محمد سعيد القدال

عزاء واجِب ، وتعريف .. بقلم عادل الحكيم
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 17-11-2018, 09:16 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2008م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-01-2008, 06:00 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


محمد سعيد القدال




    محمد سعيد القدال


    من مواليد الخرطوم 1935، حاصل على شهادة الدكتوراة في تاريخ السودان الحديث. أستاذ مشارك في مادة تاريخ السودان الحديث في كلية الآداب في جامعة الخرطوم،

    له العديد من المؤلفات منها:

    1970:التعليم في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية
    1972: الحرب الحبشية السودانية(تحقيق بالاشتراك) ط.ث.1992
    1973: المهدية والحبشة. ط.ث. 1993
    1985: الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب 25 مايو
    1986: الإمام المهدي: لوحة لثائر سوداني. ط.ثالثة. 2004
    1987: السياسة الاقتصادية للدولة المهدية. ط.ث. 1992
    1992: الإسلام والسياسة في السودان:621- 1985
    1992: الانتماء والاغتراب: دراسات في تاريخ السودان
    1993: تاريخ السودان الحديث: 1820- 1956. ط.ث. 2003
    1997: الشيخ القدال باشا:معلم سواني في حضرموت. ط.ث. 2005
    1998: السلطان علي بن صلاح القعيطي :نصف قرن من الصراع السياسي في حضرموت. . ط.ث. 1999
    1997: كوبر: ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان. ط.ثالثة. 1999
    1999: معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني:1946-1975
    2000: المرشد إلى تاريخ أوربا الحديث: من عصر النهضة إلى الحرب العالمية الثانية
    2000: الدليل على كتابة الأبحاث الجامعية (بالاشتراك)
    2003: الشيخ مصطفى الأمين:رحلة عمر من الغبشة إلى همبرج
    ترجمة كتب من الإنجليزية

    1997 حضرموت: إزاحة النقاب عن بعض غموضها
    1998 رحلة في جنوب شبه الجزيرة العربية
    1999 القات
    2003 تاريخ الطريقة الختمية في السودان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 06:12 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)



    الدكتور صدقي كبلو



    لعل شعار "ديمقراطية التعليم" كان أهم شعارات الحركة الديمقراطية وسط الطلاب والمعلمين خلال فترة نهوض الحركة الديمقراطية في الستينات قبل انقلاب مايو، بل أنه شغل كثيراً من العاملين بالتعليم العالي حتى أن المرحوم البروفسير النذير دفع الله وكان مديراً لجامعة الخرطوم قد اختار أن يقدم محاضرة عند تقاعده عن ديمقراطية التعليم وهو ذلك العالم الباحث الذي ترك اسمه في سجل العلوم البيطرية في السودان وكان بوسعه لو أراد أن يقدم محاضرة عن بعض قضايا بحوثه التي شغلت العاملين في ذلك المجال ولكنه اختار أن يكون حديثه وهو يودع موقعاً شغله بجدارة وكفاءة واقتدار، عن ديمقراطية التعليم وفي نفس الفترة تقريباً (وأنا أكتب عن الذاكرة) اختار معلم الأجيال المرحوم الأستاذ عباس علي أن يترجم مقالاً طويلاً نشر في "الماركسية اليوم"[1] عن ديمقراطية التعليم وكتب المؤرخ الدكتور محمد سعيد القدال كتابه حول التعليم في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ولكن الشعار تراجع وانزوى بفعل ما لحق بشعارات الحركة الديمقراطية من تزوير وإفراغ للمحتوى على أيام انقلاب مايو وثورتها التعليمية التي تؤرخ لبداية انهيار التعليم العام والجامعي والعالي في السودان. ولكن ماذا يقصد الناس عندما يتحدثون عن ديمقراطية التعليم؟

    أن مفهوم ديمقراطية التعليم هو جزء من مفهوم مركب وغني للديمقراطية يتجاوز المفهوم السياسي للديمقراطية (وهو مفهوم ضروري وأساسي يتطور بالإضافة إليه لا بالحذف) إلى مفهوم ينشر الديمقراطية في خلايا المجتمع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وهو يدعو لنشر الديمقراطية في مجال التعليم في ثلاثة محاور أساسية.

    1. مجال تعميم التعليم بجعله إلزامياً ومجانياً في مستوى التعليم العام. وجعل فرصه متاحة على قدم المساواة في التعليم العالي وفقاً للاستعداد الذهني وقدرات الطالب التحصيلية وما يبذله من جهد، لا وفقاً على قدرة الطالب على الدفع، وهذه مسألة تبدو طبيعية وسهلة التحقيق ولكنها في الحقيقة مسألة شائكة سنحاول إلقاء الضوء عليها في فقرات قادمة.

    2. مجال ديمقراطية المناهج والمعارف وتمليك التلاميذ والطلاب القدرة على الإستعياب والبحث والاستقصاء وتكوينه الرأي المستقل وإدراك نسبية الحقيقة، وهي تشمل إعداد المعلم الديمقراطي والذي دون الإخلال بواجبه في إعطاء الطلاب المعارف الأساسية إلى تهيؤهم للتميز والتفكير المستقل والإطلاع الواسع، يعطيهم منهجاً للتعليم في مستقبل حياتهم لا يلقنهم فقط نتائج العلوم بل كيفية الوصول إلى تلك النتائج وغيرها بأعمال فكرهم وبحثهم وتجاربهم المعملية والحياتية، فديمقراطية المناهج تلغي التلقين للحقائق المطلقة وتزرع شك المعرفة والاكتشاف والاختراع مع تدريب في طرق البحث والتفكير والاستقصاء والاستقراء واستعمال أدوات وتقنيات العلم الحديث.

    3. مجال ديمقراطية ادارة التعليم والتي تحول المدرسة والمعهد والكلية والجامعة الى مؤسسات ديمقراطية يشترك كل أعضائها في ادارتها وفي وضع قوانينها ولوائحها. ويكون الطلاب والمعلمون هم أساس إدارتها وللآباء ومنظمات المجتمع المدني دور في إدارتها وتوجيهها والرقابة عليها.

    ديمقراطية التعليم العام
    ويمكننا التعرض لقضايا ديمقرطية التعليم العام وفقا للمحاور الثلاث التي اوضحناها من قبل:

    المجال الأول: ديمقراطية التعليم العام بمعنى تعميمه حتى يصبح متاحا لكل الأطفال والشباب في سن التعليم العام، ولجعله متاحا لا بد من أن يكون موجودا في المكان المناسب، وأن يكون مجانا، وأن تتوفر له أدوات ووسائل التعليم , أن يتوفر العدد المناسب من المعلمين والمعلمات المدربين تدريبا علميا مناسبا للقيام بمهنة التعليم في المواد والفنون والعلوم والتطبيقات التي يراد تعليمها، فلا يكفي مثلا فتح مدرسة تكون بعيدة من القرية والحي ولا تتوفر وسيلة النقل المناسبة، كما لا يكفي أن تفتح المدرسة وليس بها كتب أو معدات ووسائل تعليم أو ينقصها المعلمون والمعلمات أو يطلب من التلاميذ احضار مقاعدهم وكتبهم وكراساتهم أو دفع مبلغ من المال للمدرسة للحصول عليها ويمكن هنا أن يبدأ البرنامج بتعميم التعليم الأساسي، مدرسة أساس لكل قريةـ او مجموعة قرى مع توفر النقل أو الداخلية، على أنه يمكن أن تكون المدرسة مختلطة تلاميذ وتلميذات للفوائد التربوية ولاختصار التكلفة الاقتصادية. ثم ننتقل لمدرسة ثانوية لكل عدد من المدارس الأساسية، حتى نصل لهدف مدرسة ثانوية قصاد كل مدرسة أساس وحينها نكون وصلنا بالتعليم العام لمرحلة الإلزام.
    ديمقراطية مناهج التعليم العام تنطلق من تحقيق هدفين نظري وتطبيقي، الأول يعد التلميذ لكي يتعلم، يزرع فيه حب المعرفة والبحث والاستفصاء ويسلحه بالأدوات الضرورية للمعرفة والتعلم وبالمنهج العلمي، والثاني يعده للحياة وقضاياها اليومية معيشية واجتماعية وسياسية واقتصادية فيملكه فنون فعل الأشياء وانجاز الأعمال وكيفية المشاركة في الحياة الاجتماعية وسط أهله وبيئته وهنا تكمن ضرورة الربط بين الدروس والمناشط التربوية كالجمعيات المدرسية والفرق الرياضية، وضرورة شمول المناهج الدراسية لبرامج تعليمية تطبيقية في مجالات الصناعة والزراعة والتكنلوجيا.
    ديمقراطية الإدارة: نبدأ بتطوير تجارب مجالس الآباء والأمهات والمعلمين لتنتخب إدارات للمجالس، يمثل فيها الأباء والأمهات والمعلمون والتلاميذ، وتطوير الجمعيات المدرسية والمنازل الرياضية لتصبح إلى جانب دورها المعرفي أدوات ديمقراطية لإدارة المجالس، ومناشط للتدريب الديمقراطي ونشر المعرفة والتقاليد الديمقراطية.
    ديمقراطية التعليم العالي
    و يطرح مفهوم ديمقراطية التعليم العالي على نفس المستويات الثلاث في إرتباط وثيق بديمقراطية التعليم العام.

    القضية الأولى : ديمقراطية القبول للتعليم العالي
    ترتبط قضية ديمقراطية القبول وبالتعليم العالي بقضية أساسية في الديمقراطية الاجتماعية : وهي الفرص المتساوية للجميع باختلاف وضعهم الطبقي والإثني والديني والثقافي والإقليمي وهي باختصار تسمى في الأدب المنشور والشعارات العامة "سياسة الفرص المتساوية" Equal Opportunity Policy بالطبع لا يكفي رفع الشعار أو كتابته في القانون أو إعلانه كسياسة عامة بإتاحة الفرص المتساوية سواء كان ذلك في مجال التعليم أو غيره.

    ولنحصر حديثنا حول التعليم في السودان، موضوع هذا الفصل ونقول أن اتاحة الفرص المتساوية في القبول تعني لكي لا تكون المسألة شكلية اتاحة تعليم متساو وفرص تحصيل متساوية في المدارس الثانوية، فلكي تكون الفرص المتاحة لطالب متقدم للجامعة من نيالا الثانوية وآخر من الخرطوم القديمة متساوية لابد أن تكون المعامل متطابقة والمكتبات المدرسية والكتب المدرسية والمعلمون المؤهلون متاحين في المدرستين كما لابد أن تتاح لطالب نيالا امكانية ووقت للتحصيل كما يتاح لطالب الخرطوم القديمة أو العكس بوجود الكهرباء والجاز الأبيض بعدم المشغولية في الوقوف في صف الرغيف أو السكر أو القيام بعمل عضلي مجهد بعد المدرسة لكسب قوت العائلة. وليست هذه أفكار اشتراكية أو يسارية ففي البلدان الرأسمالية تقدم المدرسة وجبات للغذاء لكل الطلاب من كان غنياً يدفع أو يأت بوجبته معه ومن كان فقيراً يعطى الوجبة ويدفع المجلس المحلي نيابة عنه، دون أن يعرف أحداً من يدفع من جيبه ومن يدفع له المجلس.

    ولقد كانت مدارسنا الثانوية الداخلية تتيح لابناء الفقراء فرصاً متساوية مع غيرهم عندما كانوا يقبلون مجاناً بينما يدفع أبناء الأغنياء المصاريف وهم يأكلون نفس الطعام وينامون في نفس العنابر ويحضرون نفس الحصص ويعملون في نفس المعمل وتوزع عليهم الكتب ذاتها ! ولكن بانهيار المدارس الداخلية واستبدالها بمدارس أكثر في المدن حيث الطلاب خارجين لم تعد الفرص المتاحة متساوية وعاد التعليم ليصبح طبقياً. أصبح التلميذ والطالب يعاني مشكلة المواصلات ويواجه مع عائلته مشاكل المعيشة اليومية وقد يجد أو لا يجد الجو المناسب لإستذكار ومراجعة دروسه خاصة عندما أصبحت الكتب الدراسية نفسها سلعا غير متوفرة إلا للقادرين.

    وكان أبناء الفقراء يتقدمون للقبول للجامعة وهم يعلمون أن شهادات فقرهم لن تقف أمام قبولهم أو مواصلتهم لتعليمهم لأنهم سيسكنون مجاناً ويأكلون مجاناً وليس أمامهم إلا الاجتهاد للنجاح ورفع مستواهم ومستوى أهلهم، ولكن الآن وقد أدخل نظام جديد وأصبحت المصروفات الدراسية عالية وعلى الطلاب أن يعولوا أنفسهم أو أن تدفع لهم مصاريف إعالة لا تكفي لأعاشتهم فأين الفرص المتساوية؟.

    وأصبحت هناك جامعات ومعاهد أهلية وخاصة[2] ولم تعد هناك بعثات لدول اشتراكية وتغير نظام جامعة القاهرة الفرع (جامعة النيلين الآن) منذ أيام نميري لجامعة نهارية حارمة الفقراء من الجمع بين الدراسة والعمل !

    لذا يصبح من المهم أن أردنا فرصاً متساوية في القبول من

    1. اصلاح التعليم العام كله والثانوي على وجه الخصوص واعادة الداخلية والمعمل والكتاب المجاني والمعلم المؤهل.

    2. توفير السكن والإعاشة لطلاب التعليم العالي، وليس بالضرورة الرجوع لنظام جامعة الخرطوم القديم، بل بضمان أن الطالب في التعليم العالي تتوفر له الموارد كي يسكن ويأكل ويترحل لمكان الدراسة.

    ورغم أنه ليس من أغراض هذا الفصل تقييم كل جوانب التوسع في التعليم العالي الذي حدث تحت ظل ديكتاتورية الجبهة الإسلامية إلا أنه من الضروري تناول ذلك على أثر ديمقراطية التعليم بشكل عام وديمقراطية القبول بوجه خاص.

    لاشك أن التوسع في التعليم العالي مع افتراض عدم تغيير المعطيات الأخرى يزيد عدد الفرص للاستيعاب ولكن مع افتراض عدم تغيير إيجابي في التعليم الثانوي بحيث يجعل الفرص متساوية حقاً للمنافسة، فالقضية تبقى في مكانها دون حل، خاصة إذا كان القبول مركزياً والمنافسة على نطاق الوطن وليست هناك أماكن محجوزة للمنافسة بين طلاب الإقليم حيث يوجد مقر المؤسسة التعليمية المعنية. ولكننا عندما نتناول المعطيات جميعها نجد أن التوسع لايسهم في ديمقراطية التعليم لأنه يقدم جامعات ومعاهد لا تتوفر فيها سبل التعليم العالي من أستاذ وكتاب ومعمل وأدوات تعليمية مختلفة، بل أنه يهدد بوجود جامعات درجة أولى وأخرى درجة ثانية، لذا يكون برنامجنا لإصلاح التعليم العالي شاملا الإصلاح الكامل لهذه المؤسسات.

    القضية الثانية ديمقراطية المعرفة والبحث العلمي في التعليم العالي
    ديمقراطية المعرفة تعني تغيير المناهج وطريق التدريس مع تلقين نتائج العلوم لتمليك مناهج البحث من الملاحظة والاستقصاء والاستقراء والتجريب والتجريد إلى التحديد والتعميم من تمليك النتيجة إلى تمليك طريقة اكتشافها، من تلقين المسلمات إلى منهج الشك والنقد والبحث الدؤوب عن الحقيقة لإدراك تعدد طرق المعرفة وتعدد المدارس الفكرية والعلمية من نظام للتعليم يجعل الشخص يتعلم بقية حياته وهو ينتج وهو يعمل ولكن كيف نحل تناقضاً ظاهرياً بين ما ندعو إليه وبين ارتباط التعليم باحتياجات الناس من خدمات وتنمية وإنتاج؟.

    نقول أن ذلك تناقض ظاهري لأننا في الحقيقة عندما نتخذ النهج الذي ندعو اليه فنحن نؤهل الخريج الذي يحتاجه المجتمع والذي يستطيع أن يواجه القضايا القديمة والجديدة ويقدم لها الحلول سواء أكان طبيباً أم اقتصادياً أم زراعياً أم كيمائياً أم مهندساً فيلسوفاً كان أم أدبياً ! ففي كل مجال للمعرفة هناك معارف لا يعاد اكتشافها ولكن في كل مجال معرفة هناك حقائق نسبية وهناك إشكاليات معرفية لم تحل بعد. وهناك إشكاليات لم يكتشف وجودها أو لم تصاغ كإشكاليات معرفية حتى الآن وما ندعو اليه يريد اعداد الخريج لكل هذا.

    ولنأخذ مثالاً من مجال أعرفه فمثلا من الضروري لطالب الدراسات الاقتصادية أن يتعرف على المدارس الاقتصادية المختلفة وهي كثيرة و من الضروري أن يتعرف على مناهج التحليل الاقتصادي التي تستعملها هذه المدارس من الاقتصاد السياسي للاقتصاد القياسي، من مناهج الاقتصاد الكلاسيكي إلى مناهج المدرسة النقودية النيوكلاسيكية، مروراً بماركس والمدرسة النمساوية ومارشال وكينز والكينزيين الجدد وغيرهم وهو في نفس الوقت مطالب بمعرفة الاقتصاد السوداني، الإقليمي والعالمي وما يدور من حوار وصراع حول تحليلهم وفهمهم، وهو هنا يجمع بين مناهج التحليل وبين ما توصلت إليه تلك المناهج وقادر على الاختيار والاختيار هو مفتاح الديمقراطية.

    وديمقراطية المعرفة تعني توفير الكتاب ليس فقط الكتاب المدرسي وإنما ما ينتج في المجال المعرفي من كتب ودوريات علمية وإلا سيصبح الخريج الجامعي متحفاً حاوياً للمعارف القديمة ولمتابعة تطوّر المعرفة لابد من ربط معاهدنا وجامعاتنا بشبكات الإنترنت وإعادة تدريب أساتذتنا لاستعمال التكنولوجيا وطرق البحث والتدريس الحديثة ولعل جامعاتنا هي الوحيدة في العالم التي لا تدرب أساتذتها على طرق التدريس[3].

    ولا شك أن توسع التعليم العالي دون توفير الموارد المالية والبشرية لمقابلته سيكون له أثر سلبي في ديمقراطية المعرفة وفي تفاوت مستويات التعليم بالمؤسسات التعليمية وتدني مستوى التعليم بالمؤسسات الجديدة وسيكون ذلك أحد التحديات الكبيرة التي تواجه عملية الإصلاح بعد إزالة ديكتاتورية الجبهة.

    ولا تكتمل ديمقراطية المعرفة بدون حرية البحث العلمي وحرية نشر نتائجه[4] ولا تعني الحرية هنا أي شيء بدون توفير الإمكانيات للبحث العلمي. كما لا تكتمل ديمقراطية المعرفة بدون الانفتاح الثقافي الناقد لثقافات الشعوب الأخرى وللثقافة الانسانية عموما.

    القضية الثالثة ديمقراطية ادارة التعليم وانتشار الديمقراطية في المؤسسات التعليمية:
    أن بعض جوانب هذه القضية سيحل بشكل تلقائي بمجرد استعادة الديمقراطية في البلاد، إذ أن هناك تراثاً غنياً في ممارسة العمل الديمقراطي في مؤسسات التعليم العالي، ومن هذه الجوانب عودة المؤسسات الديمقراطية للطلاب والأساتذة والعاملين كالاتحادات والنقابات والجمعيات الأكاديمية والثقافية ولجان الأندية والتنظيمات السياسية الطلابية وغيرها، ولدي بعض المؤسسات التعليمية كجامعة الخرطوم مثلاً تراث في الإدارة الديمقراطية من حيث تركيب مجلس الجامعة وتمثيل الأساتذة والطلاب والخريجين ومؤسسات المجتمع المدني وانتخاب المدير والعمداء ورؤساء الأقسام واللجان المشتركة التي يمثل فيها الطلاب والأساتذة والعاملون.. الخ. ويبقى كيفية الاستفادة من مثل هذه التجارب وتطويرها وتطبيقها على مؤسسات التعليم العالي الجديدة، بحيث تعم الديمقراطية كل مؤسسات التعليم العالي وهذا يتطلب اشراك كل أعضاء المؤسسة التعليمية في صياغة قوانينها ولوائحها عن طريق ممثليهم وفتح الحوار حول مشاريع القوانين واللوائح وعقد الاجتماعات العامة والندوات والسمنارات للاستماع لكافة وجهات النظر قبل الصياغة النهائية واقرار تلك القوانين بواسطة أجهزة منتخبة.



    ديمقراطية الثقافة وثقافة الديمقراطية
    ديمقراطية الثقافة
    قضية ديمقراطية الثقافة مرتبطة بإشاعة الديمقراطية في كافة أوجه الحياة في بلادنا، مما يتطلب نشرا واسعا لثقافة الديمقراطية التي ترتكز على إحترام حقوق الانسان والجماعات، خاصة فيما يتعلق بحرية الضمير والاعتقاد وحرية التعبير والنشر، واحترام التعددية الثقافية بما في ذلك تعدد اللغات والديانات والمعتقدات والآراء والأفكار والمذاهب، وحرية التعبير عنهم والدعوة لهم، وهي مرتبطة باحترام حق التنظيم والتجمع وإقامة المهرجانات والاحتفالات وممارسة الطقوس الجماعية والفردية.

    وتحتل قضية التعددية الثقافية مركزا أساسيا في ديمقراطية الثقافة لطبيعة التعدد القومي والعرقي وتعدد اللغات في السودان، فإلى جانب الحق الانساني الأصيل لكل الجماعات في التعبير عن نفسها، فإن تطور ثقافة سودانية لا يتم إلا بتلاقح هذه الثقافت المتعددة مع بعضها البعض ومع الثقافة الانسانية عموما في جو من الحرية والديمقراطية (وهذا لا يعني بالضرورة إندماجها أو ذوبان إحدى مكوناتها في أخرى أو هيمنة ثقافة على بقية الثقافات)، لذا من الضروري أن تعبر المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية والبحثية عن كل ثقافات السودان، هذا إلى جانب حق هذه الثقافات في التعبير عن نفسها وفقا لمؤسسات أهلية وتطوعية، تقليدية وحديثة.

    وديمقراطية الثقافة تتطلب نشرها وتعميمها بحيث تكون في متناول الجميع وهذا يتطلب الاهتمام بأدوات نشر الثقافة من دور للنشر وللصحف والمجلات، وإذاعات و إرسال تلفزيوني وشبكات الأنترنت، والمسارح والأندية والمكتبات العامة والمقاهي ودور العرض السينمائي وصالات المعرض للفنون الجميلة والمتاحف القومية والإقليمية والمتخصصة. مما يتطلب أن تكون الدور التعليمية في التعليم العام والعالي من مدارس ومعاهد وجامعات مراكز للإشعاع الثقافي في مناطقها. ويتطلب هذا الإهتمام بالمؤسسات الثقافية على كل المستويات الاتحادية والإقليمية والمحلية، التابعة للدولة والأهلية التطوعية و التجارية الربحية.

    ورغم الدور الهام للدولة في توفير أدوات الثقافة، لكن لا بد من نشر الديمقراطية في إدارة مؤسسات الثقافة والإعلام بحيث تنشأ لها مجالس أو لجان إدارة يمثل فيها العاملون في حقل الثقافة واتحاداتهم ونقاباتهم من كتاب وأدباء ونقاد وفنانين وموسقيين وفنانين تشكيليين ومعلمين والعاملين في المكتبات العامة ومكتبات الجامعات والمعاهد وفي دور النشر والمسارح ...إلخ. ويراعى في تمثيل هذه المؤسسات ممثلو الشعب المنتخبين على كافة المستويات الاتحادية والاقليمية والمحلية، وممثلو الثقافات السودانية المتعددة. إن الإدارة الديمقراطية للمؤسسات الثقافية تضمن عدم خضوع هذه المؤسسات للرأي الواحد أو للبيروقراطية الحكومية أو للرقابة غير الديمقراطية.

    ولا بد أن يخضع إنشاء المؤسسات الثقافية لتخطيط يهدف لتوزيعها بشكل عادل في كل أنحاء البلاد، فمثلا نبدأ بإنشاء مكتبة عامة ومسرح ومتحف في كل إقليم، ثم في كل مدينة بها 50 ألف مواطن، ثم لكل مدينة بها 20 ألف مواطن، حتى نصل الى مستوى مجمع للفرى أو القرى الكبيرة، ويمكن الاستفادة من المدارس أو الأندية أو مكاتب الحكم المحلي وهكذا. فمثلا تكون المدرسة مقرا للمسرح بالمدينة، ومجلس الحكم المحلي مقرا للمكتبة العامة. ويمكن العودة لتقاليد مؤتمر الخريجين بإقامة الهرجان السنوي والانتقال به من مدينة لأخرى كل عام، كما يمكن العودة لنظام الدورات الثقافية المدرسية، وتشجيع الأندية الثقافية والأندية متعددة النشاطات الثقافية والاجتماعية والرياضية.

    ثقافة الديمقراطية
    ولا يمكن تطوير ديمقراطية الثقافة، بل والنظام الديمقراطي كله بدون نشر ثقافة الديمقراطية وسط الأطفال والشباب والنساء، بدء من ديمقراطية الأسرة وإحياء مبادئ التسامح، ونشر ثقافة تقتلع التمييز العنصري والنوعي وتحترم التعدد القومي والثقافي.

    والأساس لنشر ثقافة الديمقراطية هو نشر مبادئ حقوق الانسان بتدريسها في المدارس والمعاهد ومن خلال أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء وتدريسها في كليات الشرطة والسجون والكليات الحربية، والإحتفاء الرسمي والشعبي باليوم العالمي لحقوق الإنسان وبالثورات والهبات الديمقراطية وتشجيع وتنمية منظمات حقوق الانسان الطوعية، وإعطائها حق الرقابة والتفتيش والإهتمام بنشر تقاريرها السنوية عن وضع حقوق الانسان في البلاد.

    ونشر ديمقراطية الثقافة يتطلب تدريبا صبورا للتلاميذ والطلاب والشباب على الإدارة الديمقراطية عن طريق تشجيع الجمعيات والمنازل الرياضية والمنظمات الطلابية السياسية والثقافية والرياضية.

    ونشر ديمقراطية الثقافة يتطلب أيضا تضمين مفاهيم الديمقراطية في القوانين واللوائح المنظمة والمسجلة لمنظمات المجتمع المدني وجمعياته ونقاباته.

    إن العلاقة بين إذدهار ثقافة الديمقراطية وديمقراطية الثقافة هي علاقة جدلية ومترابطة وإن إنتصار الثورة الديمقراطية في البلاد رهين بكسب المعركة الثقافية. كما أن تطور الثقافة العلمية وهي الشرط الضروري للتنمية المستمرة، لا يمكن أن تنتشر ووتتطور بدون ديمقراطية الثقافة وثقافة الديمقراطية.

    الدور التنويري والكفاحي للمثقفين الشيوعيين والديمقراطيين
    ومن الضروري أن يلعب المثقفون الشيوعيون والديمقراطيون دورا طليعيا في نشر المعرفة والعلم وتطوير الثقافة والفنون والأداب بأشكالها المختلفة، فيكونوا المبادرين في تنظيم حلقات محو الأمية وفي توسع التعليم الحكومي و الأهلي، العام والجامعي والمهني والفني، وفي نشرهم المجلات والدوريات العلمية وفي تصديهم للترجمة ونشر المعارف العلمية والديمقراطية والتقدمية للجماهير وفي تأسيسهم الأندية الثقافية ودعمهم للأندية القائمة وتقديمهم المثال العملي للمنابر الديمثراطية وكيفية إداراتها وكيفية إتاحتها الفرص لكل وجهات النظر والمدارس الفكرية للحوار الديمقراطي الحر والمثمر، المثقفون الشيوعيون والديمقراطيون هم من حملة ألوية التنوير وهم مطالبين بخوض كفاح ثقافي ينتصر للثقافة الديمقراطية والمعرفة العلمية وعلى إنتصارهم في هذه المعركة الثقافية يعتمد مجمل التحول الديمقراطي في كافة أوجه الحياة.



    [1] Marxism Today وهي مجلة نظرية كانت تصدر في بريطانيا

    [2] ) أرجو أن لا يفهم أن الكاتب ضد فتح الجامعات والمعاهد الأهلية وقد ساهم في تأسيس جامعة أمد رمان الأهلية تحت قيادة البروفيسور الراحل محمد عمر بشير فقد قصد منها دعم التعليم الذي تقدمه الدولة وتوفير العملة الصعبة التي يصرفها أغنياء السودان في إرسال أبنائهم للدراسة بالخارج.



    [3] في الجامعات البريطانية أصبح اشتراك الأستاذ الجامعي في كورسات تدريب التدريس شرطاً من عقد عمله، بينما نحن ندفع بخريجينا الجدد المبرزين في مجالهم للتدريس دون تأهيل في طرق التدريس القديمة أو الحديثة ورغم ذلك كم نحن ممتنون لهم.

    [4] لنجعل ما حدث لأستاذنا البروفيسور فاروق محمد إبراهيم من تعذيب لأنه درس نظرية داروين تاريخاً لن يتكرر أبداً في حياتنا الأكاديمية، ولعل ذلك هو التكريم الوحيد ورد الاعتبار الوحيد له ولزملائه في المهنة الذي يعني شيئاً بعد إسقاط نظام الجبهة الإسلامية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 06:19 PM

Muna Khugali
<aMuna Khugali
تاريخ التسجيل: 27-11-2004
مجموع المشاركات: 22503

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    وفي كل يوم ينطفيء ضوء كان مشعا في دنيانا!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 06:48 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    خواطر تاريخية حول أزمة الديمقراطية

    محمد سعيد القدال



    1


    لعله من نافلة القول أن نسأل إن كانت الديمقراطية في أزمة أم لا، فقد أصبح الأمر جليا لكل ذي بصر وبصيرة. فالانقلابات العسكرية، وبقاء الحكام في مواقعهم لفترات تبعث على الملل والسأم، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، والتدمير المتلاحق لمؤسسات المجتمع المدني، وتيار الهوس الديني الجارف، والأحزاب السلطوية الخاوية، والفساد المستشري، وتصريحات الحكام التي هي عبارة عن مونولوج مع الذات أكثر منها حديثا سياسيا راشدا، وأجهزة القمع التي تتصدى لكل صوت حتى ولو كان صرخة طفل. والاعتماد على شرعية السلطة بدلا من سلطة الشرعية، وتزييف الانتخابات، وتزييف الوعي بأموال الطفيلية.. كلها تصيح بالصوت العالي معلنة عن أزمة الديمقراطية.
    إنه واقع بائس هذا الذي يعيش فيه السودان وبلاد العالم الثالث. وبلغ التشاؤم مداه لدى البعض فسأل إن كانت هناك ديمقراطية أصلا حتى تكون هنالك أزمة؟ بل أخذ البعض يسأل في ريبة إن كانت الديمقراطية هي نظام للحكم يصلح لبلادنا. ووصل هذا البؤس مداه الهزلي في إعلان نظام الجبهة الإسلامية في السودان عن وجود ديمقراطية تتمثل في حرية الصحافة والسماح للأحزاب بممارسة نشاطها. ولكن إذا كانت حرية الصحافة والسماح للأحزاب بممارسة نشاطها هي الأمر الأفضل، فلماذا قهرتموه في البداية، ثم عدتم إليه؟ ولماذا تقدمونه مثل الدواء ملعقة في الصباح وملعقة في المساء؟ ولماذا تظل أجهزة القمع رقيبا على الحرية السياسية وكأنها هي التي تمتلك القدرة على التمييز بين ما يصلح وما لا يصلح لهذا البلد، وليس لها من قدرة على التمييز سوى سلاح البطش. إن المنهج التجريبي والتبريري أصبح ممجوجا بعد أن خاض العالم لجته في بحار من دماء وعنت.
    نتناول في هذه الورقة الجذور التاريخية التي أدت إلى أزمة الديمقراطية في السودان، أما حاضرها ومستقبلها فنترك أمره حتى نستبين ماضيه، لأن الحديث عن الحاضر بلا تاريخ تهريج، والحديث عن المستقبل بلا تاريخ نوع من التنجيم. البداية من التاريخ، لأن الإنسان حيوان ذو تاريخ.
    تركز هذه الورقة أساسا على تلك الجذور ولا تتناول تطور التجربة عبر مراحلها المختلفة. على أن تناول ذلك الحاضر والمستقبل يصبح أكثر يسرا إذا وقفنا على جذوره التاريخية، ليس في تجربة السودان وحده، أو تجربة العالم الثالث، بل نعود أولا إلى الجذور التي نبعت مهنا الديمقراطية الليبرالية في أوروبا، ثم نتابع جذور الأزمة في السودان.
    الديمقراطية الليبرالية هي من نتاج الثورة البرجوازية في أوروبا. وكان للثورة البرجوازية تجلياتها في المجال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وفي فصل الدين عن الدولة وسيادة العلمانية التي رفع ألويتها عصر الاستنارة. والديمقراطية الليبرالية هي الإنجاز السياسي للثورة البرجوازية. إن القاعدة الاجتماعية الثابتة هي التي هيأت للديمقراطية اللبرالية السير في يسر دون عوائق. وبدون هذه القاعدة تصبح ممارسة الديمقراطية صعبة وتعترضها عقبات. هذا لا يعني أن الديمقراطية الليبرالية نظام كامل لا تشوبه نقائص. إنها قطعا ليست كذلك، ولكنها أفضل ما توصلت إليه التجربة السياسية البشرية حتى الآن. والطريق مفتوح للمضي قدما وابتداع أنظمة أفضل.
    ونشأت الديمقراطية الليبرالية في صدام دموي مع الحكم المطلق والحق الإلهي والتسلط وهزمتها واحتلت مكانها في التاريخ على أنقاضها وفتحت المجال للتداول السلمي للسلطة. إن الديمقراطية تقوم أساسا على هذا التداول السلمي للسلطة، إذ بدونه يصبح الحكم نوعا آخر من التسلط. وهناك مثال لعل له دلالته. فعندما فاز الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ثلاث مرات متتالية (1933 ـ 1945)، انزعج الأمريكيون لأنهم خشوا أن يكون هذا نذير حكم مطلق مغلف بالديمقراطية. فتم تعديل الدستور الأمريكي لتصبح فترة الرئاسة فترتين فقط. فالقاعدة الاجتماعية الثابتة والتداول السلمي للسلطة هما ركيزتا الديمقراطية الليبرالية.
    وتكتمل الديمقراطية الليبرالية بقيام مؤسسات المجتمع المدني، فهي ركيزتها الثالثة. فالديمقراطية ليست فقط انتخابات وبرلمانا، وإنما أيضا مؤسسات مجتمع مدني تكمل هذا البنيان في ما يمكن أن نسميه constellation complex. من تلك المؤسسات الأحزاب السياسية التي تسعى لاستلام السلطة سلميا في إطار القاعدة الاجتماعية الثابتة. والأحزاب تجمّع طوعي لمجموعة من الناس تؤمن بأهداف مشتركة ولها برنامج معلن تسعى لإقناع الناس به سلميا، لتصعد إلى السلطة سلميا.
    فالأحزاب في ظل النظام الديمقراطي تؤمن بهذا النظام وتعمل على توسيع نفوذها مستغلة مناخ الحريات الذي يوفره، وليست منظمات تستغل ذلك المناخ الحر، وتتحين الفرص لتنقض عليه. حدث هذا في إيطاليا على عهد الحزب الفاشي، وفي ألمانيا على عهد الحزب النازي، وعلى أيامنا هذه عند بعض الأحزاب التي تلتحف بدثار ديني وتخفي في أحشائها تربصا ختولا وهو نذير شر مستطير.
    ومن ركائز الديمقراطية الأحزاب. إن الحزبين الكبيرين في السودان (الأمة والاتحادي الديمقراطي)، يعتمدان على الطائفية والقبلية، وهما مؤسستان صادمت الفكر المستنير في أوروبا شبيهاتهما صداما لا هوادة فيه، حتى استقام أمر الديمقراطية. ولكنّ المؤسستين لهما دورهما في المجتمع السوداني، ولم تتهيأ الظروف بعد للقضاء عليهما. ويقفان حجر عثر في سبيل الممارسة الديمقراطية. وهذا تناقض أساسي ينهش في كبد التجربة الديمقراطية. فقد شهد السودان مع بداية الديمقراطية تجارب لا علاقة لها بالديمقراطية، وهي ما عرف بالتصويت بالإشارة حيث يختار الزعم مرشحا في دائرة لم يرها طوال حياته العملية، وما على الناخبين إلا التصويت له. فمن العسير ممارسة الديمقراطية مع هيمنة الطائفية والقبلية، ولكن ما يزال المجتمع بحاجة لتينك المؤسستين ولا يمكن إلغاؤهما بجرة قلم وبإجراء إداري.
    كما أن قيام الأحزاب في مجتمع ما يزال الصراع فيه مفتوحا، يفجر بينها صراعا قد يكون أحيانا دمويا. فالأحزاب في النظام الديمقراطي الليبرالي مؤسسات لتداول السلطة سلميا دون أن يؤدي ذلك التداول إلى تغيير التركيب الاجتماعي أو إلى هزه. فالقاعدة الاجتماعية الصلبة تضمن عدم وقوع اهتزاز اجتماعي.
    كما شهدت بعض بلدان العالم الثالث قيام أحزاب في ظل السلطة الحاكمة. فهذه أحزاب سلطوية. وهذا النوع من الأحزاب أسوأ أنواع الأحزاب، لأنها تضم العناصر الانتهازية الفاسدة، التي تريد فقط استغلال السلطة. ولعل أسطع أمثلة ما حدث في السودان على عهد دكتاتورية نميري وتكوين الاتحاد الاشتراكي، فكان بؤرة فساد. وفي عهد الجبهة الإسلامية تكون حزب المؤتمر الوطني، وأصبح أيضا بؤرة فساد أصبحت رائحته تزكم الأنوف ويتحدث عنه الناس في مجالسهم بلا وجل.
    فما هو المخرج؟ لا أحد يملك حق إلغاء الأحزاب أو منع قيامها. فالأحزاب لم تقم برضا أحد، وهي لا تطلب إذنا لتنشأ. ولكن قيامها على مؤسسات تقليدية وتكاثرها، وأحيانا بشكل سرطاني، كما في بعض بلدان الشرق الأوسط، يجعل التجربة الديمقراطية عرضة للاهتزاز، بل وربما للفشل. والحل لا يأتي منفردا بالنسبة للأحزاب فقط. لا بد من تناول كل التجربة الديمقراطية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 10:37 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    خواطر تاريخية حول أزمة الديمقراطية

    محمد سعيد القدال



    2


    ومن مؤسسات المجتمع المدني الصحافة. وهي مؤسسة تتمتع بدرجة كبيرة من الحرية في إطار التركيب الاجتماعي. ولكنها حرية نسبية وليست مطلقة. وهذه الحرية النسبية هي التي تمكنها من أن تلعب دورها في المجتمع. ويتمثل دورها أساساً في بلورة الرأي العام تجاه القضايا المهمة. والمقصود بالصحافة ليس الصحافة الحكومية أو الحزبية وإنما الصحافة المستقلة. ولكنها مستقلة عن ماذا؟ مستقلة عن المؤسسات والجهات التي تجعل أداءها محكوماً بأشياء محددة مما يضعف من دورها. ولكنها ليست مستقلة عن النظام الاجتماعي، ولا هي تسعى لتدميره. هدفها أن تخلق توازناً في النظام الاجتماعي، وأداة للنقد، وتنفيساً اجتماعيا يقلل من الانفجارات العفوية المدمرة.
    لنأخذ مثالاً واحداً ساطعاً هو جريدة الواشنطون بوست (Washington Post) الأمريكية. والجريدة ليست ضدّ النظام الأمريكي ولا هي عدوة له، بل هي من ركائز النظام الرأسمالي الأمريكي. ولكنها لعبت دوراً حاسماً في إسقاط الرئيس الأمريكي نكسون وإرغامه على الاستقالة من منصبة عام 1974، وهي المرة الثانية التي تحدث في تاريخ الولايات المتحدة. ودخلت الجريدة نفسها في مشكلة مع الرئيس جيمي كارتر. فقد حصلت الجريدة على خبر مفاده أن الملك حسين ملك الأردن يأخذ مرتباً ثابتاً من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. فقابل رئيس تحريرها الرئيس الأمريكي مستوضحاً، فأخبر رئيس التحرير بأنه على علم بالأمر وسوف يصدر أمراً بإيقافه، ويرى أن نشر الأمر مضر بمصلحة البلاد. ولكن عندما استشار رئيس التحرير هيئة الصحيفة رأوا أن ينشر الخبر. وعند نشره أرسل كارتر رسالة إلى رئيس التحرير منتقداً النشر لأنه يضر بمصالح أمريكا وأنه عاتب عليه ليس كرئيس جمهورية وإنما كمواطن. لم يرسل قوات الأمن لمصادرة الجريدة وحرقها، ولم يأمر باعتقال رئيس التحرير. وانتهى الأمر عند هذا الحد. ويرى البعض أن التجربتين قوّتا من النظام الديمقراطي ولم تهزاّ ثباته. على أن الشيء المهم هو أن مؤسسة صحفية وقفت ندّاً لرئيس البلاد وأسقطته من منصبه. ثم خالفت نصيحة رئيس آخر. ولم تمارس نفوذها ذاك عن طريق البرلمان أو الجيش أو الخدمة المدنية، وإنما عن طريق وضعها كمؤسسة مستقلة من مؤسسات المجتمع المدني. ودونكم والمؤسسات الصحفية في الأنظمة الديمقراطية الأخرى. إن الصحافة تستطيع أن تمارس دورها بكفاءة، إذا تمتعت بالاستقلال، ما دام ذلك الدور لا يدمر المجتمع. هذا لا يعني أن الصحافة في بلدان الغرب تتمتع بالحرية الكاملة. فهاهم الصحفيون يتظاهرون في فرنسا في نوفمبر 2007 مطالبين بحرية الصحافة وحمايتها من تغول السلطة.
    ونجد في بلدان العالم الثالث تشويهاً كبيراً للمؤسسة الصحفية. فتصدر في كثير من تلك البلدان صحف حكومية. وهي عبارة عن نشرات رسمية باهتة وفي كثير من الأحيان ممجوجة. وقد بدأ هذا النوع من الصحف الحكومية في السودان في عهد دكتاتورية عبود (1958 ـ 1964)، حيث صدرت جريدة باسم الثورة. ورغم أنها لقيت دعماً من الدولة، وصدرت بحجم كبير بالنسبة للصحف الأخرى، وبسعر زهيد نسبياً، إلا أنها لم تلق رواجاً. ويقال إن أحد باعة الصحف كان يصيح بها قائلاً: "البرش بقرش". ثم صدرت صحيفة أخرى على أيام دكتاتورية نميري باسم "الأحرار"، وكانت أيضاً فاشلة. فقام نميري بتأميم كل الصحف. وأقدمت الجبهة الإسلامية على إيقاف كل الصحف، وأصدرت صحفاً حكومية خاصة بها. وتراجعت أخيراً وسمحت لبعض الصحف المستقلة بالصدور، ولكن بقيت لها أصابعها التي تجوس بها في دنيا الصحافة، ولكن ما زالت الصحف تكبلها بعض القيود. وكلها تجارب تعكس جنوحاً عن الصحافة المستقلة، لأن الأنظمة الدكتاتورية لا تحتمل الرأي الآخر، بالذات إذا كانت أنظمة عسكرية.
    ومن مؤسسات المجتمع المدني النقابات العمالية والمهنية. والنقابات منظمات ديمقراطية مفتوحة لكل أفراد المهنة أو العمل على اختلاف انتماءاتهم الطبقية، من أجل تحسين أوضاع عضويتها بالأساليب النقابية. وهناك نقابات ليست مطلبية مثل نقابة المحامين، التي تعمل من أجل ترقية المهنة وحماية الديمقراطية. إنها ليست أحزاباً سياسية. فإذا تحرشت بها السلطة أو أخضعتها لسلطانها، فإنها تفقد دورها وتتحول إلى مسخ شائه. وقد دخلت بعض الأنظمة في البلاد الرأسمالية في مجابهات عنيفة مع النقابات، مما أوشك أن يفقد المجتمع توازنه، لولا منعة الدولة الرأسمالية التي استطاعت أن تحافظ على بعض التوازن. وكانت تجربة الاتحاد السوفيتي مع النقابات فاشلة. فقد أصبحت النقابات خاضعة لسلطة الحزب، وفقدت استقلالها، رغم أن لينين أصدر كتابه الشهير "ما العمل؟" ليضع حداً فاصلاً بين العمل الحزبي والعمل النقابي. ولكن الاتحاد السوفيتي وقع في منزلق الخلط بين النظرية والتطبيق.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 10:49 PM

Osman Musa
<aOsman Musa
تاريخ التسجيل: 28-11-2006
مجموع المشاركات: 17394

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    رحم الله
    محمد سعيد القدال
    بقدر ما قدم للسودان
    من علم نافع .
    له الرحمه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:00 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الجذور التاريخية لانتشار ظاهرة الهوس الديني في العالم الإسلامي


    محمد سعيد القدال


    (1)

    تجتاح العالم الإسلامي أمواج عاتية من العنف الذي لم يشهده في تاريخه. وهذه الموجة العاتية من العنف لها عدة مسميات. فتسمى الأصولية أو الإسلام السياسي أو التأسلم أو الإسلاموية وغيرها. على أننا نفضل استعمال الهوس الديني لأنها الصفة المشتركة بين تلك الحركات على اختلاف مظاهرها ومراميها، ولاتها الصفة التي تعطيعها الوصف المميز لها، فالذي يحدث هذا ما هو إلا طيش وانفلات مجنون. ورغم ان كل واحدة من تلك الحركات لها خصوصيتها في كل بلد إسلامي وتختلف درجاتها من الهوس والتعصب. إلا إن بينها خصائص مشتركة وهي التي سوف نتناولها في هذه الدراسة عن الجذور التي خرجت منها. فما هي الجذور التاريخية التي تشكلت فيها معالم تلك الحركات واتخذت منها صفاتها ؟ نتناول أولا المعالم الأساسية للظاهرة، ثم الصفات المشتركة بينها وأخيراً الجذور التي خرجت منها.

    انتشرت ظاهرة الهوس الديني في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بين قطاع واسع من جيل الشباب، جيل الغد. وهم جيل ايجابي وليس سلبياً رغم اختلافنا معه في التعبير عن ايجابية، فلم يتجه إلى إدمان المخدرات أو السقوط في مستنقعات الرذيلة التي أخذت تحاصره من عدة جهات، بل خرج بعضه مضحيا بحياته في سبيل ما يؤمن به. وإذا استرخص الإنسان حياته من أجل المبدأ فهذا الأمر يحتاج لتمحيص متروٍ وفحص عميق، وليس مجرد الردع بقوات الطوارئ والوعظ المسطح الغث، فالأمر ليس مجرد إرهاب. كما انه ليس تعصباً للدين وإلا لانتشر وسط الكهول والشيوخ أيضا ولما اقتصر على جيل الشباب. إنها ظاهرة تحتاج إلى فحص، فهذا الجيل من الشباب المهووس ليسوا أعداء من الخارج بل من داخل أسرنا ومجتمعنا. فلابد من البحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا الجنوح الذي أصابهم.

    المعلم الثاني، ان الظاهرة انتشرت بين جيل الشباب في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، واتسع انتشارها بشكل عنيف منذ منتصف الثمانينات. فلماذا أصبح قطاع واسع من جيل الشباب مهووساً دينياً في أخريات القرن الماضي؟ وحتى إذا قبلنا تسمية صحوة، فسوف تجابهنا عدة أسئلة : لماذا الصحوة الآن ولماذا اقتصرت على الشباب ولم تمتد إلى الكهول أو إلى الشيوخ الذين ترعرعوا في كتف العقيدة الإسلامية؟ فنحن أمام ظاهرة انتشرت بين قطاع معين من الشباب وخلال فترة زمنية معينة، فلماذا؟ هذا هو السؤال الملح.

    ما هي الصفات الأساسية لظاهرة الهوس الديني؟ تركز أجهزة الإعلام على الإرهاب باعتباره الصفة المميزة للتعصب الديني. ذلك أن الإرهاب مثير وعنيف ويودي بأرواح الناس فوجد تركيزاً في الأجهزة الإعلامية. ولكن ليس كل من هو مهووس ومتعصب دينياً إرهابياً. قد يكون رصيداً للإرهاب، لكنه لا يمارس بالضرورة الإرهاب. فالإرهاب صفة لشريحة من المهووسين دينيا. وهو تعبير عن مرحلة منفلتة. كما ان الإرهاب موجود بين المهووسين دينياً وغير المهووسين. وموجود في البلاد العربية وغير العربية. ولاشك أن الإعلام يلعب دوراً سلبياً لحد بعيد، فهو إعلام تسيطر عليه المؤسسات الرأسمالية أو الطفيلية. ولذلك تعمل على صرف الأنظار عن جوهر الأزمة، لإضعاف الحس النقدي لدى الشباب حتى لا يصلوا إلى الطفيلية، فالإرهاب تمارسه شريحة من المهووسين دينيا. ولا يقتصر الإرهاب عليهم فيمارسه الهندوس والصهاينة كما مارسته التنظيمات الفلسطينية، ومارسه من قبل النازيون بشكل همجي.

    الصفة الثانية التي تنتشر على نطاق واسع بين المهووسين دينيا هي التركيز على المظاهر الخارجية والطقوس بشكل مبالغ فيه، هذه أخطر مظاهر الهوس الديني، لأنها تجعل الشباب يتمسك بالقشور دون الجوهر، ويتباهى بها. وأبرزها انتشار الحجاب بين الفتيات، أو ما يسمى اللبس الإسلامي. وليس للإسلام لبس محدد للنساء. لذلك نجد أنواعاً مختلفة من الحجاب تمتد من تغطية الشعر إلى تغطية كل الجسم بما في ذلك أصابع اليدين والرجلين بلباس أسود في طقس حار جداً تصل الحرارة فيه درجات عالية، وهناك مثل صارخ : قبل أعوام خلت رأى احد الشباب في الجزائر من المهووسين أن لبس إحدى الفتيات ليس إسلاميا فأطلق عليها الرصاص وأرداها قتيله. فذلك الشاب نصب من نفسه حكماً يقرر ماذا يكون عليه اللبس الإسلامي، ثم ارتقى منصة القضاء وأصدر حكما بإعدام الفتاة وتولى أخيراً دور الجلاد فقام بتنفيذ الحكم. وحتى إذا فرضنا أن اللبس ليس إسلاميا حسب زعمه فهل عقوبة ذلك الإعدام؟ وهذا مثال جانح للهوس الديني. ودونكم والحجاب الذي تفرضه حركة طالبان على النساء في أفغانستان.

    وانفجرت في مصر معركة عام 2006 حول النقاب، عندما قالت د. سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية في جامعة حلوان إن النقاب ليس من الإسلام، وأن النقاب عادة وليس فريضة. فصدرت فتوى بإهدار دمها. وقال أحد أئمة المساجد: لو رأيت سعاد صالح لقتلتها على فتواها بأن النقاب ليس فريضة.

    الأمر الأهم ان الفتيات أصبحن يتحجبن بأشكال مختلفة بالذات في العقد الأخير من القرن الماضي، بينما كان الحجاب قاصراً في الماضي على النساء دون الفتيات. وحتى ذلك الحجاب كان في حدود معينه فما الذي حدث حتى ارتدت الفتيات إلى الحجاب الذي عارضه الإمام محمد عبده وقاسم أمين وهدى شعراوي وجيل كامل من رواد الاستنارة المسلمين؟ وكيف تقبل المرأة بالحجاب الذي يرتد بها من إنسان إلى عورة؟ ولماذا اغلب الحجاب لونه اسود في بلاد حرارتها عالية وهل هو مظهر للتدين أم مزايدة؟

    وانتشرت بين الشباب ظاهرة إطالة اللحية. ليس هناك غرابة في إطالة اللحية، فها هو جيل الشباب في البلاد الغربية يطلق لحاه. ولكن الغريب هو انتشارها بين الشباب وليس الشيوخ وفي سنوات بعينها. وقد امتعض المتنبي قبل ألف عام حتى من هذه الظاهرة وقال بيت شعره المشهور:

    أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا امة ضحكت من جهلها الأمم؟

    ومن المظاهر الخارجية التي انتشرت أيضا الجلباب القصير أو تقصير البنطلون،لأن اللبس الطويل كان لبس الأباطرة والملوك، واللبس القصير يعبر عن قصور الإنسان وينطوي على نزعة تصوف.

    كل هذه المظاهر الخارجية تعطي الشباب إحساساً بالذاتية وتفرداً، وتمنحهم المظاهر الخارجية المشتركة انتماءً وتواصلاً ورابطة تجمع بينهم دون تعقيد فكأنهم في فيلق عسكري. ويجدون في تلك المظاهر المشتركة حماية وجداراً يتكئون عليه في وقت أصبح السقوط في الهاوية قاب قوسين أو أدنى. كما أن تلك المظاهر هي الجانب السهل الذي لا يحتاج الأخذ به إلى كبير عناء.

    إن اقتفاء سيرة الرسول ليس لحية وجلباباً قصيراً ومسواكاً، ولكن الاقتفاء بتلك السيرة العطرة أكثر مشقة من ذلك. إن سيرة الرسول (ص) تمثل انسجاماً لا تناقض فيه بين سلوكه الشخصي ونشاطه العلمي والدعوة التي حمل أمانتها، تتداخل كلها معاً في نسيج واحد لا انفصام ولا تناقض فيه. هذا ما أعطى الرسول (ص) مكانته المتفردة نموذجاً أعلى للإنسان الكامل، ويرتقي الإنسان كلما اقترب من ذلك الكمال. وهذا هو الأمر الشاق الذي يحتاج إلى مجاهدة حقيقية للنفس. أما المظاهر الخارجية أمرها سهل ويستطيع أن يأخذ بها من هو صادق ومن هو أفاك.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:09 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الجذور التاريخية لانتشار ظاهرة الهوس الديني




    د. محمد سعيد القدال


    ( 2)


    نواصل تناول الصفات التي تتسم بها ظاهرة الهوس الديني. الصفة الثالثة هي النفور الذي يصل أحيانا مرحلة العداء لأغلب مظاهر الإبداع من فنّ وموسيقى وغناء ومسرح ورقص، باعتبارها مظاهر تفسّخ وانحلال. وربما كان في ممارسة البعض لتلك الجوانب ما ينفّر منها، ولكن حركة الإبداع أعمق من ذلك، وقد أعطت حياة البشر عمقا وبعدا وثّق من انتماء البشر إلى الكون وإلى خالقه. وفى الوقت الذي يهاجم فيه اليوم بعض أئمة المساجد قمم الإبداع ، نجد الإمام محمد عبده يكتب إلى تولستوي الروائي الروسي رسالة في مطلع القرن العشرين يشيد برواياته التي تمجد القيم الخيرة في الإنسان. فتجسيد هذه القيم روائيا يختلف عن الوعظ، لأن الإبداع أكثر مشقة ويحتاج إلى مقدرات في الخلق والابتكار. ولذلك لن تجد بين جيل الشباب المهووس دينيا أي مبدع. بل حاول أحدهم اغتيال نجيب محفوظ دون أن يكون قد قرأ رواية من رواياته، في الوقت الذي تقرأ فيه هذه الروايات على امتداد كوكبنا بمختلف اللغات. وقامت حركة طالبان بتحطيم أجهزة الراديو والتلفزيون لأنها مظهر تفسخ، بينما ينطلق مقاتلوها بالدبابات والمدافع التي تحصد أرواح الناس . وتنتشر فيها زراعة وتجارة المخدرات التي تدمر الشباب فتزوي أيامهم.

    الصفة الرابعة ،الموقف المعادى للمرأة، مع وجود اختلافات في ذلك الموقف. فهم ضدّ عمل المرأة وبعضهم يشتط وينادى بعدم خروجها من المنزل. ويصرّون على الفصل بين الجنسين في الجامعات والمعاهد. ولا يعارضون تعدد الزوجات. ويصل هذا الموقف إحدى قمم التطرف في ما ذهب إليه الشيخ عبد العزيز بن باز من أن عمل المرأة مثل الدعارة. وتعبر حركة طالبان في موقفها من المرأة عن أقصى ما وصل إليه الهوس الديني من درك سحيق. والشيء الغريب أن بعض الفتيات يشاركن من هذه الأفكار التي تحيلهن إلى حريم وإلى مواطنات من الدرجة الثانية أو ما دون ذلك. ويبدو أن هؤلاء لم يطلعوا على ما قاله القرآن عن المرأة، أو قرأوه بعيون الموتى.

    الصفة الخامسة الاقتناع المطلق بصحة الرأي. فلا يحتملون الرأي الآخر ويعتبرونه خروجا على الحقيقة ومروقاً. بل قد يكفّرون صاحب الرأي الآخر لمجرد اختلافه معهم. وهذا ما يدفعهم إلى مجابهة مخالفيهم بالعنف الجسدي. ولا يميلون إلى مناقشة الآخرين. فهم آلة فكرية صماء مورست عليها درجة كبيرة من غسيل المخ. لذلك يحفظون نصوصاً يستشهدون بها يمنة ويسرة دون تمحيصها ويرفضون أي رأي عقلاني حولها. ولذلك قامت إحدى جماعات الهوس الديني بتأسيس جامعة اسمها "جامعة الإيمان"، وهو أمر ينافي تماما رسالة الجامعة. فالجامعة تجمع مختلف التخصصات ومختلف التيارات الفكرية، وتصطرع كلها في إطار المنهج العلمي، وهذا ما جعل الجامعات تصبح منارات عالية. أما جامعة الإيمان فهي ملهاة هزلية.

    الصفة السادسة تداولهم كتبا معينة وقراءتها دون تفكير ناقد، باعتبار أن ما جاء فيها مسلمات. وليست هناك غرابة في قراءة هذه الكتب، إنما الغرابة في الانتشار الواسع لهذه الكتب بين جيل الشباب في فترة زمنية معينة. فما الذي يجمع بين أفكار هؤلاء الكتاب مما أعطاها هذا الرواج بين الجيل المهووس دينيا؟ كتبوا جميعهم في ظروف أزمات حادة. ففي القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي واجه العالم الإسلامي التتار من الشرق والصليبيين من الغرب وصراعات الحكام داخل البلاد العربية والانحرافات الجانحة لبعض الفرق الصوفية. فانبرى ابن تيمية للدفاع عن الهوية الإسلامية بالعودة إلى السلفية. وكانت سلفيته المتزمتة تمسكا بمعيار ثابت في مواجهة تلك الغزوات والتشققات. وعاش ابن كثير في ظروف أزمة حادة أيضا. وتعكس أفكار المودودي أزمة القلة المسلمة وسط طوفان من الهندوس. وفى إطار تلك الأزمة تشكلت مرتكزاته الأيديولوجية. وكتب سيد قطب "معالم في الطريق" وهو في سجون عبد الناصر، وحركة الإخوان المسلمين في قمة أزمتها ولا تستبين أمامها أفقا واضح المعالم. وتحول سيد قطب من الكتابة عن "معركة الإسلام والرأسمالية" و"العدالة الاجتماعية في الإسلام" و"التصوير الفني في القرآن" إلى الجاهلية الجديدة في كتابه "معالم في الطريق" و كتابه "مشاهد القيامة في القرآن". وظل كتاب "معالم في الطريق" متداولا طوال عهد عبد الناصر، وطبع ثلاث مرات بأمر عبد الناصر رغم اعتراض الأجهزة الأمنية، لأن أجهزة الأمن تنظر تحت رجليها وليس لها أفق سياسي عريض، لذلك لم يجد الكتاب الرواج الذي لقيه فيما بعد. فهذه كتابات مأزومة إن صح التعبير. والكتابات التي تستسلم لمحاصرة الأزمة لا تضيء طريقا ولا تنير بصيرة. ولم يحدث أن خرج فكر مأزوم من ضبابية الوضع المأزوم وعتمته، لأنه يكون في الغالب ردّ فعل للأزمة، فيرتد إلى ظلمات الماضي ليختبئ فيها من نور الحاضر الذي يرتعد من وهج ضيائه.

    وأصبح لأولئك الكتاب نسخ جديدة استغلت معطيات ثورة الاتصالات من تلفزيون وكاسيت وفيديو، وأخذوا يروّجون لأفكار غثة تجد لها استجابة وسط مشاعر جيل الشباب المهووس وهم في حالة توقف العقل و غيبة الوعي. فهم يهاجمون الحضارة الغربية المتفسخة المنهارة من فوق الأجهزة التى ابتدعتها تلك الحضارة. دون أن يحفلوا بالتناقض الصارخ في موقفهم الانفصامي.

    لماذا حدث هذا؟ مثل هذه الظاهرة تحتاج إلى تمحيص يغوص إلى القاع ويشارك فيه مختلف الكتاب. و يجب أن يتحول الحكام من الدفاع عن أنظمتهم المهترئة وعروشهم المهتزة إلى التصدي لهذه الظاهرة التي تهدد جيلا بأكمله، جيل الغد. وسوف نحاول أن نتتبع الجذور التاريخية التي يمكن أن تفسر بروز وانتشار هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، وننظر إليها نظرة شمولية، لعل هذا يساعد في فتح المزيد من قنوات الحوار، ويساعد على الخروج من سياسة الردع إلى المعالجة الموضوعية للظاهرة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:13 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية



    محمد سعيد القدال


    (1)


    لعل الوقت لم يحن بعد لدراسة وتقييم فترة حكم الإنقاذ وهي لمّا تزل في السلطة. ولكن سؤالين ظلا يلحان عليّ وأنا اتحاشاهما ما وسعني إلى التحاشي سبيل لأنهما قد يبتعدان بي عن التناول الموضوعي. وقررت أخيرا هذه الوقفة لأقول بعض الخواطر التاريخية، لعل فيها ما يفتح منفذاً لدراسة أكثر شمولاً وعمقاً. السؤال الأول هو: كيف استطاع حزب الجبهة الإسلامية أن يستولي على السلطة وهو حزب صغير ولم يمتلك بعد التأهيل التاريخي للحكم؟ والسؤال الثاني هو: كيف تمكن هذا الحزب من البقاء في السلطة 18 عاماً وربما تمتد؟ ونحن لا نطرح هذه الأسئلة لنعقد محاكمة لفترة حكم الإنقاذ، ولكن لنحاول قراءة التاريخ بعيداً عن الإدانة والتجريم، فهذه سيأتي لها زمانها ومكانها.

    بالنسبة للسؤال الأول، نحتاج أن نقف عند مفهوم التأهيل التاريخي للحزب السياسي. والمقصود بالتأهيل التاريخي، أو ما سماه قرامشي هيمنة الحزب hegemony of the party، هو أن يمتلك الحزب نفوذاً راسخاً وممتداً من قدراته الاقتصادية والسياسية، ومن نفوذه في الحركة الفكرية والأدبية والفنية، وأن يتولى مفكروه صياغة كل ذلك في برنامج على امتداد الساحة الفكرية. فيكون له حضوره الآسر وسط الرأي العام، ثم يأتي بعد ذلك الاستيلاء على السلطة بذلك التأهيل، وليس بالتآمر والقوة الغاشمة. وأمامنا البرجوازية الأوربية التي ظلت تتأهل لعقود حتى استولت على الحكم. وقد عبر أحد أفرادها عن ذلك عام 1789 عندما اجتمع البرلمان (مجلس الطبقات) في فرنسا، فوقف يصيح: (ما هي البرجوازية؟ إنها كل شيء، ما هو وضعها الآن؟ لا شيء، وماذا تريد أن تكون؟ بعض الشيء). ولكنها في الواقع كانت تريد أن تكون كل شيء، وكان لها ما أرادت، لأنها امتلكت التأهيل التاريخي. وظلت أحزاب الطبقة العاملة تناطحها في السلطة وتسعى لتتأهل تاريخياً. وعندما تتأهل يكون استيلاؤها على السلطة انسياباً مع حركة التاريخ وليس قفزاً فوق المراحل أو تهريجاً ودجلاً أجوف.

    وبمناسبة الحديث عن التأهيل التاريخي، يخطر على بالي موقف الحزب الشيوعي بعد ثورة أكتوبر 1964. فقد خرج الحزب من فترة الدكتاتورية العسكرية نجماً ساطعاً في سماء السياسة السودانية. فشارك في حكومة أكتوبر واكتسح دوائر الخريجين ونافست جريدته الميدان الجرائد المستقلة وبرز عبد الخالق بقدرات كارزمية. واندفع بعض قادته نحو السلطة دون أن يمتلك الحزب التأهيل التاريخي. وأدرك عبد الخالق بنظرته البعيدة خطورة ذلك الاندفاع وحاول لجمه. وتدخلت قوى داخلية وخارجية وحالت دون ذلك، واصطرع الحزب الشيوعي حتى انقسم عام 1970. وكان ذلك هو الفرق بين الثوري والمغامر. وهذه خاطرة عابرة ربما وقفنا عندها لاحقاً وقفة أطول.

    فهل امتلك حزب الجبهة التأهيل التاريخي الذي يمكنه من الاستيلاء على السلطة وحكم البلاد؟ لنجيب على هذا السؤال نعود إلى الظروف التاريخية التي نشأ فيها الحزب. برز حزب الجبهة الإسلامية القومية بعد ثورة أكتوبر بقيادة د. حسن الترابي. وكان حزباً صغيراً، رصيده الأساسي في الجامعات والمدارس لأن الحكم العسكري لم يلجم يده مثل الأحزاب الأخرى، ودور الترابي في ندوة جامعة الخرطوم التي كانت الشرارة التي فجرت ثورة أكتوبر الذي كافأه عليه الخريجون بإعطائه أكثر الأصوات في انتخابات الخريجين.

    فماذا فعل الحزب بعد ذلك؟ فعل ما فعلته كل حركات الهوس الديني بداية من الإخوان منذ حسن البنا وحتى طالبان، وهو الاتكال على سلطة أقوى تستقوي بها وتقوم بدور مخلب القط، وعندما يشتد ساعدها ترميها أو ربما تنقلب عليها. كان الصراع السياسي بعد ثورة أكتوبر عنيفاً. فالحزب الوطني الاتحادي وحزب الامة يتوجسان خيفة من نفوذ الحزب الشيوعي الطاغي وخطابه السياسي المدوي. فقاما بحله وطرد نوابه من البرلمان. واستغلا حزب الجبهة في تلك المعركة. وزاد اتكال الحزب على تلك القوى السياسية وهو يسير في ركبها. وكان المسرح السياسي يموج بصراعات وتيارات، ولم ينجل الأفق بعد. فوقع انقلاب 25 1969 وقلب الموازين.

    ودخل حزب الجبهة مع الأحزاب الكبيرة في معارضة نظام مايو. فشارك في المعارك العسكرية في الجزيرة أبا وفي 1976. وفي ذات الوقت أخذ بعض قادته يتجولون في بلاد البترول ويجمعون الثراء الذي فتحت تلك البلاد لهم أبوابه. وعندما أعلن نظام مايو المصالحة مع القوى السياسية عام 1977، اندفع حزب الجبهة بكل طاقته مع ذلك التيار. وتعامل الصادق المهدي مع المصالحة بحذر، وامتنع الشريف الحسين والحزب الشيوعي عن الدخول فيها.

    وأخذ قادة الجبهة يدبجون الحجج لتبرير دخولهم المصالحة والإشادة البلهاء بنظام نميري. فقال الترابي في أول لقاء مع نميري إنه لمس حرص الرئيس على بناء المجتمع الموحد الفاضل وتأسيس كيانه القانوني. وإن التزام الرئيس تجاه أمته جاء متسامحاً وسخياً عكس الظنون التي توهمت أنه سيلجأ للبطش بمحكم ثقافته العسكرية. وقال وقد انكسرت شوكة الطائفية اليوم وتهيأت حركة سياسية حديثة نحو الإسلام مبرأة من الجمود والقيود. وإن الفراغ السياسي بالتمزق قد ملأته ثورة مايو حتى وصلت إلى شموخها الحالي. وقال أنهم لا يكادون يختلفون مع الثورة إلا في قضايا فرعية لا ينفك الناس على الاختلاف حولها. وأشار إلى أن دواعي لقائه مع الثورة تعود إلى اتجاه قيادتها نحو المنهج الإسلامي في سلوك القادة وتربية المجتمع وأوضاعه التشريعية. (نص الأحاديث في جريدة الأيام).

    وقال يس عمر الإمام أحد قادتهم في تبرير تصالحهم مع النظام: لقد تصالحنا نحن الإسلاميين مع النظام، وأن من مقتضيات الحكمة ألا يعرض الداعية نفسه إلى خطر الإصابة بالإدمان السياسي. فالمصالحة في المقام أول استجابة للمبدأ القرآني الذي يحكم مبدأ التعامل السياسي مع الخصوم، فطالب المسلم بقبول مبدأ فض المنازعات بوسائل السلم لا بالإضراب. والمصالحة أصل في الإسلام وواحدة من ركائز النهج الإسلامي. ويمضي فيقول: إن الجماعات الإسلامية التي ظلت تعارض الأنظمة، تخدر وعيها بفقه المعارضة، فأورثت أبناءها تقاليد في العمل السياسي قائمة على مناهضة الأنظمة الحاكمة على إطلاقها، وهؤلاء لم يحاولوا أن يكتشفوا أو يتعرفوا على فقه المصالحة الثابت الأصل في الإسلام. ويبرر معارضتهم السابقة لنظام مايو فيقول: إنهم حين دعوا إلى تكوين جبهة وطنية عام 1969، لم يعقدوا حلفاً مقدساً بين أعضائها ولم يكن حلفاً مقدساً لإسقاط النظام، وإنما كان تجمعاً لأطراف المعارضة حول برنامج العمل السياسي المشترك. (الأيام يناير 1980)

    ونحتاج أن نقف ملياً أمام هذه التصريحات.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:26 PM

Ahmed Abushouk

تاريخ التسجيل: 08-12-2005
مجموع المشاركات: 330

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    أخي عمر
    أنه حقاً موت مؤرخ، مات أستاذي البروفسير القدال في نفسه حلم سودان ديمقراطي، لذا فقد حاول أن يعطي لمحة عن تاريخ الديمقرطية فيه في سلسلة من المقالات الوارد نصها أدناه. ألا رحم الله القدال رحمة واسعة بقدر ما أعطى وبقدر ما أبدع. وساعود لحاٌقاً للكتابة عنه بعد يهدأ غلواء نفسي المكلومة.

    أحمد إبراهيم أبوشوك


    ************************************************************************


    لمحة تاريخية:الانتخابات البرلمانية في السودان
    محمد سعيد القدال
    [email protected]
    الحوار المتمدن - العدد: 1908 - 2007 / 5 / 7
    تقديم

    أجريت في السودان خمسة انتخابات برلمانية في ظل الأنظمة الديمقراطية في الأعوام: 1953 – 1958 – 1965 – 1968 – 1985. ولا تشمل الانتخابات التي أجريت في ظل الأنظمة العسكرية لأنها انتخابات شائهة عرجاء وأصباغ خارجية لا معنى لها. فما هي الدروس التي نستخلصها من تلك الانتخابات الديمقراطية؟ فالتجارب السابقة إذا لم تترسب في الوعي الاجتماعي وتضيء السبل تصبح حياة الإنسان بلا بعد تاريخي. إن الإنسان حيوان ذو تاريخ والوعي التاريخي والحس التاريخي هما اللذان يفرقان بينه وبين الحيوانات الأخرى التي ليس لها تاريخ وتظل تجتر تجاربها السابقة وتكررها وتعيدها. فبماذا خرجنا من تجارب الانتخابات السابقة حتى يصبح لنا بعدنا التاريخي ولا نجتر التجارب السابقة بلا وعي تاريخي، وحتى تصبح النظرة للمستقبل ليست ضربا من التنجيم والحدس وإنما رؤية تسترشد بالعلم؟

    إن إجراء الانتخابات ليس حلا سحريا، فلن تأتي الانتخابات بالحلول السحرية وإنما هي وسيلة تفتح الطريق لإيجاد الحلول التي تواجه المجتمع. وإذا شحنّا الانتخابات بطموحات عريضة فإن ذلك قد يؤدي إلى خيبة أمل أشد إيلاما من انعدام الانتخابات. لقد شهدت البلاد ثلاثة انقلابات عسكرية جاءت كلها بعد انقضاء فترة وجيزة على انتخابات برلمانية. فهل نريد أن نجري انتخابات نبذل فيهت جهدا سياسيا وماليا ثم يأتي انقلاب عسكري ليطيح بذلك الجهد؟

    صحيح إن الانقلابات لها عومل مختلفة، ولكن الانتخاب التي لا تعكس الوضع السياسي بشكل ناصع تصبح من أسباب التغول على الحياة السياسية.

    كما أن الناس لا تذهب لتدلي بصوتها وكأنهم آلات. إن الإدلاء بالصوت الانتخابي عملية معقدة تحكمها عدة عوامل. وبالنسبة لبلد مثل السودان فإن تلك العوامل متعددة ومتشابكة، وقد لا يوجد مثلها في البلاد الأخرى. أولها المناخ السياسي السائد الذي يلقي بظلاله على الناخبين. وثانيها الأوضاع الإقليمية والعالمية التي لها أثرها المباشر وغير المباشر. وثالثها المناورات السياسية، ولكنها محكومة بالعاملين السابقين، ومحكومة بالقاعدة الاجتماعية التي تحكم مجرى العملية الانتخابية ونتائجها، مما يجعل تأثيرها محدودا وليس مطلقا.

    ويتم إجراء الانتخابات من أجل التداول السلمي للسلطة، وليس مجرد ديكور خارجي ليضفي شرعية مزيفة على سلطة غير شرعية. ولذلك فإن المناورات الانتخابية بغرض كسب الأصوت بأي ثمن لن تضفي شرعية على أي نظام. وقد خبرنا تكرار هذه التجربة البلهاء طوال تاريخنا البرلماني.

    فما هي الدروس التي نخرج بها من تجربة الانتخابات السابقة؟

    أجريت الانتخابات الأولى عام 1953 والطموحات عريضة والآمال بعيدة المدى. فقد استطاع أهل السودان كسر جبروت الاستعمار البريطاني وليس لهم من سلاح سوى المقاومة السلمية من مظاهرات واضرابات. وتمت عزلته في الشارع السياسي. وحتى حزب الأمة الذي شارك في مؤسساته الدستورية وتعاون معه، نفض يده من تلك المشاركة وذلك التعاون. ثم انفجرت الثورة المصرية في يوليو عام 1952، وألقت بثقلها مع الطموحات العريضة للحركة الوطنية السودانية. ولكن الموقف المصري كانت تتجاذبه حماسة الضباط الأحرار من جانب وطموح البرجوازية المصرية التي ما زالت ترى أن: مصر الرياض وسودانها عيون الرياض وخلجانها. وكانت حركات التحرر مشتعلة في أرجاء المعمورة، ويفرد عليها الاتحاد السوفيتي ظله بالدعم والحماية ولن ينمحي هذا الدور لمجرد انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي هذا الجو أجريت انتخابات عام 1953.

    انتخابات 1953

    في مطلع العام تشكلت لجنة الانتخابات المحايدة برئاسة سوكومارسن الهندي الجنسية وعضوية بريطاني ومصري وأمريكي وأربعة سودانيين. وقامت اللجنة بالطواف على أقاليم السودان. وتبين لها الفرق الكبير بين سكان الحضر الذين يتمتعون بوعي اجتماعي عالٍ وشاركوا في الحركة السياسية وفي صنع أحداث البلاد، وسكان الريف الذين هم في حالة متدنية من الوعي الاجتماعي ومن المشاركة الفعالة في صنع الأحداث. فهل تنقل التجربة الغربية بنصها الذي يعطي صوتا للمواطن بعد أن اكتمل تطورها هناك عبر مسار طويل، أم تعدل لتناسب واقع السودان؟ كان هذا هو السؤال الملح الذي أثار جدلا كبيرا. فرأى البعض أن عدم إعطاء صوت لكل مواطن فيه خروج على الديمقراطية. ورأى البعض الآخر أن إعطاء صوت لكل مواطن لا يتناسب مع واقع السودان. والديمقراطية الغربية نفسها لم تبدأ منذ يومها الأول بإعطاء صوت لكل مواطن، بل إن النساء لم ينلن حق التصويت إلا بعد الحرب العالمية الأولى. هذا الأمر يحتاج إلى وقفة حتى نستبين الفرق بين التطبيق الخلاق والتطبيق الجامد.

    تمت مراعاة الوعي الاجتماعي وعدد السكان عند تقسيم الدوائر، مثال ذلك أن 579 ألف ناخب في كسلا لهم ثلاثة مقاعد في البرلمان، بينما يحصل 640 ألف ناخب في الاستوائية على مقعدين. ورفعت دوائر الانتخاب المباشر من 35 إلى 68. والانتخاب غير المباشر هو أن يختار الناخبون ممثلين عنهم ويختار الممثلون النائب البرلماني الذي يمثلهم. وأعطي الخريجون خمس دوائر. وأثارت تلك الدوائر بعض الجدل، ولكن اللجنة كانت تحاول أن تتعامل مع واقع يختلف عن واقع البلاد الغربية. وذهبت بعض القوى السياسية إلى ان سوكومارسن تم اختياره بإيعاز من عبدالناصر إلى نهرو ليختار شخصا يضع نظاما للانتخات يخدم الحزب الوطني الاتحادي. وهذا رأي ينطلق من أفق محدود. فإذا كانت اللجنة تخدم مصالح الوطني الاتحادي تكتيكيا، فإن الوطني الاتحادي قد وضع رأسه في المكان الصحيح. كما أن مصالح الوطني الاتحادي لا يتم تحقيقها بالمناورات وإنما بالوضع السياسي والمناورات عنصر مساعد وليست عاملا حاسما. فالانتخابات لم تحسمها في الأساس المناورات وإنما الأساس الاجتماعي والوعي الاجتماعي الذي ينبعث من ذلك الأساس ومن قدرات العصر.

    واكتنف تلك الانتخابات بعض القصور. فقد حرمت النساء من حق الانتخاب. كما حددت سن الناخب بواحد وعشرين سنة. فحرم قطاع كبير من السكان من حق المشاركة.

    فكيف سارت تلك انتخابات؟





    لمحة تاريخية: الانتخابات البرلمانية في السودان (2-4)

    السوداني 8-4-2007

    الانتخابات البرلمانية عام 1953

    بلغ عدد الدوائر في انتخابات عام 1953، 97 دائرة تنافس عليها 227 مرشحا يمثلون ستة أحزاب. وتنافس 22 مرشحا على دوائر الخريجين الخمسة. وكانت النتيجة كما يلي: الوطني الاتحادي 53 – الأمة 22 – المستقلون 7- الجنوب 7- الجمهوري الاشتراكي 3. وحصل الوطني الاتحادي على ثلاث مقاعد في الخريجين ومستقل على مقعد والجبهة المعادية للاستعمار (تحالف الشيوعيين والديمقراطيين) على مقعد. ولكن الأصوات التي حصل عليها حزب الأمة كانت أكثر من الوطني الاتحادي بفارق 47 ألف صوت.

    وعلق البروفسور هولت على تلك النتيجة بأنها وضّحت أن معظم تأييد الوطني الاتحادي جاء من المدن ومناطق الاستقرار في أواسط السودان وهو مكان نفوذ الختمية. كما عبرت النتيجة عن رفض الاستعمار البريطاني. ولم يكن تأييد الوطني الاتحادي في رأيه تأييدا للوحدة مع مصر، بقدر ما كان تعبيرا عن الرغبة في التغيير. وكان أيضا تأييدا لموقف الوطني الاتحادي المعادي للاستعمار. وخلص إلى أن النتيجة كانت مثار دهشة بالنسبة للبريطانيين.

    وأثار حزب الأمة اتهامات حول تدخل أموال مصرية في الانتخابات. وكان تدخل الأموال الأجنبية حقيقة، ولكن تدخل نفوذ الاستعمار البريطاني أيضا حقيقة. وكان التصويت بالإشارة أيضا حقيقة. ولكن الصراع في تلك الانتخابات لم يحسم على مستوى الأموال الأجنبية والنفوذ الاستعماري والطائفي، وإنما حسمه القطاع الحديث الواعي الذي أتيح له ثقل أكبر في تلك المعركة.

    وعبر حزب الأمة بشكل غاضب عن عدم رضائه لنتيجة الانتخابات في حوادث مارس 1954. كان الأول من مارس يوم افتتاح البرلمان، وجاء الرئيس محمد نجيب ممثلا لمصر، فأراد حزب الأمة أن يظهر نفوذه السياسي في الشارع ويعبر عن رفضه للوحدة مع مصر. ومهما قيل عن تلك الأحداث فقد كانت تعبيرا عنيفا في صراع ديمقراطي. وحزب الأمة الذي ظل يتحالف مع الإدارة البريطانية وهو يرفع شعارا هلاميا: السودان للسودانيين، والذي لم يرفع منذ تأسيسه عام 1945 شعارا واحدا معاديا للاستعمار، والذي لم ينظم مظاهرة واحدة من المظاهرات التي تفجرت في وجه الحكم البريطاني، لم يحتمل صدمة الرفض من القطاع الذي ظل ينسج مقاومته للاستعمار البريطاني خيطا بخيط من تضحيات أبنائه.

    وكان برلمان 1954 أنجح البرلمانات في تاريخ السودان السياسي. فقد أرسى قواعد النظام الذي يقوم على تداول السلطة سلميا، وأنجز السودنة والجلاء، وتوّج ذلك بإعلان الاستقلال في ديسمبر 1955.

    الانتخابات البرلمانية الثانية عام 1958

    وعندما أجريت الانتخابات الثانية عام 1958، تغيرت موازين القوى. فقد كانت الحكومة تقوم على تحالف بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي الذي انفصل عن الوطني الاتحادي. فماذا فعلت بقانون الانتخابات؟ ألغت دوائر الخريجين لأن حزب الأمة لم يحصل على دائرة فيها في انتخابات 1953. ولكن الغرض من دوائر الخريجين ليس المكسب الحزبي، وإنما إعطاء وزن للفئة التي لعبت دورا قياديا في مجرى السياسة السودانية. وحزب الأمة نفسه اختار لقيادته السياسية نخبة من المتعلمين المتميزين من أصحاب الكفاءات العالية الذين لا يربطهم به الولاء الطائفي. فكان الإلغاء ردة عن قانون 1953. ثم قسمت الدوائر تقسيما عدديا مطلقا، لأن هدف حزب الأمة الحصول على مقاعد برلمانية، حتى ولو كان ذلك على حساب الإنجاز الذي حققته لجنة سوكومارسن. فأصبح عد الدوائر كالآتي:

    ارتفع عدد دوائر دارفور من 11 إلى 22

    ارتفع عدد دوائر كردفان من 17 إلى 29

    ارتفع عدد دوائر النيل الأزرق من 18 إلى 35

    ارتفع عدد دوائر كسلا من 8 إلى 16

    ولعله من الملفت للانتباه أن كل مرشحي الحكومة سقطوا في دوائر العاصمة المثلثة.

    وألغي شرط التعليم بالنسبة للمرشح، فدخل البرلمان بعض النواب الذين ليست لهم مؤهلات تمكنهم من المشاركة في القضايا التي تطرح. وأجيز قانون جديد للجنسية في يوليو 1957 بدلا عن قانون 1948 الذي حرم أعدادا من المشاركة في الانتخابات السابقة، وكان أغلب المستفيدين منه من أنصار حزب الأمة. فحصل 6264 على الجنسية منهم 3165 من الفلاتة. وأدخل نظام مراكز الاقتراع المتنقلة لإعطاء القبائل الرحل فرصة أكبر للمشاركة في التصويت.

    وتمخض عن تلك التعديلات ارتفاع عدد الدوائر إلى 173 وجاءت بالنتائج التالية: حزب الأمة 63 _ الوطني الاتحادي 44 – الأحرار 40 – حزب الشعب 16.

    حصلت الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة عبد الله خليل على أغلبية برلمانية، وحسبت أنها حققت حكما مستقرا. وفات عليها أن الديمقراطية لها منابر أخرى هي التي تحقق الاستقرار السياسي وهي المنابر التي أصبحت تعرف اليوم بمؤسسات المجتمع المدني التي تقوم على الاختيار الطوعي بعيدا عن هيمنة السلطة. وفات عليها أيضا أن الديمقراطية تقوم على محتوى اجتماعي هو الركيزة الأخرى لاستقرار الحكم. فالديمقراطية ليست حذلقة لفظية وبراعة خطابية وإجراءات ولوائح. فالناس يسعون في نهاية المطاف إلى العيش في ظل حياة كريمة، وهم يتوقعون أن تكون الديمقراطية أفضل السبل لتحقيق ذلك.

    فما هي أهم معالم التجربة الانتخابية الديمقراطية الثانية؟ لم تعش التجربة فترة تمكن من الحكم عليها. ولكن الفترة على قصرها اكتنفتها سلبيات. من أبرزها تغيير النواب مواقعهم الحزبية والانتقال من هذا الحزب إلى ذاك لأن الأموال أصبحت تلعب دورا في تغيير المواقف الحزبية. وأصبحت الحكومة تواجه معارضة من منابر المجتمع المدني. ولم تشفع للحكومة أغلبيتها البرلمانية. وعندما ضاقت واستحكمت حلقاتها ولم تنفرج، قام عبد الله خليل بتسليم السلطة للجيش بعلم حزبه. فما كان باستطاعة حكومة عبد الله خليل قبول المعونة الأمريكية أمام المعارضة القوية إلا بتسليم السلطة للجيش.

    وفي هذا الصدد كتب عبد الخالق محجوب يقول إن الديمقراطية اللبرالية في السودان تقف حجر عثرة في طريق التطور الرأسمالي وتشكل عقبات أمام الاندفاع السريع لخلق مجتمع مختلط من الرأسمالية ومواقع التخلف. والتنمية في طريق الرأسمالية تقترن بالعنف في السودان.

    هكذا انهارت التجربة الانتخابية الثانية ولم يمض عليها سوى بضعة أشهر رغم الأغلبية البرلمانية.




    مداخلة تاريخية:الانتخابات البرلمانية في السودان(3-4)

    د. محمد سعيد القدال


    الانتخابات البرلمانية الثالثة 1965

    اندلعت ثورة أكتوبر عام 1964، وبدأت معها التجربة الديمقراطية الثانية والتجربة الانتخابية الثالثة. وخرج الناس تنفخ في أشرعتهم رياح الأمل. وكان لابد أن ينعكس المد الثوري على قانون الانتخابات وعلى الانتخابات التي أجريت عام 1965. وكان لابد أيضا لتوازن القوى الذي حكم خطى الثورة أن يؤثر عليها أيضا. فوسع قانون الانتخابات من المشاركة بالآتي: أعطى النساء حق التصويت للمرة الأولى في تاريخ البلاد. وخفض سن الناخب من 21 إلى 18 سنة. وأعطى القانون للخريجين 15 دائرة. كان ذلك أقصى ما حققه المناخ الثوري. وكان ذلك إنجازا كبيرا بالنسبة لانتخابات 1958. من الجانب الآخر قسمت الدوائر تقسيما عدديا محضا ولم يراع الفرق بين مناطق الإنتاج والوعي والمناطق الأخرى كما حدث في انتخابات 1953، لأن الأحزاب مازالت تلهث خلف المقاعد بغض النظر عن القوى التي تمثلها تلك المقاعد. فتقليد الديمقراطية الغربية في قمتها هو المسيطر عليها. وكان ذلك طبيعيا نسبة لتوازن القوى. ولم تحفل الأحزاب بأن الديمقراطية لا تلغي الاضطهاد الطبقي، ولكنها تجعله أكثر وضوحا. وكلما كان نظام الحكم ديمقراطيا، أصبح العمال أكثر قدرة على رؤية صور الشر في الرأسمالية. هذا ما قاله لينين قبل أن تندثر أقواله مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتغيير اسم مدينة لينينغراد إلى بطرسبيرج.

    لقد كانت ثورة أكتوبر حدثا كبيرا في مجرى السياسة السودانية. وقد لخصه عبد الخالق محجوب قائلا: إن الثورة واجهت الفئات التي تداولت الحكم منذ 1953 بالحقائق المذهلة التالية:

    أولا: من الممكن أن تنشأ في السودان حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات التي تداولت الحكم مدنيا كان أو عسكريا، والتي ظلت توجه الأحداث منذ الحرب العالمية الثانية.

    ثانيا: أن تكون هذه الحركة من الناحية الشعبية من منظمات مهنية ونقابية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن كبير من قبل ومن أبرزها الحزب الشيوعي.

    ثالثا: أن تستطيع هذه الحركة نسف حكم قائم بطريقة مفاجئة للفئات ذات المصالح ومن بينهم القادة السياسيون البرجوازيون وأن تشكل سلطة لا تنتمي لتلك الفئات.

    رابعا: وهو الأمر الخطير – أن ينفصل جهاز الدولة عن السلطة الحاكمة وينضم إلى تلك القوى السياسية في عمل ثوري هو الإضراب السياسي. وكان هذا درسا قاسيا ارتجفت له الفئات الحاكمة والدوائر الاجتماعية من أصحاب المصالح والسلطة الدائمة.

    وانتهى تقسيم الدوائر كالآتي:

    النيل الأزرق 45

    كردفان 36

    كسلا 33

    دارفور 24

    الشمالية 17

    الخرطوم 13

    الجنوب 60

    فبلغ عدد الدوائر 233 دائرة. وشارك في الانتخابات 12 حزبا سياسيا. وقاطع حزب الشعب الديمقراطي تلك الانتخابات، وكان ذلك موقفا متطرفا قصد به حزب الشعب أن يطهر أرديته من دنس التعاون مع النظام العسكري، ولكنه أضعف موقف حزبه والأحزاب القريبة منه من المشاركة الفعالة في الأحداث التي شهدتها البلاد.

    كانت نتيجة الانتخابات كما يلي:

    الأمة: 92 – الوطني الاتحادي: 73 – مستقلون: 18 – مؤتمر البجة: 15- الشيوعي 11 وكلها في الخريجين – سانو10: جبال النوبة 10 – جبهة الميثاق 5

    كانت النتيجة مبعث رضى بالنسبة للأحزاب الكبيرة وكانت أيضا مبعث عدم رضى. فقد أصبح للحزبين الكبيرين أغلبية مريحة، ولكنها أغلبية تقوم على التحالف. فطغت المناورات الحزبية، وكان للحزب الوطني الاتحادي اليد الطولى في تلك المناورات، بالذات بعد انقسام حزب الأمة بين الإمام الهادي وابن أخيه الصادق. وانزعجت الأحزاب للنفوذ الذي تمتع به الحزب الشيوعي رغم عدد نوابه القليل. ولم يقتصر نشاطه على البرلمان حيث قدم معارضة قوية، فقد كانت صحيفته الميدان أكثر الجرائد توزيعا بين الجرائد الحزبية، بل لعلها نافست بعض الجرائد المستقلة. وكان اللقاء الذي يقيمه عبد الخالق كل أسبوع بإحدى دور الحزب في العاصمة يجذب إليه أعدادا كبيرة من المستمعين. وكان خطاب عبد الخالق محجوب في مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد عام 1965 لمناقشة مشكلة الجنوب كانت له آثار سياسية ذات وزن بعيد المدى. لقد أتضح أن الديمقراطية اللبرالية لها منابر أخرى ذات تأثير غير البرلمان. ويبدو أن الحزب الشيوعي لم يعر اهتماما لتوازن القوى والتمييز بين قدرته في الإفصاح ونفوذه الأدبي من جانب وقدرته العددية.فكانت مذبحة الديمقراطية الكبرى في تاريخ البلاد.

    فما الذي حدث؟ أقدمت الأحزاب على حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان مستغلة أغلبيتها العددية في البرلمان. ولا نريد أن نعيد تفاصيل تلك المأساة فقد كتب عنها الكثير. (راجع على سبيل المثال كتابي: الإسلام والسياسة في السودان 1992، وكتابي: معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، 1999). وأسميها مذبحة الديمقراطية الكبرى لأنها رمت بكل التقاليد الديمقراطية عرض الحائط ولم تحفل إلا بأمر واحد وهو حل الحزب الشيوعي.

    ولكن واجهتهم عقبات، بعضها قانوني وبعضها سياسي وبعضها أخلاقي العقبة الأولى حول تعديل الدستور. وكان مبارك زروق قد تقدم بمذكرة عام 1958 حول مبادئ تعديل الدستور خلص فيها إلى أن دستور السودان من الدساتير التي لا يمكن تعديل مواده الأساسية. وعلق عبد الخالق محجوب عام 1967 على تلك المذكرة بأنها تعكس أولا تطلعات جماهير الوطني الاتحادي بعد الاستقلال مباشرة، ويمكن إجمال تلك التطلعات في تثبيت دعائم الديمقراطية، وهم كانوا ضمن الحركة الديمقراطية، وكانوا قوى خارجة وقتها من غمرة النضال. وتعكس أيضا موقف الحزب الوطني الاتحادي وهو في المعارضة ويدرك جيدا أن بقاءه مرتبط ببقاء الديمقراطية، في الوقت الذي بدأت القوى الحاكمة التنكيل بالمعارضة تعبيرا عن عجزها في الحكم. وتعكس أيضا الحياة السياسية عامة التي كانت تتمتع بجو أكثر صحة وعافية من جو التضليل والتهريج وتزييف الإسلام. (جريدة أخبار الأسبوع/ فبراير 1967) ولم تحفل القوى الحاكمة بذلك فأقدمت على تعديل الدستور أكثر من مرة حتى حققت هدفها السياسي. وكانت تلك أكبر مذبحة للديمقراطية في تاريخ السودان السياسي الحديث. وما زالت القوى السياسية مترفعة عن تقديم نقد شجاع لمشاركتها في تلك المذبحة، فقد أخذتها العزة بالاثم.

    ثم رفع الحزب الشيوعي قضية دستورية إلى المحكمة العليا. وحكمت المحكمة ببطلان التعديلات التي اتخذتها الجمعية التأسيسية لأنها تتعارض مع الدستور. وأصبح الحكم سابقة قانونية تدرس في الجامعات. فما الذي حدث في السودان؟ تمت المذبحة الثانية للديمقراطية.

    ولكن الضربة التي وجهت لقرار الحل جاءت في الانتخابات التكميلية في دائرة الخرطوم شمال وفي انتخابات عام 1967 .






    مداخلة تاريخية:الانتخابات البرلمانية في السودان (4-4)

    د. محمد سعيد القدال


    الانتخابات البرلمانية عام 1968

    كان أهم تغيير في قانون الانتخابات الجديد إلغاء دوائر الخريجين. وبقيت القوانين الأخرى كما هي. واكتنفت الفترة صراعات حزبية. ورغم أنها صراعات مشروعة، إلا أنها فتت من عضد النظام البرلماني الذي لا يزال في حالة تكوين واستعادة قدراته بعد سنوات الدكتاتورية العسكرية.

    ثم برزت الدعوة للدستور الإسلامي. وكان الصراع السياسي في السودان علمانياً وليس فيه مجال للتلاعب بالدين في المعترك السياسي. فعندما عرض على لجنة الدستور عام 1957 اقتراح بأن تكون جمهورية السودان جمهورية إسلامية وأن يكون الدستور إسلامياً، سقط الاقتراح بأغلبية 21 صوتاً مقابل ثمانية أصوات. فجاءت مسودة دستور 1957 علمانية، ولكن انقلاب 1958 عطل المضي فيها. إلا أن تصاعد الصراع السياسي بعد ثورة أكتوبر، دفع بعض القوى السياسية للزج بالدين في ذلك الصراع.

    وشهدت الفترة التي سبقت إجراء الانتخابات بعض التحولات في الخريطة السياسية. فاندمج الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي في حزب واحد هو الحزب الاتحادي الديمقراطي. وانقسم حزب الأمة إلى جناحين هما جناح الإمام الهادي وجناح الصادق المهدي. وانقسم جماعة الإخوان المسلمين فظهر تنظيم جديد بزعامة حسن الترابي باسم جبهة الميثاق الإسلامي. وبقي الحزب الشيوعي متماسكاً رغم الصراع الذي كان يعتمل في داخله وأدى إلى انقسامه عام 1970. وكانت الأيادي الأجنبية تتدخل في السياسة السودانية بمختلف الأشكال. وفي هذا المناخ أجريت انتخابات عام 1968.

    أجريت الانتخابات في 218 دائرة، وشارك فيها 3 ملايين ناخب. وكانت النتيجة كما يلي: الاتحادي الديمقراطي 101، حزب الأمة بجناحيه 72، المستقلون 10 وأعلن أغلبهم فيما بعد انتماءهم الحزبي، الأحزاب الجنوبية 25، جبهة الميثاق 3، الحزب الشيوعي مقعدين. ولكن مقاعد الحزب الشيوعي لها دلالتها. فقد فاز عبد الخالق محجوب على مرشح الحزب الاتحادي أحمد زين العابدين في دائرة أم درمان الجنوبية وهي دائرة الرئيس إسماعيل الأزهري ومن أهم معاقل الحزب الوطني. وفاز الحاج عبد الرحمن عضو اللجنة المركزية للحزب في دائرة عطبرة التي لها وزنها العمالي المتميز. كما أن فوز المرشحين عن الحزب الشيوعي كان صفعة لقرار حل الحزب.

    كانت الأجواء التي أجريت فيها الانتخابات، والنتائج التي تمخضت عنها، والأزمة الاقتصادية التي خيمت على البلاد، والصراعات التي اكتنفت المسرح السياسي، كانت كلها هي المقدمة لانقلاب 25 مايو. فلم تكن الأغلبية البرلمانية كافية لحماية النظام الديمقراطي من تغول المؤسسة العسكرية، لأن استقرار النظام البرلماني ليس مجرد أغلبية برلمانية. وكانت تلك هي المرة الثانية التي يؤدي نظام الانتخابات الذي لا يقوم على دعائم راسخة إلى انقلاب عسكري، ولم تكن هي المرة الأخيرة.

    الانتخابات البرلمانية عام 1986

    أجريت هذه الانتخابات بعد 17 عاما من غياب الديمقراطية. وإذا أضفنا إليها سنوات الحكم العسكري الأول الست، يكون السودان عاش بعد الاستقلال 23 عاما من الحكم العسكري مقابل 7 سنوات من الديمقراطية. وكانت تلك السنوات على قصرها مشحونة بالاضطراب السياسي وبقانون انتخابات غير سوي، مما يجعل منها فترة سلبية قريبة من الحكم العسكري.

    وأجريت الانتخابات بعد عام من الانتفاضة التي أطاحت بحكم الفرد. ولم يكن من طموحات الانتفاضة بحكم توازن القوى الذي حكم خطاها أن تصل نهايتها المنطقية وتصفي مؤسسات دولة حكم الفرد. بل إن الانتفاضة اختطفتها (hijacked) المؤسسة العسكرية التي كانت هي نفسها من ركائز النظام المايوي. كما أن الأحزاب الكبيرة وهي الأمة والاتحادي والجبهة الإسلامية، لم تكن من ركائز النظام المايوي المندحر فحسب، بل لم تكن شديدة الحرص على تصفية مؤسساته.

    وكان قانون تلك الانتخابات كسيحاً، وعارضته غالبية القوى السياسية. ورغم ذلك شاركت في الانتخابات لأن القوى السياسية لا تصارع في الظرف المثالي الذي تشتهيه، بل تناضل من أجل خلق ذلك الظرف المثالي الذي تشتهيه. وتدخل المجلس العسكري الانتقالي بكل ثقله ليخرج القانون الخاص بدوائر الخريجين ليتناسب مع تنظيم الجبهة الإسلامية. وقد سجلت ذلك في مقال بجريدة الميدان في 18 و20 أبريل 1986.

    وأجريت الانتخابات بعد أن استشرت الرأسمالية الطفيلية وانتفخت أوداجها خلال سنوات مايو. والذي يراجع الخريطة السياسية لتلك الانتخابات لن يغيب عنه طفح الطفيلية التي وزعت الأموال يمنة ويسرى في حزام الفقر. لقد ارتكب المجلس العسكري الانتقالي عدة جرائم نكراء في حق الحركة السياسية السودانية، لعل أكثرها بشاعة المناخ الكالح الذي أجريت فيه الانتخابات.

    بلغ عدد الدوائر 301 دائرة خصص منها 28 دائرة للخريجين. وامتدت فترة الاقتراع إلى 12 يوما. فصوت بعض الناس أكثر من مرة. وكانت نتيجة الانتخابات في عمومها متوقعة، ما عدا المقاعد التي حصلت عليها الجبهة الإسلامية والتي فاقت الخمسين مقعدا. ولكن الذي يتأمل في الواقع السياسي لن يجد في تلك النتيجة غرابة. ولكن الجبهة رغم تلك المقاعد التي حصلت عليها وأصبحت الحزب الثالث في البلاد، قامت بانقلاب عسكري واستولت على السلطة. فهل كانت النتيجة مقدمة للانقلاب أم النتيجة لم تكن تعكس الواقع السياسي فاستولت الجبهة على السلطة بالقوة وليس بالطريقة الديمقراطية؟ إن الحزب الذي يمتلك قاعدة جماهيرية عريضة سوف يعتمد على تلك القاعدة للوصول للحكم وليس على المؤسسة العسكرية. فكانت انتخابات 1986 المرة الثالثة التي تمهد فيها لانقلاب عسكري. فهل نحتاج لدرس ثالث أم كفانا ما تلقينا من دروس؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:20 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)




    الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية



    محمد سعيد القدال


    (2)


    تناولنا في الحلقة السابقة بعض تصريحات قادة الجبهة الإسلامية عندما تحالفوا مع نظام مايو. والتحالفات أمر مشروع في العمل السياسي. ولكن تبرير ذلك التحالف دينياً يثير الدهشة إن لم يثر ما هو أسوأ من ذلك. فالمصالحة مع نظام مايو لا علاقة لها بالقرآن. إن إقحام الدين في السياسة من أخطر الكوارث التي يمر بها العالم الإسلامي، ومن أكبر المحن التي شهدها السودان. وكان حزب الجبهة قد تدرب على هذا منذ حل الحزب الشيوعي عام 1965، ويبدو أته استمرأ الأمر. وكانت تلك هي بضاعته التي تاجر فيها في سوق السياسة.

    الأمر الثاني أنهم ذهبوا في تبرير قبول المصالحة مع نظام مايو أنها أتاحت لهم فرصة العمل العلني وشبه العلني لتقوية تنظيمهم، مهما كانت طبيعة النظام الذي يعملون في ظله. فاحتلوا مناصب مهمة في الدولة. فأصبح حسن التربي عضواً في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، ثم مشرفاً سياسياً على دارفور، ثم نائباً عاماً، ثم مستشاراً لرئيس الجمهورية. وتعين أحمد عبد الرحمن وزيراً للشئون الداخلية، وعين يس عمر الإمام وسعاد الفاتح عضوين في مجلس الشعب. وفي عام 1980 أصبح يس عمر الإمام رئيساً لمجلس إدارة جريدة الأيام الحكومية. وبلغ شهر العسل ذاك قمته بانفتاح الأبواب على البنوك الإسلامية، التي عمل فيها جماعة الجبهة بهمة وراكموا ثراءً عريضاً. إن الفيلية هي زاد حزب الجبهة الأساسي في تطورها السياسي.

    ثم أخذ قادة الجبهة يتبارون في الإشادة بنميري. فكتب يس عمر الإمام عن كتاب: النهج الإسلامي لماذا؟: الذي صدر باسم نميري يقول: (إن الكتاب انفعال كثيف بتجربة أمة في مرحلة دقيقة من تاريخها، ورؤية في قلب الأحداث لرائد كان له النصيب الأول في صنعها... ويكتسب مؤلف الأخ الرئيس أهميته كسفر تاريخي غير مسبوق في فكره ومحتواه (التشديد من عندي). وكتب موسى يعقوب يقول: إن نميري مسلم يسهم في بلورة الصحوة الإسلامية بفكره، وإنه بدأ الهجرة من منطقة المسلم العادي إلى منطقة المسلم العامل الملتزم (جريدة المسلمون، يونيو، 1982). ووصف الترابي نميري بأنه مجدد هذه المئة، أي أنه الإمام الذي يأتي على رأس القرن الهجري ويجدد الإسلام.

    وعندما أعلن نميري قوانين سبتمبر عام 1983، التي سميت الشريعة ودفع الأستاذ محمود محمد طه حياته ثمنا لمعارضته لها، قال الترابي إن تلك القوانين جاءت بركة ضخمة، وأن الرئيس قاد الاتجاه السليم في المجال الاقتصادي والنمط السلوكي الرشيد في القيادة وفي مجال التشريعات بوجه حاسم لم يسبقه إليه أي حاكم من قبل. وتنصل عن حزبه وقال إن الذين ينسبونه إلى الإخوان المسلمين أرجو ألا يكونوا يقصدون طائفة منكفئة على نفسها تنتهز الفرصة للاستيلاء على السلطة!!. (التشديد والتعجب من عندي).

    ووصل تلاحم جماعة الجبهة قمته عند مبايعة نميري إماما للمسلمين في قرية أبوقرون. فكتب يس عمر الإمام يقول: انهمرت الدموع في إبي قرون وهي تستعيد ذكرى السيرة العطرة ومواقف الصحابة في بيعة الرضوان... وتحرك رئيس الجمهورية وسط الناس يحيط به الحراس... البيعة عهد سياسي يقوم على ركائز الدين.. وأمر البيعة لا يستوي إيمان المرء إلا به.

    وجعلهم عمى السلطة يسكتون على هجوم نميري المتواصل عليهم بعد أن أطل الصراع على السلطة برأسه. بدأ الهجوم تلميحاً، ثم أصبح أكثر وضوحاً. فقال في اجتماع القيادة المركزية للاتحاد الاشتراكي: (قسوت على بعض المرجفين والعملاء الذين باعوا أنفسهم وباعونا لغير هذا الوطن ولغير ديننا الحنيف، إنه النفاق... وإنني والشعب معي نعرف خداعهم في المظهر ونعرف زيفهم في الحياة وكذبهم في المعاملات... ونعرف من أين يأتون بالأموال وكيف أن مشاريع الثورة التي قصدنا بها تركيز الاقتصاد صارت مشاريع في أيديهم).

    وفي فجر 11 مارس 1984 انقض نميري على حلفائه واعتقل قادة الصف الأول والثاني الذين عثروا عليهم. واندهش بعضهم لهذا الانقلاب المفاجئ، حتى أن أحدهم طلب من رجل الأمن الذي اعتقله أن يسمح له بالاتصال بالرئيس، فقال له إن الرئيس نفسه هو الذي أمر بالاعتقال. وأذاع نميري بيانا هاجم فيه حزب الجبهة قائلا: إنهم يتسترون بالإسلام لتقويض منجزات الشعب، وارتضوا المصالحة لتحقيق مآربهم السياسية، وشاركوا في تطبيق الشريعة الإسلامية بغرض التغول على مكتسبات الشعب والقفز للسلطة باسم الدين. وقال إنهم جماعة شيطانية، وهم أبعد الناس عن الإسلام، ويعملون من أجل تحقيق أهدافهم الرخيصة من خلال الدعوة بتجديد الإسلام، واتخذوا التطرف والتعصب والزج بالدين لكسب جولات سياسية. وأنهم بذروا الفتنة في الجنوب والشرق والغرب، واحتكروا السلع الاستراتيجية كالذرة والفول، وحولوا المصارف الإسلامية إلى قلاع مقفولة لهم وتلاعبوا بالنقد الأجنبي، وأدخلوا السلاح إلى السودان عن طريق دولة ترعى الإسلام.

    الأمر الثالث الذي يثير الدهشة، أن قادة الجبهة الإسلامية بعد أن رفعوا نميري ونظامه إلى عنان السماء، انقلبوا 180 درجة وانهالوا عليه بعد سقوطه عام 1985. فأصدروا عدداً من الكتب، منها كتاب د. الترابي بعنوان: الحركة الإسلامية في السودان، التطور، المكسب، المنهج. الخرطوم 1990. وكتاب د. حسن مكي: الحركة الإسلامية في السودان: تاريخها وخطابها السياسي. الخرطوم 1990. وكتاب محمد وقيع الله: الإخوان وسنوات مايو. الخرطوم 1988(سوف نستعرض هذا الكتاب بالتفصيل في مقال منفرد). ونشروا العديد من المقالات في الصحف التي كان يسيطر عليها النظام وأوكل إليهم إدارة بعضها. فكتب الترابي يقول إن المصالحة مع نظام مايو أثارت خلافاً حاداً في التقرير الفقهي السياسي، وذلك نظراً لطبيعة النظام غير الديمقراطية وغير الإسلامية ولثارات الحركة من تلقائه ظلامات في الأموال والحريات والعروض والدماء. (ص195). ويحشر الإسلام هنا أيضا للمزايدة السياسية. ولا ندري إن كانت تلك الخصال قد تم اكتشافها بعد سقوط نظام مايو، أم أنهم وقفوا عليها أثناء مشاركتهم له في الحكم وسكتوا عليها؟ ماذا نقول في هذا التناقض الفاضح؟

    مازلنا خلف السؤال الأول وهو: كيف استطاع حزب لا يملك التأهيل التاريخي أن يستولي على السلطة؟ فرأينا في الصفحات السابقة كيف تطاول الحزب عام 1964 من حزب صغير إلى حزب يشارك في سلطة مايو ويرفعها إلى أعلى ثم يصطرع معها، ويحني ظهره للعاصفة.

    يتضح من هذه المقتطفات أن حزب الجبهة يريد السلطة بأي ثمن. فلم يكترثوا لأي معايير. وإذا كانت عائلة الهبسبيرج قد تزوجت طريقها إلى العرش كما يقال (married their way to the thrown)، فإن حزب الجبهة شق طريقه إلى السلطة بالنفاق الأعمى والتجارة بالدين. وكان نميري من أكبر تجار الدين، فلم تسلك بضاعته طويلاً معه.

    وسقط نميري، وخرج حزب الجبهة إلى فترة الانتفاضة. فكيف سار تاريخهم في ظلها؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:28 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية



    محمد سعيد القدال


    (3)


    مازلنا خلف السؤال الأول وهو: كيف استطاع حزب صغير لا يملك التأهيل التاريخي أن يستولي على السلطة في بلد بلغ فيه الوعي السياسي ذرى عالية. فكان أول بلد أفريقي ينال استقلاله، ودحر نظامين عسكريين في ثورة أكتوبر وانتفاضة إبريل؟ كانت وسيلة حزب الجبهة الأساسية التقرب للقوى الحاكمة والاستقواء بها. والوسيلة الثانية المتاجرة بالدين. والثالثة رأس المال الطفيلي. وقد تجلت كل هذه الوسائل بعد انتفاضة أبريل. ولم يرتكز على قاعدة شعبية واعية يعتمد عليها في عمله السياسي. وهذه نقطة الضعف الأساسية في عمل هذا الحزب، فالعمل السياسي لا يدار فقط بالسلطة والمال والتآمر والشعارات البراقة الخالية من المحتوى.

    فماذا فعل حزب الجبهة بعد انتفاضة أبريل؟ وجد الحزب في المجلس العسكري الذي استلم السلطة بعد نميري وسيلته الأساسية. ودعمهم المجلس لأنهم كلهم من سدنة النظام المايوي. ولعب لهم اللعبة الأساسية في قانون الانتخابات. وصرف المجلس النظر تماما عن إزالة آثار مايو، واعتبر أن الإطاحة بنميري تكفي لإرضاء الناس، وترك كل شئ على حاله.

    وجاء الصادق المهدي للحكم ولم يكن أفضل من سابقيه، بل لعله نزل درجة أخرى. فلم يتعرض لإزالة آثار مايو. وذهب أبعد من ذلك فأدخل حزب الجبهة للحكم. وتلقى حزب الجبهة الدعوة بشغف لعل فيها ما يطهر أرديته من دنس التعاون المايوي. ونجد في كتاب د. عبد الرحيم عمر محي الدين بعنوان: الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى، طرحا للأسباب التي جعلت الجبهة تشارك في الحكم.

    وواصلت الطفيلية عربدتها في اقتصاد البلاد. وكنت قد نشرت مقالا في جريدة الميدان بتاريخ 21\11\1988 بعنوان: (الجبهة الإسلامية القومية ومرحلة العد التنازلي). وقلت في نهايته: (إن حديث الطفيلي عن عدالة الإسلام يثير السخرية والاشمئزاز، ويثير الرثاء أيضا). وقلت إن بقاء الطفيلي يعتمد على استعمال العنف. وهكذا انفتحت السبل للحزب ليصارع في الساحة السياسية بأدوات لا تمتلكها الأحزاب الأخرى.

    ولأن الطفيلية دورة عمرها محدودة، فلم يستطع الحزب أن ينتظر الانتخابات والعمل السياسي الصبور طويل النفس. فاختصر الطريق بالانقلاب العسكري. وعكف على دراسة الانقلابات العسكرية السابقة وأسباب فشلها بداية من انقلاب علي حامد عام 1959 ثم انقلاب هاشم العطا وحسن حسين محمد نور سعد. فتم استلام السلطة بلا قاعدة جماهيرية واعية وبلا تأهيل تاريخي. وكل الأنظمة التي جاءت للحكم بلا تأهيل تاريخي أوقعت كارثة على بلادها.

    ربما لا يكون في الصفحات السابقة إجابة شافية على السؤال الذي طرحناه في البداية وهو: كيف استطاع حزب الجبهة أن يستولي على السلطة؟، ولكن لعل فيها ما يفتح الطريق للبحث عن إجابات أكثر شمولا وعمقا.

    نأتي للسؤال الثاني وهو: كيف تمكن حزب الجبهة من البقاء في السلطة قرابة 18 عاما وربما امتد أجلها؟ تكمن الإجابة على السؤال في طيات المنهج الذي اتبعه في العمل السياسي وفي قدراته كحزب لا تأهيل تاريخي له ولا قاعدة جماهيرية واعية يرتكز عليها. فما هي وسيلته إذن في الحفاظ على السلطة طوال هذه السنوات العجاف. كنت أعتقد مثل كثيرين غيري أن بقاء الحزب في السلطة لن يستمر أكثر من أسابيع وربما أشهر، وأنه مثل لوح الثلج الذي يذوب من تلقاء نفسه. وكان سبب ذلك قصر النظر والثقة المبالغة في قدرات الحركة السياسية وكأن تلك الحركة تعمل بالدفع الآلي.

    فما هي الأساليب التي اتبعها للبقاء في السلطة طوال هذه الفترة؟ كان الأسلوب الأول البطش بلا حدود لم يعرف السودان له مثيلا طوال تاريخه السياسي الحديث. فضعف القاعدة الجماهيرية الواعية التي يحتكم إليها الحزب ويعطي اعتباراً لرد فعلها، جعل البطش أداته التي يعتمد عليها. فكانت الإجراءات الأمنية في أيام الانقلاب الأولى لا تخلو من مبالغة. صحيح أن الانقلاب يحتاج أن يحيط نفسه بإجراءات أمنية، ولكن المبالغة مدعاة للنفور. فظهرت النكتة التي تقول: بني الإنقاذ عل خمس: قانون الطوارئ وحراسة الكباري والنوم إجباري والمشي كداري والرغيف التجاري لمن استطاع إليه سبيلا. وزج بأغلب القيادات السياسية في السجون، وتم نفي بعضهم إلى سجون خارج العاصمة. وكان ضمن من اعتقلهم بعض قادتهم للتمويه. فكان أسلوب الكذب والخداع والتمويه من الوسائل التي شاع استعمالها.

    أما أسلوب البطش البشع فكان الإعدامات الجزافية. فاعدم ثلاثة مواطنين لتعاملهم بالدولار في السوق الأسود. قد يكون التعامل بالدولار ضد القانون، ولكن عقوبة ذلك ليست الإعدام بأي حال من الأحوال، بالذات وأن التعامل بالدولار أصبح مفتوحا، فكيف يعدم به مواطن ثم يصبح مباحا؟ ووصل البطش قمته في إعدام 28 ضابطا قاموا بمحاولة انقلابية في رمضان عام 1990. ومن حق النظام أن يحاكم أولئك الضباط، ولكن المدهش أن تتم محاكمتهم في 24 ساعة. وقد صور محجوب شريف بقدراته الخلاقة تلك المأساة في قصيدة مطلعها:

    ما أرخص أرواح الناس إذا ما الحاكم بقى قناص

    الليلة الوقفة وبكره العيد

    وكعك العيد في الإيد ألغام والحلوى رصاص

    النزهة هناك في بحر الدم

    الوطن أسوار المدن أقفاص

    ووصل البطش انفلاتا أعمى في ما سمي ببيوت الأشباح. وهذه تراجيديا ستكتب فصولها ذات يوم. وقد بدأ بعض من عاشوها في كتابة تجربتهم على الانترنت. ولكن القصة تحتاج أن تكتب كاملة. فقد مات تحت وطأتها شباب نضير، نذكر منهم الدكتور علي فضل ابن العامل الذي صرف عليه والده عصارة جهده، فقضى نحبه في بيوت الأشباح.

    وكانت الوسيلة الثانية المتاجرة بالدين بطريقة لا تخلو من تهريج وابتذال، وبطش. والحزب يجيد هذا التهريج والابتذال. فاعتبرت الحرب في الجنوب حربا دينية، فخرج جموع الشباب بالتهليل والتكبير ليقضوا نحبهم في رحاها. واعتبروهم شهداء وأقاموا لهم ما سمي بعرس الشهيد، أي أن الذين ماتوا يقضون أيامهم مع الحور العين. وكتب أحدهم يقول إنهم كانوا يقرأون سورة الأنفال في الغابة وكانت الألغام تتفجر أمامهم. ولم يقل هذا في جمع سري، بل كتبه في صحيفة الحزب أيام حكم الجبهة الأولى. وأدركت وقتها أننا سنمر بأيام عصيبة من التهريج باسم الدين. ثم جلسنا مع الأعداء على طاولة المفاوضات، ويا دار ما دخلك شر!

    فكيف تواصل التشبث بالسلطة وكأنها دائمة وليست كما نقول إنها ظل ضحى؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:41 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية



    محمد سعيد القدال


    (3)


    كيف تواصل تشبث الجبهة بالسلطة؟ كانت الخطوة التالية تدمير المؤسسات التي أقامها الاستعمار البغيض؟ (الاستفهام من عندي). أولها انهيار حكم القانون rule of law. وحكم القانون من المنجزات المهمة للبرجوازية. هذا لا يعني أن البرجوازية حققت العدالة المطلقة. ولكن أصبح حكم القانون هو الذي يحدد العلاقة بين الحاكم والشعب، فينام المواطن مطمئناً على حياته وماله. ونقل البريطانيون هذا الإرث إلى نظام حكمهم في السودان وأصبح لحد كبير ديدنهم. وبدأ حكم القانون ينهار في ظل الأنظمة العسكرية التي منيت بها البلاد. وعندما جاء الإنقاذ بقاعدته الاجتماعية الضيقة وتأهيله التاريخي المحدود، انهال بكلكله على حكم القانون، لأنه لا يستطيع ممارسة السلطة مع سيادة حكم القانون. وتبع ذك الاستهانة باستقلال القضاء، الذي كان مفخرة لنظام الحكم في البلاد.

    الممارسة الجانحة الأخرى لحكم الإنقاذ حتى يبقى في السلطة هي تدمير الخدمة المدنية. وكانت الخدمة المنية في السودان درة النظام البريطاني (البغيض أيضا). وكان يضرب بها المثل في أفريقيا والبلاد العربية لتفوقها. فكانت تصدر الكوادر إلى تلك البلاد، فكانوا مفخرة للسودان. وجاء الإنقاذ وهو لا يملك الكوادر التي يحكم بها البلاد وفق هواه، ولأنه لا يملك قاعدة جماهيرية يحتكم إليها ويخشى محاسبتها، وليس له من الكوادر التي يحكم بها البلاد وفق ذلك الهوى، فانهال على الخدمة المدنية، وكانت مذبحة. ولا أملك كل الحقائق عن تلك المذبحة التي ستكتب فصولها حتما ذات يوم، ولكن أعرف قدرا لا بأس به عن ما حل بجامعة الخرطوم. فلم يقتصر الأمر فيها على التعيينات الإدارية، بل شمل الأداء الأكاديمي أيضا. وقد نشرت قبل ثلاثة أعوام خلت سلسلة مقالات في جريدة الحرية بعنوان (جامعة الخرطوم خلال عشر سنوات: 1989-1999). ونشرت مقالات أخرى في جريدة الصحافة عن الأداء الأكاديمي. وقرأت مقالا قبل أيام بعنوان: جامعة الخرطوم ليست مثالا يحتذى، ذهب فيه كاتبه إلى أن جامعة الخرطوم خرجت كوادر أصبحت سندا للأنظمة المتسلطة والفاسدة، وحمل الجامعة مسؤولية انحراف ذلك النفر. وجامعة الخرطوم ليست مؤسسة لتخريج دعاة وإنما لتأهيل خريجيها أكاديميا. أما انحرافهم فهذه قضية تخرج عن نطاق واجبها الأكاديمي. ولم يذكر الكاتب أن الجامعة خرجت كوادر ارتفعت بقامة الخدمة المدنية وأن طلابها كانوا طليعة المقاومة للأنظمة المتسلطة منذ أيام الكلية الجامعية وأنها كانت هدفا للبطش طوال تاريخها. ولا أملك إلا أن أقول: جامعة الخرطوم المفترى عليها. وكتب أحد أبواق النظام في جريدة السوداني يبرر ما حدث في جامعة الخرطوم من إحالة للمعاش لبعض الأساتذة. فقال إن الشيوعيين فصلوا أساتذة من الجامعة في بداية عهد مايو. إن ما حدث عام 1969 قد مضى عليه 38 سنة، فهل نكرر الأخطاء ونصبح مثل الحيوانات الأليفة التي تكرر تجاربها بلا حس تاريخي؟ إن ما حدث عام 1969 كان خطأ كبيرا وقد انتقدته الجامعة التي أقدمت عليه. كما أن الفصل لم يكن من عمل الشيوعيين، إلا إذا كان الشخص مصاباً بلوثة الشيوعية حمانا الله منها. كما أن الخطأ لا يصلح مبررا للخطأ. ولأذكر عندما فصل الأستاذ عبد المنعم عبد اللطيف عليه الرحمة، وكان على خلاف مع وزير التربية المرحوم محي الدين صابر، أن طلب مني عبد الخالق محجوب أن أذهب معه إلى المرحوم عبد المنعم ليوضح له أن ما حدث لا دخل للشيوعيين فيه، لأن عبد المنعم من كرام المعلمين. وكلما لقيت المرحوم عبد المنعم ذكر لي تلك الزيارة التي كان لها وقعها الكبير في نفسه. والمرحوم عبد المنعم كان بحق من أميز رجال التربية.

    نعود لتدمير الخدمة المدنية فنقول لقد تحول موظف الخدمة المدنية خلال سنوات إلى دكتاتور يرتجف بعض الناس أمامه وهم يسعون لقضاء بعض حاجاتهم. فالنظام المتسلط الذي لا يملك قاعدة اجتماعية يرتكز عليها لا يستطيع أن يحكم إلا بخدمة مدنية متسلطة.

    واستشرى البطش ليطال المؤسسات التي شيدها الحكم البريطاني (البغيض أيضا) مثل السكة الحديد ومشروع الجزيرة والخطوط الجوية والخدمات الطبية المجانية معاهد التربية. وتم استبدالها بأنظمة ترعاها الطفيلية وتكدس منها أرباحها التي تتحكم بها على رقاب الناس. ووصلت المأساة قمتها عندما صاح بعض الناس: (الإنجليز لا يفوتوا ولا يموتوا). هكذا ضاع كل تراث البلاد النضالي ضد الاستعمار وأصبحت عودة الإنجليز رحمة.

    وغلف النظام كل ذلك بقشور دينية مسطحة. فأصبحت المظاهر الخارجية الفارغة هي خطابه الديني. وقد كتبت كثيرا ولن أمل من الكتابة بأن التشبه بالسيرة النبوية العطرة ليس بالمظاهر الخارجية وإنما التمسك بجوهر تلك السيرة المتمثلة في التكامل بين السلوك الشخصي والنشاط العملي والرسالة التي حمل أمانتها، تتداخل كلها في نسيج واحد لا تناقض فيه، وهذا ما أعطى الرسول مكانته الفريدة نموذجا أعلى للإنسان. هذا هو المحك الشاق. أما القشور الخارجية فيمكن أن يأخذ بها أي أفاك. وكل الشخصيات التي برزت في التاريخ تقترب من هذا التفرد بدرجات متفاوته ولكنها لا تصل إليه. والقشور الخارجية تضفي قداسة على الجنوح بكل أشكاله.

    وما كان لحكم الإنقاذ أن يبقى طوال هذه الفترة إلا بالبطش والأموال الطفيلية. وهذه قد تطيل من بقائه، ولكنها ستدخله التاريخ من باب الخدم على حد تعبير عبد الخالق محجوب.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:37 PM

عبدالمجيد صالح
<aعبدالمجيد صالح
تاريخ التسجيل: 27-11-2007
مجموع المشاركات: 2904

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    محمد سعيد القدال


    لاهله الصبر والسلوان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:44 PM

Abomihyar
<aAbomihyar
تاريخ التسجيل: 19-03-2002
مجموع المشاركات: 2405

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    ما معنى هذا هل توفى د. القدال????????
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:55 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)


    خمس كلمات في القرآن




    محمد سعيد القدال


    استوقفتني بعض الكلمات في القرآن وهي كلمات اخذ الناس يستلونها من سياقها ويستشهدون بها مما اضفى عليها معاني تختلف عن منهج الخطاب القرآني الذي وردت فيه. ولا سبيل للوقوف على معاني تلك الكلمات الا باخضاعها لمنهج الخطاب القرآني، وفي هذا الصدد يقول الامام محمد عبده: (واحسن ان يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضيع منه، فربما استعمل بمعان مختلفة) الجزء الرابع ص ، 13) ورغم ان الامام عبده تلمس منهج الخطاب القرآني من بعد، الا انه ابتدر المنهج الذي نسير عليه في هذه الدراسة.
    (1) أولها كلمة أمة:
    وردت كلمة امة في صيغة المفرد «أمة» في 49 آية، وفي صيغة «أمم» في 11 آية وفي اربع آيات في صيغ اخرى، وقد خصص الدكتور ناصيف ناصف فصلا عن مفهوم الامة في القرآن، في كتابه (مفهوم الامة في الدين والتاريخ) ، وحدد ستة معاني لكلمة امة في القرآن وهي: الوقت او الحين، الامام الذي يعلم الخير ويهدي الى الطريق الصحيح، الطريقة المتبعة، جماعة من الناس على الاطلاق، الجماعة المتفقة على دين واحد، جماعة جزئية من اهل دين واحد ، ويرى ان اللفظ لا يحمل معنى واحدا حيثما ورد في القرآن، ولا يرى في ذلك غرابة لأن الاشتراك في اللفظ ظاهرة تعرفها كل اللغات، وان كانت اوسع في اللغة العربية، اذ تشمل ، بالاضافة الى الاشتراك في اللفظ بين معنيين تامين او اكثر والمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، الاشتراك في اللفظ بين المعنى الحقيقي والمعنى ا لشرعي، (ناصف نصيف، ص 13 - 19) ورغم ان هذه الدراسة لا تخص الخطاب القرآني، الا انها تناولت جانبا منه يختص بكلمة امة.
    جاء تعبير «أمة واحدة» ، في الآيات التسع التالية:
    البقرة: 213 «كان الناس امة و احدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين»
    المائدة: 48« ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم»
    يونس : 19 «وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا»
    هود : 118 «ولو شاء الله لجعلكم امة و احدة ولا يزالون مختلفين»
    النحل 93 «ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء»
    الانبياء: 92 «ان هذه امتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»
    الشورى: 8 «ولو شاء الله لجعلكم امة و احدة».
    الزخرف: 33 «ولو لا ان يكون الناس امة وا حدة»
    المؤمنون: 52 «وان هذه امتكم امة و احدة وانا ربكم فاتقون»
    الحج: 34 «ولكل امة جعلنا منسكا، 67 ولكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه» وجاء تعبير امة مرتبطا بالرسل الذين ارسلوا لتبليغ رسالات في الآيات التالية:
    النساء : 41 «فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد»
    يونس: 47 «لكل امة رسول»
    النحل: 36 «ولقد بعثنا في كل امة رسولا»
    المؤمنون 44 «ثم ارسلنا رسلنا تترى كل ما جاء امة رسولها كذبوه»
    فاطر 24 «انا ارسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وان من امة الا خلا فيها نذير »، 42 «وقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من احدى الامم »
    غافر: 5 «وهمت كل امة برسولهم ليأخذوه».
    القصص : 75 «ونزعنا من كل امة شهيدا».
    العنكبوت: 18 «وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين ».
    ويرتبط تعبير امة في الآيات التالية بانتهاج الامم السلوك القائم على الحق والخير:
    البقرة: 128 «ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة »، آل عمران: 104 «ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» : 110 «كنتم خيرامة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» : 113 «ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون» ، المائدة: 66 الانعام: 108 ، الاعراف: 159،164، 181 ، الجاثية: 28.
    ويرتبط تعبيرامة بالاجل المحدد في الآيات التالية:
    البقرة: 134 ، «تلك امة قد خلت »، ويتكرر المعنى في الآية: 141 ، يونس 49 «لكل امة اجل»، الحجر : 5 «ما تسبق من اجلها وما يستأخرون »، المؤمنون 43« ما تسبق من امة اجلها وما يستأخرون» ، النمل 83 «ويوم يحشر من كل امة فوج» ، وجاء ذكر امة بمعنى مجموعة من الناس في سياقات مختلفة في الآيات التالية: البقرة: 143 ، «وكذلك جعلناكم امة وسطا».
    الاعراف: 38، «قل ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس» : 160، «وقطعناهم اثنتي عشرة اسباطا امما »161.
    هود : 48 «قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وامم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم».
    النحل: 63 «تالله لقد ارسلنا الى امم من قبلك».
    فاطر: 42 فصلت: 25 .... «وحق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس». الاحقاف: 18
    وجاء تعبير امة في سياقات معنوية عامة:
    هود: 8 «ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة ».
    يوسف: 45 «وقال الذي نجا منها وادكر بعد امة».
    النحل: 120 «ان ابراهيم كان امة»
    القصص: 23 «ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة منا لناس يسقون»
    الزخرف: 22 «إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مهتدون».
    الزخرف: 23 «إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون»
    تتضح الابعاد التي ورد فيها استعمال كلمة امة في القرآن من خلال سرد كل الآيات التي جاء فيها ذكر اللفظ. كما يتضح منهج الهداية القرآني، حيث يتكرر المعنى بنفس الصيغة واحيانا بصيغ مختلفة. ان الاستشهاد الشامل يوضح منهج الخطاب القرآني ويجلي ابعاده، فهذا هو الاساس ولا اساس سواه، ان التعبير الغالب على استعمال اللفظ هو التعبير الايماني الديني، فتصب كل السياقات التي استعمل فيها اللفظ في هذا المجرى. ويأتي استعمال اللفظ في المعاني المختلفة ليتناسب مع المراحل المختلفة للخطاب القرآني الموجه للبشر. ولا يخرج الاستعمال عن منهج الهداية ا لتي هي جوهر الخطاب القرآني، فالقرآن كتاب الهداية وليس كتابا في العلوم السياسية او في القوميات ، حتى ننطلق باحثين بين ثناياه عن تعريف للامة كالذي تنتهجه كتب العلوم السياسية. ان الاخذ بالتفاصيل القرآنية دون التناول الشمولي لها هو الذي ادى الى الانحراف عن جوهر الخطاب القرآني.
    وكان محمد عبده اكثر حدة في تعرضه للمفسرين ، فقال: «التفسير عندنا اليوم، ومن قبل اليوم بقرون، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن. . وليت اهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلعونا علي معنى تستقر عليه افهاهم في العلم بمعاني الكتاب يبثونه في الناس ويحملونهم عليه. لم يطلبوا ذلك، وانما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها ويمارون فيها من يباريهم في طلبها ، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيله عن حد الاكثار من القول، واختراع الوجوه في التأويل ، والاغراب في الابتعاد عن مقاصد التنزيل،» (المصدر السابق، ص 16).
    وقد افرد الامام محمدعبده حيزا واسعا تناول فيه كلمة ، ،اخرجها من المعنى الاجتماعي العام الى رحاب منهج الهداية، رغم انه تناول الآيات تناولا آحاديا، ولم تجد مبادرة الامام محمد عبده متابعة وتطويرا لها، (راجع شرح الامام محمد عبده للفظ: الجزء الرابع ، ص 543 ، 550).
    وعندما نستعمل امة الاسلام، فالمقصود مفهوم عام وليس تعبيرا علميا يندرج في اطار العلوم السياسية، فالشعوب التي تعتنق الاسلام تفتقد اهم مقومات الامة وهي اللغة المشتركة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2008, 11:59 PM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    خمس كلمات في القرآن



    محمد سعيد القدال


    أُميّـــــــــون وأُمــــــــــي



    اكتنف كلمة اميون وكلمة امي التباس كبير دام خمسة عشر قرنا، والمعني الذي ساد طوال هذه الفترة ان الاميين هم العرب الذين كان يجهل اغلبهم القراءة والكتابة وهنا نقف لنسأل: هل كانت الشعوب في اوروبا وآسيا يعرف اغلبها القراءة والكتابة، وان انتشارالامية كان وقفا على عرب الجزيرة العربية؟ وهل كان كل أهل الجزيرة العربية لايعرفون القراءة والكتابة حتى نطلق عليهم لفظة (الاميون؟) وهل كانت الامية امرا عربيا في ذلك الزمن وانها قاصرة على عرب الجزيرة العربية؟ وتذهب كتب التفسير الى ان الاميين هم الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، وتذهب حينا آخرعلى انهم عرب الجزيرة العربية الذين ليس لهم دين سماوي ومازالوا على وثنيتهم، ويستمر هذا الخلط حتى عند مفسر معاصر هو الدكتور شوقي ضيف في كتابه الوجيز ، ولاسبيل الى الوقوف على المعنى الذي قصده القرآن والخروج من هذاالخلط الا بالرجوع الى النص القرآني.
    ورد وصف العرب بالاميين في ثلاث آيات:
    الجمعة 2 : «هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين».
    تشير الآية إلى امرين. الاول تعلم الكتاب وهو الدين السماوي، وتتكرر كلمة كتاب في كل الآيات الثلاث. الامرالثاني ان هؤلاء القوم كانوافي ضلال، فجاء الكتاب لهدايتهم. فليس في الآية ذكر لكتابة وقراءة. الاشارة واضحة للوثنية.
    الآية الثانية: آل عمران20: «وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فإن اسلموا فقد اهتدوا».
    وتتحدث الآية عن الذين لهم كتاب سماوي والذين ليس لهم كتاب سيماوي ووصفتهم بالاميين. وقالت انهم اذاسلمواامرهم الى الله اي اسلموا فقد اهتدوا. فكلمة اسلام في القرآن تعني التوحيد الذي يشمل كل أ هل الديانات السماوية. فليس في الآية اشارة الى معرفة القراءة والكتابة.
    آل عمران75: «ومن اهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من ان تأمنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل».
    وتتحدث الآية مثل سابقتها عن اهل الكتاب وعن الذين ليس لهم كتاب سماوي وهم الاميون. وحتى مفسر تقليدي مثل الصابوني يقول ان الاميين هم العرب. (الصابوني، ج1، ص 211).
    ان الاميين هو الوصف الذي اطلقه اليهود على اهل الجزيرة العربية الذين ليس لهم دين سماوي، وهذا فهم ينسجم مع الخطاب القرآني. فليس في الامر قراءة وكتابة. والسياق الذي ورد فيه تعبير (اميون) لا علاقة له بالقراءة والكتابة.
    ويتأكد هذا المعنى في وصف القرآن لليهود الذين ضعفت عقيدتهم بانهم اميين: البقرة 78:« ومنهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني».
    وجاء وصف الرسول بالأمي في آيتين متتاليتين، هما الآيتان الوحيدتان اللتان جاء فيهما وصف الرسول بالأمي:
    الاعراف 157: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي»
    158: «فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي»
    يقول احدث تفسيرمعاصر للدكتور شوقي ضيف: ان وصف الرسول بالامي معجزة كبرى مما يدل ان مانزل عليه من القرآن لم يكن من عمله وانما كان وحيا وفيضا إلهيا (ص285) وهذا هو الفهم الذي سار عليه كل المفسرين، فعندما ورد تعبير النبي الامي، امسكوا بتلابيبه واستخرجوا منه نظرية متكاملة عن امية الرسول وما في هذا اعجاز لتلقيه الرسالة السماوية، ان معرفة القراءة والكتابة لم تمكن اي شخص حتى ولو كان الرسول بأن يأتي بمثل هذا القرآن باعجازه المتكامل.
    وتذخر كتب التراث بمعجزات الرسول الخارقة لقوانين الطبيعة اسوة بمعجزات الرسل السابقين بينما معجزة الرسول هي القرآن وهي معجزة لم تنته بوفاة الرسول مثل المعجزات الاخرى بل هي معجزة باقية ابد الدهر. ولا يحتاج بقاؤها لمعرفة كتابة وقراءة. وتنسب اليه معجزات اخرى بعضها قد يصعب تصديقه. مثال ذلك ما اورده ابن كثير من ان الرسول اخذ حفنة من تراب في موقعة بدر ورمى بها الكفار فانهزموا. ان معركة بدر معركة حاسمة في التاريخ، النصر فيها كان لثبات المسلمين وبسالتهم وتخطيطهم المتقن وعمق ايمانهم، وليس بسبب حفنة من تراب.
    فما هو السياق الذي ورد فيه ذكر الآيتين؟ يخاطب القرآن في الآيتين قوم موسى، الذين يصفون العرب بالاميين. فخاطبهم بما درجوا عليه. وليس في الآيات اي ذكر لقراءة وكتابة.
    الامرالآخر ان القرآن كان ينزل على الرسول متفرقا حتى يتمكن من استيعابه. وقد اشار القرآن على هذا المنهج في العديد من الآيات، منها: «وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا» (الاسراء106)
    كمااشار القرآن على الرسول بالتريث في تلقي الوحي:
    طه 114: «ولاتعجل بالقرآن من قبل ان يقضي اليك وحيه»
    القيامة 416/17/18: «لاتحرك به لسانك لتعجل به* ان علينا جمعه وقرآنه* فاذا قرآناه فاتبع قرآنه.
    ولم يكن العرب يتعلمون لغتهم في مدارس او معاهد، وانما يتلقونها في البادية مباشرة، فعندما يكبر الفتى يرسله اهله الى البادية، وقد تعلم الرسول في تلك البادية عنداهله، فقال: كنت ارعى غنم اهلي بأجياد، ولم يكن العرب بحاجة الى معاهد لفهم لغة القرآن، يقول الامام محمد عبده ان البدوي، راعي الغنم يسمع القرآن فيخر له ساجدا، فهل يقاس هذا بأى متعلم اليوم؟ وروي ان الاصمعي سمع بنتا من الاعراب، خماسية او سداسية تنشد:
    استغفر الله لذنبي كله
    قتلت انسانا بغير حله
    مثل غزال ناعم في دله
    وانتصف الليل ولم اصله
    فقال لها قاتلك الله، ما افصحك، فقالت له: ويحك ايعد هذافصاحة. مع قول الله تعالى (واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فاذاخفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين) فجمع في آية واحدة بين امرين ونهيين وبشارتين (الجزء الرابع ص 18) فهي تقصد بالامرين: ارضعيه والقيه،وبالنهي لا تخافي ولا تحزني، وبالبشارة رادوه وجاعلوه. لقد وضعت تلك الفتاة البدوية اصبعها على جوهر اسلوب القرآن الذي يقوم على التركيز الحاد للمعاني في اقل عدد من الكلمات والجمل. وهذاامر سنعود له في مجال آخر،. فما هي اهمية القراءة والكتابة، اذا استطاعت فتاة سداسية ان تتعمق في القرآن بهذا المستوى؟
    وهناك آيتان تندرجان في اطار الحديث عن الرسول الأمي.
    الآية الاولى الفرقان 5: «وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة واصيلا»..
    يقول بعض المفسرين ان كلمة اكتتبها اي كلف آخرين بكتابتها ولكن في هذه الحالة لا نقول اكتتبها بل نقرأ استكتب. ولكن هيمنة فكرة الرسول الامي طغت على الاعتبار اللغوي.
    الآية الثانية: العنكبوت 48: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمنك اذا لارتاب المبطلون».
    وهنا يصل المفسرون مرحلة من الاضطراب غير مستساغة فالآية تصادم الفهم الذي ساد لديهم، وتخرج من نفق الرسول الأمي.
    نخلص الى ان كلمة اميون وامي في القرآن تختلف عن الفهم الذي ساد لقرون طوال. ان الاستسلام للماضي والتشبث به دون فحص، يؤدى الى جمود كتب الامام محمد عبده يقول: ان هذه الاماني توجد في كل ا لامم في حالة الضعف والانحطاط، يفتخرون بما بين ايديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية، وتسول لهم الاماني ان ذلك كاف لنجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس.. هذا النوع من التمني قد برز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد امسوا اكثر الامم تلاوة لكتابهم واقلهم فهما له واهتداء به (الجزء الرابع ص 219) .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 00:03 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)





    خمس كلمات في القرآن



    محمد سعيد القدال


    حكم



    يثير موضوع الحكم في القرآن جدلاً عنيفاً وحاداً، لأنه مغلف بأغلفة ايديولوجية سميكة. ونود أن ننأى عن هذا المعترك ولا نخوض فيه. ونركز على الخطاب القرآني وليس ما تفرع عنه من اجتهادات بعضها ابتعد عن الخطاب القرآني بعداً مخلاً. وقد تناولنا كلمتين ورد ذكرهما في القرآن، لنبين السياقات المختلفة التي وردت فيها. ولكن الكلمتان لا تثيران جدلاً مثلما تثير كلمة حكم.
    ورد لفظ الفعل الماضي «حكم» ومشتقاته في القرآن في سياقات مختلفة في عدد من الآيات، نتناولها حسب الترتيب الذي وردت فيه في المصحف.
    جاء في سورة البقرة: «213»: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه».
    واشتملت هذه الآية على ثلاثة تعابير هي من صميم منهج الخطاب القرآني. الأول: إن الانبياء مبشرون ومنذرون. والثاني: فهدى الله الذين آمنوا. والثالث: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفي إطار هذه التعابير جاء قوله: «وانزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» لقد ورد لفظ (حكم) في السياق العام لمنهج الهداية، ويحمل معاني ودلالات إيمانية وليس له أي مدلول خاص بمنهج الحكم في الدولة والقوانين التي تسير أمور الناس في السياسة. وإعطاء اللفظ أي مدلول آخر فيه مصادمة لمنهج الخطاب القرآني وفيه تعسف غير مستساغ.
    ويرد الربط بين الكتاب الذي أنزله الله للبشر والحكم بذلك الكتاب في آيتين من آل عمران:
    آل عمران: «23» «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم».
    آل عمران: «79»: «ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله».
    فالسياق هنا سياق ايماني عام يخص أهل الكتب السماوية الأخرى.
    وجاء في سورة النساء: «58»: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا يعظكم به ان الله كان سميعاً بصيراً».
    وتتناول الآية أمرين هما رد الأمانة إلى أهلها ثم الحكم بين الناس بالعدل، وتنتهي إلى القول: «إن الله نعمَّا يعظكم به». إن رد الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل سواء أكان في أمور الدولة أو الأمور الخاصة، كلها توجيهات أخلاقية عامة وعظ الله بها الناس. فليس في كلمة حكم هنا أي معنى قانوني.
    ثم تتحدث الآية «59» عن طاعة أولي الأمر منكم. وهناك خلافات حول تحديد من هم أولي الأمر. وهي خلافات تقع خارج منهج الخطاب القرآني الذي يقوم على الهداية التي هي محور هذه الدراسة. ولم يحدد القرآن صفات أولي الأمر، هل هم الحكام أم أهل الحل والعقد أم اولياء الامر بالمعنى التربوي العام. ولم يحدد القرآن الإطار الذي تقوم فيه العلاقة بين أولي الامر والذين يطيعونهم، ولا ذكر واجباتهم تجاه من يطيعون. إن طاعة أولي الامر ليست انقيادا أعمى، وإنما علاقة ثنائية تفرض التزامات على الطرفين. وهي تختلف عن طاعة الله التي تستوجب التسليم له والامتثال لكلمته. وتختلف عن طاعة الرسول التي تعنى التصديق بالرسالة السماوية التي حمل أمانتها، فطاعة أولي الامر الذين هم بشر تختلف عن طاعة الرسول الذي حمل رسالة السماء، وتختلف عن طاعة الله الذي هو فوق الرسول وفوق أولي الأمر، فالسياق هنا أخلاقي وليس فيه أية دلالات قانونية أو نظام للحكم، بل إن اقحام مثل هذه الأمور فيه خروج عن منهج القرآن.
    وتقول الآية «105» من سورة النساء: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما»
    وتخاطب الآية الرسول بشكل خاص. وتتجلى تلك الخصوصية في قوله: «بما أراك الله»، وهي الرؤية التي خصّ بها الله رسوله. وتتجلى تلك الخصوصية أيضاً في قوله: «ولا تكن للخائنين خصيما» ويقول الإمام محمد عبده في شرح الآية: «لا تتهاون بتحري الحق اغترارا بلحن الخائنين وقوة صلابتهم في الخصومة، لئلا تكون خصيما لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم» (المرجع السابق، ج5، ص270).
    وفي سورة المائدة ثماني آيات متصلة ورد فيها لفظ الفعل حكم ومشتقاته ثلاث عشرة مرة:
    المائدة: 42 الى 50:
    «سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعا ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم فيما كنتم فيه تختلفون * وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن ما أنزل الله فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم وان كثيرا منهم لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.
    نتناول هذه الآيات مسترشدين بمنهج الخطاب القرآني القائم على الهداية، فالقرآن كتاب هداية. وفي هذا الصدد يقول الإمام محمد عبده: «التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا المبحث تابع له أو وسيلة لتحصيله». ثم يقول ان: «الأحكام التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقل ما جاء في القرآن، وان فيه من التهذيب ودعوة الارواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر. وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقي» (الجزء الرابع، ص 9.11).
    ورد لفظ حكم هنا في إطار الهداية التي لا علاقة لها بنظم الحكم والمؤسسات. وترد في الآيات تعابير لها دلالاتها. فتقول: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور» وتقول: «وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور».. «وهدى وموعظة للمتقين». وتصف الذين لا يتبعون الكتب السماوية بأنهم: الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون. وتنهي الرسول فتقول: «ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق». ان المناخ السائد في الآيات كله مناخ هداية وما يستوجبه أسلوب الهداية من تعابير. وتنتهي الآيات قائلة: «أفحكم الجاهلية يبغون» ولم تكن الجاهلية دولة لها حدودها ونظم حكمها. الجاهلية مفهوم، يصف الفترة التي سبقت ظهور الإسلام وانفلتت فيه المشاعر بشكل جانح وطغت فيها الصراعات الدموية. وعندما انفعل أحد المسلمين أمام الرسول قال له: إنك امرؤ فيك جاهلية.
    وورد تعبير الجاهلية في الآيات التالية:
    آل عمران «154»: «يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية».
    الفتح: «26»: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية».
    ولا تشير الآيتان إلى نظام سياسي فيه مؤسسات حكم، وانما تشيران إلى وضع سادت فيه الأنفة والانفعال والظنون. وفي هذا الإطار يتحدث القرآن عن حكم الجاهلية.
    وتقول الآية التالية:
    الأحزاب: «33»: «ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى».
    وهذا يعني ان هناك جاهلية أولى سادت فيها المشاعر المنفلتة بشكل جانح، وجاهلية ثانية أقل حدة من سابقتها وهي الجاهلية التي سبقت ظهور الإسلام.
    والقرآن كتاب هداية، فلماذا خرج به البعض عن منهجه القويم هذا واستلوا منه قوانين خارج منهجه القويم، ليردعوا بها الناس كلما خرجوا ساخطين تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية؟ انها أنظمة الحكم المتسلطة التي يزخر بها التاريخ الاسلامي عبر امتداده الطويل. وما لنا نذهب بعيداً ولدينا في السودان امثلة ساطعة استلت من القرآن قوانين للردع وسمتها اسلامية. ولم يكن نظام نميري الاول ولم يكن الاخير، لقد خاضت اوروبا بحارا من دماء حتى حققت الانفصال التاريخي الحاسم بين نظام الحكم والمؤسسة الدينية. وكانت حرباً ضروساً وقف رجال الدين المستنيرون في صفوفها المتقدمة عند خط النار. ولعل هذا يفسر لنا التعتيم المفروض على أفكار محمد عبده وكوكبة المفكرين على أيام الاستنارة الزاهيات. وانتشار الأفكار الغثة التي تلعلع بها أجهزة الإرسال الحديثة وتلفظها مطابع النفط.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 00:12 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)



    الذكرى (119) لتحرير الخرطوم على يد الإمام المهدي: يناير 1885 - يناير 2004





    هادي العلوي



    مهدوية السودان في الدوافع الماركسية - هادي العلوي
    في يناير عام 1885م اقتحمت جيوش الامام المهدي الخرطوم، وحررتها من الحكم التركي ـ المصري المسنود ببريطانيا، ورأينا ان نقدم في هذه المناسبة عرض المفكر الاسلامي هادي العلوي لكتابي «الامام المهدي: لوحة لثائر سوداني» وقد نشر الاستاذ عبد الرحيم مكاوي صاحب الدار السودانية طبعة جديدة للكتاب، تستدعي نشر هذا العرض عنه. والاستاذ هادي العلوي مفكر اسلامي له كتابات واسعة في التاريخ الاسلامي، ونشرت مؤخرا اعماله الكاملة في تسعة اجزاء. ونشر عرضه لكتاب الامام المهدي في مجلة الحرية اللبنانية في 29/8/1993م وعنوان مقاله «مهدوية السودان في الدوافع الماركسية» وهذا عرض لأهم ما جاء في ذلك المقال:
    هادي العلوي: مهدوية السودان في الدوافع الماركسية
    هناك من ادعى المهدية وهم أبعد عن الحق. ولكن آخرين قاموا بها لأنهم استمعوا الى نداء السماء، وهي تندبهم للقيام. وكانت مهدويتهم سماوية ارضية، فيها الصدق والاخلاص، وفيها التفاني في الرسالة، وفيها التماثل المطلق بين المسلك الفردي ومغزى الرسالة. ومن هؤلاء وقد يكون انجبهم واعظمهم نبلا، محمد احمد بن عبد الله السوداني، الذي ازدهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وشغل ساحة افريقيا والعالمين العربي والاسلامي كما لم يشغلها غيره في زمانه وفي غير زمانه. ولقد انتهى مهدي السودان عام 1885م ليترك وراءه تاريخا جديدا وزاخرا بالمعنى، ومع ذلك ورغم قرب المسافة في الزمان والمكان، لا يكاد العرب يعرفون شيئا عن هذا الجليل. المهدي السوداني محمد احمد بن عبد الله، تخطى رحلة الانتظار والصبر ليدوي صوته في اسماع العدو والصديق. ومن فاته النظر قرأه باللمس. ومهما حاصروه فهو حاضر في الوجود والماهية. ذلك ما سهل على حفيده السوداني ان يكتب عن المهدي مراغما انوف اصحاب السيادة ومخترقا حجاب الاعلام الامبريالي، ليقدمه في لوحة مقروءة ومرئية كخطوة اولى في طريق انبعاثه، الى حد ان ترغم المؤسسات المسيجة بالعساكر لفتح ابوابها ليدخل منها المهدي بمهدويته الغرارية، التي يقصص علينا محمد سعيد القدال بعض فصولها في كتاب عنوانه: «الامام المهدي: محمد احمد بن عبد الله: لوحة لثائر سوداني».
    والمؤلف ماركسي، لكن من جلدة الامام، وماركسيو السودان لهم مزاياهم التي تذكرنا بماركسيي الصين ايام العز. فهم احرار تقل فيهم التبعية، ووعيهم الطبقي متجذر في مجتمعهم وغير مترجم. هم من نوادر العرب والافارقة الذين حملوا فكرا ووعيا محليا، لم يترجموا عن غيرهم، وماركسيتهم اقرب الى ماركسية ماركس ومريديه الاوائل، بحساب الفكر الاجتماعي لا المنهج العلمي، وهو ما لا نطالبهم به، لأن الماركسية الاجتماعية لا تحتاج الى الماركسية العلمية لكي تفعل في مجتمع ما، شرقي او آفرو آسيوي على الخصوص. وقد اقامت شعوب في آسيا وافريقيا على امتداد العصور الغابرة شيوعيتها الخاصة بها دون ان تنتظر ظهور منهج كارل ماركس، ودامت كيانات منها اكثر مما دامت شيوعيات حديثة ادعت الانطلاق من ماركس ومنهجه العلمي. قارن مثلا دولة القرامطة شرقي العربيا وقد عاشت مائتي سنة، ودولة السوفيت التي لم تستوف الثمانين. وقد جاء ماركس نفسه من صميم هذه التواريخ العامرة بالوعي المشاعي. ولم يكن في ذلك مدين لفلسفة غربية بقدرما هو لتكوين مثقفي مغروس في المثل العليا للبشر، وذلك هو ما يميزه عن فلاسفة ومفكرين اشتراكيين من اقرانه في الغرب، بل هو ما يميزه عن حاملي ميراثه ممن كانوا اقرب الى اشتراكية الغرب التجارية، ولإن انتج الفكر الغربي في سياق تطوره منهج ماركس العلمي، فهو غير مسؤول عن جنوحه البعيد الى ما وراء القارة البيضاء وتاريخها المسكون بالنهب.
    المعجب في شيوعيي السودان هذه الشفافية الانسانية المتحدرة اليهم من تقاليد المجتمع القبلي شبه المشاعي، ومن التراث الاسلامي الذي استوعبوه اكثر من بقية رفاقهم العرب. ذلك ما دعي محمد سعيد القدال ان يتعامل مع المهدي كما لو انه يكتب عن عبد الخالق محجوب، رغم ما بينهما من تفاوت في الآيديولوجيا ووعي العصر، ولكن عبد الخالق محجوب ومحمد احمد المدهي يشتركان في وعي الوطن، الذي يعني بدوره معاداة الامبريالية، وتبعا لها معاداة الغرب كمصدر وحيد اوحد للامبريالية، وكمصدر وحيد اوحد لما يعصف في عالمنا العربي والافريقي، بل وفي عموم العالم الثالث من الشر والعدوان والنذالة. وعبد الخالق اقل ادلجة من غيره، لان الغالب كان وعي العصر متماهيا في قلب بروليتاري ذي خصوصية سودانية، وكان محمد احمد المهدي تام التأدلج في العقيدة الدينية للاسلام، وهي مظنة تعويق تركت بصماتها على دولته، في حين كان عبد الخالق شيوعي الوعي اكثر مما هو شوعي الايمان.
    تابع القدال ظهور المهدي والمهدوية في السودان في بداياتها الصوفية. فالمريد محمد احمد نشأ في الخلاوى، وهي المدارس الاولية في علوم الدين. ثم انتظم في سلك المريد لشيخ كبير لم يعجبه مسلكه الدنيوي. كان مريدا واعيا.
    ونعثر من خلال القدال على خصال قطب صوفي سريع التأهل من الصراحة والتحسس ضد الظلم ومقارعة الفساد لنقف امام شخصية اندفاعية اقتحامية، ستصنع للسودان رمزه الثوري الاعظم في هذا العصر، ومن آياته الزهد الصوفي لا الزهد الديني، وبينهما فرق. فالزاهد صوفيا فاعل والزاهد دينيا سلبي. هذا يريد من زهده نعيم الاخرة وذاك يريد من زهده بناء الدنيا على الاسس التي يراها صالحة لاهلها، ومن هنا كان جوهر حركة المهدي «البقارة والجهلاء والاعراب»، اي الاراذل من اتباع الانبياء. وانفصل المهدي عن العلماء الاعداء الطبيعيين للمتصوفة، ليصنع له مهدوية تنهل من ينابيع الفقر الحلاجي، لتجد نفسها في لحظة محسوبة على نقيض العثمانية التركية المتلبسة بالدروشة والمحمية من رجال الدين. واعلن المهدي تكفير الاتراك بعد ان عدد جرائمهم بحق المسلمين، وما قاموا به في السودان من نهب وبلطجة، ووقف رجال الدين ضد المهدي مع الاتراك. وليس خافيا ان يكون المهدي وجميع من ضارعه من زعماء المقاومة الوطنية في العالم الاسلامي قد جاءوا من منشأ صوفي.
    جرت ثورة المهدي في ربط مدروس مع التاريخ العسكري للاسلام الاول، واظهر المهدي اخلاقيات مماثلة، ويتحدث القدال عن الخبرة العسكرية للمهدي، فيكشف عن عقل عسكري كبير لم يتأهل في الاكاديميات الحربية، لكنه يملك جميع ما يملكه قادة الثورات المسلحة من عبقرية عسكرية، مع ما تمتع به من قدرة استثنائية على التحرك في مجتمع هو اشبه بغابة من القبائل والاقبال والطوائف، وظفها كلها لتصب في اتون الثورة، وسار بانصاره من معركة ظافرة الى اخرى.
    وكانت آخر المعالم الفاصلة هي التي انتهت بتحرير الخرطوم، وتصفية الاحتلال التركي البريطاني نهائيا. وكانت بريطانيا قد عينت غردون للدفاع عن الخرطوم، وهو إمبريالي عريق، وقد خدم من قبل في الصين وكان من اعمدة العدوان البريطاني ضد الشعب الصيني. وقتل غردون في تلك المعركة، وكانت مأثرة اضافية حفظها شو ان لاي للسودانيين، واستذكرها في زيارة رسمية للسودان، وخاطب السودانيين شاكرا لهم منتهم العظيمة على الشعب الصيني بأخذهم الثأر من المجرم غردون.
    بتحرير الخرطوم توجت الثورة المهدية باقامة دولة السودان المستقلة بامامة محمد احمد المهدي. ولم يعمر المهدي طويلا بعد تحرير الخرطوم، فتوفي بعد خمسة اشهر وهو في الاربعين من عمره. يقول محمد سعيد القدال: «لم يستطع الثائر ان يقاوم المرض طويلا، رغم بنياه الجسماني القوي وشبابه. فالجهد الذي بذله منذ خروجه من أبا، والمعارك التي قادها، وعظم المسؤولية التي تحمل ثقلها، وفيض الرسائل والكتابات التي خطها، كلها انهكت قواه. فلم يصمد لاصابته بالحمى او التيفويد، التي اصيب بها الثناء تفقده المرضى».
    وطبق المهدي برنامجا سياسيا واقتصاديا متقدما. الا ان التخلف في نظام المهدي كان برنامجه الاجتماعي، وقد خضع فيه للشريعة كما استقرت عليه في العصر العثماني، وهذه المشكلة تتحدى دوما حركة الاصلاح الديني، بسبب صلابة الشريعة بشأن المرأة وصعوبة قبولها للتأويل.
    السودان مدين لوجوده كدولة للمهدي بن عبد الله. والشعب السوداني هو مخلوق المهدي، حقيقة مشتركة بين الفئات السودانية على اختلافها وتعددها. فهو رمز السودان الذي يجب ان يرتهن به تاريخه، انما من دون ان يذعن لكامل مطالبه، فلكل عصر نظام ولكل زمان احكام. وهذا حكم المجتهد المسلم حين يمارس الاجتهاد فعلا.
    ولدى النظر فيمن يحق له اليوم من السودانيين ان يتكلم باسم المهدي، لا ارى للجبهة الاسلامية ونظامها المتخلف وجها للكلام. ثمة هوة عميقة تملأها الفلاشا والسعودية وجعفر نميري، تمنع التحام حسن الترابي بالامام المهدي، وعندما نتجاوز تداخلات الايديولوجيا، فان الوحيد الذي يستحق وراثة المهدي هو حزب عبد الخالق محجوب. ان هذا ما يقوله كتاب محمد سعيد القدال من سطره الاول حتى كلمة الختام.
    تعقيبي على مقال هادي العلوي
    قد نتفق او نختلف مع الاستنتاجات التي انتهى اليها هادي العلوي، فكل كاتب له رؤيته الخاصة حول ما يقرأ. ولعل هادي العلوي كان يسمع عن مهدي السودان دون ان يقف على تفاصيل سيرته. وربما كان الحال بالنسبة لعدد كبير من المثقفين العرب. فعندما قرأ هادي العلوي كتاب المهدي، وقف مشدوها امام تلك السيرة. وهذا احد مصادر انفعاله. والتعتيم على سيرة الامام المهدي، هو ما دفعني لكتابة سيرته.
    ورأيت ان اكثر من يستحق اهداء الكتاب اليه هو عبد الخالق محجوب، وتصدر اهدائي أبيات من قصيدة الشاعر جيلي عبد الرحمن في رثاء عبد الخالق قال فيها:
    كنت تزهو في ذراع الثائر المهدي سيفا
    يحتسي المحرم منه قطرات الشهد صيفا
    كان سيفا أحمر الحد صقيلا
    ان جيلي مثل هادي العلوي رأى شيئا ما يربط بين المهدي وعبد الخالق. ولكن يظل لكل منهما مدخله الى قضايا الوطن.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 01:02 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    المرأة والحجاب في الخطاب القرآني (1 ــ 2)



    د. محمد سعيد القدال




    اولا : المرأة
    المرأة والحجاب موضوعان مترابطان في القرآن ، وقد افرزا مواقف متباينة وجدلا حادا ، فهناك من يرتد بهما الى رؤية سلفية لا تاريخية ، ومن يجنح بهما جنوحا مخلا ، ويذهب فريق ثالث الى تبريرات لا يستسيغها عقل ، فلا يخلو موضوع المرأة من تعقيد ، يقول الدكتور محمد شحرور : «إن بحث المرأة في الإسلام يعتبر من اكثر المواضيع حساسية ، وهو من المواضيع التي بحثها العديد من مؤىدي الاسلام ومن اعدائه ، ابتداء من عصر النهضة وحتي يومنا هذا ، ولا اعتقد انه تم الى الىوم تقديم بحث اصيل حول المرأة في الاسلام انطلاقا من الجدل بين الاستقامة والحنفية والفطرة الانسانية التي تعتمد ان حدود الله هي العمود الفقري لهذا المنطلق» (الكتاب والقرآن ، ص 592) . ويقول الدكتور محمد اركون : «ارجو ان يغفر لي القارئ لانني لم انخرط في تحليل تفصيلي للعديد من الآيات التي رسخت لقرون متطاولة حالة المرأة ووضعها المعروف في المجتمعات التي يسيطر علىها الإسلام كدين ، وهذا العمل لم يقم به احد حتي الآن ضمن الشروط الجديدة لنقل العقل العربي» (اركون ص 129) .
    ويثير موضوع المرأة والحجاب خلافا حادا ، ليس فقط بين مؤيدي الاسلام ومعارضيه فهذا امر هين ، وانما يأتي الخلاف بين المجموعات المسلمة ، بل بين اكثر تلك المجموعات حماسة للإسلام ، ولسنا هنا بصدد تناول المدارس الفكرية والمذاهب والتيارات التي تناولت موضوع المرأة في الاسلام وموضوع الحجاب المتفرع منه ، وانما نتناول الموضوعين في إطار منهج الخطاب القرآني واستنادا على آيات القرآن .
    ماهو الخطاب ؟
    ماهو المقصود بالخطاب (discourse) ؟ هو مجمل الأفكار الاساسية التي تعبر عن مبدأ أو فكرة معينة ، والأسالىب التي عرضت بها ، وتظل تلك الافكار تتري باستمرار وربما بالحاح ، حتي يتشكل منها الخطاب المعين ، فالخطاب القرآني هو مجمل الافكار الاساسية التي وردت في القرآن بالحاح ، وليس ذلك الخطاب هو استلال آية ورفعها على اسنة الرماح باعتبارها الحجة الدامغة والرأى الاوحد ، ان الخطاب منهج ممتد ومتكامل وشمولي ، ويعرف ميشيل فوكو الخطاب بأنه مجموعة من التعابير التي يبدو انها منظمة بشكل معين ، والتي يبدو ان لها ترابطا وقوة مشتركة بينها .
    ويبدو أن بعض العلماء المعاصرين قد تنبهوا لموضوع الخطاب القرآني ، فيقول الشيخ محمد الغزالى :«وهناك معنى آخر للتفسير الموضوعي لم اتعرض له ، وهو تتبع المعني الواحد في طول القرآن وعرضه وحشده في سياق قريب ، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الاساس .. ولا ريب ان الدراسات القرآنية تحتاج هذا النسق الاخير» (الغزالى 1992 ص ،6) ،وهذا المنهج الذي تنبه الىه اخيرا الشيخ الغزالى ، بتطبيق هذا المنهج في الدراسات التي طرحها طولا وعرضا كما لم يطبق هذا المنهج في الدراسات القرآنية السائدة ، فتلك الدراسات تقوم على اجترار الروايات السابقة ، ولم تتناول النص بعيدا عن الحواشي ، ولاشك ان تطور مناهج البحث هو الذي فرض تطبيق هذا المنهج وليس مجرد المزاج الخاص بالباحث ، انها الرؤية الجديدة في البحث العلمي .
    يقع موضوع المرأة ضمن الخطاب القرآني في مراحله المختلفة ، فتناول موضوع المرأة ضمن رسالته لتغيير واقع الجزيرة العربية وتأهيل اهلها لحمل الرسالة ، ومن خلال ذلك التناول وضع مؤشرات للهداية يمكن بها معالجة قضية المرأة في المجتمعات البشرية المختلفة في مجري الحركة التاريخية .
    فالقرآن خاطب مجتمع الجزيرة العربية ومن خلاله خاطب المجتمعات البشرية العريضة ، وفي هذا الصدد يقول الاستاذ حسين احمد أمين :«الدين لا ينشأ في فراغ ، وإنما في مجتمع معين وزمن معين ، فتتلون تعالىمه بالضرورة بظروف ذلك المجتمع ومقتضيات ذلك الزمان وتراعيها ، هو إذن حقيقة مطلقة وردت في اطارتاريخي ، وظهرت في بيئة اجتماعية انعكست معالمها علىه ، وذلك من اجل ان يلقي القبول ويضمن الانتشار ، فلو ان الرسالة الخالدة لم تراع جهاز الاستقبال لدي من تسعي لمخاطبته ، والوصول الىه ، لضاعت في الاثير واستحال التقاطها» «من مقدمته لكتاب عبدالله النعيم ، نحو تطوير التشريع الاسلامي ، ص 8» فالنص الالهي فعل في الزمان والمكان ، أي فعل من خلال قوانين العالم ذاته ، (نصر حامد ابوزيد ص 99) .
    وضع المرأة في الجاهلية والنقلة التي احدثها الاسلام
    كانت في الجزيرة العربية عند نزول القرآن معتقدات وموروثات تفاوتت درجاتها واشكالها مثل الوثنية والرق والظهار ، اما الوثنية فقد صادمها النص القرآني مصادمة لا هوادة فيها ، حتي نقل اهل الجزيرة الى الإيمان بالله . وتصدى لقضية الرق بأسلوب مختلف يقوم على التدرج حتي لا يختل التركيب الاجتماعي ، حتي تلاشي نظام الرق ، وحرم الظهار لأنه عاد ةلا تهز المجتمع عند تحريمها . وكانت المرأة تعيش في اوضاع تستوجب التغيير ، ولكنه تغيير يقوم على التدرج وليس على حرق المراحل حتي لا يختل التركيب الاجتماعي ، وحتي يتضح لنا منهج القرآن بالنسبة لوضع المرأة ، نتناول اولا السمات العامة لوضعها في الجاهلية حسب ما وصف بعضه القرآن ، ثم نتعرض للنقلة التي احدثها في وضعها ، ونشير اخيرا لموجهات الهداية التي تمتد خارج الزمان والمكان لتخاطب المجتمع البشري العريض .
    ماهي السمات العامة لوضع المرأة في الجاهلية ؟ كان اهل الجزيرة العربية يكتئبون عندما يرزق احدهم بنتا ، ولعل البعض مازال يكتئب حتي يومنا هذا ، ولكن بعض اهل الجزيرة العربية لم يكتف بالاكتئاب ، بل كان يدفن بنته حية ، ويسمي الوأد ، ويصفه الإمام محمد عبده بأنه من ابشع العوائد الفاشية في الجاهلية ، وكان لهم تفنن في ذلك ، فكان البعض يستبقي البنت حتي اذا كانت سداسية ، قال لامها طيبيها وزينيها حتي اذهب بها الى احمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء ، فإذا بلغها دفنها حية ، وكان بعض الأمهات إذا جاءهن المخاض حفرن حفرة ، فإن ولدن بنتا رمينها فيها ، (محمد عبده الاعمال الكاملة ، ج5 ، ص 338) . فالبنت تقتل ليس لجرم ارتكبته ، وإنما لما يمكن ان ترتكبه ، فالعقاب موقع على النوع البشري وليس على جريمة ارتكبت ، فكان لابد من اعطاء المرأة حقها في الوجود في ظروف يتعرض فيه كل الجنس للابادة .
    وكانت الحياة في الجزيرة العربية يغلفها شظف العيش والصراع الضاري حول موارد الرزق الشحيحة ، مما ولد عصبيات قبلية وتناحرا وحروبا قد تستمر لحقب متتالىة ، وفي ذلك المناخ فإن دور الرجل في الدفاع عن القبيلة وتأمين مقومات حياتها ، اكبر من دور المرأة ، وهو دور مرهون بتلك الظروف القاسية ، وهو الذي اعطي الرجل وضعه الاجتماعي المتميز ، ووضع المرأة في ادني السلم الاجتماعي والسياسي ، فجاء الخطاب القرآني لينتشل المرأة من ذلك الوضع ويمنحها آدميتها ، فتفاصيل الخطاب وخصوصيته مرتبطة بذلك الوضع ، اما جوهره فيمتد عبر المجتمعات الاخري التي تكون قد تخطت وضع الجاهلية نتيجة للتطور الذي لعب الخطاب القرآني دورا في تطوره ، فالتفاصيل تاريخية والجوهر مقدس وباق . والجوهر هو مواصلة تطوير وضع المرأة مع مستجدات الحياة.
    وبعد اعطاء المرأة حقها في الوجود وادميتها ، اعطاها القرآن كرامتها . فقد كانت المرأة تعيش في خضم فوضي جنسية يبدو انها كانت بلا شطآن . فعرف اهل الجزيرة الجاهلية زواج الضماد ، وهو ان يكون للمرأة اكثر من زواج ، وهناك زواج الاستبضاع ، وهوان الرجل الذي لا يستطيع ان ينجب ، يسمح لزوجته بالاتصال برجل آخر لتنجب منه ، وهناك بغاء الشريفات ، وهن النسوة من الاسر الكريمة اللاتي يحترفن البغاء ، ولكن لا يسمحن لأى شخص بالاتصال بهن ، وإنما يقمن بدعوة من يشتهين من الرجال ، وكان البعض يتزوج من زوجات آبائهم ، والبعض الآخر يجمع بين الاختين ، وكان بعض النسوة يطفن بالبيت عاريات .
    يبدو ان العلاقات الجنسية في بعض انحاء الجزيرة العربية قد فاقت حد المعقول ، بل وصلت بعض ممارساتها درجة اللامعقول والشطح الجنوني ، ويبدو ان خيال الجنس في تلك الصحاري البيد الضاربة في التيه ، كان خيالا جامحا بلا حدود ، وان الجنس كان ملاذهم الاول والاخير ومبدأهم ومنتهاهم وسلوتهم الوحيدة ووسيلتهم لحفظ جنسهم من الانقراض في ظروف معيشية يغلفها ضنك ومعاناة ومفاجآت لا يستطيعون لها تحسبا ، ويقف لهم فيها الموت بالمرصاد .
    فجاءت آيات القران في تحديد العلاقات الجنسية قاطعة وحادة وحاسمة (النساء 22 ــ 23) . ولم تأت تلك الآيات لتنهي عن ممارسات لم تكن موجودة ، بل جاءت لتنهي عن ممارسات ان لم تكن شائعة فقد كانت موجودة بدرجة او اخرى.
    وتناول الخطاب القرآني مواضيع آخرى عن المرأة ، فأكد ان الرجل والمرأة متساويان في الخلق وفي العمل الصالح (النساء 1 ــ 124 ، النحل : 97 ـ غافر 40) .
    وتناول الخطاب القرآني قيما عامة متعلقة بالحياة الزوجية واستعمل في هذا الصدد جملا قصيرة مشحونة بمعاني جمة : هن لباس لكم وانتم لباس لهن ـ وقد افضي بعضكم الى بعض ، خلق لكم من انفسكم ازواجا ، وجعل بينكم مودة ورحمة (البقرة : 187 ـ 222 ــ النساء : 127 ـ 130 ـ النحل : 72 ــ الروم : 21).
    وافرد الخطاب القرآني حيزا واسعا للطلاق ، لما ينشأ عنه من تعقيدات متشابكة ، بل هناك صورة خاصة بالطلاق ، بجانب آيات اخرى .
    وجهت الآيات السابقة خطابها الى أهل الجزيرة العربية ، فاعطت المرأة حقها في الوجود وآدميتها وكرامتها وساوتها بالرجل في الخلق والعمل الصالح كما تناولت بعض القيم الخاصة بالحياة الزوجية ، والخطاب موجه ايضا الى المجتمع البشري العريض ، ولكن الانتقال بالمرأة من وضعها في الجاهلية الى المجتمع الجديد الذي حدد الخطاب القرآني موجهاته ، لم يكن انتقالا كاملا ولكنه انتقال توخي فيه الخطاب القرآني ظروف الزمان والمكان وتركيب المجتمع ، حتي لا يؤدي الانتقال الى ارتباك في الحياة الاجتماعية ، فجاءت بعض آيات الخطاب القرآني لتناسب ظروف الجزيرة العربية ، فحصل الرجل على بعض الميزات التي هي من مواصفات ذلك الانتقال التي اقتضاها التدرج المنبثق من مهج الخطاب القرآني .. فهي ليست ميزات مطلقة بل فيها خصوصية الزمان والمكان ، ولكنها تضمنت ايضا موجهات تفتح السبل للانتقال بالمرأة الى وضع افضل كلما استجدت الظروف التي تهيئ لذلك الوضع الافضل .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 01:05 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)


    الحجاب في الخطاب القرآني: (2-2)



    د. محمد سعيد القدال



    أما الحجاب الخاص بالنساء فورد في آيتين الاولى في سورة النور، وتقرأ مع الآية السابقة لها: النور:«30-31» وقد انتشرت ظاهرة الحجاب في المجتمعات الاسلامية في الحقب القليلة التي خلت، مما يستوجب وقفة لدى الآيتين.
    ونتناول الشرح اللغوي الذي قدمه الدكتور شحرور للآيتين. يقول ان الامر جاء للمؤمنين والمؤمنات بالغض عن الأبصار: يغضوا من أبصارهم- ويغضضن من أبصارهن. ولم تقل الآية يغضوا أبصارهم، فجاء حرف الجر من «ليعني الغض من البصر وليس غض البصر. وهذا يعني الجزء وليس الكل. ولم تذكر الآية المفعول به فلم تقل ان نغض البصر عن ماذا، فتركته مفتوحاً حسب الزمان والمكان. ومفتوحاً بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات. ثم استعملت الآية فعل «غض» للدلالة على لطف الفعل لا على فظاظته، فالآية تنهى ان ننظر الى بعضنا البعض في مواقف لا نحب ان ينظر الينا فيها. وهذا ما نسميه السلوك الاجتماعي المهذب. وهذا هو فعل غض. ولكن اذا كان الرجل يتكلم الى المرأة او العكس وهو في موقف غير محرج. فعليه ان ينظر اليها وتنظر اليه ولا يوجد حرج او منع في ذلك.
    أما عن الزينة فيقول ان لها ثلاثة أنواع، أولها زينة الأشياء وهي اضافة شيء لشيء مثل قوله تعالى:«والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة - النحل 8». وقوله: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد- الأعراف 31»، وثانيها زينة الموقع والمكان: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها - الكهف 7». وثالثها الزينة المكانية والشيئية في قوله:« قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق- الاعراف 32» وقوله: «حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وازينت يونس 24».
    فاذا كانت الزينة مكانية فجسد المرأة كله زينة. وينقسم هذا الجسد الى قسمين، قسم ظاهر بالخلق: ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها. وقسم غير ظاهر بالخلق اي اخفاه الله في بنية المرأة وتصميمها. وهذا القسم هو الجيوب والجيب فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة. فالجيوب في المرأة لها طبقتان مع خروق وهي ما بين الثديين وتحت الإبطين والفرج والإليتين. هذه كلها جيوب. وعلى المرأة المؤمنة ان تغطيها فجاء في الآية: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» والخمار هو الغطاء وليس غطاء الرأس فقط.
    وقد يقول البعض اليس الفم والأنف والعينان والأذنان من الجيوب؟ نعم. ولكنها ظاهرة لأنها في الوجه. ورأس الرجل او المرأة هو أظهر جزء وهو هوية الانسان. ثم تقول الآية انه يجوز للمرأة ان تبدي جيوبها المخفية لزوجها ولسبعة أشخاص آخرين. وهذا لا يعني ان تقف أمامهم عارية، ولكن اذا شاهد احدهم اياً من تلك الجيوب، فإن هذا يدخل في باب العيب والحياء والعرف وليس الحرام، لان الآية شملت اولئك الأشخاص مع الزوج. وذكرت الآية المحارم السبعة لان الزوجة غالباً ما تعيش معهم.
    ثم أضافت الآية الى المحارم السبعة «أو نسائهن» فهل تعني النساء المؤمنات؟ اذا كان كذلك لقالت الآية: او المؤمنات من النساء. ولكنها قالت او نسائهن، ونون النسوة هنا للتابعية وليست للجنس. واذا قصدت الآية زوجات الرجال المذكورين لقالت او نسائهم، ولكننا نجد نون النسوة لا ميم الجماعة. ولا يصح ان نقول ان نون النسوة جاءت عوضاً عن ميم الجماعة لضرورة صوتية، فلا يوجد في الكتاب كله شيء اسمه ضرورة اللحن او النغم، هناك شيء واحد فقط هو ضرورة المعنى. وهذا لا يمكن الا اذا فهمنا النساء على انها جمع نسيء اي المستجد او المتأخر وليس جمع امرأة. والمستجد هنا وغير المذكور في الآية ابن الابن والأخ والأحفاد..الخ.
    ثم ذكرت الآية «التابعين غير ألى الإربة من الرجال» مثل الطبيب، ثم تقول «او الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء» فالعورة جاءت من الحياء وهو عدم رغبة الانسان في إظهار شيء ما في جسده او سلوكه. وهنا الحياء نسبي وغير مطلق. والأطفال حتى سن معينة لا يعرفون مصطلح الحياء او العيب. وهم الذين تنطبق عليهم الآية حتى تلك السن.
    ثم تقول الآية «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» ان الذي يفسر هذه الآية على أساس الخلخال في القدم غير مصيب في تفسيره. فالفعل ضرب في اللسان العربي اصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه، فهناك الضرب في الأرض بغرض العمل والتجارة والسفر. ويأتي الضرب بمعنى الصيغة او الصياغة كضرب الأمثال. وقوله لا يضربن بأرجلهن هو الفعل لكي لا يعلم ما يخفين من زينتهن. وهذا الكلام عن الزينة المخفية وهي الجيوب، لانها لا تعلم الا اذا ارادت المرأة ذلك. فهذا يعني ان الله منع المرأة المؤمنة من العمل والسعي والضرب بشكل تظهر فيها الجيوب او بعضها، كأن تعمل عارضة لجسدها او تقوم برقصات تظهر فيها الجيوب او بعضها بشكل ارادي. ولكنه لم يحرم الرقص بشكل مطلق. ويمكن للمرأة ان تمارس اية مهنة لا تعرض فيها جيوبها المخفية دون حرج او خوف، وذلك حسب الظروف الاجتماعية والتاريخية والجغرافية، «شحرور ص 604-614».
    وفي شرحه للآية الثانية يبدأ شحرور بتعريف جلباب، فهو من الفعل جلب. ومن معانيه الشيء الذي يغشى ويغطي شيئاً آخر، فالجلباب للحماية وهو اللباس الخارجي. ويمكن ان يكون بنطلوناً او قميصاً او ما شابههما. واستعمال حرف الجر في قوله: «يدنين عليهن من جلابيبهن» يعني البعض. واستعمال يدنين من فعل «دنو» للتقريب. وبما ان هذه الآية للتعليم لا للتشريع فقد جاء ذكر السبب وهو المعرفة التي تسبب الأذى. والأذى نوعان: طبيعي واجتماعي. اما الطبيعي فهو مربوط بالبيئة الطبيعية من درجات الحرارة والرطوبة، فالمؤمنة تلبس حسب الظروف الخارجية بحيث لا تعرض نفسها للأذى. اما بالنسبة للأذى الاجتماعي، فعلى المرأة المؤمنة ان تلبس لباساً خارجياً وتخرج الى المجتمع حسب الأعراف السائدة في مجتمعها، بحيث لا تكون عرضة للسخرية واذى الناس. وهذا الذي ستتعرض له هو عين عقوبتها لا اكثر من ذلك، اي دون ان يكون هناك أية تبعة من ثواب وعقاب. «المصدر السابق ص 614-615».
    ويقول الأستاذ حسين احمد امين ان الحجاب فرض في المدينة، حيث كان النساء يلقين من المتسكعين من شباب المدينة كل مضايقة كلما خرجن للخلاء. فنزلت الآية حتى يميز الشباب بين المحصنات وغير المحصنات «حسين احمد امين، ص 131». ونقل الصابوني عن السدى قوله ان النساء كن يؤذين اذا خرجن في الليل. فاذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها، وقالوا هذه حرة، واذا رأوها بغير قناع قالوا هذه أمة فآذوها. فنزلت الآية «الصابوني، ج 2ص 34» والروايتان تضعان الآية في اطارها التاريخي، فرغم اختلاف شحرور وأمين، الا انهما ينطلقان من اساس واحد في فهم منهج الخطاب القرآني.
    ويمكننا ان نخلص الى ان الحجاب لا ينفصل عن مجمل وضع المرأة في الخطاب القرآني. ووضع المرأة والحجاب لهما جوانب عدة في ذلك الخطاب، فهو يسعى الى تغيير واقع المرأة في الجزيرة العربية عند نزول القرآن والانتقال بها من وضع متردٍ الى وضع افضل. فوضع الاساس الذي يمكن ان تنتقل به المرأة الى وضع افضل، وفق المستجدات التي تطرأ على الحياة الاجتماعية. وحسب وضع كل مجتمع وتفاعله مع تلك المستجدات. ويتم ذلك في اطار منهج الخطاب القرآني.
    وأصبح لكل مجتمع اللبس الخاص بالمرأة ونوع الحجاب الذي تستعمله. والحجاب ليس فريضة تعبدية. وانما زي اجتماعي له في كل مجتمع تقاليده الخاصة به. ولكن ظهر في المجتمعات الاسلامية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي لبس يسمى اسلامياً. وحتى هذا اللبس فيه اختلافات، فنجد بعض النساء يغطين اجسادهن بجلباب ووجوههن بحجاب وايديهن بقفاز وارجلهن بجراب. ولا يظهر منهن سوى كتلة بشرية مغطاة بالاقمشة. واغلب ملابسهن سوداء تمتص كل الحرارة فكأنهن يسرن في فرن متحرك. وبعضهن يلبسن نفس الثياب ولكن يغطين اعينهن ببرقع تظهر منه العيون. ونوع ثالث لا يستعملن البرقع. وتستغنى أُخريات عن القفاز والجراب. وهناك انماط اخرى متفاوتة. وتعتبر كل مجموعة ان لبسها هو اللبس الاسلامي، فدخل الحجاب محيطاً خارج القيم والاخلاق.
    ان اشكال الحجاب التي انتشرت على أيامنا هذه لا علاقة لها بالخطاب القرآني ومنهجه، لان ذلك الخطاب لا يمكن ان يكون عرضة لتقلب الاهواء وتجليات الايديولوجيا التي تتغير مع تغير التركيب الاجتماعي والوعي. ولعل اخطر ما في هذه التغييرات التي طرأت على الحجاب أمران. الاول انه اقحام فوقي على تراث واعراف المجتمع. والسعي لاستبدالها او الغائها قسرا. وكأنما تلك الاعراف وذلك التراث لم يقم على اسس ولا يمثل دأب المجتمع الطويل، للوصول الى ما يناسبه من ازياء نسائية، فالاقحام القسري والغاء الماضي بالقوة يضر بالمجتمع. فالاصول الحضارية لكل مجتمع هي الاسس التي يقوم عليها تقدمه واقتحامه للمستقبل. ولكن الهوس الديني الذي يقوم على غسيل المخ، لا يرى الا شيئا واحدا هو الصحيح وما عدا ذلك خطأ، بل كفر ويجب مجابهته بالردع والعنف، لانه يعيش حالة غياب الوعي التام.
    والامر الثاني ان تلك الانواع من الحجاب فيها تقليد اعمى لمجتمعات اخرى، دون التبصر الكافي بظروف وواقع كل مجتمع. ولا شك ان الهجمة الطفيلية والدولار النفطي، حيث يساق الناس بالسياط كالسوائم للمساجد. وتضرب النسوة اذا خرجن بدون محرم، قد افرزا هوسا دينيا لا صلة له بعقل العصر ولا بضمير ولا بوعي العصر، فكانت هذه الردة الشاملة.
    إن الحجاب الذي انتشر في المجتمعات الاسلامية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، لا صلة له بالخطاب القرآني ورحابه الشاسعة المنفتحة. ويبقى قوله تعالى: «ولباس التقوى ذلك خير».
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 01:19 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    الصلاة في الخطاب القرآني (1-2)




    د. محمد سعيد القدال



    تهدف المقالات السابقة واللاحقة عن الخطاب القرآني الى تأسيس منهج للخطاب القرآني. وتأسيس هذا المنهج ليس تمرينا اكاديمياً، وإنما هو دأب لا يفتر للتمييز بين ماهو مقدس في القرآن وماهو تاريخي. فالقرآن كتاب سماوي مقدس ولكنه ايضاً نص تاريخي. وقد اشرنا من قبل الى ان الخليفة عمر بن الخطاب رفض تطبيق ماجاء في الآية 41 من سورة الأنفال حول تقسيم الغنائم. فتعامل تاريخياً مع النص المقدس. وآيات الرق نصوص تاريخية في كتاب مقدس، وكذلك الآيات حول وضع المرأة والحجاب. ولا سبيل للتمييز بين المقدس والتاريخي إلا بالاعتماد على الخطاب القرآني. وقد تنبه الشيخ محمد الغزالي وهو اصولي على جانب من الاستنارة الى أهمية الاعتماد على الخطاب القرآني فقال:«وهناك معنى آخر للتفسير الموضوعي لم اتعرض له، وهو تتبع المعنى الواحد في طول القرآن وعرضه وحشده في سياق قريب، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الأساس» «محمد الغزالي. نحو تفسير موضوعي لسور القرآن. ص6» ورغم أ ن ماقاله الشيخ الغزالي لا يخلو من اضطراب وغموض، إلا أن جوهره يؤكد على أهمية منهج الخطاب القرآني في الدراسات الحديثة، وسوف نتناول في هذه المقالات الصلاة في الخطاب القرآني.



    الصلاة هى العبادة الأساسية التي يؤديها المسلم تقرباً الى الله. وتتميز الصلاة عن سائر العبادات بأمرين. فهى العبادة الوحيدة التي يؤديها كل مسلم وليس فيها استثناء. بينما الزكاة يؤديها اصحاب المال. والصوم يعفي منه المريض والمسافر والذي لا يطيقه. والحج لمن استطاع اليه سبيلا، الأمر الثاني ان الصلاة عبادة يومية وليست موسمية.



    وأكد القرآن على أهمية الصلاة من جانبين. الأول ان ذكرها جاء في مطلع المصحف في الآية الثالثة من سورة البقرة: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). فجاء ذكرها مباشرة بعد الايمان بالغيب. الجانب الثاني أن ذكرها جاء في القرآن في اكثر من «50» آية، وهو عدد يفوق الآيات التي جاء فيها ذكر العبادات الأخرى. وهذا التكرار هو الذي يقوم عليه منهج الخطاب القرآني. فالقرآن كتاب هداية وليس هو كتاب تستل منه الآيات من سياقها لتستخرج منها حججاً بعيدة عن خطابه.



    هناك قضايا اساسية متعلقة بالصلاة في الخطاب القرآني. اولها ان الصلاة جاء ذكرها مرتبطة بالزكاة في اغلب الآيات التي تناولت الصلاة. منها خمس آيات في سورة البقرة وحدها وهى :-



    البقرة 43: واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.



    البقرة 83:... واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.



    البقرة 110: واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.



    البقرة 177: واقام الصلاة وآتي الزكاة.



    البقرة 277:... واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.



    ü وهذا التكرار في سورة البقرة من أجل تأكيد الربط بين الصلاة والزكاة في أول سورة في القرآن.



    وارتبط ذكر الصلاة بالانفاق في سبع آيات، منها ثلاث آيات تربط الصلاة بالإنفاق في السر والعلن.



    الرعد 22: واقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية.



    ابراهيم 31: قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية.



    فاطر 29:... وأقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية. (راجع المقالات عن الانفاق في الخطاب القرآني).



    ولم يأت ذكر الصلاة بدون الارتباط بالزكاة والإنفاق إلا في عدد قليل من الآيات. ولم يأت ذكر الصلاة مرتبطاً بالصوم أو بالحج ولو في آية واحدة.



    ماهي الدلالات التي يحملها هذا الربط الوثيق بين الصلاة والزكاة والإنفاق؟ تقول الآيات إن الصلاة ليست عبادة قائمة بذاتها، ولكنها عبادة تقود الى عبادات اخرى. فإذا لم تؤد الصلاة الى إيتاء الزكاة طواعية والي الانفاق عن طيب خاطر، فإنها تكون قاصرة. ويقول الإمام محمد عبده إن الصلاة إذا انتفى عنها السلوك الرحيم نحو الآخرين، فإنها تصبح ركعات خاويات. لقد حاول الإمام ان يخرج بالقرآن في تفسيره عن قبضة عقلية تجار مكة التي هيمنت على الايدولوجيا الدينية طوال اربعة عشر قرناً. فالعبادات ليست طقوس تؤدى دون أن تنعكس على نسق الحياة وإصلاح ما يعتريها من اعوجاج.



    أما الامر الثاني المتعلق بالصلاة في الخطاب القرآني، فقد اشار اليه الإمام محمد عبده. فقال إن الله لم يبين في الكتاب كيفية الصلاة وعدد ركعاتها ولا ركوعها وسجودها ولا تحديد اوقاتها (المرجع السابق ص 150) فقد اشار القرآن الى مواقيت الصلاة في صيغ عامة هى:



    البقرة 238: حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى.



    هود 114: واقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل.



    الاسراء 78: اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا.



    طه 130: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى.



    النور 58: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء.



    الروم 17-18: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحونü وله الحمد في السماوات والارض وعشيا وحين تظهرون.



    ق 39-40: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروبü ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم.



    الانسان 26: ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا.



    ü تشير الآيات السابقة الى مواقيت الصلاة بشكل عام دون تحديدها بخمس صلوات. وقد حدد القرآن بطريقة قاطعة بعض الأمور التي لا ترقى الى أهمية الصلاة. فقد حدد طريقة التعامل بين الدائن والمدين في الآية 282 من سورة البقرة، وهى أطول آية في القرآن على الاطلاق وحدد المحرمات بشكل قاطع في الآيتين 23-24 من سورة النساء. وحدد الميراث في سورة النساء. وحدد البيوت التي يأكل فيها الانسان دون حرج في الآية 61 من سورة النور. وحدد طقوس الحج ولم يترك فيها إلا مجالاً محدوداً لمستزيد فلماذا لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة؟



    تصدى الإمام محمد عبده للاجابة على السؤال، فقال: ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس وما كان العرب تعلم أن في الدنيا بلاداً لا يمكن تحديد المواقيت فيها، كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين ويزيد نهار اهلها على ذلك. وأشار القرآن الى مواقيت الصلاة في قوله: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون. (المصدر السابق ص 15).



    ü إن اجتهاد الإمام عبده لتفسير عدم تحديد مواقيت الصلاة من الناحية الجغرافية، لا يستقيم مع تحديد القرآن لمواقيت الصيام، حيث حدد شهر الصوم ( ومن شهد منكم الشهر فليصمه)، وحدد اوقات الامساك ( فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر). وتحديد مواقيت الصوم أشق من الصلاة، لأن هناك بعض البلاد التي لا تشرق فيها الشمس لأيام، وبلاد لا تغيب فيها لأيام. وقد وصل الإنسان الى القمر وسار فوق سطحه، فكيف يحدد مواقيت صومه وإفطاره؟ واذا كانت الاوضاع الجغرافية يمكن ان تفسر عدم تحديد القرآن لمواقيت الصلاة، فكيف نفسر عدم بيان كيفيتها وعدد ركعاتها وركوعها وسجودها. فهذا لا يدخل في التفسير الجغرافي. غير ان ماذهب اليه الإمام محمد عبده، يوضح دأبه المستمر لحمل معاني القرآن الى مشارف العصر، وهو جهد لم يرق اليه حتى الآن غالبية المفسرين الذين جاءوا من بعده. فاذا اخذنا تفسير الصابوني الذي نشر في ثمانينيات القرن الماضي والذي اشاد به سبعة من العلماء، نجده يفتقد اصالة محمد عبده. فهو يلتف حول الآيات، ويقحم عليها تفسيراً خارج إطارها فيقول في تفسير قوله تعالى: ويقيمون الصلاة، (اي يؤدونها على الوجه الاكمل بشروطها واركانها وخشوعها وآدابها) ثم يذكر قول ابن عباس بأن اقامتها اي إتمام الركوع والسجود والتلاوة. ( الصابوني ج 1، ص 32) ويقول في تفسير الآية 129 من سورة طه فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح واطراف النهار لعلك ترضى)، ان هذه الآية اشارة الى الصلوات الخمس: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر، ومن آناء الليل صلاة العشاء، واطراف النهار المغرب والظهر (المصدر السابق، ج2، ص 250) وفي تفسيره للآية الثانية من سورة (المؤمنون): الذين هم على صلاتهم يحافظون، يقول: (اي يواظبون على الصلوات الخمس. وما ذهب اليه الصابوني فيه إقحام على الآيات وتفسير بأثر رجعي. ويقول الشيخ الغزالي في معرض تفسيره لسورة الفاتحة وهذه السورة فرض الله قراءتها في جميع الصلوات) «المصدر السابق، ص 8» واذا كان القرآن لم يحدد عدد الصلوات وطقوسها الأخرى، فكيف يفرض الفاتحة على صلوات لم يحددها؟ كما انه لا يوجد نص في القرآن يقول بما ذهب اليه الشيخ الغزالي. إن إضفاء القداسة على استنتاجات العلماء لم يعد مقبولاً.



    لا خلاف أن الصلاة عبادة أساسية، بل هى العبادة الاولى التي فرضها الله. ولا خلاف في أن السنة النبوية حددت اوقاتها وكل ما يتعلق بها من طقوس. وسيظل المسلمون يؤدونها في تلك الاوقات وبتلك الطقوس. ولكن يبقى السؤال لماذا لم يحدد القرآن تلك الأوقات وتلك الطقوس؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 01:22 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)






    الصلاة في الخطاب القرآني (2-2)



    . محمد سعيد القدال


    نواصل ما انقطع من حديث في الحلقة السابقة عن الصلاة. وقف الشراح أمام الآية 238 من سورة البقرة: «وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى». وذهبوا في اجتهاداتهم مذاهب شتى شملت كل الصلوات الخمس. فتعاملوا في شرحهم ذاك مع الخطاب القرآني خارج منهج الهداية الذي يشكل اساس ذلك الخطاب، فتعبير وسط لا يعني تحديداً حسابياً دقيقاً. وإنما يقصد به الموقف المعتدل. وجاء الحث على الاعتدال في صيغ مختلفة، مثل قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» (البقرة 143) «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا» (الإسراء 110) «والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» (الفرقان 67).
    وفصل القرآن أمرين يتعلقان بالصلاة، الاول صلاة الخوف التي تؤدي أثناء الحرب (النساء 102) والثاني الوضوء (المائدة 6)، بل والتيمم (النساء 43). ويبقى السؤال الملح قائماً: لماذا فصل القرآن في قضايا عديدة ولم يفصل مواقيت الصلاة والطقوس المتعلقة بها؟ والاجابة التي تقفز دائماً هى أن السنة حددت مواقيتها. ولكن السؤال ليس أن الصلاة لن تحدد مواقيتها. وإنما لماذا لم يحدد القرآن مواقيتها؟ والاجابة ليست محاولة للالتفاف حول الآىات، أو الخروج بإجابة تريح من عناء البحث، أو هى خواطر شخص، وإنما هى أمر جوهري يسعى للتعرف على بعض جوانب الخطاب القرآني. وليس ترداداً ببغائياً لما قاله السلف ونصيح: «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون» أو: «قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا».
    ولم يفصل القرآن مواقيت الصلاة وطقوسها. ولكنه ذكر أشياء اخرى متعلقة بها. فأشار الى المحافظة على الصلاة في عدد من الآيات: الانعام 92، المائدة 91، المؤمنون 2-9، المعارج 23-34. وتحدث عن صلاة القصر دون تحديد اسلوب القصر.
    ويشير القرآن الى بعض السلبيات التي تصاحب أداء الصلاة كما في الآيات التالية: سورة النساء (42): «إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى».. وكرر المعني في التوبة 54.
    المائدة 58: «واذا ناديتم الى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً».
    الانفال 35: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية».
    مريم 59: «فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة».
    الماعون: 4-5: «فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون».
    بماذا نخرج من العرض السابق لآيات الصلاة في القرآن؟ تحتل الصلاة حيزاً كبيراً في الخطاب القرآني، سواء في وضعها المتقدم في ترتيب المصحف، أو عدد الآىات التي وردت فيها، أو الصيغ المختلفة التي جاءت، أو في امتدادها عبر المصحف، بداية بسورة البقرة حتى الكوثر. وجاء ذكر الصلاة في اغلب السور مرتبطاً بالزكاة والصلاة والزكاة والصلاة هما العبادتان اللتان لم يفصلهما القرآن كما فصل الصوم والحج. وفي الخطاب القرآني هذه مؤشرات مهمة، اولها ان الصلاة والزكاة عبادتان تكملان بعضهما البعض. والعبادات تكمل بعضها البعض. ويقود هذا التكامل الى تكامل السلوك الشامل الذي تقل فيه التناقضات التي تعصف بالإنسان.
    والمؤشر الثاني إن إغفال التفاصيل المتعلقة بالصلاة، لا يعني ان يراد التفاصيل يعني تفضيل فريضة على اخرى. بل لعل التفاصيل غالباً ما تكون مرتبطة بالخطاب التاريخي المتعلق باوضاع الجزيرة العربية عند نزول القرآن، بينما التعميم دون ذكر التفاصيل خاص بالخطاب المقدس الموجه لكل البشر عبر مختلف الازمان والبيئات.
    واشار القرآن الى اسلوبين للعبادة وذكر الله، الاسلوب الاول الصلاة التي لها طقوس معينة. وحددتها السنة النبوية في خمس صلوات. ولكن القرآن اذا حددها فسوف ينغلق السبيل امام اي اسلوب آخر لذكر الله، فهناك عبادة اخرى بجانب الصلوات الخمس، وهما يكملان بعضهما البعض. إنها الذكر المستمر بدون طقوس. إنها العبادة التي تندغم في نفس الانسان وتتحول الى جزء من نسيجه النفسي والعقلي والاجتماعي. وتجعل مجمل سلوكه محكماً بذلك الذكر المستمر. انها العبادة التي قال عنها القرآن «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين». وهى عبادة ليست قاصرة على البشر: «ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة.. ( النحل 49).
    وجاء الذكر المستمر في عدد من الآيات تفوق عدد الآيات التي جاء فيها ذكر الصلاة. وسوف نذكر بعضها لأن المجال لا يسمح بإيرادها كلها على امتداد المصحف:
    آل عمران 191: «الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم».
    النساء 103: «فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم».
    الاعراف 205: «واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال».
    الانفال 45: «يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا».
    الكهف: 28: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه»
    الشعراء 227: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً».
    العنكبوت 45: ... «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر».
    الأحزاب 21: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً».
    الاحزاب 41-42: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيراً * وسبحوه بكرة وأصيلا».
    الجمعة 10: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون».
    ونقول في الخلاصة إن الصلوات الخمس التي لها طقوس محددة والذكر المستمر، يكملان بعضهما، ويتطابقان مع الله الواحد والمطلق، فالديانات التي سبقت الاسلام وارتكزت دعوتها على التوحيد، تؤدي فيها الصلاة بطقوس ومعابد بعضها في غاية الروعة والتعقيد، بينما الذكر المستمر لا يحتاج لكل ذلك التعقيد. والصلوات الخمس جزء من تراث المسلمين والقيام بها واجب. ولكن الصلاة المستمرة، اي الذكر المستمر أوجب.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 00:38 AM

Mohamed Omer
<aMohamed Omer
تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 2207

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)


    مداخلة تاريخية: الإرهاب والإرهاب المضاد


    (5-1)



    د. محمد سعيد القدال



    يكاد المرء يجن وهو يرى ويسمع ويقرأ عن القتل والدمار الذي يجتاح عالمنا اليوم. ما الذي جرى لهذه الدنيا حتى أصبح الجيش والمدافع والطائرات والعربات المفخخة والأحزمة الناسفة والذبح من الأذن إلى الأذن هي اللغة التي يدار بها الحوار السياسي؟ إن الإرهاب ليس بالأسلوب الجديد في العمل السياسي، ولكن الجديد هو طغيان العنف وأساليب الإرهاب وانحسار الحوار السياسي السلمي. فما هو السبب في انتشار هذا العنف والإرهاب، وإلى متى سيستمر وإلى أين يقودنا؟ هل نبقى حيرى لا نمتلك سوى القنوط واليأس؟ وكنت قد نشرت قبل أشهر خلت عددا من المقالات عن الإرهاب في جريدة الصحافة. فالإرهاب يشغلني ويستحوذ على اهتمامي لأته كارثة تدمر حضارة عصرنا

    وتشارك في الإرهاب أساسا قوى ثلاثة يتشكل منها مثلثه اللعين وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، والهوس الديني الذي استشرى في الأنظمة العربية الخنوعة. هذه هي القوى الثلاثة التي تزحم عالمنا بالدمار. نبدأ بأمريكا لأنها هي سيدة العالم اليوم، وهي المتحكمة في مصيره بقدراتها العسكرية والأمنية والاقتصادية وبموكب الأنظمة التي تسير في ذيلها. نقر في البداية أن أمريكا لها انجازاتها الباهرة في المجال الاقتصادي والعلمي ومختلف جوانب الحضارة المادية الشامخة. ولكننا هنا نحاول أن نستبين العوامل التي يمكن أن يتشكل منها منهجها في العنف والإرهاب. لننظر في التراث الذي كون المجتمع الأمريكي، ثم الدور الذي لعبته الرأسمالية في توجهات ذلك المجتمع وننتهي بأثر الحرب الباردة على منهج العنف

    إن العنف يشكل جزءاً متيناً من نسيج المجتمع الأمريكي. بدأ ذلك العنف عندما ألقت السفن الأوربية بعد اكتشاف الدنيا الجديدة بحثالة المجتمع الأوربي من مجرمين وشذاذ آفاق على ساحل أمريكا. وبدأ ذلك الرهط يشق طريقه بإبادة الهنود الحمر. وكانت مجزرة. وانتهوا بوضع من بقي منهم في حظائر. ثم انهالوا على الزنوج الذين استجلبوهم من سواحل أفريقيا الغربية. وكانت مجزرة أخرى رسم بعض حواشيها الكاتب الزنجي ألكس هيلي في كتابه (الجذور). وبعد أن تم إلغاء الرق بعد الحرب الأهلية عام 1865، أصبح التعامل مع الزنوج يقوم على الإرهاب الذي تمارسه عصابات الكو كلكس كلان التي تهجم على الزنوج خلسة ويقومون باغتيالهم. ومارست تلك العصابات القتل الغوغائي حيث يقتاد الغوغاء الزنجي الذي تدور حوله أية شبهة دون التأكد منها إلى أقرب شجرة ويتم إعدامه على مرأى ومسمع من رجال القانون ويسمى هذا القتل الغوغائي lynching. واستمر ذلك الأسلوب المأساوي حتى القرن العشرين. وخاضت منظمات الزنوج منذ مطلع القرن العشرين حربا ضروسا ضد تلك الممارسات الهمجية. وتولت مجلة (الأزمة) ((Crisis التي رأس تحريرها العالم الزنجي الفذ وليم دوبوا وتصدى لقيادة تلك المعركة

    وتجلى الإرهاب بشكل كريه في ما عرف بالمكارثية نسبة إلى عضو مجلس الشيوخ مكارثي. كان ذلك في عنفوان الحرب الباردة. فقد وقف ذلك الشيخ في الكنقرس وهو يلوح بورقة ويصيح قائلا إن بها أسماء عملاء لموسكو يعملون في قلب المؤسسات الأمريكية. ولم يطلع أحد على تلك الورقة اللعينة. ويقال أن بها أسماء وهمية أو ليس بها أسماء بتاتا. وبدأت حملة كريهة من استجواب العلماء والمفكرين والفنانين. ولعل أسطع مثال ما حل بالممثل الخلاق شارلي شابلن الذي تعرض لتجربة مريرة دفعته إلى مغادرة أمريكا نهائيا. وسجل تلك التجربة في سيرة حياته. وتعرض المفكر الزنجي ديبوا إلى محنة مماثلة دفعته أيضا على مغادرة أمريكا نهائيا. وسجل تلك التجربة في كتاب بعنوان (قصة عام ميلادي الثالث والثمانين). وتبقى مأساة العالم روزنبيرج وزوجته إثل تؤرق ضمير عصرنا. كانت تلك أيام حالكة السواد في تاريخ أمريكا الإرهابي

    وكانت تلك المكارثية مع التفرقة العنصرية والإرهاب الذي صحبها أياما سوداء يحفها ظلام كالح. وبقيت التفرقة العنصرية البغيضة تنخر في عظام المجتمع الأمريكي ويشيح عنها البصر استحياء

    ولم يحظ سكان أمريكا اللاتينية بأفضل من غيرهم. ولم يكن حظ الآسيويين أيضا أفضل من غيرهم. وكان العنف هو البوصلة التي استهدى بها المجتمع الأمريكي في تعامله مع تلك الأقليات. ودونكم الأفلام الأمريكية التي تمجد ذلك العنف والبطل الذي يهزم الجحافل منفردا، وتصور تلك الأقليات بالتوحش والهمجية

    وانتقل العنف إلى العمل السياسي. إن أمريكا من أكثر بلاد الغرب التي يتم فيها اغتيال رؤساء الجمهورية والقادة السياسيين. ومن أسطع الأمثلة اغتيال أبراهام لنكولن في القرن التاسع عشر وجون كندي في القرن العشرين. ثم اغتيال شقيقه روبرت الذي كان مرشحا للرئاسة. واغتيل الزعيمان الزنجيان مالكوم إكس ومارتن لوثر كنج. وتم استعمال العنف الجانح بقيادة (الأبضايات) ضد نقابات العمال لإخضاعها لسيطرة رأس المال، وكانت معركة دموية يحتفل بها العالم في أول مايو من كل عام

    ثم انتقل استعمال العنف من السياسة الداخلية إلى السياسة الخارجية. فتدخلت أمريكا لإسقاط أنظمة سياسية خارج حدودها لأنها أنظمة لا ترغب في بقائها. وهناك أمثلة ساطعة. فتدخلت المخابرات الـ FBI وأسقطت حكومة مصدق في إيران في عام 1953. وقد كتبت هذه المسرحية وأعيدت كتابتها كثيرا. ولعبت دورا حاسما في الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة سوكارنو في اندونيسيا وتم اغتيال نصف مليون من الثوريين اليساريين بشكل منتظم. وتدخلت عام 1973 بانقلاب عسكري وأسقطت حكومة أليندي في شيلي وأعقبتها بمذابح. وتدخلت بشكل أكثر عنفا لإسقاط حكومات في أمريكا اللاتينية التي تعتبرها بالنسبة لها حديقتها الخلفية ولا تسمح فيها بأي نظام يهدد احتكارات الموز والمعادن، مثل ما حدث للحكومة في جواتيمالا حيث أطاحت أمريكا بحكومة أربينز الديمقراطية ونصبت مكانها سلسلة من الأنظمة العسكرية التي هي أساسا مجموعات من فرق الموت التي لها نشيد وطني. وأطاحت بحكومة الساندنستا وغيرها. والمسرحية مثيرة ومن فصول متعددة. وكانت أغلب تلك الأنظمة إما يسارية أو لها ارتباط بالأحزاب الشيوعية في بلادها

    ومارست العنف بشكل آخر وهو محاولة اغتيال بعض الزعماء الذين لا ترغب في بقائهم. وكان القانون الأمريكي حتى عام 1974 يعطي الرئيس سلطة إصدار أوامر قتل تنفذها وكالة المخابرات المركزية على من يرى الرئيس أنهم أعداء للولايات المتحدة من زعماء العالم. وأصدر أيزنهاور توجيها للمخابرات المركزية باغتيال عبد الناصر وكاسترو (هيكل ص 14)

    والعنف الذي كان يمارس في السياسة الخارجية الأمريكية يمكن أن نسميه عنفا منظما. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تغير ميزان القوى. وتحولت أمريكا من قوة عظمى إلى قوة كاسحة ، وأدركت المجموعة المتنفذة في الحكم في أمريكا أن تنفيذ مشروعها للقرن الحادي والعشرين يحتاج حتما إلى سلاح العنف. (هيكل ص 210) ولكن التعريف الأمريكي للعنف انتقائي

    وتحولت أمريكا إلى إمبراطورية. و الإمبراطورية حلم لا يقوم على المزاج الشخصي، بل حلم يقوم على ضرورات أمن وطني ومطلب صراع دولي وحوافز سباق نحو التوسع والثروة على اتساع القارات وعبر المحيطات
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 03:57 AM

اسامة جعفر
<aاسامة جعفر
تاريخ التسجيل: 27-12-2007
مجموع المشاركات: 56

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    ياناس الكلام ده صحي؟؟؟؟؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 04:42 AM

إسماعيل وراق
<aإسماعيل وراق
تاريخ التسجيل: 04-05-2003
مجموع المشاركات: 9386

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: اسامة جعفر)

    اللهم أرحم د. القدال رحمة واسعة
    الرجل أعطى الكثير..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 04:55 AM

Al-Sadig Yahya Abdall
<aAl-Sadig Yahya Abdall
تاريخ التسجيل: 01-05-2006
مجموع المشاركات: 485

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: إسماعيل وراق)

    "انا لله و انا اليه راجعون"
    له الرحمة بقدر ما اعطى لهذا البلد

    Quote: أستاذ مشارك


    He is full professor of history
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2008, 09:41 AM

خالد العبيد
<aخالد العبيد
تاريخ التسجيل: 07-05-2003
مجموع المشاركات: 21542

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: محمد سعيد القدال (Re: Mohamed Omer)

    خسارة فادحة لا تعوض
    ترحلون وتتركون لنا الحسرة والوجع
    قلبي على حزبي
    دمعي على وطني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de