توسع الجدل في إتفاقية البقط ، حتي وصل إلى جذور كلمة البقط وهل هي نوبية أم هيلينية» يونانية « وكلمة بقط حاضرة ليست فقط في لغات نوبة شمال السودان ولكنها موجودة بمعنى القسمة حتى وسط النوبا في جبال النوبة ، ولكن هذا لايثبت أن المفردة سودانية لأن منطقة النوبة في شمال السودان ، مثلت بحيرة لغوية تزاوجت فيها المصطلحات اللغوية للنوبة مع الوافدين والغزاة من رومان ويونان وفرس وأكسوميين ، لذا تغذّت اللغة النوبية على شجرة اللغات الوافدة وأخذت اللغات الوافدة من اللغة النوبية ما أخذت ، وحينما يتم كشف شفرة اللغة المروية المكتوبة ستنحل عقد لسانية وتاريخية كثيرة. كما دار جدل حول معاهدة البقط ومشروعية الرق ، ولا صلة لعهد البقط بمشروعية الرق ، لأن الإسلام شرع العتق ، ولم يشرّع الرق ، وذلك مبحث كبير في الثقافة الإسلامية ، أكسبت معاهدة البقط النوبيين وضعية أهل الهدنة أو المصالحين أي أهل عهد ، وأقامت العلاقات على الاعتراف بالكيان النوبي ويتضمن ذلك حسن الجوار وسلامة الحدود ، وحرية التجارة ، والحصول على سواعد النوبيين القوية لخدمة الدولة الإسلامية ونشر الثقافة العربية الإسلامية سلميا . وربما لأسباب أيدلوجية او غيرها ، نظر بعض الباحثين في عهد البقط نظرة اختزالية ، فاختزلوا عهد البقط في الثلثمائة وستين رأساً الذين تكفل النوبة بإرسالهم أو تسليمهم للدولة الإسلامية ، ولو أن عهد البقط اقتصر على هذا النص لاختلفت قراءته ولكن هذا نص يجب أن يقرأ في إطار نصوص أخرى ، بين كيانين ، وليس بين تاجري رقيق ، وأن الكيانين تعاملا مع العهد لاكثر من ستة قرون على سنة التراضي واحترام المواثيق ، وأن التراكم التاريخي لتدفق النوبة علي مصر فتح المجال للنوبة لحكم مصر وبصورة تدريجية وسلمية حينما اعتلى النوبي كافور الأخشيدي عرش مصر والشام وأصبح قادة العسكرية المصرية من النوبة ، اذن مثلت في الواقع إتفاقية البقط لاهوت تحرير للنوبة ، لأن النوبة أصلا كانوا عبيدا للملك أو كما قال المقريزي وملكهم يسترق من يشاء من رعيته ويسجدون له «وأشار المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر -المجلد الأول -لقضية لها مغزاها ، في فحوى لاهوت تحرير البقط قال المسعودي : ( إن بأسوان ضياعاً كثيرة داخلة بارض النوبة ، يؤدون خراجها إلى ملك النوبة ، وأنهم قاموا بشرائها في العصرين الأموي والعباسي من رعاياه ولهذا أرسل ) هذا الملك ، وفدا إلي المأمون حيث قدم إلى مصر ، يسأله الفصل في الأمر ، حيث أن الارض أرضه ، والقوم فيها عبيده ، لا أملاك لهم ، ومن ثم لاحق لهم في بيعها للعرب ، وحيث علم أهل اسوان ، أن الارض ستنتزع من أيديهم ، احتالوا على ذلك ، بأن جعلوا أهل النوبة يقرون بعدم عبوديتهم لملكهم ، وبذلك توارث المسلمون هذه الارض. وفي نص تاريخي آخر ، وبعد فتوي علماء المسلمين ، بأن النوبة أحرار لهم حق بيع أرضهم،أدي ذلك لدخول النوبة في الإسلام للإنعتاق من الرق وللإستماع بالحرية وامتلاك الأرض. كما أن الشواهد التاريخية تدل على أن ملوك النوبة ، كانوا حريصين على عهد البقط ، ولم ينظروا إليه كعهد من مغلوب على غالب ، بل لم تشر المصادر التاريخية إلى قيام المسلمين بترتيب نائب أو حاميات إسلامية في النوبة لغرض مطلوبات العهد ، لا غالب ولا مغلوب فهي ليست معاهدة إلحاق أو تبعية ، وظلت بلاد النوبة تضم ثلاث عشرة أسقفية تابعة للكنيسة القبطية في مصر وظلت اللغة القبطية واليونانية لغة الكنيسة ، وتتحدث المصادر القبطية عن حملة قام بها قيرياقوص ملك النوبة ، سنة 133هـ / 057م علي مصر -أي بعد مائة سنة على توقيع عهد البقط- لإرغام واليها علي إطلاق سراح البطريك ميخائيل ، حيث نظر النوبة لأنفسهم حماة للكنيسة المصرية لأنّهم دولة إذن كان ملوك النوبة راضين بهذا النص ، بل ربما هم، كما أدت إتفاقية تقسيم مياه النيل وبناء السد العالي ، إلى تهجير قسري للنوبة في مصر والسودان ، بل وظلت بريطانيا تمارس هذا التهجير القسري للأطفال البريطانيين إلى كندا واستراليا حتى العام 1967م والذي اعتذرت عنه الحكومة البريطانية على لسان رئيس وزرائها مستر بروان ، وتم تهجير معظم هؤلاء الأطفال بعد الحرب العالمية الثانية ، نتيجة لما جل الذين اشترطوه في مقابلة ما يعود عليهم من مصر ، لأن أرض النوبة لم يك فيها إلا السواعد القوية مما يصلح للتصدير، وتصدير القوي العاملة تقليد معروف ، لا يزال سارياً حتى اليوم ، وإن اختلفت العناوين ، فقد قامت الثورة الإثيوبية على عهد منجستو بتهجير الأورومو في هجرة قسرية إلى مناطق بني شنقول بته الحرب من كوارث أدى إلى أن يصبح ملايين الأطفال يتامي ، وتم تهجير مائة وخمسين ألفاً منهم أطفال أعمارهم مابين الثالثة إلي الرابعة عشر عاما إلى كندا واستراليا بينما نصت إتفاقية البقط على استثناء الأطفال والشيوخ من هذه الهجرة القسرية . مكنت إتفاقية البقط لتفتح العبقرية النوبية ، ولولا عهد البقط ، لاختنقت هذه العبقرية ، ولم يقرها أحد ، أدى عهد البقط لظهور يزيد بن حبيب توفي 128هـ إماما في الفقه والحديث ، وكان والد يزيد من أوائل دافعي البقط وما لم تتمّ معاملة والده كرقيق لأصبح يزيد مملوكاً في حكم الرقيق ولكنه أصبح إماما وجعله عمر بن عبدالعزيز قاضيا علي كل مصر ، كما برز ذو النون المصري «توفي 245هـ »،» وهو كذلك من آثار البقط « وأصبح علما في التصوف وكافور في السياسة والشوكة . توسع أحمد بن طولون في استخدام السودانيين في الجيش الطولوني وبلغت عدتهم حوالي أربعين ألف سوداني ، حتى ضاق المسجد الجامع يوم الجمعة بالجند السودانيين ، وخرجت جماعات نوبية طوعاً من النوبة فالتحقت بالجيش الطولوني ، ومما رغب النوبة في الإنعطاف إلى العسكرية في مصر. إن إتفاقية البقط خلت من التعصب الجنسي والديني وظلت سارية ستة قرون ، ويكشف الباحث د. أكرم الباز عن وثيقة بردية محفوظة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة رقم 25480 ،واكتشفت ضمن حفائر قصر إيريم ، وهي رسالة من الوالي العباسي في مصر إلي حاكم النوبة سنة 141هـ / 758 « فترة الخليفة أبي جعفر المنصور « وتبدأ الرسالة بالوفاء بالعقود والعهود وكيف أنه بعهد البقط كف المسلمون عن دماء النوبة وأموالهم وتجارتهم وكيف أصبح النوبة يسيئون معاملة التجار المسلمين ويمنحون الأمان للأرقاء الفارين ، . أصبح مجتمع النوبة مجتمعا ًمتميزاً في مصر بفضل البقط ، فهل لدى البشرية عهد يماثل عهد البقط في كل الحقبة الإستعمارية قارن بين عهد البقط الذي حفظ كيان النوبة ومافعله الأوربيون البيض في أمريكا مع الهنود الحمر ، بل ما فعله هتلر مع اليهود أو مافعلته انجلترا في مستعمراتها والهند أو ما فعله الفرنسيون في غرب إفريقيا ومستعمراتهم الأخرى والإيطاليون في ليبيا والحبشة وارتريا؟ هل اعترفوا بكيان أو أقاموا معه عهد أو ذمة؟ هل غادرت سياستهم العنف والدمج والإلغاء والإذابة بالحديد والنار؟ ما بالكم كيف تحكمون .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة