فطلب من عثمان، أن يجعل أوتادها بني أمية. ولم يقف أبوسفيان عند ذلك الحد، وإنما تطوع بإيضاح وجهة نظره في القضية كلها، وذلك حين قال: ((فإنما هو الملك، ولا أدرى ما جنة ولا نار))!! مما حدا بعثمان إلى انتهاره وطرده. وعلى الرغم من أن عثمان قد استنكر قولة أبي سفيان تلك، وقام بطرده، إلى أن واقع الأمر قد جرى فيما بعد وفق ما طلبه أبو سفيان. فقد أوكل عثمان ولاية الأمصار الهامة لبني أمية، كما اقتطع لهم أراضي الدولة مما أعطاهم القوة والمنعة، وجعلهم يسيطرون.

    يرى الباحث الإسلامي، المغفور له، الأستاذ، خليل عبد الكريم، في كتابه "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" إن الخروج من نظام الشورى إلى نظام التوريث قد كان أمرا طبيعيا متماشيا مع حالة التحول الإقتصادي التي أصابت الدولة الإسلامية نتيجة للفتوحات الكبيرة. فمجلس شورى القبيلة نظام عرفته الجزيرة العربية قبل الإسلام. ولكن حين تطور مجتمع الجزيرة العربية من مجتمع قبلي، إلى مجتمع دولة ذات سلطة مركزية، أصبح شبيها بغيره من المجتمعات المتطورة في الإمبراطوريات المجاورة. وقد حتمت تلك النقلة تحوله من نظام الشورى القبلي إلى نظام التوريث الملكي الإمبراطوري الذي كان السمة السائدة في تلك الحقبة التاريخية في كل المجتمعات التى بلغت طور سلطة الدولة المركزية.

    يرى خليل عبد الكريم، أن التباكي على نهاية دولة الخلافة، ونهاية نظام الشورى، والإتجاه إلى ذم معاوية بوصفه قد قاد انقلابا على مفهوم الخلافة وقام من ثم بتحويله من شورى، إلى "ملك عضوض" اتجاه يفتقر إلى التفهم العميق للظرف التاريخي. ولذلم فهو يري أن من يستخدمون عبارات "ملك عضوض"، و"قيصرية كسروية نجاشية"، في ذم الطور الأموي للحضارة الإسلامية، يجهلون الواقع الموضوعي لذلك العصر أو يتجاهلونه ويقول في ذلك: ((إن الذين يبالغون في استعمال مثل تلك العبارات يجهلون أو يتجاهلون الظروف المادية التي طرأت على نظام الحكم فبدلته. ذلك أنه من المستحيل بعد الفتوحات التي تمت والتي صبت في خزائن المسلمين وجيوبهم ثروات أسطورية ما كانوا يحلمون بها مجرد حلم، والإحتكاك بالحضارتين الفارسية والبيزنطية، وتطور طرق وأدوات وعلاقات الإنتاج، والتغييرات الجغرافية في أماكن الإقامة من صحارى قاحلة إلى وديان الأنهار الخصيبة ذات الغلال الوفيرة، إلى توفر أعداد مهولة من العمالة الممثلة في العبيد إلى ترقِّي العيش ولطافته واقتناء الجواري الحسان من جنسيات متعددة .... إلخ، من المستحيل أن يظل نظام الحكم كما كان قبليا. ومن المستحيل ألا تتحول (حكومة القبيلة) التي كانتى سائدة في عهد الخلفاء الراشدين إلى (حكومة مركزية). ومن أهم مقومات الحكومة المركزية وجود جيش نظامي يدين بالولاء المطلق للحاكم وفي هذه اللحظة بالذات يستطيع الحاكم أن يفرض سلطته على المحكومين ويورث موقعه من يريد إبنا أو أخا ... إلخ. فالذي فعله معاوية من توريث الخلافة لابنه يزيد كان أمرا طبيعيا لانحلال الشكل القبلي في الحكم وتحوله إلى حكم مركزي ولو كان أي شخص آخر مكان معاوية "صحابيا أو غير صحابي" لفعل ما فعله معاوية في هذه الخصوصية، يعلل الأستاذ العقاد تحول "الخلافة الرشيدة"إلى "ملك عضوض" بأنه (لم يكن طبيعيا أن يصمد الناس على سنة النبوة أكثر من جيل واحد تثوب بعده الطبائع إلى فطرتها). ويشرح ذلك بأن (الناس في إبان النضال والحمية الدينية تنسى المطامع وتسمو على الحزازات ولكنها بعد قليل تركن آخر الأمر إلى الأرض حيث لا حافز ولا مستنهض)..)) .. انتهى نص الأستاذ خليل عبد الكريم.

    وما قال به الأستاذ خليل عبد الكريم لا يخلو من بصيرة. فنظام توريث الحكم نظام ساد حقبة تاريخية طويلة من تاريخ البشر على الأرض. وأحب أن أضيف إلى ما تفضل به الأستاذ خليل عبد الكريم، أن نظام التوريث قد ارتبط بالإضافة إلى نشأة وتطور مفهوم الدولة المركزية، ببعض المفاهيم الدينية المتعلقة بالحق الإلهي المقدس في الحكم. فغالب مجتمعات إفريقيا الغربية، مثلا، تعتمد نظام الـحق الإلهي المقدس divine kings وهو نظام اعتمدته أيضا مجتمعات حضارة وادي النيل القديمة في كل من مصر والسودان.

    ارتبط مفهوم توريث الحكم في بعض مناحيه بمفهوم "نبل الدم" مما يجعل الحق في الحكم حصرا، في سلالة بعينها. ورؤية الشيعة، مثلا، لحق علي بن أبي طالب وذريته في الحكم تقوم هي الأخرى على مفهوم "نبل الدم". وهي رؤية تؤمن في عموم الأمر، أن كل من تحدر دمه من تلك السلالة يصبح صالحا بالنشأة لولاية أمر الناس! ويسمي بعضنا هذا "الشرف"، أي النسب الشريف الذي يرجع إلى علي بن أبي طالب، ومن ثم، إلى فاطمة، وإلى، النبي الكريم، في نهاية الأمر.

    غير أن من أهم ما قام به الإسلام هو كسره لقاعدة الدم تلك. وقد كانت تلك ثورة كبيرة على ما كان سائدا وقتها. فقد دفع الإسلام بقضية المساواة بين الناس إلى أفق جديد غير مألوف، به تحولت به القيمة من نسب الدم، إلى نسب الدين، أو قل إلى نسب الأخلاق. لم يكن أبو بكر، وعمر من البيت النبوي، ولكنهما أصبحا خليفتي النبي بحكم سبقهما، وبحكم تجسيدهما العالي للقيم النبوية. ولذلك يمكن القول، وبلا مواربة أن خلافة أبو بكر، وعمر قد مثلت دلالة على ديمقراطية الإسلام، في ذلك الإطار التاريخي، بأكثر مما كان يمكن أن تمثله خلافة علي، أو ذريته. كما أنها رسمت بشكل ما صورة المستقبل الإنساني العريض حين تتخطى الأمور عوائق الدم، والعنصر، واللون، والجندر. ومن هذا المنطلق يمكننا أن ننظر إلى النقلة الأموية من زاوية جديدة وأكثر شمولا في رؤية المركب في مسار التاريخ، رغم كل التحفظات التي يمكن أن تساق ضد بني أمية.

    يحصر الأدب الشيعي الذي تطور بعد الفتنة الكبرى حق الحكم في الدم النبوي. وبهذا يبقي الأدب الشيعي مفهوم ولاية العهد على ما كان عليه الحال في الحضارات القديمة التي اعتمدت نظام "الحق الإلهي المقدس للملوك" . فلو تولى آل البيت الحكم واستمروا فيه لربما سلب ذلك الإسلام من أهم ما جاء به وهو يبشر ويمهد للعهد الديمقراطي المستقبلي. فمفهوم "ولاية الفقيه" الشيعي والذي يشكل أساس الحكم في إيران اليوم، مبني على "أحقية الدم" التي تقوم على عقيدة أن من تسرى في عروقه دماء نبوية أحق من غيره بالإمامة وبالقيادة الدينية والسياسية. ولو ساد ذلك المنحى الشيعي سيادة تامة لربما ألصق بالإسلام شيئا من النزعة العنصرية. فسيطرة الأمويين، رغم كل ما يمكن أن يقال عنها، قد أغلقت الباب أمام ظهور سلالة من الملوك الذين يحكمون بحق الإنتساب لدم النبي الكريم. كما أن ذم معاوية بوصفه بقعة سوداء في التاريخ الإسلامي ربما مثل منحى تبسيطيا يحتاج منا إلى كثير من إعادة النظر.

    لقد تحفظ خليل عبد الكريم على توريث معاوية لإبنه يزيد بالذات. أما رأيه في مبدأ التوريث، بصفة عامة فهو يقول: ((فمعاوية إذ فعل ذلك لم يكن لشر في نفسه أو لفساد في طبعه أو لخبث في طويته كما يحاول الكثيرون أن يصوروه. بل إن الظروف هي التي كانت قد نضجت، وهي التي دفعته دفعا إلى ذلك المسلك. ولو كان أي شخص خلافه في مكانه، صحابيا أو غير صحابي، مبشرا بالجنة أو موعودا بصقر وبئس المصير، لسار في الدرب عينها ولصنع ما صنع معاوية)) .. انتهى نص خليل عبد الكريم.

    الشاهد أن التاريخ لا يتغير بالتعاليم، ولا بالأماني وحدهما وبمعزل عن نضج الظروف الموضوعية المتشابكة والمعقدة، التي تجعل التغيير ممكنا. فدولة الخلافة لم تكن سوى نموذجprototype لمستقبل الإسلام. وهو نموذج لم يتم تشكيله وفق المثال الأعلى الوارد في القرآن، وإنما وفق ما سمح به الظرف التاريخي وقتها. وهنا تكمن أهمية رؤية الأستاذ محمود محمد طه الشاملة، إلى جملة المسألة.
    (يتواصل الأسبوع المقبل)


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2005, 01:11 AM

Dr.Elnour Hamad
<aDr.Elnour Hamad
تاريخ التسجيل: 19-03-2003
مجموع المشاركات: 634

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: شرك لمحمد ابو جودة (Re: محمد أبوجودة)

    الأخ العزيز أبو جدودة
    شكرا على رفع البوست، وآسف للغيبة الطويلة.
    إنشغلت ببوست خورطقت مع الأخ سيف الدولة أحمد خليل.
    سأواصل بعد أن نشرت العاشرة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de