دبل كك أو تربل كك: صلاح عبد العال وإبراهيم الجزولي في ٢٢ يوليو ١٩٧١ بقلم:عبد الله علي إبراهيم

دبل كك أو تربل كك: صلاح عبد العال وإبراهيم الجزولي في ٢٢ يوليو ١٩٧١ بقلم:عبد الله علي إبراهيم


03-09-2021, 12:26 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1615289215&rn=0


Post: #1
Title: دبل كك أو تربل كك: صلاح عبد العال وإبراهيم الجزولي في ٢٢ يوليو ١٩٧١ بقلم:عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 03-09-2021, 12:26 PM

11:26 AM March, 09 2021

سودانيز اون لاين
عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA
مكتبتى
رابط مختصر





في مناسبة ما بحي الموردة التقى ابراهيم الجزولي، رفيقنا الدرامي الذي رحل عنا في الأيام الماضية، بالمقدم صلاح عبد العال مبروك. فمازحه، والمزاح سجية في إبراهيم، قائلاً:
-شنو يا ابو صلاح ياخي. الفي الأستديو ديك ما كانت "دبل كيك". حكايتك شنو يا زول؟
فرد صلاح على إبراهيم ضاحكا وهو يأخذه بالأحضان:
-اسمها "تريبل كيك" يا أبو الجزولي!
"وتريبل" من "تلاته" الإنجليزية. وكان ذلك أقرب ما اقترب صلاح إلى الاعتراف بأنه كان من وراء انقلاب قوة ثالثة على هاشم العطا ونميري معاً. واتفق معنا هنا مع نظريتنا أن الذي أسقط انقلاب هاشم هو انقلاب ثالث أجهضه خروج نميري من محبسه والتفاف الشارع حوله.

