دعوة للشخصيات العامة و الاحزاب و المنظمات...الخ المشاركة فى العصيان المدنى للاعلان هنا مجانا
أرتِق الشَرِخ دَا/ العِصيان ناداك
الشعب الملهم.. لن يصبر من كدا أكثر
إلى شباب ثورة العصيان المدني: الحرية لا تقبل المساومة!
أكتب وأهرب: (أوقاف ) قوقل..و (سبيل ) الفيسبوك ...! بقلم يحيى العوض
نيويورك 10 ديسمبر، حوار حول الحراك المعارض في السودان في ختام معرض الاشكال والجسد
19 ديسمبر .. إني أرى شعباً يثور !!
مقال للخائفين على السودان من مصير ليبيا و سوريا إن حدث التغيير
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 12-11-2016, 04:12 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة بكرى ابوبكر(بكرى ابوبكر)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

سيِّدان في عينْ العاصِفةِ /فتحي الضــو

06-10-2007, 02:47 AM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 02-04-2002
مجموع المشاركات: 19067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى

سيِّدان في عينْ العاصِفةِ /فتحي الضــو

    سيِّدان في عينْ العاصِفةِ

    فتحي الضــو
    [email protected]

    سُئِل أحد أهلنا البُسطاء ممن نُحبذ أن نُجري النكتة علي ألسنتهم تفكهاً, (وينبغي أن تُفهم في سياقها العفوي, وهي حقيقية), وكان الرجل المُسائل لا تزيد دائرة موسوعته الفِقهية عن أركان الإسلام الخمسة لكنة كان كثير الإدعاء, فأراد سائله أن يكشف عن جهله أمام رهط ٌ من سامعيه فقال له إنت يا فلان: مُنِكر ونكير ديل منو ؟ فأجاب بأريحية وبثقة الواثق الذي يزدرئ أي سؤال سهل لإخفاء جهله:
    «أظنهم أولاد أعم».

    أياً كانت أجابته لا أعتقد أنه بقادرٍ علي أن يزحزح د. الترابي من فتواه التي طرحها مؤخراً, والتي شكك فيها حول عذاب القبر, حتى كاد أن يسلب الملكين العظيمين مهامهما الوظيفية الربّانية. كما أن كاتب المقال نفسه لا يدّعي كثير معرفة في المسائل الفقهية, فشأنه في ذلك شأن غالبية أهل السودان الذين جُبِلوا علي دين الإسلام بالفطرة, غير أنه من فرط الهوائل التي ألمت بهذا البلد الأمين علي مواطنيه, تمني في قرارة نفسه لو أنه التقي يوماً جِنّاً مسلماً ليبثه شكواه وهمومه فيما فعله اخوته من الإنس المسلمين, من أشياء مُنكِرة ألحقت الأذى بدينهم, وأخري منفرة لم تسلم منها حتى دنياهم!
    *****

    لابد من التأكيد قبل قراءة متن هذا المقال, علي أننا لا نود أن نفسد علي قيادات وقواعد حزب الأمة بهجة يومهم هذا, ولكن ثمة أشياء لابد وأن تقال, لاسيما, وأن ما حدث تعدي رحاب الحزب, ولم يكن حصراً علي الكيان وحده, فقد إنداحت الخصومة واندلقت أطناناً علي الورق, ثم أرخت سُدُولها علي الواقع السياسي الكئيب فزادته كآبةً, ثم أفرزت مسخاً مشوهاً وزادته تقبيحاً, ثم عادت وأنتجت مصالحة أو وحدة – سيان – فزادته دهشة وغرابة.

    وقطعاً إن ما حدث قد تعدي دوائر السيدين, طالما أنهما يطرحان نفسيهما في فضاء العمل العام, وطالما أنهما يعملان بقضايا هي من صميم اهتمامات أهل السودان أيضاً, وطالما أنهما يطمحان لقيادة هذا الشعب لتحقيق أهدافه وغاياته وأحلامه وطموحاته, وعليه ليس هناك أدني شك في أنه لا الحزب و لا قياداته يقبعون في جزيرة معزولة عن هذا الواقع, بل أن للحزب إسهاماته الوطنية المقدرة وتاريخه التليد, وقد ضحّت قياداته بما هو محفوظٌ ومصانٌ في ذاكرة الشعب السوداني, وبالقدر نفسه للحزب سلبياته ولقياداته كبواتهم وأخطائهم, فإن كان قدرنا أن نتحمل ذلك كل الوقت, فمن حقنا عليهم أن يتحملونا بعض الوقت, فقد قيل نصف رأئك عند أخيك, وأيضاً نصف العقل مداراة الناس. ومع كل ذلك يتمني المرء أن تشع هذه المصالحة نوراً علي الكيانين والوسط السياسي كله, وأن تنزل عليهم سخاءً رخاءً يرسخ الديمقراطية ويقوي عودها, وذلك انطلاقا من موقف مبدئي ثابت عند كل الديمقراطيين, بتأكيد أنه كلما كان الحزب وأمثاله أقوياء, بات حلم الوصول إلي الديمقراطية الرابعة ميسوراً, والطريق إليها ممهداً, والمحافظة عليها أكثر عزماً وتصميماً, ولعله خلف هذه المعاني النبيلة يكمن المقصد, دون تأويلٍ, أو تهويلٍ أو تحوير !
    ومن هذه الزاوية نبدأ الرواية بالأسئلة المفتاحية:

    هل وإخواتها:

    هل خسِر حزب الأمة شيئاً عندما إنشق عنه السيد مبارك الفاضل في يونيو 2002 وأسس جناحاً تحت مسمي (الإصلاح والتجديد) ؟ هل كسب حزب الأمة شيئاً عندما عاد إليه مرة أخري في مايو 2007 تحت راية المصالحة والتوحيد؟ ولكن لماذا إنشق عنه في الأصل ؟ ثم لماذا عاد إليه مجدداً ؟ وكيف عاد ؟ وهل إنتفت الأسباب التي دفعت به إلى الإنقسام ؟ أم انه ليست هناك أسباباً في المبتدأ ؟ وإن كانت هل تدخل في سياق المبررات الموضوعية التي تدفع أي ناشط سياسي للخروج من الشباك والعودة بالباب؟ هل استفتي المنشق قواعد حزب الأمة حينما عزم علي إتخاذ تلك الخطوة المثيرة للجدل ؟ وهل كانت المؤسسية حكماً عندما تمّ فصله من الحزب ؟

    بالنسبة للسيد الصادق هل إقتنع بالدعاوى التي ساقها السيد مبارك وجعلها مبرراً لإنقسامه من الحزب؟ وهل يملك السيد الصادق من الردود الشافية والكافية لكل ما أثاره السيد مبارك لإقناع قواعد الحزب بالحُجة الدامغة والمنطق المُقنع الذي يدحض تلك الاتهامات؟ هل تخلي السيد الصادق عن شروطه التي وضعها لعودة السيد مبارك؟ أم أن السيد مبارك استجاب لها ونفذها حرفاً حرفا؟ هل ما إنطبق علي السيد مبارك يمكن أن ينطبق علي الآخرين, خاصة وأن أكثرهم أصبحوا في فلكٍ آخر يسَبَحَون؟ وبغض النظر عما ساقه السيد مبارك من دعاوى ومبررات هل أدرك السيد الصادق المهدي بأن هناك ثمة أخطاء في ممارساته السياسية بما يستوجب منه الوقوف والتأمل والاستدراك؟

    أما بالنسبة للسيد مبارك هل كان مقتنعاً بكل ما قاله يومذاك وتخلي عن قناعاته تلك يومئذ؟ هل تحقق ما كان يدعو إليه وبالتالي أصبح ليس هناك مبرراً لما أقدم عليه؟ وكيف له أن يقنع قواعد الحزب بمبرراته ومسلماته الجدد؟ أم انه اصبح مقتنعاً الآن بأن ما أقدم عليه لم يكن مبرراً في المبتدأ والمنتهي؟ وهل ما أقدم عليه هو محض طموح شخصي غررت به أوهام زعامة مو؟ أم أنه أقنع نفسه بأنه إمتلك ناصية زعامة مُكتسبة تؤهله لخوض غمار تجربة لم يكن يدري مآلها؟ بما أن خطوته تلك قد آلت إلي فشلٍ ذريعٍ, هل اقتنع الآن بأن فؤاده أفرغ من جوف أم موسي في مؤهلات الزعامة المكتسبة تلك؟ وبصورة أخري هل إقتنع الآن بأنه لا الموروث ولا المكتسب أهلاه لزعامة حزب بحكم فشل (التجربة)؟ وإن أسلمنا جدلاً بأنه لا يعوزهما, هل يملك شيئاً جديداً يقدمه للحزب علي ركام فشل ماثل؟ هل كان عازماً بالفعل علي الإصلاح والتجديد كما زعم؟ وإن كانت تلك غايته فلماذا انفض عنه صحبه الكرام وتركوه أسير الحسرة والندم؟ هل العِلّة في الدعاوى أم حامل لواءها؟ وهل الإصلاح والتجديد لا يتأتيان إلا بالانقسام؟ وإن كان غايته الإصلاح والتجديد بمنطق مقنع للقواعد فلماذا لم تتبعه جحافلهم وتركوا الأصل عارياً يشكو بؤس المآل وسوء المُنقلب؟ وما الذي أقعده عن الإصلاح والتجديد طيلة الفترة الذي ظل فيها ناشطاً في أروقة الحزب؟ ولماذا هبت عليه سموم الإصلاح والتجديد فجأة؟ ونسائم المصالحة والوحدة بغتةً؟

    بالنسبة للحزب هل كان ثمة طريق ثالث يُجنبه تلك النتيجة الكارثيه؟ أم أن ما حدث كان حتماً سيحدث نتيجة ممارسات غير طبيعية؟ هل ثمة عوامل خارج إطار الحزب غذّت الطموح الشخصي أم أن الطموح الشخصي نفسه هيأ الفرصة لأصابع خارجية؟ هل الحدث برُمته تغليب لروابط الدم والرحم وصلات القربى أم عودة لحياض المؤسسية؟ وهل لجأ الطرفان لقواعد الحزب طالبين مشورتها ورأيها فيما عزما عليه لترميم الجسور؟ أم أنها خطوة فوقيه شأنها شأن الإنقسام نفسه؟ وهل كانت القواعد تتابع الخصومة وفجورها والعودة وتباشيرها مثلنا علي المنابر الإعلامية؟ أم أنه كتب علي تلك القواعد الإمتثال لقضاء الله وقدره حينما إنشق السيد مبارك, والسمع والطاعة حينما عاد؟ ثم هل تحصّن الحزب أو بالأحرى السيد الصادق المهدي بالذي يصِدُ الباب أمام كل من تُسول له نفسه بالسير في ذات الطريق الذي سبقه إليه السيد مبارك؟ وإذا أقنع حزب الأمة البعض في أن ما حدث سابقاً هو جزء من الممارسة السياسية الطبيعية فهل يمكن أن يقنعهم بأن ما حدث راهناً هو انتصار للديمقراطية؟

    وللأحزاب والقوي السياسية الأخرى نصيب فيما ذكرنا, إذ أن (شهاب الدين أظرط من أخيه), كما تقول الأعراب, فقبل أن يكون الحدث برُمته درس لها, هلا أشاعت الديمقراطية في جسدها العليل قبل أن تتوسلها غايةً لحكم البلاد؟ هل انتزعت حقها الديمقراطي عنوةً في إقامة مؤتمراتها القاعدية؟ هل نزلت إلي قواعدها وطرحت برامجها للإلتفاف حولها ومساندتها؟ هل طرحت حلولها علي الجماهير في كيفية الخروج من المأزق الذي دخلت فيه البلاد؟ أعصي هو الإتفاق علي برنامج وطني ديمقراطي يُخرج البلاد من تلك الورطة؟ هل أدركت الأسباب التي دفعت بكثير من عضويتها للإنقسام وتكوين فروع تحت (لافتة) الحزب نفسه؟ بل هل تحوطت من داء الإنقسامات مجدداً حتى لا يندفع ما تبقي من ناشطيها للأكل من (الشجرة المحرمة)؟

    الداء والدواء:

    إن ظاهرة الإنقسامات في أوساط الأحزاب السودانية ليست بالظاهرة الجديدة ولا الفريدة, فهي من الظواهر السالبة التي رُزئت بها الساحة السياسية قبل وبعد الاستقلال, وكادت أن تصبح بئراً لا قاع لها Bottomless حينما طالت جميع الأحزاب السودانية بلا إستثناء, سواء ما أصطلح علي تسميته بالأحزاب التقليدية أو العقائدية, بل مسّت حتى القوي التنظيمية التي حاولت أن تختط لنفسها طريقاً ثالثاً بالابتعاد عن الموردين, وكانت أعظم خطراً في الحركات والتنظيمات المسلحة, سيما تلك التي تفرّخت في ظل نظام الإنقاذ أو قبله, شرقاً وغرباً وجنوباً.
    بيد أن من سُوءآت هذه الظاهرة إضعاف التطور السياسي الطبيعي, وإنهاك النظم الديمقراطية التي تتمخض عنه, بالذي يجعل من عدم الاستقرار ُمبرِراً للنظم العسكرية التي تنقضُ عليها, هذا وذاك بالطبع أنتجا الحالة السودانية الخاصة التي سميت بدوران الحلقة المفرغة أو الدائرة الشريرة Vicious Circle, انقلاب عسكري انتهازي, تعقبه انتفاضة شعبية طموحه, يليها نظام ديمقراطي كسيح, يفتح شهية العسكر لمغامرة جديدة, وقد كانت محصلة هذا الدوران في النهاية بعد أكثر من نصف قرن من استقلال السودان, قطر يقبع في قاع التخلف ودولة تحمل أسفارا من العجز والفشل واللا مبالاة, وتسعي الآن لحتفها بظلفها بعد إن استسلمت بإذعان للحلول الخارجية التي تتري من المحسنين في المحيطين الإقليمي والدولي.

