|
|
Re: رحيل هدى سلطان صاحبة الصوت الذهبي (Re: غادة عبدالعزيز خالد)
|
إلى فرح الخلد، أيتها الجميلة، الرؤوم...
للحق، أول مرة ارى امي، تخرج من البيت، وما اندر ذلك، فالعمل في الدار البسيطة لا ينتهي، كي يبتدئ، تعوس، وتنظف، وتكنس، وتحب وتحب، ولكن مرة واحدة، خرجت امي من صومعتها، والتي تضفر بداخلها ألق الشخصية السودانية، الخاصة، والعصية التقليد، خرجت امي، ودخلت الشاشة البلورية، كمعجزة بسيطة، ففي قلب الام أكسير عظيم، دخلت، وغيرت القليل من شكلها، الكثير من سحرها، فكانت هدى سلطان...
كنا نحب ان تجري الكاميرا، لوججها، فقط، ولصوتها فقط، ولسمتها فقط، تتنافس بداخلها ملامح ثمان، كلا ينتصر، مباراة واحدة، وعشرات المنتصرين أنها اشتراكية الفوز، بمقدور قلب الأم أن يفعل أي شئ، كانت تزورنا، وتزوركم كل مساء، ضيف جميل، يغزو صوتها الحنون باحة الصدر، فتحس بثراء الحياة، وبأمومة مدخرة، وموزعة عبر الاثير، كان سمتها، كرائحة البخور، تتسلل من نافذة التلفزيون البسيط، والذي يعتلي طربيزة بسيطة هي الأخرى، ليدخل قلوب اكثر بساطة، لاسرة سودانية، وغيرها من بقاع الارض، اطفال، أثار العشاء لاتزال، وأب برد الشاي امامه، وأم ترى نفسها داخل الشاشة، وخارجها (كعادة الام في سطوة الاعجاز)، جزء من النسيج الخاص، كانت هدى سلطان مثل خالي دفع، وبخيت، وخالتي فاطمة، جزء من اسرة بسيطة تسكن ضفاف النيلا الازرق، يصطف حولها اهلي، كي تحكي لنا، بصوتها المؤثر النفاذ، كروحها...جميع اهل قريتي يعرفونها، فهي تزورهم يوميا، كأنها شمس المساء، وتفجع لمشاكلها، وتتحسس مشاكلهم، الطلاق، اكتظاظ الاسر، تمرد الابناء، كانت ام، وكنا خلف الشاشة اطفال...
كنا نرى في صوتها صوت الام، يتتداخل صوتها، احس به، وكأنه يأتي من الصالون او من البرندة، أو ناس الجيران... أهكذا التمثيل الاصيل، يخرج من الشاشة، كي يفترش البرش معنا....
بلورت مأساة الأم المستسلمة، الأم المتفانية، الأم الباسلة، جبل من هموم على عرش قلبها، انفلت الأولاد عن باحتها، أمرأة مسنة، هجرها الابناء لدنيا المدن، زوجة ابن شرشة الطباع، حقول تضررت بالامطار الرحيمة (والارحم في فتكها)، في ثلاثية نجيب محفوظ الرائعة، وكأنه استلهم النص منها، فهي القالب...
رحم الله امنا هدى سلطان... فهي الام المصرية التي كانت تزورنا في طفولتنا بانتظام، اكثر من كتثير من الجيران، وكنا نتعلق بها، لهالة ما، كانت تشع منها...
لم تمت، فالذاكرة ميلاد أخر..
|
|
 
|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |