(1) صديقي يوسف إدريس أفلت من موتِ مُحقق . أُحرقت سيارته و أفلت من الموت . كان ذلك نهار يوم إعلان استشهاد دكتور ( جون قرنق ) في الخرطوم . لقد اعتاد هو أن يهجر كل المغريات ليقضي عطلته السنوية بين الأهل في الوطن . دعم قضايا السودان الجديد ، ومجلسه ندوة لقضايا الوطن لم نزل ننهل منها ونأكل من رُطب الحديث معه بذاكرته الموسوعية . بينه وبين المنتمين للحركة الشعبية كثير ود ، وجسور من الأخوة والصداقة .
(2) جرثومـة العُنــف :
الحرب الأهلية في قاع ذاكرة كل منا. هذا ما يعتقده دكتور عدنان حب الله ، كل كائن بشري يحمل في قاع ذهنه و قرارة نفسه جرثومة العنف في وضعية الجلوس والانتظار . فغريزة الاقتتال الأخوي و الحقد على الآخر جاهزان للظهور و الانتشار ما أن تسمح البيئة المحيطة بذلك ، و ما أن يتوفر المناخ الأيديولوجي المناسب لها . ما من مجتمع أو فرد في العالم بمنأى عن هذه الظاهرة. الدكتور عدنان حب الله ، مؤلف كتاب ( جرثومة العُنف ) ، طبيب أعصاب و محلل نفسي لبناني معروف ، مارس مهنته في بيروت معظم سنوات الحرب الأهلية هناك ، و في كتابه هذا، يعمل على وصف سيكولوجية من شاركوا في هذا الصراع بصورة مباشرة ، أو من قاسوا أهواله و مآسيه دون أن يكونوا طرفا مباشرا فيه ، و إن كان المؤلف يعتبرهم
(مقاتلين سلبيين ) على حد وصفه . يعلل الدكتور تحليلاته بملاحظات ميدانية عن نساء اضطربت أوضاعهن ، و أطفال يخوضون حروبهم الخيالية ، يستخفون بموت الآخر . إذ يقومون بأعمال عنف رعناء و عبثية ، ملحقين الدمار و الخراب والموت مع ما يرافق ذلك من صدمات و رضوض نفسية خطيرة. يبين كيف يمكن للتهجير بسبب الحرب، ذاك الوقع العنيف أن يحدث وبالاً على الصحة النفسية لضحاياها . سِفر ( جرثومة العُـنف ) كتبه صاحبه من خبرته في التطبيب ، وتجارب لمسها عن كثب . قراءة جديدة لمسيرة العنف ، يكشف هذه الظاهرة التي لا تعني فقط البلدان و القارات التي عصفت أو تعصف بها الحرب الأهلية ، و إنما تهم أيضا كل المجتمعات، بما فيها المجتمعات الغربية " المتقدمة" و " المتحضرة" التي تعاني حاليا من ظاهرة الضواحي المحتقنة، و صعود الحركات المتطرفة ، و تفكك العلاقات الأسرية ، و تدهور القيم الاجتماعية….
ما تم في الخرطوم ومدن السودان الأخرى في مطلع أغسطس 2005 م ، هي قراءة واقعية لكتاب صدر منذ زمان عن حرب أخرى ، وما أشبه الليلة بالبارحة ! .
أهو الظلام القابع في الذاكرة القديمة ، وقد نهض من سباته بعد أن غذته تقاطعات ضباب الإعلام وبطئ نقل الحدث والالتفاف على الأزمـة . نهض شيطان الذهن البشرى بمسلك القطيع والجمهرة اتشح ، و في تفاعل جهنمي مُتسلسل تمكن أن يُنجز كل هذا الجحيم في نهار يوم واحد ، ثم تبعته جهنم أخرى . نهضت الضواحي التي تحتقن بغضب من فيها . في جماعات مُلتاثة أفرغت الخراب والموت . لم يميز سلوك الجمهرة وهي في ريحها اللولبية ، أن في الشمال والشرق والغرب والوسط كما في الجنوب أيضاً أحزمة تشتكي ، وعدالة تنتظر البت .
نعم كان الكثيرون من أبناء الوطن ، لا يفرقهم موطن أو عرقً أو لغة ، يعقدون آمالهم على رؤى السودان الجديد نهجاً للخلاص ، والمبادئ التي تنادى بها الراحل دكتور ( جون قرنق ) أملاً في عدالة لجميع أبناء الوطن . صورة متلألئة لحلم وطن يبحث عن هوية . نعم رحلت البؤر السوداء منذ التاريخ 1955 م عبوراً إلى 1965 م ثم 2005 م ... ثم ماذا ننتظر يا تُرى ؟
لست أدري ، أبعد تلك الأحداث ، والتفاعلات المتسلسلة من إجرام سلوك الجمهرة من أبناء جنوب الوطن في وجه الأبرياء من أبناء السودان الآخرين ، ورد فعل مسلك الجمهرة من بقية أنحاء الوطن في وجه الأبرياء أيضاً من جنوب الوطن ، أيرتد الوطن الذي يسع الجميع إلى المربع الأول ؟
أمستقبلنا دولة ذات أنظمة مُتعددة أم فراق ليس من بعده لقاء ؟
كم يا تُرى فقدت قضية السودان الجديد من نُصرائها من غير أهل الجنوب ؟
هذا لهب من جحيم الحرب الأهلية مدّ لسانه وتذوقنا مرارة كأسه المسموم . طوّقه الأبرار من أهل السودان ، دولة وحركة شعبية وأحزاب ، وتجنبنا كارثة أكثر فداحة ، وكُتب لمسيرة سلام المرحلة الأولى أن تستمر .
كان البطل حُلماً هبط علينا ذات زمان : صورة الدكتور ( جون قرنق ) وهو يتحدث بعربي جوبا ، و تفلت الطُرفة من فمه بعذوبة تُجبر قلبكَ أن يفترش لمحبته بُسطاً لن تنمحي من الذاكرة ، نذكر هنا ما كتبنا :
دَاير تَغيب ؟ غِيب يا الهَدي غيب يا الرَضي غيب .. يا روعـة الدُنيا لمن صباح بَسَّمَكْ إتشَابا ويَشِقّ الليل . نحنا ما بتشبهنَا المَحنَّة مَدَفّقــة ولا رُقاد الهمبريب مدّيتْ زمان حَبل الوصالْ حبل الدلالْ وشَرّيتْ هِديمات التَعبْ نِحنَا البِفَرِّح وليدَاتنا مات مُستَعجِل رِكِب سِحاب أحلامنا .. فات
رقص صديقي في ( النُقارة ) مع جمع في توريت أيام ( نُقارة الخميس ) ديسمبر 1972 م من بعد أشهر من إتفاق أديس الأول كانت الدنيا بخير وفي توريت جيشان خارجها أنانيا نو وجيش الدولة وسلام في الجنوب وسلام في الشمال رجع الرصاص وأشرق الصبح
09-23-2005, 10:36 AM
عبدالله الشقليني عبدالله الشقليني
تاريخ التسجيل: 03-01-2005
مجموع المشاركات: 12736
لك التحية والاحترام وانت تعمق فينا الإحساس بالجمال الرصين عبر مفرداتك المليئة بالدهشة ..
والبركة في الرقاب .. يسلم صديقك والوطن ..
رمضان كريم وتصوم وتفطر على خير.
Quote: صورة الدكتور ( جون قرنق ) وهو يتحدث بعربي جوبا ، و تفلت الطُرفة من فمه بعذوبة تُجبر قلبكَ أن يفترش لمحبته بُسطاً لن تنمحي من الذاكرة
كان نسيجا متكاملا من الجمال السوداني الخالص .. وكان هو الوحدة الكبرى تمشي على قدمين .. ولكن الأعجب يا صديقي أن ابنه مبيور نسخة طبق الاصل شكلا ومضمونا .. ليتك لقيته ...
سأحكي لك عنه عندما نلتقي بالنادي
ياسر عبد الحي
10-16-2005, 05:50 AM
Yasir Elsharif Yasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52634
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة