الحُب في زمن الشيكونغونيا! بقلم أحمد الملك

الحُب في زمن الشيكونغونيا! بقلم أحمد الملك


10-05-2018, 10:04 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1538773497&rn=0


Post: #1
Title: الحُب في زمن الشيكونغونيا! بقلم أحمد الملك
Author: أحمد الملك
Date: 10-05-2018, 10:04 PM

10:04 PM October, 05 2018

سودانيز اون لاين
أحمد الملك-هولندا
مكتبتى
رابط مختصر







في ذكرى العندليب: في بُعدك يا غالي (أضنانا) الألم!

سامحنا يا سيدي إن لم تنتظم وطننا في كل صباح ، مهرجانات الفرح التي
تُحيي اسمك وذكراك، ننثر فيها الفرح مع كنوز محبتك التي استودعتها
وجداننا عبر الأزمنة.

سامحنا إن اضطرتنا الظروف أحيانا لنترك ذكراك نهبا للنسيان، سامحنا إن لم
نحمل صورتك ونرفعها ضد الخوف والنسيان، وحين تحاصرنا الحرائق والرياح
نغطيها بظلال أشجار اللبخ التي كانت تحرس النهر القديم وتغطيه بظلالها،
مثل أم تغطي طفلها الوليد بثوبها. في شارع النهر القديم حيث يختلط هديل
القمري مع غناء عشّاق الساعة الرابعة بعد ظهر غارة الجنجويد في الشوارع.

ما هانت الأيام علينا يا سيدي ولا هانت علينا الذكرى. قلبنا لم يتبدل يا
سيدي، لكنّ السيد الذي يحمل العصا، لم يترك لنا فسحة من الوقت ولا حتى
لنقف على أطلال قصر الشوق، الذي بنيته من رحيق الحب وأنغام الروح وضياء
الافلاك، من خلاصة محبة الأزمنة الجميلة التي مضيت تسكبها في أرواحنا على
مرّ السنوات .

السيد الذي يحمل العصا أذاقنا الأمرين من بعدك يا سيدي، حوّل حياتنا
الى جحيم أرضي، سلب منا حبة الفرح، تركنا نعيش ظلمة ليال كالحة، لا حب
فيها ولا نغم، لا خبز فيها ولا دواء.

السيد الذي يحمل العصا، يخرج صباحا بكامل أبهة جنرال، يحمل في كتفيه من
النجوم ما تنوء بحمله سماء ليلة صيف صافية، يحمل نجومه ويجلس فوق رؤوسنا،
يجلس في كرسيه، نفس الكرسي الذي جلس عليه للمرة الأولى في القرن الماضي،
حتى ملّ الكرسي نفس نتانة المؤخرة الرسمية، المفروضة عليه بالانقلاب
اليومي على الدساتير، ونفس الورع التآمري المسائي.

يجلس في كرسيه الذي سئم من تحولات الجنرال، من حاشية اللصوص الورعين التي
تستظل بظل سلطته، يجلس في كرسيه ليصدر قراراته الصباحية: يجرّدنا من كل
شيء: من الدواء ، من كتابي الأول وقلم الرصاص، من حبة السكر وحبة الفرح
وحبة الكلوروكوين، يجرّدنا من حبة الدواء، يجرّدنا من الداء نفسه حين
يعلن بقرار جمهوري أنه لا يوجد مرض أو موتى في الوطن! وأنّ الناس يموتون
من فرط السعادة لا من حمى الضنك، وأنّ الماء نظيف والبعوض لطيف، وأنّ
الشيكونغونيا موجودة فقط في الواتساب وخيال الشعراء!

يترك النمل الورع الذي يتشبث في طرف ثوب السلطة، يترك النمل يدخل لجحر
ثروات الوطن، ليأخذ حبة، ويخرج ، لتدخل نملة أخرى من خلفها، تأخذ حبة
وتخرج، وتستمر صفوف النمل الورع الطويلة، نمل لا يكل ولا يمل ولا يشبع،
كل نملة تأخذ حبة من لحم وطننا الحي وتخرج. فيما الجنرال يرسل جنوده آخر
الليل ليقتسم مع النمل مدخولات (التحلل)!

وفي الظهيرة، ينزع النجوم من كتفيه ويضع العصا جانبا، ويحمل بدلا عن ذلك
مقص جنائني ويذرع الشوارع، فيولي الجميع الأدبار: يهرب العُشّاق، والباعة
المتجولون، وأطفال المدرسة والشعراء والمغنون، يمضي كانسا الوطن كله
أمامه، لينتهي الوطن كله في صفوف أمام سفارات (دول الاستكبار) لا يبق مع
السيد الذي يحمل العصا سوى اللصوص! سوى النمل : يتحول الى حلّاق، يطاردنا
في الشوارع، ويجز رؤوسنا، حتى كدنا نفقد كل (شعورنا) الوطني! اذا صمتنا
يحلق (شعورنا) وأن هتفنا: جوّعت الناس يا رقّاص، يطفئ جوعنا بكرمه
الناري، يمنح كل واحد منا رصاصة في رأسه! يعطينا رصاصة باليمين ويرفع
البقجة التي يضع فيها ديّاتنا باليسار! إنها عدالة الجنرال!

تظل يا سيدي في القلب، يظل رحيق محبتك وأنغامك تسري في دمائنا، غير قابلة
للصدأ أو النسيان، حتى ونحن نركض يوميا بحثا عن قطعة خبز وحبة دواء
لأطفالنا، ونستجدي أوراقنا النقدية القليلة التي يحتجزها الجنرال! يقول
لنا حين نمد أيدينا، نستجدي نقودنا: يقول: ماذا تريدون بهذه الأوراق!
إنها لا تساوي شيئا! لا تصلح ولا حتى لاستخدامها في المرحاض! ذكراك تبق
في القلب، حتى ونحن نحمل قلوبنا ونركض من مطاردات الجنرال ومقصه
وبندقيته.

نم بسلام يا سيدي، سنظل أوفياء لفنّك العظيم وزمانك الجميل، الذي صغته من
عجينة ذهب المحبة والوفاء. الذي صنعته من النور ، من نوّار البرتقال، من
عبير صباحات الأزمنة الجميلة، يظل نورا يهدينا كلما أدلهمت الخطوب، كملا
توغلت في عظامنا وأرواحنا أحزان ليل الجنرال الطويل.