فضيحتنا وشجاعة (عائشة) عبد المنعم سليمان

فضيحتنا وشجاعة (عائشة) عبد المنعم سليمان


04-28-2014, 05:00 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1398700804&rn=1


Post: #1
Title: فضيحتنا وشجاعة (عائشة) عبد المنعم سليمان
Author: عبد المنعم سليمان(بيجو)
Date: 04-28-2014, 05:00 PM
Parent: #0

تحكي قصة الطفولة المعروفة عن شجاعة (مريم) التي عندما رأت السيل يقتلع جزءً من خط السكة الحديدية الذي يمر بقريتها ، ركضت مئات الأمتار وأشعلت النار لتنبه سائق القطار القادم قبل وقوع الكارثة .

لا تقلق عزيزي القارئ على مصير قطار (مريم الشجاعة) فالقصة تنتهي نهاية آمنة ككل قصص المطالعة القديمة ، لكن عليك أن تقلق على قطار (عائشة الشجاعة).

وعائشة هذه ، هي "عائشة البصري" الناطقة الرسميِّة السابقة باسم بعثة (اليوناميد) بدارفور التي أظهرت شجاعة فائقة أجزم أن لا أحد بمقدروة الأتيان بها هذه الأيام ، إذ أنها تقدمت باستقالتها من الوظيفة الأممية الكبيرة إحتجاجاً على تواطؤ الأمم المتحدة وممثليها ضد المدنيين الأبرياء في دارفور، وجاء في الاستقالة : ( باعتباري عربية أفريقية ، فإنني أرفض أن أظل صامتة بينما يُقتل المدنيين الأبرياء باسمي . اخترت أن أنهي مسيرتي المهنية في الأمم المتحدة لاستعادة حريتي في التحدث ، لقد فقدت وظيفة فحسب ، ولكن عددا لا يُحصى من سكان دارفور ما زالوا يفقدون حيواتهم).

(1)

بحسها الإنساني العالي إختارت المغربية الشجاعة "عائشة البصري" النزول من القافلة التي تدر (سمناً وعسلاً) إنحيازاً لضميرها اليقظ متضامنة مع أهل دارفور، بينما إختار آخرون تجمعهم روابط الوطن والدم والتاريخ بأهل دارفور ممن يلعلعون صباح مساء بأسافيرنا وعلى (قنابيرنا) باسم الإنسان وحقوقه ، ومؤخراً بإسم (حقوق المثليين!) ، وكأنهم قد إنتزعوا لنا كل حقوقنا ولم يتبق في بلادنا سوى حق نزع البنطلون ، إختار هؤلاء المتشدقون الصمت والخيبة ، كما لو كانت فظائع القوات الحكومية ومليشيات الجنجويد حملة لإصحاح البيئة وليست للإبادة المنظمة !

وإذ أسجل أعجابي بشجاعة "عائشة البصري" فإنني لست مصدوماً من تواطؤ المجتمع الدولي ، فطائر عمر البشير الميمون الذي يطير في الأجواء قاطعاً آلاف الأميال ، لا يحلق بفعل شجاعة الرجل الرعديد كما يصور إعلامه ، وإنما يحلق مطمئناً بموجب الصفقة الدولية لتقسيم بلادنا كما عبر عنها (حمدي) ومثلثه العنصري ، ووفقاً لهذه الصفقة فإن المجتمع الدولي لن يتدخل لحماية المدنيين في دارفور حتى ينادوا بالحكم الذاتي أو الإنفصال ، حينها ستكتحل أعيننا برؤية الأسطول السادس وهو يمخر و(يتمختر) على ساحل البحر الأحمر ، وسيتصدر إسم (سرف عمرة) نشرات الأخبار العالمية بدلاً عن (درعا) !

(2)

ونسأل ونتمادى في سؤالنا : أين أحزابنا وقوى مجتمعنا الحيّة لمنع الكارثة القادمة ؟ أين توارى صحفيينا ونشطائنا ؟ أين أختبأوا ، أفي جحر ضب ، أم في مغارة معتمة ؟ فعدا بيان الجبهة الثورية الأخير، لم تصدر أي جهة حتى شجباً أو استنكاراً تطالب عبره المجتمع الدولي بالتحقيق في هذا التواطؤ الأممي الكبير على بلادنا وشعبنا !

مصيبتنا كما قال (نابليون) ليست في ظلم الأشرار لنا ، ولكنها في صمت الأخيار، فماذا حدث لأخيارنا وأحزابنا يا ترى ؟ أين شبابنا وطلابنا ؟ هل أوصلنا هذا المأفون لهذا الدرك السحيق ؟ وهل ماتت بدواخلنا كل القيم الانسانية ولم يتبق لنا سوى غريزة البقاء التي حولتنا صماً بكماً كالزواحف ، ولماذا يا ترى ، كل هذه اللامبالاة تجاه هذه القضية الكبيرة والخطيرة ؟

(3)

في فاصل من مسرحية قديمة يتشاجر أهل المنزل في أمور ########ة بينما نار الحرب تستعر في الحي المجاور ، وبينما هم مشغولون بالقاء الكراسي وأواني الطبخ على بعضهم ، تتناهى إلى إسماعهم زخات رصاص البنادق وهدير المدافع وهي تقترب منهم رويداً رويدا ، لكنهم يواصلون شجارهم التافة ، ولا يلقون بالاً على الأمر، ينكرون حتى سماعهم للعلعة السلاح ، وبينما هم كذلك ، فوجئوا بدخول الحرب منازلهم .

ويبدو أن سياسيينا وهم في معركتهم التي اختاروا (الحوار الوطني) معتركاً لها ، لن ينتبهوا إلى الدمار الذي يجري في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق حتى يصل منازلهم ، وهنا لا نملك إلاّ أن نردد معهم ما قاله الشاعر الفذ مظفر النواب : (اللهم ابتدئ التخريب الآن ، فإن خرابا بالحق بناء بالحق) .

ولعائشة البصري ، أقول : ثقي أن الملايين في بلادنا يقدرون شجاعتك وينظرون بعين الإعجاب والامتنان لموقفك النبيل ، واستشهد هنا بما ورد في الكتاب المقدس عن (مريم شجاعة) أخرى ، وهي مريم المجدلية ، إذ قال : ( لا يستشعر صدق اليد الحانية ، إلاّ الذين يعيشون البؤس).