من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين)..

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-09-2026, 03:34 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف الربع الأول للعام 2007م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-21-2007, 05:08 AM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. (Re: Yaho_Zato)


    العنف وتزييف الديموقراطية

    هنا نأتي للصور الشوهاء المضمنة في الفلسفة الماركسية لتصور العمل الثوري، وانعكاساتها النظرية والعملية في ممارسات اليسارالماركسي السوداني.. يواصل الأستاذ محمود محمد طه حديثه أعلاه في تناول نقاط ماركس، فيقول: "نقطته الرابعة بتاعة: (العنف ، والقوة، هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير أساسي في المجتمع).. نقطته الخامسة بتاعة (دكتاتورية البروليتاريا).. دي نقط كلها فيها ضعف.. وهي مما يمكنك أن تقول أنها مما وضع في ميزان سيئاته.. الموضوع وما فيه أنه هو ما بشوف، للخلف ولا للأمام، الوضع كله.. هناك في تطور جايي من الماضي ماشي للمستقبل بقوة، يمكنك أن تقول عنها أنها قوة صماء.. هذا التطور ماشي للإنسان.. الإنسان هو قمة التطور وليس للتطور في هذا المضمار نهاية.. هذا الإنسان ما عنده إرادة مستقلة، وإنما هو ماشي لمصير محتوم.. حتى فهم الإنسان لهذا المصير المحتوم، وحتى علمه، أو فلسفته إنما تعطيه إياها حركات المادة المتطورة وفق قوانين معينة.. نحن في الماضي طلعنا من الماء، ثم من الغابة.. نحن البشر كنا بنعيش عيشة الحيوانات المائية في الماء، والحيوانات الوحشية في الأحراش.. والحيوانات، بطبيعة الحال، قانونها قانون الغابة حيث القوي منها بيأكل الضعيف [.......]..عندنا العبارة المعروفة: (من غلب سلب) والمجتمع المتخلف حقوقه هي دائماً حقوق القوي.. القوي عندو حق لأنه قوي.. وهو بتقاضى بنفسه الحق بتاعو.. ما هو عاوز محاكم عشان ما تديهو حقه دا.. لكن هل السمة دي من سمات المجتمع هي ملازمة للمجتمع في المستقبل أم هل هي مرحلة؟؟ أنا أفتكر أن كارل ماركس، في جميع نقطه التي أسس عليها اشتراكيته العلمية، قد حجب عن كونها مرحلية، واتخذها كالمستديمة، وبنى عليها دراسة مستقبل التطور.. وهذا هو مكان الخطأ في فكره.. أما إن كانت دراسة لماضي التاريخ فإنها صحيحة.. ويمكنك أن تضعها في ميزان الحسنات.. لكن الماضي كونه ينسحب على المستقبل دا ما هو صحيح [.......].. أنا أحب أن يكون في تفريق في عبارته.. هو قال: (العنف و القوة) ضروريتان.. أما نحن فعندنا أن القوة ضرورية، لكن العنف ما ضروري.. أنا أفتكر أن ثورة أكتوبر تدينا مثل في ذلك.. نحن في ثورة أكتوبر كنا قويين لكن ما كنا عنيفين.. القوة جاية من وحدة صفنا، حتى الإنسان الكان يمكن أن يكون عنيف ما استطاع أن يكون عنيفا.. فالقلة كانت بتملك السلاح، وكان يمكن أن توجهه ضد الشعب.. ولكن قوة الشعب أضعفتهم، وذهبت بعنفهم.. فإذا كان نحن ميزنا بين العنف والقوة، أنا أفتكر الطريق ينفتح قدامنا للتطور البشري الحقيقي.. فإن القوة ضرورية ولكن العنف ما ضروري.. بل الحقيقة، لدى الفكر الصحيح، العنف من دلائل الضعف، عند العنيف، وليس من دلائل القوة.. وأنت دي بتباشرها في الحياة اليومية، فالإنسان الواثق من نفسه قل أن يلجأ للعنف.. وأما الإنسان الضعيف فمن أول الكلام، من أول المحاججة، من أول النقاش، بتلقاه نفَسه قام، و زعل، كأنه بقول ليك ما تتكلم تاني معاي.. فالعنف إنما هو حماية لنفسه، أو ستر لضعفه.. وما من ديكتاتور بطش بالناس إلا لأنه خائف [.......].. العنف كان سمة تاريخنا في الماضي.. القوة راح تكون سمة تطورنا في المستقبل.. أنا أعتقد أن كارل ماركس ما كان عنده خيال كافي عن المستقبل.. في نقص في فكرته عن المستقبل.. لقد كانت نظرته عملية، وكان يخاف من الخيال، ويتبرأ منه، بالصورة التي تركته يحاول أن يزحف على كل الأرض، بدون ما يكون عنده خيال واضح هو ماشي لي وين.. اللهم إلا خيالا ً يستخلصه من الماضي.. ودا هو أساس الضعف في جميع مسائله [.......].. هنا يقع وضع ماركس في الخطأ الكبير جداً، اللي هو ديمقراطية الطبقة المستغَلة، الطبقة العاملة.. أو ما أسماه باتحاد العمال، والمزارعين، والمثقفين الوطنيين.. دي فيها تزييف للديمقراطية مؤسف.. لأنه، بطيبعة الحال، الديمقراطية هي أن تختار.. يمكنك أن تقول، من الناحية دي، الديمقراطية هي أن تمارس أنت حق الاختيار.. لأن حق الاختيار يديك فرصة إنك أنت بتوزن، وبتقدر بنفسك، وبتفكر.. حق الاختيار، أقل مراحله، أن تختار أنت بين إثنين.. إذا كان عندنا في حزبين، منهم مرشحين بتنافسوا، مثلا ً، على الرئاسة، أنا وأنت بنمشي ندلي بأصواتنا بين زيد وعبيد.. نحن في المستوى دا ديمقراطيين.. لكن إذا كان في عندنا رجل واحد بترشح للرئاسة، وناس معينين بترشحو للنيابة، نحن ممكن نمشي، وممكن نصوت، لكن، رغم ذلك، فإن الوضع ما هو ديمقراطي.. الوضع تزييف للديمقراطية.. وتسميته بالديمقراطية من أكبر الأخطاء التي تورطت فيها الماركسية.. دي، وما يتبع من مسائل يمكن أن نرجع ليها هسع، هي ثمرة الوضع عند كارل ماركس.. كون الفرد البشري ما عنده قيمة، إذا ما قورن بالمجتمع، دي جاية من التفكير المادي نفسه.. التفكير المادي بقول إنو المادة سابقة على العقل في الوجود.. يعني المادة أكرم من العقل.. لاحظ أن النقطة دي هي الانبنى عليها كثير جداً.. كون العقل نتيجة للمادة دا معناهو أن المادة أكرم ما في الوجود.. المادة أكرم من العقل.. وهذا التفضيل ينسحب على الفرد.. المجتمع أهم من الفرد.. وتنسحب على مسألة الحرية الفردية.. وتجي معاها مسألة القطيع - مسألة الجماعة- ففي الماركسية الجماعة أهم من الفرد.. الحكاية بسيطة، و جات من ملابسات أنا أفتكر أنها سطحية جدا.. زي التفسير بتاع التاريخ بالصورة دي، السطحية فيها بطبيعة الحال موجودة.. إن الفرد البشري بطبيعته أناني، وهو، بطبيعته الثانية، أناني جاهل، لأنه نشأ، وارتفع، من الحيوانية البدائية المعروفة.. الحيوان ما عنده اعتبار لغيره، وهذا أمر معروف.. ثم إننا نحن عندما دخلنا في المجتمع لنبقى ناس كان على المجتمع أن يروضنا، من شراسة الحيوان إلى انسية الإنسان، و لذلك ألقى المجتمع البدائي على الفرد البشري تكاليف كبيرة، إلى الحدود التي جعلت الفرد البشري يضحى بيهو في سبيل الجماعة.. التضحية بالفرد البشري في سبيل الجماعة في الأديان كلها معروفة.. حتى في ديننا نحن.. القصة البتجي عن سيدنا إبراهيم لما فرض عليهو أن يضحي بإسماعيل ما جاية من الهواء، إنما جاية من ملابسات في المجتمع الماضي الحاجة فيها ماسة.. وإبراهيم ما تردد في التنفيذ.. لكن في اللحظة ديك ربنا فداه بالحيوان.. فانتقل البشر للضحية بالحيوان، بعد أن كان يضحي بالبشر.. مسألة عروس النيل، في مصر، المشهورة في أيام عمر بن الخطاب!! [.......].. هذه كلها صورة قديمة من صور التضحية بالفرد البشري.. وفي إخضاع الفرد للجماعة بهذه الصورة العنيفة فائدة للفرد وفائدة للجماعة.. فأما فائدة الجماعة فواضحة، وأما فائدة الفرد فتجي من إنو العنف بيعينه على السيطرة على نفسه بدواعي الخوف من غضب الآلهة وغضب الجماعة حين يخالف القوانين.. وبسبب هذه التربية الطويلة تحت ظل الخوف أصبحت بتلقى الفرد البشري إذا ما خاف سيكون نشاطه ضد الجماعة، ومن هنا أصبح قائماً في ذهن المفكرين أن الجماعة أهم منه وهو من أجلها يمكن أن تهدر حريته.. فالجماعة كالدولاب الكبير، كله أسنان، وما الفرد إلا سنة واحدة من هذه الأسنان، فإذا انترمت هذه السنة فإن الدولاب سيستمر يتحرك.. إهدار حرية الفرد في سبيل أمن الجماعة جاي من الاعتبار القائل إنو العقل جاي بعد المادة فهي من ثم أهم منه.. فما قرره كارل ماركس، في هذا الباب، عن ماضي التاريخ، فهو صحيح.. ولكن، في مستقبل التاريخ، هل الفرد البشري لازم ليه، ولا بد ليه، أن يكون أناني، وباستمرار؟؟ أم هو ماشي ليوعى وبالمستوى الذي يجد بيه سعادته في إسعاد الآخرين؟؟ ويرتفع من أنانية حيوانية سفلى، إلى أنانية إنسانية عليا، ومتفهمة، وعالمةً؟؟ وعندنا نحن لما قال (يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة) هل نفى الأنانية على إطلاقها أم نفى الأنانية الجاهلة فقط، والأنانية العالمة موجودة حتى في هذا الإيثار؟؟ كل البشر عندهم أنانيتهم طبعاً، ولكن ليتعلموا، ويترقوا، لا بد أن ترتفع أنانيتهم من أن يكون الحطام هو جزاهم إلى أن يكون جزاهم أرفع من ذلك، اللى هو مرضاة الله، والقرب منه، والسعادة البلقاها في برد راحته بمعرفته بالله.. (الخلق عيال الله! فأحبهم إلى الله، أنفعهم لعياله).. ولذلك قال تعالى (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).. ففي أصل المجتمع إنو ماشي يصل للأنانية الراقية، لكنو في الماضي خاصة كانت أنانيته حيوانية وضيقة.. فكارل ماركس بنى على الماضي، وسحبه على المستقبل، ولذلك أخطأ هنا كما أخطأ في النقط السابقة"..

