|
|
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... (Re: سيف اليزل برعي البدوي)
|
أ. يوسف علي فرحات
نعيش في هذه الأيام أشهرَ الحج وهي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة على أرجح الأقوال ، وهي المشار إليها في قوله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:197] .
والحج ركن ركين في هذا الدين ، وفريضة عظيمة أوجبها الله سبحانه وتعالى على كل مسلم مكلف قادر على تكاليف السفر ويملك النفقة مرةً في العمر للحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :( خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ )
ففريضة الحج ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع المسلمين قاطبة إجماعاً قطعياً فمن أنكر فريضة الحج فقد كفر ومن أقر بها وتركها تهاوناً فهو على خطر ، لذا ذهب الجماهير من الفقهاء على أن الحج واجب على الفور وليس على التراخي ، فكيف يتراخى هذا الإنسان الذي يستطيع الحج ويؤخر أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه . وقد أخرج الإمام البيهقي في سننه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليمت يهودياً أو نصرانياً – قالها ثلاثاً – رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخُليت سبيله ) .
وهاهو موسم الحج يتكرر كل عام ولا يتقدم المسلمون نحو أي معنى من المعاني التي أرادها الشارع من فريضة الحج بل استمع إلى حديث أي عائد من الحج وستجد أنه لا يحكي إلا عن الذين داسوا على رجله والذين زاحموه حتى انكفأ على وجهه أو عن هذا الذي سرق نقوده أو انتظارهم الطويل على المعابر أو تأخر الحافلات أو عن الحافلات غير المكيفة وهكذا … تسمع حديثاً طويلاً عن السلبيات ، مع أن الذي يَسبُر غورَ هذه العبادة يجد فيها من المعاني العظيمة والحكم الرائعة الجليلة والأسرار البديعة ما يأخذ الألباب ويُدهش العقول ، ومن خلال التأمل في هذه الرحلة الإيمانية والفريضة الربانية يستطيع المرء أن يقف على مجموعة من الدروس والعبر ، والتي على رأسها :
( أن الحج مظهر من مظاهر التوحيد وكيف لا وقد بُني البيت من أجل هذا الغرض ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج:26]
وإبراهيم عليه السلام قد عرف في التاريخ بأنه رمز توحيد (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:67]
فالحاج منذ اللحظة الأولى لدخوله في هذا النسك وارتداءه لملابس الإحرام يعلن توحيده الخالص في أول كلمة يتلفظ بها : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك "
( إن الناس يتحولون في هذه الساحة إلى عباد الرحمن … إلى مساواة لا تتحقق في واقع الإنسانية إلا في هذا المكان … بل إن معنى المساواة في الحج أتم وأعمق ، فالحجاج يستبدلون زيهم الوطني بزي الحج الموحد ويصبحون جميعاً بمظهر واحد لا يتميز شرقيهم عن غربيهم ولا عربيهم عن عجميهم ، كلهم لبسوا لباساً واحداً وتوجهوا إلى رب واحد بدعاء واحد ، تراهم قد نسوا كل الهتافات الوطنية وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية ونكسوا كل الرايات العصبية ورفعوا راية واحدة هي راية لا إله إلا الله ، يطوفون حول بيت واحد مختلطة أجناسهم و ألوانهم ولغاتهم يؤدون نسكاً واحداً.
( لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون فريضة الحج جماعية ، إذ لو كانت فريضة فردية لصح لك أن تحج في محرم وصفر وربيع ورجب وشعبان ورمضان ، ولكن أن يُوقتَ الشارعُ يوماً معيناً وتجمعاً معيناً ومكاناً معيناً لكي يحشد هذا الحجيج الضخم ويقيم هذا الموسم العظيم فلا ينبغي أن يغيب عن نظرنا معنى الجماعية ومعنى الأمة ، لقد أراد الله سبحانه وتعالى لنا أن نكون أمة واحدة متعاونة متناصرة متآلفة متكاتفة كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وليس من المستغرب أن نستدل في هذا المقام على بحديث البخاري عن أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام) فمنذ مئات السنين وكلما رأى المسلمون وزغاً سارعوا إلى قتله ، لماذا ؟ أمن أجل أنه دويبة صغيرة ؟ كلا فإن الدواب الصغار كثيرة ولم نؤمر بقتلها ، أم من أجل أنه يلحق بالحشرات الضارة ؟ كلا فإن الحشرات الضارة لا تحصى ، إذاً من أجل ماذا ؟ من أجل أنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم عليه السلام ، ولأجل أنه عدو إبراهيم ، فهو عدو لكل مسلم وسيبقى المسلمون على ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فلا ود ولا محبة لأعداء الدين ولو كانوا حشرات صغيرة كالأوزاغ.
( إن رحلة الحج تذكر الإنسان برحلة اليوم الآخر بدءاً من التجرد من المخيط وارتداء ثياب الإحرام التي تشبه أكفان الموتى وقبل ذلك سفره عن الأوطان ووداعه لأهله وأبنائه وأقاربه ،والذي يذكره بسفره الأخير إلى دار الآخرة ، وكذلك الإنسان ينبغي أن يتذكر بزحمة الطواف والسعي والرمي ذلك الزحام الرهيب يوم الحشر يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، كذلك يتذكر بحرارة الشمس في مكة يوم تدنوا الشمس من العباد قدر ميل و يتذكر بالتعب والضنك والعرق المتصبب من جسده وأجساد الناس من حوله ذلك اليوم الرهيب والموقف المهول يوم يبلغ الناس في العرق مبلغاً عظيماً ، ولذا نرى أن القرآن الكريم قد ختم الحديث عن مناسك الحج في سورة البقرة بالتذكير بحشد الحشر الأكبر والذي يتجلى في أروع صوره يوم عرفه ، قال تعالى : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة:203]
الحج ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه، فرضه الله على القادرين من مكلفي المسلمين، في العمر مرة واحدة، وهو من مباني الإسلام ودعائمه الكبار، وقد ثبت وجوبه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: قال الله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}(آل عمران:97).
وفي صحيح مسلم من حديث عمر المشهور بحديث جبريل أو بحديث الدين، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: [يا محمد أخبرني عَنْ الإسلام؟ فقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّهِ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، قَالَ: صدقت]. وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ]. وفي روايات في غير الصحيحين، [وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا].
الحج مرة وهذا الحج كتبه الله على المسلم المكلف الحر المستطيع في العمر مرة واحدة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي المسند وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [خطبَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ كتبَ عليكمُ الحجَّ فقامَ الأقرعُ بنُ حابسٍ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ أفي كلِّ عامٍ؟ قال: لَو قلتُها لوجبَت، ولَو وجبَت لم تعملوا بِها ولن تستطيعوا أن تعملوا بِها، الحجُّ مرَّةً، فمَن زادَ فَهوَ تطوُّعٌ](حسنه ابن حجر والألباني، وصححه أحمد شاكر).
وقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة ونقل هذا الإجماع عدد من أئمة المسلمين.
المبادرة المبادرة وإذا كان الحج فريضة وركنا من أركان الإسلام، فينبغي على الإنسان أن يسارع بأدائه لأداء الركن وإسقاط الفرض، خصوصا وقد ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه وتعينه على الفور، واستدلوا بما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عبد لله بن عباس رضي الله عنهما قال: صلى الله عليه وسلم: [تعجَّلوا إلى الحجِّ - يعني الفريضةَ - فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له](وقد ضعفه جماعة، وحسنه الألباني في الإرواء وصحيح الجامع).
وقد بين عليه الصلاة والسلام بعض هذه العوارض التي قد تعرض للعبد فتصرفه عن الحج، وذلك فيما رواه ابن ماجه وحسنه ابن حجر والألباني وأحمد شاكر عن ابن عباس أيضا فقال: [من أراد الحجَّ فليَتَعجَّلْ؛ فإنه قد تَضِلُّ الضَّالةُ، ويَمرضُ المريضُ، وتكونُ الحاجةُ]. أنت اليوم قوي وعندك الوقت والمال وتستطيع أن تذهب، وأما غدا فلا تدري كيف يكون الحال، ثم إن الموت يأتي بغتة ولا يُدرى له موعد.
ومما يبعث على المسارعة بالحج ما رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله يقول: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد رواه البيهقي من رواية الحارث عن علي أيضا، ورواه أيضاً عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً].
قال الحافظ في التلخيص: "هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال العقيلي والدارقطني لا يصح فيه شيء. قلت (القائل ابن حجر): وله طرق. ثم ساق الحافظ طرقه عن أبي أمامة وعلي وأبي هريرة رضي الله عنهم. ثم قال: وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. لفظ سعيد، ولفظ البيهقي أن عمر قال: ليمت يهودياً أو نصرانياً ـ يقولها ثلاث مرات ـ رجل مات ولم يحج ووجد لذلك سعة وخليت سبيله. قلت (ابن حجر): وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحمله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع". انتهى كلام الحافظ.. هذا وقد حكم الشوكاني على الحديث بأنه حسن لغيره.
وقد تبين مما سبق أن الحديث حتى وإن لم يصح مرفوعا، فقد صح موقوفا عن عمر رضي الله عنه وهو من هو.
وعلى العموم فقد ندب القرآن الكريم والسنة المشرفة إلى المسارعة للخيرات، والمسابقة للطاعات، والتعجيل بأسباب دخول الجنات، فقال جل في علاه {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران:133)، وقال: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الحديد:21).
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: [بادِروا بالأعمالِ سبعًا هل تنتظِرونَ إلا إلى فَقرٍ مُنسٍ، أو غِنًى مُطغٍ، أو مرضٍ مُفسدٍ، أو هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أو موتٍ مُجهِزٍ، أو الدجَّالِ فشَرُّ غائبٍ يُنتَظَرُ، أو الساعةِ فالساعةُ أَدهَى وأمَرُّ](رواه الترمذي وقال حسن غريب). نسأل الله أن ييسر للمسلمين حج بيته الكريم، ويجعله لهم عتقا من النار.. آمين. من عظيم نعم الله على العبد أن يختاره من بين عباده ليتم عليه أركان دينه وفرائض شريعته بتيسير أسباب الحج أولا، فيجعله من أهل الاستطاعة، ثم بالتوفيق للسير ثانيا من بين من استطاعوا..
والحج ـ كما تعلمون ـ فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، أوجبه الله على المستطيع من الأمة، ووجوبه ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
أمر به الملك سبحانه عباده المؤمنين فقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، وحذر المتغافلين المتكاسلين المعرضين فقال: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}.. ونادى على الناس به إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: (أيها الناس أن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه)، وكان ذلك استجابة لأمر الله له: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، وهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: {إن الله كتب عليكم الحج فحجوا] متفق عليه.
ولعظيم فضل الحج وكبير شأنه رغَّب فيه الشرع ترغيبًا شديدًا، ودعا القادرين إليه دعاءً حثيثًا، ورتب عليه من الأجر والثواب شيئًا كبيرًا، وأجرأ كثيرًا.
فالحج من أفضل الأعمال: ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. وروى ابن حبان عن أبي هريرة أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أفضل الأعمال عند الله تعالى إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه ، وحج مبرور]. (وقد ضعفه الألباني).
والحج جهاد: كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة".
وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل الأعمال؛ أفلا نجاهد؟ قال: [لكن أفضل الجهاد حج مبرور]. رواه البخاري
وجاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إني جبان وإني ضعيف!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هَلُمَّ إلى جهاد لا شوكة فيه.. الحج]. [رواه ابن حبان ورجاله ثقات].
والحج مغفرة للذنوب: صغيرها وكبيرها، فهو يهدمها هدما، وينسفها نسفا، ويعيد صحيفة المسلم بيضاء نقية لا ذنب فيها: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: [من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه].
ولما أراد عمرو بن العاص أن يسلم اشترط لإسلامه أن يغفر الله له سابق ذنوبه؛ فقال له الرسول الأكرم: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟].(رواه مسلم) .. فالإسلام يهدم ما كان قبله من الكبائر والبلايا، والهجرة تهدم ما كان قبلها من المعاصي والرزايا، والحج يهدم ما كان قبله من الذنوب والخطايا.
والحج جزاؤه الجنة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة].
وفضائل الحج ومنافعه كثيرة يعجز الإنسان عن حصرها، ولو أراد الإنسان أن يتتبعها لأعياه ذلك، وأعجب العجب أن يكون هناك أناس أعطاهم الله عافية في أبدانهم وصحة في أجسامهم، ووهبهم سعة في أرزاقهم ثم لا يقصدون بيت الله للحج، ولا يؤمونه ليقضوا فريضة الله عليهم، لا يدري المرء إن كان ذلك خوف فقر، أو جمعا للمال، أو إيثارا لراحة البدن أو عدم شوق لهذه العبادة العظيمة والطاعة الجليلة، رغم أن من هؤلاء من يكثرون السفر إلى بلاد الشرق والغرب كل عام، فسبحان من قلوب العباد بين يديه يصرفها ويقلبها حيث يشاء.
إن أعظم النفقات نفقة المرء في حجه وهو كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة درهم، والله يضاعف لمن يشاء، وما ينفق في الحج يخلفه الله، فالنفقة على الحج سبيل غنى على عكس ما يظنه البعض، أخبر بذلك الصادق المصدوق في الحديث الصحيح: [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة]. فمن أراد الغنى فهذا سبيل من سبله وباب من أبوابه.
يهوديا أو نصرانيا: على أن مما يخاف على المتأخرين والمتكاسلين والمعرضين فوات الأعمار وانقطاع الآجال، فيموت المرء عاصيا لربه آثما بإعراضه وتركه، وربما زاد الخوف بما رواه ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: "من ملك زادا وراحلة ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا".
وبما رواه سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جـدة ولم يحج؛ فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين".
فهل بعد كل هذا الترغيب وذاك الترهيب يجد القادرون على الحج عذرا في عدم الحج أو في التكاسل عنه.
الخاتمة التعجيل: إن خاتمة الكلام هو حديث النبي عليه الصلاة والسلام يدعو كل مسلم قادر على الحج للمسارعة بأداء الفرض لإبراء الذمة، وأداء الواجب، ونفي المساءلة.. وذلك في حديث مسند أحمد عن ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: [تعجلوا الحج (يعني الفريضة) فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له].
فبادر الحـجَّ؛ فالفُـرَصُ فـوّاتـة، والعمر ينقضي، والأحوال قُلَّب. وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم- قال: [من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة][رواه أحمد وهو صحيح].
اللهم ارزقنا حج بيتك الكريم، واجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا.. آمين.
|
|
 
|
|
|
|
|
| العنوان |
الكاتب |
Date |
*اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 06-29-22, 10:57 AM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-01-22, 02:14 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-02-22, 12:06 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-03-22, 07:16 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-04-22, 01:14 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-05-22, 06:45 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-06-22, 02:18 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-07-22, 03:21 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-09-22, 10:43 PM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | عثمان حسن عبد الله الحاج | 07-10-22, 08:21 AM |
Re: *اعظم وأفضل ايام الدنيا*عشر ذي الحجة... | سيف اليزل برعي البدوي | 07-11-22, 02:19 AM |
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |