صورة الوضع العالمي إبان بروز الدعوة الإسلامية: انتهى الصراع في الدولة الرومانية، إلى اضمحلال جناحها الغربي، وعاصمته روما، ويصبح الأساس هو الجناح الشرقي وعاصمته القسطنطينية ، ومنشيء القسطنطينية هو الإمبراطور غسطنطين «Constantine 337/306» أول إمبراطور مسيحي، يجعل المسيحية ديناً فجعلها الإمبراطور جستنيان «Justinian 569/527» عاصمة الجناح الشرقي للإمبراطورية الرومانية ، ثم ما لبثت أن ازدادت أهميتها بينما تآكلت روما واصبحت القسطنطينية هي حامية المسيحية وبالتالي الثقافة الغربية، وحينما ظهرت الدعوة الإسلامية ، كان أمر الثقافة العالمية والقيادة العالمية رهيناً بالدولتين البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية والفارسية وعاصمتها المدائن، وقد ذكر القرآن الكريم سورة الروم (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين). كانت اللغة السائدة في الامبراطورية الشرقية هي الاغريقية، وكان مشروع جستنيان يقوم على توسيع رقعة الامبراطورية و مشروعها الثقافى ليمتد و يشمل سوريا و فلسطين و مصر و النوبة و جزيرة العرب مما ادخله فى صراع وحرب مع القوى العالمية الثانية و هى الامبراطورية الفارسية التى كان يقودها قمبيز بن قورش، و فى هذه الفترة حض الامبراطور جوستنيان قبائل غسان نواحى سوريا على حرب الحيرة ـ أى فارس- وكذلك قام الامبراطورجوستنيان بتوجيه جنوده و مشروعه الثقافي تجاه النوبة فخرب هياكلها و سجن كهنتها ، ثم أرسل بعثاته التنصيرية لايجاد مرتكز مسيحي على الطبعة النسطورية ـ و من الغريب أن زوجته ثيودرا كانت على مذهب الكنيسة القبطية المضهد و المنبوذ من قبل جوستنيان ، بل و تمادت فى مناهضة مشروع زوجها ، فأرسلت كذلك بعوثاً للتبشير بالنصرانية القبطية فى النوبة العليا . ولم تكن بلاد النوبة ، منطقة فراغ حضارى ، حيث نهضت فيها حضارة قديمة ، أسهمت فى تشكل الحضارة المصرية و العالمية بل إن بعض ملوك النوبة حكموا منطقتي مصر والشام كما فعل تهراقا لمدة عشرين عاما فى «669ق.م»، ولعل لقمان الحكيم النوبي الذى برز فى فلسطين وولد فى منطقة القدس الحالية كان ثمرة من ثمار تمدد العرق النوبى فى منطقة فلسطين .
النوبة و التواصل العالمي: ودخلت النوبة فى صدام مع مختلف القوى الدولية التى حكمت مصر و رنت بنظرها الى ما وراء مصر ـ أى مناطق النوبة و البجة ، حيث زحف عليها البطالمة خلفا للاسكندر الأكبر ، حيث قاد بطليموس الثامن (146ـ117ق.م ) جيشه حتى وصل الى مروى ودمرها ، و كذلك دخلت جيوش الحاكم الروماني الامبراطور نيرون بلاد النوبة وطارد الكنداكة ملكة النوبة (45/68) بعد الميلاد . والفارق بين تقبل النوبة للاسلام و تقبلهم للنصرانية قرن من الزمان ، لأن المبشرين النصارى وصلوا مناطق النوبة من الاسكندرية سنة «545م» ، بينما وصلت طلائع المسلمين بقيادة عبد الله بن سعد فى «23هـ/ 446م» فمكثت زمناً في النوبة. وصالحهم عبد الله على شيء من المال وقفل راجعاً إلى مصر لمتابعة المستجدات نسبة لمقتل الإمام عمر بن الخطاب في «32هـ/644م» والذى اغتيل و عمره «53» عاماً. و كانت النوبة وعلوة ، على نصرانية رقيقة وسط النخبة الحاكمة و كانت لغة الثقافة هى اليونانية ، و يقول المقريزى إن أهل علوة أقل فهماً من النوبة فى اليونانية التى يفسرونها بلسانهم و إن ملكهم يسترق من شاء رغبته ، و يسجدون له . والخلاصة أن دولة النوبة، التي أخذت تتعرض للمؤثر العربي الإسلامي، ابتداء من العام «644م» جمع عقلها السلطانى خبرات متراكمة ، نتيجة لتواصلها المستمر مع حركة الحضارة العالمية فى مختلف طبعاتها الفرعونية ، و الرومانية و الهيلينية و الأكسومية و البيزنطية المسيحية ، و من ناحية أخرى ، فان هذا التواصل كان مع الطبقة الحاكمة و النخبة المبدعة فى المجتمع ، لأن النخبة الحاكمة من حكام و كهنة و فنانين وضعوا أنفسهم فوق المجتمع و سخروا المجتمع لخدمتهم ، فشاعت عبارة الملك و أصبح لهم حق استرقاق الرعية ، بل الرعية كانت فى مجملها مسترقة للطبقة الحاكمة ، في هذا الوقت بدأ التواصل و التداخل بين النخبة النوبية الحاكمة و النخبة الاسلامية العربية المتمددة في اتجاه النوبة فى مصر .
الفارق بين وضعية الكيان المصري و الكيان النوبي فى مرحلة الفتوحات : اختلفت رؤية النخبة الاسلامية ، التى آلت اليها مقاليد الأمر في مصر للدولة النوبية عن الدولة المصرية ، لأن النخبة الاسلامية العسكرية نظرت لمصر من خلال ثلاثية قامت على الآتى : أولاً: أن لمصر موقعاً جغرافىاً متميزاً، وأن الدعوة الاسلامية دون مصر ستظل مخنوقة عن فضاءات شمال افريقيا و المتوسطية ووسط افريقيا ، كما أنّ وصل العبقرية المصرية بالدعوة الاسلامية صمام أمان و ارتكاز لحركة الدعوة الاسلامية. ثانياً: مصر بلد محتل من قبل الدولة الرومانية ، التى لم تكتف بنهب كنوز مصر ، ومواردها ، و استرقاق شعبها . ولكنها مضت أبعد من ذلك بغرض مشروعها الثقافى القائم على اللسان اليونانى و نسخ معتقدات الكنيسة القبطية واذلال كهنتها لمصلحة الطبعة المسيحية الرومانية و النسطورية فيما يتعلق بطبيعة المسيح ، نظرة النخبة العسكرية الاسلامية لوضعها ، فى دور المحرر لمصر وشعبها ، من نير الدولة الرومانية الشرقية . ثالثاً: إن حركة الدعوة الاسلامية كسرت الجناح الشرقى للدولة الرومانية بعد فتوح الشام و دخول سيدنا عمر فلسطين ، و صكه لعقد فتح بيت المقدس . لذا فمن غير المعقول ترك الدولة الرومانية مرتكزة في مصر ، لتعيد الكرة و تهدد أمن الدولة الاسلامية . علماً بأن تحول مصر القبطية الى اللسان العربى و العقيدة الاسلامية استغرق قرابة الثلاثمائة سنة ، حيث بدأ الانعطاف الشعبي نحو الاسلام بصورة جماعية منذ القرن العاشر الميلادى ، الثالث الهجرى لأن النخبة الحاكمة رسخت مبدأ حرية العقيدة ولا اكراه في الدين ، و نظرت كنيسة الاسكندرية للنخبة المسلمة كنخبة محررة حررت أهل مصر وكنيستهم من نير الرومان. اختلفت وضعية النوبة عن مصر ، و بالتالي رؤية الفاتحين من المسلمين العرب. أولاً: كيان النوبة كيان محلى لا سلطان لأجنبى عليه ـ فهو كيان مستقل و حر ويستحق أن يترك لإدارة شأنه. ثانياً: منطقة النوبة نسبياً منطقة هامشية، صحيح أنها ظلت تؤثر على أمن مصر . و لكن كذلك فإن القوى وحدها لا تجدى فى تأمين حدود مصر، خصوصاً كما قال لسان حال النخبة الاسلامية الفاتحة عن النوبة ، إن بأسهم لشديد و سلبهم لقليل . ثالثاً: مثلت منطقة النوبة امتداداً لمنطقة الحبشة التى أوت المهاجرين و التى دار حولها الأثر القائل ، اتركوا الاحباش ما تركوكم ، كما أن للنوبة صيتاً حسناً فى الحجاز حتى ذاع الأثر: من كان متخذاً أخاً نوبياً و خير سبيكم النوبة . شكلت مجمل هذه العوامل و المؤثرات المناخ الذى أدى للمحادثات و المناوشات الطويلة و لمدة عشر سنوات و انتهت بعهد البقط في «31هـ /651م» والذي سنناقشه في المقال القادم إن شاء الله.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة