هل تجتاز الخرطوم امتحان الخبز؟ بقلم د. ياسر محجوب الحسين

هل تجتاز الخرطوم امتحان الخبز؟ بقلم د. ياسر محجوب الحسين


08-17-2019, 06:40 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1566020411&rn=0


Post: #1
Title: هل تجتاز الخرطوم امتحان الخبز؟ بقلم د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 08-17-2019, 06:40 AM

06:40 AM August, 17 2019

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة


من المتوقع أن يتم اليوم في السودان التوقيع النهائي على الاتفاق السياسي الدستوري بين المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وبين قوى إعلان الحرية والتغيير وسط مظاهر احتفالية أريد لها حضور إقليمي ودولي كبيران. بيد أن معظم الاستجابات العربية جاءت دون مستوى التمثيل الذي أريد له فخفضت مصر تمثيلها من الرئيس إلى رئيس الوزراء فيما اقتصر تمثيل العديد من الدول المدعوة على وزراء الخارجية بينما تحمست دول الجوار الإفريقي. ولعل ذلك قد يشير إلى حالة من التردد وعدم اليقين تجاه ذلك الاتفاق الذي يبدو أنه ولد مشوها بعد حالة مخاض متطاولة ومتعسرة استمرت منذ سقوط نظام عمر البشير في 11 ابريل الماضي.
الاتفاق وجد معارضة شديدة من الحركات التي تحمل السلاح في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان فضلا عن قوى سياسية مدنية أخرى ذات ثقل داخل السودان. وقد تكون من أسباب خفض تلك الدول لمستويات تمثيلها أسباب أمنية تتعلق بضمان أمن مسؤوليها نظرا لحالة عدم الاستقرار والتوتر التي تسم المشهد السوداني؛ لكن في ذات الوقت كانت ردود فعلها ساعة الاعلان عن التوصل إلى الاتفاق فاترة وربما مجاملة ومتحفظة.
إن الحكومة المدنية التي بدأت ملامحها تظهر رويدا رويدا يجب ألا تغرق في محاولات تصفية النظام السابق أو ما يطلق عليه تعبير الدولة العميقة.
صحيح أن المحاسبة قضية أساسية ومهمة لكن عندما يتجاوز الأمر الاجراءات القانونية ويتحول إلى هاجس وبعبع ومحاولات انتقام عشوائية لاشك أنه سينحرف ذلك بمسار الحكومة الوليدة بينما تبقى الأزمة الاقتصادية وهي المحرك الأساسي للجماهير التي انتفضت منذ ديسمبر 2018 وستهوي هذه الحكومة الوليدة في واد سحيق من الفشل.
فعلى سبيل المثال من أين يبدأ الاصلاح الاقتصادي في ظل انعدام الموارد وعدم توقع عون إقليمي ودولي حقيقي؟. فهل تُقدم الحكومة الجديدة على رفع الدعم الذي يستهلك معظم موازنة الدولة؟ أم إنها سترجح كفة الجانب السياسي وتتجنب الغضب الجماهيري وفي هذه الحالة يبرز السؤال من أين لها الأموال التي ستصرفها على استمرار الدعم؟ ومن المعلوم أن الخبز الذي أشعل شرارة الثورة لن يقل سعر الرغيف الواحد بسعر الدولار الحالي مقابل الجنيه السوداني عن 5 جنيهات بينما يباع اليوم بنحو جنيهين. ويسري الأمر على الوقود وغيره من السلع الأساسية. ولعل شروط مؤسسات النقد الدولي معروفة وهي تشترط رفع الدعم وتعويم العملة المحلية، كما أن تعامل الخارج مع حكومة فترة انتقالية خاصة فيما يتعلق بالجوانب المالية ليس أمرا سهلا.
إن الذين يتصدرون المشهد السياسي اليوم هم ليسوا أولئك الشباب الذين فجروا هذه الثورة وهذا ليس بأمر جديد سواء في الثورات السودانية السابقة أو في ثورات الربيع العربي في الدول المجاورة. فالمالك الحقيقي للثورة هم فئة شبابية غير حزبية وهنا تكمن الخطورة؛ فالمعركة مع النظام السابق أو الدولة العميقة ربما محسومة أو سهلة لكن المعركة مع هذه الفئة لا يمكن النظر إليها بأقل من أنها تحد خطير.
إن ما يعزز المخاوف من مصير مظلم للبلاد هو هشاشة الاقتصاد السوداني ووهن النسيج الاجتماعي وضعف الاحزاب والقوى السياسية واختلافاتها العميقة حول محاصصات السلطة. وليس هذا فحسب إذ غدت البلاد مرتعا خصبا للتدخلات الخارجية التي أصبحت تستثمر بقوة في صراعات القوى الحزبية والحركات المناطقية المسلحة. ومنذ سقوط البشير ظلت الأطراف السودانية تتنقل بين عواصم الجوار في إثيوبيا ومصر ودولة جنوب السودان وتشاد بحثا عن اتفاق على محاصصة السلطة.
في العراق أسس ما عرف بمؤتمر لندن في ديسمبر 2002 بتوجيه أمريكي لأسوأ سيناريو يمكن أن تفعله أي معارضة في العالم ببلدها وشعبها، حيث أُقرّت محاصصة سياسية على غنائم ركام الدولة العراقية، ومؤسساتها الأمنية، على أساس طائفي وعرقي. وتحوّل العراق فيما بعد إلى بركة دماء في ظل اقتتال مذهبي شرس.
لقد كان الربيع العربي فرصةً تاريخية للمعارضات العربية لاثبات ذاتها وقد جاءتها الفرصة سانحة إذ لم تكن لها يد في حراك بدأ شبابيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لم تجتز امتحاناً سياسياً جد عسير.