    صحيح أن القاعدة الأزلية في الممارسات السياسية تؤكد « بأنه لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة ولكن هناك مصالح دائمة» لكن ينبغي أن تكون هذه المصالح مستندة إلى المُثل النبيلة في مراعاة قيم الحق والعدالة والمساواة والديمقراطية والشفافية وتغليب مصالح الجماهير, والمصالحات كما نعلم لا ينبغي أن تأتي بغتةً كما الانقسامات, وإلا فإن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها, ويقننا هذا ما حدا بالانقسامات نفسها لأن تكون مسلسلاً متواصلاً, ليس لأن الاختلاف سُنه كما يزعم البعض ولكن لان المعالجات دائماً ما تغلفها العواطف المشبوبة, والنفور من المنطق, والاغتراف من بحور الوهم المسمي (التسامح السياسي السوداني), والذي أصبح تميمة يعلق البعض فيها ممارساتهم غير المسؤولة, يفعلون ما يشاءون - كيفما اتفق - دون حسيب أو رقيب أو عتيد, وعندما يطوي النسيان جرم ما فعلوا, يعودوا دون أن يطرف لهم جفن ودونما أن يجرؤ أحد بإحياء ماضيهم اللئيم من مرقده!

    لقد كلّت أيادي الكثيرون وهم يعددون أسباب الانقسامات الحزبية, ولهذا لن نأتي بجديد حين نحصرها في التالي:

    أولاً: غياب الديمقراطية والمؤسسية Institutionalism, وتخلف الأحزاب السودانية عن مواكبة أساليب العَصْرنة Modernization وإتباع ميكانزمات Mechanism العمل السياسي المتطور والخلاّق
    ثانياً: انعدام الشفافية Transparency بين القيادة والقاعدة.
    ثالثاً: الجمود والتقوقع, نتيجة ضعف المساهمات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية..
    رابعاً: الطموح الشخصي للزعامة أو الرئاسة Presidencyبطرق وآليات غير الوسائل التنظيمية الديمقراطية.
    خامساً: غياب مبدأ المحاسبة Accountability

    ولعل الملاحظ في ظاهرة الانقسامات جميعها, جنوح الطرفان نحو خطاب الإقصاء والاستقطاب الحاد, وتباريهما في تدمير بعضهما البعض بشتى الوسائل اللا أخلاقية, وهي حرب غالباً ما يقلل من صديقتها بالنسبة للرأي العام, أن كشف المستور أو المسكوت عنه يجئ بعد أن يكون قد تدثر بصمت القبور زمناً قبل الإنقسام, ومع ذلك فإن الملاحظة الثانية أن ظاهرة الإنقسام في أوساط القوي التقليدية دائماً ما يعقبها في نهاية المطاف عودة ميمونة رغم الفجور في الخصومة, في حين أن الظاهرة نفسها في أوساط القوى الحديثة تسير بالطرفين في خطين مستقيمين لا يلتقيان أبداً

    ونحصر أنفسنا في هذا المقال في إطار ما جري في حزب الأمة في ضوء ما حدث مؤخراً بين السيدين الصادق ومبارك, وحزب الأمة هو الأتعس حظاً بين القوي السياسية في ظاهرة الانقسامات (لا يفوقه سوي قرينه في هذا المجال), ولعل الأخير كان الأسوأ, ومما يحير المرء حقاً أن الظاهرة في أوساط الحزب تكاد تكون محصورة فقط في آل البيت المهدوي (لا مجال في المقارنة بإيراد تجربة النور جادين في ظل التوالي), وهي تارة حول رئاسته وتارات أخر حول الإمامة, وستظل تلك معضلة حقيقة ستنهض كل حين ما لم يتم الفصل التام بين الإمامة والرئاسة, والغريب في الأمر أن السيد الصادق المهدي خاض معركته الأولي في مضمار الإنقسام بالدعوة إلى الفصل بين الهويتين, رئاسة الحزب وإمامة الأنصار, وذلك في ستينيات القرن الماضي, غير أنه بعد عقود زمنية إنقلب علي عُقبيه وسعي لتكريس ذات الهويتين, حتى غنِم مؤخراً ضم الحُسنين تحت زعامته!

    الأزمة وتداعياتها:

    لأن العبر في الخواتيم يفترض المرء جدلاً أن الأسئلة الاستفهامية سالفة الذكر قد شغلت بال (لجنة وحدة الصف) ووجدت الإجابة الشافية حتى يستقيم أمر ما حدث ويحدث, لكن الإعلان عن الوحدة أو المصالحة بذاك الشكل العاطفي في الإخراج لا يعدو إلأ أن يكون ضرباً من ضروب التعمية وذر الرماد في العيون, فثمة مستحقات تقع علي عاتق السيدين, لابد من الإيفاء بها لجماهير وقواعد حزب الأمة أولاً, وجموع الشعب السوداني ثانياً.

    بالعودة لأصل الرواية, كان حزب الأمة طرفاً ناشطاً وفاعلاً في العمل المعارض في الخارج والذي تولاه بالعناية نيابة عن الحزب السيد مبارك الفاضل, وقد أبلي فيه قدر طاقته, وبغض النظر عن تفاصيل كثيرة تعرضنا لها في مقام آخر (أنظر مؤلفنا الأخير: سقوط الأقنعة/ سنوات الأمل والخيبة), إستمر ذلك حتى خروج السيد الصادق المهدي من السودان في أواخر العام 1996 عن طريق ما أسماه بعملية (تهتدون), وقد كان حتى ذاك الوقت يقبع داخل السودان مختطاً ما أسماه بـ (الجهاد المدني) وترك ذلك الإرث خلفه ولم يعد يتذكره بعدئذ, فقد أُجبر حينئذ أو بإرادته للسير وراء الخيارات التي إلتزم بها التجمع الوطني, وكان علي رأسها العمل المسلح الذي علت وتيرته يومها, وظن البعض أنهم قاب قوسين أو أدني من السلطة, فاستوزروا أنفسهم في الخيال والأحلام, وبذات الزخم التراكمي Accumulative هبطت وتيرة العمل العسكري المُصادم, ودخل التجمع في متاهته المعروفة التي لم يصحو منها إلا بعد أن أصبحت نيفاشا واقعاً يصعب الفكاك منه.

    ما يهم المقال في هذا السرد أن رؤى حزب الأمة والتجمع تباينت في العام 2000 مما أدي لخروج الحزب من الكيان المعارض, وشق طريقه منفرداً بطي صفحة نشاطه المعارض في الخارج والعودة إلى داخل السودان, وكان السيدان الصادق ومبارك حتى ذاك الوقت على قلب رجل واحد, خاصة في الإستراتيجية الجديدة بعد العودة التي ينبغي علي الحزب إتباعها, وتمثلت اختصارا في المشاركة في النظام تنفيذاً لاتفاق جيبوتي الموقع بين الطرفين في نوفمبر1999 وقد إزدادت القناعات المذكورة بعد إنقسام الإسلامويين حول السلطة, بزعم أن الحزب كفيل بتغطية الفراغات التي أقصت جماعة المنشية من سدة الحكم.

    كان السيد مبارك الفاضل أكثر إندفاعاً وعجلة في هذا الأمر, أما السيد الصادق فبعد وصوله إلى أرض الواقع, فقد إنتابه التردد المعهود في ممارساته السياسية, فأصبح (يقدم رجلاً ويؤخر أخري) علي حد تعبير المثل السوداني الدارج, ذلك لأنه تكشفت له ثلاث حقائق الأولي وقد كانت متوقعه أن جماعة القصر أصبحت غير جادة في تنفيذ ما إتفقوا عليه مع الحزب في جيبوتي لا سيما وقد حقق لهم الإتفاق ما كانوا يرجونه أصلاً وهو التباعد بين التجمع والحزب, ومن ثم جاءهم الحزب طائعاً مختاراً إلى داخل السودان ليكون تحت سمعهم وبصرهم إن لم يكن رهينة تحت إبطهم, والأمر الثاني الذي تكشف للسيد المهدي أن قطاعاً واسعاً من الحزب خاصة شيوخه القابعين تحت نير النظام (وجميعهم ليس علي وفاق مع السيد مبارك منذ أمدٍ طويل) كانوا ضد المشاركة حتى لو كانت علي جثثهم. أما الأمر الثالث فقد أيقّن أن صقور الوطني لن تجعله يقترب من دائرة صنع القرار, وذلك أمر تنفر منه طبيعته السياسية كما هو معروف.

    لكن المُعضِّلة أن الحقائق التي أقنعت السيد الصادق كان من الصعوبة بمحال أن تقنع السيد مبارك فمضي الأخير في طريق الاستقطاب الحاد متخيراً عناصر تشاركه الطموح ذاته, سيما وأنه من جنس السياسيين الميكافيليين الذين يندفعون لتنفيذ غاياتهم حتى لو كان ثمنها مسح تاريخ الحزب بـ (إستيكة), أما السيد الصادق فقد إنتحي جانباً وارتأى أن يضع الأمر بين يدي المكتب القيادي الذي عقد أول اجتماع له يوم 16/2/2001 بحضور 77 عضواً, وكان ذلك كيوم السقيفة فقد أعد كل طرف عدته وعتاده, وملابسات ذلك الاجتماع الذي إستخدم البعض فيه الأيادي وكادت أن تحدث كارثة, وضّحت لكل ذي بصرٍ وبصيرة أن إنقساماً بدأ يتموه تحت السطح في الحزب العتيد.

    لم يستطع السيد مبارك صبراً فقام بشيء عجباً, أوضح أن المؤسسية هي من شاكلة الغول والعنقاء والخل الوفي في أجندة الأحزاب السودانية كلها, إذ إختار صحيفة محلية وفجر عبرها آراء (مفخخة) ومركزاً إنتقاداته حول رئيس الحزب في (الأبوية) التي ظل يرعي بها الحزب (والازدواجية) في إدارة شئون كيان الأنصار ورئاسة الحزب, وزاجاً بطرف ثالث في المعادلة (السيد أحمد المهدي) في حلبة الصراع, قال أنه أحق بالإمامة من الذي جاءته تجرجر أذيالها. كما أن السيد مبارك ذكّر عباد الله الذي لا يعلمون أن الحزب أصبح ملكية خاصة لأسرة المهدي ذاكراً أسماء الأسرة فرداً فرداً والمناصب التي يتبؤونها منصباً منصباً, وفي هذا أسفر للمرة الأولي عن مشاعر سالبه ترقد مسترخية بين الصلب والترائب, وكان ذلك مبعث دهشة عباد الله المتفرجين, إذ أن الطرفين بغض النظر عن السياسية وتقلبات الدهر حولها, هما أبناء عمومة تجمع بينهما (العقيدة الأنصارية, والدم والنضال المشترك والمبادئ والتراث والتاريخ المشترك), ذلك علي حد ما تذكره السيد مبارك لاحقاً في كلمته التي تلاها في لقاء الجمعة 11/5/2007

    حاول السيد الصادق معالجة الأمر عن طريق المؤسسة, فأحال الموضوع لما يسمي بلجنة «الضبط والمحاسبة», لكن المؤسسية إهتز عرشها مرة أخري, حيث جاء أعضاء اللجنة متسلحين برائعة الروائي الروسي الشهير فيدور دوستوفسكي Dostoevsky «الجريمة والعقاب», فأصدرت اللجنة حكمها علي المتهم في 5/1/2002 بتجميد عضويته في الحزب لمدة عام, دون أن تستدعيه, وقال أنه قرأ ذلك في الصحف ولم يتسلم نسخة من القرار, وقال عن اللجنة المذكورة أنها «تحولت إلي أداة قمعية في يد رئيس الحزب لملاحقة مخالفيه في الرأي», ثم قامت أطراف عديدة بمحاولة رأب الصدع, إلي أن إستجاب السيد الصادق وألغي العقوبة بعد وقت وجيز من صدورها 20/1/2002 وقال أنها جاءت إستجابة لمناشدات «أعضاء من حزب الأمة والمواطنين عامة, لاسيما أسرة هباني والقوي السياسية والمؤتمر الوطني الحاكم ورجال الطرق الصوفية وخاصة الشيخ الكباشي وإخوانه, كما أثارت إهتمام إخوتنا في الجماهيرية الليبية ومصر», ورغم أن تلك وساطة تعد أكبر وأعرض وأشمل من حجم اللجنة الأخيرة, إلا أن الأمور عادت لتوترها بعد حين, إلي أن أقام السيد مبارك مؤتمراً لمناصرية في سوبا في يونيو 2002 وبعده بشهر كان وصحبه الأبرار يجلسون علي كراسي وثيرة في السلطة الشمولية.

    الخصومة وفجورها:

    وقبل الاسترسال يُذكر أن الطرفين أصحاب تراث وافر في الخلاف, وأكبره بالنسبة للسيد الصادق خلافة الشهير مع عمه السيد الهادي المهدي, وقد تناسل مع بعض أفراد أسرته بعد أن غيبه الموت في العام 1970 وكان قد إرتكز أساساً حول دعوة السيد الصادق للفصل بين رئاسة الحزب وإمامة كيان الأنصار, وهي الدعوة التي إرتد عنها كما ذكرنا, ولكن حتى الآن لا يدري المرء كيف يتصالح السيد الصادق مع نفسه, وهو يدعو سراً لفصل الدين عن السياسية, وجهراً للمزاوجة بينهما؟ أما خلافه الثاني والذي ما زال مستمراً, فقد كان مع عمه السيد أحمد المهدي وهذا تمحور أساساً حول التنازع في الإمامة, وهو في طريقه لأن يحتل موقعاً متميزاً في قائمة (جينس) للأرقام القياسية وذلك إثر تأهبه لدخول العقد الرابع, ويعد الأطول في الواقع السياسي الاجتماعي السوداني بين (مُختصمين).

    أما السيد مبارك فبالرغم من أن ذلك الخلاف يعد الأول له حول القيادة, إلا أنه صاحب رقم قياسي أيضاً في الخلافات داخل الحزب, والتي بدأت إبان تسلمه مقاليد الوزارات في الديمقراطية الأولي 1986-1989 (وهي الفترة التي شهدت بزوغ نجم السيد مبارك حيث لم يكن معروفاً قبلها بالنسبة لغالبية أهل السودان, إلا في إطار دوائر الحزب), علي كلٍ شملت مظلة خلافاته آنذاك الأمير عبد الرحمن نقد الله (أسبغ الله عليه ثوب الصحة والعافية) د. آدم موسى مادبو, السيد بكري عديل, والسيدة سارة الفاضل, وآخرين من خلف ستار, وما تزال هذه الخلافات تمد لسانها ساخرة من أي جهد لا يراعي دواعيها.
    بعد سقوط الديمقراطية الثالثة وهروب السيد مبارك لخارج السودان وإنخراطه في النشاط المعارض في إطار التجمع الوطني الديمقراطي, ضرب أيضاً رقماً قياسياً في الخلافات مع نشاطيه, حتى أعتبره البعض بمثابة (خميرة عكننة), ولا يعني ذلك بالضرورة أنه كان الطرف المخطئ علي الدوام, فما أكثر الخطاءين الذي لا يعرفون التوبة في ذلك الكيان كثير الذنوب, غير أن الإشارة جاءت من باب الرصد لا أكثر و لا اقل, وقد تنفس كثير من ناشطي التجمع الصُعداء حين خروجه من الكيان المعارض. بل أن معظمهم لم يتمعن كثيراً في الخسارة التي سيُخلّفها حزب الأمة من وراءه في دهاليز التجمع.

    كذلك إشتعل أوار خلافاته في إطار أروقة ناشطي الحزب نفسه, وما يهم هنا تلك التي كانت مع الذين تربطهم معه صلة (الدم والرحم والعقيدة الأنصارية) وأشهرها علي الإطلاق ذلك الذي جري مع السيد نصر الدين الهادي سليل البيت المهدوي أيضاً, والذي إحتوته المنافي بعد إنهيار الديمقراطية الثالثة, وكان خلالها يشغل منصب نائب رئيس الحزب, وتلك صفة كانت كفيلة أن يشرع السيد مبارك منكبيه للحؤول دون أن يتسنم المذكور موقعاً في منظومة الكيان المعارض, وبعد خروج السيد الصادق شهد مؤتمر للحزب أقيم في أسمرا في فبراير 1998 مصالحة بين الطرفين تداعت فيها المشاعر وتفجرت فيها العواطف ينابيع من (عسلٍ ولبن) فأصلحت ذات البين أسرياً, وشأنها شأن الذي حدث اليوم تركت الباب موارباً سياسياً, ويذكر أن السيد نصر الدين كان الإستثناء الوحيد بين أفراد أسرة الأمام الراحل في مؤازرة السيد الصادق, والوحيد أيضاً الذي جعل بينه وبين طموح القيادة سداً, وبدا ملتزماً بالأمر الواقع في المؤسسية ومع ذلك إنتاشته نبال السيد مبارك؟ والخلاف الثاني جري مع السيد مهدي داود حفيد الخليفة عبد الله التعايشي, والذي كان يشغل منصب رئيس تجمع القاهرة نيابة عن حزب الأمة, وكان ذلك خلافاً صامتاً لم ينطق إلا في إطار الدوائر الخاصة, ولم يصل لوسائل الإعلام, وكانت ضريبته أن دفع بالأخير إلى منافي لا يغشاها الأول إلا لماماً. وثمة آخرين طووا الأرض طياً وتركوا القاهرة بقضها وقضيضها وآثروا الفرار بجلودهم إلى منافي إحتوتهم أيضاً, بعضها لن يراها السيد مبارك الفاضل إلا بين الفينة والأخرى, وأخري لن يدركها إلا في الخارطة!! ذلك ببساطة لأن السيد مبارك يعرفه كل من اقترب منه, رجلٌ أبصَع Idiotفي ممارسته السياسة, إذا نازعته ذبابة بعض زاده, إستجلب لها كل ما يستطيع من أسلحة دمار شامل, في الوقت الذي بإمكانه أن يهُش عليها هشاً رفيقاً, فتبتعد عن ملكه وملكوته!