    تجب الإشارة هنا إلى أن الأستاذ محمود قد علق في فقرة سابقة من محاضرته هذه على معلومة أن مفهوم "دكتاتورية البروليتاريا"، وتطبيقاته، هو مفهوم أضافه لينين لقواعد الماركسية، ولكن احتواء الماركسية على هذا المفهوم يكمن في أن أسسه قائمة في الفهم الماركسي قبل لينين، وما فعله لينين هو أنه أبرز هذا الفهم وبوبه بصورة رسمية في المضمون الماركسي.. هذا لا يعني أن ماركس لم يذكر هذا المفهوم قط في حياته، فهو قد قال في رسالته "نقد برنامج غوتا" (Critique of the Gotha Program) في العام 1875: "بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي هناك فترة من التمرحل الثوري من صورة مجتمعية لأخرى. استجابة لهذا، هناك أيضا مرحلة سياسية انتقالية لن تكون فيها الدولة غير الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا" (ترجمة الكاتب).. من المهم جدا الانتباه لتفاصيل هذا الأمر، فالكثير من الشيوعيين اليوم يحاولون نسب هذا المفهوم للينين، كخطوة للتملص منه عن طريق البراءة من اللينينية، وهذا تكتيك فكري بائس، ويفتقد للشجاعة الأدبية.. ماركس لم يكن ينظر في مفهوم الدولة- حتى الديمقراطية- غير وسيلة تسيطر بها الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على بقية الطبقات، كما أنه كان يرفض فكرة تنظيم عمالي شامل، يجتمع فيه العمال لتدبر مصالحهم بكافة مشاربهم الأيديولوجية، ولينين لم يفعل هنا سوى أنه تشرب هذه الأفكار الماركسية، ومن ثم عرضها بصورة مبوبة وواضحة في سياسة الدعوة لديكتاتورية البروليتاريا.. قد يقول البعض أن ماركس كان يؤيد العمل في داخل اطار القانون الديمقراطي للدولة للوصول لأهدافه الثورية، ولكن كيف يكون ديمقراطيا من يدعو للعمل في الاطار الديمقراطي من أجل الوصول لديكتاتورية، وإن كانت "ديكتاتورية البروليتاريا"؟

    الديمقراطية فقدت معناها عند ماركس، لا لأنه لم يعيها، ولكن لأنه لم يتعرض لنموذج لها إلا من خلال التاريخ، والتاريخ لم تكن فيه ديموقراطية حقة في يوم من الأيام، في أثينا أو غيرها، عند النظر الدقيق، ولكن الفكرة الديمقراطية هي فكرة تطورت تاريخيا بفضل العمل التخيلي المستمر للإنسان من أجل واقع أفضل في المستقبل، استنادا على قوانين ومظاهر من تجربته السابقة، ولكن بدون التمترس خلف هذه القوانين والمظاهر بشكل مطبق.. لهذا ذكر الأستاذ محمود أن المشكل الرئيسي في ديالكتيك ماركس أنه يبني قواعده على قوانين حركة التاريخ دون السماح لمعادلات جديدة في التولد من رحم هذه الحركة (بعكس ديالكتيك هيغل)، رغم أن حركة التاريخ نفسها تفيد بان الخيال وإمكانية دخول معادلات جديدة في هذه الحركة هما عاملان أساسيان من عوامل معادلة التطور عبر التاريخ! والديمقراطية أيضا فقدت معناها عند ماركس لأنها مرتبطة أساسا بحق الفرد في المجتمع، وعند ماركس فإن المجتمع مقدم على الفرد تماما بشكل ليس منه فكاك، وفي هذا لم يفطن ماركس، في تحليله التاريخي، إلى أن الأفراد هم مخترعي المجتمع، وليس العكس، وهم قد اخترعوه ليستفيدوا منه، لا ليصبحوا مستعبدين له يد الدهر.. المجتمع عبارة عن "هدنة" يتواضع عليها أفراده، وبمقتضاها يتنازلون عن جزء من حرياتهم الشخصية في سبيل وضع نظام يحكم علاقاتهم ببعضهم في حيز زمكاني معين، وبذلك يستطيعون الاستفادة من فوائد هذه الهدنة في صور توفير الحماية وتخفيف أعباء الصراع من أجل حاجات وغرائز الجسد، من مأكل ومأوى وجنس (وللغريزة الجنسية- والغيرة الجنسية- أهمية قصوى في تنظيم المجتمعات، وقد أغفلتها الماركسية إغفالا دالا على قصور الرؤية [15])، وأيضا التمتع دون خوف بما تبقى من حرية لا يعارضها تنظيم المجتمع، وهي حرية تطورت وما زالت تتطور تدريجيا نحو السعة، في سبيل السعي المتواصل للمزيد منها دون المساس بحقوق الآخرين في المجتمع (وهذه هي المعادلة التي أعيت الفلسفات الاجتماعية عبر الأزمان: كيف التوفيق بين حرية الفرد وحاجة بقاء المجتمع)، من هذه البداية المنطقية لأسباب ظهور المجتمع (حتى من مرحلة الحيوانات الاجتماعية، كتطور على مرحلة الحيوانات ذات السعي الفردي)، أصبح التاريخ فيما بعد عبارة عن علاقة ديالكتيكية بين الفرد والمجتمع، يؤثر كلاهما فيها بالآخر ويتأثر به، في تطور مستمر، لم يزل.. والديموقراطية تعنى أساسا بمدى حرية الفرد في المجتمع، وعند ماركس لا توجد حرية جوهرية للفرد في اطار المجتمع، لأن الكائن البشري عنده كائن مجتمعي في جوهره [16].. طريقة ماركس في التفكير المجتمعي، باختصار، تحمل في طياتها نفس مساوئ تغريب الإنسان التي عابها على المجتمع الطبقي ومفهوم الدين (ولهذه عودة)..

    أما عن تصور ماركس لضرورة "العنف الثوري"، وليس "القوة الثورية" فقط، فإن من سبيل العبث إنكاره، ومن سبيل العبث أيضا إنكار أن حركة التاريخ قد تجاوزته فعليا، وبأمثلة ناصعة من ثورة أكتوبر عندنا في السودان، ومن ثورة الشعب الهندي، بزعامة غاندي ومن حوله في حركة الساتياغراها، على الاستعمار البريطاني (وفي جنوب أفريقيا أيضا قبل ذلك)، ومن ثورة الشعب الأمريكي الأسود بزعامة أمثال روزا باركس ومارتن لوثر كنج في أمريكا الشمالية، ومن ثورة سود جنوب أفريقيا بقيادات من نوعية ستيف بيكو ونيلسون مانديلا وديسموند توتو (ورغم أن العنف لم يكن ملغيا تماما بعد في هذه الثورات، على تفاوته بينها، نظريا وفعليا، إلا أن تأثيره كان ثانويا، وكانت محصلة الانتصار من نصيب مجهود النضال السياسي المستمد قوته من التوحد شعبيا والمستغني عن العنف).. لقد خلقت الحركة الثورية الإنسانية في المجتمع أساليب جديدة وفعالة، غير القديمة، في سبل النضال من أجل حقوقها، باستنادها على إرث إنساني طويل من التعامل مع خيارات العنف واللاعنف..

    وبعد هذا، نأتي لانعكاسات هذه المفاهيم الماركسية المختلة على واقع الحركة الماركسية السودانية، بمتابعة صور من النقد الذاتي عند المنسوبين، تنظيميا أو فكريا، للحزب الشيوعي السوداني والماركسية، وردت في مجلة "قضايا سودانية" سالفة الذكر، وسنحاول عدم تكرير بعض الاستشهادات السابقة في هذه الورقة من المجلة المعنية والتي تصب في نفس مجرى ما نريد تناوله في هذه النقطة، ولكن نتوقع أن يربط القارئ بينها، إذ أن الربط بينهما يسير وواضح، دون الحاجة للتكرار..

    في صفحة 6 من المجلة، يرد تلخيصا لمقال في العدد الأول للدكتور محمد مراد، عن أسباب انهيار المعسكر الاشتراكي، وأنها تلخصت في "غياب الديمقراطية كمنهج وأسلوب في الحكم وغياب الحرية واغتراب الجماهير"، وقد أشار فيه أيضا لأن بعض المفكرين والعلماء السوفيت "كانوا يدافعون عن القيم الرأسمالية وينظرون لمقدرة الرأسمالية على البقاء والتطور من منطلق التفكير السياسي الجديد والبروسترويكا"، كما أشار إلى مثال لكتاب آخرين في المعسكر الاشتراكي كانوا يتحدثون عن اضمحلال الطبقة العاملة، ويبشرون باشتراكية جديدة وأحزاب جديدة وتحالف مع الاشتراكية الديمقراطية.. في صفحة 9، بتلخيص لمقال نشر في العدد الثاني بعنوان "حول آفاق جديدة للاشتراكية"، من "عدد من الزملاء المقيمين ببولندا"، يدعون فيه- بعد الدعوة لتجاوز اللينينية لأنها "تناقض الماركسية"- إلى الوصول لنظرية ثورية جديدة، وأن ذلك "يستوجب الاستعانة بكل الوسائل والمناهج العلمية المتنورة في جميع العلوم، والانفتاح على التيارات اليسارية الأخرى، وتربية كادر علمي نقدي في الحزب".. يرد أيضا اقتراح "تغييرات في بنية الحزب التنظيمية تكفل تحوله إلى حزب جماهيري، كتقليص المركزية. وأن يكون أساس الانضمام للحزب هو قبول البرنامج وليس الأيدلوجية. والاعتراف بالتعددية الأيدلوجية داخل الحزب".. في صفحة 10، في تلخيص لحوار ورد مع الأستاذ يحيى صلاح الدين، أحد الباحثين في التاريخ السوداني، في العدد الثالث بعنوان "الموروث كرافد لنظرية الثورة السودانية"، يشير إلى تزايد اهتمام الحزب الشيوعي والحركة الثورية بقضايا التراث السوداني وجذوره، وارتفاع رايات العودة للجذور لاستنباط نظرية ثورية من واقع التراث السوداني.. في صفحة 15، في تلخيص لمقال لكاتبته "الزميلة نهى" بعنوان "لماذا انحسر وضع حزبنا الشيوعي رغم تضحياتنا"، تشير فيه إلى صور الجمود والتسلط في الحزب، وإلى أن "ظروف العمل السري في ظل الدكتاتوريات المتعاقبة قد نتج عنها انغلاق الحزب وانكماشه"، وتشير فيه أيضا إلى تقصير الحزب في نقد الفكر السلفي الديني وإهماله التركيز على الجانب الثوري في الإسلام، وأنه رغم ذلك لم ينقذ هذا الأمر الشيوعيين من تهمة الإلحاد (ولنا لهذه عودة)، كما ذكرت فيه أن مساهمة الحزب في دعم النقابات في إضراباتها المتعاقبة ساهم في إضعاف التجربة الديمقراطية الأخيرة (وهنا يمكن أن نشير إلى كتيب قديم للجمهوريين، بعنوانه الذي يلخص المشكلة التكتيكية التي لم تفطن لها النقابات ولا الحزب الشيوعي في حينها، وعنوانه هو "هذا لا يكون!! ما يتعلق بأمن البلاد أتقرره النقابات؟! هذا لا يكون أبدا!!"، يونيو 1981).. في صفحة 17، تلخيص لمقال للدكتور فاروق محمد إبراهيم في العدد الرابع، يدعو فيه لقيام حزب ديمقراطي جديد، وينتقد فيه قيادة الحزب الشيوعي ويقول أن "أصولية الترابي والأخوان في السودان، هي رد فعل مباشر لأصولية عبد الخالق والحزب الشيوعي"، ويذكر فيه أيضا خطأ القناعة بأن الطبقة العاملة هي الرسول التاريخي الذي يحرر البشرية، كما أن عقيدة الاستقطاب الطبقي لا الثقافي لا تجد سندا في الواقع السوداني الراهن (ولنا هنا أن نتسائل.. هل شاركت الطبقة العاملة، إلى اليوم، مشاركة حقيقية وأصيلة في مشاريع الأحزاب الشيوعية، وهي التي تسمي نفسها "أحزاب الطبقة العاملة"؟)، وأشار أيضا إلى الصراعات الشخصية داخل الحزب مما أدى للانقسامات وعادات الاغتيال الشخصي.. في صفحة 22، يرد تلخيص لمقال لكاتبه "جون" بعنوان "نظرية جديدة للثورة السودانية"، ورد في العدد الخامس، يشير فيه إلى مقال د. فاروق إبراهيم في العدد السابق، ويشير فيه أيضا لوثيقة "الشيوعي 157" التي تقول أن "لا أمل للحزب في ظل نظريته وبرنامجه وبنيته التنظيمية وتوجهاته الاجتماعية والسياسية وأساليب عمله الحالية" (فماذا تبقى؟)، كما ذكر فيه أن ماركس "لم يجزم بأن نظريته هي نهاية العلم والمعرفة"، ثم يقول أنه يجب عموما الاعتراف بدور الطبقات والفئات الأخرى في الثورة، وأن نتوصل إلى "نظرية بديلة" تسمح بذلك.. في صفحة 25، نجد فرع الحزب الشيوعي ببولندا يعلن تأييده لوثيقة "الشيوعي 157"، ويصفها بأنها "تقدم طرحا متكاملا لأزمة الماركسية، ولأثر منهج الجمود في الحزب الشيوعي السوداني، وأنها تحاول أن تفسر هاتين الظاهرتين بصورة علمية، وبأمثلة من الواقع، وتخلص إلى تصور متكامل لخروج من الأزمة" (تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الوثيقة من كتابة الأستاذ الخاتم عدلان، بحسب ما ذكر حيدر الجاك، في صفحة 32، ولم يرد أي تصحيح أو اعتراض على هذه المعلومة في المجلة).. في صفحة 29، تلخيص لمقال بعنوان "الماركسية والدين" لكاتبه "جون" في العدد السادس، وهو عبارة عن مواصلة لمقاله السابق في العدد الخامس، "ولا يظن الزميل جون، إن أحدا منا، ينكر عمق الدين في وجدان الشعب السوداني في التاريخ البعيد والقريب والحاضر. إن الدين كان العنصر الرئيسي الذي وحد كيان السودان، على الرغم من عناصر الشتات الكثيرة أيام المهدي. وأنه كان أحد العناصر الرئيسية التي استخدمتها الجبهة الإسلامية في القفز للسلطة. كما كان دائما وأبدا العنصر السلبي الذي استخدمه أعداء الحزب طوال ما يقارب الخمسين عام الماضية في محاربته. لقد كانت معالجتنا لهذه القضية تهتم بالمظهر وليس الجوهر، وما وصلت إلى مستوى الاعتراف بأثر الدين في حياة الشعب، واعتباره جزءا أصيلا من تراثه. ومن الناحية الفلسفية، نجد المنتمي للدين الإسلامي، يؤمن بموضوعية الأشياء، وتطورها نتيجة لقوانين وأسباب محددة. فهو يؤمن بقانون السببية وبكل القوانين العلمية. بل إن الدين يدعو إلى العلم بمعناه العام، وإلى إعمار الأرض، والسعي والعمل. وساهمت الحضارة الإسلامية في إخراج أوربا من ظلمات العصور الوسطى. وقد قادت المكتشفات العلمية الجديدة إلى إثبات أن الأساس الذي قامت عليه النظرية المادية قد اهتز، وبالتالي يجب علينا أن نراجع هذا الأساس على ضوء ما استجد من العلم. وهو ما يدعونا إليه الفكر الماركسي أصلا، قبل انغلاقه وتجمده. وتبقى الحقيقة نسبيا صحيحة حسب معطيات واقع الحال" (اقتبسنا هذا الحديث الطويل بعض الشيء لاعتبار شهادة كاتبه، رغم مابه من إقحام للماركسية في الدعوة لمراجعة النظرية المادية)، وختاما ذكر بان الماركسية منهج وليست عقيدة جامدة (؟).. في صفحة 31، نجد تلخيص مقال من العدد السابع للدكتورة فاطمة بابكر، تقول فيه تحت فقرة بعنوان "في نقد الماركسية والمعسكر الاشتراكي" أن الانتقادات السابقة من مفكرين غربيين للمعسكر الاشتراكي لم تكن كلها من مواقف عدائية، والكثير منها كان صائبا ومفيدا، مثل غياب الديمقراطية في المعسكر الاشتراكي، وصفوية الحزب الشيوعي والطبقة الجديدة (والدكتور فاطمة لها مساهمة في نقد الجمود الماركسي تجاه قضية المرأة، في كتابها "المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة").. في الصفحتين 31 و32، للكاتب محمد، "يعتقد محمد أننا كحزب نقف في مفترق الطرق نظريا وأيدلوجيا. ومن ثم فنحن نمر بأزمة لا تفيد معها محاولات التهوين والتقليل من شأنها. فالماركسية بعد الانهيار أصبحت مهزوزة وغير عصرية. ولكن السؤال الذي أتت به الماركسية ما زال مطروحا..... كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان" (وهنا نتسائل.. هل الماركسية هي من أتت بهذا السؤال، أم أنه مطروح منذ بدايات التاريخ؟).. في صفحة 40، يعود الكاتب "جون" في العدد التاسع، ويلخص فيه أفكاره السابقة "التي أكدتها، حسب تقديره، المساهمات الأخرى، وفحواها أن أساس مشكلة الانهيار، هو النظر للماركسية لا كمنهج علمي للبحث عن الحقيقة، وإنما كنظرية متكاملة لديها علم الماضي والحاضر والمستقبل" (هنا تأكيد لما أشرنا له في بداية هذه الورقة في المحاولة المتكررة للماركسيين للخروج من أزمتهم الفكرية بزعم أن الماركسية هي منهج وليست نظرية متكاملة)، ويقول أيضا "كما من الصعب الجزم بصحة نتائج تطبيق المنهج المادي الجدلي بشكل قاطع، لا نسبي، في حال العلوم الإنسانية. ويؤكد الزميل أنه لا وجود لتفكير مثالي صرف حتى في الدين. وقد ساهم في هذا الاتجاه الأستاذ حسين مروة في "النزعات....". ومن ناحية أخرى، فإن الماركسية قد أثبتت الكثير من النزعات المثالية خصوصا في موضوع الحتمية التاريخية. ولذلك يعتقد الزميل جون، أن التخلي عن الجانب المادي في الماركسية، سيرفع من قوة جذبها. وبذلك تتوافق مع الدين في الدعوة للفضيلة والحق والمساواة" (!)، وفي نهاية التلخيص "ينتقل الزميل للرد على تساؤل: هل يعني هذا أننا نرفض كل التجربة الماضية للحزب؟ وللرد على هذا التساؤل لم يجد الزميل أفضل مما أورده الشيوعي 157 تحت عنوان "لمحات من سيرة الحزب"، فاقتطفه في مقاله، وهو عموما يثبت أن للحزب تراثا نضاليا يفخر ويعتز به الشيوعيون".. بطبيعة الحال لا ننسى هنا الإشارة العامة إلى صورة التبرؤ الشديد من الستالينية، لدرجة تصويرها على أنها لا تمت للماركسية بصلة، تبعا لما فعله الاتحاد السوفيتي بعد موت ستالين [17]..

    نلاحظ في آخر فقرة مقتبسة من هذه التلخيصات لنقاشات دارت في هذه المجلة منذ سبتمبر 1993 وحتى يوليو 1998 (والتي نتابع بعض صور استمرارها ودورانها حول نفسها، عبر ما نراه من سياسات الحزب الشيوعي ومواقفه المعلنة مؤخرا، وبشهادات الكثير من منسوبيه ممن نقرأ لهم ونحاورهم عبر شبكة الإنترنت)، نلاحظ في هذه الفقرة أن هذا النقد المر لهذه التجربة- وفيه حسنة من الصدق عند مجموعة من الأقلام- قد جعل أهل الحزب الشيوعي يتسائلون "هل يعني هذا أننا نرفض كل التجربة الماضية للحزب؟"، وهو سؤال عبرت عنه أقلام عدة في المجلة بصور مختلفة، وذلك استشعارا لحجم ما كان من إخفاقات التجربة، على طول سنينها، بصورة جعلت هذا السؤال حاضرا في الأذهان بقوة، على أمل الوصول لمخرج مريح من هذا المأزق.. ونحن الآن لا نريد أن نوجه الكثير من النقد للكتابات المقتبسة أعلاه، إذ أن ما فيها من نقد ذاتي يكفي، في مجمله، ليعرض الصورة التي نريد عرضها لهذه المشكلة الأساسية في الفلسفة الماركسية التي أدت لهذه الانعكاسات على واقع سياسات التنظيمات الماركسية.. المشكلة هنا أن الكثير من الماركسيين يصرون على عدم الالتفات لأن هذه الإخفاقات سببها خلل واضح في الماركسية نفسها (مما ذكرنا وفصلنا من قبل هنا، وما سنفصل فيه أكثر بعد قليل)، ويؤثرون على ذلك الالتواء في صور تعريف الماركسية على أنها "دليل عمل" و"منهج" فقط، وأن غياب الديمقراطية والحرية في المعسكر الاشتراكي وسياسة الحزب الشيوعي لم تكن سوى أخطاء في الممارسة وليس في جوهر الفلسفة المتبناة، وكل هذا لا يعدو حيز المكابرة.. ما هو موقف الماركسيين اليوم حقا من قضايا العنف والديمقراطية والواقع العالمي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الجديد الذي لا يشبه ما تصورته الماركسية؟ فإن كانوا ما يزالون يؤيدون النظرة الماركسية لها، فهذه مشكلة كبرى، وإن كانوا لا يؤيدونها ويصرون على أن يسموا أنفسهم ماركسيين، فهذه كتلك.. بعد كل هذه السنين منذ عام 1998، ما هي التجديدات التي طرأت على برنامج ورؤية الحزب الشيوعي السوداني على ضوء النقاشات التي أوردنا أمثلة لها أعلاه؟ أم أن قضية النقاشات هذه ليست سوى نوع من التنفيس للناس ليقولوا ما يريدون قوله وكفى؟ إن مما يمكن أن نلاحظة من الكتابات المقتبسة أعلاه- ولها ما يماثلها في كتابات وحوارات كثيرة أخرى وقعت عليها أنظارنا عبر السنوات الماضية لأسماء متنوعة في معسكر اليسار الماركسي- أن مجموعها من النقد إنما يشير إلى أن هناك أزمة مستجمعة لجميع تنظيرات وسياسات الحزب الشيوعي السوداني، وبشهادة أهله، فإذا كان الحزب الشيوعي مثقلا بكل هذا الإرث المذموم من أهله أنفسهم، كبارهم وصغارهم (رغم احترامنا لمحاسنه التي قدمها في سياقه التاريخي)، فعلام التمسك الآن بنفس الصيغة القديمة المهترئة؟ بل علام التمسك بالمرجعية الفكرية عند الشيوعيين بعد كل هذا النقد الموجه لها من جانبهم أنفسهم؟ هل سيجيب أهل اليسار الماركسي إجابة شافية لهذه الأسئلة، أم سيؤثرون مواصلة المكابرة كدرع خفيف يحتمون ورائه من مواجهة النفس والجماهير بشجاعة فيما بقي من السنون؟
    ___________________

    [15] يرى إنجلز، والماركسيون من بعده، عموما عن مسألة الغيرة الجنسية، ورغبة الاستحواذ بالشريك الجنسي دون الآخرين، أنها ظهرت في المجتمعات البشرية بعد ظهور الطبقات والصراع على سبل الإنتاج، مما أدى لإنتاج نظم اجتماعية تنظم العلاقة الجنسية بصورة أكثر حزما مما كانت عليه في المجتمعات المشاعية، وذلك لغرض حفظ المصالح المادية للطبقات والفصائل المتناحرة، والتحكم في الإنتاج البيولوجي للمرأة من قبل مؤسسي المجتمع الأبوي.. حقيقة الأمر أن الغيرة الجنسية ظهرت قبل المجتمعات البشرية بكثير، منذ مرحلة المجتمعات الحيوانية (والتي تطورت بدورها من مرحلة المعيشة الفردية، والشبه منعزلة، في عالم الحيوان، وحتى هذه لم تسلم من صور الغيرة الجنسية)، وصور الغيرة الجنسية واضحة جدا في المجتمعات الحيوانية، خصوصا تلك القريبة للإنسان في سلم التطور (كالقردة العليا والحيوانات الداجنة، ثم الثديات عموما)، وقد ورثها البشر، متأصلة فيهم، بمجرد ظهورهم على سطح المعمورة، رجالا ونساءا، ولهذا كانت أهم أسس تشكيل قوانين مجتمعاتهم (ولكل مجتمع قانون، حتى في الغابة)، منذ بداياتها، لأن تنظيمها كان السبيل الوحيد لقيام المجتمع، والتاريخ يرينا صورا متعددة في أشكال هذا التنظيم، مما لا ينفي وجود التنظيم، ولكن يشير إلى تنوعه واختلافه بحسب البيئة والتجارب المتوارثة المتعددة التجليات (حتى في نفس مراحل الإنتاج المجتمعية، بخلاف ما يشير له إنجلز من أن تعدد شكل التنظيم الجنسي يعود أصلا إلى المرحلة التاريخية الإنتاجية للمجتمع).. إن الحديث عن الغيرة الجنسية، وعلاقتها الأصيلة بالغريزة الجنسية، كحادث على أصل تكويننا البشري في المجتمع، هو حديث يفتقد لدقة القراءة العلمية لسيرة التطور التاريخي، وكان يفترض بالصيغة الماركسية في قراءة التطور أن تلتفت جيدا لمجتمعات الحيوان منذ بدايتها، كأصل سابق لمجتمع الإنسان، خصوصا وأنها كانت من أول المؤيدين لطروحات دارون، في عمومها، عند ظهورها أيام ماركس وإنجلز..
    [16] فكرة المجتمع نفسها، كما ذكرنا عاليه، هي فكرة قامت لخدمة الأغراض الأنانية لأفراد المجتمع، وهنا نحن لا نعيب الأنانية البشرية بإطلاقها، وإنما ندين الأنانية الدنيا فيها، والتي يتطور عنها الإنسان باستمرار، كما ورد في حديث الأستاذ محمود أعلاه عن علاقة الفرد والمجتمع.. مشكلة ماركس هنا أنه ينكر حقيقة جوهرية ماثلة فينا بكل وضوح، وبهذا يشارك بفعالية في عملية تغريب الإنسان عن جوهره.. يقول في كتابه "الأيديولوجيا الألمانية" على سبيل المثال، في نقد فيورباخ: " ولكن جوهر الإنسان ليس هو الاستخلاص الموروث في كل فرد متفرد. إنما هو في الحقيقة المجموع الإجمالي للعلاقات الاجتماعية [.......].. وعليه فإن جوهر الإنسان يمكن أن يفهم فقط كـ"عنصر". المجموع الداخلي الساذج الذي يوحد الأفراد العديدين طبيعيا" (ترجمة الكاتب من الانجليزية، وكل ترجمة وردت في هذه الورقة للكاتب هي من الانجليزية)..
    [17] في أكبر موقع الكتروني للماركسية على الشبكة الدولية، (Marxists.org)، بلغ التبرؤ من إرث ستالين، وماوتسي تونغ أيضا، حدا عجيبا.. في تصنيف أعمال الكتاب المعروضة في ذلك الموقع، هناك "كتاب ماركسيون" وهناك "كتاب آخرون" (القسم العربي للموقع).. إذا أردت البحث عن كتابات ستالين وماوتسي، فعليك الذهاب إلى صفحة "كتاب آخرون"!

    (عدل بواسطة Yaho_Zato on 01-21-2007, 05:22 AM)

                  

العنوان الكاتب Date
من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-18-07, 07:48 PM
  Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-18-07, 07:57 PM
  Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. fadlabi01-19-07, 07:37 AM
    Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-20-07, 06:47 AM
      Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-20-07, 06:54 AM
  Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Mohamed Adam01-20-07, 08:02 AM
    Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-20-07, 07:11 PM
      Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-20-07, 07:16 PM
        Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-21-07, 05:08 AM
          Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Mohamed Abdelgaleel01-21-07, 12:57 PM
            Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-21-07, 11:31 PM
              Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-21-07, 11:40 PM
                Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-21-07, 11:43 PM
  Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Omer Abdalla01-21-07, 11:46 PM
    Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-22-07, 04:01 PM
      Re: من أجل الاشتراكية (الماركسية في السودان بين زمنين).. Yaho_Zato01-22-07, 04:05 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de