وقفات في صفحات المفكر السوداني الوليد ادم مادبو. بقلم عبدالله عثمان التوم

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-18-2019, 06:56 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-12-2019, 02:43 AM

Abdullahi Osman El-Tom
<aAbdullahi Osman El-Tom
تاريخ التسجيل: 01-13-2014
مجموع المشاركات: 4

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
وقفات في صفحات المفكر السوداني الوليد ادم مادبو. بقلم عبدالله عثمان التوم

    02:43 AM August, 11 2019

    سودانيز اون لاين
    Abdullahi Osman El-Tom-
    مكتبتى
    رابط مختصر





    يستعرض هذا المقال بعض المسائل المفصلية التي وردت في كتب ومقالات المفكر السوداني، الدكتور الوليد آدم مادبو. يصعب وضع فكر الكاتب مادبو في بوتقة ضيقة فهو مفكر يتحدي التصنيف ويتمرد عليه. قراءة سريعة تفضي القارئ الي ما أفضي إليه. المواضيع التي يستعرضها مادبو تعصف بالتخصصات والحدود الاكاديمية، إذ أنها تشمل علوم الاجتماع، السياسة، التنمية، الاقتصاد واللاهوت.

    أستميح القارئ عذراً فلا يسعني المجال ألا أن أحصر هذا المقال في مواطن محدودة. لهاذا فسوف أناقش محاور قليلة وهي التي إستوقفتني وهزت مشاعري ووجداني. ولا بد أن اُشير هنا أن الكاتب مادبو رجل لا يعرف المهادنة حين يدلف في كبري القضايا القومية، فكثير ما تصعق كلماته القارئ وينقلب قلمه إلي سهم فتّاك. يذكرني آٌسلوب مادبو في الكتابة بالمقولة الشهيرة التي أطلقها القس الأمريكي ماراتن لوثر كينق في نضاله ضد العنصرية حين قال: "إن العنصرية مثل الخراج الذي لا يمكن علاجه إلا بفتحه وتعريضه للهواء الطلق". ولعل هذا هو ما رمز إليه الكاتب السوداني فرانسيس دينق في تعليقه علي الهوية في السودان: "إنما يفرق بيننا هو ما لا نتحدث عنه". نعم يطرح مادبو أفكاره وكأنه يستهدي بالإقتباس أعلاه فهو يتحدث بألفاظ قد لا نود سماعها ويطرق مواضيع إخترنا أن نتفاداها، أحيانا من قبيل الإلتزام بالخُلق التقليدي وأحياناً من قبيل المجاملة ودرء الفتنة.

    سوف أحصر نفسي في هذه المقالة علي بعض مؤلفات الكاتب مادبو يجدها القارئ مضمنة في باب المراجع (مادبو از٢٠٬:؛٢٠١٨؛٢٠دار؛٢٠١٧؛٢٠١٢). هذه المؤلفات تمثل اليسير من عمل الكاتب فهو مفكر غزير الثراء. ينشط الكاتب أيضاً في فضائيات الشبكة العنكبوتية وله فيها مساهمات عدة لم أستطع حصرها وقراءة مجملها. اُوجّه القارئ هنا إلي أهم نوافذ هذه الشبكة وبالأخص موقع سودان نايل حيث يجد أكثر من مئة مقالة مودعة في إرشيف الموقع.

    قبل أن أواصل في هذا المقال، أود أن ألفت نظر القارئ إلي أصل نشأة الكاتب مادبو ولا يأتي هذا من قبيل تصنيف الكاتب و من ثم التشكك في حياده الفكري. كلما أرمي إليه هو فهم القارئ للملابسات التي صاحبت نشأته ومؤهلاته والعقل الجمعي الذي صقل تفكيره وفلسفته.

    ينتمي مادبو إلي قبيلة الرزيقات وهي من أكبر وأعرق القبائل العربية، في دارفور والسودان، وربما في القارة الإفريقية ككل. أقول هذا متنبهاً إلي جدلية مصطلح "القبيلة"، وشرعية إستخدامها كبوتقة إجتماعية أم علمية، إن شئت أن تقول. تربي الكاتب في كنف اُسرة إستأثرت بزعامة الرزيقات في دارفور لأكثر من مئة عام. لقد أصبح إسم مادبو من مترادفات الإدارة الأهلية الرشيدة في غرب السودان ولاسيما دارفور. تعاملت اُسرة مادبو كقيادة قبلية مع عدة أنظمة لأكثر من قرنين. وبقدر ما جنت الاُسرة ثمار تعاونها مع الأنظمة المختلفة منذ الحكم التركي إلي ما بعد الإستقلال، فإن الاُسرة دفعت ثمناً غالياً جزاء وقوفها ضد ما إعتبرته ظلماً وتغولاً علي حقوقها.


    قد لا يتأتي التعاطي المثمر مع فكر الكاتب مادبو دون التعرف علي سيرته الذاتية ومعابره الأكاديمية والعلمية. توقفت وتأملت كثيراً في رحلة مادبو التعليمية والعملية إذ أنها مسيرة كثر فيها التقلب والإنعطافات ولعل هذا هو منهل الاُفق الواسع الذي شكّل فكر الكاتب. تنقل الكاتب في تعليمه الجامعي بين أكثر المؤسسات إنغماساً في التقليدية إلي أشدها تعمقاً في الحداثة. تخرج مادبو في قسم الهندسة المدنية، جامعة الخرطوم، عام ١٩٨٩. نال درجة الماجستير في العلوم السياسية من معهد ألينوي في الولايات المتحدة. بعدها حصل مادبوعلي شهادة الدكتوراة في علم الحوكمة من جامعة فلوريدا، أيضاً في الولايات المتحدة.

    بين هذا وذاك، إنتسب مادبو إلي إحدي الجامعات العريقة في المملكة العربية السعودية وأكمل حفظ القرآن الكريم، وهنا وجب التوقف قليلاً لكيلا تختلط علينا الاٌمور في تقييم سفرنا مع المفكر مادبو. نعم تخرج مادبو وهو حافظ للقرآن عن ظهر قلب، ولكن منحاه لا يدرجه تحت مظلة حفظة القرآن علي النمط الببغائي وأعني بذلك الإهتمام باللفظ مع أسقاط المعني والظرف الاجتماعي الذي اٌنزلت فيه الآيات المحكّمة. تعمق مادبو في حفظ القرآن بقدر ما تمكن في التبحر في معاني الآيات زمنياً وروحياً. يظهر هذا جلياً في الإشارات العديدة وكثرة الإستدلال بالآيات القرآنية في مقالات الكاتب.

    لقد نبهنا الكاتب كثيراً أن القرآن لا يمثل مرجعيةً لغير المسلمين، واٌضيف إليهم أيضاً المسلمين الذين آثرو الإبتعاد عن الدين. ويحرص الكاتب علي عدم إستغلال الآيات القرآنية لإغلاق باب النقاش كما يفعل الجهلاء من دعاة الإسلام. إن القرآن "حٌجًةٌ مٌسلًمة بها" ولاكن ذلك يقتصرعلي المسلمين، بالأخص الذين يفتقرون إلي التعمق في دراسة القرآن ومعانية الشائكة.

    لا شك أن الدراسات الجامعية وفوق الجامعية قد شكّلت لبنة قوية في فكر مادبو. لكن هذه اللبنة قوِيت بتجارب اُخري صاحبت تطور فكر الكاتب وأعني بذلك الخبرة العملية التي إكتسبها فيما بعد. فور تخرّجه، عمل الكاتب في محافل عدة، فقد أنشأ مركزاً لتطوير الحكمانية والإدارة في الخرطوم، وبعدها تعاون مع العديد من منظمات المجتمع المدني، ثم تدرج ليكون خبيراً للحوكمة والتنمية في عدة مؤسسات دولية. وبهذا نجح مادبو في ردم الهوة بين مداركه الأكاديمية والتطبيقية.

    الجنسانية في السودان:
    ليس لي إلا أن أحني رأسي إجلالاً للكاتب مادبو حينما أجول فيما سطًره في موضوع الجنسانية في السودان. فهو يعبرساحات الفكر بشجاعة نادرة قلّ إن تجدها عند كتّاب السودان. لا جدال في أن الجنسانية تقبع في كنف المحظورات، أي التابوهات (taboos)، والتي نهرب منها، نحن معشر المثقفين، كهروبنا من الطاعون. نعم، نحن نتفادي الحديث عن الجنسانية أحياناً من قبيل تركيبتنا المتعمقًة في الفكر الجمعي والذي يحرم الجنس ويشجب الغريزة وفردية الفكر. ما زالت التقاليد السودانية تري أن الحديث عن الجنس لا يتمشي مع التربية السليمة وهو دليل خلل في الأخلاق، أو "قلة الأدب"، باللغة العامية. يظهر عمق هذا المنحي في التربية السودانية جلياً حتي في تعبير أشجع المفكرين، أمثال مادبو والذي لم يستطع الإشارة إلي بعض الألفاظ مثل كلمة "لوايطة" كاملة فكتبها "....طة".

    لقد توقفت طويلاً عند تصحفي لكتاب الجنسانية متسائلاً عما إذا كان المثقفون السودانيون يعانون من مرض إنفصام الشخصية ولماذا يعيشون في عالمَين متناقضين حينما يطرقون موضوع الجنس. هنالك ألفاظ جنسية لا نمانع التعاطي معها في خلواتنا وجلساتنا الخاصة (القعدات) ولكنا نتبرأ منها في منتدياتنا الفكرية ولا سيما العامة منها. هنا يبرز دور الكاتب مادبو حيث إستطاع تحطيم الفراغ بين المجالين- العام والخاص في مجال الجنسانية. دعني أتحول إلي ما أرمي إليه و يتضح هذا من الألفاظ المحظورة علي المثقفين والتي دلف إليها الكاتب في إفتتاحيته لمناقشة الجنسانية في السودان. يذكرنا الكاتب بإشارتنا للجَماع بلفظ النيك. ثم يواصل ملفتاً أنظارنا إلي مشتقات الكلمة مثل نياكة ومنيكة وكلاهما يرمزان إلي الإفساد والإهانة والإسغلال السلبي. علي قبيل المثال، فإن سب الخصم بجملة "أنيك د..ك" يمثل جريمة قحة تستدعي عقوبة السجن لعدة شهور.

    هنالك ألفاظ أخري، عربية الأصل، متطابقة لكلمة "النيك" مثل الركوب، النطح، الحش والوطأ وجميعها ترمز لدونية المرأة وإهانة اُنوثتها. يدعونا الكاتب هنا للتخلي عن العقلية التي تمقت وتقذًر الجنس فهو يدعو إلي فك الأرتباط بين الفحولة واللغة وإعادة صياغة اللغة لكي تتعادل الاٌنوثة بالفحولة دون تجاوز. إن العقل الجمعي قد أفرغ العلاقة الجنسية من أسمي خصائصها المعنوية والروحية وتدني بها إلي الدرك الحيواني وأصبحت العلاقة الجنسية مجرًد علاقة سريرية تنخصر في الغزو والإيلاج.

    يذهب مادبو أبعد من ذلك فيصرح أن "مماوسة الجنس تجلٍ من تجليات الخلق ونظام إحتفالي تتأصل فيها علاقة الحضور بالغياب والميتافيزيقيا بالفيزيقيا (مادبو ٢٠١٨:٨٩). أضيف هنا أن الكاتب يعتقد أن الحب الميتافيزقي والذي يحقق الحب معدوم عند السودانيين.

    أعلم جيًداً أن معظم المثقفين السودانيين لا يستطيعون مناقشة الجنس بهذه الجرأة لأن مسائل الجنس تقع ضمن المحظورات دينياً كان أم إجتماعياً. دعني اُعجًل قائلاً لا عليك فهذا الحديث يندرج تحت علم الجنسانية وهو مادة حديثة في العالم العربي الإسلامي والإفريقي. وكما يحدثنا مادبو، فإن الجنسانية، كمساق علمي، تعني بالعلاقة العضوية بين السلطة والجنس، الجنس والروحانية، ثم الجنس والأخلاق. ليس هذا هو آخر المطاف إذ أن علاقة الجنس بالأخلاق تقودنا إلي غياهب اُخري تشمل الفردية والتي نستعرضها لاحقاً عبر المواضيع العديدة التي يناقشها الكاتب.

    الجنسانية الحالية في السودان ليست وليدة حقب قليلة تمتد إلا عقود معدودة. إنها نتاج تاريخ طويل يعود إلي قرون عدة وها نحن أمام كاتب ملم بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية والتي شكًلت واقع سودان اليوم. فنظرتنا إلي الجنس يتعلق بالموروث العربي الإسلامي الذي إستقيناه من النظام الأموي ومن بعده السلفي وكلاهما مفعمة بالإستبداد والفهم الخاطئ للإسلام والقرآن. يتمثل هذا جلياً في المرأة والتي يستوجِب طردها من المجال العام أو إخفاءها تحت الملابس "الساترة"، وأي، نعم، الساترة من منظور الرجل وليس المرأة، فهي لا مكان لها في الإعراب الذكوري. تعتبر المرأة في هذه المنظومة الفكرية مهدد للمجتمع إذ أن سلوكها، إن لم يتم السيطرة عليه، فسوف يجلب العار والدمار ويعصف بأخلاق العِباد. لم يدرك هؤلاء الفقهاء أن الجنس مبرمج في عقل الإنسان منذ آلاف السنين ولا يمكن إقصاؤه بهذه الجدليات العقيمة. إن الرغبة الجنسية باقية برغم الكبت وهي ليست مشكلة يمكن حلها، ولكنًها معضلة يمكن التعايش معها.

    يري الكاتب أن الكبت الجنسي هو السبب الرئيسي في إنتشار الإنحرافات الجنسية والتي أصبحت سمة مهولة في مجتمعنا. ولا غرو أن إنتشار الجرائم الجنسية، من إغتصاب للأطفال والنساء، بل والرجال، والذي نسمعه يومياً لهو دليل معزًز لإفتراضيات الكاتب. لا تقتصر هذه الإنحرافات علي الشباب فقط وإنما تنتشر بين قادة المجتمع، بل وتبلغ ذروتها بين من هم أكثر طهرانية وتبجًحاً بالتَدَين. لقد عمًت الجرائم الجنسية في مجتمعنا حتي أضحت حالة سوسيولوجية عامة وليس نشاذاً عليها. ويمضي الكاتب قائلاً أن بؤس المنهاج الذي إتًبعناه وفرضناه علي مجتمعنا لا يختزل نفسه في المحاولات الفاشلة لأقصاء الأُنوثة، بل يذهب أبعد من ذلك، إذ إنحطّ بالغريزة الجنسية حتي أصبحت عٌقدتنا الاجتماعية.

    يسير الكاتب قدماً ويطور فلسفته عن الجنسانية ويقفذ بها إلي مدارك أُخري قلً أن يضعها القارئ في الحسبان. يفاجئنا مادبو بتصريحه أن الجنسانية، والتي تربينا وجُبرنا علي تفادي الحديث عنها، يمكن أن تشكًل المدخل لحل جُلً مشاكلنا بمعرجاتها المختلفة، إجتماعياً وسياسيآً وإقتصادياً، بل وروحياً أيضاً. ؤلعل هذا هو من أروع تجلًياتة الفكرية وإن لم يكن الوحيد في أعماله المختلفة. أرجو أن أفلح في إيضاح ما أرمي إليه في الفقرات المتبقية في هذا المقال.

    يواصل مادبو رسالته فيقول أن قادتنا، ومعظمهم منغمسون في المرجعية السلفية، قد آثروا ألا يفسحوا المجال أمام الإحتفاء بالفردية والتي يرونها المهدد السياسي الأكبر في المجتمع. لكن وأد الفردية يقود إلي وأد الحرية أيضاً. يقودنا هذا إلي أكبر مشاكلنا إذ لا يكون الإنسان كائناً أخلاقياً إلا بممارسة حريته في الإختيار بين الخير والشر. أي أن وأد الفردية تسلب الإنسان حريته وتجعله عديم الأخلاق يستسلم إلي العقل الجمعي من واقع الخوف أو النفاق وليس الإقتناع. يزيد مادبو هنا أن وأد الفردية أيضاً يَعني قبر الفكر وهذا هو ما يفسر عدم وجود مفكرين إسلاميين في قائمة مفكري العالم.

    إن إنعدام الفردية وحرية الخيار أدي إلا إقصاء الروح من التدين فأصبح الأخير يتجلي في المظهر بعيداً عن القلوب. إنحسر الدين الآن في الجانب المحسوس، المرئي منه والمسموع، وإنعكس في إطلاق اللِحي والذقون والقفاطين والعمم، وفي البراقع الزائفة، إن شئت أن تقل. يسترسل الكاتب قُدماً ويفضح فشل فقهاءنا في قراءة وفهم التغيير الذي طرأ في مجتمع اليوم وبُعده التاريخي. نحن الآن نعيش في عصر العولمة وهو حُقبة عصفت بقدسية الأديان والفلسفات الشمولية الأُخري. ولهذا فلا مناص الآن إلا الولوج إلي مجتمع يصبح فيه الإنسان كائناً أخلاقياً ولا يمكن ذلك إلا بإطلاق، وفك أسر الحرية الفردية.

    دعونا نعود في خاتمة هذا الجزء من المقال إلي الجنسانية، وبالأخص أثرها في إنتهاك الأُنوثة ومعاداتها. يقول الكاتب أن هذا هو السبب في إذلال المرأة وتعرضها للعنف المبرمج في المجتمع السوداني، ثم يوصف لنا ملامح الخروج من هذه الأزمة. لا يسع المجال هنا للإيراد التفصيلي لمقترحاته ولكني أورد قوله إن العنف ضد المرأة يحتاج إلا إصلاحات في عدة محاور في مجتمعنا:
    إصلاحات بِنيوية تزيل معوقات المرأة وتطورها.
    أصلاحات سياسية بما فيها قوانين ولوائح الدولة.
    إصلاحات روحية وتربوية تحفظ كيان المرأة.
    إصلاحات إجتماعيّة مع توفر الدعم النفسي والإستشارة الطبيّة.


    أزمة التنمية والحكمانية في السودان
    لا غرو أن مادبو يعد من ألمع علماء السياسة في السودان، وتحتل مشاكل التنمية والحكمانية والقيادة السياسية حيزاً كبيراً في كل كتبه بما فيها ديوانه "نفحات الدّرت" (أُنظر مادبو الإدزميل، المدينة الآثمة، دارفور، ثورة الوسط ٢٠٠٣ ونفحات الدّرت). ولعل أكثر المناحي تفرداً في كتابات مادبو هو تخصيص الأخلاق كمحور أساسي في فكره وقراءته للتاريخ، بل وفي تشخيص الأزمة السياسية والتنموية التي يعيشها السودان. صحيح أن الفيلسوف الشهيد محمود محمد طه قد أثري الفكر السوداني بحصافة إنتقاده لمحنة الأخلاق في "فكر" الجبهة الإسلامية الحاكمة في ثمانيات القرن المنصرم. لكن مادبو إستطاع أن يعطي الأخلاق بعداً واسعاً يشمل جميع النخب السياسية في السودان ويبلورها لفك الأزمة الحالية في البلاد.

    دعني أبدأ بالمركز الحاكم في السودان كمدخل للمعارج الشائكة التي تسلَّكها المفكر مادبو لتشخيص الأزمة الحالية في السودان. وحينما نتحدث عن المركز كسلطة مهيمنة علي البلاد وليس البعد الجغرافي، فنحن نشير إلي ما سٌمِّيت بمؤسسة الجلابة في السودان. يتفق مادبو مع الكاتب محمد جلال هاشم أن مؤسسة الجلابة ليست عِرقية الأصل إذ أنها مفتوحة، لحدٍ ما، لإحتواء قادة الهامش، ولا سيًما الذين يعنون بمصالحهم الشخصية علي حساب مطالب مناطقهم المهمّشة (هاشم ٢٠١٤). إن الإفتراض أن مؤسسة الجلابة ليست كٌتلة جغرافية لا يعني تساوي الأعراق أو بالأحري الإثنيّات السودانية التي تنضوي تحت لوائها. إن الحقيقة الماثلة أمامنا أن مؤسسة الجلابة هي حِكْر لإثنيّات معيّنة وهي التي تهيمن علي القرارات والسياسات المحورية في النادي.

    يقول محرِرو الكتاب الأسود، أن مؤسسة الجلابة تمثل ٥٪ من سكان السودان. أما الكاتب مادبو، فيقول أنهم لا يتعدون ٢٪ من جملة سكّان البلاد(الكتاب الأسود ٢٠٠٤). بالرغم من ذلك، فإن مؤسسة الجلابة نجحت في رفع ثقافتها لتصبح ثقافة السودان وهويتها لتكون هوية السودان وحولت جلّ موارد السودان لتطوير منطقتها الجغرافية، والتي يسميها مادبو"دولة شمال شندي".

    لا أود أن أُبدد وقت القارئ في مسألة توجيه موارد البلاد إلي الشمال النيلي، إذ أن هذا قد أصبح واضحاً لا يحتاج إلي جهد. والتاريخ التنموي في السودان حافل بالأمثلة، نذكر منها الطرق والمطارات التي تجافي المنطق الاقتصادي، والمشاريع الزراعية، بما فيها توطين زراعة القمح في منطقة صحراوية لا تصلح للزراعة بعائد إقتصاديٍ مجزي ولكن لا حياة لمن تنادي. يتساءل مادبو: ما جدوي إستصلاح أراضي بتكلفة ٤٠٠ دولار فيما يكلف إستصلاح نفس الوحدة من الأرض ١٥٠ دولار في دارفور؟. وما جدوي إنشاء طريق ثاني موازي للنيل في الشمال في حين أن نفس الطريق إن أُنشأ بين الخرطوم ومدني فسوف يأتي بعائد يفوق الخيار الأول بعشرات المرات؟. يستخلص مادبو قائلاً أن سلطة المركز قد أهملت السودان بأكمله لصالح قيام دولة شمال شندي الوهمية.

    لقد بنت مؤسسة الجلابة سلطتها علي الإستعلاء العرقي الهرمي والذي يعطي الأولوية للذين ينتمون إلي العروبة، ممثلة في إنتسابهم للعبّاس أو الأشراف، حسب زعمهم. إنطلي هذا علي الشعب السوداني برغم دحضه من قِبل تحقيقات الحمض النووي الحديث، والتي ترجع الإثنيات العربية المزعومة إلي هضبات شرق إفريقيا أو غربتها. إن إدعاء الجلابة بأصولهم العربية قٌوبلت بالسخرية والإستهذاء، ليس فقط من قِبل البحوث العلمية، بل من الدول العربية نفسها. قِيل إن السودانيين إختاروا أن يكونوا أسوأ العرب في حين كان لهم الخيار في أن يكونوا أحسن الأفارقة! هذا الزعم لا يستقيم إلا من زاوية مُفعمة بالعنصرية، فما الذي يجعل السودانيين أفعل الأفارقة؟ أهو اللون أم اللغة أم عن ماذا يتحدثون؟

    لقد إختار قادتنا السياسيون أسوأ ما قدمه التاريخ العربي الإسلامي في نظم الحكم. هذا هو ما أطلق عليه الكاتب لفظ "الحاكمية" والتي يتماهي فيها حكم الفرد المتسلط مع الدين والدولة. هذا النمط في الحكم قد تجسّد في الدولة الأموية، في سنّة أبي جعفر المنصور، والتي تكفّل بنشرها علماء السلفيين والوهابيين وأخيراً دعاة الأسلام السياسي الحديث. لقد ساد هذا النموذج في السودان إبان المهدية ثم اُعيد إنتاجها بمسميات عدّة فيما بعد الإستقلال.

    لقد كرّس هذا النهج في الحكم سيطرة القوي المستعربة في السودان علي جميع المناحي في البلاد فأصبحت مهيمنة علي السياسة، والمال والثقافة والدين علي حدٍ سواء. إن إستئثار النخب المستعربة بالحكم قد مسخ هوية السودان حيث أصبحت العروبة الزائفة عقدة يصعب إزالتها. يقول الكاتب أن اعلام السودان المرئي يعجُّ بالنساء اللائي يتشبهن بمذيعات القنوات العربية بِتَقمّص الأزياء واللغة، بل حتي لون البشرة، كلها جرياً لإثبات عروبة السودان. لقد أصبحت المساحيق الفاقعة للون البشرة من أكثر البضائع درّاَ للربح في أسواق السودان حتي فاقت قيمة إستيراد المساحيق ما تصرفه الدولة في إستيراد القاطرات الزراعية. ولم تسلم حتي أسماء قري السودان من هذا السخف فقد عمدت السلطات السودانية لتغيير أسمائها حتي تتمشي مع العروبة المسلوبة. علي سبيل المثال، فإن قري أعصرني وبروش وعريجة وعد الغنم تحصّلت علي أسماء "عربية" جديدة وهي أعذرني، عُروش، ْعديلة وعد الفرسان.

    لم يذكر المؤلف أن تغيير الأسماء أيضاً طال البشر مثلما طال أماكن سكنهم. قليل من السودانيين يعرفون أن الفقيد خليل إبراهيم، الرئيس السابق لحركة العدل والمساواة قد تحصًل علي إسم خليل في أول يوم له في المدرسة الإبتدائية. وقد كان خليل من قبل يحمل إسم هنان، وهو الإسم الذي عرف به بين أهله وبنحدر هذا الإسم من لغة الزغاوة (التوم ٢٠١١). إن تغيير أسماء القري وسكانها يهدف إلي إعادة كتابة تاريخ السودان وطمس هويته إذ آن لهذه الأسماء مدلولات هي جزء لا يتجزأ من هوية الفرد وإنتماءاته في مجالات عدّة.

    ليت تغيير الأسماء يأتي فقط من السلطة ومع إمكانية قبولها أم رفضها. لكن ما يؤلمنا هو أن يقوم أعضاء الأثنيات المهمشة تغيير أسماءهم تقرّباً للنخب المستعربة. ذكر مادبو أن السياسية المرموقة حليمة حسب الله ، التي تنتمي إلي قبيلة القمر في أقصي دارفور، زعمت إن قبيلتها تنتسب الجعليين. ويتعجب الكاتب كيف لإثنية أتت من غرب إفريقيا أن تتعلق بإثنية تدحرجت من هضبة شرق إفريقيا؟. وأقول إن كان في الإمكان للجعليين أن ينتسبو إلا العباسيين، فما يمنع القمر، أو القمراب كما تفضل الأُستادة تسميتهم، أن ينتسبو ألي الجعليين برغم البعد الجغرافي.


    يري الكاتب مادبو أن حكومة الإنقاذ هي الوريثة الشرعية للمهدية فكلاهما قننتا القهر، متدثرتان بالطهرانية الدينية. إشتهرت المهدية بأنها "أتت لخراب الدنيا وإعمار الآخرة". يذكرني هذا بقول خليل إبراهيم والذي أشرت إليه سابقاً. قال خليل آنه إشتكي حِدة الفقر في إحدي مناطق دارفور للشيخ حسن الترابي. رد عليه الشيخ قائلاً: دع عنك الفقر وأملأهم ديناً "أملاهم دين". أما المهدية، فقد بلغت ذروة قهرها في يد قائدها عثمان جانو، والذي أشبع دارفور قتلاً وتنكيلاً حين قال: "أنا دخلت دارفور جَبُر، بخرب الدار وبعمٍر القبر". نعم، تلك هي المهدية التي بنت مشروعها علي الكذب بالإدعاء أن المهدي كان دائم التواصل مع الرسول الكريم وأن نبي الله الخضر قاتل معه في جلّ معاركه ضد الأتراك. لقد إعترف الخليفه عبدالله ببطلان دعوة المهدي عندما طالب أبناء المهدي أن يرثوه بعد وفاته. لم يسع الخليفة إلا أن يوبًخهم قائلاً: "مهدية شنو؟ ده حكم ساكت".

    أما حكومة الإنقاذ فهي أيضاً قامت علي زعم كاذب فقد سوقت إنقلابها بأنه فعل وطنيين لا علاقة لهم بالتنظيم الإسلامي. لقد قام عرًابهم الترابي بفضح هذا الادعاء في مقولته الشهيرة أنه "ذهب إلي السجن حبيساً في حين ذهب البشير إلي القصر رئيساً"، وكل حسب خطة، بل أُكذوبة التنظيم الإسلامي. ومثل المهدية، فالتنظيم الإسلامي العالمي لا يعطي أولوية للإنسان أو الوطن وإنما للعقيدة المشوهة التي تقنن الظلم وتشرعن قتل الأبرياء.

    يقول مادبو أن مؤشرات التنمية وإحصائيات القتل والتشريد والحروب الأهلية في أرجاء البلاد تشير إلي سجلهم الغير أخلاقي. وليس أبلغ دليل علي الإنحطاط الأخلاقي من قول رئيس السودان الحالي أنه "شرف للغرباوية، أي الدارفورية أن يغتصبها رجل من إثنية الجعليين"، وهذا قول تبرأ منه الجعليون قبل غيرهم في البلاد. ولكن النظم الطهرانية تري بقاءها في السلطة حق إلاهي وواجب سماءي رغم إعترافهم بفشل مشروعهم الحضاري. أقوال قاداتهم تدل علي أنهم غير عابئين برغبة شعوبهم ومحاولات إبعادهم من السلطة وقد صرًح أحدهم أنهم لن يسلّمو السلطة إلا للمسيح. ويخلص مادبو أن دولة الإنقاذ لا تملك سلطة الأخلاقية تمارس بها الحكم الشرعي في السودان.

    أما بيتا الكهنوت في السودان، المهدي والمرغني، فالا يراهما مادبو إلا وجهاً آخراً كالحآً للإسلام السياسي، إذ أن كلاهما منغمسان في الفكر السلفي الوهابي. آلجمع بين رئاسة الحزب السياسي والطائفة الدينية هو ديدن الإمامين، الصادق المهدي وأحمد الميرغني. السيدان يتشدّقان بالديموقراطية مع الإصرارعلي جمع الإماميّة برئاسة الحزب رغم أن قيادة الأولي تأتي بالإنتداب في حين أن رئاسة الحزب تتطلّب الإنتخاب.

    يشير مادبو إلي أن الصادق المهدي قبع في رئاسة حزب الأُمة أكثر من نصف قرن وما زال متمسّكاً بدفتها بل هو يسعي جاهداً الان لخلافة البشير. لقد نجح الصادق المهدي في الحفاظ علي رئاسة حزبه بالتلاعب بإنتخابات الحزب الرئاسية وشل مكتبه الرئاسي. لقد حدي به إصراره علي البقاء علي رئاسة حزب الأُمة لتصعيد ١٣ من أُسرته إلي المكتب السياسي للحزب. يقول مادبو أن رصيف الصادق المهدي، المرغني، كان أكثر صراحة وأمانة. قال المرغني لأتباعة في الطريقة المرغنية، وهم أيضاً أعضاء حزبه السياسي في نفس الوقت، أنه ورث الحزب عن أبيه وسوف يورًثه لأبنائه. لو أن الصادق المهدي تحلًي بهذه الأمانة لكان كفانا عناء الجدال. والغريب في الأمر أن الإمام الصادق، أو الكهنوت كما يسمًيه الكاتب، كان ينادي بالفصل بين المنصبين قبل عدة قرون ولم يرث حينها إمامية الأنصار.

    لقد بُنيت المهدية علي أشلاء وسواعد أبناء وبنات غرب السودان، فلولاهم لما دخل المهدي الخرطوم ولولاهم لما أصبح الصادق المهدي رئيساً للسودان مرتين وليس مرةً واحدة. بالرغم من هذا، فإن أبناء دارفور قَبِعو في موقع الإستعباد والإستغلال طوال تاريخ حزب الأُمة فيما ظلً الإستعلاء العرقي يؤطًر مرارات الحزب في فكره وسياساته. فعندما حظي عبدالرحمن المهدي بالسلطة في مشروع الجزيرة، قام بتعيين جميع مدراء المشروع من بني جلدته، الدناقلة والأشراف. وعندما صدح العالم بضرورة محاكمة البشير لإرتكابه الإبادة الجماعية في دارفور، إنبري المهدي للدفاع عنه قائلاً: "البشير جِلدنا وما بنجر فيه الشوك". لم يكن ذلك فلتة عارضة، فهذا هو ديدن حزب الأُمة وقادتها. عند دخول خليل إبراهيم الخرطوم (٢٠٠٨)، طالب المهدي بإلقاء أصعب العقوبات عليهم. في ذلك سار المهدي علي خُطي عمّه الذي وصف قوات الصادق المهدي الغازية للخرطوم في عام ١٩٧٦ بأنهم مرتزقة أجانب. لهذا فإن الصادق وعمه ملتزمان بخط الحزب العنصري، والذي لا يري في مواطنين غرب السودان، عربهم وأفارقهم، إلا عشب مدافعٍ تنتهي صلاحيتها بمجرد إحتراقه.

    لقد تقدم الإمام الصادق في العمر ولم يتبقّي له إلا القليل في هذه الفانيه وربما يأمل بعض أتباعه أن أبناءه وبناته قد يستطيعون تغيير مسار الحزب وإنقاذه من ذاته السقيمة، ولكن هذا حلم لا يمكن تحقيقه. ظهر هذا جلياً في تعبير المنصورة؛ إي مريم المهدي، وهي التي "تمكيجت" لخلافة والدها، حينما دافعت عن الجنجويد قائلةً: "الجنجويد ديل أولاد أنصار وحقّينا". هذه الجملة تعبّرعن موقفها من ضحايا الإباده الجماعية في دارفور والتي تقارب ال ٣٠٠،٠٠٠ شخص. معظم هؤلاء هم أبناء وبنات أنصار وقد شكّلو العمود الفقري لحزب الأمة وعبر تاريخه ومنذ الثورة المهدية. لا يجد العارفون بالأُمور بداً للعجب حيال تضرع المنصورة إذ أن والدها هو بمثابة الأب الروحي للقوات القبليّة في السودان فهو أول من كوّن مليشيات إثنيّة شكلت النواة الأولي لما سُميت الآن بالجنجويد.

    دارفور
    تمثل دارفور الاجتماعية ٥٢٪ من سكّان السودان، حسب إحصائيات الكاتب. وبالرغم من أن إقليم دارفور يمثّل عماد الاقتصاد السوداني، إلا أنه عاني الكثير من قتلٍ وتشريدٍ وحرمانٍ في مجال التنمية. الآن يعيش ثلث سكّان الإقليم في الملاجئ وقد إقترن إسم الإقليم في مختلف بقاع العالم بأقبح سوءات البشرية من إغتصابات وإبادة جماعيّه وجرائم حرب وإنتهاكات بحقوق الإنسان. يقول مادبو، وهو لا غرو محقٌ في ذلك، أن وضع دارفور يعكس عظمة الخلل في السجل الأخلاقي، والذي ظل ملازماً لسلطة المركز منذ الإستقلال.

    يورد مادبو إحصائيات مؤلمة عن نصيب دارفورفي صرف الدولة التنموي تعكس الظلم الذي يعانيه الإقليم والعنصرية الفجّة التي تميزت بها حكومات المركز. ففي إحدي الميزانيّات، تحصّلت ولايتي الشمالية ونهر النيل علي أربعة أضعاف نصيب ولاية غرب دارفور بالرغم أن الأخيرة تفوق الأولي ب ١٥٠٠ نسمة. تنعكس هذه المفارقة أيضاً علي القروض إذ يبلغ نصيب إنسان وسط السودان ٣٩٠$ في مقابل ٣٩$ للفرد في دارفور. أما فيما يخص الرعاة، ومعظمهم من غرب البلاد، فحدّث ولا حرج. يساهم الرعاة ب ١٨٪ من الناتج القومي ولا يتلقّون إلا ١،٨٪ من الدعم القومي. ويستغرب الكاتب كيف تنشئ الحكومة المسالخ في الخرطوم وليس في مناطق الإنتاج في غرب البلاد. ويبلغ الظلم حدّ الغباء الاقتصادي أحياناً كما الحال في سدّ مروي والذي يتطلّب مبلغ ٢٠٠٠ دولار لإستصلاح الفدان الواحد في مقابل ١٠٠ دولار في دارفور. هذا، مع العلم أن أراضي مروي صحراوية ولا يمكن إستغلالها إقتصادياً، قياساً بأراضي دارفور.

    يقول مادبو أن القوي المستعربة ورثت من الإستعمار حِكمة "فرّق تسد" فطورتها لتكون "فرق تُدمّر". هذا هو ما حدث في دارفور وذلك بتأجيج الشقّة بين الإثنيّات ولاسيما بين العرب والزرقة. لقد ذهب البشير إلي أبعد من ذلك حينما صرّح بأن تصبح لقبيلة الفور ولايتهم، بالرغم من أن الولايات لاتمثّل قبائل وليس هناك ولاية واحدة في السودان تقتصر علي قبيلة واحدة. لكن الفتنة بين إثنيّات دارفور تهدف إلي إضعافهم وتضمن هيمنة المركز.

    إن الجري وراء الدول العربية قد حرم البلاد من إستغلال بُعد دارفور الثقافي في السودان. دارفور هي معبر السودان إلي أعماق إفريقيا وبالأخص غربها مما قد يعود للسودان بأضعاف ما يجنيه من البلاد العربية. لكن النظرة الضيًقة والعنصريّة للعروبة حالت دون ذلك. فالمركز في السودان ينظر إلي دولة تشاد بعنصريّة متناهية بالرغم من أن تشاد دولة عربيّة حقّة إذا نظرنا إلي حجم الإثنيّات العربيّة التي تعيش فيها. الغريب أن النظام بادر بإحلال الإثنيّات الزنجية في دارفور بأُخري عربيّة مستوردة ولم يرعوي من زرع الفتنة بين عرب دارفور الأصليين كما حدث بين الرزيقات والمعاليا.


    يشخّص الكاتب بعض خصائص دولة تشاد ويعطي صفوة السودان درساً قاسياً في الإعلام. يقول مادبو أن الإعلام في دولة تشاد يتواصل مع العامة بلغتهم المحليّة ورموزهم الثقافية من ملبس وحِكم وغيرها. أما في السودان، فيتحدث إعلامهم. بلغة تحتقر لغة العامة وثقافتها وبرمزيات لا تتواصل مع شعوبها. فمذيعات تلفزيونات السودان يتعمّدن مجارات سحنات فتيات الدول العربية بالمساحيق تارة وبالأزياء المخلّة بالوعي السوداني تارة أُخري، وما النتيجة إلا مسخ فلا هو بالسوداني الأصل ولا هو بالأجنبي. ويتساءل الكاتب: لماذا لا نعتني بالهيأة التي خلقنا الله بها؟

    يراهن الكاتب أن دارفور سوف تقرر مصير السودان. لابد أن هذه الفكرة أصبحت هاجساً يقض مضاجع النظام الحاكم الإستبدادي. لقد صرّح الفريق صلاح قوش محذّراً: "إن إنهيار النظام يؤدي إلي حكم الغرّابة وسوف ينتهكون عرضكم و....". ويعقّب مادبو قائلاً: "أهلاً بهم، فهم أصحاب البلاد".

    يواصل مادبو تكهّنه أن دارفور تتمتع بالإرث الحضاري والذي يمكنها من تجاوز محنة الإستلاب والإستعمار الداخلي التي تمر عليها. ثم أن ٨٥٪ من الجيش هم من الزرقة مما يمكنهم إستلام السلطة بالقوة إذا لزم. أما إذا كان الخيار هو التحوّل الديموقراطي، فهنا أيضاً تتميّز دارفور بالسبق إذ أن دارفور الإجتماعيّة تمثّل قرابة ال ٦٠٪ من سكّان السودان. ضف علي ذلك قطاعات مهمشة كبيرة تفضل أن تساند الزرقة بعد فقد ثقتها في جلّاديها في المركز.

    تفكيك المركز والخروج من الأزمة
    يحدّثنا الكاتب مادبو بأن الخروج من أزمتنا الحاليّة لا يتم إلا بإقتلاع مؤسسة المركز، "المنحطّة" حسب تعبير الكاتب، وإعادة تركيبة السودان، بما فيها عقله الجمعي. يذكرنا الكاتب بأننا تجاوزنا العالم القديم وعبرنا الجسر المؤدي للعولمة وحقبة ما بعد الحداثة. إن دولة ما قبل الحداثة يؤمها فئة التمييز الديني والعرقي والقبلي. ولكن دولة ما بعد الحداثة، فهي علي النقيض حيث تؤول الهيمنة للمواطنين والذين يستأثرون بوضع تصوّرات المجتمع، دون تمييز عرقي أو ديني أو قبلي. لقد إستمرأت قادة السودان إغفال هذه الحقيقة، ربّما لجهل في قراءتهم للتاريخ، وربّما عِنوةً في تجافي ما لا يتسق مع مصالحهم الآنيّة ووهمهم في الحفاظ علي السلطة إلي يوم الدين. لقد فضحت العولمة هذا الزيف لأنها نزعت القدسيّة لأيّة مرجعيّة كبري، تاريخيّة كانت أم دينية. فلم يعد هناك مبرّرٌ للتوسط بين الفرد وآلهته بهيئة حاكم أم إمام أم كاهن، ويضيف الكاتب هنا أن الإسلام ينبذ الكهنوت. لهذا فإن تحالفات الطائفيّة والإسلام العالمي والمسيطرة علي السودان قد تحاوزت شرعيّتها للبقاء في سدّة الحكم. ويسري هذا الرأي أيضاً علي فقهاء الدولة والذين يطوعون الشرع وأحياناً القرآن الكريم، تقرّباً للحكّام ولهفاً لرضائهم.

    إن إنهيار المرجعيّات الكبرى في عالم ما بعد الحداثة يفتح الباب علي مصراعيه إمام الفرد لكي يتبوء المركز الأول في تفسير وتوجيه سُبل الحياة في المجتمع. ويحدث هذا خصماً علي دور الأئمة والفقهاء الذين كانو يستأثرون بالوساطة بين الفرد وآلهته. ولكن صعود الفرد إلي هذا المنعتق، لا يتم بغير إطلاق حريّته وتمكينه من الإختيار بين الخير والشر. يواصل مادبو ويستخلص أن هذا التحول هو الذي يجعل من الفرد كائناً أخلاقيّاً، ولعل هذا هو سبب الخلل الأخلاقي في دول ومجتمعات ما قبل الحداثة. وللأخلاق دور مفصلي في السياسة حيث يتحتم علينا دفع السياسة أخلاقيّاً والنأي عن المحاولات الفاشلة في دفع الأخلاق سياسياً عبر القوانين الرادعة.

    نعم، إن الفرديّة مرهونة بتوفّر الحريّة الشخصيّة وكلاهما تمثلان أهم محوري مجتمع ما بعد الحداثة. لكن للفرديّة حتميّة أُخري لابد أن تتحقق وتتمثل هذه في الخلاص من النمط القديم والذي يؤطّر إصدار القرارات وتطبيقها علي المجتمع. تتميز دُول ما قبل الحداثة بأن قراراتها فوقيّة يتم إنزالها من أعلي الهرم. أما فيما بعد الحداثة، فلا بدّ من تغيير هذا المسار، بحيث يتم ترشيح البرامج من أسفل الهرم لكي تتصاعد إلي أعلاه.

    يقول مادبو أن جدل الدستور الإسلامي ظلّ يمثّل هاجساً في السودان منذ بزوغ الإستقلال. ليس هذا فحسب، بل أصبح من المهدّدات الكبرى لكل الحكومات، إستبداديّة كانت أم ديموقراطيّة. يذكرنا مادبو أنه آن الأوان لكي نتجاوز هذه المعضلة، إذ أن العولمة قد سحبت القدسيّة من كلِّ الفلسفات الكبرى، بما فيها الإسلام. لهذا فإنه يدعو إلي نظام علماني لأن الشريعة الإسلاميّة غير ملزمة كمرجعيّة لغير المسلمين وقد يسري ذلك علي المسلمين الذين لا يقتادون بالدين في حياتهم اليوميّة. يواصل مادبو فيقول أن سكّان دولة ما بعد الحداثة هم مواطنين قبل أن يكونوا مؤمنين وتطبيق الشريعة عليهم يؤدّي إلي تقسيمهم إلي مواطنين من الدرجة الأولي وذميين من الدرجة الثانية.

    أما النظام العلماني الذي يصبو إليه الكاتب، فهو يقف علي النقيض إذ أنه يساوي بين المواطنين بغض النظر عن إختلافاتهم الدينيّة والعرقيّة وغيرها. يطمئننا مادبو أن الدستور العلماني لا يستعدي الإسلام ولكن يفسح له المجال أُسوة بالأديان الأُخري. من هنا نخلص أن الكاتب مادبو لا يعادي الأديان ولكن منطلقاته تتعارض مع منطق ودعاة الدستور الإسلامي. أما فيما يخص تفسيره وفهمه للقرآن، فيري مادبو ضرورة الفصل بين الزمنيّة والروحيّة في الإسلام، وإفتراضاً في الأديان السماويّة الأُخري. ما يرمي إليه هو أن الزمنيّة مرتبطة بتطوّر المجتمع وهذا يحتّم المرونة في الإستقاء من القرآن. أما الجانب الروحي (الروحيّة) فسوف يظلّ منهلاً يسترشد به المسلمون في أي مكان وزمان ويصبح مورداً لقيادة الأخلاق وإثراء المجتمع. يصرّح مادبو في هذا المساق، أن الدين بمعناه السياسي الآيديولوجي قد إنهزم ولكنه باقيً بمعناه الأخلاقي الإنسانوي.

    يتفرّد الكاتب مادبو بين المثقّفين السودانيين بأنه ليس مفكّراً نظرياً فحسب، إذ أنه شديد الإلمام والإهتمام بالجانب العملي التطبيقي. فلا تخلو إنتقاداته العميقه لإزمة المجتمع السوداني من تشخيصات وحلول يمكن الإسترشاد بها لتجاوز الأزمة. هذا هو ما فعله مادبو عندما أمّن علي ضرورة تفكيك مؤسسة المركز في السودان.
    يقول مادبو أن هناك نوعين من الأنظمة القهريّة في مجتمعنا. أولاً هنالك أنظمة عقائديّة شموليّة مثل نظام القذافي في ليبيا وصدّام حسين في العراق والنظام الحالي في سوريا. ويتابع أن هذه الأنظمة لا يمكن إزالتها ألا بالقوة. إي بمعني آخر، لا يمكن إجتثاثها بالمظاهرات أو الإنتفاضات لأن هذه الأنظمة لا ترعوي عن قتل شعوبها من أجل البقاء في السلطة.

    ثانياً, توجد الأنظمة الإستبداديّة مثل نظام حسني مبارك في مصر وبن علي في تونس وهذا النوع من الأنظمة يصلح الإطاحة به عبر الإنتفاضات. يعلل مادبو رؤيته بأن هذه الأنظمة ترتبط بالشخص الرئاسي والذي يحلم بالخلود وليس الحق المطلق في ترسيم حدود الوجدان. ويفهم القارئ هنا أن نظام السودان الحالي يقوم علي مؤسسة المركز والتي لا يمكن إقتلاعها بالعنف العسكري، أي تهشيمها بالقوة. ليس هذا جديد لأن أنبياء الهبوط الناعم كُثرٌ وقد نقول أنّ الصادق المهدي هو أشهر قادتهم في السودان. ولكن مادبو يمضي أبعد من هذا ويشير إلي الطبقة الوسطي في السودان وفي إنها هي التي يمكن التعوّل عليها لإحداث التغيير المُرجي في البلاد. يطوّر مادبو تعوّله علي قطاع الطبقة الوسطي إستناداً علي قراءة الكاتب محمد أبو القاسم حاج حمد لإنتخابات ١٩٨٦- ولكنه يغفل إيراد عمل الكاتب، أبي القاسم، في باب المراجع. يقول أبو القاسم أن ٨٠٪ من الناخبين قد أحجمو عن التصويت في الانتخابات، وهذا يعني أنهم تحدُّو إستقطاب اليمين واليسار، إي الطائفيّة والإخوان المسلمين من جهة، والشيوعيين من جانب آخر. يتميّز هذا القطاع بالتبعيّة للمذهب الصوفي والذي ينبذ التنافس الإنتخابي ويحبّذ الترتيب العلماني الذي يفصل بين السلطتين، الزمنيّة والروحيّة، ولكنهم يرفضون عقلانيّة العلمانيّة، والتي قد تعصف بقدسيّة العلاقة بين الشيخ ومُرِيديه. نافلة الحديث أن هذا هو القطاع الذي يمكن الإعتماد عليه في إحداث التغيير في السودان.

    ديوان نفحات الدرت
    ربما يتقف معي الكثير أن صدور ديوان "نفحات الدرت: بين وطن يتردّي وغربة تتبدّي، ٢٠١٧"، كان مفاجأة سارة لمعظم القرْاء. لقد إستمرأنا الإطّلاع علي مقالات مادبو وما كنّا نعرف أن الشعر يسري في عروقه. أقول جازماً أن ديوان نفحات الدرت يعكس شخصيّة مادبو المعقّدة أكثر من كتاباته النثريّة ويفشي حالة التمرد المزمن الذي يعيشه. يظهر هذا التمرّد جليّاً في تلاعب الشاعر وإنتهاكاته الصارخة لتقليديّات الشعر العربي من مقوّمات وبحور وقوافي ولغة.

    لا أدري كيف أصف شعر مادبو، فهو يتحدّي التصنيف، فقد نقول أنّه الشعر النثري أو النثر الشعري، أم كلاهما في آنٍ واحد. قلت سابقاً أن شخصيّة مادبو معقّدة ومتعمّقة في التباين الذي لا يخلو من التناقض المثير. يعكس الديوان سيرة الشاعر تماماً فهو قد تخرّج في أحدث الجامعات الغربية حيث إستقي من أدبيّات العولمة ولكنّه أيضاً درس القرآن في إحدي الجامعات الوهابيّة ذات التاريخ التقليدي في السعوديّة. ينتسب الشاعر إلي حزب الأمة وهو حزب غارق في الفكر التقليدي ولكنه لا يتورّع في الهجوم علي رئيس الحزب بالنقد المؤلم. تنعكس كل هذه التناقضات في ديوان نفحات الدرت مما يعطي الكلمات بُعداً يفرض علي القارئ التأمّل والتعمّق في محتواه.

    تأتي "نفحات" شعر مادبو في لغة عربيّة رصينة مهجّنة بلغة عامة السودان، ولاسيّما مناطقه الريفيّة. ويستثمر الشاعر حِكم أهل السودان ويمزجها بمعاني من العالم العربي وإرثه الثقافي. يطوف الديوان بالقارئ ويحلّق به في أجواء عدّة، متطرّقاً لقضايا السياسة والحكم الشعبيّة والحب والغزل، بل العلاقات الشخصيّة والتي هي ديدن الإنسان البسيط.

    وفي منحي آخر، فإن نفحات الدرت يختلف أيضاً عن الدواوين التي تعودنا الإطّلاع عليها. فهذا الديوان أقرب إلي كتب الرسم، والتي يطلق عليها "كتب طاولة القهوة" والتي تتطلّب التعمّق والتفكير المتأني في محتوي كل صفحة علي حدة (أنظر بدري قاسم). هذا الديوان جدير بأن يحتل موقعه في مكتبة كل سودانيٍ يهتم بالفكر والأدب في عالمنا الحديث.

    تعقيب ودردشة فكريّة
    لقد وصف الكاتب جملة أفكاره "بالوليديّة". ويعرّف الكاتب الوليديّة بأنها مِمبرٌ يستعرض قضايا مفصليّة ليس بهدف إعطاء الإجابة عليها ولكن بغرض إثراء النقاش الفكري. وأتمني أن يفهم القارئ أن ما أُسطّره في عجز هذه المقالة يمثّل إدلاءاً في هذا النقاش وليس إقلالاً، بل ولا نقداً لعمل الأستاذ مادبو.

    توقفت طويلاً عند وصف الكاتب مادبو للرعويين، وهم أهله الذين ينتمي إليهم. قال أن الثقافة البدويّة تعني بالمغنم وأن الرعوي يرغب التنافس المتوحّش. ثم أجمل الرعويين مع الفلاحين، إي المجموعات الزراعيّة المستقرّة، بأن كلا المجموعتين يمقتان التفاوت الرأسي لأنه يحدّ من إمكانيّة التعاون الأُفقي. ثم يواصل فيقول أن الرعوي يطلق العنان عندما ينزح إلي المدينة ويفعل ما يفعل دون الإلتفات إلي المصلحة العامة. ترمز هذه النظرة إلي أن الثقافة الرعويّة تدعو للعداء والتغوّل علي حقوق الآخرين. ولعل هذه الرؤية وليدة الإستعلاء الحضري التاريخي. لابد من الإعتراف بعدم وجود دراسة علميّة جادة اثبت هذه الخاصيّة المزعومة للرحل. إن نعت الرحل بأنهم بالعنف هو مجرّد إفتراض لم يتم إثباته بعد وقد يكون للكاتب إبن خلدون دور في نشر هذا الإنطباع المزعوم في العالم العربي.

    لقد إشتهرت الجزيرة العربيّة ببدويّة سكّانها إبّان ظهور الإسلام. نحن نعرف أن رسولنا الكريم كان يعمل بتجارة القوافل بين مكّة والشام. إن كان البدويون يتصفون بثقافة المغنم لما ازدهرت تجارة القوافل إلي الشام ولما نجح فيها الرسول. يتفق معظم الدارسون أن ثقافة البدو أكثر سلماً، قياساً بثقافات المجموعات المستقرّة ولا خيار لهم غير ذلك. تتطلب البدويّة الإبتعاد عن الأقرباء في معظم فصول السنة ويفرز هذا صعوبة في إستنفار العشيرة من أجل الحماية مقارنة بأفراد القبائل المستقرة. لهذا فقد تكيّفت ثقافتهم علي تعميق حنكة التعامل مع الغرباء والذين يلتقونهم في الأسواق ومصادر الكلأ والماء. هذا هو ما أدي إلي وصف الرحل بأنهم عالميين وأعني بذلك كوسموبولتيين (cosmopolitan) بالفطرة. يمكن أن نضيف هنا أن بعض الكتاب يصفون الرحل بفخر أنهم يمثلون أول القاريين في إفريقي PanAfricanists)). جاءت هذه الصفة الأخيرة لأن الرحل لا يحترمون الحدود السياسيّة بين الدول الإفريقيّة وهم يفضّلون أن تصبح إفريقيا بلا حدود سياسيّة تكبّل حركة المواطن (AU 2018).

    يقول الكاتب أن الرعوي يطلق العنان لغريزته المغنميّة عندما يهاجر إلي المدينة ولا أدري لماذا ينطبق هذا علي الشخص الرعوي في حين يفلت منه المهاجرون ذو الإثنيّات المستقرّة. لا شكّ أن للمدينة مؤسسات حضريّة توفّر الأمن والخدمات الأخرى، وجل هذه الخدمات تقع علي عاتق الأهل والعشيرة في الريف، موطن الرعويين. إن كان هناك خلل في تأقلم البدويين في المدينة، فلا يعني ذلك أطلاق العنان كما ذكر الكاتب.

    نفهم أن إطلاق العنان أيضاً يعني إستغلال خاصيّة المغنم المزعوم لتقويض الحس الاجتماعي والتغوّل علي حقوق الآخرين. أتمني أن يتفحّص مادبو الأحياء الشهيرة في الخرطوم، والتي تعجّ بالقصور التي شٌيّدت معظمها بالمال المسروق. هذه الطبقة الثريّة، ومعظمها فاسدة، لم تأتي من "القبائل" الرعوية. علي العكس تماماً، فإن ملّاك هذه المباني الفاخرة هم من المجموعات المستقرّة، وبالأخص الإثنيّات التي لم تمارس الرعي لمئات، إن لم نقل آلاف السنين. لا يعني هذا أننا نتهم هذه الإثنيّات بالفساد، فالفساد يرتكزعلي ضعف المؤسسيّة والذي يلازم النظم الفاقدة للشرعيّة. هذه النظم تضطر إلي الإعتماد علي سفهاء القوم نسبة لإحجام القوي النـظيفة عن التعاون مع الأنظمة الظالمة والفاقدة للشرعيّة.

    أود أن أٌضيف أن إستحقار الرعاة، ومن ثم المحاولات العديدة لفرض إستقرارهم يرتبط بقراءة خاطئة لتطور المجتمع. هذه القراءة تفترض أن الزرعة أكثر تطوّراً من النمط الرعوي وهذا يعارض معظم نظريات تطور المجتمع. إن جاد لنا تطبيق نظريّة تشالس دارِون علي المجتمع، فيمكننا أن نستخلص أن الزراعة سبقت الرعي بالاف السنين. لم يظهر نمط الرعي إلا حينما أجاد المزارعون تأليف الحيوان وأصبح مردوده أعلي من مردود الزراعة. تطبيقاً لهذه القراءة، يمكننا أن نقول أن القفز من الزراعة إلي الرعي هو بمثابة صعود سلّم الرقي في تطوّر المجتمع. لهذا فإن محاولات توطين الرحل يسير في الإتجاه المعاكس لنشوء المجتمع عبر التاريخ. ليست هذه دعوة لإحلال الاستقرار بالترحال وإنما محاولة لفك الإرتباط الإفتراضي بين الرعويّة والتخلّف.

    يحدّثنا مادبو أن نظام السودان الحكم الحالي في السودان يتبع نمط الأنظمة الإستبداديّة مثل الذي ساد في مصر إبّان حكم حسني مبارك وتونس تحت رئاسة بن علي، ولا يمكن إقتلاعه بالآلة الحربيّة. بمعني آخر، يمكن إقتلاع النظام الحالي في السودان بالإنتفاضة. حسناً نقول ولكن مادبو يبادر بصعوبة هذا المنحي. يقول أن جميع المحاولات السابقة فشلت لأنها أُجهضت من قبل القوي الرجعيّة، ممثّلة في طائفتي المهدي والمرغني، والتي تحالفت مع الإسلام السياسي، المالك لزمام الأُمور في البلاد. ماذا يفعل إذاً إنسان الهامش المقهور في وجه التحالف القائم وما يضير النظام إن شرع جلّ سكّان مدينة الكاتب، الضعين، في مظاهرات صاخبة لعدة شهور؟. نضيف إلي ذلك أن مادبو قد إقترح إسقاط النضال العسكري كوسيلة لإقتلاع النظام وقد ظهر هذا في حديثه عن الحركات المسلّحة وعدم قدرتها علي تقويض النظام. ليس هذا كلّما في جُعبة الكاتب ولكن هذا الإستخلاص يسلب معظم المهمشين سلاحهم الوحيد في محاربة النظام وإسترداد حقوفهم المسلوبه.

    دعونا نتحوّل إلي الإنقضاض علي سلطة المركز القهري بعد أن استبعد مادبو السلاح العسكري وقلّل من فعالية الانتفاضة الشعبيّة. يحدّثنا الكاتب أنّ من الإمكان إقتلاع مؤسسة المركز بالفكر. ويواصل الكاتب تعلّقه بمعركة الفكر ويقترح إن الشجاعة الفكريّة أجدي من الشجاعة الميدانيّة. وأحني رأسي إجلالاً لهذه المقولة ولكن أين الطرف الآخر الذي يودّ المفكّر مادبو مقارعته، علماً بأن الفكر لا يمثّل ولا حتّي أضعف الأسس في كنه وهيمنة سلطة المركز وحرّاسه من سدنة الإسلام السياسي؟ نحن في دولة قُبِر فيها الفكر ولم يعد له وزن في تسيير حياة الفرد أم إدارة أمور الوطن. لقد توصّل الكاتب إلي هذه الحقيقة بنفسه وتباكي علي "عدم وجود أي مفكّر بين الإسلاميين في السودان يحتذي به في العلم والأدب والإبداع".

    قد يفضّل بعض مفكّرينا إستخدام المعترك الفكري بهدف إستنفار الشعب السوداني وبالأخص القوي المهمّشة منهم من أجل تغيير النظام في البلاد. نقول أجل وألف أجل ولكن لحظة، ومع من يود مادبو أن يتواصل فكرياً؟. لقد حدّثنا مادبو نفسه عن إنحسار الطبقة الوسطي وهي بمثابة العمود الفقري للديموقراطيّة في السودان وهذه هي الطبقة القارئة في المجتمع. لقد أفقر النظام الحاكم هذه الطبقة ولم يضحي أفرادها قادرين علي شراء الكتب الفكريّة. ثم أن الشعب السوداني ما زال شفويّاً لا يعبه كثيراً بإقتناء الكتب وقراءتها. لا أحتاج أن أذهب أبعد من شخصي لإيضاح هذا الزعم حيث أنّي نشأت في بيت به كتاب واحد وهو القرآن الكريم. نعم، لقد ظهرت بعض الكتب في منزلنا بعد تقدّمنا في الدراسة ولكن هذا هو حال معظم بيوت السودان. لقد ذكر الكاتب أن السودانيين يحبون تمجيد النفس وهو صادق في هذه القراءة. قديماً كنّا نقول أن القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ. هذا هو التمجيد الأجوف وأمثلته كثيرة عند الشعب السوداني فهم يدّعون أنهم أشجع وأطيب وأكرم وأصدق الشعوب قاطبة وما شاكل ذلك. أين الشجاعة والطيبة في قتل الأبرياء العُزّل وأين الكرم وآلاف النازحين السودانيين يقتاتون علي صدقات الدول الأجنبيّة وأين الصدق في حين تنشأ أفخر أحياء عاصمتنا علي المال المنهوب؟. فما التمجيد الكاذب إلا محاولة بائسة لرفع الروح المعنويّة في دولة أدمنت إحباط شعبها ولكن هذا التمجيد يحيد كثيراً عن قراءة الواقع.

    لقد تنبه النظام لخطورة الفكر عليه فقام بمحاصرته بمختلف الطرق. وقد نجح النظام في إقصاء معظم المفكرين السودانيين وطردهم خارج البلاد ومادبو نفسه تجرّع هذا السم وهو الآن يعيش في المهجر. أضف إلي ذلك أن قانون الصحافة في السودان والذي يقوم بتطبيقه جهاز الأمن وليس الشرطة لا يترك حيزاً للفكر في البلاد. يتضح هذا جلياً من أخبار السودان اليوميّة والتي تشير إلي مصادرة الصحف السيّارة ومنع الصحفيين من الكتابة وحيازة وتجارة الكتب التي تنتقد النظام. لا جدال في أن الفكر سلاح قوي يمكن إستخدامه في محاصرة النظام الفاسد في السودان ولكن ما نبتغيه هنا هو التنبيه لدرجة فعاليّة هذا السلاح والقصورفي إستخدامه.

    قد يتوقّف بعض القراء كما فعلت أنا في عنوان كتاب مادبو "ثورة الوسط: أعالي أشواق الإنسان المقهور". تظهر كلمة "الوسط" ومفرداتها بعدة معانٍ ولعل أهما تأتي كما في الطبقة الوسطي ووسط السودان الجغرافي ثم الوسط الأيديولوجي. إنما يعنينا هنا هو الأخير، أي الوسط الأيديولوجي. يصف مادبو هذا القطاع بأنه الوسط الصوفي الذي تخلّف عن الإنخراط في العمل السياسي في السودان. يستقي الكاتب هذه الفكرة ويطرّها من دراسة الكاتب محمد أبو القاسم حاج حمد والذي كتب أن ٨٠٪ من جماهير السودان لم يصوِّتوا في انتخابات ١٩٨٦ وجل هؤلاء المتخلّفين عن التصويت يتبعون للوسط الصوفي. ويعني ذلك أن معظم سكّان السودان والذين يحقّ لهم الإدلاء بأصواتهم قد رفضوا مشروع الجبهة الإسلاميّة والحزب الشيوعي وطائفتي المهدي والميرغني. ويري مادبو أن خيار الوسط الصوفي يمثّل فرصة ذهبيّة سانحة لمقاومة النظام إن إستطعنا إستقطابه في مجال النضال السياسي في البلاد. يعترف الكاتب أن الإستقطاب الحار من قبل الإسلاميين والشيوعيين قد حال دون وصول مثقّفي السودان هذا الوسط وإستنفاره للتغيير الإيجابي في البلاد.

    سعدت كثيراً بنظرة مادبو الثاقبة للأعلام في دولة تشاد ونجاح نخبها الاعلاميّة بالتواصل مع العامّة من خلال إستخدام لغتها وليس بلسان النخب المثقّفة. أتمني أن يطور مادبو هذه الرؤية ويستغلّها لتفسير عجز مثقّفي السودان في التواصل مع الوسط الصوفي. لا شكّ أن بسط هذه النظرة علي مثقّفي وكتاب السودان يضعنا جميعاً في قائمة المذنبين. فالمفكّرمادبو يكتب بلغة عربيّة رصينة ومعقّدة قد يجد غالبيّة أعضاء الوسط الصوفي صعوبة في فهمها. لا أقول هذا بدافع الإحتقار أو الإستخفاف بمعرفة إهلنا في هذا القطاع وأنما لأن هناك حد أدني من التعليم يتطلبه الإطّلاع الثقافي وهذا الحد لم توفّره الدولة لإنسان الوسط، كما الحال لجلّ سكّان الهامش. وأضيف هنا، سائلاً الغفران من الله، أنني من أكبر المذنبين في هذا المجال إذ أن معظم مؤلفاتي صدرت باللغة الإنجليزيّة وإن كان بعضها قد ترجم إلي اللغة العربيّة. نخلص من هذا أن هنالك ضرورة ماسة لمراجعة طرق تواصلنا مع الغالبيّة المهجورة في السودان ويا حبّذا لو تعلّمنا أن نخاطبهم بلغة العامة، كتابتاً كانت أم خطابة عبر الاعلام والمنابر العامة الأخرى.

    لقد كتب مادبو أن الطبقة الوسطي عزفت عن مساندة الأحزاب الطائفيّة والتي يريد إبعادها من المجال السياسي. ولكنّه لم يقل أن هذه الأحزاب الطائفيّة، والتي يريد نفيها من المجال السياسي هي نفسها وليدة هذا الوسط الصوفي، بدءاً بمحمد أحمد المهدي وإنتهاءاً بعلي المرغني. من هنا نخلص أن الوسط الصوفي لا يمكن الإعتماد عليه دون حيطة وحذر، إذ أنه قابل للإستغلال في القهر السياسي كما حدث في حكم المهديّة. لقد تنبه مادبو آلي هذا العجز في عقليّة الوسط عندما تحدّث عن الطاعة العمياء التي يوليها الصوفيون لشيوخهم.

    يقول المفكر مادبو أن الإشتراكيّة قد إنهارت في وقت كانت البشريّة أحوج ما تكون إليها. نعم إن للإشتراكيّة أفضال يمكن أن يستفاد منها فهي تدعو إلي التوزيع العادل للثروة دون تفرقة وتسعي إلي تحطيم الطبقيّة في المجتمع. ولابد أن نعترف أن المهمشين في السودان قد جنو بعض ثمار الإشتراكيّة في الشهور الإولي من حكم الدكتاتور نميري وذلك حين كانت سلطته تعانق الإشتراكيّة. ظهرت ثمار الإشتراكيّة في إتّساع رقعة الخدمات الإجتماعيّة متمثلة في التعليم الإبتدائي والرعاية الصحيّة وتوفير المياه، ولكن هذه الممارسة المحدودة للإشتراكيّة لم تحدث تغييراً كبيراً في تركيبة السودان السياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة. علي النقيض، تواصلت سياسات التوجه العروبي ولاحقاً الإسلامي، والتي عصفت بالتنوع وعمّقت هيمنة المركز علي الأطراف التي يحاول مادبو إنقاذها الآن.


    نعم أن المفكر مادبو متخصص في علم التنمية ولكن هذا لا يمنعنا أن ننبهه أن الإشتراكيّة لم تشتهر بالتفوّق في التنمية وأن إنهيارها حدث نتيجة لعدم مقدرتها إرضاء شعوبها والإيفاء بتطلعاتهم التنمويّة. إضافة لذلك، ليست هناك دولة واحدة من دول الستار الحديدي السابق تود العودة إلي الإشتراكيّة السابقة. إن الإشتراكيّة في عنفوانها لم تستطع إخراجنا من الأزمة التي ما زلنا نعانيها فلا داعي للتباكي علي ذهابها. هذا لا يعني عدم الإستفادة من إيجابياتها وهذا هو الذي يفسّر وجود أحزاب كثيرة في الدول الرأسماليّة تصف نفسها بأنها يساريّة أم إشتراكيّة.

    بيد أن الإشتراكيّة تهدّد فكر مادبو وتعصف بأساسيات فلسفته والتي هي موضع حوارنا الآن. قد أكون محقّاً إن قلت أن أبلغ تكهّنات المفكر يتمثّل في تعبيره الأخاذ: "لا إبتكار بلا فردية ولا فردية بلا حرية شخصية" (الإزميل :٩٠ص). كيف لنا أن نتأمل هذه المقولة العميقة ولا نتأسّي علي مصيرها في ظلّ النظم الإشتراكيّة؟. لا شكّ أن المفكّر مادبو يعي تماماً أن الإشتراكيّة تندرج تحت ما وصفها بالنظم الآيديولوجيّة وقد أكّد التاريخ إن هذه النظم تؤطّر العقل الجمعي في حين تحاصر الفرديّة والحريّة الشخصيّة في حيز ضيّق لا يتماشي مع فلسفة المفكّر مادبو.

    يقول الكاتب مادبو أن صعود القادة وتسلّقهم من الخلفيّات البائسة معنويّاً وماديّاً يجعلهم عرضة للإغراء، خاصّة في نظم تفتقر إلي المؤسسيّة للتصعيد. لا أدري ماذا يعني الكاتب بالبؤس المعنوي ولماذا ينحصر ذلك علي أبناء الطبقة الفقيرة. أما ضعف المؤسسيّة، فهذا خلل يواجه كلا الطرفين، ألطبقة البائسة والثريّة. يحصرنا هذا في إفتراض أن أبناء وبنات الطبقة الفقيرة يستسلمون للإغراء والفساد ومن ثم لا يمكن إئتمانهم علي المال العام، وذلك لضعف ذاتي في مجتمعهم.

    لقد أبدي الأستاذ عبدالله الفكي تحفّظه علي هذا الإفتراض وأنا أتفق معه في إستخلاصه. ولكن تصريح مادبو ظلّ يؤرق مضجعي ويدفعني إلي موقف يفوق مجرّد التحفظ، بل يصل إلي مرحلة الإعتراض البيِّن. إن تاريخ العلوم الإجتماعيّة حافل بالنظريّات التي ترجع الفقر إلي خلل فطري أم ذاتي في المجتمعات الفقيرة يرمي بها فيما يسمّي بمصيدة الفقر، والتي يصعب الهروب منها. ربما يتربع توماس مالثس علي قائمة هذه الأفكار بنظرية النمو السكّاني. يُرجع مالثس الفقر الي إنعدام الإنضبات في النمو السكّاني عند الطبقات الفقيرة ممّا يؤدّي إلي تجاوز حجم السكّان مقدرة الموارد الطبيعيّة علي إطعامهم. هذا يقود، حسب زعم مالثس، إلي سبل معالجاتها من مجاعات وحروب وبؤس في مجتمعاتهم.(Malthus 2916) لقد ذهب الكاتب بول إيرلش Ehrlich 1968)) علي ذات المط في دراسته عن الهند أن مصيرها هو الفقر والإنهيار ما لم تغييّر سياستها وتوقف الإنفراط في نمو سكّانها. إن خطأ قراءة إيرليش يتمثّل في أن الهند الآن تحتل المركز السادس في قائمة أقوي إقتصاديّات العالم أجمع.

    أمّا الكاتب الألماني ماكس فيبر(Weber 1958) فقد ركّز علي البروتيستانايين الذين وضعوا اللبنة الأولي للرسماليّة الحديثة، حسب زعمه. حدث هذا لأن دينهم يشجع علي الإنضبات في العمل والأخلاق ويدعو لعدم الإسراف وضياع المدّخرات في المتعة الشخصيّة. علي النقيض من ذلك، نجد الكاثوليك، وهم فقراء ألمانيا إبّان الدراسة، يتصفون بعدم الإنضبات في العمل، الإسراف في الصرف وعدم الإلتزام بالمتعة المؤجّلة (deferred gratification) وهلمّ جرا. أي أن فقرهم ينبع من خصائص ثقافيّة في مجتمعهم. هذه هي الأفكار التي تندرج تحت نظريّات "إلقاء اللوم علي الضحيّة". جميع هذه النظريّات تغض النظر عن البنية الاجتماعية التي تؤدّي إلي إفقار بعض قطاعات المجتمع، في حين تُرجع الفقر إلي عوامل داخليّة في ثقافة الطبقة المفتَقرة. أعلم أن مادبو لم يفسّر الفقر حسب النظريّات المذكورة، ولكن إفتراضه يقود إلي ذات الإتجاه. نضيف أيضاً أن فرضيّة عدم أهليّة ذوي الخلفيْات البائسة ينفيهم من مواقع صنع القرار وهذا يقوّض أهم أركان التنمية الديموقراطيّة، ألا وهو تساوي الفرص بين جميع المواطنين، وبغض النظر عن خلفيّاتهم، بائسة كانت أم غير ذلك.

    أتمنّي أن يواصل مادبو جهده في إثراء الفكر وإصلاح البلاد، ونحن نشكر له إبراز مواضيع حسّاسة لم تسعفنا الشجاعة في طرقها.




    المراجع العربية
    هاشم، محمد جلال ٢٠١٤
    منهج التحليل الثقافيي صراع الهامش والمرك. الخرطوم.

    مادبو، الوليد آدم٢
    الإزميل الكبير

    مادبو، الوليد آدم ٢٠١٨
    المدينة الآثمة: حديث عن الجنسانية. مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي.

    مادبو، الوليد آدم
    دارفور: المستوطنة الأخيرة

    مادبو، الوليد آدم ٢٠١٧
    بين وطن يتردي وغربة تتبدي. مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي.


    مادبو، الوليد آدم ٢٠١٢
    ثورة الوسط: أعالي أشواق الإنسان المقهور. ززززز


    بدري, شوقي ٢٠١٨

    نفحات الدرت ... كتاب يستحق اكثر من القراءة. الراكوبة. أكتوبر ٢٢.



    المراجع الإنجليزيّة
    African Union (AU). 2010
    Policy framework for pastoralism in Africa: Securing, protecting and improving lives, livelihoods and rights of pastoral communities. Addis Ababa, Ethiopia.

    The Black Book 2004
    The Black Book: Imbalance of power and wealth in Sudan. Translated by Abdullahi El-Tom. JEM

    hrlich, Paul R. (1968). The Population Bomb. Ballantine Books

    El-Tom, Abdullahi El-Tom 2011
    Darfur, JEM and the Khalil Ibrahim Story. Red Sea Press. USA.

    Malthus, Thomas 2016
    An Essay on the Principle of Population (Timeless Wisdom Collection) Paperback – August 31, 2016

    UNECA 2018
    New fringe pastoralism: Conflict, security and development in the Horn of Africa the Sahel. Addis Ababa, Ethiopia.

    Weber, Max 1958.
    The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. New York: Charles Scribner's Sons.































                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de