    الأحباب كل في طريق:

    بالعودة إلى التسلسل الذي إنقطع, مضي الأحباب كل في طريق, فقد جمع السيد مبارك رهط من مناصريه في مؤتمر بقرية سوبا في يونيو 2002 علي إثره أرسل السيد الصادق خطابات فصل لنحو 23 كادراً من قيادات الحزب وقال أنهم يمثلون 22% من عضوية المكتب السياسي والقيادي, ولم يمض شهر علي ذلك في يوليو 2002 إلا وكان السيد مبارك يتبوأ منصب مساعد رئيس الجمهورية, وصحبه الميامين علي كراسي وزارات ومناصب (دستورية) مختلفة, وعن ذلك قال عنهم في مذكرة الشراكة «إن حزب الأمة الإصلاح والتجديد شريك في الحكم ولديه إتفاق مع حزب المؤتمر الوطني, وهناك ثلاثون شاباً من كوادره المجاهدين يتولون مواقع دستوريه في الدولة», وأقام حزب الأمة الجناح الرئيسي أيضاً مؤتمراً ملأ فيه الفراغات, وإستمر سجال الطرفين من علي المنابر الإعلامية المختلفة بسفور أعجز أي راصد, وبفجور أغلق الأبواب أمام أي حادب, وإحتار كثير من قيادات وناشطي الحزب, أخلف عليٌ يصلّون أم من وراء معاوية يسيرون, ولزم غالبيتهم الصمت خاصة أولئك الذين يدركون أن صراع الفيلة الكبيرة لن تتأذى منه سوى الحشائش الصغيرة!!.
    لكن الذي حدث, أن السيد مبارك لم يهنأ برزق جلبته له غمامة طائشة, وكدأب أهل الإنقاذ حينما يوغلون في الديكتاتورية, فوجئ السيد مبارك وكثير من المراقبين السياسيين بفصله من النظام من خلال وسائل الإعلام, وكان قرار الفصل الدرامي من السوانح التي لا تفوت علي الخيال الشعبي المُلّهِم فغذّاها بكثير من (المحسنات البديعية) حتى كاد أن يغري أهل هيلوويود Hollywood بإخراجها سينمائيا. وحتماً ستحفظ الذاكرة السياسية السودانية في تلافيفها قرار الفصل ذاك بصورته المهينة والممعنة في الازدراء من نظام شمولي, خاصةً أنه وُجِه لرجل ذو حسب ونسب وأرومة, ولعل الكثيرون يعدونه بمثابة أسوأ ما أصاب ناشط سياسي, تقلب في طموحه في فترة وجيزة, وصاغ في النظام الذي فصله درراً أذهلت حتى الذين أراقوا ماء وجوههم تقرباً وزلفي للنظام ذاته وسدنته.

    وبعدئذ قُدر للسيد مبارك أن يخوض آخر معاركه الخاسرة حينما إنفضت من حوله ذات الكوادر المجاهدة من صحبه الميامين (20 من جملة الـ 23 أعلاه) وإعتبروا أن (قرار الفصل يخصه وحده), ولعمري تلك من أغرب ما سجلته مضابط السياسية السودانية منذ أن أجري الله الكلم علي ألسنة ساستها, لقد نسى السيد مبارك في من وصفهم بالكوادر المجاهدة أن للنفس جهاداً لا يقوي عليه إلا المتجردون والراسخون في نكران الذات, ولهذا لم يكن غريباً أن يزايدوا عليه في ميدانه, فباعوه بثمن بخس, ولم يكن أمام رجل مهيض الجناح بعدئذٍ, طاحونة هواء يُصارعها!!

    الموبقات العشر:

    إذاً فقد نهض الخلاف الأخير بين السيدين من وسط تراث وافر في (أدب الخلافات), لكن الذي ميّزه عن مثيلاته, أنه استتبعته موشحات مدهشة في الخصومة وفجورها, وقد تعدي ذلك دائرة المسائل الشخصية والعائلية إلى اتهامات في قضايا تعد من صميم القضايا الوطنية والسياسية, وبتجاهل الإساءات الشخصية التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل, يكون الأمر عندئذ قد تعدي دائرة السيدين حقاً, وأصبح بقدر سواء يهم قواعد حزب الأمة بصفة خاصة, وجموع الشعب السوداني بصفة عامة, وذلك إبراء لذمة السيدين أولاً من أي استحقاقات وردت جراء التراشق بالاتهامات بينهما, وكذلك تبييضاً لصحيفة الحزب نفسه من الاستحقاقات التي سودتها ذات الاتهامات, ومن هذا وذاك نحن نتوخي أن يلعب الحزب دوراً ريادياً في تأصيل أدب الخلاف والاختلاف, فهو سنه جارية منذ أن خلق الله البرية وأمرها بعبادته, لكن المهم أن يؤدى إلى نتائج منطقية بعد معالجته بإسلوب حضاري وبإيجاد الحلول الشافية لكل القضايا التي أثيرت حوله, ونذكر غيضاً من فيض هذه الاستحقاقات التي تستوجب البيان والتبيين, وذلك علي سبيل المثال وليس الحصر:

    • أولاً: الخطاب المفتوح الذي نشره السيد مبارك الفاضل (الصحافة 5/5/2004) ووجهه للسيد الصادق المهدي, ألحقه بالوثيقة ذائعة الصيت التي رفعها له اللواء صلاح الدين مطر مدير إدارة الأمن الداخلي في الفترة الديمقراطية, وقد إستنكر فيها السيد الصادق احتمال حدوث انقلاب عسكري, وعليه ما يزال السيد الصادق المهدي مطالب بتقديم دفوعاته في هذا الأمر حتى يبرئ نفسه من المسؤولية التاريخية.
    • ثانياً: تحدث السيد الصادق المهدي في مؤتمر صحفي بداية المشكلة بعد تجميد عضوية السيد مبارك لمدة عام واتهمه بارتكاب عشر خطايا أدناها العمالة لأمريكا في تقديمه معلومات لقصف مصنع الشفاء العام 1998 وتلك من القضايا التي تاه في أضابيرها التجمع الوطني الديمقراطي, بغض النظر أن البعض اعتبرها صفعة لنظام سدر في غيه, وتمدد في غلوائه الإرهابية, فالسيد الصادق مطالب بتقديم ما يسند اتهامه, عملاً بالقاعدة القانونية البسيطة, البينة على من إدعي واليمين على من أنكر.
    • ثالثاً: اتهم السيد الصادق المهدي السيد مبارك الفاضل بعد إقامته مؤتمر سوبا بالعمالة للإنقاذ, وأنه قبض أموالاً من المؤتمر الوطني, وبما أنه لا يفيد الشاة كثيراً سلخها بعد ذبحها, فإن اتهام العمالة لا يفيد كثيراً وقد شارك المتهم في النظام, لكن كونه قبض أموالاً نظير مشاركته فإن السيد الصادق مطالب بتقديم ما يعضد اتهامه, فتلك الأموال وإن عبثت بها طغمة الإنقاذ فهي أموال دافعي الضرائب, وخيرات بلادهم التي ينبغي أن توجه لرفاهيتهم وتلبية احتياجاتهم الحياتية, وهذا النظام حتى وإن طالت سلامته, فلا بد أن يحمل يوماً علي آلة حدباء إلى مزبلة التاريخ, ويومئذ ستفتح الصحائف ولن يجف حبرها, حتى يعرف هذا الشعب المغلوب علي أمره أين ذهبت كل مليم من أمواله.
    • رابعاً: بالمقابل في الخطاب المفتوح نفسه قال السيد مبارك في سياق اتهاماته للسيد الصادق «لقد اعترفت زوجتك السيدة سارة الفاضل بأنك استلمت مليون دولار من الحكومة تعويضات عن عربات حزب الأمة» ثم مضي في فقرة أخري وقال: «قبل عودتك من منفاك الاختياري الأخير بالقاهرة في 2003 أرسلت ابنك عبد الرحمن إلي رئيس المؤتمر الوطني ليقول له: إن أبي يقول لك بأن بقائه في القاهرة ليس عوده إلي المنفي, و لا هو مرتبط بموقف سياسي, ولكنه بسبب العجز عن مواجهة الالتزامات المالية في السودان وأنه يسألك العون حتى يعود إلي السودان, وقد استجاب رئيس المؤتمر الوطني وسدد فاتورة العودة», ثم اتهام مالي أخير بتمويل الحكومة «لمؤتمر السقاي وسوبا». إذن نحن أمام اتهامات قبل أي شيء تنطوي علي جانب أخلاقي كبير, فالسيد مبارك مطالب بتقديم كل الوثائق التي تدين السيد الصادق في هذه الاتهامات, ولا أظنه سيعوزها فقد شارك في الحكومة التي دفعت, وبالنظر لظروف الخصومة فمن المؤكد بأنه سعي بكل جد وهمة للحصول علي هذه الوثائق, علي الرغم أن حلفائه الإنقاذيين آنذاك لن يجعلوه يجتهد كثيراً في الحصول عليها, فتلك من الفرص التي لن يدعوها تفوت للتشهير بالآخر, سيما إن كان الآخر المشار إليه قد شاركهم إحدى موبقاتهم. ولعل القول بأن الجزء الأول هو حق مستحق لن يخفف من وطأة الجانب الأخلاقي, فهل التعويض للحزب يتم بمعزل عن تعويض الشعب السوداني حريته المسلوبة وأمواله المنهوبة؟ وبما أن الشيء بالشيء يذكر, لعلنا جميعاً نسترجع الاستهجان الذي قوبلت به مسألة تعويضات آل المهدي بعد سقوط نظام نميري, رغم أنها دين مستحق, ويومها دخل حتى السيد الصادق نفسه في مأزق, خرج منه بتكوين لجنة قومية للنظر في المسألة.
    • خامساً: في الخطاب المفتوح أيضاَ قال السيد مبارك مخاطباً السيد الصادق «لقد خاب جهادك المدني, عندما كان النظام شمولياً معزولاً وجبهات القتال تحاصره من الجنوب والغرب والشرق». وسنتجاوز عمّا قاله عنه حول مصالحته نظام نميري الشمولي في العام 1977 بإغراء أنه سينال منصب رئيس الوزراء. وقد كان الجهاد المدني هو خيار السيد الصادق, وذلك بالطبع أمر يخصه بغض النظر إن أصاب فيه أو أخطأ, وقد قلنا يومها أنه أخطأ في تقديراته تلك, غير أن السيد مبارك كان يري غير ذلك, بل طفق يصوغ من الشعر أعذبه تغزلاً في الجهاد المدني, وأنبري يدحض أي رأي غير ذلك, وهو يعلم بأنه يدافع عن أمر لا طائل يُجني من وراءه, وعليه فإن السيد مبارك مطالب باعتذار مقرون بالأسف للشعب السوداني بصورة عامة, والتجمع الوطني بصورة خاصة علي كذب صريح لا يليق بسياسي في مقامه, وفي إضاعته عمراً للكري, فقد أكد أنه كان يعلم خيبة الجهاد المدني, في الوقت الذي كان يردد غير ذلك, بل كان مدافعاً عن باطلٍ - من وجهة نظره ـ ناهيك عن وجهة نظر الآخرين.

    في إطار الحزب:

    ويتداعى الدين المستحق أيضاً في إطار الحزب نفسه, فثمة مطلوبات ينبغي الإيفاء بها لكي تكتسب الخطوة مصداقيتها ومنها.
    • سادساً: هدد السيد مبارك السيد الصادق بأن لديه «أدق الأسرار وكافة الوثائق الدامغة» وزاد علي ذلك مرة أخري بالإبهام والغموض في قوله «في لقاءي المغلق معك بمنزل الأخ السر الكريل ذكرتك بما أعرفه عن علاقاتك الخارجية من أسرار في طيها أسرار, وقلت لك في نافلة قولي هل تريدني أن أرد عليك بما أعرف وما إطلعت عليه من خبايا وأسرار». وبغض النظر عن الإسقاطات الشخصية التي لا تهمنا كثيراً, لعل قواعد حزب الأمة من حقها أن تطالب السيد مبارك بنشر هذه الأسرار, وذلك حتى تطمئن لثقتها التي أولتها قيادتها, أي علي حد المثل الشعبي الدارج, هذه القواعد من حقها أن تعرف «إن كان تحت القبة فكي», فإما واصلت تقديم آيات الولاء وفروض السمع والطاعة, أو أنها صحت من ثباتها العميق وسحبت منها ثقتها, كما هو الحال في كل الديمقراطيات المحترمة, لكن ترك الأمر بتلك الصورة المبهمة, يجعل الباب مشرعاً لكل وسواس خناس قد يدفع البعض لأن يشطح في تخيلاته, وإلي حين أن يفصح السيد مبارك عمّا ادعي وإلي حين أن يُبرئ السيد الصادق ساحته من تلك الاتهامات الخطيرة, ينبغي أن تكون قيادته موضع نظر في أروقة الحزب والكيان معاً, وبالقدر نفسه بالنسبة لجموع الشعب السوداني كقيادي يناضل من أجل استعادة الديمقراطية, فنحن قد اهتدينا بديمقراطية وستمنستر Westminsterولكننا لم نهتد بتطبيقاتها, وقد رأينا حكومات تهاوت ووزراء فقدوا سلطاتهم في منبت تلك الديمقراطية, لمجرد أن قطة تعثرت في حديقة أحدهم, ولم يلها حقها من الرعاية والعناية.
    • سابعاً: قال السيد مبارك أن السيد الصادق قال في اجتماع مُصغر ضمهما والمرحوم صلاح عبد السلام والسيد عبد الرسول النور واللواء (م) فضل الله برمة والدكتور علي حسن تاج الدين وآخرين: «إن هذا حزبي أنا فمن يريد العمل فيه عليه أن يفهم ذلك ومن لا يريد فأمامه الشارع والمؤتمر الوطني», فإن كان السيد الصادق يعني ما قال تماماً فما عليه سوى إعلان ذلك علي الملأ, حتى تعرف جماهير حزب الأمة موقعها تماماً من الإعراب, إما كانت تلك زلة لسان أو كبوة فارس من جواده, فالأمر يستلزم إعتذاراً جرئياً طالما أنها نُشرت علي الملأ, لأننا نعتقد بأن السيد الصادق غير قمين بمثل تلك اللغة المنحوتة من قواميس الطغاة والديكتاتوريين, وفي واقع الأمر لم يعرف التاريخ السياسي الإنساني أن فرداً بعينه احتكر حزباً لنفسه, وبمثل هذا القول الذي جري علي عواهنه, قد يستذكر البعض منا شقاوة صباهم حينما تحتدم معركة مع أترابهم فينبري أحدهم متوعداً ومهدداً بقوله «الراجل فيكم يجي بشارعنا», وبفتوة الصبا هو لا يعلم أنه وأسرته لا يملكون سوى بضع أمتار معدودات في ذلك الشارع الذي زعم إمتلاكه!!
    • ثامناً: أومأ السيد مبارك أن للسيد الصادق يدٌ فيما حاق بالأمير عبد الرحمن نقد الله في قوله «ألغيت مناقشة التقرير وقلت بالحرف الواحد (أنا معي الجماهير إما أن تقبلوا ورقتي هذه وإما أن أحلكم وأنزل للجماهير والحشاش يملأ شبكتو), عندها إنسحب الأمير عبد الرحمن نقد الله شفاه الله مما ألمْ به واعتكف بمنزله لأن تقريره الذي سكب فيه عصارة جهد ثلاثة أشهر اختزل في وريقات من رئيس الحزب», ورغم التسليم بقضاء الله وقدره فيما حاق بالأمير نقد الله, إلا أن هذا يعد من أخطر الاتهامات التي تتطلب حيثيات تزيل ما يمكن أن يلتصق بالنفوس, ولعل سيرة الأمير نقد الله ونقاء سريرته وتاريخه الناصع قد جعل منه رجلاً قومياً تعدت قامته أطر الحزبية الضيقة.
    • تاسعاً: أين المؤسسية فيما كان يجري, علي سبيل المثال هل كان المكتب السياسي والقيادي ناهيك عن القاعدة يعلم شيئاً عما جاء في (رابعاً), وإن كان يعلم فما هي أوجه صرف تلك الأموال, وقد قلنا من قبل تلك إحدى معضلات النشاط الحزبي بصورة عامة, إذ تنعدم الشفافية تماماً, ولا تعرف كثير من القيادات والقواعد كيف تُسيّرنشاطات الحزب, ذلك ببساطة لأن منصب أمين المال هو المنصب الذي يظل شاغرا علي الدوام في أروقتها, وإن وجد فغالباً ما يكون المدعو أميناً للمال دون مال, ومع ذلك لم يعلن حزب يوماً إفلاسه, أو علّق آخر أنشطته نسبةً لظروف إعسار.
    • عاشراً: وأخيراً من جملة الأسئلة سالفة الذكر, لعل قواعد الحزب وجماهيره العريضة في توقٍ لأن تعلم إن كانت تلك المصالحة تمت علي أسس أسرية أم حزبية, لأن غياب بعض الوجوه في يوم المصالحة يؤكد أن إخراجها تم بعيداً عن المؤسسية في الحزب, وإن حدث ذلك فقد تكون خصماً علي آخرين, وحتى أن أسلمنا جدلا بأنها ليست كذلك, هلّ أقدم السيد مبارك عليها باعتباره رئيساً لما أسماه (الإصلاح والتجديد), أم باعتباره مبارك عبد الله الفاضل المهدي؟ وهل هناك فعلاً علي أرض الواقع جناحاً بهذا المسمي بعد أن تفرقوا شذراً مذراً وتركوه كالريشة في مهب الريح؟ وإن كان فما هو قوام الحزب بمعناه المعروف؟ وهل نوقشت الخطوة مسبقاً في المكتب السياسي والقيادي لحزب الأمة؟ كذلك نزعم أو نفترض أنهم في توق لأن يعرفوا ما إذا كان السيد مبارك تخلي عن مسلماته التي ساقها في إحدى بياناته ورهن فيه أي اتجاه للتوحد مع الحزب بخمس شروط أهمها « الفصل بين القيادة الدينية والسياسية, واعتماد مبدأ التطور والتجديد بانتقال المسؤولية لجيل الشباب وإعادة صياغة دور المخضرمين ومبدأ الإصلاح السياسي العام», وكذلك هل تخلي السيد الصادق عن شروطه حول «التوبة ونبذ الشمولية والاعتراف بالخطأ علناً». وتتوالي ذات أسئلة البدايات سالفة الذكر وتُلولب نفسها مرة أخري, وتدور كحجر الرحى بصريرٍ يصُم الآذان, في انتظار سميع أو مجيب

    مما لا شك فيه أن الخلاف برمته أزعج الوسط السياسي السوداني وكذلك قواعد حزب الأمة, وقد ساءهم جميعاً تراشق السيدين من خلال المنابر الإعلامية المختلفة, فبقدر الأطنان التي تدفقت فيها الخصومة سيولاً, نريد من السيدين أن يشنفوا آذاننا بأطنان مثلها من النقد والنقد الذاتي, تلك الفريضة الغائبة في الممارسة الحزبية السودانية, فإن فعلوا ذلك سيكون الحزب مثلاً يُحتذي في أدب الخلاف ومنهج المصالحات, وإن فعلوا ذلك سَمَوا في نفوسنا وازددنا احتراما لهم, وإن فعلوا ذلك وضعنا علي رؤوسهم أكاليل من ودٍ وتقديرٍ ومحبة. ذلك لأن الديمقراطية المرتجاة وهي تدق بعنف علي الأبواب نريدها مبرأة من كل عيب (لاشق ولا طق) أو كما قال طيب الله ثراه.
    .
    فيا أيها الثقلان, الحزب والكيان, ويا أيها الحادبون علي الحرية والديمقراطية والمؤسسية والشفافية تعالوا إلى كلمة سواء...!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

دعوة للشخصيات العامة و الاحزاب و المنظمات...الخ المشاركة فى العصيان المدنى للاعلان هنا مجانا

06-11-2007, 04:06 AM

Abomihyar
<aAbomihyar
تاريخ التسجيل: 03-19-2002
مجموع المشاركات: 2405

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

كيف احذف مداخلة من بوستى

Re: سيِّدان في عينْ العاصِفةِ /فتحي الضــو (Re: بكرى ابوبكر)

    فوق لمزيد من الأطلاع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

دعوة للشخصيات العامة و الاحزاب و المنظمات...الخ المشاركة فى العصيان المدنى للاعلان هنا مجانا

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de