قبل أن نفصل في حكاية "في الاستوديو" التي أشار لها إبراهيم في لقائه بصلاح سنتوقف عند الحاح نميري العائد على معرفة علاقة المقدم صلاح بانقلاب ١٩ يوليو وملابساته. وهذا التربص المايوي بالمقدم صلاح مما ورد في كتاب الرائد عبد العظيم سرور عن انقلاب هاشم العطا. فبرغم دور سرور البارز في الانقلاب لم يميزه نظام مايو العائد بين المعتقلين حتى يوم ٢٥ يوليو أي بعد ثلاثة أيام من سقوط الانقلاب. وما عثروا عليه حتى طلب منه مامون عوض أبو زيد، مدير جهاز الأمن القومي، أن يطلعهم على خفايا الانقلاب والرجال من ورائه. وتعهد له بالعفو عنه وإلا فالإعدام مصيره. وسأله بالتحديد عن دور المقدم صلاح والعقيد عمر قرينات. لم يقبل سرور بالمساومة. واقتصر حديثه على دوره هو في الانقلاب. ووجد مامون كلامه ماسخاً فوجه بإرساله إلى غرفة منعزلة وإحسان معاملته. وأمر بتزويده بكراسات وأقلام ليكتب اعترافاته التي سيحصل عليها حين يأتي مساء اليوم التالي. ولم يكتب سرور على الكراسة سوى عن دوره مرة ثانية. وجاء مامون وقرأ ما خطه سرور ولم يعجبه. فقرر أخذه إلى نميري في المدرعات. وجد سرور نميري نائما في مكتب العميد أحمد عبد الحليم. فاستيقظ وشرب كوب ماء من الثلاجة. وعرض كوباً على سرور الذي قال إنه ليس عطيشاً. فألح نميري: "لازم تكون عطشان. أشرب أشرب". وقال له إن لم ينفذ ما طلبوا منه سيرسله للدروة. وقال سرور إن نميري كان لطيفاً معه ولكنه تغير إلى الخشونة بعد دخول بعض وزرائه عليه. فهرشه أن يكتب أسماء كل الخونة والجبناء الشيوعيين قبل صباح الغد أو يجهز نفسه للدروة. وخرج سرور ليلقى مامون ليسأله إن حدث الرئيس بما طلب منه. فأجاب بأنه حدثه بما يعرف عن نفسه. وركب معه العربة ليلاً للعودة إلى معتقله في سلاح المهندسين. وكان سر الليل "عاصمة السودان" لمن سأله: "الخرطوم". ويقول لك الحرس "٦" لتقول "٤" لأن رقم سر الليل هو ١٠. وأنزله مامون في سلاح المهندسين ونصحه بأن يعترف كما طلبوا منه وألا لقى الهول. لم يعترف. فحققوا معه وأخذوه للمحكم التي حكمت عليه بالسجن عشرين عاماً. فاتصل بخطيبته سلمى لينقل لها الخبر فقالت له وهي تطير فرحا: "حمد لله على السلامة".
كانت تلك مساومة كبرى من نميري يعفو عن سرور ليقبض صيداً أثمن هو صلاح وغيره. وهنا تقع قصة الجزولي موقعها. كتب الجزولي:
"كنت كمخرج بالتلفزيون عصر ذلك اليوم (٢٢ يوليو) أجلس داخل الأستديو. دخل علينا المقدم صلاح عبد العال مبروك وخلفه مجموعة من الجنود. حياني. وقد بدت عليه حالة من الزهو والانتشاء. أعرف مبروك منذ فترة المراحل الدراسية. فهو ابن حينا بالموردة. ودرسنا سوياً. ونشأنا في حي واحد. طلب تجهيز الأستديو لأنه سيلقي بياناً هاماً. بحسي السياسي والأحداث تجري متسارعة قدرت أن بيانه بمثابة "بيان أول". وبالفعل شرعنا في إعداد الأستديو لذلك بينما راح هو يراجع نص بيانه على طاولة جلس عليها داخل الأستديو. ما حدث بعد ذلك كان أغرب من الخيال. فجأة دخل السفاح نميري للأستديو الذي نحن بداخله، ومعه مجموعة كبيرة من الضباط والجنود الذين كانوا يهللون ويهتفون له. فإذا بي أرى المقدم صلاح عبد العال وكأن وقع المفاجأة قد أصابه في مقتل. فوقف وهو يتلعثم وينظر للنميري كأنه إله هبط لتوه من السماء. وإن هي إلا ثواني فإذا بي أشاهد عبد العال يدس "بيانه" داخل جيب بنطاله العسكري، ويتقدم نحو النميري وهو يلقي عليه بالتحية العسكرية، ويأخذه بالأحضان. فتجاوب معه النميري. ثم أخذ عبد العال يوزع أوامره للعاملين بسرعة الانتهاء من تجهيز أستديو التقديم. كنت أنظر لصلاح عبد المتعال والدهشة تحتويني. ولم يفطن النميري ولا أي أحد من مرافقيه لما ربما جاء بالعقيد صلاح باكراً هكذا. فعاملوه جميعاً وكأنه سبق الجميع إلى مباني الاذاعة والتلفزيون للإشراف على إعلان النميري فشل انقلاب العطا وعودته للسلطة. ولو أن أي أحد قد فطن له وقام بتفتيش جيوب بنطاله العسكري لأخرج بيان الانقلاب المستقل الذي كان عبد العال يراجعه ريثما يعدوا له الأستديو."
وربما فطن نميري ومامون لاحقاً أن العقيد دبر أمراً لم يكتمل. ومعلوم أن صلاح كان قد هرع إلى القيادة العامة لتهنئة هاشم العطا وعرض خدماته عليه. ورابط في مكتب هاشم مرابطة أزعجت صغار الانقلابيين. وكان في ما يبدو مرابطاً فوق رأى. وهو الرأي الذي أراد نميري أن يعرف جليته في مساومة مع سرور غير منتظرة منه في وقت هياج عام. وبدا أن نميري لما عجز حيلة في الكشف عن خطة صلاح سعى لضمه لصفه بقوة. فأوكل له رئاسة المحكمة التي مَثَل أمامها بابكر النور وقضت عليه بالإعدام. وجاء به نميري للمحكمة بعد أن تنحى تاج السر المقبول من رئاستها الذي كان حكم على بابكر بعامين سجناً ردها النميري طالباً الإعدام له. وترك ذلك لصلاح.
هذا سياق مزحة صلاح وإبراهيم رحمهما الله. كان صلاح في مبنى التلفزيون عصر يوم ٢٢ يوليو لإذاعة بيان انقلاب القوة الثالثة علي هاشم العطا ونميري معاً: تربل كيك.