مقالات دكتور النور حمد في صحيفة التيار

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-10-2020, 11:58 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-02-2020, 09:51 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مقالات دكتور النور حمد في صحيفة التيار

    09:51 AM April, 02 2020 سودانيز اون لاين
    Salah Musa-
    مكتبتى
    رابط مختصر

    (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});خلوة كورونا الإجباريةالنور حمدصحيفة التيار 2 أبريل 2020كتب كثيرون، في الأسابيع القليلة الماضية، عن تجربة البقاء بالمنزل، التي فرضتها على الناس، دون استثناء، وفي كل بقاع الأرض، جائحة كورونا. وأحب أن أتناول، هنا، هذه التجربة، من المنظور الصوفي. فقد عُرف المتصوفة باعتزال عالم الخارج، قصدًا، بغرض تحرير أنفسهم من أسره، بأن يخرجوا من حالة التوزع، والتشتت، إلى حالة الانجماع والانحصار. وقد كانت أمضى وسائلهم، في هذا الباب، إلى جانب وسائل التعبد الأخرى، الممارسة المعروفة، المسماة، "الخلوة". فالخلوة سجنٌ للحواس. فهي تقيد البصر، وتقيد السمع، وتقيد الشم، إلى حدٍّ كبير، كما تقيد الحركة. يفعل المتصوفة ذلك من أجل لجم النفس، وفطمها من عاداتها، بحبسها عما تحب، وعما أدمنت من انشدادٍ للعيش في تفاصيل العالم الخارجي.تأبى النفس الخلوة في بداياتها، مثلما تأبى الصيام. فالخلوة، صيامٌ، بغرض الفطام من الخارج، ومن عادة الانجذاب إليه، هروبًا من مواجهة النفس، ومن قيد البيت، حين لا تجد النفس، في أرجائه، مراحها. لكن، قليلون أولئك الذين ينتبهون لسلطان العادة عليهم، ولهروبهم المستمر من مواجهة أنفسهم. فالإنسان الغافل، يعيش خارج نفسه، أكثر مما يعيش في داخلها. والسبب في ذلك، أن داخله مقفرٌ، موحش. لكن، حين يكون الداخل عامرًا، تسهل الخلوة، بل وتتحول إلى متعةٍ، وفرصةٍ للنمو العقلي والوجداني.يكتسب العبَّاد المجودون، حالة الصفاء، بالخلوة. ويكتسبها المفكرون، والفنانون، بالخلوة، أيضًا، مع اختلاف الخلوتين، واختلاف الدرجة، فيما تحققانه. يقول الكاتب، الروائي، الشهير، جيمس جويس، إنه ما انتفع، في تجربته الإبداعية، بشيءٍ، مثلما انتفع بالغربة، والوحدة. فالغربة خلوةٌ، لأن الغريب معزولٌ عن محيطه الجديد، بعوامل كثيرة. وإذا ترادفت الغربة، مع الوحدة، استحكمت الخلوة. لكن، لا بد من القول، إن قيد الخلوة، لدى المتصوفة، قيدٌ مرحلي. فهي حيلةٌ، مؤقتةٌ، لجمع النفس من التشتت. فالمطلوب، أن تفضي الخلوة، إلى ما يسمونه "الجلوة"، وهي فترة ما بعد الخلوة، حيث يحدث التعاطي مع العالم الخارجي، الذي يمتحن فيه العابد، محصول خلوته، في مضمار إحسان معاملته للأحياء والأشياء. فالخلوة التقليدية، كما لدى المتصوفة، قد انقضى عهدها، ولم تعد ممكنةً، وبديلها، لدى أهل الطريق، هو صلاة الثلث الأخير من الليل. أما جلوتها، فهي معاملة الأحياء، والأشياء، في سبح النهار الطويل. وتحكي سورة المزمل، هذه الأمر، أفضل حكاية.دعونا نجعل خلوة كورونا الإجبارية هذه، فرصةً للتصالح مع البيت، ومع الذات، ومع الصيام، عن الانجذاب إلى صخب الخارج، واستمراء تشتيته للنفس، وصرفه للعقل، عن التفكر والتدبر. يعتاد الانسان الحرية، حتى ينسى نعمتها، فيضعها في خانة ما هو مضمونٌ، على الدوام. خلوة كورونا الإجبارية هذه، إلى جانب مزاياها الأخرى، هديةٌ من الغيب، للناس، أجمعين، ليتذكروا أن الحرية، نعمةٌ قابلةٌ للسلب، في أي لحظة؛ سواءً بالحبس، أو بالموت، لا قدَّر الله.

    (عدل بواسطة Salah Musa on 04-06-2020, 10:35 AM)









                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-02-2020, 11:50 AM

امتثال عبدالله

تاريخ التسجيل: 05-15-2017
مجموع المشاركات: 4798

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: خلوة كورونا الإجبارية (Re: Salah Musa)

    يعني ممكن نقول عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم،،
    لكن فعلا الغربة ايضا خلوة ، وخاصة في بداية ايام الغربة وقبل الاندماج في المجتمع الجديد،،
    ولكن تقول ايضا ان هذه العزلة الاجبارية لا يتحملها الكثير من الناس وهو شئ مر، ولكن الامر منه
    هو الموت بفيروس الكرونا،،،،
    ونسال الله ان يرفع عنا هذا البلاء والوباء،،،
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-04-2020, 09:19 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: خلوة كورونا الإجبارية (Re: امتثال عبدالله)

    هل ستنطوي حقبة العسكر؟النور حمدصحيفة التيار 4 آبريل 2020تشكلت الدولة الحديثة، في كثيرٍ من أجزاء ما اصطُلح على تسميته بالعالم النامي، في الحقبة الاستعمارية، التي انداحت من أوروبا، عقب ظهور السلاح الناري، إلى مختلف أرجاء الكوكب. بخروج المستعمرين من المستعمرات، حوالي منتصف القرن العشرين، وقعت أقطارٌ كثيرةٌ في دوامة الانقلابات العسكرية. لم تكن أقطار العالم النامي مستعدةً، تمامًا، للتجربة الديمقراطية، المنقولة من السياق الغربي. لذلك، كان من الطبيعي، أن تقود الممارسة المشوهة للديمقراطية، والعجز عن التوافق الحزبي، في مضمار بناء الدولة الوطنية، إلى تدخل الجيش لانتزاع السلطة، بزعم أنه المؤسسة الأكثر تماسكًا، وقدرةً على اتخاذ القرارات. ارتبطت الانقلابات العسكرية، في كثير من البلدان، ومنها بلدان الشرق الأوسط، بالنزعة الثورية، التي جرت بلدانًا كثيرةً، إلى معسكر الشيوعية الدولية، آنذاك. جرت الانقلابات العسكرية، في مصر، والعراق، وسوريا، والسودان، وليبيا، وإثيوبيا، والصومال، وغيرها من البلدان، في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. وكانت كثيرٌ من هذه الانقلابات، يسارية الطابع، رفعت شعارات التحرر من قبضة الامبريالية.خلَّفت حقبة العسكر هذه، في كل البلدان، التي ابتليت بها، أوضاعًا معقدة. فالدافع الوطني، أو الثوري، الذي دفع بالعسكر، بادئ الأمر، إلى سدة الحكم، في مختلف تلك البلدان، تحوَّر، رويدًا، رويدًا، ليجعل من المؤسسة العسكرية، نظامًا ملكيًا، جديدًا، على رأسه جنرال، أو عدة جنرالات. يظهر هذه النموذج، بوضوحٍ شديدٍ، في كلٍّ من مصر، والجزائر، والسودان، وسوريا. وقد قدمت سوريا، بصورةٍ خاصةٍ، نموذجًا، لتحوُّل النظام "الملكي العسكري"، إلى نظام ملكي أسري. ولولا الربيع العربي، أوشك نظام حسنى مبارك، في مصر، ونظام القذافي، في ليبيا، أن يحققا تلك الصيغة، بتنصيب الابن، خليفةً لوالده، كما في سوريا.تحولت دوافع الجيوش للوثوب إلى السلطة، باسم الوطنية، ومصالح البلاد العليا، إلى سطوٍ على الدولة، واحتكارٍ لمواردها، واغداقٍ لأموالها ومقدّراتها، على الطبقة الاجتماعية التي تشرعن النظام القائم، وتضمن له بقاءه واستمراريته. إمساك أفرع المؤسسات العسكرية، بمفاصل الثروة، حوَّلها إلى ما يشبه الإقطاعيين، الذين كانوا يحيطون بالأنظمة الملكية، في حقبة ما قبل الحداثة. ويمكن القول، إن المؤسسات العسكرية، بخروجها عن دورها المرسوم لها في الدساتير الحديثة، وسطوها على السلطة، في مختلف البلدان، وسيطرتها على الموارد، قد أعادت العبودية في ثوبٍ جديد.خلَّف نظام الإنقاذ، في السودان، ثلاثة جيوشٍ، فتح لكل واحدٍ منها، دربًا للتحكم في طرفٍ من اقتصاد البلاد. هذه الجيوش الثلاثة هي: الصناعات الحربية، وشركات جهاز الأمن، وقوات الدعم السريع. فإذا أخفقت الفترة الانتقالية، في تصحيح هذا الوضع، ووضعه في إطارٍ جديد، يحقق الشفافية، وولاية الدولة، ومؤسساتها، على المال العام، فإن الديمقراطية الرابعة سوف تولد ميتةً، هذا إن قُدِّر لها أن تولد، أصلاً.

    (عدل بواسطة Salah Musa on 04-06-2020, 10:45 AM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-04-2020, 09:38 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: خلوة كورونا الإجبارية (Re: امتثال عبدالله)

    اسأل الله ان يرفع البلاء يا أستاذه امتثال
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-05-2020, 10:34 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الحكم المحلي وتفكيك التمكين

    النور حمد

    صحيفة التغيير 5 أبريل 2020

    سبق أن قلت منذ سنوات، أن نظام الانقاذ تلبَّس الدولة بأكملها. لم تترك خطة التمكين التي بدأت، منذ العشرية الأولى للإنقاذ، موقعًا تنفيذيًا، أو تشريعيًا، أو قضائيًا، مؤثرًا، في منظومة الدولة، إلا وتولَّاه، شخصٌ، من الإسلاميين. وبعد أن حدثت المفاصلة، تركز التمكين في الجسم، النفعي، الضخم، المسمى، "المؤتمر الوطني". وتعود جذور التمكين، إلى فكرة إعادة هندسة الدولة السودانية، التي بدأت في مستهل العشرية الأولى. عمومًا، كان المجيء إلى دست الحكم، عن طريق الانقلاب العسكري، عملاً باطلاً، ومعلومٌ أن ما بُني على باطلٍ، فهو باطل. ولسوف تتناول هذه المقالة فرعًا من فروع الجهاز التنفيذي، وهو الحكم المحلي، الذي يمثل، في نظري، أهم مؤسسات إدارة الدولة، بسبب صلته اللصيقة بالجمهور. ولا يعني هذا أن التمكين، الذي حدث، في الجهازين؛ التشريعي، والقضائي، أقل خطورة.

    السيطرة المطلقة على أجهزة الحكم المحلي القاعدية تعني، السيطرة على الجمهور. فعبر أجهزة الحكم المحلي، المرتبطة بحياة الناس اليومية، يجري جمع المعلومات لإحكام القبضة السياسية، والاقتصادية، والأمنية للنظام. فعبرها، نشأت الأذرع المساندة، كاللجان الشعبية، والأمن الشعبي، وغيرها من التنظيمات. عبر هذه الأذرع المتكاملة، يجري تزييف الانتخابات، ويجري شراء الذمم، ويجري تجنيد الأفراد للمنظومة، فيزداد إطباق السيطرة، ويجري ترسيخ الأدلوجة الحاكمة. أصبح الحكم المحلي، في عهد الإنقاذ أصبح أداةٍ للسيطرة، على مستوى الجذور، بتقديم الإغراءات للأفراد للاصطفاف إلى جانب النخبة الحاكمة. ومن ذلك، تقديم الخدمات، والتسهيلات للأفراد، من خلال التحكم في توزيع الأراضي، وتوزيع فرص الأعمال التجارية، والتلاعب في الفوز بالمناقصات، وفي مقاولات البروبوغاندا، كحشد البسطاء لكرنفالات البشير الخطابية، الفارغة.

    لكن، رغم هذه القبضة الأخطبوطية، المُحكمة، التي استمرت لثلاثة عقود، استطاعت ثورة الشباب أن تبدأ حراكها من هذه الجذور، التي سيطر عليها الإنقاذيون. فلا الأمن الشعبي، ولا اللجان الشعبية، ولا جهاز الأمن المركزي، استطاعت أن تعطل الحراك، أو تخمد جذوته، حتى انتصر، في نهاية المطاف. أنجز الحراك الضربة الأولى، لكفاءة، لكنه وقف دون الثانية، وهي تفكيك التمكين. السبب، في تقديري، هو اعتلالات "قحت" كحاضنة سياسية، بسبب النحو الذي وُلدت به. فالتشرذم الحزبي، والرخاوة التي جعلتها تستسلم للجنة الأمنية. هذا ما جعل الحكومة الانتقالية تجئ على النحو الذي نراه الآن. لا يبدو، إلى الآن أن بنية الحكم المحلي الضخمة، التي تسيطر على كثير من مصالح الناس في العاصمة، وفي المدن الأخرى، وفي القرى، والفرقان، على مستوى القطر، قد طالها تفكيك التمكين. ولا شيء من الفساد في هذه المؤسسة الضخمة، قد جرى كشفه للجمهور. مع أنَّ التمكين في هذه المنظومة الضخمة، يمثل أحد آليات خنق الثورة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-06-2020, 10:34 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإعلام ورؤساء آخر الزمان

    النور حمد

    صحيفة التيار 6 أبريل 2020

    لم تصبح وعود الديمقراطية الليبرالية على المحك، مثلما هي عليه اليوم. فحين يتغنى الناس بمحاسن الديمقراطية، ينسون عادةً شرور الرأسمالية، رغم أنها الوعاء الحامل للديمقراطية، في التجربة الغربية. بل، وينسون أنها هي ما حال بين الديمقراطية، وإنجاز وعودها؛ خاصة في العدالة الاجتماعية، وفي تحقيق السلم الدولي. ولعل أبلغ دليلٍ على أن الديمقراطية الليبرالية، قد أُفرغت من محتواها، حتى بلغت درجة الملهاة، وصول أشخاصٍ من شاكلة، دونالد ترمب، وبوريس جونسون، إلى سدة الحكم. وللغرابة، حدث ذلك، في أقوى بلدين، تبادلا، على التوالي، السيطرة على العالم، عبر القرنين الماضيين.

    لم أقتنع، طيلة تجربة عيشي في الولايات المتحدة الأمريكية، أن فيها، شيئًا أسمه "اليسار". فرغم أن هناك طيفٌ، من القنوات الكبرى، مثال MSNBC، وNPR، وإلى حد ما، CNN، وأن هناك عديد الصحف، التي تظهر كأبواقٍ للحزب الديمقراطي، ولليسار، إلا أنها، من الناحية العملية، لا تختلف كثيرًا عن القنوات اليمينية. فهي الأخرى، غارقةٌ في دوامة الربح، وبذلك، لا تختلف، جوهريًا، عن قنوات، مثال FOX NEWS. تعمل قنوات اليسار، في تجهيل الجمهور الأمريكي، معرفيًا، وسياسيًا، مثلما تفعل قنوات اليمين. فإذا قالت النخب الحاكمة، أن أفغانستان، أو العراق، أو إيران، أو السودان، تشكل تهديدًا، جديًّا لأمن أمريكا، تردد معها قنوات اليمين، واليسار، ما قالت، مثلما حدث في حرب العراق، فصدقها الجمهور المُغيَّب.

    إعلام اليسار الضائق ذرعًا بترمب، أسهم، بقدرٍ وافرٍ، في مجيئه إلى الحكم، لانشغاله، مثل رصيفه اليميني، بالتعبئة، والإثارة، والاستقطاب، لا بالتنوير. وكانت النتيجة، وصول رجلٍ من عالم العقار، وكازينوهات القمار، وحلبات المصارعة، إلى البيت الأبيض. وصل، رغم ضعف تعليمه، وضحالة ثقافته العامة، وافتقاره لأبسط مقومات الرزانة، واللباقة، والخلق الرصين.بذلك، اختفى أي تأثير لذخائر الثقافة الغربية، الغنية، في الفعل السياسي. ولو كانت ذخائر الفكر الغربي، بلاهوتها، وفلسفتها وآدابها، وفنونها، هي ما يغذي المجال العام، ويوجه مسار الديمقراطية في أمريكا، وانجلترا، لما أمكن لدونالد ترمب وبوريس جونسون، أن يصبحا رئيسين. بل، ما كان لهما أن يخرجا إلى دائرة الضوء، أصلًا.

    روَّجت الآلة الإعلامية الأمريكية، بشقيها، للسطحية، والتفاهة، وجنون الربح، والاستهلاك. فالأنباء التي تحتل الخطوط الرئيسية، هي الأنباء التي تستقطب أكبر عدد من المشاهدين، مثال: سطو على محطة وقود، أو جريمة قتل، أو سقوط شاحنةٍ، من فوق جسر. إلى جانب هذا النوع من الأخبار، يجري شغل المواطنين بأخبار الموضة، ونجوم السينما، والغناء، والرياضة، وخلق أيقوناتٍ معبودةٍ منهم. لقد وضعت جائحة كورونا، الفأس على أصل هذه الشجرة الخبيثة، للرأسمالية، الاستهلاكية. ولسوف تواجه، منذ اليوم، تحديًا لم تعهده. ستذهب جائحة كورونا، ونأمل أن تذهب معها الأنانية المفرطة، وسباق التسلح، والشعبوية، والعنصرية، وتفاهات الإعلام، التي أتت بهذا الصنف من الرؤساء.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-06-2020, 05:01 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في ذكرى بداية الاعتصام في 6 أبريل 2019

    ثورة ديسمبر إلى أين؟

    د. النور حمد

    صحيفة التيار 6 أبريل 2020

    تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى لبداية اعتصام الثوار، أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة. ولابد من اتخاذ هذه المناسبة فرصةً لكي نتساءل عما أنجزته الثورة، في عامها الأول، وعما يشي به مسارها، في مقبل الأيام. وأول ما يلفت النظر في هذا التفحص، ربما كان التباين الحاد بين دفق الثورة، وروحها المتوثب، اللذان وسما مسيرتها، حتى انتصرت، وبين ما يشبه العمل الروتيني، الذي وسم أداء الفترة الانتقالية.

    هناك ملمحان رئيسان ميزا هذه الثورة، هما: سلميتها الصارمة التي لازمت مواكب المتتالية، منذ بدايتها، في ديسمبر 2018. ومحافظتها عليها، على الرغم من القتل الممنهج للثوار، والقمع الفظيع، الذي استمر لأربعة أشهر. صمد الثوار إلى أن اختل ميزان القوى لمصلحتهم، باعتصام القيادة العامة، الذي بدأ في السادس من أبريل، 2019. وقد عكس ذلك الاعتصام المبهر، رمزيةً عبَّرت عن أمل الشعب المسالم، الأعزل، في أن تقف قواته المسلحة، إلى جانبه، في معركته المصيرية، ضد سلطةٍ، فاسدةٍ، باطشة. جذب الاعتصام، وسائط الإعلام الدولية، وشكل ضغطًا رهيبًا، على سلطة الرئيس البشير، وعلى كبار قادة الجيش، ومعهم سائر القوى الحاملة للسلاح. واضطرت قيادة الجيش، تحت الضغط المتنامي، من الداخل، والخارج، أن تطيح بالرئيس، البشير بعد خمسة أيام من بداية الاعتصام.

    لم تكن القوى الحاملة للسلاح، التي أزاحت الرئيس، البشير، مؤمنةً، إيمانًا حقيقيًا، بالثورة. بل، كانت تقرأ التحولات الجارية، أمام عينيها، بنفس الذهنية، التي سادت في عهد الرئيس البشير. فاللجنة الأمنية التي كونها الرئيس البشير، في أخريات أيامه، للتعامل مع الأزمة، بقيت تعمل وفق نفس التصور الذي على أساسه أُنشئت. أظهر خطاب تنحية الرئيس البشير، الذي أذاعه الفريق، عوض ابن عوف، أن خطة اللجنة الأمنية، هي إزاحة الرأس، مع الإبقاء على بنية النظام. فسخر الشعب من الخطاب، واضطرت اللجنة الأمنية إلى تنحية الفريق، عوض بن عوف، بعد يومٍ، واحدٍ، من تنصيبه. ولاحقًا، أُزيح، عضوٌ اللجنة الأمنية، الفريق عمر زين العابدين، ولحق به آخرون. لكن، وكما هو متوقع، بقيت العقلية الإنقاذية، هي المسيطرة، محاولةً حبس الأمور في إطار تغييرٍ شكليٍّ، والإبقاء على دولة البشير الموازية، بأيديولوجيتها، وبامتيازات نخبها، وعلى رأسها النخب العسكرية.

    رغم التظاهر بقبول الاعتصام، ورغم الوعود المتكررة بعدم وجود نية لفضه، قامت القنوات الفضائية، والصحافة المناوئة للثورة، بحملةٍ شرسةٍ، لشيطنة الاعتصام، بأساليب غايةً في الدناءة. في الثالث من يونيو، أي بعد 53 يومًا من تنحية الرئيس، البشير، هجمت، على منطقة الاعتصام، قواتٌ مختلطةٌ، فقتلت المئات. وصاحبت القتل، اغتصابات للفتيات، كما جرى رميٌ جثث بعض الشباب، في النيل، بعد أن رُبطت أقدامهم على كتلٍ أسمنتية، لكيلا تطفو. ظنت مختلف القوى؛ من العسكريين ومن المدنيين، الذين وافقوا على فض الاعتصام، أن الثورة قد انكسرت شوكتها، وأن في وسعهم رسم صورة المرحلة الجديدة، كما يحبون. لكن موكب 30 يونيو، التاريخي، الذي جرى بعد 27 يومًا، من فض الاعتصام، قلب الموازين الدولية، والإقليمية، والمحلية، وأربك جهود الالتفاف على الثورة. من هنا، بدأت المفاوضات بين الشقين العسكري، والمدني، ودخلت وساطة الاتحاد الإفريقي، والوساطة الإثيوبية، حتى خرج الجميع بالوثيقة الدستورية، التي ستحكم الفترة الانتقالية، التي تمتد لثلاث سنوات. جرى التوقيع على الوثيقة الحاكمة، في 17 أغسطس 2019؛ أي، بعد تسعة أشهرٍ من اندلاع الثورة.

    رأت القوى الإقليمية، التي سبق أن جرَّت إلى معسكرها الرئيس البشير، في الثورة، فرصةً مواتيةً، لإقامة نظامٍ تابعٍ لها في السودان، شبيهًا بنظام الفريق، السيسي، في مصر. وقد انخرطت تلك القوى الإقليمية، منذ بداية الثورة، في إغواء بعض القيادات السياسية، والعسكرية، لتقوم لها بدور حصان طروادة الذي يصب حصيلة الثورة السودانية، في حاوية استراتيجيتها الإقليمية. ولعل ملابسات فض الاعتصام، الذي كان نسخةً من تجربة فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، في مصر، قد أظهرت هذه اليد الإقليمية، بوضوح كبير.

    المشهد الماثل وتحدياته

    لن تقف المقاومة للثورة، ولن تقف محاولات الحؤول بينها وبين تحقيق أهدافها. لكن، هناك عددٌ من أوجه القصور في أداء قوى الثورة. منها التعتيم على القضايا الحرجة، العالقة، وتجنب مناقشتها في الهواء الطلق. وتقف وراء هذا التعتيم مخاوف، ودوافع مختلفة. منها، خوف قيادات الحرية والتغيير من غضب الشارع، خاصةً فيما يتعلق بكشف أسماء المسؤولين عن جريمة فض الاعتصام، ومحاسبتهم. ومنها، أيضًا، سيطرة التفكير الأحادي، الثأري، على قسمٍ معتبرٍ من مجاميع الشباب، التي تريد فرض إرادتها، على القيادات، وسائر مكونات المشهد، دون التفاتٍ إلى حقيقة ما يمكن تحقيقه في ظل التعقيدات القائمة. ولا يوجد، حتى هذه اللحظة، عرضٌ، أمينٌ، وشجاعٌ، لتعقيدات المرحلة، التي نمر بها، ولا عملًا واضحًا، في تفكيك قنابلها الموقوتة، المبثوثة، في كل ركن. فالنكوص عن مواجهة هذه التعقيدات، وعرضها بأمانةٍ، وشجاعةٍ، ووضوح، هو السبب وراء هذا الصراع الكتيم، المملوء نفاقًا، وكيدًا، ومراوغة.

    القوى المسلحة، من قوات مسلحة، وقوات دعم سريع، ليست جسمًا واحدًا. وتمثل قوات الدعم السريع جسمًا ذا وزنٍ كبيرٍ في المعادلة العسكرية القائمة. كما تمثل أقوى الحلقات في التقاطعات الإقليمية مع الداخل السوداني. يتعامل هذان الجسمان العسكريان الكبيران، مع بعضهما بحذرٍ شديد. وفي الجانب الآخر، من المشهد، هناك الحركات المسلحة. وهناك القوى المدنية التي كانت تدعم حكم الإنقاذ، وأصبحت تميل عقب الثورة إلى القوى العسكرية، وتعمل، على تشجيع العسكر، على إفشال حكومة الفترة الانتقالية، لكي تتحقق رغبتها في إجراء انتخابات مبكرة. باختصار، هناك تشققات وسط الكيانات الموالية للثورة. كما أن هناك خيوطًا، مختلفة السماكة، تربط بين كافة القوى المناوئة للثورة، وسط العسكريين، ووسط المدنيين.

    ورطة الاعترافات

    تمثل الاعترافات المسجلة، التي أثبتت أن المجلس العسكري، قرر مجتمعًا، بعد أن تشاور مع أطرافٍ مدنية، فض الاعتصام، واحدة من المخانق العويصة. بذلك الاعتراف المسجل، أصبح شبح جريمة فض الاعتصام، هاجسًا حاكمًا لخيارات العسكريين، وتصرفاتهم. فقد جعلهم أمام خيارين، الأول: شراء الوقت، وأصبح هذا متاحًا بحكم بأن الفترة الانتقالية، منحتهم حصانةً من المساءلة القانونية، لثلاث سنوات. أما الخيار الآخر، فهو قلب الطاولة واستلام السلطة؛ إما منفردين، وهذا احتمال ضعيف. وإما بالتحالف مع الحركات المسلحة، وبعض القوى الحزبية، التقليدية، مع دعم من الإقليم.

    يتطلب تفكيك هذا الوضع المعقد، شجاعةً استثنائية، وإدراكًا شاملاً وعميقًا، وتقييمًا، دقيقًا، للمخاطر والفرص، وقدرةً على الموازنة بين الخيارات، وعلى نزع فتائل القنابل الموقوتة. فالعسكر لن ينتظروا أن تنتهي الفترة الانتقالية، على النسق الذي رُسم لها، ليفقدوا حصانتهم التي ضمَّنوها في صلب الوثيقة الدستورية، لتصبح رقابهم، متاحةً للمقاصل، أو تصبح امتيازاتهم عرضة للتفكيك. وهم، كما سبق أن ذكرت، ليسوا وحدهم، في الحرص على اجهاض الثورة. فهناك قوى حزبية، ذات وزنٍ معتبر، لها أجندتها الخاصة، تنسق معهم، بقدرٍ من المقادير. المخرج من هذا الوضع الشائك، فيما أرى، هو اتباع الأنموذج الذي جرى في جنوب إفريقيا، وفي المغرب، مع سودنته. أي، المكاشفة، والمصارحة، والمصالحة، وإبراء النفوس، وجبر الأضرار، عبر إجراءات ما يسمى العدالة الانتقالية. فالمسار الذي رسمته الوثيقة الدستورية، ليس كافيًا، ولا ضامنًا، وحده، لعبورٍ آمن. ما أراه بوضوح، أن هناك تجنبًا لمناقشة القضايا الحرجة، بالصراحة الكافية. وهو ما سيذهب بريح الثورة وأهدافها، في نهاية المطاف. فالتاريخ يخبرنا، كيف أجهض الحماس، العديد من الثورات، بسبب قلة النضج السياسي، وتجاهل توازنات الواقع، ومحاولة القفز من فوقها
    .
    الثورة عبر صندوق الاقتراع

    ما من شك أن الشباب غير المنضوين تحت اللافتات الحزبية، مُضافًا إليهم المنتمون إلى الأحزاب، هم العنصر الرئيس في حماية الديمقراطية المقبلة، وحمايتها. أي، ألا تصبح نسخةً مكررةً من الديمقراطيات الثلاث، اللواتي مضين، وتميزن، جميعهن، بالأعطاب المقعدة. لكن، هناك شروط لابد من استيفائها حتى تصبح طاقة الشباب الضخمة، هذه، كابحًا ضد الانزلاق في الحفر التي ابتلعت، الديمقراطيات الثلاث، من قبل. وفيما أرى، هناك طريقان، الأول: أن تقتحم هذه الكتلة الشبابية الضخمة، بالغة الحيوية والنشاط، أجسام الأحزاب الرئيسة، فتسهم في دمقرطتها، ومأسستها، وإصلاح برامجها، وتجديد خطابها، وتبديل قياداتها. والطريق الثاني: أن تشكل هذه القوى الشبابية، كتلةً حزبيةً، عريضةً، جديدةً، تمامًا. وأن تجر إليها المتململين من الشباب داخل الأجسام الحزبية القائمة، بمختلف توجهاتها، ليصبح للثورة صوتٌ مؤثر في مسار الديمقراطية المقبلة. اختيار واحدٍ من هذين السبيلين هو الذي سوف يجعل من صندوق الاقتراع خادمًا لأهداف الثورة. فصندوق الاقتراع هو الذي سيحدد مصير أهداف الثورة، في نهاية المطاف، وليس المواكب في الشارع. لكن، لن يتيسر أي شيءٍ من هذا، قبل تجاوز العقبات التي سبق أن ذكرت.

    تمضي الأيام سراعًا، وسوف تؤول قريبًا رئاسة المجلس السيادي، للشق المدني. وأرجو أن تُمنح رئاسته لشخصٍ من دارفور. فهل ستمنح تلك النقلة المدنيين سلطة القرار، التي بها يفككون فتائل القنابل الموقوتة، ويحققون انسجامًا، مستدامًا، بين المدنيين والعسكريين، وفي نفس الوقت، يزيلون الدولة الموازية، ويعيدون الولاية على المال العام، لوزارة المالية، وبنك السودان؟ لقد انزلقنا، على يدي الانقاذ، في منزلق النموذج المصري، الذي نشأ في حقبة الرئيس مبارك، واستمر بصورة أقوى في عهد الرئيس السيسي. يجعل هذا النموذج، من جنرالات الجيش، أباطرةً في دنيا المال والأعمال، ما يجعل تحقيق حكم مدني ديمقراطي، مستحيلا. خلاصة القول، لن تعبر الثورة، ولن تستعيد الدولة السودانية عافيتها، وقدرتها على تأدية وظائفها الطبيعية، إلا بتفكيك هذا النموذج. وينبغي علينا أن نعي أن تفكيك التمكين، له شقان. فإلى جانب تفكيك التمكين في المؤسسات المدنية، ينبغي أيضًا تفكيك شقه العسكري، المتمثل في الأعمال التجارية المملوكة حصرًا، للقوى العسكرية، والأمنية. هذا الشق هو الأصعب، والأكثر وعورة. فهل سيجتمع العسكريون والمدنيون على صيغةٍ، متوازنةٍ، تسمح للدولة السودانية باستعادة عافيتها، أم سندخل في دوامةٍ جديدةٍ من إضاعة الجهد، والوقت، وفرص الأمن، والاستقرار؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-07-2020, 01:43 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ملحمة سد النهضة

    النور حمد

    التيار 7 أبريل 2020

    يمثل مشروع سد النهضة، الفرصة الوحيدة لإثيوبيا لانتشال شعبها من ربقة الفقر. فتعداد الشعب الإثيوبي يزيد عن 100 مليون نسمة. وأثيوبيا، في مجملها هضبةٌ، صخريةٌ، شديدة الوعورة، فرصها في الزراعة الواسعة، محدودة. غير أنها، مثل السودان، تملك ثروةً حيوانيةً، هي من ضمن الأكبر في إفريقيا. كما تملك مناخًا مطيرًا، في معظم أيام السنة، خاصة في قلب الهضبة. لدى أثيوبيا فرصٌ لزراعةٍ محدودةٍ، لكنها نوعية؛ كزراعة البن، وهو محصول بالغ الأهمية في السوق العالمي، إضافةً إلى الزهور، وصنوف من الفواكه. رغم ضيق أراضيها، تعد إثيوبيا مكتفيةً من الغلة التي يأكلها الشعب الإثيوبي، وهي الذرة المسماة، "التف" Tef. عمومًا، المجال المتاح لإثيوبيا هو التصنيع. ولخلق قاعدةٍ صناعيةٍ كبيرةٍ، لا بد من مصادر ضخمة للطاقة الكهربائية. وقد أـتاحت لها طبيعتها الجبلية، فرصةً، كبيرةً، لإنتاج ما يكفيها، وما يفيض للتصدير. ولكونها تملك العديد من المسارع المائية، تبني، إثيوبيا، إلى جانب سد النهضة، عددًا من محطات توليد الكهرباء. وحين تكتمل هذه البنية الضخمة، سوف يصل إنتاج إثيوبيا، من الكهرباء إلى ما يقدر بـ20,000 ميغاوات، لتلحق بجنوب إفريقيا، ومصر، والمغرب، في الانتاج الكهربائي. ولتحقيق الطفرة الصناعية شيدت إثيوبيا، بمساعدة صينية، مجمعات صناعية ضخمة.

    لم يتجه الإثيوبيون حين فكروا في بناء سد النهضة إلى الاقتراض من الجهات الدولية، وإنما اتجهوا إلى استنهاض همة شعبهم، وتجميع طاقته، ليُسهم كل فردٍ منهم، بما يستطيع. ولقد اكتشفت طرفًا من تفاصيل ملحمة سد النهضة المدهشة، عبر صداقةٍ ربطتني بدبلوماسي إثيوبي، كان يعمل في سفارة إثيوبيا، بدولة قطر. فقد عرفت من أحاديثي معه، أن المغتربين الإثيوبيين، في دول الخليج، بما في ذلك عاملات المنازل، وفي غير دول الخليج، يقتطعون من رواتبهم، قدرًا ثابتًا من المال يسهمون به في بناء سد النهضة. بعض هذا المال المقتطع تبرعات، وبعضه الآخر شراء لسندات ذات عوائد مالية، يتلقاها المشتري لاحقا. الشاهد أن القيادات الإثيوبية عرفت كيف تستنهض همة شعبها، لتبني، بالعون الذاتي، هذا الصرح الضخم، الذي تزيد كلفته، عن 4 مليار دولار. وقبل بضعة أعوام، بلغت تحويلات المغتربين الإثيوبيين، ولأول مرة، 5 مليار دولار. متخطية بذلك، ما ترفد به عوائد البن، الخزينة العامة.

    تنشغل النخب في إثيوبيا بالسياسة كمعترك للتنافس على الإنجاز، وجمع الشعب حول ملاحم تنمويةٍ، تستنهض الهمم، وتبعث الأمل في المستقبل. في حين تنشغل نخبنا، بالسياسة، كتنظير ديماغوجي للتمايز. ينحصر في لغة الخطاب، والصراع العقيم، والمراوغات التي تبطئ أيقاع كل شيء، وتقتل روح كل شيء. فهلا جعلنا من فترتنا الانتقالية فرصة لوضع القواعد لانتشال البلاد من الوحل؟ وهلا كففنا عن النهل من طحالب المنصب، والوجاهة، والمال؟ وهلا عرفنا كيف نستقطب موارد مغتربينا الضخمة، لنخرج دولتنا الغنية، من ربقة الفقر المدقع؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-08-2020, 05:15 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إرثنا الاجتماعي و"القومة للسودان"

    النور حمد

    التيار 8 أبريل 2020

    حسنًا، أن أطلق رئيس وزراء الحكومة الانتقالية، الدكتور، عبد الله حمدوك، نداءه الذي اختار له اسم، "القومة للسودان". وهو نداءٌ تناوله العديد من الكتاب، منوِّهين لجوانب النداء الأخرى، التي تتجاوز مجرد جمع مبلغ من المال؛ كثُر، أو قل. فحالة الاصطفاف الجماهيري، وراء الحكومة الانتقالية، واستمرارية السند الشعبي لها، بما يضمن نجاح الفترة الانتقالية، هو الأهم. فقد خبت جذوة الثورة هونا ما، وكان لابد من وقدةٍ جديدة لروح الثورة، تعيد دفقها، وتملؤها، من جديد، بتلك الوحدة الشعورية، الصلبةٍ، التي حبست الأنفاس.

    إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الثورات، هو فقدان الدفق، وترهُّل الحماس، والانزلاق، تدريجيًا، في تلافيف الروتين. يحتاج الجمهور الثائر، كل فترة وأخرى، إلى هدفٍ، سامٍ، يلتف حوله. بل إن بعض القادة الأشرار، يختلقون أهدافًا وهميةً، ماكرة، يجمعون الناس حولها بشيطنة جهةٍ ما. ومن ذلك، على سبيل المثال، كذبة وجود أسلحة كيميائية في العراق، التي جعلت الجمهور الأمريكي يلتف، بمختلف أطيافه، خلف الرئيس بوش الابن، في غزوه للعراق.

    ما من شك أن الوضع الاقتصادي للبلاد كارثي. لكنَّ، السبب في كارثيته، رغم اللغط الذي يثيره الذباب الإلكتروني، والورقي، لقوى الثورة المضادة، هو فساد هذه القوى، عندما كانت في السلطة. بل هي تعمل، الآن، ليل نهار في اختلاق العراقيل، ليبقي هذا الوضع الكارثي في مكانه. في مثل هذا الوضع الذي تواجه فيه حكومة الدكتور حمدوك، هذا النوع من الكيد الرخيص، من مختلف الأطراف، وفي الظروف الدولية الراهنة، التي لا تمتد فيها يد بالعون لأحدٍ، لا يبقى أمام السيد، رئيس الوزراء، سوى أن يستنجد بشعبه، وأن يقول "يا أبو مروة"، كما اعتاد السودانيون أن ينادوا، عادةً، في الضوائق، والمصائب. فقوى الثورة المضادة التي لم تعترف، ولا تريد أن تعترف بالثورة، لا تملك الثورة خيارًا إزاءها، سوى كسر إرادتها، بمثل هذا الفعلٍ الشعبي، التطوعي. وقد مثل الاعتصام في استقطاب البذل التكافلي، قمَّةً لا تُجارى لصراع الإرادات، انتصرت فيه إرادة الشعب. وسيفتح نداء "القومة للسودان" هذا، بابًا جديدًا لإظهار الإرادة الشعبية، في مواجهة إرادة من يريدون كسرها.

    القوى التي تشيطن طموحات الثوار، وآمالهم، قوى استوردت جل أفكارها، ووجدانها، من محيطنا الإقليمي، ولا علاقة لما هي عليه من قيم بمواريث السودانيين. هؤلاء قومٌ أزاغ المال عقولهم، وأفرغ قلوبهم من كل شيء، سواه. فبيئتنا هذه بيئة تصوف؛ ليس منذ دخول الإسلام، وحسب، وإنما منذ أن نشأت ديانات التوحيد في أرض كوش، منذ آلاف السنين. هذه بيئة النفير، وبيئة الفزعة، وبيئة المسيد، وبيئة اقتسام النبقة. لا تحتاج هذه البيئة لمُتَفيْقِهٍ، ضحلِ العقلِ، جديبٍ الوجدانِ، يعلمها قيم الإسلام. فلنجعل نداء "القومة للسودان"، وقودًا جديدًا لوحدتنا، ولقوتنا التي نكسر بها من يريدون كسر إرادتنا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2020, 12:47 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في فجوة الاستراتيجيا

    النور حمد

    صحيفة التيار 11 أبريل 2020

    عانى السودان، منذ استقلاله من انعدام الرؤية الإستراتيجية، فنحن لم ننشئ سوى مراكز للبحوث. لكن، هناك فرق بين مراكز البحوث، وبين المراكز المسماة، "مستودعات تفكير" Think tanks، هذا النوع من المراكز هو الذي تعتمد عليه كثيرٌ من الدول، في قراءة خريطة العلاقات الدولية، وتغيراتها المختلفة. ومن ثم، صوغ استراتيجيات، طويلة، ومتوسطة، وقصيرة المدى. عندما جاءت الإنقاذ وتحسنت المداخيل في فترة النفط، نشأت أعدادٌ كبيرة من المراكز، لكنها كانت، في غالبيتها، مراكز مسيسة، ذات منتوجٍ بائس. وبما أننا قد خرجنا من ذلك العهد المظلم، الكئيب، ينبغي أن نلتفت إلى ضرورة التفكير الاستراتيجي، في عديد المناحي، التي تتصل ببناء الدولة، ورسم شخصيتها الحضارية، وضمان استقلاليتها، وأمنها واستقرارها، ونموها.

    لكي نضع تصوراتٍ استراتيجيةٍ ناظمةٍ، متكاملة الأركان، يتعين علينا أن نفهم مسارات الأمور وتغيُّراتها على مستوى الكوكب. فقد أصبح العالم مترابطًا، واجتاحته العولمة، حتى كاد أن يصبح سوقًا واحدة. لكن، تتغير الآن أمورٌ كثيرةٌ، كانت تعد، حتى الأمس القريب، مسلماتٌ مفروغٌ منها. لقد سمعنا، وقرأنا، هذه الأيام، أن عالم ما بعد كورونا، لن يشبه، عالم ما قبلها. سينكمش الاقتصاد العالمي، بسبب هذه الجائحة، بصورة غير مسبوقة. وقد تظهر خريطةٌ جديدة للعلاقات الدولية، مختلفة تمامًا، عما ألفنا، في حقبة الحرب الباردة، وحقبة القطب الواحد.

    لقد رشح، غض النظر عن صحته، من عدمها، أن قوى الرأسمال المتمثلة في القلة المسيطرة على كل شيء، بدأت تُسَرِّب ما يشي عن نيتها في خفض أعداد السكان في العالم. وسواءً كانت جائحة كرونا مصنوعةٌ أو أنها جاءت بصورةٍ طبيعية، فقد وافقت ما سبق أن اقترحته النخب الغربية المتنفذة، وبر عنه بيل غيتس، حين تحدث، قبل سنوات، عن ضرورة إنقاص سكان الكوكب. فالذكاء الاصطناعي، خفض حاجة أصحاب العمل لليد العاملة. بل، بدأ إبدال الجنود بمقاتلين إلكترونيين، ذوي كفاءة تفوق التصور، وازداد الاعتماد على الطائرات العسكرية، من دون طيار، وقس على ذلك.

    في ظل هذه المتغيرات، سينقسم العالم، في تقديري، بين رؤيتين: رؤية أجرؤ فأسميها رؤيةً "وثنية"، ترى أن في العالم فائضٌ بشري، ينبغي التخلص منه، لينعم عددٌ محدَّدٌ بخيرات العالم الجديد، الذي ستقوم فيه التكنولوجيا بمعظم العمل، إن لم يكن كله. أما الرؤية الأخرى فرؤيةٌ روحانيةٌ، نافيةٌ للأنانية، ترى أن خيرات الأرض تكفي الجميع، كما في الأديان. فالعالم فيه ما يكفي جميع الناس، ولكن ليس فيه ما يكفي أطماع البعض. مع تراجع وضع الولايات المتحدة، وتقدم الصين، وحلفائها، ستتغير الأوضاع الإقليمية القائمة. ولسوف يؤثر هذا على علاقتنا بالغرب، وبمن يوظفهم لخدمة أهدافه في الإقليم. غالبًا ما تتراجع العولمة، على النسق الغربي. وغالبًا ما يظهر برادايمٌ أخلاقيٌّ جديد. باختصار، نحن على أعتاب حقبةٍ جديدةٍ، تقتضي تفكيرًا جديدا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2020, 12:49 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    11 أبريل: فجر الحرية ومخاطر الطريق الوعر

    النور حمد

    صحيفة التيار 11 أبريل 2020

    ارتدى الرئيس المخلوع، عمر البشير، في الثلاثين من ديسمبر، أي بعد اثني عشرة يومًا من اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، زي الشرطة الأزرق، وخاطب قيادات الشرطة، في لقاء متلفز، بدار الشرطة. كان يبدو في عينيه الجزع، ففاجعة السقوط أخذت ترفرف فوق رأسه. عندما اعتلى المنصة، وأجال عينيه الزائغتين في الحضور، أحس من نظراتهم، فتور الحماس، وقلة الاهتمام بما يقول. شرع في الكذب كعادته، قائلاً إن هناك تخريبًا للممتلكات. انبرى يتحدث عن القصاص، بعد أن منح نفسه حق الإفتاء، محاولاً أن يقنع مستمعيه، بأن قتل المتظاهرين، في الشارع، يُعدُّ قصاصًا. قرأ الآية الكريمة: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". لكنه، مع ذلك، رأى انخذال ما يقول، وضعف تأثيره على مستمعيه. لحظتها، بان على وجهه أن ميقات ذهابه قد دنا. بعد أربعة أشهر ذهبت إليه اللجنة الأمنية، في مسجد القياد العامة، في 11 أبريل، لتخبره بقرار عزله، فوجدت رجلًا منهارًا. سمع الخبر الصاعق، وطأطأ رأسه، وابتلع حسرته، وبدأ رحلة انزلاقه في نفق النسيان، تطارده لعنات الشهداء الذي ماتوا، والأحياء الذين عُذِّبوا، والذين تشردوا، في حروبه العبثية، على مدى ثلاثين عامًا. لكن، لم تأخذ اللجنة الأمنية أية عبرة من سقوط البشير، ولم تتعظ من فشل القنص العشوائي للمتظاهرين، الذي جرى على مدى أربعة أشهر، فقامت في الثالث من يونيو 2019، بما هو أبشع. نسيت اللجنة الأمنية درس البشير، على جدته، فغدرت بالشباب النائمين، الغافلين، في ساحة الاعتصام، وقتلت منهم المئات في ساعةٍ واحدة. "حكمةٌ بالغةٌ، فما تُغني النذر".

    الأكثر غرابةً وإيلامًا مما فعلته اللجنة الأمنية، هو ما رشح من أن مدنيين، حزبيين، وبعضًا من كهنة السلطان، ومعهم بعضٌ من رجال القضاء، شاركوا في قرار فض الاعتصام. وهو قرار ترتبت عليه واحدةٌ من أكبر المذابح، فظاعةً، وخسةً، ونذالةً، في التاريخ. مذبحةٌ مورس فيها قتل العزل بدمٍ بارد، واغتصاب الفتيات، وإلقاء الجثث في النيل، وأرجل أصحابها مشدودٌ وثاقها إلى كتلٍ أسمنتية. وربما يكون بعضهم قد أُلقى ببعضهم، في النيل، وهم لا يزالون أحياء. أولياء أمور هؤلاء الشهداء، وكل صاحب ضميرٍ حيٍّ، في هذه البلاد، وما أكثرهم، في انتظار ما تسفر عنه أعمال لجنة التحقيق. علَّ ذلك يبرئ الجروح الغائرة، التي خطتها تلك المذبحة البشعة، في نفس كل سوداني وسودانيةٍ.

    "حصان طروادة" الانتخابات المبكرة

    التحول الذي جرى عقب ثورة ديسمبر 2019، لا يشبه التحولين اللذين سبقاه، في أكتوبر 1964، وأبريل 1985. في أكتوبر 1964، رضي الجيش أن يسلِّم السلطة بلا مقاومةٍ تذكر، وترك الأمر للمدنيين. غير أن الفترة الانتقالية، لم تصمد عقب أكتوبر 1964، سوى أربعة أشهر، فقط. ضغط الحزبان الكبيران، على رئيس الوزراء، سر الختم الخليفة، فقدم استقالته، منهيًا الفترة الانتقالية. وكانت دوافع الضغط، إلى جانب عجلة الحزبين الكبيرين، المعتادة، للوصول إلى السلطة، ما وضح من اختطاف الشيوعيين للثورة، عبر جبهة الهيئات. ومحاولتهم جعل أكتوبر، ثورةً جماهيريةً يساريةً، تستخدم الشرعية الثورية لتمكين العمال والمزارعين، ومن ورائهم القوى الحديثة، يسارية الطابع. الآن، يعيد التاريخ نفسه، فلقد قال السيد الصادق المهدي، منذ أول يومٍ للحكومة الانتقالية: "إذا فشلت الحكومة الانتقالية سنذهب إلى انتخابات مبكرة". وقبل أربعة أيام، كان العنوان العريض لصحيفة "صوت الأمة"، تصريحٌ لمحمد الجزولي يدعو فيه الجيش للتدخل لتصحيح مسار الثورة، على حد قوله. وهكذا أصبح الجزولي، المقرب من قطر، وحزب الأمة، في مركبٍ واحد.

    أيضًا سيطر الجيش على الفترة الانتقالية، التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985. وقد حمد كثيرون، للفريق سوار الدهب، تخليه عن السلطة، بنهاية الفترة الانتقالية، وتسليم الحكم للمدنيين. لكن، فات على هؤلاء، أن سوار الذهب لم يفعل ذلك، إلا بعد أن أفرغ الثورة من مضامينها التي حملتها شعاراتها. ونفَّذ بدلا عنها، خطة الجبهة القومية الإسلامية، بمساعدة، رئيس الوزراء الدكتور، الجزولي دفع الله، القيادي في الجبهة القومية الإسلامية. عمومًا، لم تكن الديموقراطية الثالثة، سوى فترةٍ للإعداد للوثوب إلى السلطة، مارست فيها الجبهة القومية الإسلامية، مختلف الأساليب لهدم الديمقراطية، تمهيدًا لانقلابها العسكري، الذي نفذته في يونيو 1989.

    عسكريو الديموقراطية الرابعة

    لعب العسكر في كل فترةٍ أعقبت واحدةً من الثورات الثلاث، دورًا مختلفًا عن سابقه. ويمكن القول، إن أعقد وأخطر وضعٍ، في علاقة العسكريين بالمدنيين، لهو الذي بدأنا نشهد فصوله، منذ إزاحة الرئيس البشير. فالقوى حاملة السلاح تحولت في فترة حكم البشير إلى مؤسسة اقتصادية، بنخبٍ ثريةٍ، أصبحت جزءًا من نسيج النخب النيلية، الثرية، التي سيطرت على موارد الدولة السودانية منذ الاستقلال. فلو نظرنا إلى تأثير هذه الوضعية الجديدة، غير المسبوقة، المتعلقة بثروات العسكريين، وأضفنا إليها تورطهم في مجزرة القيادة العامة، وربما، تورط بعضهم في فظائع دارفور، وخشيتهم من المحاكمات، فسوف يتضح لنا جليًّا، صعوبة فك يد العسكر من السلطة.

    لفك يد العسكر من السلطة، وإعادة الدولة السودانية إلى وحدتها العضوية، هناك طريقان، فيما أرى. الطريق الأول: حدوث تسوية، ومصالحة شاملة، تحقق العدالة لأهل القتلى، وتبرئ الجراح، وتجبر الأضرار، وتزيل الدولة الموازية. وربما اقتضى إزالة الدولة الموازية، منح كبار العسكريين، والأمنيين، في حالة التقاعد، مناصب رفيعة ومخصصاتٍ مغريةٍ، في الشركات شبه الحكومية، التابعة للجيش، والأمن، والشرطة، بعد أن تصبح تحت إشراف الدولة ورقابتها. فمن البديهي جدًا ألا يتخلى صاحب الامتياز عن امتيازه، بلا مقابل، خاصةً إن كان يملك القوة العسكرية. ولو كان أصحاب الامتيازات يتنازلون عن امتيازاتهم، هكذا، لتحققت العدالة والمساواة في العالم، منذ قرون، وقرون، ولما احتاجت الشعوب أن تثور، أصلا.

    لن تصبح الدولة السودانية دولة إلا بالقضاء على الدولة الموازية، وأن يصبح كل شيءٍ خاضعًا للسلطة التنفيذية. قد يستغرب كثيرون هذا التدبير، بل وربما يستنكرونه، إلا أنه تدبيرٌ استثنائي، القصد منه فك حالةٍ مستحكمة الاستغلاق. لقد كان من الضروري أن تشمل المفاوضات منذ البداية، تفكيرًا في مثل هذا التدبير. غير أن الذين أداروا المفاوضات الماراثونية، عقب الثورة، لم يملكوا المعرفة، والحكمة، والشجاعة. لقد انصرفوا، في نشوة النصر الجزئي، إلى الأمور الإجرائية، الهامشية، وتجنبوا مناقشة العقد الرئيسية، التي تشكِّل ألغامًا مدمرة. ظنوا أن الوثيقة الدستورية، كما هي جميلةٌ على الورق، ستكون، بالضرورة، جميلةً على الواقع.

    ستبقى كفة القوى التقليدية راجحة

    إذا جرى رفض المقترح الأول من جانب العسكريين، أو المدنيين، أو منهما معاً، فإن الطريق الثاني، سوف يفرض نفسه بنفسه. هذا الطريق الثاني، غدت ارهاصاته واضحةً، تتمثل في هذا التحالف الضمني بين العسكريين، بمؤسساتهم الأربع: الجيش، والدعم السريع، والشرطة، والأمن، وبين الحزبين الكبيرين، (الأمة والاتحادي)، إضافة إلى طيف الإسلاميين، العريض. ولسوف يسيطر هذا التحالف الضمني، على المجلس التشريعي المرتقب. وسيكون هو الذي يضع صيغة السلام مع الحركات المسلحة، وفقًا لما يراه. كما سيسيطر على مفوضية الانتخابات، ويتحكم في وضع قانونها، وتقسيم دوائرها. يضاف إلى ذلك، أن حكومة "قحت"، أضحت أقرب ما تكون إلى الحكومة الصورية؛ فهي بلا سلطة قرار في الشؤون ذات الأهمية الكبيرة. كما جرى تقييدها، بإحكام، على مقعد الإملاق الدائم. فالمال، كله، في الجانب الآخر من الملعب، ومعه القوة العسكرية، وأذرع الدولة العميقة، والخبرة الطويلة.

    لقد استهانت قوى الحرية والتغيير، المتنازعة فيما بينها، بقوة خصومها. كما أهملت العقد العصية على الحل. لذلك، خسرت التفاوض، وخرجت بورقةٍ مكتوبةٍ بإنشاءٍ حسن، يصعب جدًا تحقيق بنودها، على الأرض. ولسوف يجعل هذا الوضع، نتيجة الانتخابات القادمة محسومةً لصالح اليمين التاريخي، مثلما كان الحال في الديمقراطيات الثلاث، اللواتي مضين. لكن، لا بد من القول، إن داخل هذا الطريق الثاني احتمالٌ آخر، أكثر بشاعة، وهو قتل التطلع للتحول الديمقراطي، عبر خطواتٍ بطيئةٍ، محسوبةٍ، وإنشاء نظامٍ شبيه بنظام السيسي، في مصر، بهندسةٍ من القوى الإقليمية.

    لا مستقبل لليسار بصيغه الراهنة

    لقد ظل الصراع، عبر تاريخ السودان المستقل، سجالاً بين القوى التقليدية، والقوى الحديثة. وقد كسبت القوى التقليدية، حتى الآن، كل جولات الصراع ضد القوى الحديثة. تتحالف قوى اليمين مع بعضها، في المنعطفات الكبيرة، لأنها تتشارك كراهية اليسار. كما أن ما يجمعها، أيضًا، هو حب الرضاع من ثدي الدولة. فالنخب المالية عقب الاستقلال، كانت منحصرةً في حزب الأمة، وحزب الاتحاديين. ثم جاء الإسلاميون فأصبحوا هم الدولة، وأفقروا الجميع، بلا استثناء. يُضاف إلى ذلك، أنهم خلقوا من القوى حاملة السلاح، نخبةً ماليةً جديدةً، بالغة القوة. لكن، رغم أن هذه القوى، تجمعها كراهية اليسار، إلا أنها لا تملك إلا أن تصارع بعضها، مستقبلا، ودونكم غدر الإسلاميين بحزب الأمة، وبالاتحاديين. لذلك، غالبًا ما تصبح الديمقراطية الرابعة، مجرد صراعٍ على المغانم، والمناصب، مع إهمالٍ تامٍ لقضايا بناء الدولة.

    لقد كانت ثورة ديسمبر ثورةً عظيمة، لكنها لا تزال ثورةً ناقصة. قامت بالثورة كتلةٌ جماهيرية ٌضخمةٌ، شديدةُ الحيوية، لكنها تفتقر إلى شيئين: القيادة المدركة، واللحمة الصلدة بين الجماهير والقيادة. هذا ما لم يدركه بعمق، أهل النزعة اليساروية، الذين أداروا التفاوض، وهم لا يزالون يقتاتون من تاريخهم ومن مانيفستوهاتهم القديمة. وهو، أيضًا، ما لم يدركه، شباب الإسلاميين، ذوي التفكير الأقرب إلى اليسار، الذين يصب جهدهم، رغمًا عنهم، في جيب اليمين الكبير. على شباب اليسار، وشباب الإسلاميين، وشباب الأحزاب التقليدية، واللامنتمين حزبيًا، أن يفكروا في انتاج صيغةٍ، مشتركة، لليسار. لكن، لكي تكون راسخة وفاعلة، لن تستغني، هذه الصيغة، عن البعد الروحاني.

    سوف تزداد الشقة بين قحت وقاعدتها الجماهيرية، اتساعًا، بسبب إفلاس الحكومة. وبسبب العمل الدؤوب لقوى اليمين، كلٌّ من موقعه، في التسبب في الغلاء الطاحن، لخلق تذمُّرٍ شعبيٍّ واسعٍ، لإفشال الفترة الانتقالية. يقول الواقع القائم الآن، وبوضوحٍ شديد، أن إجبار العسكريين على الرضوخ للشرعية الثورية، قد فشل. والأمثل هو أن تتحول جماهيرية الثورة الضخمة، التي شهدناها، إلى وعيٍ مستحصد، وتصبح قوةً انتخابيةً ضاربةً، تفوز بالانتخابات، وتفرض برنامج الثورة، عبر صندوق الاقتراع. وهذا ما لم ينشغل به، من قوى الثورة، أحدٌ بعد. لذلك، سيفوز اليمين بالانتخابات القادمة، بتحالف عريضٍ بين مكوناته، كالعادة. وستصبح الديمقراطية الرابعة، كما ذكرت، نسخةً مكررة، إلى حدٍّ كبيرٍ، من الديمقراطيات الثلاث اللواتي مضين. أما الاحتمال الأسوأ والأبشع، كما ذكرت سلفًا، أيضأ، هو أن يجري قطع الطريق على التحول الديمقراطي، بخلق نموذجٍ شبيه بنظام الرئيس السيسي، في مصر، تنحصر أجندة في خدمة استراتيجيات الدول الخليجية. وفي كل هذه الأحوال، والاحتمالات، يبقى الطريق، لاستئناف الثورة، من جديد مفتوحًا. على الأقل، من الناحية النظرية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2020, 08:06 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مسلسل الأزمات

    النور حمد

    صحيفة التيار 12 أبريل 2020

    لا يوجد في دول الجوار في شرق إفريقيا، صوف خبز، أو وقود، أو غاز؛ لا في كينيا، ولا يوغندة، ولا إثيوبيا، ولا تنزانيا. أما نحن، فقد ظل هذا وضعنا، منذ أن أدخلنا جعفر نميري، بسياساته الاقتصادية المرتجلة، في منتصف سبعينات القرن الماضي في هذا الجحر. فمنذ خمسة وأربعين عامًا، ونحن ندور في هذه الدائرة الشريرة، باستثناء وقتٍ قصير، هو فترة عوائد النفط، قبل انفصال الجنوب. إذن، لابد أن هناك علةٌ بنيوية في الطريقة التي ظللنا ندير بها بلادنا. فنحن بلاد الكيد، والكيد المضاد. وهذه علة مُقعدة، جعلت رأسماليينا، ضمن الأسوأ في العالم، ابتداءً من كبار الحيتان، وانتهاء بأصحاب الكناتين، في الأحياء الشعبية. كما جعلت سياسيينا، ضمن الأسوأ في العالم النامي. ودونكم حالنا، وحال دول الجوار، التي تعد أفقر منا، بما لا يقاس، من حيث الموارد.

    بدأت قوى الثورة المضادة تضرب، منذ أن تسلمت الحكومة الانتقالية مهام الحكم، على وتر الأزمات، لتدلل على أن الحكومة الانتقالية حكومةٌ فاشلة. هذا، على الرغم من أن هذه الأبواق الإنقاذية المأجورة، التي تقود، هذه الحملة القذرة، تعرف، أكثر من غيرها، إنها، إنما تمارس تدليسًا، صريحا. ولو أننا رجعنا إلى أرشيف صحفهم الباهتة، هذه، التي ما كانت، طيلة فترة حكم الإنقاذ، سوى "صوت سيِّدِه"، لوجدناهم قد أنفقوا زمنًا طويلاً، في مناقشة نفس هذه الأزمات، ولكن، بطريقتهم الحنونة، الملساء، المحسوبة. لقد خلقت الإنقاذ دولةً موازيةً، أفقرت بها الدولة الأصلية، فتركتها مجرَّد قوقعةٍ فارغة. الذي كان يحدث، في العهد البائد، حين تشتد الأزمات، أن الرئيس يتصل بأركان الدولة الموازية، ويطلب منهم إنقاذ الموقف، فيستجيبون صاغرين. كما رأينا كيف تاجر في القضايا الإقليمية، فهجر حلفًا، ودخل حلفًا مضادًا، لقاء بضع أعطياتٍ، نقديةٍ أو عينية، من ملوك وأمراء الخليج. نعم، نحن نعاني الآن، معاناة فظيعة، ولكن بسببكم أيها الانقاذيون. ولا مهرب لنا من احتمال المعاناة، حتى ننجح في إدماج الدولة الموازية، في الدولة الأصلية.

    هناك وضعٌ يسميه الغربيون "النبوءة التي تصدق نفسها، بنفسها" Self-fulfilled prophecy. أي، أن يخلق الشخص الأزمة ثم يقول: ألم أقل لكم إن هذا سوف يحدث؟ تعلم أبواق العهد البائد، قبل غيرها، أن الدولة الموازية لا زالت قائمة. وأن الحكومة الانتقالية لم تسيطر بعد على موارد هذه الدولة الموازية. فالدولة بقيت منهوبةً على مدى ثلاثين عاما. لكنهم، مع ذلك، يريدون للحكومة الانتقالية أن تجترح معجزة، تنزل بها عليها مائدةٌ من السماء، وتنفرج الأزمات في لمح البصر. يحدثوننا وكأن المصانع كانت دائرة، وكأن عوائد الصادر، من بيع الذهب، والسمسم، والماشية، وغيرها من الصادرات، كانت تعود إلى خزينة الدولة. إنهم، يعرفون، كما يعرفون جوع بطونهم، أين هي الدولة الموازية الآن. لكنهم لا يشيرون إليها، لأمرٍ في نفس يعقوب، فالغرض مرض.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-14-2020, 01:51 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مدارس أم كناتين؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 13 أبريل 2020

    ما ينبغي أن يمر يومٌ، من هذه الفترة الانتقالية، من غير أن نتذكر فيه شيئًا، من ركام الانقاذ، من البلايا. فإبقاء ذاكرتنا حاضرةً، ومتَّقدة، على الدوام، يمنع الارتداد إلى الماضي، ويحول دون تكرار أخطائه. اندفعت الإنقاذ في خصخصة التعليم، اندفاعًا أهوجًا. رغم أن معظم كوادر الإسلاميين هم من أبناء الريف، الذين تلقوا تعليمًا مجانيًا في مدارس داخلية، أنفقت على معاشهم وسكنهم، بل وحتى على ترحيلهم إلى ذويهم، في العطلات. إلا أنهم تنكروا لهذا الكرم المجتمعي، الذي لولاه ما وصلوا إلى السلطة. بل، ما عرفوا عيش المدن، أصلا. ما أن أمسك الإسلاميون بالسلطة، التفتوا، إلى هذا النظام التعليمي التكافلي، العظيم، وقاموا بهدمه. فتحول التعليم من حق أساسي، إلى امتياز، لا يناله إلا من ملك المال. ومن لا يملك المال، عليه أن يبعث بفلذات كبده إلى المدارس الحكومية، حيث جعلوا التعليم شبيهًا بعدمه.

    لأمرٍ في نفس يعقوب، انصاع الإسلاميون لسياسات البنك الدولي، في الخصخصة، بصورةٍ تتجنب أغلبية الدولة النامية تنفيذها بحرفية. ولم يكن غرض اتباع نهج الخصخصة تحقيق النمو، كما تزعم الرأسمالية. وإنما فتح الباب لمنسوبي الحركة الإسلامية، لامتلاك المدارس الخاصة، والمشافي الخاصة، ليغتني أفراد التنظيم. لم يكفهم احتكار مناصب الدولة، والتحكم في سلطة القرار، فأضافوا إلى ذلك، تخريب التعليم، والنظام الصحي، حتى يتحول الناس إلى مؤسساتهم، الصحية والتعليمية ذات الطبيعة التجارية. استخدم الإسلاميون سلطة القرار لتكسير مرافق الملكية العمومية، لتتحول الدولة برمتها، إلى مرتعٍ للنهب المنظم.

    للمدرسة معايير تقوم عليها بنيتها المادية؛ من مباني، ومرافق، وميادين، إلخ. وتحسب المساحة الكلية للمدرسة بصورةٍ تتناسب مع عدد الطلاب. لذلك لا ينبغي أن يسمح بتحويل عمارة أُنشئت أصلا لتكون سكنيةً، أو تجاريةً، إلى مدرسة خاصة. لأن لحجرات الدراسة مقاييسها، وللممرات مقاييسها، وللميادين الرياضية المختلفة، نسبتها المتوافقة مع مساحة المبني، ومع عدد الطلاب. فلكل طالب مقدار محدد من الأمتار المربعة، يجري على أساسه حساب المساحة الكلية للمدرسة. فالمدرسة ليست مكانًا لحشو الأدمغة بالمعلومات. وإنما مجالٌ محسوبٌ، بدقة، لتحقيق النمو على مختلف الصُعد. فهناك النمو البدني، والنفسي، والعقلي، والجمالي، والروحاني، وغيرها. ويجب أن يخدم تصميم المدرسة، وتوفر مرافقها الفرصة لكل هذه الجوانب المتعلقة بالنمو.

    أفقر الإسلاميون المدارس الحكومية القائمة، من كل شيء، حتى أضحت أشبه بالخرائب. كما أفقروا معلميها، بعد أن اجتذبوا كثيرين منهم، إلى مدارسهم الخاصة. ولم يفت عليهم أن يجعلوا من التعليم وسيلة للمباهاة، كما الأعراس. ينبغي، أن تعمل الفترة الانتقالية، وما يليها على مراجعة التعليم الخاص، وإعادة تأهيل التعليم الحكومي من جديد. لا بأس أن يكون هناك تعليم خاص، لكن، على أسس جديدة. ينبغي أن تنشأ المدرسة الخاصة مستوفية لكل المواصفات منذ البداية. فالمدرسة ليست كنتينًا يُفتح في أي مبنى أو بيت في الحي.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-15-2020, 06:51 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    منظمة الدعوة الإسلامي

    النور حمد

    صحيفة التيار 15 أبريل 2020

    ألاعيب الإنقاذيين، في خلق الدولة الموازية، ألاعيبٌ متنوعةٌ، وماكرة. من ضمنها، ما سُميت "منظمة الدعوة الإسلامية"، التي أثار قرار حلها ومصادرة أملاكها، زوبعةً في الداخل السوداني، وفي الخارج. جرى إنشاء هذه المنظمة في بداية الثمانينات، من القرن الماضي، واتخذت من السودان دولةَ مقرٍّ لها. تستخدم هذه المنظمة العمل الإغاثي غطاءً لعملها الرئيس، وهو نشر الإيديولوجيا الإخوانية، مستعينةً، جزئيًا، بموارد الدولة السودانية، التي وضعها الانقلاب العسكري تحت أيدي الإنقاذيين. لذلك، لا غرابة، أن جرى تسجيل بيان انقلاب البشير، داخل مباني هذه المنظمة.

    لو كانت هذه المنظمة تابعةً للحركة الإسلامية السودانية، وممولةً من حر مالها، لما اعترضنا عليها، ولا على ترويجها إيديولوجيا هذه الحركة. لكن، المنظمة ذراعٌ لتنظيمٍ عابرٍ للأقطار، يعمل في عشرات البلدان. فالفكرة الجوهرية، التي تقف وراءها، وأساليب عملها، تعرض الأمن القومي السوداني للخطر. يقول موقع المنظمة على شبكة الإنترنت: "تضم منظمة الدعوة الإسلامية عدة مؤسسات بينها مؤسسة تأهيل وتدريب الدعاة، التي أُنشئت عام 2008، وهدفها تدريب الدعاة - رجالا ونساء - بحسب الوسائل العلمية الحديثة وإعدادهم لنشر الدعوة الإسلامية ". ويقول الموقع أيضًا: "كما تضم "المؤسسة الأفريقية للتعليم"، التي أنشئت عام 2007 وهي متخصصة في تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية بين "مناطق التداخل اللغوي والحضاري في أفريقيا". ويقول الموقع، أيضًا: "أما معهد مبارك قسم الله للبحوث والتدريب الذي أنشئ عام 1989 فقد بدأ كمركز لدراسة التنصير ورصد النشاط المضاد للدعوة الإسلامية، ثم أصبح معهدًا شبه أكاديمي يقدم شهادة الدبلوم في الدعوة الإسلامية، قبل أن يتحول إلى "مؤسسة متخصصة في مجال البحوث والتدريب لرفع قدرة ومهارة الدعاة". راجع الرابط: https://bit.ly/3ejnk7ahttps://bit.ly/3ejnk7a

    استخدم التياران السلفي والإخواني، منذ الطفرة النفطية، المال الخليجي للتغلغل الأيديولوجي، والمذهبي، في إفريقيا. فخلقا القلاقل، وزعزعا السلم الاجتماعي، في البلدان الإفريقية. وللمرء أن يتساءل ما الذي أنجزه السلفيون والإخوان، للإسلام، في الجزيرة العربية، ليأتوا للتبشير به في إفريقيا؟ فإسلام إفريقيا، في مجمله إسلامٌ صوفيٌّ، قيميٌّ، متسامحٌ، لا ينسجم إطلاقًا مع طبيعة هذين التيارين المتطرفين. ورغم أن للسودان وزارةٌ للتربية والتعليم، ووزارةٌ للشؤون الدينية والأوقاف، إلا أن المنظمة، جعلت من نفسها مؤسسةً موازيةً، تقوم بعملهما، منفردةً، لتبقى خارج دائرة الرقابة العامة. فهي تقوم بالتعليم، وبإعداد الدعاة، منفردةً، لأنها، ببساطة، تريد أن يصبح الطلاب والدعاة "إخوانًا مسلمين". فعملها سياسي، غرضه اختراق النسيج الثقافي للدول. ولقد فعل السيد الصادق المهدي خيرًا، بوقوفه مع قرار حل هذه المنظمة. وأرجو أن يفتح وضع الأيدي على ملفاتها، الطريق إلى إجلاء الحقيقة حول الاتهامات التي ما فتئت تتردد حول قيام مؤسسات سودانية بإعداد المتطرفين؛ مثال حركة الشباب الصومالي، وحركة بوكو حرام. واجبنا، جميعًا، أن نبذل قصارى جهدنا، لغسل تهمة الإرهاب عن هذا البلد المسالم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 10:49 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    *
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 10:54 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الحراك المضاد للثورة

    النور حمد

    صحيفة التيار 16 أبريل 2020

    نبهني أحد الأصدقاء قبل ضعة أيام، إلى أن عبارة "الثورة المضادة"، تحمل في أحشائها تناقضًا. فالفعل المضاد للثورة، لا يمكن أن يوصف، هو الآخر، بأنه ثورة. ولأن ملاحظته هذه، راقت لي، فقد جعلت عنوان هذه المقالة، "الحراك المضاد للثورة"، وليس "الثورة المضادة". الحراك المضاد للثورة، فعلٌ ملازمٌ لكل ثورة. فما من ثورةٍ في التاريخ، إلا وكان هناك حراكٌ مضادٌ لها. فالثورة، في جملة الأمر، تريد أن تجعل الناس شركاء في سلطة القرار، ومن ثم شركاء في الثروة. والوضع الذي تتفجر الثورة ضده، لهو الوضع الذي سلب الناس سلطة القرار. ومن ثم، حصر الثروة في الممسكين بمفاصل السلطة، إضافة إلى داعميهم، الذين يقفون في صفهم. لكن، من المهم، جدًا، أن نتبين أنه لا يوجد دائمًا خطٌ فاصلٌ، واضحٌ مئة في المئة، بين الثورة وبين معارضي الثورة. فهناك منطقةٌ رماديةٌ يمكن أن يصبح فيها البعض داعمين للثورة، ومعارضين لها، في نفس الوقت. فعندما يصبح التحول قدرًا لا فكاك منه، ينضم إلى ركبه نفرٌ من غير المؤمنين به، لإيجاد مكانٍ لهم في الحالة الجديدة.

    عمومًا، ليس كل من يقف مع الثورة، هو بالضرورة مؤمنٌ إيمانًا، قاطعًا، بأهدافها. فكما يلتصق الانتهازيون بالنظام الفاسد، الذي قامت عليه الثورة، يلتصقون أيضًا بالثورة. لا من أجل نصرة أهدافها، كما هي في أذهان الجماهير الثائرة، وإنما لإعادة موضعة منظومة مصالحهم، في إطار النظام الذي سيولد. وربما تجهر مثل هه الفئة بدعم الثورة، في حين تحتفظ بخطوط للتواصل، عبر الأبواب الخلفية، مع القوى التي تريد أن تجهض الثورة، وتحول بينها وبين تحقيق أهدافها. ودعونا ننظر إلى الطريقة التي تكونت بها ما سُمِّيت "قوى الحرية والتغيير"، وكيف أنها تنازعت أمرها فيما بينها، حتى أصبحت، إلى حدٍّ كبيرٍ، عقدًا منتثرًا بلا خيطٍ ناظمٍ، يربط بين حباته.

    لابد لأي ثورةٍ من نخبةٍ تقودها. لكن، من الغفلة بمكان أن نظن أن أهداف الثورة، كما هي في خيال الجماهير، وتطلعاتها، تكون مطابقةً، بالضرورة، لما في خيال النخب، وتطلعاتها. فالثورة سيرورة تنمو من داخل ذاتها، لتصحح أوضاعها، كل حينٍ، وهي تسير نحو أهدافها. وليس هناك ثورة مثَّلت حدثًا حاسمًا، أنجز كل شيءٍ، في ضربة واحدة. وإنما الثورة سيرورة تنداح على مدى زمني، قد يطول، وقد يقصر. تدخل الثورة في جدل مع الواقع المحيط بها، وهي تسير نحو أهدافها، فيشحذ هذا الجدل أدواتها، ويصحح مسارها، ويوفر لها فرصًا لمراقبة النخب القائدة، ومحاسبتها، وربما يقتضي أحيانًا تغييرها، كليا. لذلك، من الضروري ألا ينحصر التفكير والجهد، في إفشال مخططات الحراك المضاد للثورة، فقط. وإنما أيضًا في محاصرة النخب التي تقود الثورة لكيلا تتقارب، بقصدٍ، أو بغفلةٍ، مع خطط الحراك المضاد للثورة، الظاهر منها، والمستتر.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 10:59 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الشرعية الثورية والشرعية الدستورية

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 أبريل 2020

    الشرعية الثورية حالةً، استثنائيةً، مؤقتةً، ولا ينبغي أن تصبح حالةً مستدامة. فإذا كانت الثورة تهدف أصلًا إلى إحداث تحولٍ ديمقراطي، فإن الشرعية الثورية تبقى، بالضرورة، حالةً مؤقتةً، عابرة. ولا تكون الشرعية الثورية حالةً مستدامةً، إلا في حالة الثورة التي تود أن تأتي بنظامٍ شمولي، كالنظام الشيوعي، الذي يهدف إلى ترسيخ واستدامة ديكتاتورية البروليتاريا، مثلا. لكن في الحالتين، تتحقق الشرعية الثورية، نتيجةً لتفويض الشعب، قيادة الثورة، عقب ثورةٍ شعبيةٍ، حاسمةٍ، أن تشرِّع، وتفعل ما تراه خادمًا لأهداف الثورة. فالثورة إنما تعني التقويض الكامل لأركان النظام القديم، أو هكذا ينبغي أن تكون. أي، أنها تلغي القوانين، والإجراءات، التي كانت تسند فساد النظام القديم، وتحول بين الشعب وبين إنفاذ إرادته.

    إذن، لابد أن نفرق بين الشرعية الثورية، التي تأتي نتيجةً لثورةٍ تهدف إلى تحقيق تحولٍ ديمقراطي، وبين الشرعية الثورية التي تأتي نتيجة لثورةٍ تريد تغيير النظام القديم بنظام شمولي ديكتاتوري. فالثورة التي تهدف إلى تحول ديمقراطي، تنتقل من الشرعية الثورية، إلى الشرعية الدستورية. أما التغيير على نسق النظريات الشمولية، كالشيوعية، أو ما يشبهها، كالبعث العربي، بكل أطيافه، فإنها تنحو إلى جعل الشرعية الثورية، حالةً مستدامة. ولقد بلغ التدليس، في هذا المنحى، درجةً سُمِّيت بها الانقلابات العسكرية، التي حدثت في البلدان العربية، "ثورات". من أمثلة ذلك: انقلاب جمال عبد الناصر في مصر، الذي سمي، "الثورة المصرية". وانقلاب البعث في العراق، الذي سمي "ثورة تموز". وانقلاب سوريا، الذي سُمي "ثورة آذار"، وقد تلته انقلابات أخرى. وكذلك انقلابا نميري وقذافي، في كل من السودان، وليبيا، اللَّذيْن سميا، "ثورة مايو"، "وثورة الفاتح من سبتمبر". وأيضًا، انقلاب الإسلاميين في السودان الذي أسموه، "ثورة الإنقاذ". أما ثورة الخميني التي كانت، بالفعل، ثورةً شعبيةً، فقد استبدلت النظام الملكي، الشمولي، بديكتاتوريةٍ، دينيةٍ، مدنية.

    يبدو أن طيف اليسار العريض، الذي سيطر على قوى الحرية والتغيير، وأصبح الحاضنة السياسية، للحكومة الانتقالية، التي أعقبت ثورة ديسمبر العظيمة، لا يزال أسيرًا للتصورات الماركسية/البعثية للشرعية الثورية. انشغل اليسار بالفترة الانتقالية، وكأنه سيمارس شرعيةً ثوريةً مستدامة. لم تنشغل أي من مكونات قوى الحرية والتغيير، بما يعقب الفترة الانتقالية. فإذا لم تتحول الثورة، عبر تحالفٍ ثوريٍّ عريض، إلى قوةٍ انتخابيةٍ، كاسحةٍ، تكسب الانتخابات المقبلة، فإن كل الإجراءات التي جرى اتخاذها، عن طريق الشرعية الثورية، تبقى عرضةً للنقض بواسطة القوى المعارضة للثورة، حين تملك هي الشرعية الدستورية. ولا يبدو، إلى الآن، أن هناك ما يمكن أن يحول بين القوى المعارضة للثورة، وبين أن تكسب أول انتخاباتٍ تجري في الديمقراطية الرابعة. حين يحدث هذا، وهو الأرجح عندي، فإن الأمور ستعود، كرة أخرى، إلى نقطة الصفر. أثبت دروس التاريخ، أن قصر النظر، والانحصار في الأهداف الآنية، والتشرذم، تجهض الثورات.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 11:00 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الشرعية الثورية والشرعية الدستورية

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 أبريل 2020

    الشرعية الثورية حالةً، استثنائيةً، مؤقتةً، ولا ينبغي أن تصبح حالةً مستدامة. فإذا كانت الثورة تهدف أصلًا إلى إحداث تحولٍ ديمقراطي، فإن الشرعية الثورية تبقى، بالضرورة، حالةً مؤقتةً، عابرة. ولا تكون الشرعية الثورية حالةً مستدامةً، إلا في حالة الثورة التي تود أن تأتي بنظامٍ شمولي، كالنظام الشيوعي، الذي يهدف إلى ترسيخ واستدامة ديكتاتورية البروليتاريا، مثلا. لكن في الحالتين، تتحقق الشرعية الثورية، نتيجةً لتفويض الشعب، قيادة الثورة، عقب ثورةٍ شعبيةٍ، حاسمةٍ، أن تشرِّع، وتفعل ما تراه خادمًا لأهداف الثورة. فالثورة إنما تعني التقويض الكامل لأركان النظام القديم، أو هكذا ينبغي أن تكون. أي، أنها تلغي القوانين، والإجراءات، التي كانت تسند فساد النظام القديم، وتحول بين الشعب وبين إنفاذ إرادته.

    إذن، لابد أن نفرق بين الشرعية الثورية، التي تأتي نتيجةً لثورةٍ تهدف إلى تحقيق تحولٍ ديمقراطي، وبين الشرعية الثورية التي تأتي نتيجة لثورةٍ تريد تغيير النظام القديم بنظام شمولي ديكتاتوري. فالثورة التي تهدف إلى تحول ديمقراطي، تنتقل من الشرعية الثورية، إلى الشرعية الدستورية. أما التغيير على نسق النظريات الشمولية، كالشيوعية، أو ما يشبهها، كالبعث العربي، بكل أطيافه، فإنها تنحو إلى جعل الشرعية الثورية، حالةً مستدامة. ولقد بلغ التدليس، في هذا المنحى، درجةً سُمِّيت بها الانقلابات العسكرية، التي حدثت في البلدان العربية، "ثورات". من أمثلة ذلك: انقلاب جمال عبد الناصر في مصر، الذي سمي، "الثورة المصرية". وانقلاب البعث في العراق، الذي سمي "ثورة تموز". وانقلاب سوريا، الذي سُمي "ثورة آذار"، وقد تلته انقلابات أخرى. وكذلك انقلابا نميري وقذافي، في كل من السودان، وليبيا، اللَّذيْن سميا، "ثورة مايو"، "وثورة الفاتح من سبتمبر". وأيضًا، انقلاب الإسلاميين في السودان الذي أسموه، "ثورة الإنقاذ". أما ثورة الخميني التي كانت، بالفعل، ثورةً شعبيةً، فقد استبدلت النظام الملكي، الشمولي، بديكتاتوريةٍ، دينيةٍ، مدنية.

    يبدو أن طيف اليسار العريض، الذي سيطر على قوى الحرية والتغيير، وأصبح الحاضنة السياسية، للحكومة الانتقالية، التي أعقبت ثورة ديسمبر العظيمة، لا يزال أسيرًا للتصورات الماركسية/البعثية للشرعية الثورية. انشغل اليسار بالفترة الانتقالية، وكأنه سيمارس شرعيةً ثوريةً مستدامة. لم تنشغل أي من مكونات قوى الحرية والتغيير، بما يعقب الفترة الانتقالية. فإذا لم تتحول الثورة، عبر تحالفٍ ثوريٍّ عريض، إلى قوةٍ انتخابيةٍ، كاسحةٍ، تكسب الانتخابات المقبلة، فإن كل الإجراءات التي جرى اتخاذها، عن طريق الشرعية الثورية، تبقى عرضةً للنقض بواسطة القوى المعارضة للثورة، حين تملك هي الشرعية الدستورية. ولا يبدو، إلى الآن، أن هناك ما يمكن أن يحول بين القوى المعارضة للثورة، وبين أن تكسب أول انتخاباتٍ تجري في الديمقراطية الرابعة. حين يحدث هذا، وهو الأرجح عندي، فإن الأمور ستعود، كرة أخرى، إلى نقطة الصفر. أثبت دروس التاريخ، أن قصر النظر، والانحصار في الأهداف الآنية، والتشرذم، تجهض الثورات.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 11:01 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الحراك المضاد للثورة

    النور حمد

    صحيفة التيار 16 أبريل 2020

    نبهني أحد الأصدقاء قبل ضعة أيام، إلى أن عبارة "الثورة المضادة"، تحمل في أحشائها تناقضًا. فالفعل المضاد للثورة، لا يمكن أن يوصف، هو الآخر، بأنه ثورة. ولأن ملاحظته هذه، راقت لي، فقد جعلت عنوان هذه المقالة، "الحراك المضاد للثورة"، وليس "الثورة المضادة". الحراك المضاد للثورة، فعلٌ ملازمٌ لكل ثورة. فما من ثورةٍ في التاريخ، إلا وكان هناك حراكٌ مضادٌ لها. فالثورة، في جملة الأمر، تريد أن تجعل الناس شركاء في سلطة القرار، ومن ثم شركاء في الثروة. والوضع الذي تتفجر الثورة ضده، لهو الوضع الذي سلب الناس سلطة القرار. ومن ثم، حصر الثروة في الممسكين بمفاصل السلطة، إضافة إلى داعميهم، الذين يقفون في صفهم. لكن، من المهم، جدًا، أن نتبين أنه لا يوجد دائمًا خطٌ فاصلٌ، واضحٌ مئة في المئة، بين الثورة وبين معارضي الثورة. فهناك منطقةٌ رماديةٌ يمكن أن يصبح فيها البعض داعمين للثورة، ومعارضين لها، في نفس الوقت. فعندما يصبح التحول قدرًا لا فكاك منه، ينضم إلى ركبه نفرٌ من غير المؤمنين به، لإيجاد مكانٍ لهم في الحالة الجديدة.

    عمومًا، ليس كل من يقف مع الثورة، هو بالضرورة مؤمنٌ إيمانًا، قاطعًا، بأهدافها. فكما يلتصق الانتهازيون بالنظام الفاسد، الذي قامت عليه الثورة، يلتصقون أيضًا بالثورة. لا من أجل نصرة أهدافها، كما هي في أذهان الجماهير الثائرة، وإنما لإعادة موضعة منظومة مصالحهم، في إطار النظام الذي سيولد. وربما تجهر مثل هه الفئة بدعم الثورة، في حين تحتفظ بخطوط للتواصل، عبر الأبواب الخلفية، مع القوى التي تريد أن تجهض الثورة، وتحول بينها وبين تحقيق أهدافها. ودعونا ننظر إلى الطريقة التي تكونت بها ما سُمِّيت "قوى الحرية والتغيير"، وكيف أنها تنازعت أمرها فيما بينها، حتى أصبحت، إلى حدٍّ كبيرٍ، عقدًا منتثرًا بلا خيطٍ ناظمٍ، يربط بين حباته.

    لابد لأي ثورةٍ من نخبةٍ تقودها. لكن، من الغفلة بمكان أن نظن أن أهداف الثورة، كما هي في خيال الجماهير، وتطلعاتها، تكون مطابقةً، بالضرورة، لما في خيال النخب، وتطلعاتها. فالثورة سيرورة تنمو من داخل ذاتها، لتصحح أوضاعها، كل حينٍ، وهي تسير نحو أهدافها. وليس هناك ثورة مثَّلت حدثًا حاسمًا، أنجز كل شيءٍ، في ضربة واحدة. وإنما الثورة سيرورة تنداح على مدى زمني، قد يطول، وقد يقصر. تدخل الثورة في جدل مع الواقع المحيط بها، وهي تسير نحو أهدافها، فيشحذ هذا الجدل أدواتها، ويصحح مسارها، ويوفر لها فرصًا لمراقبة النخب القائدة، ومحاسبتها، وربما يقتضي أحيانًا تغييرها، كليا. لذلك، من الضروري ألا ينحصر التفكير والجهد، في إفشال مخططات الحراك المضاد للثورة، فقط. وإنما أيضًا في محاصرة النخب التي تقود الثورة لكيلا تتقارب، بقصدٍ، أو بغفلةٍ، مع خطط الحراك المضاد للثورة، الظاهر منها، والمستتر.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-26-2020, 11:06 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    كان الهبوطُ أنعم ما يكون

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 أبريل 2020

    في أثناء تصاعد الحراك المعارض لحكم الإنقاذ، وتفرُّق وجهات النظر حول مساراته، شاع استخدام عبارة "الهبوط الناعم". ويُشار بالعبارة إلى القوى التي عارضت نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، مع بقية المعارضين، لكنها لم تغلق الباب تمامًا، أمام احتمال أن يأتي الحل نتيجة لتسويةٍ، من نوع ما، تحت تنامي مختلف الضغوط. لكن، الذي حدث، هو أن الثورة اشتعلت من حيث لم يحتسب أحد. وكانت مفاجأتها الفارقة، أنها اشتعلت، من المدن الإقليمية، ثم لحقت بها الخرطوم. برز تجمع المهنيين منظمًا لحركة الشارع، ودخلت على الخط، قوى الإجماع الوطني، ونداء السودان، ومجموعات أخرى، مكوِّنةً ما سُمِّيت، "قوى الحرية والتغيير"، (قحت). لكن، عقب سقوط البشير، ودخول العسكريين شركاء، بنصيب الأسد، تشقق ذلك التحالف العريض. وتعددت، وتقاطعت، خطوط الاتصال والانفصال، بينه وبين المكونات العسكرية.

    "الهبوط الناعم" يقتضي، بالضرورة وجود مقابل له، هو "الهبوط الخشن". والهبوط الخشن يقتضي العنف. فالثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية، والثورة البلشفية، في روسيا القيصرية، والثورة الصينية، والثورة الكوبية، كلهما، صاحبهما العنف. حقق هذه الثورات نصرًا حاسمًا بقوة السلاح، غض النظر عما انجزته، فيما بعد. فالثورة التي لا تحمل السلاح، فرصتها في النصر الحاسم، جد ضئيلة. ولقد تنتصر، لكن، في ظروفٍ غير ظروف السودان الحالية. عمومًا، ما دام السلاح مملوكٌ لدى الطرف الآخر، يصبح العبور عبر التفاوض، خيارًا لا مناص منه. وهذا هو ما حدث، على وجه التحديد، لثورة ديسمبر. لقد سقط عمر البشير في 11 أبريل 2019، لكن نظامه لم يسقط. فقد حدثت عقب سقوطه حادثة كولمبيا، وحدثت مجزرة الاعتصام البشعة، التي بها مال ميزان القوة لصالح العسكر. لكن، جاء موكب الثلاثين من يونيو 2019، فعدَّل ميزان القوة، واستمر التفاوض، إلى أن جرى التوقيع على الوثيقة الدستورية.

    طيلة فترة العمل المعارض لنظام الانقاذ، كان هناك حديثٌ عن خيارات عديدة، من ضمنها "الانتفاضة المحمية بقوة السلاح". غير أن الخيار الذي فرض نفسه، بمحض الفضل الإلهي، كان خيار السلمية الصارمة، الكاملة، الذي أذهل العالم. لكن، لهذا الخيار العظيم، ثمنه، ومسؤولياته الجسيمة. ثمنه هو الصبر، والأناة، والابتعاد عن النزق، والطيش، وعن عنتريات النضال، ودعاوى الطهر الثوري، والترديد الببغاوي، لعبارة "الهبوط الناعم"، بغرض شيطنة رفقاء الدرب على طريق التغيير.

    لا توجد، كما هو واضح الآن، وحدةٌ صلدةٌ بين قوى الثورة، تمكِّنها من انجاز نصرٍ حاسم، به يذهب الجيش إلى ثكناته، ليقوم المدنيون بإدارة الدولة، ابتداءً من الفترة الانتقالية. كما لا توجد قيادةٌ كارزميةٌ مجمعٌ عليها تمنح الثورة السلطة الفكرية والأخلاقية. بغير هذه الشروط لا تكون الثورة حاسمة تماما. يضاف إلى ذلك، إن العسكر الذين يحتكرون السلاح، لهم نصراؤهم وسط المدنيين. دعونا لا نستعيض عن التفكير الرصين بالعبارات الطنانة، ودعونا نقرأ خريطتنا السياسية، المتشابكة الخطوط، بوعي، ونضج، لكي نعبر بسلام.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 09:39 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في الاعتماد على الذات

    النور حمد

    صحيفة التيار 25 أبريل 2020

    يتوقع بعض الخبراء أن تكون الأزمة الاقتصادية، التي تعقب جائحة كورونا، أكبر من الأزمة العالمية التي حدثت في نهايات عشرينات القرن الماضي. يقول فؤاد زكريا صاحب البرنامج الشهير بقناة "سي إن إن"، الأمريكية، إن الأعمال التجارية الصغيرة لن تتعافى بسرعة. مثال: الفنادق، والمطاعم، والمقاهي، والحوانيت، وغيرها، بسبب انقطاع متسلسلة إمدادها بالمواد، وهي متسلسلة مترابطة ومعقدة. كمل سيتأذى بعضها بسبب عزوف الزبائن عن ارتيادها. يضاف إلى ذلك أن العاملين في هذه الأعمال، قد جرى تسريحهم. فهم غالبًا ما سيقومون بالبحث عن أعمال أخرى، وقد يضطرون إلى تغيير أماكن سكنهم، فيرحلون من مدينة إلى مدينة، أو حتى من ولاية إلى ولاية. وقد فقد، حتى الآن، ما يقارب الثلاثين مليون أمريكي وظائفهم، وقد يزداد هذا العدد. وإذا أضفنا إلى ذلك انهيار صناعة السفر، والسياحة وتراجع أسعار البترول، والتوتر بين الصين والولايات المتحدة، فإن متغيرات جديدة، كثيرة، غاية في الخطورة، سوف تدخل في الصورة. ويكفي فقط، أن عالمًا من عيار نعوم تشومسكي، يتوقع أن يكون ما بعد جائحة كورونا، أسوأ مما يشكوه العالم منها الآن.

    ليس واضحًا، حتى الآن، ما إذا كانت هذه الجائحة ستنقشع تمامًا، أم أنها ستكرر في موجات جديدة، تطيل من سياسة التباعد الاجتماعي، التي سوف تؤثر، كثيرًا، على قطاعي الصناعة والخدمات. أما المهم بالنسبة لنا نحن، هنا في السودان، فهو أن تحدياتٍ جديةً ربما تظهر في مجال الغذاء. فالدول التي كانت تصدر الحبوب، ربما تصبح أكثر ميلاً إلى التخزين، تحسُّبًا لما هو أسوأ، الأمر الذي سيضر بالدول المستوردة. وبلادنا من البلدان التي تستورد أكثر من 50% من قوتها الضروري. فإن كانت مشكلتنا حاليًا هي عدم توفر العملة الصعبة لشراء الحبوب من الخارج، فلربما تصبح المشكلة، غدًا، عدم توفر الحبوب، نفسها، في السوق العالمي. أو ارتفاع أسعارها بصورةٍ تجعلها فوق طاقة المستهلكين الشرائية، وفوق قدرة الدولة على الدعم. وقد ينطبق ذلك على ضروريات أخرى من المواد الغذائية، وقد يطال ذلك بعض صنوف الدواء.

    إذن، لا خيار لنا سوى أن نفكر في أننا سنواجه تحديات جديدة. فيد العون غدًا لن تكون كما هي اليوم. فلابد لنا، على سبيل المثال، أن نصل بإنتاجيتنا من القمح إلى الضعف، أو أن نغير عادتنا الغذائية المستحدثة، بالعودة إلى الذرة، والدخن، كما كان حال غالبيتنا، في الماضي. الخطير في الأمر أن جدلنا السياسي الدائر الآن، غارقٌ في تجريدات الصراع، عازفٌ عن التفكير الاستراتيجي، وعن إدارة الحوار حول المخاطر الاقتصادية المحتملة لهذه الجائحة. ولربما من حسن حظنا، أن مجتمعاتنا لا تزال قريبةً من الأرض، ومن مجمل الأساليب القديمة لكسب العيش، وهذه ميزة، في هذه اللحظة المفصلية، لكن، علينا أن نعرف كيف نعود إليها.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 09:40 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لا مركزة مشروع الجزيرة

    النور حمد

    صحيفة التيار 25 أبريل 2020

    لعل من أبدع ما أنجزه البريطانيون في مستعمراتهم، هذا المشروع المسمى، مشروع الجزيرة. ويكفي في تفرد هذا المشروع نيله لقب "أكبر مزرعة مروية ريا انسيابيًا في العالم". الترعة الرئيسية التي تسقي أراضي هذا المشروع يتعدى طولها مئتي كيلومترا. أما شبكة القنوات المتفرعة من ترعته الرئيسية، ومن ترعة المناقل فتقارب خمسة ألف من الكيلومترات. لم هدف البريطانيين من إنشاء المشروع هو أخذ قطنه إلى مصانعهم للأقمشة. لذلك، يمكن القول إن أي تحسن أصاب حياة المزارعين في الجزيرة، إنما جاء بصورة عرضية، لا غير. علة هذا المشروع هي إدارته السودانية التي سارت به على درب الإدارة البريطانية، حذو النعل. فهي لم تدرك أن هدفها ينبغي أن يختلف عن هدف البريطانيين. بل ينبغي أن يكون نقيضا له. فالبريطانيون لم يهدفوا بالمشروع إلى إحداث تنمية شاملة، وإنما لأخذ ناتجه الخام إلى إنجلترا، عبر علاقة عمل أقرب ما تكون إلى القطاع. ذهب البريطانيون وأصبحت إدارة المشروع السودانية، هي الإقطاعي الجديد. وبقيت نفس الذهنية التي لم تعامل المزارعين إلا بوصفهم عبيد أرض.

    أيضا، مما ورثته الإدارة السودانية، نهج المركزية الشديدة التي جعلت من المزارع "عبدًا للمأمور"، سالبة ًمنه شعوره بامتلاك ما يقوم به من جهد، واحساسه بأنه شريك. يضاف إلى ذلك، نزعت منه التراتبية البيروقراطية الإدارية المتسلسلة؛ من مدير المشروع مرورًا بمدير القسم والمفتشين الزراعيين، انتهاءً بالصمد، حق إبداء الرأي، وحق القرار. ليس عمليًا إدارة مزرعة مساحتها مئات الآلاف من الأفدنة، من مركز واحد. وليس مفيدًا أن تكون كل التفاتيش نسخًا من بعضها. لم تتفتق عقول السودانيين، الذين أداروا وزارة الزراعة، وأداروا مشروع الجزيرة، عن أي خطة للخروج عن هذا الأنموذج البريطاني.

    لقد آن الأوان، فيما أرى، أن نعيد النظر في هيكلية مشروع الجزيرة. وأقترح أن نفكر في فك القبضة المركزية، التي كان يدار بها، بحيث يصبح كل تفتيش وحدةً قائمةً بذاتها. وحدة لها إدارتها المستقلة، وخطتها المستقلة، المتعلقة بالمحاصيل التي تزرعها؛ من حبوب وألياف وخضروات، وفواكه، وغيرها. وكذلك أنواع الحيوانات التي تستثمر فيها. باختصار، أن تكون لها خطتها، الخاصة بها، لتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني، إضافةً إلى تطوير البنى التحتية والخدمات الاجتماعية. يضاف إلى ذلك إنشاء الوحدات المعينة، كالوحدة الميكانيكية المستقلة، من آلات حفر وإزاحة تربة وتراكتورات حرث وحاصدات، واختصاصي مبيدات وأسمدة، وما إلى ذلك. ولسوف يمنح تفتيت المركزية القديمة مزارعي كل تفتيش أن ينتخبوا مجلس إدارتهم من بينهم، وأن يوظفوا ما يحتاجون اليه من فنيين كالزراعيين والمهندسين، وغير ذلك من فريق الطاقم الإداري، مستعينين في كل أولئك، بخريجي الجامعات. نهج تمليك المواطنين مسؤولية تنمية مناطقهم، وإدارتها على نسق العمل التعاوني، هو الذي سوف يخرجنا من قبضة التركة الاستعمارية المكبلة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 09:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فلتكن الجزيرة أنموذجا للتعاونيات

    النور حمد

    صحيفة التيار 27 أبريل 2020

    سبق أن كتبت أن لامركزة مشروع الجزيرة، ربما تمثل خطوة للقفز بإنتاجيته وترفيع أحوال قاطنيه، من مزارعين وعمال زراعيين، إلى مستوى جديد. فالمركزية كانت خصما على التطوير، وعلى الإبداع، بحبسها المزارع في خانة متلقي التوجيهات، لا أكثر. يضاف إلى ذلك، أن المركزية تتسم ببطء البت في الأمور. فمشروع الجزيرة مشروع ضخم، ومن الأفضل تحويله إلى وحدات إنتاجية مستقلة. فكل تفتيش، كما سبق أن ذكرت، يمكن أن يصبح وحدة إنتاجية قائمة بذاتها.

    تختلف مساحات تفاتيش مشروع الجزيرة. لكن يمكن أن نقول إن متوسط عدد المزارعين في كل تفتيش حوالي الألف مزارع. وتبلغ مساحة التفتيش الواحد، ما يقارب 200 كيلومتر مربع، تقريبا. بعد الشروع في التجربة، ويمكن أن تكون محدودة في البداية، يمكن باستشارة الفنيين العاملين في الوحدة، أن بختار المزارعون المحاصيل التي يزرعونها، من حبوب بمختلف أنواعها، ومن قطن وخضروات وفاكهة. هذا إضافة إلى الإنتاج الحيواني. وكذلك الشروع في التصنيع الزراعي والحيواني، لجلب قيمة مضافة للمنتجات.

    لدى البلدان التي لم تقع بعد في قبضة العولمة، والتمدد النيوليبرالي، فرصة ذهبية. في أن تخلق لنفسها أنموذجا اقتصاديا يخصها. وأرى أن الطريق إلى هذا النموذج، هو أحياء التعاونيات بمفاهيم جديدة. وأرى أن الجزيرة من أنسب أقاليم السودان، لإعادة إحياء التعاونيات. وقد درج أهل الجزيرة، كما في أقاليم سودانية أخرى، منذ حقبة نميري، على إدارة كثير من شؤونهم، عن طريق ما يسمى "العون الذاتي". وتملك بلادنا من الخبراء، في مجال التعاون، من بوسعهم أن يقدموا الدراسات الفنية المتخصصة لإحيائه من جديد. فالعمل التعاوني هو أنجع السبل لمحاربة جشع التجار، خاصة إذا ارتبط بالإنتاج الزراعي والحيواني. وكذلك إذا ارتبط بتوزيع السلع الاستهلاكية.

    حين ترتبط الممارسة الديمقراطية بالعمل التعاوني، وممارسة حق اتخاذ القرار الإداري، التنموي، على مستوي القرية والحي، فإنها تمنح فرصة لتجنب منزلق الممارسة الديمقراطية في الأنظمة الرأسمالية، حيث لا ترتبط ممارسة الديموقراطية بالعدالة الاجتماعية في أفقها الأعلى. لا أعتقد أن هناك بيئة اجتماعية ذات وحدة عضوية، وتطور اقتصادي واجتماعي نسبي، تصلح لأن تكون مجالا مثاليا لنقلة برادايمية في مفاهيم التنمية الريفية، مثل بيئة الجزيرة. عموما هذه دعوة للحوار من أجل البدء في اختراقات عملية، تخرجنا من دوامة الجدل غير المنتج، والفعل السياسي الذي ظل، منذ الاستقلال، يتمحور حول نيل كرسي الحكم، فيبدأ تجريديا، وينتهي إلى هلام بلا نفع.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 09:43 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإعلام من الإلهاء إلى التعليم

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 أبريل 2020

    لا حاجة بي إلى القول، إن أخطر مؤثر على العقول في العصر الحديث، هو الإعلام. بالإعلام صعدت النازية إلى دست الحكم، في ألمانيا. وبالإعلام انتشرت الشيوعية في أركان الأرض الأربعة. وبالإعلام أصبح ماوتسي تونغ، وكيم إيل سونغ على كل لسان. كما بالإعلام أبقت النخب الممسكة بمفاصل السلطة والثروة، في أمريكا، الجمهور تحت قبضتها، وقفلت الباب على أي تحولاتٍ تصب في صالح الجماهير، فتخفض نصيب هذه النخب المتحكمة في السلطة والثروة. أما هنا في السودان، فقد جرى استخدام الإعلام، في عهد الإنقاذ، لتخدير الجماهير بالخطاب الديني الزائف، وكذلك، بالإلهاء، عن طريق الإسراف في الإمتاع والتسلية. وما من شك أن الإمتاع والتسلية، عن طريق الغناء، والموسيقى، والأدب، والدراما، أمورٌ ضرورية، لكن، مع مراعاة ألا يكون ذلك هو كل شيء.

    التعليم شقان: هناك التعليم الرسمي، وهذا هو الذي يتلقاه الطلاب في المدارس والجامعات. وهناك التعليم غير الرسمي، وهذا هو الذي يتلقاه الناس من وسائط الإعلام المختلفة، من صحافة، وإذاعة، وتلفزيون، ومسرح، وسينما. كما يتلقونه، أيضًا، من الأنشطة العامة؛ في المساجد والأندية، والجمعيات، ومختلف منظمات المجتمع المدني. ولا بد أن يتناغم التعليمان؛ الرسمي وغير الرسمي، وأن يستهدفا رفع الوعي بحقوق المواطنة وبضرورة المشاركة في سلطة القرار، وبمعنى العدالة الاجتماعية. فلرسم سياسةٍ إعلاميةٍ قاصدةٍ، لابد من وجود هدفٍ واضحٍ لها، منذ البداية. ولن يخدم الإعلام مسيرة التغيير إن هو اتبع سياسة سر كما تشاء، وقم بملء وقت البث بما توفر، وبما هو معتاد. يحتاج وضع الأمور في نصابها، في مجال الإعلام إلى عملٍ يحدث تغييرًا جذريًا في المفاهيم، وسط الطواقم الإعلامية العاملة، وخلق بيئةٍ إعلاميةٍ جديدة. هذا إضافةً إلى صوغ رسالة إعلامية تخدم في كل تفاصيلها أهداف الثورة، التي من أجلها ثار الشباب وقدموا التضحيات الجسام.

    التغيير يبدأ في العقول أولا، ثم ينتقل إلى أرض الواقع ثانيا. وقد أثبتت ثورة ديسمبر المجيدة أن تغييرًا كبيرًا قد حدث لعقلنا الجمعي. لكنَّ الذي حدث هذا، على عظمته، لا يمثل سوى ضربة البداية لمسيرةٍ طويلة. ولن تبلغ هذه المسيرة غايتها، إلا إذا استثمرنا رأس المال الذي تحقق بالثورة، في وجهة خدمة أهدافها. لقد أزحنا نظام الإنقاذ، لكننا لا نزال أسرى لسياساته الإعلامية، التي سممت العقول، وشوهت الوجدان الجمعي، وهبطت بالتذوق الجمالي. فحتى الآن، لا يوجد فارق كبير بين الإعلام الواقع في يد كارهي الثورة، وبين إعلام الثورة. ما نحتاجه، في هذه الفترة المفصلية، خلق إعلام بمنظورٍ جديد، وخيالٍ إعلامي خلاق، يفك احتكار النخب للمجال العام. يتمثل التحدي القائم الآن في الخروج من قولبة الإنقاذ للعقول، وللذوق العام، وللرسالة الإعلامية. فنظام القهر يقولب عقول المقهورين، حتى يفقدوا القدرة على أن يروا بغير عين قاهرهم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 09:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مداخلة لدكتور عطا البطحاني

    صحيفة التيار 29 ابريل

    وردتني هذه المداخلة من الصديق، د عطا البطحاني، له مني جزيل الشكر والتقدير.

    الاخ الدكتور النور حمد،
    تحياتي وشكرا على ما جاء في عمود يوم 23 أبريل 2020 الذي أوردت فيه نقاطاً عديدة مثيرة للنقاش وتبادل الرأي. وأرجو أن تسمح لي بمداخلة مختصرة: أثير فيها نقطتين – مع أن العمود دسم يغرى بالحديث المطول.
    النقطة الاولى واتفق معك فيها هي وكما ذكرت، أن قوى الثورة حتى الآن لم تنجح في تعديل موازين القوة، وذلك لعدم وجود "وحدةٌ صلدةٌ بين قوى الثورة، تمكِّنها من انجاز نصرٍ حاسم، به يذهب الجيش إلى ثكناته". "كما لا توجد قيادةٌ كارزميةٌ مجمعٌ عليها تمنح الثورة، السلطة الفكرية والأخلاقية". والأثر السلبي لهذين العاملين تعكسه قراءة ثيرموميتر علاقات القوة بين المكون العسكري والمكون المدني. وهو ما يظهر في أداء كل مكون وحصده للنقاط لتعديل ميزان القوة. فميزان أو موازين القوة لا تكون في حالة ثبات جامدة بمعنى أن تتعادل %50 الى %50، بل الطرف القوى تصل درجاته في الغالب الى %52 مقابل %48 للطرف الآخر، في وقتٍ محدد، ولان الحياة لا تتوقف وطبيعة الصراع السياسي الحيوية والديناميكية، قد يعمل الطرف الثاني (مستفيدًا وموظفًا لقواعد اللعبة وما يطرأ من أحداث) من رفع رصيده، مثلا، الى %60 وفى المقابل يتدحرج نصيب الاول الى %40، وهكذا دائما في حالة حراك ديناميكي لا يتوقف. وخير مثال ما أوردته أنت في أن فض الاعتصام زاد معدل المكون العسكري عندما أعلن فض الشراكة، لكن جاء 30 يونيو ليعيد الكفة الى حد كبير الى المكون المدني.

    أرجع للقول بأنه حتى في غياب الوحدة الصلدة والقيادة الكاريزمية، كان يمكن للمكون المدني التحرك التدرجي والتدريجي والتراكمي (وأضيف الكمي) المتواصل، لتعديل ميزان القوة "لو"، وستقول لي: "آه من لو"، كان هناك اِستراتيجية حد أدنى بين أطراف المكون المدني، مثلا كان على لجنة التفكيك أن تبدأ عملها مباشرة، بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية، ولا تنتظر عدة شهور للتفكيك. من المؤكد أن عملاً كهذا كان سيرفع معدلها في ميزان القوة وهكذا. الحديث يطول هنا، ولا أريد أن استرسل في هذا الجانب.

    النقطة الثانية تتعلق بالهبوط الناعم والهبوط الخشن. باختصار ما أود الإشارة اليه هنا هو أن الأثر التراكمي الكليبتوقراسي والكارثي للإنقاذ يجعل من الهبوط الناعم عملية صعبة، إِن لم تكن مستحيلة. وذلك لغياب شروط بنيوية للهبوط الناعم. فالتجارب المقارنة للدول التي انجزت هبوطا ناعماً تشير الى النخب التي حكمت في عهود الاقصاء والقهر تماماً كالإنقاذ، أنجزت عمراناً تنموياً نقل بنية مجتمعاتها للأمام، وهيأ لها – أي لهذه النخب - مواقع نفوذ وامتيازات خارج جهاز الدولة، مكنها لاحقا من قبول التسوية والمقايضة بالتنازل عن السلطة السياسية مقابل إدارتها للاقتصاد – كما في جنوب افريقيا كمثال بارزً. بالنسبة لنا السؤال والحسرة المميتة: ما هي إنجازات نخب الانقاذ (بما فيها المكون العسكري – الأمني)، طيلة الثلاثين عاماً؟ أين هي مواقع النفوذ والامتيازات التي تم بناؤها بعيد عن الدولة حتى يمكن للمكون العسكري – الأمني الانسحاب لها، دون أن يخسروا كل شيء؟ لا توجد. ألا تلاحظ أن هذا واحد من أسباب التراجع والتردد وفتح خطوط اِتصال مع، "... نصراؤهم وسط المدنيين".مع كل ذلك، وكما أبدعت قوى الثورة الشبابية "سلمية الثورة"، الأمل كبير أن تبدع وتجد قوى الثورة من التكتيكات والأنشطة ما تعدل به ميزان القوة، مثلما نجحت في ذلك في وقت كان نظام الاسلاميين يحتكر كل شيء. ً
    مع التقدير.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-29-2020, 10:21 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 09-28-2005
مجموع المشاركات: 17640

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فوق
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-30-2020, 08:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: بدر الدين الأمير)

    شكرا يا بدر علي رفع الخيط
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

04-30-2020, 08:43 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    نحو تعليم مرتبط بالتنمية

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 أبريل 2020

    كلنا يعلم أن التعليم الحديث الذي أنشأه البريطانيون في السودان، كان تعليمًا ذا هدف محدد جدا. من يقرأ كتاب بروفيسور محمد عمر بشير، عن تطور التعليم في السودان، تتضح له محدودية ذلك التعليم، بل و تتضح له، أيضًا، أضراره. أنتج ذلك النمط من التعليم خريجين، لا يتعدى خيال وطموح أكثريتهم مجرد الجلوس وراء مكتب، لتأدية عمل روتيني متكرر، لتنحصر همومهم في العلاوات، والترقيات، والنقليات. أيضًا، خلق ذلك التعليم مسافةً بين أكثرية هؤلاء المتعلمين، وأهاليهم. فعافوا حياة الريف، وهربوا منها إلى المدن، حيث عاشوا فيها في فقاعةٍ، معزولةٍ، صنعوها، لكنهم، لم ينعموا بها سوى لبضع عقود. أهملوا قضايا التنمية، والارتفاع بحياة البسطاء، وانحصروا في التمتع بعوائد تصدير المواد الخام. لكن، تبدلت الأحوال، وانفجرت تلك القاعة، وأصبح من يغسلون العربات على شارع النيل، يكسبون من المال أكثر مما يكسبه كبار الأفندية.

    في بلد شاسع الأراضي الخصبة كالسودان، غني بالثورة الحيوانية، والغابية، وبالأنهر، وبالقنوات المائية، وبالمياه الجوفية، ينبغي أن يتخذ التعليم مسارًا تنمويًا، عمليا. أقصد، مسارًا يتصل عضوياً بالنهوض بحياة الريف، وحياة المدن، من جميع النواحي، بحيث يركز على إكساب طيف المهارات المتنوعة، للنهوض بالواقع. بعبارة أخرى، تعليم ترتبط فيه دارسة الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والرياضيات، بقضايا الزراعة، وتربية الحيوان، وتحسين المسكن، وتمليك مهارات الحرف اليدوية، وأساليب إنشاء الصناعات الصغيرة، وتطوير البنى التحتية، والنهوض بالعمران في جميع صوره. كما يرتبط فيه الدين، بتمتين الأخلاق، وتقوم فيه العلوم الإنسانية، برفع الوعي الحقوقي، ومحاربة الخرافة، والعادات الضارة. فالمدارس، وخاصة المدارس الثانوية، في الحي، أو القرية، ينبغي أن تصبح معملاً تجريبيًا، مرتبطًا باحتياجات البيئة المحلية. وبما أن البيئة الزراعية، والبيئة الرعوي، والبيئة الصناعية، تختلف عن بعضها، يصبح من الضروري أن نبتعد عن المركزة الكلية للمنهج. وأن نتيح للمنهج، أن يخاطب، في بعض جوانبه، احتياجات البيئة المحلية لمختلف الأقاليم. ففشل التعليم في تغيير البيئات الريفية، هو سبب هذه الهجرات المأساوية، الضخمة، إلى المدن، ففقدنا الريف، وفقدنا معه المدن.

    من الضروري ربط التعليم بموهبة الطالب، وباستعداده الفطري، منذ البداية، مع ربطه، أيضًا، بالمهنة التي تناسب استعداده. فالتعليم القائم على حشو أدمغة الطلاب بالمعلومات، بغرض أن يجتاز بها الامتحان، ثم ينساها، ليس سوى إهدار للوقت والجهد. أي تعليم لا يربط المعرفة العقلية بالمهارة اليدوية، وبتمليك الخيال لحل المشكلات، هو تعليم عقيم. لذلك، من الضروري إبعاد التعليم من الأدلجة، ومن تنمية العقل مع إهمال اليد، ومن زرع الانحصار في الهم الشخصي. فالتعليم الصالح هو الذي يجعل المتعلم كلفًا بتعليم، نفسه بنفسه، طيلة حياته. وهو الذي يجعل منه شخصًا واسع الحيلة، نافعًا لنفسه ولمجتمعه. لكي نحدث نقلةً حقيقيةً فيه، عقب هذه الثورة العظيمة، علينا ألا نتعجَّل في وضع التصور الجديد.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-01-2020, 05:55 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    صحيفة التيار 1 مايو 2020.

    وصلتني المداخلة التالية من الدكتور الباقر العفيف تعقيبا على ما ورد في عمود 23 أبريل، وما ورد في تعقيب د عطا البطحاني.

    الأخ العزيز النور
    تحية طيبة

    توقعتك ان تواصل الحوار مع عطا، لأنه أثار نقاطا جديرة بالنقاش. فمثلا عطا يقول: إن على قوى الثورة أن تسعى لترجيح موازين القوة لمصلحتها. وأن هذا غير ممكن الآن، لأنها منقسمة على نفسها. صحيح إن تاريخ التحالفات السياسية في السودان لا يبعث الأمل في النفوس، بل يحمل على اليأس من إمكانية صناعة تحالف صلب. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الهشاشة في تحالفاتنا السياسية أمر أزلي، وصفة تكوينية طبيعية، أو جينية، في أحزابنا؟ أم أن ضعف التحالفات وهشاشتها نابع من كونها لا تقوم على أسس علمية وواقعية. فاذا اتفقنا أن تعديل ميزان القوة لمصلحة المدنيين لا يتأتى الا بتمتين وحدة قوى الثورة، يصبح السؤال: ما هي الكيفية التي يمكن أن نحقق بها هذا التمتين؟ لابد لنا من ابتدار مشاريع علمية لتقوية هذه الوحدة، تقوم على المعرفة والإحصاء وقياس الرأي، تقوم بانجازها، مثلا، أقسام العلوم السياسية في الجامعات، خاصة أن البلاد تعوزها المراكز البحثية المتخصصة، أو ما يسمى "الثنك تانك".

    بناء على ما تقدم، أقترح أن تتعاون منظمات المجتمع المدني، مع أقسام العلوم السياسية في الجامعات لتطلع بعمل دراسة متكاملة، يتأسس عليها إعادة هيكلة تحالف الحرية والتغيير. فمبادرة حزب الأمة لإعادة هيكلة الحرية والتغيير، في تقديري، على سبيل المثال، محكوم عليها بالفشل. لأنها ببساطة تهدف لهيمنة الحزب على التحالف، بدعوى أنه كان أكبر الأحزاب التي نالت مقاعد في آخر انتخابات. رغم أن تلك الانتخابات جرت منذ أربعة وثلاثين عاما. وأن هناك براكين سياسية تفجرت في البلاد، خلال هذا الزمن المديد، أصبح فيها السودان سودانَيْن. كما تمزقت دارفور شر ممزق، وتحول الهامش إلى قوة سياسية لها وزنها السياسي والعسكري. يضاف إلى ذلك، أن شباب الثورة قد كفر بالأحزاب. إذن لماذا لا تقوم جهة محايدة بهذه الدراسة العلمية تستخدم فيها أحدث مناهج البحث العلمي وتأخذ في الحسبان الحقائق التاريخية المستقاة من آخر انتخابات ومضاهاتها بالمعلومات المستجدة المستمدة من الشعب، عن طريق قياس الرأي. ثم نقوم بتقديم نتائجها للأحزاب السياسية كمبادرة من جهة محايدة. كمت تُطرَح المبادرة للجميع، ويثار حولها الحوار الشعبي لتتاح الفرصة لجماهير الأحزاب المشاركة في الحوار وصنع القرار، والضغط على قياداتها بأن تسير في اتجاه العمل الوحدوي الذي يحقق الاستقرار السياسي للبلد.

    أيضا أثار د. عطا قضية غياب القيادة الكارزمية. ولكن هناك نظريات تقول إننا نحن من نصنع قياداتنا. وأن الأحداث الجسام التي تحرك كل قطاعات الجماهير مثل ثورتنا هذه تنتج قياداتها. والسؤال هنا أليس من الممكن أن نجعل من قيادة الحكومة الحالية قيادة كارزمية قادرة على تعدِيل ميزان القوة بصورة حاسمة، إن نحن دعمناها ولم نبتعد عنها؟ أما أكثر النقاط حيوية في طرح د. عطا، في تقديري، والتي تستحق منا نقاشا مطولا، فهي حديثه عن الهبوط الناعم، وأن له شروطا لا يتحقق بغيابها. أي أنه لا يحدث اعتسافا أو برغبة السياسيين. وهذا إن صح، فسوف ينسف كل الحبر المراق في هذا الحديث وما أكثره. وسوف يعيد النقاش من جديد حول الكيفية التي يتحقق بها التحول الديمقراطي في بلادنا. وفي هذا سيكون لي حديث لاحق.
    مع تحياتي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-02-2020, 03:48 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الاستثمار في ذاكرتنا التشكيلية

    النور حمد

    صحيفة التيار 2 مايو 2020

    يبدو أن ثورة ديسمبر المجيدة، قد فتحت شهيتنا للتعبير عن أمانينا الغوالي، التي طالما خابت. من هذه الأماني العزيزة، وجود هيئة لحفظ آثار السودان التشكيلية. إن من أسطع دلائل تخلفنا الحضاري أننا على الرغم من مرور 64 عامًا على استقلالنا، لا تزال بلادنا بلا متحفٍ لحفظ أعمال كبار التشكيليين السودانيين. هذا في حين تزدان بأعمالهم أروقة أعظم المتاحف في العالم. وعلى سبيل المثال، فإن أعمال الفنان الرائد، إبراهيم الصلحي، ضمن معروضات متحف الفن الإفريقي في واشنطن. وقاعة التيت غاليري في لندن، إضافةً إلى متحف الفن المعاصر، في الدوحة، وقس على ذلك. من الضروري أن تنشأ هيئة متخصصة، تابعة للدولة، لتشرف على إنشاء مستودع، لحفظ أعمال كبار الفنانين التشكيليين السودانيين، المنتشرين في عواصم الدنيا، والمقيمين في البلاد، من ذوي المستوى الذين تحرص متاحف مختلف العواصم الكبيرة، على اقتناء أعمالهم. على نخبنا السياسية، والتنفيذية، أن تعي معنى الثقافة، وأن تعرف حجم ما تشكله في سردية هويتنا الجامعة.

    اعتدنا، منذ أن كنت طلابًا في كلية الفنون الجميلة، أن نرى المراكز الثقافية الأجنبية، في الخرطوم، تفتح صالاتها لمعارض الفنانين السودانيين. ولم نر للدولة دورًا في رعاية هذا النوع من النشاط الثقافي، شديد الأهمية. كانت هناك غاليري عرض حكومية، يتيمة، عرفتها الخرطوم في فترة نظام نميري، في سبعينات القرن الماضي. جرى إنشاؤها بتصميم مرتجل، في ميدان أبو جنزير، شرق الجامع الكبير، في الخرطوم. ولعلها كانت قاعة للمعارض العامة، جرى استخدامها قبل أن تكتمل مباني معرض الخرطوم الدولي الحالية ببري. لكن، اختفت تلك الصالة، وحل محلها موقف للمواصلات.

    هذا المقال دعوة لوزارة الثقافة، ومن ورائها الحكومة الانتقالية، إلى إنشاء هيئة صغيرة من المتخصصين، للإشراف على عملية خلق مستودعٍ لمقتنيات الدولة، من الفن التشكيلي السوداني. ويمكن أن يجري إلحاق هذه الهيئة الصغيرة، بالمجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون. ومن حسن الطالع أن هذا المجلس يقع في موقع ممتاز في الخرطوم شرق. ورغم أن مبناه قديم ومتهالك، إلا أن قطعة الأرض التي يقع عليها كبيرة. فبقليلٍ من جهد الدولة، ومن إسهام القطاع الخاص، مع التواصل مع المنظمات الدولية، يمكن لهذه الهيئة أن تجمع من المال ما يمكِّن من الشروع في مبنى جديد لهذا المجلس، مع مستودعٍ لحفظ الآثار التشكيلية بطريقة علمية. هذا إضافةً إلى صالةٍ لعرض المقتنيات الثابتة، وصالة أخرى لعروض الفنانين المتغيرة. هذا العمل، ليس ترفًا، ولا ينبغي أن يُقصى من أولوياتنا، بالحجج الباهتة، المعتادة، التي لا يقف وراءها سوى الجهل بقيمة الكنوز التشكيلية. فالآثار التشكيلية من النفائس التي تقتنيها الدول ويقتنيها الأغنياء من الناس ويدخرونها كما يدخرون الأشياء الثمينة من ذهب وغيره. لذلك، فإن حفظ الآثار التشكيلية، عملٌ اقتصاديٌّ، استثماريٌّ، من الدرجة الأولى. كما أن السياحة الثقافية، سوف تصبح، في الغد القريب، رافدًا اقتصاديًا بالغ الأهمية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-03-2020, 03:09 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إعلام يضر بسمعة البلد

    النور حمد

    صحيفة التيار 3 مايو 2020

    سبق أن ذكرت أن من مهام الإعلام تحسين صورة البلاد. فالإعلام الحكومي، شأنه شأن الدبلوماسية في إعلاء سمعة البلد. ومعلوم أن الديموقراطية تسمح بقيام إعلام خاص إلى جانب الإعلام الحكومي. والأمثل هو أن تتخلى الحكومات عن امتلاك أجهزة الإعلام. غير أن ذلك يقتضي تحلِّي الإعلام الخاص بالمهنية والحيادية، التي تجعل الحكومة تتخلى عن امتلاك أجهزة إعلامية، عن طيب خاطر. لكن، حين يكون الإعلام الخاص فاقدًا للمهنية والحيادية، فإن الدولة تجد نفسها مضطرةً إلى امتلاك ذراعٍ إعلاميٍّ خاصٍّ بها. فإذا لم تفعل، أصبحت ضحيةً لإعلام غير محايد، وربما مغرض ومخرب.

    من طبيعة هذا المفترق الذي نمر به، أن تكون الأمور مرتبكة. فالبنية الإعلامية الحكومية كانت أهم موقع استهدفه التمكين. وقد وضح الآن، أن هناك مغرضين يعملون بدأب شديد، لهلهلة مجمل صورة الفترة الانتقالية، من داخل البنية الإعلامية؛ الحكومية، وغير الحكومية. لذلك ينبغي على حكومة الفترة الانتقالية أن تولي إصلاح الإعلام الأولوية في أجندتها. بل يمكن القول إن إصلاح الإعلام ينبغي أن يكون على رأس الأوليات. ومن أساسيات هذا الإصلاح، فك قبضة نصراء النظام المدحور عن الأجهزة الإعلامية. ولا ينبغي أن يكون هناك أي تردد، أو مجاملة، في هذا الأمر.

    صحب الفترة الانتقالية تراجعٌ لافتٌ في الأداء الإعلامي. وقد شمل ذلك التراجع حتى الجوانب الفنية البسيطة. فعلى سبيل المثال، لم يخرج من وكالة "سونا" تنويرٌ، أو مؤتمرٌ صحفي، لم تكن فيه مشاكل في الصوت، أو الإخراج. ولم يتحدث رئيس الوزراء حديثًا كان فيه صوته نقيًا وواضحًا، كما ينبغي. أما قناة السودان المملوكة للدولة، فقد أصبح الصوت فيها مشكلةً فظيعةً، يضطر معها المشاهد أن يكون ممسكًا بجهاز "الريموت"، طيلة الوقت، ليرفع ويخفض. ولا أعتقد أن هذا الذي يجري أمر عادي، وإنما هناك إرباكٌ متعمد.
    الأمر الآخر، أن غالبية القنوات الفضائية السودانية، تعطي من يشاهدها انطباعًا، غاية في الإضرار بصورة البلاد. هذه القنوات غير مستوفية لأبسط المعايير، وكأنَّ من يقفون وراءها، لا يشاهدون ما يبثه الآخرون في الإقليم، وفي العالم. أعتقد أن على الدولة أن تحرص على صورتها في الخارج، مثلما تفعل ذلك عن طريق جهازها الدبلوماسي. وأن تحرص ألا يجري إهدار المال العام في تشويه صورة البلد، وألا تترك الحبل على الغارب، للهواة، وخالي الوفاض من الثقافة العامة، ومن الموهبة، ومن التدريب العلمي، لكي يسرحوا ويمرحوا دون رقيب.

    لا أدعو، بطبيعة الحال، إلى تقييد حق إنشاء قنوات فضائية، ولكن أدعو إلى وضع معايير صارمة تتعلق بالفنيات، وبالمحتوى، وبالرسالة. فالتصديق بالبث ينبغي أن يقوم على أسس، وليس على مجرد القدرة على شراء مساحة بث في قمر صناعي. كما يجب ألا ننسى أن الإنقاذ حينما صدقت لهذه القنوات، إنما صدقت بها لمن ائتمنتهم على خدمة خطها، ورسالتها، ومجمل أهدافها المعاكسة لأهداف الشعب، التي لم تكن تحفل بأي معايير.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-04-2020, 07:38 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    اللغة الإنجليزية وتكنولوجيا المعلومات

    النور حمد
    صحيفة التيار 4 مايو 2020

    لم تتعرض اللغة الثانية في نظامنا التعليمي لتجريف كالتجريف الذي تعرضت له في فترة حكم الإنقاذ البغيض. السبب هو غلبة الأيديولوجيا الدينية المنغلقة، على النظر العقلاني المنفتح. وكذلك، غلبة التشبث العاطفي المحض بالتراث، وضعف الإدراك لتحديات الحاضر ومتطلباته. من هذا المنطلق الخاطئ في فهم الأصالة، وفهم كيفية الحفاظ على الهوية، انطلقت السياسات التعليمية للإنقاذ، فأضعفت اللغة الإنجليزية، وأضعفت التعليم بصورة عامة. والآن، علينا، ونحن ندير هذه الفترة الانتقالية، أن نصلح ما أفسدته الإنقاذ في حقل التعليم. وعلى رأس ما ينبغي عمله هو تقوية اللغة الإنجليزية، وكذلك منح المزيد من الاهتمام لتكنولوجيا المعلومات، وللتعليم الفني.

    تسببت العولمة في خلق سوق للعمل عابرة للحدود. فنزعة مضاعفة الأرباح لدى النظام الرأسمالي دفعت بالولايات المتحدة الأمريكية، وبقدر أقل، الدول الأوروبية، إلى نقل التصنيع إلى دول شرق آسيا، حيث العمالة الأرخص. وقد حظيت الصين والهند بنصيب الأسد، من فوائد هذا التحول. وأصبح هذا التحول عاملا من عوامل نهضة هذين البلدين الكبيرين اللذين تحولا في عقود قليلة إلى قوتين عظميين. يضاف إلى ذلك، فقد انتفعت بلدان شرق آسيوية أخرى من سوق العمل المعولم هذا، مثال: تايوان وإندونيسيا والفلبين وغيرها. لكن، ما ساعد هذه البلدان على أن تصبح بؤرا للصناعات الغربية، هو التعليم الفني، وتكنولوجيا المعلومات، واللغة الإنجليزية.

    أصبحت الصين مصنعا للعالم الغربي، وأصبحت الهند مقرا للعمل الإداري المكتبي، الذي يجري عن طريق الإنترنت، لصالح كبرى الشركات الغربية. ولقد أشرت في كتابات سابقة إلى أن الفلبين تحصل على مليارات الدولارات، سنويا، بسبب مغتربيها الذين يعملون في الخارج، في مهن استثمرت الفلبين في تعليمها لمواطنيها بتركيز خاص، كالتمريض وكصناعة الضيافة (الفنادق والمطاعم والمقاهي وغيرها). وأيضا في صناعة السفر، (حجوزات السفر والضيافة الجوية، وغيرها). كل ذلك، إلى جانب المهن الأخرى كالهندسة بأنواعها والطب وتكنولوجيا المعلومات وغيرها. أما النتيجة فهي أن الفلبين لها الآن نصيب الأسد من الوظائف في هذه المجالات في السوق الخليجية. المهم هو أن يختار كل بلد نامي ما يناسبه من هذه السوق وفق خطة مدروسة.

    يتجه العالم أكثر فأكثر إلى أداء العمل من البيوت. وسوف تلغي هذه النقلة، إلى حد كبير، الوجود الفعلي للموظف في مقر العمل. فالتوظيف في الأعمال الإدارية سوف يكون عابرا للحدود. وكذلك التوظيف في مجالات الصناعة. ومع تراجع العمل اليدوي بسبب ثورة الروبوتات التي تتسارع الآن ستنتقل المهارات المطلوبة إلى مستوى جديد. فالذي سيجعل الدول النامية تنال قسطها من هذه السوق المفتوحة، هو التعليم الذي يعتني باللغة الانجليزية وبتكنولوجيا المعلومات وبالتعليم الفني، وغير ذلك من المعارف والمهارات الأخرى، التي يوفرها النظام التعليمي الجيد. وغني عن القول أن اللغة الانجليزية وتكنولوجيا المعلومات ستزداد أهميتها لسوقي العمل الخارجي والداخلي سواء بسواء. الشاهد ان العالم يتغير الآن بسرعة كبيرة جدا، وتتغير مع ذلك مفاهيم العمل ومفاهيم الاقتصاد، ومن ثم مفاهيم التعليم. ومن يتخلف عن إدراك هذه التحولات وعن بذل الجهود من أجل اللحاق بالركب، فسوف يجد نفسه منفيا في الهوامش القصية، حيث الجهل والفقر والمرض وقلة الحيلة والحروب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-05-2020, 04:22 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    من إشراقات التعليم البديل

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 مايو 2020

    رغم أن التعليم الغربي أنجز تقدمًا مشهودًا في العصر الحديث، إلا أن بعض الغربيين ظلوا يرون فيه الكثير من العلل وجوانب القصور. يعيب هؤلاء المنتقدون على أنظمة التعليم العام الغربية أنها مهنية محضة. وأنها تعاني قصورًا واضحًا في الجانب التربوي. فهي تخلق شخصًا قادرًا على أداء مهنة ما، ولكنها تقصر في خلق الشخصية المتكاملة. ويعنون بذلك تنمية البعد الأخلاقي، إلى ما وراء النطاق الذي تمليه أخلاقيات المصالح المتبادلة. كما يعيبون عليه قصوره في تنمية المواطنة الصالحة والاهتمام بالشؤون العامة، وتكريسه للفردانية المنكفئة على ذاتها. لذلك نشأ في السياق الغربي ما يسمى "التعليم البديل". ومما اطلعت عليه أثناء دراستي للتربية في أمريكا، ثلاث نماذج هي: مدارس "والدورف"، التي تأسست على رؤى المفكر الألماني رودلف شتاينر، ونموذج "ريجيو أميليا" في إيطاليا، ونموذج مدرسة "سكاترقوود"، في قرية ويست برانش بولاية أيوا في الولايات المتحدة الأمربكية. ولسوف أحصر حديثي هنا في هذه الأخيرة، لكونها قد كانت الجزء المكمل لبحثي لدرجة الدكتوراه.

    أنشأت مدرسة سكاترقود طائفة الكويكرز، وهي طائفة مسيحية تركز على الإخاء، وعلى التساوي بين الأفراد. فهي بلا قساوسة، وبلا تراتبيات دينية، وظيفية. ويتميز الكويكرز، عموما، بالاستقامة الأخلاقية، وبالإعلاء من شأن العمل اليدوي. أمضيت عامًا كاملاً في التردد على هذه المدرسة، متفقدًا مختلف جوانبها ومن ذلك تاريخها، وأدبياتها المكتوبة وفلسفة تعليمها، وسائر تفاصيل رؤيتها ورسالتها. تحدثت في مقابلات فردية مطولة مع إدارتها ومدرسيها وطلابها. تتوافق مدرسة سكاترقوود وشقيقتها الأخرى في ولاية بنسلفانيا، مع مدرسة ريجيو أميليا في إيطاليا، في جعل التربية الفنية مادة مركزية، ملزمة لكل الطلاب. فاستوديو الفنون يتوسط المدرسة. وتتضمن دراسة الفنون إلى جانب الرسم والتصوير، الخزف، وصناعة الزجاج، والنجارة. ويوافق منحى مدرسة سكاترقود، في ذلك، منحى مدارس والدورف. أي، ربط نمو العقل وزيادة المعارف بتنمية المهارات اليدوية، وأخلاق العمل.
    هذه المدرسة ثانوية داخلية، يرتادها الطلاب من مختلف أنحاء أمريكا وكندا، وأمريكا الجنوبية. وتتمثل جاذبيتها لأولياء الأمور، في كونها تربط التعليم ربطا محكما بالأخلاق وبالعمل. فللمدرسة مزرعة يديرها الطلاب بأنفسهم، بإشراف الأساتذة. يأكل الطلاب من خضروات المزرعة، ومن لحوم أغنامها، كما يستخدمون لبن أبقارها في غذائهم. أيضا يقسم الطلاب أنفسهم في نوبات تتناوب على الطبخ، وعلى إدارة قاعة الطعام، مع طباخ يشرف على تعليمهم وتوجيههم. في تقديري، أن هذا النمط من التعليم الذي يربط المعرفة النظرية بالخبرة العملية؛ الفنية، والإدارية، وتوظيفهما للاكتفاء الذاتي، هو ما نحتاجه كبلد نام.

    لقد آن الأوان لكي ندرس مثل هذه التجارب، لنصيغ منها نموذجنا الذي يتناسب مع احتياجات التنموية، في الأرياف وفي المدن. إن حصر التعليم في الورقة والقلم، الذي ظل ديدننا، منذ دخولنا حقبة التعليم الحديث، قد أضر بعقول طلابنا، وبوجدانهم، وخنق حيوية الحياة لدينا، وأعاق تفتحها وتجددها. إن ربط الطلاب بالطبيعة وبالعمل مهم جدًا لنموهم الروحي، ولمعرفة الحياة على ما هي عليه، وراء ما بخفيه قناع الحداثة. ولربما يكون من الأفضل أن نبدأ بنموذج تجريبي واحد في كل ولاية، لإجراء دارسة مقارنة للتحقق من النتيجة. ختامًا، ليس من الصائب أن يكون التعليم على نمط واحد، فالمدرسة ليست مصنعًا ينتج بضاعة متطابقةً في كل شيء.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-07-2020, 04:57 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ستموت في العشرين

    النور حمد

    صحيفة التيار 7 مايو 2020

    شاهدت قبل أيام الفيلم الروائي السوداني، "ستموت في العشرين"، الذي حصد عددًا من الجوائز العالمية، وأسهم، بقدر غير مسبوق، في جذب الأنظار إلى السودان، وإلى السينما السودانية. من أقوى الدلائل على جودة أي فيلم سينمائي، أن يشدَّك اليه، طيلة فترة العرض. وهذا، بالفعل، ما حدث لي مع هذا الفيلم. كما يمكن القول إن هناك عنصرًا آخر، أسهم في استغراقي في الفيلم، وهو أنني كأي سوداني، يحدوني التوق لكي أرى عملاً سينمائيًا سودانيًا ناجحا. وهذا، ربما يشبه الاستغراق في مشاهدة مباراة للفريق القومي، وهو ينافس فريق بلد آخر. لكن رغم وجود هذا العنصر، إلا أن جودة عناصر الفلم المختلفة هي التي شدت انتباهي اليه، واحتفظت به، من البداية إلى النهاية. ويمكن القول، بصورة عامة، إن أي مقارنة لهذا الفلم مع الأفلام الرواية السودانية القليلة، التي سبقته، وجرى إنتاجها في أزمنة متباعدة، سوف تؤكد أن هذا الفيلم يمثل قفزة كبيرة جدًا، في الأفلام الروائية السودانية.

    اتسم هذا الفلم بلمسة شاعرية، فتحت بابًا سحريًا لولوج الحالة الشعورية، التي تمغنط الروح، وترفع من ذبذبتها. نجح هذا الفيلم في اختيار البيئة البصرية المناسبة، وبرع في تصويرها، أو ما يسمي، لدى السينمائيين بـ "السينماتوغرافي". فالقرية، والنهر، وخط السكة الحديد، والجسر الصغير على الترعة، وأزقة القرية، ومشهد الدكان، ومنزل سالم المختلف عن منازل القرية، خلقت، في مجملها، مناخا أليفًا، ممتعًا، للعين وللذائقة الجمالية؛ المحلية، والأجنبية. كما أن تنقل الكاميرا بين بيوت القرية وبين بيت سالم، أحدث تقابلا وشدا، طبقيًا، وجيليا، أوحى بالكثير. نجح الفيلم في مجمل ما رمى إليه، رغم أنه، فيما يبدو، من أفلام الميزانية المحدودة.

    هناك بعض الملاحظات النقدية التي لا تقلل من قيمة هذا العمل العظيم. منها: لو تضمن التصوير لقطة أو لقطات بانورامية، من أعلى، لتوصيف مجمل مسرح الأحداث، لكانت أضافت إلى التأثير الجمالي الكثير. هناك أيضا ضعف في التمثيل في بعض المناطق. لكن، رغم ذلك يبقى مستوى التمثيل في هذا الفيلم أفضل من كل ما عرفناه في أعمال سودانية مشابهة. ولابد من إبداء الإعجاب هنا بالممثلتين، بونا خالد، وإسلام مبارك، لأدائهما المتميز. أيضًا، عانت نصوص الحوار من بعض الضعف، ومن الابتسار، ومن قدر من الخطابية، ومن عدم ملاءمة الصياغات للسياق البيئي. كما يمكن القول إن هناك تأثرًا بمنحى خالد الصديق الفلوكلوري، في فيلم "عرس الزين". فمحاولة كسب الذائقة الأجنبية بالفولكلور، هي واحدة من الطرق السهلة لتحقيق النجاح، لكنها تخصم من متانة المضمون. أيضا لم أستسغ الربط ذا المنحى الاستتباعي للثقافة السودانية، وجعلها بعضًا من صدى للثقافة المصرية. عكست هذا شخصية سالم وذائقته وتركه جهاز العرض لمزمل. من الملاحظات الأخرى، أن النهاية كانت مكدسة ومربكة، كما أن الموسيقى التصويرية كانت ضعيفة التأثير. مرة أخرى لا تنتقص هذه الملاحظات من عظمة هذا الفيلم، الذي أحدث قفزة في مسار السينما السودانية. حار التهنئة للمخرج أمجد أبو العلا، ولجميع طاقم الفلم على هذه المتعة المميزة. هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن هذا الفلم المتميز، لكن هذا ما تسمح به هذه المساحة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-08-2020, 07:15 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    من عجائب مناهج الإنقاذ

    النور حمد

    صحيفة التيار 8 مايو 2020

    كلفني مركز الخاتم عدلان قبل حوالي ست سنوات تقريبًا، بعمل دراسة نقدية لمنهجي اللغة العربية والتربية الإسلامية، لمرحلة الأساس. فقمت بهذا العمل بالاشتراك مع المربي، الأستاذ خلف الله عبود الشريف. وقد قام مركز الخاتم عدلان بنشر تلك الدراسة في كتابٍ حمل عنوان "حكم الإنقاذ وأدلجة التعليم". لم يستطع المركز توزيع الكتاب لأن السلطات أغلقت المركز مع صدور الكتاب. وجرت مصادرة الكتاب ضمن ما جرت مصادرته من ممتلكات المركز قبل أن يوزع. وأود أن أورد، في هذا العمود، نموذجًا واحدًا من العوار الكثير الذي شاب ذلك المنهج المتخلف. والنموذج الذي سوف أعرضه مأخوذ من كتاب "الفقه والعقيدة للصف الثامن الأساس"، صفحتي 42 و 43.

    في هذه الصفحات تحدث الكتاب عن الأفعال التي توجب القضاء والكفارة في الصيام. وذكر منها ثلاثة هي: "تناول الطعام عمدًا في نهار رمضان. و"الاتصال الجنسي مع الزوجة أو غيرها". و"إذا رجع شيءٌ عمدًا من القيء المتعمد إخراجه". ولن أعلق على "تناول الطعام عمدًا، لأنه لا مشكلة هنا. غير أنني أرى أنه كان من الأفضل لواضعي المنهج أن يكتفوا بـ "تناول الطعام عمدًا"، بوصفه موجبًا للقضاء والكفارة، ولا يتعدوه ليحدثوا صبيةً وصبياتٍ، هم دون سن الرشد، عن المعاشرة الجنسية، كموجب للقضاء والكفارة. والأغرب أنهم أضافوا إلى معاشرة الزوجة، معاشرة غير الزوجة. هذا في حين آن الاتصال الجنسي بغير الزوجة، يدخل في باب الزنا، قبل أن يدخل في مبطلات الصوم. وهو جريمة، إذا ثبتت، تجري عقوبة مرتكبها بالرجم، إن كان محصنًا، وبالجلد إن كان غير محصن. لذلك، لا موجب البتة لإيراد الاتصال الجنسي بغير الزوجة في هذا السياق. بل، إن إيراده بهذه الصورة ربما أوحى للتلاميذ أن الاتصال بغير الزوجة، إذا جرى في غير رمضان، فلا غبار عليه.

    أيضًا، جاء في توصيف الحالة الثالثة مما يوجب القضاء والكفارة، قولهم: "إذا رجع شيءٌ عمدًا من القيء المعتمد". هذه الجملة الغريبة نقلتها حرفيًا من الكتاب، كسابقاتها. وأول صور غرابتها صياغتها الركيكة جدا. تأمل عبارة: "إذا رجع شيءٌ عمدًا من القيء المتعمد إخراجه". وإذا تركنا الرِّكة جانبًا، فهل يُعقل أن يتعمد الصائم التقيؤ من أجل أن يبتلع جزءًا مما تقيَّأه، مرةً أخرى؟ فإذا تقيأ المرء، فالراجح أنه مريض. والمستحب في هذه الحالة، أن يأخذ برخصة المرض، فيفطر ثم يقوم بالقضاء لاحقا. أما الأكثر غرابة مما ورد في هذا الباب، وما لا يصدقه المرء، فهو قول من أعدوا المنهج، أن على من ارتكب واحدة من مبطلات الصيام التي توجب القضاء والكفارة، فعل واحدة من أمور ثلاثة، وضعوا على رأس قائمتها، "عتق رقبة". نعم، "عتق رقبة"، وأرجو ألا تفرك عينيك عزيزي القارئ، فقد قرأتها صحيحا. هل أنا بحاجة لكي أقول، إن هذه العقول التي وضعت هذا المنهج، لا تختلف في شيء عن عقول الدواعش، الذين سبوا الكرديات، والإيزيديات، في العراق، واسترقوهن واغتصبوهن.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-08-2020, 08:44 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حول حفظ وعرض الذاكرة التشكيلية

    النور حمد

    صحيفة الحداثة 7 مايو 2020

    تعد مدرسة الخرطوم للتصميم، التي كانت ملحقةً بكلية غردون التذكارية، من أوائل مدارس الفنون في إفريقيا. وبعد أن جرى تأسيس المعهد الفني، في بداية خمسينات القرن الماضي، انتقلت إليه مدرسة التصميم لتصبح كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. قامت هذه الكلية الرائدة منذ إنشائها، وحتى اليوم، بتخريج آلاف الخريجين، في عديد التخصصات، التي شملت: الرسم والتلوين، والنحت، والخزف، والتصميم الإيضاحي، وتصميم وطباعة المنسوجات، والخط العربي، والتصميم الصناعي، وتجليد الكتب، وغير ذلك. لكن نسبة للسياسات التعليمية السودانية، التي اتبعت "نهج سر كما تشاء"، أي بلا خطة، وأهداف واضحة، إضافة إلى غياب برامج للتنمية الشاملة، وعدم الاهتمام بالتخطيط الثقافي، فقد بقي أثر هذه التخصصات في الحياة الثقافية السودانية العامة، وفي الصناعة، وفي مجمل أحوال الاقتصاد، محدودًا، جدا. ولعل معارض الفن التشكيلي، التي ظلت تحدث هنا، وهناك، عبر منافذ العرض المختلفة، في العاصمة الخرطوم، هي التي ظلت بقيت تذكِّر الجمهور السوداني بهذه الكلية الرائدة. هذا، إضافة إلى ما يقوم به خريجو الكلية من قسم التصميم الإيضاحي من إسهامات متنوعة، في مجالات الطباعة، والأجهزة الإعلامية، وسوق الإعلان.

    من هذه الكلية بدأ الرواد الأوائل من التشكيليين السودانيين مسيراتهم التي وصلوا لفتوا بها مؤسسات الفنون الجميلة في عواصم العالم الكبرى. من هؤلاء، على سبيل المثال: ابراهيم الصلحي، ومحمد عمر خليل، وعامر نور، وتاج السر أحمد، وكمالا إبراهيم إسحق، والخزاف صديق النجومي. ومنهم من شقوا طريقهم إلى الإقليمية والعالمية بأنفسهم، مثال: حسين شريف، ومحمد عمر بشارة، وحسان علي أحمد. ومن الأجيال المتأخرة نسبيًا، من خريجي كلية الفنون، برز على سبيل المثال، على المستوى الدولي والإقليمي، حسن موسى وراشد دياب. وهناك عدد ممن أصبحوا معروفين في دول الخليج. ففي دولة قطر، برز على سبيل المثال: محجوب المقبول، وإسلام كامل، ونور الهادي الخضر، وعبد العظيم محجوب. كما أن هناك مجموعة أخرى من السودانيين تمارس التشكيل في كينيا ويوغندا، وربما يكون أبرز هؤلاء أحمد أبوشريعة. كل هذه مجرد أمثلة، ومجرد غيض من فيض، فأسماء التشكيليين السودانيين الذين يعيشون خارج السودان بالعشرات، إن لم يكونوا بالمئات. ويمكن أن نقول أن نزفًا ضخم للعقول التشكيلية السودانية، قد حدث في العقود الخمسة أو الستة الماضية، بسبب تراجع مواعين الدولة السودانية المستمر وعدم قدرتها على استيعاب طاقات بنيها. بذلك، أصبحت الأعمال التشكيلية السودانية مشتتة في جهات الأرض الأربع. ولعل التظاهرات التشكيلية السودانية، التي استضافتها إمارة الشارقة في السنوات الأخيرة، تدل أبلغ دلالة، على أن أعظم ما أنجزه التشكيل السوداني، مغترب عن وطنه. بعبارة أخرى، هناك جزءٌ كبيرٌ ومهمٌّ، من الذاكرة التشكيلية السودانية، أصبح من مقتنيات جهات خارج البلد. وهذا هو عيم ما حدث لآثارنا التاريخية في الحقبة الاستعمارية. فقد نهبت، ولم نعمل على استردادها كما يفعل المصريون. لكن يمكن القول، مع الأسف الشديد، أن بقاءها في الخارج أفضل لهذه الآثار ولنا. فاستعادتها قبل أن يصحو سياسيونا وتصحو نخبنا، وتصبح لدينا مؤسسات حارسة لكنوزنا القومية، يعني تلفها أو ضياعها. باختصار، هناك ميراث حضاري ورأسمال ثقافي، بالغ النفاسة يمثل حتى هذه اللحظة كمًّا مضيعا. هذا الوضع المؤسي حقا، يقتضي نظرًا جديدًا، وتخطيطًا ثقافيًا، به يعود إلى البلاد، على الأقل، جزء من هذا الرأسمال الثقافي المشتت في أرجاء العالم.

    من أسطع الأدلة على تخلفنا الحضاري، أننا على الرغم مرور 64 عامًا على استقلالنا، لا تزال بلادنا بلا متحفٍ لحفظ أعمال كبار التشكيليين السودانيين. هذا في حين تزدان بأعمال هؤلاء أروقة أعظم المتاحف في العالم. وعلى سبيل المثال، فإن أعمال الفنان الرائد، إبراهيم الصلحي، ضمن معروضات متحف الفن الإفريقي في واشنطن. وكذلك في قاعة التيت غاليري في لندن، إضافةً إلى متحف الفن المعاصر، في الدوحة، وقس على ذلك. من الضروري أن تنشأ هيئة متخصصة، تابعة للدولة، مهمتها أن تشرف على إنشاء مستودع، لحفظ أعمال كبار الفنانين التشكيليين السودانيين، المنتشرين في عواصم الدنيا، إلى جانب المقيمين في البلاد، من ذوي المستوى الذين تستوفي أعمالهم معايير المتحفة. وعلى نخبنا السياسية، والتنفيذية، خاصة بعد ثورة ديسمبر المجيدة أن تفكر أكثر في معنى الثقافة، ودورها. وأن تعرف وزن وقيمة ما تشكله في سردية هويتنا الجامعة.

    أود أن أطرح في هذا المقال مقترحا لوزارة الثقافة، ومن ورائها الحكومة الانتقالية، لتشرع فير إنشاء هيئة صغيرة من المتخصصين، للإشراف على عملية خلق مستودعٍ لمقتنيات الدولة، من الفن التشكيلي السوداني. تستطيع هذه الهيئة بقليلٍ من عون الدولة، ومن إسهام القطاع الخاص، إضافة إلى التواصل مع المنظمات الدولية، والمؤسسات الشبيهة في الأقطار الأخرى، والقطاع الخاص السوداني، أن تجمع من المال ما يمكِّن من الشروع في جهود تأسيس متحف قومي للفنون التشكيلية السودانية. ولتكن البداية بخلق مستودع مؤمَّن، يجري فيه حفظ الأعمال العائدة من الخارج، بطريقة علمية. هذا إلى جانب الأعمال التي يمكن أن يجري اقتناءها في الداخل. ولا أشك أبدًا أن كثيرًا من الفنانين سوف يتبرعون بأعمالهم لهذا المتحف.

    من أولويات عمل هذه الهيئة ابتعاث متدربين ليتعلموا الأساليب العلمية لحفظ الآثار التشكيلية وترميمها، أو ما يسمى،restoration ، وكذلك تعلُّم مهارات التوثيق والتأرخة، والأرشفة، وتوصيف الأعمال التشكيلية، أي ما يسمىcuration ، وهذه ليست سوى رؤوس أقلام لتوجه كبير له جوانب وتفاصيل أخرى عديدة. المهم في البداية أن ننظم سمنارًا، أو مائدة مستديرة، لذوي الخبرة من متخصصي تاريخ الفنون، والتربية الفنية، ومن التشكيليين السودانيين، وكبار المثقفين، لوضع تصور لهياكل هذه الهيئة، التنظيمية والإدارية، وتحديد رؤيتها ورسالتها، وأجندة عملها. مهمة هذه الهيئة أن تتولى الإشراف على المستودع القومي للآثار التشكيلية السودانية وكذلك المتحف الدائم للآثار التشكيلية السودانية. إضافة إلى تنظيم المعارض التشكيلية المتغيرة. أيضًا يمكن أن تتطلع هذه الهيئة بتزيين المقار السيادية بأعمال التشكيليين السودانيين. كما يمكن أن تطلع، أيضًا، بإعادة التصوير الخيالي للتاريخ السوداني، من معارك حربية، وغيرها، بإيكالها إلى رسامين مجيدين للتصوير الزيتي الواقعي.

    أقترح أن يضم المتحف صالة كبيرة للعرض الثابت. وأن تكون هناك صالات أصغر مثال: صالة أعمال الفنانين العصاميين، الذين لم يتلقوا تدريبها أكاديميًا، مثال: العريفي، وموسى كزام جحا، وأبو الحسن مدني وغيرهم. ويمكن القيام بالبحث عن هذه الأعمال لدى الأسر أو لدى من اقتنوها. وكذلك صالات أخرى للنحت، والخزف، والخط العربي. وكذلك صالة للفنون الشعبية من نسيج وسعفيات ومنحوتات وأوشام ونقوش وخزف تقليدي، الخ. أيضا، من مهام هذه الهيئة أن تنشئ وحدة للتعليم المتحفي، مهمتها ربط المدارس والجامعات بالمتحف القومي للفنون التشكيلية السودانية، وتنظيم الزيارات له، إضافة إلى إقامة الورش والمحاضرات وتنظيم أنشطة الفنانين الزائرين. أيضا يمكن لهذه الهيئة أن تنظم، بالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة، لأنشاء مراسم الشباب في المدن الإقليمية. فتقدم وزارة الشباب البنية التحتية، وتقدم هيئة المتحف القومي للفنون التشكيلية، الخبرة المتخصصة في اختيار الكوادر ووضع المناهج.

    كذلك، يمكن أن تطلع هذه الهيئة، أيضًا، بإنشاء وحدة صغيرة من المتخصصين للبحوث في تاريخ الفن التشكيلي السوداني. وأن تطلع بجمع الآثار المكتوبة عن الفن التشكيلي السوداني ونشرها، والعمل على خلق حقل لتاريخ الفنون السودانية، وربطه لاحقا بالمنهج المدرسي. كما يمكن أن تطلع بإصدار دورية محكمة تعنى بالفنون البصرية السودانية.
    ليس من الضروري أن يقام مبنى فخم لهذه الهيئة منذ البداية. فدولة قطر على سبيل المثال، رغم غناها، أنشأت متحف الفن المعاصر، في الدوحة، في مبنى مدرسة قديمة. ولدى وزارة الثقافة الآن فرصة ذهبية لتطلب لنفسها مبنى من المباني المستعادة من قبل لجنة تفكيك التمكين. هذه الهيئة يمكن أن تكون فرعًا من المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون، لكن من الضروري أن يكون لها مبنى منفصلا، وتنظيمًا هيكليًا ذا صفة أكاديمية، وليس مجرد إدارة بيروقراطية. أيضا يمكن لهذه الهيئة أن تسهم بالتنسيق مع كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، ووزارة التربية والتعليم، في جهود إعادة التربية الفنية الى المدارس السودانية، وفق أسسٍ علميةٍ جديدة. المهم أن تكون هناك بداية للعصف الذهني والتخطيط ون النظري حول هذه الهيئة المقترحة، وبدء الجوانب العملية بما هو متاح. فوجود جسم يقوم بالتنظيم هو الذي يفتح الباب للبحث عن الموارد المطلوبة، العيني منها، وغير العيني.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-09-2020, 06:38 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إزالة التمكين من عقول النشء

    النور حمد

    صحيفة التيار 9 مايو 2020

    المناهج التي وضعتها الإنقاذ، في جملتها، مناهج هزيلة، مرتجلة، وغير مواكبة للتطورات التي أحدثتها مختلف الدول، في فلسفة التعليم، ومحتوى مناهجه، وطرق تدريسه. وقد جاءت مناهج الإنقاذ نتيجة لسطو تنظيمٍ واحدٍ، وهو تنظيم أقلية قليلة، على الدولة السودانية. استغل التنظيم المال العام، ومجمل البنية التحتية للنظام التعليمي السوداني، من أجل غرس رؤاه الخاصة، في أدمغة أبناء وبنات سواد الناس. ورغم أن محاولة صبغ كل مواد التعليم بفكر التنظيم، إلا أن التركيز كان على مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية، لكونهما الأنسب، والأكفأ، لخدمة غرض بذر أفكار التنظيم في تلاميذ وتلميذات المدارس. لذلك نلاحظ أن الحملة الشعواء، التي زحمت الأقنية الإعلامية، انصبت على مادة التربية الإسلامية، وتركت كل شيء آخر، جانبا. السبب، أن منهج التربية الإسلامية الذي وضعته الإنقاذ للطلاب، لم يقصد منه أن يكون منهجا تعليميًا، حديثًا ينتج خريجين ملمين بعلوم العصر، مالكين لطيف المعارف والمهارات العصرية، التي بنت بها الأمم الصاعدة، دولها، وإنما أداةً للتجنيد الأيديولوجي. فلو كان القصد هو رفعة التعليم العام، لاهتموا ببناه التحتية، وزادوا الانفاق عليه من الموازنة العامة، واهتموا بتحسين معاش المعلمين وتدريبهم، على أعلى المستويات، وهو ما لم يحدث قط.

    لقد أفقروا مدارس التعليم العام، حتى أصبحت خرائب، وأصبح معلموها يشترون الطباشير من جيوبهم الخاصة. من الجانب الآخر، أنشأوا، المدارس الخاصة، التي تدر عليهم الأموال. وبعثوا بأبنائهم وبناتهم إلى تلك المدارس الخاصة، بل وإلى المدارس والجامعات الأجنبية، التي توفر المعارف والمهارات العصرية. لقد استخدموا بنية التعليم العام من أجل خلق بيئة صالحة لغرس الأفكار الدينية الانغلاقية، والمتطرفة، لتتسرب تدريجيًا، بمرور الزمن، من المدارس إلى بيوت السواد الأعظم من الشعب، فيصبح الجهل والعاطفة الدينية الفجة هما الضامنين لاستمرارية نظام حكمهم. وفي حين يصبح أبناء أهل السلطة والأثرياء يفكرون تفكيًرا عصريًا، ويعيشون حياة عصرية، يبقى أبناء الفقراء من السواد الأعظم غاطسين في وحل الفقر والجهل والتعصب والانغلاق العقلي.

    يحاجُّ الإنقاذيون أن تغيير مناهج التعليم ليس من مهمة الفترة الانتقالية، لأن الفترة الانتقالية لا تملك تفويضًا شعبيًا. وهذه ليست سوى سفسطة فارغة، بلا معنى. هل يوجد تفويضٌ شعبي أكبر من هذه الثورة الجماهيرية التي رفضت نظامهم جملة وتفصيلا؟ وهل حين جاءوا في 1989، وأعملوا معاولهم في النظام التعليمي بذلك الارتجال العجيب، كان يملكون تفويضًا شعبيًا؟ تغيير مناهج التعليم واحدٌ من مهام إزالة التمكين، التي تمثل أهم واجبات الفترة الانتقالية. وهي عمليةٌ تجري وفق قانون مرتكز على الوثيقة الدستورية، التي تمثل دستور الفترة الانتقالية. إن ما فعلته الإنقاذ في التعليم كان تمكينًا لفكر التنظيم من عقول النشء. وفي تقديري، أن إزالة التمكين من عقول النشء، أهم بما لا يقاس من غيره من صور إزالة التمكين الأخرى.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-10-2020, 08:12 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    عاقبة الاستثمار في التطرف الديني

    النور حمد

    صحيفة التيار 10 مايو 2020

    تشظَّت "الحركة الإسلامية" في السودان، وتحولت إلى عدة كيانات، مثلما تشظت غيرها من التنظيمات والأحزاب. جند الإسلاميون ضباطًا من الجيش ليستخدموهم في الإمساك بالسلطة، فانتهى الأمر بعد عقدٍ واحدٍ من الحكم، أن تصبح السلطة في يد الضباط، ويصبح الإسلاميون مجرد تابعين مقهورين. ولقد انتهى مشروع الإسلاميين في السودان، نهاية مخزية. فرأس النظام ملقىً في السجن، متهمًا دوليًا، ومحليًا، بجرائم قتلٍ بلغت مئات الآلاف، وبسرقة المال العام، مع عمالة للدول الأجنبية، وتسلم الأعطيات منها، وتخزينها في منزله. ولن يستطيع أي ناقدٍ أن يقدم هجاءً أبرع وأوجع، لتجربة الحركة الإسلامية السودانية، من الهجاء الذي قدمه لها عرابها، الدكتور حسن الترابي، في حلقاته مع أحمد منصور التي بثتها قناة الجزيرة. قاد فشل المشروع إلى أن يتراجع عددٌ من عقلاء الإسلاميين، وينزووا. في حين شرع بعضٌ آخر في تقديم شيءٍ من النقد الخجول، في محاولةٍ للاحتفاظ للتجربة الفاشلة، ببعضٍ من ماء الوجه.

    مصير كل تنظيم يتجر بالدين، لكي يفرض فكرًا سياسيًا، أحاديًا شموليًا، يزعم لنفسه صحة مطلقة، وللآخرين بطلانًا مطلقًا، أن ينتحر في نهاية المطاف. ومثلما انتحر الحزب الشيوعي السوداني، بسبب النزعة الشمولية الأحادية، كذلك انتحر الإسلاميون. استخدم الإسلاميون سلاح الإرهاب الديني، وحاولوا الاستقواء بالجهلاء والعوام، على المستنيرين، ليبلغوا السلطة. ويبدو أنهم ظنوا أن الوصول إلى السلطة سيغير الأوضاع، فيتراجع الخطاب الغوغائي. لكن، فات عليهم، أن من المتعذر تمامًا، إدراك الغايات الصحائح، بالوسائل المراض. فالوسيلة طرفٌ من الغاية، وليست سلَّمًا ترمي به بعيدًا، بعد أن تصعد إلى غايتك. التطرف الديني يخلق وحشًا كاسرًا، يتعذر التحكم فيه لاحقا. فهو لا يلبث أن يقلب الطاولة على الذين أطلقوه من عقاله، بادئ الأمر. والآن، ها نحن لا نسمع من عقلاء الإسلاميين، سوى لقلائل يحسبون على أصابع اليد الواحدة. فقد أمسك بالمقود الجهلاء، وأصحاب العلل النفسية، الذين لا يرون الأمور إما بيضاء أو سوداء. أي: إما أن يفرضوا رأيهم على الكل، أو يدمروا الكل.

    لم يقرأ الإسلاميون التاريخ بذهن مفتوح، ولو أنهم قرأوه بذهن مفتوح، لما استثمروا في التطرف والغلو. لقد استثمرت الأسرة المالكة السعودية، من أجل حماية سلطانها المطلق، وثرواتها العريضة، في فكر محمد بن عبد الوهاب، فاستخدمت النزعة السلفية من أجل السيطرة على عقول رعيتها. خلقت بن لادن وأمثاله، وبعثت بهم إلى أفغانستان، لكن ما لبث هؤلاء أن تحولوا إلى تهديدٍ للبيت السعودي. كما خرجت منهم داعش فهددت العالم الإسلامي برمته. تحاول السعودية، الآن، فك حبل التطرف الديني الذي ربطته حول عنقها، ولربما تؤدي بها هذه المحاولة، في نهاية المطاف. خلاصة القول، إن الاتجار السياسي بالخطاب الديني المتطرف، وخيم العواقب. فهو يحرق، في نهاية الأمر، الأخضر واليابس، بما في ذلك الذين استثمروا فيه.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-10-2020, 08:13 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    عاقبة الاستثمار في التطرف الديني

    النور حمد

    صحيفة التيار 10 مايو 2020

    تشظَّت "الحركة الإسلامية" في السودان، وتحولت إلى عدة كيانات، مثلما تشظت غيرها من التنظيمات والأحزاب. جند الإسلاميون ضباطًا من الجيش ليستخدموهم في الإمساك بالسلطة، فانتهى الأمر بعد عقدٍ واحدٍ من الحكم، أن تصبح السلطة في يد الضباط، ويصبح الإسلاميون مجرد تابعين مقهورين. ولقد انتهى مشروع الإسلاميين في السودان، نهاية مخزية. فرأس النظام ملقىً في السجن، متهمًا دوليًا، ومحليًا، بجرائم قتلٍ بلغت مئات الآلاف، وبسرقة المال العام، مع عمالة للدول الأجنبية، وتسلم الأعطيات منها، وتخزينها في منزله. ولن يستطيع أي ناقدٍ أن يقدم هجاءً أبرع وأوجع، لتجربة الحركة الإسلامية السودانية، من الهجاء الذي قدمه لها عرابها، الدكتور حسن الترابي، في حلقاته مع أحمد منصور التي بثتها قناة الجزيرة. قاد فشل المشروع إلى أن يتراجع عددٌ من عقلاء الإسلاميين، وينزووا. في حين شرع بعضٌ آخر في تقديم شيءٍ من النقد الخجول، في محاولةٍ للاحتفاظ للتجربة الفاشلة، ببعضٍ من ماء الوجه.

    مصير كل تنظيم يتجر بالدين، لكي يفرض فكرًا سياسيًا، أحاديًا شموليًا، يزعم لنفسه صحة مطلقة، وللآخرين بطلانًا مطلقًا، أن ينتحر في نهاية المطاف. ومثلما انتحر الحزب الشيوعي السوداني، بسبب النزعة الشمولية الأحادية، كذلك انتحر الإسلاميون. استخدم الإسلاميون سلاح الإرهاب الديني، وحاولوا الاستقواء بالجهلاء والعوام، على المستنيرين، ليبلغوا السلطة. ويبدو أنهم ظنوا أن الوصول إلى السلطة سيغير الأوضاع، فيتراجع الخطاب الغوغائي. لكن، فات عليهم، أن من المتعذر تمامًا، إدراك الغايات الصحائح، بالوسائل المراض. فالوسيلة طرفٌ من الغاية، وليست سلَّمًا ترمي به بعيدًا، بعد أن تصعد إلى غايتك. التطرف الديني يخلق وحشًا كاسرًا، يتعذر التحكم فيه لاحقا. فهو لا يلبث أن يقلب الطاولة على الذين أطلقوه من عقاله، بادئ الأمر. والآن، ها نحن لا نسمع من عقلاء الإسلاميين، سوى لقلائل يحسبون على أصابع اليد الواحدة. فقد أمسك بالمقود الجهلاء، وأصحاب العلل النفسية، الذين لا يرون الأمور إما بيضاء أو سوداء. أي: إما أن يفرضوا رأيهم على الكل، أو يدمروا الكل.

    لم يقرأ الإسلاميون التاريخ بذهن مفتوح، ولو أنهم قرأوه بذهن مفتوح، لما استثمروا في التطرف والغلو. لقد استثمرت الأسرة المالكة السعودية، من أجل حماية سلطانها المطلق، وثرواتها العريضة، في فكر محمد بن عبد الوهاب، فاستخدمت النزعة السلفية من أجل السيطرة على عقول رعيتها. خلقت بن لادن وأمثاله، وبعثت بهم إلى أفغانستان، لكن ما لبث هؤلاء أن تحولوا إلى تهديدٍ للبيت السعودي. كما خرجت منهم داعش فهددت العالم الإسلامي برمته. تحاول السعودية، الآن، فك حبل التطرف الديني الذي ربطته حول عنقها، ولربما تؤدي بها هذه المحاولة، في نهاية المطاف. خلاصة القول، إن الاتجار السياسي بالخطاب الديني المتطرف، وخيم العواقب. فهو يحرق، في نهاية الأمر، الأخضر واليابس، بما في ذلك الذين استثمروا فيه.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-11-2020, 05:56 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    نخبٌ مُعتلَّةٌ يصعب تعافيها

    النور حمد

    صحيفة التيار 11 مايو 2020

    أثبتت النخب السياسية السودانية، مرارًا وتكرارا، أنها لا تتعلم من تجاربها. ولعل السبب امتلاؤهم بشعور كاذب، أنهم مكتملون، ولا يحتاجون جديد معرفة، أو زيادة خبرة، أو شحذا للهمة. غالبيتهم منكفئةٌ على ذاتها، مشغولةٌ بصورتها عند نفسها، وبموقعها من منظومة الثروة والسلطة والجاه. وحتى لا يظن القارئ الكريم أنني أفتئت على هذه النخب بغير شاهد أو دليل، أعيد إلى الأذهان طرفًا يسيرًا من تجاربها. دعونا ننظر، على سبيل المثال، إلى كم حزبٍ استطاعت الإنقاذ أن تقسًّم حزب الأمة والحزب الاتحادي الديموقراطي؟ والى كم فصيلٍ مسلحٍ قسمت الحركات المسلحة؟ وكم قيادي في حزب الأمة استوزروا في الإنقاذ. وكم قيادي في الحزب الاتحادي الديموقراطي استوزروا، أيضا؟ كم من قياديي الحركات المسلحة استوزروا، في الإنقاذ؟ وكم عضو من كل هذه الأحزاب والحركات نالوا، إلى جانب الوزارات، مناصب في مؤسسات الإنقاذ المختلفة؟ وإذا تساءلنا عن سر وسبب كل هذه الانقسامات، فلسوف لن نجد أي تبريرٍ، سوى جنون هذه النخب بالمال والسلطة وبريق المنصب؟

    هذه النخب منعزلةٌ عن الشعب، وعن همومه عزلةً شبه تامة. فهي أخطبوط ضخم ذو أعضاء متداخلة متشابكة، بعضه من بعض. لا يختلف من يكون منهم في الحكم، عمن يكون في المعارضة. فمن يحكم منهم، يمد الجسور للذين أقصاهم لكي يدخلوا معه في الحلبة، ويقوموا بأدوارٍ ثانوية، "كومبارس"، من أجل إضفاء مشروعية على ما هو قائم. وأكثرية من يدعوهم الحاكم الذي أقصاهم يقبلون دعوته، ويأتوا ليتحلقوا حوله، ويزينوا له عرشه، لقاء أعطيات مالية ووجاهية. حدث هذا في عهد نميري، وفي عهد البشير سواءً بسواء. يقوم الشعب بثورات يظهر فيها من النبل ومن أصائل الطبائع، ورفيع الخصال، ومن كراهية الظلم، وحب العدالة، والحرية، ومن توقد الروح وتوثبها، ومن الشغف العارم بالتغيير، ما يبهر العالم. لكن الحصيلة لا تتعدى الإبقاء على ما هو قائم من تخلفٍ وعجز وقلة حيلة.

    أفضت ثورتا أكتوبر 1964، وأبريل 1985، إلى تراجع. وحتى ثورة ديسمبر هذه، على عظمتها التي شهد بها القاصي والداني، تعمل هذه النخب، الآن، لكي تحيلها إلى موات، شأنها شأن سابقتيها. التقدم السلحفائي المتعثر لمحادثات السلام في جوبا، والتنازع حول خطوة تعيين الولاة المدنيين، والمجلس التشريعي، وانسحاب حزب الأمة من قوى الحرية والتغيير، إلى أجل غير مسمى، ورفضه أخذ نصيبٍ في قائمة الولاة وفي المجلس التشريعي، كلها مؤشرات دالَّةٌ على أن نخبنا لم تُشف من أدوائها القديمة، المزمنة. أما شق النخب الذي يدير دفة الحكم للفترة الانتقالية، فبينه وبين روح الثورة هوَّةٌ سحيقةٌ. فروح الثورة التي أفعمت الصدور، لم يظهر لها أثرٌ ملموس على الواقع المتردي. كل شيءٍ يشير، حتى الآن، إلى أن رحلة هذه الثورة، لا تزال طويلة، وأن أمدًا لا يزال يفصل بيننا وبين بروز قياداتٍ، ثوريةٍ، تقود تحولاً ديموقراطيًا، حقيقيًا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-13-2020, 06:24 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مداخلة جديدة من د عطا البطحاني

    صحيفة التيار 13 مايو 2020

    الاخ العزيز دكتور النور حمد،
    مرة أخرى، أرجو أن تسمح لى بالتعليق على ما جاء فى مقالك " نخبٌ مُعتلَّةٌ يصعب تعافيها " فى يوم 11 مايو 2020.
    أتجاوز عن التعميم الذى ورد فى السطور الاولى بالاشارة الى " أثبتت النخب السياسية السودانية، مرارًا وتكرارا، أنها لا تتعلم من تجاربها". أظنك تتفق معى أنه لا يمكن الجمع بين الاستاذ عبدالخالق محجوب والاستاذ محمود محمد طه من جهة وبين السياسيين الذين أشرت اليهم فى مقالك من جهة أخرى. لكن هذا موضوع أخر وله ميقات آخر.

    ما أود التعلبق عليه هو ما جاء فى السطور الاخيرة "فروح الثورة التي أفعمت الصدور، لم يظهر لها أثرٌ ملموس على الواقع المتردي. كل شيءٍ يشير، حتى الآن، إلى أن رحلة هذه الثورة، لا تزال طويلة، وأن أمدًا لا يزال يفصل بيننا وبين بروز قياداتٍ، ثوريةٍ، تقود تحولاً ديموقراطيًا، حقيقيًا".

    النموذج الكلاسيكى للثورات يقول بضرورة وجود قيادة ثورية. مثلا يرى ليون تروتسكى ان الحركات الجماهيرية حتى وان كانت متوحدة حول العداء للنظام المتسلط كالحالة عندنا فى ثورة ديسمبر 2018، ستنتهى الى الفشل ان لم يكن لها هدف واضح ووسائل محددة للنضال، وقيادة واعية، أكرر "قيادة واعية". على النقيض من ذلك يرى كارن روس ان الجماهير فى هذا العصر هى التى تقود. أنظر كتابه "الثورة بلا قيادت: كيف سيبادر الناس العاديون الى تولى السلطة وتغيير السياسة فى القرن الواحد والعشرين".

    وفى محاول للمقاربة بين تروتسكى وروس والحالة عندنا، أظنك تتفق معى ان التشكيلة الاجتماعية تتسم بكثير من التعقيد الاثنى، الاقليمى، المناطقى، والدينى، واللغوى مع تداخل وتقاطع الهجين الاجتماعى – الطبقى، كل ذلك يجعل من الصعب لكتلة واحدة أو مجموعة واحدة اياً كان تصنيفنا لها اثنيا، اقليميا، طبقيا، سياسيا، ايديولوجيا، ان تحتكر ادارة العملية السياسية. وحتى فى حالة التحالفات والعمل المشترك، دائما تكون هناك فئة او شريحة مهيمنة (بلغة غراميشى) اى قيامها بدور القيادة يلقى قبولاً من أطراف التحالف، ولا تفرض نفوذها بالسيطرة (أقرب مثال حزب المؤتمر الوطنى الافريقى مع حلفائه فى جنوب افريقيا) .

    وعودة الى واقعنا، الذى وصفه مقالك بالتشرزم - السؤال على من تقع ادارة التحالفات واجراء التسويات والتنازلات بين الكتل السياسية للوصول الى قاسم مشترك أعظم. التحالفات ضرورية بحكم تعقيد التركيبة وايضا بحكم موازين القوة الجبرية التى اعاقت عملية تعميق مجرى التغيير. ونعلم ان تعميق مجرى الثورة سيبعد حلفاء مصالحهم لا تذهب بعيداً فى اعادة ترتيب بنية السلطة السياسية وجهاز الدولة (لدى مداخلة مؤجلة مع مع دكتور الباقر العفيف والاستاذ السر سيد أحمد حول حول هذا الامر). تعميق مجرى الثورة يهدد اطراف فى المؤسسة السياسية وقد يدفعهم هذا للعمل مع انصار النظام الانقاذى المرتبطين معهم بوشائج اجتماعية وفكرية. ومصلحة هؤلاء العمل على تكرار سيناريو اكتوبر 1964، وأبريل 1985 ، وتكرار هذا السيناريو يشكل ردة وخيانة لدم الشهداء.
    اذن ما العمل؟

    التحدى الذى يواجه قيادات الثورة (قيادات وليس قيادة)، هل ستشحذ خبرتها النضالية لتكوين تحالفات تتجاوز بها اخطاء كتوبر 1964، وأبريل 1985 وتعمل على ايجاد المعادلة، وترتيب القطع المتناثرة فى كل واحد منتظم حسب قانون الثورة كما يرى تروتسكى، أم ترك الامر للجماهير حسب قول كارن روس؟ أم هل ستفاجىء قوى الثورة غير المؤدلجة نخب المؤسسة السياسية باطرافها المتععدة بسيناريو غير متوقع – تماما كما بهرت العالم؟ أم ستجد فيزياء السياسة سانحة لها فتقلب الموازين فجأة؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-15-2020, 06:50 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الثورة وإرهاصات النقلة البارادايمية

    النور حمد

    صحيفة التيار 15 مايو 2020

    كلمة "بارادايم" paradigm كلمة مستحدثة، ولم أجد لها، فيما قرأت، ترجمةً منضبطةً في اللغة العربية. فأهل المغرب العربي يترجمونها "براديغم"، ويستخدمون نفس لفظها اللاتيني في كتاباتهم بالعربية، وذلك، ربما لكونهم تلقوها عن الفرنسية. أما في الإنجليزية، فتنطق "بارادايم"، وهكذا أكتبها، بحكم أنني تلقيت دراساتي فوق الجامعية باللغة الإنجليزية. تعني لفظة بارادايم، التصورات والمفاهيم والممارسات التي سادت في فترة بعينها. وأشهر من جر مفهوم "النقلة البارادايمية"، paradigm shift، إلى المجال الأكاديمي، الفيلسوف، وعالم الفيزياء الأمريكي، توماس كون. وقد كان المفهوم، أول ما بدأ، منحصرًا في مجال العلوم الطبيعية، حيث تسود مفاهيم علمية في فترة بعينها، لكن تصبح، بمرور الزمن، قاصرةً عن استيعاب التطورات المضطردة. فيتهيأ، تبعًا لذلك، الجو لنقلةٍ بارادايميةٍ، وهكذا يحدث الانتقال إلى بارادايم جديد. ثم، لا يلبث البارادايم الجديد، أن يضيق هو الآخر عن استيعاب المستجدات، فيفسح المجال لبارادايم آخر، أجد. لكن المفهوم، انتقل من مجال العلوم الطبيعية، وأخذ المفكرون والأكاديميون يطبقونه على النقلات في العلوم الإنسانية، وتفرعاتها المختلفة، في الفلسفة والدين والاقتصاد والاجتماع والتربية، وغيرها.

    أحببت أن أمهد بهذه المقدمة المبتسرة أن أطبق المفهوم على الممارسة السياسية في سودان ما بعد الاستقلال. فكامل الممارسة السياسية السودانية، منذ الاستقلال وإلى اليوم، تمثل، في نظري، بارادايمًا واحدًا. ورغم أن هناك تباينات بين فصول هذا البارادايم الواحد، إلا أنها تباينات شكليةٌ، لا أكثر. ولا تزال عقابيل هذا البارادايم المحتضر، تتبعنا في هذه الفترة الانتقالية التي نمر بها. فكل بارادايم قديم لا يتوقف فجأة ليفسح المجال للبارادايم الذي يليه. فهناك منطقة يترادف فيها البرادايمان. في هذه المنطقة يضمحل البارادايم القديم ويقوى الجديد حتى يخلي البارادايم القديم الساحة تماما.

    بدأ بروز احتشاد قوى البارادايم الجديد في العمل الشبابي في المنظمات الطوعية، كشارع الحوادث، ونفير، وصدقات، وغيرها، والتي شنت عليها حكومة الانقاذ حملةً شعواء. برز التشبيك القاعدي لتخلُّق البارادايم الجديد، في ذلك الطور، في انتفاضة سبتمبر 2013، التي قمعها النظام بصورة بالغة الوحشية. نفس هذه الوحشية تكررت، بصورة أبشع، في فض اعتصام القيادة، من قبل قوى البارادايم القديم التي أوجدت لنفسها مساحة في حراك التحول.

    كان اعتصام القيادة بهتافاته وتضامن وتعاون وتآزر من قاموا به، وفي اشتراكيته وتكافليته، وجدارياته، وموسيقاه، ومجمل أجوائه، إرهاصًا للنقلة القادمة. تتضافر الآن قوى البارادايم القديم، حتى الذين زعموا أنهم جزء من الثورة، لتستبقي البارادايم القديم، في محله. هذه القوى، بمختلف مسمياتها، على جانبي اليمين واليسار، مارست السياسة والتكتيك السياسي، وفقًا لمفاهيم بالية عفا عليها الزمن. مفاهيم لا تعرف الشفافية ولا صراحة القصد، ولا الشغف بالصالح العام، بقدر ما تعرف الإخفاء، والتعمية والتآمر. وهي لن تستطيع الانتقال إلى الحقبة الجديدة المنتظرة، لأنها مثقلةٌ، بنيويًا، بإرث معتل. جيل الشباب هو المادة التي يتخلق منها الآن البارادايم الجديد المنتظر. لكن تقصير أجل المعاناة يعتمد على تعميق الوعي، وعلى خلق حاضنة سياسية جديدة للقوى الشبابية. فالمستقبل، سيكون حتمًا، لروح الثورة، ولنبل مقاصدها، في الحرية والسلم والتنمية وحكم القانون، مهما كثرت العراقيل، ولن يكون، بأي حال، لذلك البارادايم المعطوب الغارب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-16-2020, 02:57 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    منظومة الانقاذ وإجهاض الثورة

    النور حمد

    صحيفه التيار 16 مايو 2020

    ربما لا تقدح كلمة "الإنقاذ" في أذهان كثيرين، أكثر مما يعينه "المؤتمر الوطني"، الحزب الذي أدار به الرئيس البشير البلاد، في العشريتين الأخيرتين من حكمه. وبطبيعة الحال، إضافة إلى العشرية الأولى، التي أدارها من منزله، في المنشية، الشيخ الراحل حسن الترابي، وفيها اشتدت قبضة الدولة الأمنية وتوطدت أركان التمكين، واستعرت حرب الجنوب، وبرز الاتجاه الجديد في سياسة السودان الخارجية، الذي قاد إلى العزلة عن المجتمع الدولي، وأدى إلى المقاطعة التي لا تزال البلاد تعاني منها إلى الآن. غير أن الإنقاذ، في حقيقتها منظومة متكاملة، تضم طيفًا واسعا من مختلف القوى. فكل أقلية تسيطر، كالأقلية التي قامت بانقلاب يونيو 1989، لابد لها أن تسعى إلى توسيع قاعدتها لتكتسب شرعية شعبية صورية. في جهودها الرامية إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية سعت الإنقاذ إلى استقطاب قوى اجتماعية كثيرة، وفق الطبيعة المعروفة للحكومة الزبائنية. وقد جرى ذلك بخلق مصالح اقتصادية واجتماعية، متنوعة، لقوة اقتصادية واجتماعية لا تنتمي حقيقةً لإيديولوجيا النخبة التي أمسكت بمفاصل السلطة والثروة لتصبح جزءًا من المنظومة الحاكمة، بحكم حرصها على ما تحقق لها من مصالح. فالإنقاذ وحزب المؤتمر الوطني وفقًا لهذا الإيضاح، هما طيفٌ واسعٌ، لا يمثل أصحاب الإيديولوجيا الحاكمة فيها، سوى رأس الهرم.

    تتكون هذه المنظومة المستتبعة بمصالحها، الداعمة لما هو قائم من أوضاع، من جماعاتٍ تجارية وأحزاب لها ارتباطات بالمصالح التجارية، وحركات مسلحة، وجهات ذات طبيعة عشائرية ودينية متنوعة. لذلك فإن الثورة لا تعني اقتلاع رأس هرم هذه المنظومة، وإنما إعادة تشكيل هياكل نظام الدولة لتصبح الدولة دولة الجميع، بعد أن جرى تحويلها إلى دولة خادمة لأصحاب الإيديولوجيا الحاكمة وما استتبعت من قوى مجتمعية، وفقًا لهذا النهج الزبائني، المعروف في العلوم السياسية. أكثر من ذلك، يمكن أن تتشكل في بدايات الثورة – أقصد هنا أي ثورة – نفس التركيبة الزبائنية التي كانت سائدة في النظام المقتلع. لذلك لا ينبغي أن ينخدع الثوار ويظنوا أن من أتوا بهم إلى الحكم مجرد ملائكة أطهار، هبطوا عليهم من السماء. فالسلوك البشري يتبع أنماطًا وميكانيزمات تعيد إنتاج نفسها، في كل سياق جديد، بصورة جديدة. هذا هو الذي جعل كثيرًا من الثورات تحدث في موجات؛ متعاقبة، موجةً أثر موجة.

    شهدت الفترة الماضية استهدافا مركزا على شخصيتين من الذين أتت بهم الثورة إلى مناصب عامة، وهما وزير الصحة الدكتور أكرم على التوم، ومدير قسم المناهج بوزارة التربية والتعليم الدكتور عمر القراي. دوافع الحملة على هذين الشخصين منطلقة من غرضين: الغرض الأول شيطنة الفترة الانتقالية، بغرض هلهلتها قبل الانقضاض عليها بصورة من الصور. أما الغرض الآخر، فهو لأن هذين المسؤوليْن لمسا أهل المصالح في مواضع موجعة تتعلق بما حصلوا عليه من مزايا نتيجة لزبانتهم للنظام المدحور، سواءً في تجارة الدواء، أو تجارة الاستطباب، أو تجارة طباعة الكتب. لكن، ما يثلج الصدر، أن عديدًا من الأقلام انبرت لفضح الدوافع الحقيقية للحملة، وقد بدأت علائم اندحارها الآن. خلاصة القول إن حراسة الثورة هي مسؤولية جماهير الثورة، وأن بلوغ الثورة أهدافها ليس نزهة، وإنما وقوفًا على أهبة الاستعداد لدحر التواءات الملتوين.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-17-2020, 07:25 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    صناعة الزعازع لاستعادة السلطة

    النور حمد

    صحيفة التيار 17 مايو 2020

    واضحٌ لكل من راقب الحالة الأمنية في البلاد في الشهور الماضية، أن هناك أيادي تعبث بأمن البلاد واستقرارها. تمثلها جهات أعلنت عن نفسها بنفسها. فقد راج قبل بضعة أشهر تسجيل فيديو تداولته وسائط التواصل الاجتماعي، قال فيه أحد قياديي الاسلاميين: "نحن ما حنخلي حكومة حمدوك تشتغل". وكلنا يذكر حوادث العنف القبلي في بورتسودان، وحادثة انغلاق الخط الناقل للنفط الخام بالشمع، وكيف قفز سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، فجأةً إلى الضعف، وما لبث أن صار ثلاثة أضعافٍ ويزيد. أيضا شهدت البلاد أزمةً طاحنةً في الخبز والوقود والغاز. ثم أعقبت ذلك حرائق حقول القمح في الجزيرة، وتلتها حوادث دارفور وأخيرا كسلا وكادوقلي. تستمر قيادات المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي، تتوعد، وتلوح بالعنف، فتلوذ الجهات العدلية بالصمت، وينصرف الإعلام كالعهد به، إلى "الفارغة والمقدودة"، وكأنَّ نشر ثقافة العنف والتهديد، وصناعة الزعازع، واستغلال العاطفة الدينية لدى البسطاء لا تعنيهم في شيء.

    من آخر التسجيلات الصوتية التي سمعتها عبر تطبيق "واتساب" تسجيل لأحدهم يخاطب إخوته، بعد أن أشاد بجهودهم في خلق الزعازع، أن عليهم أن يضاعفوا الجهود، وأن يعملوا على استغلال العاطفة الدينية وسط البسطاء، (قالها هكذا حرفيا). وذكر في حديثه تجربة لهم مع "ستات الشاي"، قال إنهم قدموا لهن مواد غذائية لرمضان، وأنهن بسبب ذلك وعدنهم بالخروج معهم في تظاهراتهم المقبلة. المفارقة المحزنة هنا أن هؤلاء هن نفس ستات الشاي اللواتي كانوا يضايقوهن في كسب عيشهن ويحملوهن في "كشات" على "الدفارات"، ويصادرون معداتهن. لكن، حين وجدوا الآن أنهن يمكن أن يكن مفيدات، خطبوا ودهن، لجرهن ليقفن، بلا وعيٍ، ضد مصالحهن. هذا النوع من العقليات التي لا ترى بأسا في استغلال البسطاء لتحقق أهدافها السياسية الجهوية. وهذا الصنف من السياسيين لا يعرف ما هو القانون وما هي الحقوق وما هو النبل الأخلاقي وما هو شرف الخصومة، والنزاهة. ينتمي هذا النمط من التفكير والسلوك إلى هذه الديانة المنحولة التي جاءتنا من خارج البلاد، وقد أُلصق بها جالبوها اسم الإسلام زورا وبهتانا.

    تشير كل المؤشرات إلى أن هناك تراخيا حكوميا في مواجهة هذا العمل المنظم لصناعة الزعازع. فعلى الرغم من أن هؤلاء يهددون، باستمرار، باستخدام العنف، جهارًا نهارا، نجد أن الشرطة، والجهاز العدلي، صامتين، والإعلام الحكومي صامت كذلك. ولسنا بحاجة إلى الإشارة إلى أن هذا النمط من التفكير السياسي، هو نفس نمط التفكير الذي خلق المتطرفين وأحدث بهم الزعازع في العراق، وسوريا، وليبيا، والصومال.، وظل يصنعها بهم، في السودان، منذ 1989، وإلى الآن. هذه الزعازع مرتبطةٌ بمشروع عابر للأقطار، لا يمثل السودان فيه سوى حلقةٍ ثانويةٍ خادمة لاستراتيجية إقليمية كلية. كل حديث من هؤلاء عن مصلحة الوطن والمواطنين، ليس أكثر من مخاتلةٍ وخداع، فاعتبروا يا أولي الألباب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-18-2020, 04:21 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    عطب المحليات؟

    النور حمد
    صحيفة التيار 18 مايو 2020

    سبق أن تحدثت عن المحليات بوصفها جهازًا إداريًّا قاعديًا في منظومة الحكم المحلي. وتحدثت عن أنها من المؤسسات التي ينبغي أن تمنحها الثورة عناية خاصة. فهي الآلية الرابطة بين الخطط الحكومية، عندما تكون هناك خططا حكومية، حقيقية، وبين الجهد الشعبي لإنزال الخطط على الأرض. وبتضافر هذين الجهدين يمارس الناس في المدن والأحياء والقرى، الديموقراطية ويتعلمون صناعة القرار، ومتابعة تنفيذه. وهو ما يتيح للجماهير تعلُّم إدارة الشؤون العامة، عن طريق التجربة. وما من ديمقراطية إلا وكانت الانتخابات البلدية مصاحبةً فيها للانتخابات العامة. أيضا قلت في مقالة سابقة أن الإنقاذ بنهجها الشمولي، جعلت من المحليات أداة للجبايات ولإحكام القبضة الأمنية على مستوى القواعد. وعبرها استخدم النظام منسوبيه لتزوير الانتخابات. بل ومنح منسوبيه فرصا واسعة للثراء الحرام.

    في نهايات شهر أبريل أصدر والي الخرطوم المكلف، قرارًا بإعفاء مدراء المحليات السبع بولاية الخرطوم، وتعيين بدلاء لهم. وحسنًا فعل. فالإنقاذ أصلًا لم تضع على رأس أي محلية إلا يصبح لها يدا في استتباع جهاز الحكم المحلي للتنظيم الشمولي الحاكم. لكن، لابد من القول هنا، إن التعيين ليس هو الطريق الأمثل لخلق محليات جديدة، همها الأول والأخير خدمة المواطن. الطريق الصحيح لقلب أوضاع المحليات الإنقاذية، رأسًا على عقب، لهو الانتخابات المحلية الحرة النزيهة. لا ينبغي للحكومة الانتقالية أن تتجاهل لجان المقاومة، فهي نبض الشارع، وهي التي تعرف، بحكم التجربة الطويلة على أرض الواقع، كيف أدارت الإنقاذ هذه المحليات، وكيف زيفت بها إرادة الجماهير، وكيف أدخلتها ضمن منظومة الفساد الشامل. لذلك يصبح إشراك هذه اللجان في وضع تصور للحكم المحلي وإدارته ديمقراطيًا، من أهم مهام الفترة الانتقالية. فثورة بعظمة ثورة ديسمبر، ينبغي أن تقلب منظور التغيير النخبوي من أعلى، الذي ظل سائدًا منذ الاستقلال، لينطلق من القواعد، فيصبح من أسفل إلى أعلى.

    إن القذارة التي تغرق فيها أحياء ولاية الخرطوم، والعجز الفاضح عن إزالة الأوساخ، والقبح الذي يطالعك أنى اتجهت، وصور التعدي المتزايد على الشوارع، لأكبر دليل على أن هذه المحليات قد أصابتها سنوات الإنقاذ في مقتل. فقد ظلت تعمل بأمزجة من يديرونها وليس وفقًا لضوابط، حتى أصبح عملها أقرب إلى التخريب. أما إذا نظرنا لأحوال المدارس التي تحولت إلى خرائب، والى الشوارع الرئيسية المظلمة، وإلى التصديقات العشوائية لإنشاء الورش، بل وإنشاء ما يشبه المناطق الصناعية، وسط الاحياء، لتأكد لنا أن هذه المنظومة تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، والى مفاهيم جديدة، وروح جديدة، وضوابط صارمة، بل وتدريب. والآن، هذا هو الخريف يقرع الأبواب، ولم يظهر للمحليات، حتى الآن، أي تحرك، في نظافة مصارف المياه من الأوساخ والأتربة المتراكمة. إن أداء المحليات ليجعل المرء يتساءل: أين يمكن للمواطن أن يجد لها فعلاً فيه منفعة له؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-19-2020, 07:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الواجهات النيلية

    النور حمد

    صحيفة التيار 19 مايو 2020

    ظلت بلادنا، منذ الاستقلال تسير بغير خططٍ، وبلا استراتيجيات واضحة المعالم. تدل على ذلك أمورٌ كثيرة، تعكس، في مجملها، حالةً من العجز المزمن في التخطيط. يشمل ذلك التخطيط الاقتصادي، والتخطيط الاجتماعي، والتخطيط الاستراتيجي الأمني، والعلاقات الخارجية، والتخطيط الثقافي، والتخطيط البيئي، والتخطيط العمراني، إلخ. لكن، ما من شك أن هناك أشياءً عديدةً جرى إنجازها، هنا وهناك، عبر الأربع وستين سنة المنصرمة، لكنها، لم تقم وفق خطةٍ كليّةٍ لامَّة، أو ناظمة master plan. ما أود أن أتناوله اليوم، في هذه الزاوية، هو الخسران المتنامي للواجهات النيلية في العاصمة الخرطوم، لصالح أبنية، ربما وقف وراءها سوء التخطيط، أو استغلال النفوذ، أو كليهما. حدث هذا على الرغم من ان الصحافة المحلية أوردت أن بيتًا إيطاليًا للخبرة سبق أن وضع خطة هيكلية للعاصمة، من ضمن ما ورد فيها عدم حجب الواجهات النيلية بالأبنية.

    لم تكن للعاصمة المثلة، عقب الاستقلال مباشرة، واجهةً نيليةً مرصوفةً، سوى تلك التي كانت تغطي المنطقة الممتدة من حديقة الحيوان سابقًا (فندق كورنثيا حاليا)، إلى ما بعد القصر الجمهوري، بقليل، في اتجاه الشرق. نشأت الخرطوم في العهد التركي (1821 - 1885)، وتطورت أكثر في ظل الاستعمار البريطاني (1898 - 1956)، وعبر هاتين الحقبتين بقي شارع النيل يفصل بين المباني والنهر. بذلك، بقي، منظر النهر مفتوحًا وملكًا للجميع. وهذا أمرٌ مطلوبٌ، جماليًا، ووظيفيًا في إطار التخطيط العمراني الحديث لأي مدينة لها واجهة مائية. فالدول، عادةً، تحرص أن تكون الواجهات البحرية والنهرية ملكًا عامًا، فلا يستأثر بها فردٌ أو مؤسسةٌ؛ حكوميةً كانت، أم غير حكومية. عمومًا، لم يجر، عبر حقبة ما بعد الاستقلال تطويرٌ يذكر للواجهات النهرية للمدن الثلاث، إلا بقدرٍ ضئيل. هذه الواجهات كنزٌ عامٌّ ثمينٌ؛ من الناحيتين الجمالية والاقتصادية. الواجهات النهرية في العاصمة الخرطوم، بالغة الطول، ولربما يتجاوز طولها، عبر شطآن الخرطوم، وبحري، وأمدرمان، المئة كيلومتر. تمثل هذه الواجهات متنفسًّا تنزُّهيًا مهمًّا لسكان المدينة، ورافدًا اقتصاديًا استثماريًا ضخمًا، لو جرى تطويرها، وأُحسن استغلالها.

    منذ حقبة نميري بدأ التعدي على الواجهات النيلية، خاصةً في أمدرمان. فقد جرى تشييد مجلس الشعب (مبنى البرلمان)، ومسجد النيلين، وجامعة القرآن الكريم على الشط مباشرة، ففصلت بين شارع النيل في امدرمان، والنهر، وجعلت الشط خارج متناول عامة المواطنين. كما جرى في حقبة الانقاذ إنشاء صالات أفراح ومحلات تجارية جديدة بين النهر وشارع النيل، على شط أمدرمان بين حديقة الموردة وكبري شمبات . في الخرطوم نشأ في حقبة نميري مطعمٌ قبالة وزارة التربية والتعليم، ففصل بين شارع النيل في الخرطوم، وبين النهر. وفي عهد الإنقاذ نشأ نادي في شط حي غاردن سيتي يقال إنه تابعٌ لجهاز أمن البشير، لا يزال تحت التشييد. أما مدينة بحري فليس لها شارع محاذي للنيل، أصلا. هذا الخسران المتنامي للشطآن واحدٌ من رزايا الأنظمة الشمولية. فليتنا نجعل من هذه الثورة المجيدة مبتدأً لخلق استراتيجيات، متسمة ببعد النظر وبضوابط صارمة لحراسة الصالح العام، بعد أن أنفقنا عقودًا ونحن أسرى لسوء التخطيط، ولنزوات الفئات، والأفراد، وإيثارهم لذواتهم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-20-2020, 07:18 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    استهداف لجان المقاومة

    النور حمد

    صحيفة التيار 20 مايو 2020

    هناك عدة محاور تحركها القوى الكارهة للثورة، تعمل متضافرةً، وغرضها، جميعها، إجهاض الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لاحظت في الأشهر القليلة المنصرمة، أن القوى الكارهة للثورة تتحول من المحور المعين حين، يتضح أنه لم يأت بثمر، لتعمل على محور آخر. ولا أعتقد أن القوى المُنكِرة للثورة قد كرهت شيئًا في كل الحراك الذي جسد هذه الثورة العظيمة، مثلما كرهت ما سميت "لجان المقاومة". تميزت هذه الثورة على الثورتين السابقتين بأنها ثورة شارع بأكثر مما هي ثورة نخب سياسية. هذه الطاقة الرهيبة التي تفجَّرت في كل حيٍّ وفي كل قرية هي التي أجبرت نظامًا مدججًا بالسلاح، مرد على استخدام أقصى صور العنف، عبر عقود حكمه الثلاثة، على أن يجثو على ركبتيه ويستسلم. وكما يقول المثل "يُؤتى الحَذِرُ من مأمنه"، أي أن الشخص كثير الحذر يأتيه الخطر من حيث لا يحتسب. فهو بعد أن يسد كل الثغرات يأتيه الخطر الداهم من الثغرة التي ظنها أصلاً آمنة، ولا تحتاج منه إلى تأمين. استثمر الإنقاذيون عبر مناهج تعليمهم وإعلامهم في تجهيل الجيل الأصغر سنا، فكان هذا الجيل هو الأداة التي اقتلعت نظام حكمهم.

    يحاول كارهو الثورة حاليًا شيطنة لجان المقاومة، من أجل تفكيكها وإضعافها عن طريق ضرب وحدتها، بمختلف الذرائع والأساليب. السبب هو أن لجان المقاومة أجهضت محاولة تحويل الثورة إلى انقلاب عسكرب على يد الفريق عوض ابن عوف، والفريق عمر زين العابدين. كما قلبت الطاولة على القوى المحلية والإقليمية التي خططت لفض الاعتصام، وارتكاب مجزرته البشعة، بغرض إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. والآن، فإن كارهي الثورة يعرفون أن لجان المقاومة هي السلاح المُجَّرب، شديد المضاءة، الذي يمكن أن يهزم أي انقلابٍ عسكري قادم. لذلك أصبحت هذه اللجان هدفًا رئيسًا لهم، فشرعوا في تخريب سمعتها بنسبتها إلى تيارات سياسية بعينها. وكذلك، بافتعال أعمال غوغائية وانفلاتات أمنية، ثم نسبتها إليها. بل ذهبت الشيطنة إلى أبعد من ذلك، لتصل درجة ربطها بالجريمة المنظمة.

    لقد برهن طيف كارهي الثورة، المرة بعد الأخرى، أنهم قومٌ لا خلاق لهم. فهم لا يتورعون عن فعل أي شيء، مهما كانت خساسته ووضاعته، ما داموا قد توسموا فيه أنه يخدم غرضهم. ويبدو أنهم غافلين تمامًا عن الحقيقة الدينية البسيطة، وهي أن الاستثمار في الشر لا ينتج منه خيرٌ أبدا. لجان المقاومة هي الشعب الذي أذلوه وأضاقوه الأمرين عبر ثلاثين عامًا. هي الضمير الأخلاقي لهذه الأمة الذي رفض الضيم والظلم والعنجهية، ووقف في وجه الطغاة بصدورٍ مكشوفةٍ ماهرًا ثورته بدمٍ عزيزٍ غزير. في هذه اللجان شبان وشابات وُلدوا وترعرعوا في بيوت العز الزائف المشيدة بمال السحت، لكن ذلك لم يمس شيئًا من معدنهم، وهذا من فضل الله عليهم وعلى أهلهم. فقد برهنوا بالفعل، لا بالقول، أنهم أنقياء أتقياء، ملكوا الضمير والوازع الديني الذي جعلهم يقفون مع الضعفاء. إن معركة هذه الثورة مع خصومها معركةٌ أخلاقية، بالدرجة الأولى. ولن تكون لهذه البلاد رفعة إلا إذا تأسس عهدها الجديد على منظومةٍ أخلاقيةٍ جديدةٍ، نقيضةٍ لما ظل جاريًا منذ الاستقلال.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-21-2020, 01:57 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هذا هراء السياسة فأين السياسات؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 21 مايو 2020

    ظل الأستاذ عثمان ميرغني يتساءل مرارًا وتكرارًا: أين خطط وبرامج هذه الثورة؟ وهذا، دون شك، سؤال مركزي. فالثورة تعني، بالضرورة، أن هناك تطلعًا ملحًا للتغيير، لا يحتمل الإرجاء. هذا التطلُّع المُلح هو ما دفع بالناس إلى الشوارع، ووضعهم في مواجهة النظام المدحور، بكل ما كانت تحمله تلك المواجهة من أخطار. لابد لأي تغيير من خططٍ وبرامج، لكن، لا يبدو أن نخبنا السياسية بعقليتها المنحبسة في أطر الماضي ومفاهيمه، منشغلة بهذا. هي، كما عودتنا دائمًا تتصارع، على الأسلاب؛ من توسيعٍ للحيِّز السياسي، والحصول على مقعدٍ في السلطة، ومن ثم، فتح باب للثروة والوجاهة. لذلك يسيطر عليها هذا الانهماك في القضايا الإجرائية. يقوم هذا النهج المُقعد على فكرةٍ يمكن تلخيصها في الآتي: دعوني أُمسك بالسلطة أولا، ولسوف يكون كل شيء، بعد ذلك، على ما يرام.

    بدلاً من أن تصبح الفترة الانتقالية تباريًا بين القوى السياسية في تقديم الخطط والبرامج الإصلاحية والإنمائية، التي من شأنها أن تدعم الانتقال من وضع العجز الذي انحبسنا فيه لعقود، إلى وضع الحراك الثوري العارم في دروب التنمية والنهضة الشاملة، على مختلف الجبهات، انشغلت القوى السياسية بإضعاف الفترة الانتقالية، لتصل بأقصر طريق إلى السلطة. تضافرت جهود مختلف النخب السياسية وتحت مختلف الذرائع الديماغوجية لإضعاف حكومة حمدوك، ودمغها بالفشل؛ وزيرًا، عقب زير، تارةً، ومجتمعةً، تارةً أخرى. هذا النهج، هو ما يمكن أن نطلق عليه "هراء السياسة". وهو ذات النهج الذي ظل فاعلاً لدينا منذ الاستقلال، وحتى يومنا هذا. وهو ما جعل بلادنا في ذيل القافلة البشرية في كل شيء. لا ترى نخبنا السياسية، التخلف المريع لواقعنا، ولا تحدياته الجسيمة، وإنما ترى، فقط، خصومًا سياسيين، لا ينبغي أن يحتلوا معها موقعًا في الساحة. لذلك، فإن الأولوية، قبل كل شيء آخر، هي إزاحتهم، كليًا، أو إضعافهم إلى أقصى مدى ممكن.

    لقد ظل اليمين السوداني، واليسار السوداني، يتبادلون إقصاء بعضهم، عبر منعرجات تجربتنا السياسية لفترة ما بعد الاستقلال. وقد جسدت هذه المسيرة المضطربة تطبيقًا عمليًا، لهذا الفهم القاصر للسياسة. لكن، الأمل، كل الأمل، في هذه الأجيال الجديدة، التي أنجزت هذه الثورة العظيمة، في أن تخلق لنفسها، جسمًا سياسيًا جديدًا، أو أن يضغط المنتمون منهم إلى الأحزاب القائمة، على أحزابهم لكي تغير تصوراتها، ونهجها، بل، وحتى قياداتها، لإخراج الممارسة السياسية من هذا الطرق المُقعد. ما نحتاجه في الفترة الانتقالية خطط وبرامج لإعادة حكم القانون وإعادة المؤسسية إلى أجهزة الدولة، وأن نضع السياسات والضوابط المانعة، كليًّا، للفساد. كما نحتاج خططا ًلإعادة إعمار الريف، وتشغيل الشباب، وتمويل مشاريعهم الانتاجية، وتوسيع البنى التحتية، وزيادة الانتاج وإصلاح النظام التعليمي والصحي، وإصلاح الحكم المحلي، والسياسة الخارجية. وأن تصبح هذه خطة الجميع التي ينبغي أن تتضافر كل الجهود لإنجاحها. أما الانحصار في تكتيكات الوصول إلى المقعد، عن طريق ضرب الفترة الانتقالية، وتهميش دور الثوار، فهو من جنس النهج الذي أنتج ركام الفشل الضخم، المتجسد في حياتنا. وأرجو أن تكون فرص نجاحه قد ضؤلت أو انغلق بابها بعد هذه الثورة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-23-2020, 06:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    متحفٌ في ذكرى مجزرة القيادة

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 مايو 2020

    بنهاية شهر رمضان المبارك تمر علينا الذكرى الأولى لمجزرة القيادة البشعة، التي خطط لها شيبٌ وكهولٌ لقتل شبان وشابات في ميعة الصبا والشباب. شبانٌ وشابات غافلون، عُزَّلٌ، لا سلاح لهم سوى حناجرهم. في هذه الذكرى الأليمة، وبسبب غيرها من الفظائع التي ارتكبها نظام الإنقاذ، أود أن أقترح إنشاء متحفٍ لضحايا القتل والتعذيب. فالنسيان يمثل ركنًا أساسيًا في أن يعيد الفرد أو المجموعة من الناس، أو البلدان، التجارب المريرة. وترد في هذا المقام صيغٌ من عبارة شهيرة قالها أشخاص مختلفون، بصورٍ مختلفة، من بين تلك الصيغ: "من ينسون التجارب المريرة من الماضي معرَّضون لتكرارها". من هنا تأتي ضرورة إبقاء الذاكرة الجمعية متقدة عن طريق التعليم وعن طريق الإعلام وعن طريق المتاحف والنصب المختلفة.

    أقام اليهود متاحف مختلفة لضحايا المحرقة النازية المعروفة بـ "الهولوكوست" التي حدثت في ألمانيا وفي الأراضي التي احتلها النازيون من أوروبا. من أشهر هذه المتاحف متحف الهولوكوست في العاصمة الأمريكية واشنطن، الذي فتح أبوابه للزوار عام 1993، في عهد الرئيس بيل كلينتون. يزور هذا المتحف حوالي مليوني زائر سنويا. ويكرر اليهود، دائمًا، عندما يتذكرون محارق النازية عبارة تقول: " لن نترك هذا يحدث مرة أخرى"، never again. ولو تركنا متحف الهولوكوست في واشنطن الذي كلف بناؤه 200 مليون دولار، ووقفت وراءه مؤسساتٌ كبيرة، ومعها أغنى أغنياء اليهود في العالم، وتحدثنا عن جارتنا إثيوبيا، فإن فكرة إنشاء متحف للقتل خارج القانون وللتعذيب تصبح فكرة ممكنة التطبيق.

    زرت قبل بضعة أعوام "متحف شهداء الرعب الأحمر"، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وهو متحفٌ متواضعٌ يصور سنوات الرعب التي عاشها الإثيوبيون تحت الحكم الشيوعي بقيادة منغستو هيلامريام الذي شغل الفترة من 1974 إلى 1991. يضم المتحف صورًا للناشطين الذين جرى قتلهم، وقصص قتلهم بتوثيق دقيق يشمل رصدًا للأحداث التي جرت في فترة الرعب الأحمر الرهيبة. هذا المتحف مفتوح للجمهور الإثيوبي ولزوار إثيوبيا. كما تجري زيارات للمتحف من طلاب المدارس. هذا النوع من المتاحف يبقي الذاكرة الجمعية للشعب متقدة. فقيام اختصاصيون محايدون بتوثيق جرائم القتل التي تمارسها السلطات خارج نطاق القانون، إضافة إلى ممارسات التعذيب، مأخوذة من أفواه الضحايا، ومن شهاداتهم المكتوبة، مع الشروح والصور، يفتح مجالا للتعليم الخلقي، كما يفتح بابًا لإبراء الجراح. ويصبح مثل هذا المتحف جهةً مرجعية، يمكن أن يؤخذ من المادة التي وثقتها، طرفٌ إلى مناهج المدارس، خاصة في مادة حقوق الإنسان، وما أصبح يسمى التربية المدنية civic education.

    لقد لاحظنا جميعًا حرص من قاموا بمذبحة فض الاعتصام على محو الجداريات التي حاول بها شباب الثورة تخليد صور من استشهد من زملائهم. السبب أن هذه الرسوم تقض مضاجعهم وتؤرق ضمائرهم التي يريدون لها أن تظل نائمة. وما من شك أن في حرصهم على محو تلك الرسوم دلالةٌ بليغةٌ على قوة تأثيرها، المتمثلة في رسالتها الأخلاقية التي تصل إلى أعماق الضمير. فالتعليم الأخلاقي لا يتم بالوعظ، وإنما بالصورة والنصوص المزلزلة، التي تصل إلى أكثر النفوس كثافة، وأكثر القلوب والعقول إظلاما.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-23-2020, 06:07 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هكذا تنهار الدول

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 مايو 2020

    من يتأمل المشهد السياسي الراهن ويربط بينها وبين الأحوال العامة للبلاد، عبر العقود الستة ونيف الماضية، يشاهد بوضوح كيف أن الدولة السودانية تتآكل، وتغذ السير بصورةٍ حثيثةٍ، نحو الانهيار. ولا جدال، البتة، في أن أكبر قدر من التآكل والانحدار صوب الهاوية، قد جرى في ظل حكم الإنقاذ الغاشم. فقد كان حكمًا تأسس منذ البدء، على الجهل الموبق بطبيعة السودان والسودانيين. كما تأسس على الرعونة، وعلى بداوات لأنفسٍ كزة، تجانفت عن الحق وعن الخير والفضيلة. وهو فوق ذلك، كان حكمًا بلا خطة، وكان فاسدًا وعنيفًا، لم يكتف بتخريب البنى السياسية والإدارية والخدمية والوأد الممنهج لمبادرات المجتمع المدني، وإنما أعمل معاوله هدما للنفوس فأحدث فيها خرابًا فظيعًا. الأحداث العنيفة التي توالت في غضون الأسبوعين الأخيرين، تقريبًا، في كل من دارفور، وكسلا، وكادوقلي، ومستشفى أمدرمان، لهي من أبلغ الدلائل على هذا التخريب المريع الذي طال النفوس. فقد وقفت وراء كل هذه الحوادث المؤسفة أيادي أقوام لا خلاق لهم. أقوام ذاقوا طعم السلطة، وطعم الوجاهة الزائفة، واعتادوا على نهب المال العام، فصعب على نفوسهم الفطام.

    في هذه اللحظة المفصلية التي نمر بها الآن، وبعد هذه الثورة العظيمة، التي مثلت تطلعًا غير مسبوق نحو الحق والعدل والأمن المجتمع والنهضة الشاملة، لا يقع اللوم على الإنقاذيين وحدهم. وإنما يقع على من يديرون هذه الفترة الانتقالية، بهذا القدر من اللامبالاة والتراخي، والصمت المريب. فالإنقاذيون أصلا لم يكونوا ليفعلوا غير ما يجري منهم الآن من أعمال بالغة الخسة. فهم قد صُمموا ليكونوا على هذه الصورة، ولسوف لن يتغيروا في المدى المنظور. غير أنهم لم يكونوا ليسيروا في التخريب، بمثل هذه الوتيرة المتسارعة، وهذه الجرأة لولا أنهم تأكدوا بأن من يتولون أمر الدولة الآن بلا وعيٍ دولتيٍّ، وبلا عزيمة، وبلا شعور بالمخاطر. ولربما عرف الإنقاذيون أن بعضًا ممن بيدهم الأمر، يستثمرون معهم في هذه الألاعيب الخطرة، كل وفقًا لأجندته قصيرة النظر.

    الأحداث المتسلسلة التي حدثت في مختلف الولايات، إضافةً إلى خروج السيد الصادق المهدي من قوى الحرية والتغيير، ألى جانب الشروخ التي حدثت في محادثات السلام في جوبا، تدل كلها أن بعضا من نخبنا السياسية لا ترى أبعد من أنفها. بل هي لا تهتم بغير مصالحها المباشرة التي أعمت أعينها عن رؤية المخاطر الماحقة التي يمكن أن تنجم من مثل هذا الشقاق . وإذا أضفنا إلى ذلك الصمت الحكومي تجاه ما يحدث، والتراخي الشرطي، وغياب الجهاز العدلي، وعدم إطلاع الناس على ما جرى للمتسببين في هذه الأحداث، واكتفاء الإعلام بنقل مراسيم التوقيع على اتفاقيات الصلح بين الأهالي المتحاربين فإن صورة سقوط هيبة الدولة وانحلال عزيمة من يقومون على أمرها، يصبح أمرا شديد الوضوح. من يقرأ التاريخ يجد أن ما يجري الآن هو مطابق لكل الحالات التي عادة ما تسبق انهيار الدول. كان الإنقاذيون يخيفون الناس من الثورة، بمصير العراق وسوريا وليبيا، غير أنهم الآن هم الذين يقودون البلاد إلى تلك المصائر ولا يجدون من يردعهم. بل، ويساعدهم في ذلك بغفلةٍ عجيبةٍ، وربما بغرض، بعض من الطيف السياسي؛ ممن هم في سدة الحاكم، وممن انشقوا عن حاضنته السياسية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-24-2020, 12:14 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإمام والانغماس في الذاتي

    النور حمد

    صحيفة التيار 24 مايو 2020

    من أشق الأمور على النفس نقد بنية وعي شخصٍ بعينه، لكن المرء يجد نفسه مجبرًا أحيانا على فعل ذلك، خاصةً حين يتصل الأمر بالصالح العام. فالسيد الإمام، الصادق المهدي، زعيم طائفة دينية كبيرة، وهو علاوة على ذلك، رئيس حزبٍ كبير. وقد كان منذ ظهوره في مسرح السياسة في ستينات القرن الماضي، وحتى انقلاب الإسلاميين على حكومته في يونيو 1989، شخصًا مثيرًا للجدل وللزوابع السياسية. وقد، بلغت إثارته للجدل ذروتها عبر أعوام الإنقاذ الثلاثين، وصولاً إلى ثورة ديسمبر المجيدة. هذه المقالة تعليقٌ مقتضبٌ على مقطع فيديو قصير، مقتطفٍ من مقابلة أجراها معه الأستاذ بابكر حنين، شاع تداوله مؤخرًا في وسائط التواصل الاجتماعي. في هذا المقطع وردت على لسان السيد الصادق المهدي جملةٌ، قال فيها: "أنا يا حبيب عندي صفات غير موجودة، لا في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي ... دي صفات نادرة".

    هذه الجملة بالغة الغرابة والخطورة، تصلح لأن تكون مفتاحًا لفهم شخصية السيد الصادق المهدي، ولفهم مناوراته السياسية الجمة التي لم تتوقف منذ ظهوره الأول في الساحة السياسية السودانية، في ستينات القرن الماضي، وحتى خروجه الأخير من قوى الحرية والتغيير، عقب طرحه ما أسماه "نحو عقد اجتماعي جديد". لقد عكس ما جهر به السيد الصادق المهدي تضخمًا للذات، بلغ حدًا منح به نفسه فرادة لا نظير لها في العالمين العربي والإسلامي، اللذين يبلغ تعداد سكانهما ما يزيد على المليار شخص. تقرع تلك المقولة في عقل كل شخص يفكر باتزان، مهمومٍ بمصير البلد، أجراس الخطر. فوصول شخصٌ بهذا التصور للذات، أو أي واحدٍ ممن حوله، ممن يشاركونه رأيه هذا عن نفسه، إلى قيادة الدولة، سيضع البلاد في كف عفريت. فالقيادة في المجال السياسي العام تقتضي الاتزان النفسي، والرؤية الموضوعية للأمور. لا مجال البتة في السياسة المعاصرة للغنوص، وللشعور بالاصطفاء الإلهي. بل إن كل شخص في التاريخ، رأى في نفسه بشرًا استثنائيًا، تسبب في كوارث يشيب لها الولدان.

    تشرح فكرة الإمام الصادق المهدي عن نفسه، التي عبر عنها في هذه المقابلة كثيرًا مما غمَّ علينا من تصرفاته السياسية. فهي، على سبيل المثال، شرحت استخفافه بالثورة، ومحاولته خلق تحالف مع الإسلاميين، وربما مع غيرهم، لقلب الطاولة على الفترة الانتقالية. كما أبانت دوافعه للتقدم بمقترحه الضرار، "نحو عقدٍ اجتماعي جديد"، الذي وضع فيه نفسه في موضع ماكينة القاطرة، والآخرين مجرد مقطوراتٍ، تصطف خلفه. هذه الفكرة المتضخمة عن الذات، والشعور بالانتداب الإلهي، هي نفس الفكرة التي امتلأ بها عقل الدكتور حسن الترابي، فأربك بها المشهد السياسي السوداني لخمس عقود. حاول الترابي جعل السودان منصةً تنطلق منها أممية إسلامية تكتسح العالمين العربي والإسلامي. لكن، كانت النتيجة أن انتهينا أسرى لأفسد وأتعس وأعنف نظام حكم عرفه السودان. الجامع بين السيد الصادق المهدي، وبين الشيخ حسن الترابي هو وهم الدولة الدينية، ووهم القيادة الإسلامية المتجاوزة لحدود القطر. من زار السيد الصادق المهدي، مؤخرًا، من دهاقنة قدامى الإسلاميين، يعرفون سيطرة هذا الوهم عليه. وبالفعل، لم يخيب ظنهم فيه. فبعد نحو أسبوعٍ من تلك الزيارة، خرج الإمام من صفوف الثورة، لينزلق، فيما أحسب، متاهته الأخيرة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-26-2020, 05:53 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فلنتعلم من إخوتنا الأفارقة

    النور حمد

    صحيفة التيار 26 مايو 2020

    في عقد الاستقلال الإفريقي، وهو عقد الخمسينات من القرن الماضي، كان السودان قطرًا علمًا تتطلع إلى أحواله كثيرٌ من شعوب القارة. بمقاييس تلك الفترة، كان السودان قطرًا متقدمًا نسبيًا؛ في نظامه التعليمي، وفي بنيته التحتية، وفي خدمته المدنية، وفي مجمل جهازه الإداري. علاوة على ذلك، بدأ السودان استقلاله قطرًا ممارسًا للديمقراطية، بل، إن استقلاله نفسه، جرى إعلانه من داخل برلمانه المنتخب. مر عقد الاستقلال والعقد الذي يليه ودخلت عبرهما كثيرٌ من دول القارة، في حقبة الحرب الباردة، في دورة الانقلابات العسكرية المنهكة، والحروب الأهلية الداخلية التي عصفت بالاستقرار وبفرص التنمية. لكن، لم تكن النخب السياسية التي استلمت مقاليد الحكم من المستعمر، في السودان، جاهزة ًحقًا لإدارة قطرٍ بحجم وتعقيد السودان. بل، إن من أغرى العسكر بالانقلابات العسكرية هم السياسيون المدنيون. وقد أُهرق في هذا مدادٌ كثير، ولا أود الخوض فيه في هذه العجالة. مأ أود الخوض فيه هو أن إخوتنا الأفارقة الذين ترنحوا مثلنا بُعيد الاستقلال، ما لبثوا أن ثبتت أقدامهم، وشرعوا في النهوض من جديد. هذا، في حين غرقنا نحن أكثر، وأكثر، في وحل القعود والتراجع.

    وقوعنا في البرزخ الفاصل بين العالمين العربي والإفريقي، واحتلال جغرافيتنا لمعظم حوض وادي النيل، جعلنا على رأس الأهداف المصرية. استتبعتنا القومية العربية وقضية فلسطين وأخرجتانا من خدمة أجندتنا الوطنية لنصبح في خدمة أجندة قوى تقع وراء حدودنا، طرفاها القومية العربية والشيوعية الدولية. ومن مصر، أيضًا، وفد إلينا تيار الإسلام السياسي وأعمل فينا معاوله، حتى تمكَّن من سرقة بلادنا لثلاثين عام؛ بدأها بوهم تصدير الثورة الإسلامية إلى العالمين العربي والإسلامي، وأنهاها بأكبر فشلٍ وفسادٍ مؤسسي عرفته دولةٌ معاصرة. من جانب آخر، أسهم تولي السيد الصادق المهدي زعامة حزب الأمة، وهو الحزب الذي كان على رأس الأحزاب الاستقلالية، في أن يتراجع الحزب، ويتقدم انجرار زعيمه وراء أوهام عولمة الإسلام، والاصطفاف مع إيران، خارجيًا، والتماهي داخليًا مع أجندة الإسلام السياسي. أما اخوتنا الأفارقة فقد انحصروا في أجندتهم الوطنية، وحققوا قدرا من الوحدة الوطنية مكنهم من النهوض. وبقينا نحن نصطرع أيديولوجيًا في وقتِ غربت فيها شمس الإيديولوجيا القابضة في كل العالم. باختصار، أصبحنا قطرًا بلا هوية وطنية، وبلا استقلالية في القرار السياسي والاستراتيجي. وأصبحنا، من ثم، نهبًا للأجندة الخارجية، حتى بلغ بنا الهوان حدَّ أن طمعت فينا دول الخليج، التي تخوض، بسبب تخمة المال، حروب وكالة عبثية ضد بعضها في عدد من الأقطار العربية.

    خلاصة القول، إن من أوجب المهام بعد هذه ثورة ديسمبر العظيمة، الخروج من هذا الانجرار المهين وراء القوى الخارجية، ورسم سياسة خارجية مستقلة تضع حماية أراضي البلاد ومقدراتها وكرامتها الوطنية فوق كل شيء. معظم سكان إثيوبيا مسلمون، ومعظم سكان تشاد مسلمون، ومعظم سكان إريتريا مسلمون. بل إن العربية هي لغة أكثرية التشاديين، والإريتريين. ومع ذلك لا نرى لدى جيراننا هؤلاء انجرارًا وراء الأجندة العربية والإسلاموية. هذه الدول الثلاث محترمةٌ مهابةُ الجانب، لا يطمع فيها طامع. ودولتنا مع كل توفر فرص المنعة، أضحت فضاءً مستباحًا لكل طامع. والعلة، كل العلة، في هذا العقل المُحتَل، المُستتبَع، الجاهل بهويته، وأيضًا في القادة المنحبسين في وهم الدولة الدينية، الراكضين وراء الأوهام، المتطلعين، بلا إمكانيات مادية ، وبلا مؤهلات من أي نوع، لأدوارٍ عالمية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-27-2020, 05:22 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    كورونا والتدين الرعوي

    النور حمد

    صحيفة التيار 27 مايو 2020

    بصورة عامة يمكن القول إن تجربة جائحة كورونا أثبتت أننا أقل الشعوب انضباطا والتزاما بالتوجيهات الحكومية. وقبل ذلك، أقل انضباطا في أتباع ما تقتضيه الحكمة الدينية الواردة في أحاديث النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فالحكمة الدينية تقول إن السلامة ودرء الضرر مقدمةٌ على كل شيء. فالنص النبوي الشريف، يقول: "إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا". وتقول الآية الكريمة "وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ". غير أن نمط التدين الرعوي له منطقه الخاص، وتأويلاته التي تحبسه في التدين المظهري، وتجعله يتجافى عن صريح النص ومؤدى الحكمة. يتمرد التدين الرعوي على حكمة الدين، إن هي ضيقت عليه المساحة التي اعتاد عليها، وطالبته بتفهم الضرورة، ومراعاة أحكامها، التي نص عليها الدين حرفيا.

    يغيب على أصحاب هذا النمط من التدين أن حظ النفس يمتزج أحيانا بدعوى الحرص على الدين. أعني، الحرص على الطقس أو الشعيرة الدينية المعينة، أو الذهاب إلى المناسبات الدينية الحاشدة، في حين يكون الواجب المباشر هو تجنبها. مثال ذلك: صلاة الجماعة، أو تشييع جنازة، أو تقديم واجب العزاء، في زمن استحكم فيه الوباء. يميل العقل الرعوي في تدينه إلى التشدد والغلو. ولسنا بحاجة لضرب الأمثلة بطالبان، وبداعش، وببوكو حرام، وبالشباب الصومالي، وبمجمل الطيف السلفي الجهادي. يختلط التشدد والغلو في كثير من الأحيان، بحظ النفس، وبمجافاة مقاصد الدين العليا. فالحكمة الدينية المتمثلة في الحرص على حفظ النفس، وأنفس الآخرين من الأذى، لا تحتاج إلى حجاج أو دليل، لكن هذا النمط من العقول لا يرى تلك الحكمة، لأنه يجد متعة في التمرد على السلطة، سواءً كانت دينية، أو سياسية، أو قانونية، وفي عموم العصيان، من أجل إثبات الأنا وتأكيدها. تنعجن كل هذه الدوافع الملتبسة مع نزعة إفحام الآخر الداعي إلى إعمال العقل، فتتخذ من إبداء الحرص على إقامة الشعائر، واحتكار منصة المدافع عن الدين مركبًا للتغلب عليه يجري استخدام الدين لخدمة الرعونة، والصلف الشخصي، والأنا المتضخمة، اللامبالية، التي تستمتع بالموقف المعاند – مجرد الموقف - بغض النظر عن نتائجه الكارثية. وهكذا يضرب هؤلاء بحكمة الدين، ونور العقل، وتوجيهات أهل الاختصاص في الحقل الصحي، عرض الحائط.

    شاهدنا طيلة شهر رمضان المنصرم العديد من التفلتات، من بعض الأئمة، ومن بعض المجموعات في الأحياء، ومن الأفراد، الذين أقاموا الصلوات الجماعية. بل ومن بعض الطرق الصوفية، التي شيعت شيوخًا كبارًا كرامًا، انتقلوا إلى جوار ربهم، عليهم رحمة الله ورضوانه، بحشودٍ ضخمةٍ متراصةٍ، متلاصقة. وقد قاد هذا المنحى، منذ البداية، كارهو الثورة، العاكفين على شيطنة قواها. لكن حين طرق الوباء عتبات دورهم عرفوا أن هذه الجائحة حقيقية، فتراجعوا، وتلك فضيلة. أما قناة الجزيرة، المُشيطن الأكبر للثورة ولقواها، فقد تبرعت، في بدعةٍ غير مسبوقةٍ، بنقل صلاة التراويح من منزل أحدهم بالخرطوم، في الوقت الذي كانت فيه، ولا تزال، صلاة الجماعة ممنوعةٌ في مساجد الدوحة، بأمر السلطات. إن أسوأ عملٍ يلقى به المرء ربه لهو الاتجار بدين الله لتجريم الآخرين بغير وجه حق، من أجل كسبٍ سياسي، لن يزن عند الله مثال ذرةٍ، يوم تُنصب عنده موازين الحساب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-28-2020, 01:34 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الطائرة الاسرائيلية والنفي المضطرب

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 مايو 2020

    ظللنا نعاني عبر تاريخنا السياسي المعاصر من أزمة مستحكمة في الوضوح والشفافية في العلاقة بين المسؤولين الحكوميين والشعب. تتغير الأوضاع لدينا بالانقلابات العسكرية وبالثورات، لكن يبقى سلوك المسؤولين في الدولة فيما يتعلق بالجنوح إلى التعمية، والغموض، وعدم الشفافية، كما هو، بلا تغيير. من منا لا يعرف اليوم أن التطبيع مع إسرائيل أصبح واقعًا معاشا، في كثير من الدول العربية، فلماذا نواريه عن الشعب السوداني متوهمين أنه يقف ضده. من المخجل أن يتعامل مسؤولونا مع الإسرائيليين سرًا، وينكرون ذلك التعامل معهم في العلن. إن الذين يرفعون سلاح الإرهاب بتصوير أن التطبيع مع اسرائيل خط أحمر، يعلمون علم اليقين أن الدول الداعمة لهم، وهي قطر وتركيا، لها علاقات وطيدة مع إسرائيل منذ وقت طويل. لكن، رغم كل ذلك لا يزال المسؤولون الحكوميون لدينا يمارسون سياسة التعمية والإخفاء، واضعين كل فئات الشعب، بلا استثناء، في خانة القصور وقلة النضج وعدم الأهلية لمواجهة الحقائق، ويتصرفون بهذه البهلوانية التي تثير نحوهم الشعور بالرثاء.

    تردد أول أمس أن طائرة إسرائيلية هبطت في مطار الخرطوم. ولأن كارهي الثورة يبحثون عن كل شاردة وواردة لشيطنة الثورة وحكومة الفترة الانتقالية، فقد زحم خبر هذه الطائرة وسائط التواصل الاجتماعي. ولأن تابوو التعاطي مع إسرائيل لا زال يعشش في أدمغة بعض هؤلاء المسؤولين المساكين، فقد هرعوا في ذعرٍ وعجلة قاتلة إلى نفي الخبر. بل ذهبوا في النفي مذهبًا يطعن في المصداقية ويجلب السخرية. فقد قالوا إن السلطات السودانية لم تسمح أصلاً للطيران الإسرائيلي بعبور أجواء السودان، دع عنك أن تتركه يهبط في مطار الخرطوم. وهذه كذبة بلقاء لم يكن هناك داعٍ أصلا للتفوه بها في هذا النفي. وهو نفي لا ضرورة له أصلا، سواء أن هبطت تلك الطائرة أو لم تهبط في مطار الخرطوم، لولا الخوف والتلفت، فزعًا، من فوق الأكتاف.

    لقد سمح السودان عقب لقاء البرهان بنتنياهو في كمبالا، في بدايات فبراير الماضي، بعبور الطيران الاسرائيلي أجواءه. وقد أعلن نتنياهو بنفسه خبر عبور أول طائرة إسرائيلية أجواء السودان في اليوم التالي لعبورها. وقد أوردت الخبر قناة الجزيرة في 16 فبراير، نقلاً عن موقع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية. المدهش، أن تركيا المتضامنة مع قطر في تعويق ثورة السودان أرسلت قبل بضعة أيامٍ معدات طبية إلى إسرائيل. وبعدها بيوم هبطت طائرة إسرائيلية في مطار اسطنبول. لكن، سيرًا على نهجها في ازدواجية المعايير، لم تنشغل قناة الجزيرة، ولا رهطها هنا في السودان، بهذين الحدثين. فيا أيها المسؤولون في السودان عاملوا شعبكم في مستوى درجة الوعي الذي يتمتع به. وضعوا بطاقات اللعب مع إسرائيل، جميعها، فوق الطاولة. فأغلبية هذا الشعب لم تعد أسيرة لتابوو تطبيع العلاقة مع إسرائيل. بل إن أهل القضية أنفسهم لم يعودوا يتقيدون بذلك التابوو، وبلغوا في التطبيع معها درجة جعلتهم يذهبون لتأدية واجب العزاء في موتى أسر القادة الإسرائيليين.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-29-2020, 04:55 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ممارسة السياسة بهدم القيم

    النور حمد

    صحيفة التيار 29 مايو 2020

    البيئة السياسية السودانية بيئة معلولة بنيويًا. الحاضر فيها على الدوام هو مجافاة القيم وهدم الثوابت من أجل الكسب السياسي. فالهدف هو الكرسي، ولا يهم ما هي الوسيلة التي يجري اتخاذها للوصول إليه. بدأت ظاهرة التكسب السياسي بخنق المواطن عن طريق افتعال الأزمات، ودفعه ليثور، في فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري. وكل الذين عاشوا تلك الفترة يذكرون متسلسلة الأزمات المتلاحقة. كنا نصحو فنجد الصلصة قد اختفت من الدكاكين، وما أن تُحل مشكلة الصلصة، تنعدم زيوت العربات. فمرَّةً يختفي زيت الماكينة، ومرة يختفي زيت الفرملة. ثم نخرج من هذه فندخل في أزمة خبز، أو ذرة، أو فحم، أو زيت طعام، أو بصل، وهكذا دواليك. ويبقى المواطن المغلوب مسحوقًا بين حكومة مكبَّلة، ومعارضين يتآمرون عليها، ليل نهار، يريدون كرسي الحكم بأي سبيل. يمثل هذا النهج، في نظري، قمة الاستخفاف بالمواطن. فالمواطن في تقدير هؤلاء، ليس عقلا يُخاطب بما يرفع درجة وعيه، وإنما مجرد بطنٍ يجري تجويعها، لكي تخرج إلى الشارع محتجّةً، وتصبح مركبًا يتخذونه مطيةً توصلهم إلى كرسي الحكم.

    هذا الفصل المحزن يعيد نفسه اليوم بزخم أكبر بكثير مما كان في فترة حكم نميري. فكارهو الثورة اليوم هم من كانوا ممسكين بمفاصل الدولة لثلاثين عاما. لذلك، تملك المعارضة اليوم قدرة على إنهاك الحكومة لا تقارن إطلاقًا بما كان في الماضي. والآن، كلما تحدث المسؤولون الحكوميون عن أن السلع قد تم توفيرها، يمد لهم الواقع العملي لسانه، ويقول لهم: "كضبًا كاضب". فصفوف الخبز تختفي ثم لا تلبس أن تعود، ويبقى الاصطفاف في محطات الوقود، كما هو. أما الدولار الذي قفز سعره إلى ثلاثة أضعاف على ما كان عليه قبل بضعة أشهر، فهو أم الكوارث التي سوف تسحق المواطنين سحقا. أكثر من ذلك، دخل هذا النمط من المعارضة اللاأخلاقية الآن طورًا جديدا. فبعد أن كان السلاح المستخدم في الماضي هو سلاح تجويع المواطن وإرهاقه وجعله يعيش حالة من عدم الطمأنينة الدائمة تجاه معاشه، تحول الآن إلى قتلٍ مباشرٍ له، بتعريضه بقصد، لهذا الوباء الفتاك. يتزايد التحريض على التمرد على ترك صلاة الجماعة في المساجد، ويجري الاعتداء على الطواقم الطبية. والغرض هو أن يتفشى الوباء وتُرهق الكوادر الطبية وتخرج من الخدمة وتخرج معها المستشفيات. ثم تكتمل هذه الدائرة الشريرة بانعدام الأدوية؛ بما في ذلك المنقذة للحياة.

    الذين يقومون بهذه الأعمال يظنون أن الشعب غافل عما يصنعون. وقديما قيل إن الغبي هو من ظن بالآخرين الغباء. لن تنجح هذه الأفعال الدنيئة أبدًا، لأن الوعي الشعبي تخطى هذه العتبة. فالشعب أصبح في مجموعه قادرًا على التمييز بين العمل المعارض النظيف وبين هدم القيم. فرعاية الثوابت الأخلاقية هي ما نهضت بها كل الأمم العظيمة، التي يصفها أنصار الدولة الدينية لدينا، بالكفر والعلمانية والانحلال الأخلاقي. المؤسف أن هدم القيم يُمارس عندنا باسم الدين. ومن يمارسونه لا يهمهم إن هلك الناس جميعًا أو انهارت القيم الفاضلة أو فشت المكيدة والحيلة في حياتنا. نحن الآن في منعطف تاريخي سوف تحدث فيه إرادة السماء الغالبة فرزًا أخلاقيا حاسمًا للخبيث من الطيب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-30-2020, 06:18 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    سوف لن يصح إلا الصحيح

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 مايو 2020

    الصحيح الذي لن يصح شيءٌ غيره، هو النظام الديمقراطي، الذي لا يقصي أحدًا، ما دام قد رضى اللعب وفق قواعده وضوابطه ومحاذيره. وهذا المكتوب موجهٌ لكل من يظن أن المسار نحو الديمقراطية يمكن قطعه. فإرادة الشعوب من إرادة الله، ومن يغالبها مهزومٌ حتمًا، طال الزمن أم قصر. وفي التاريخ من الشواهد على هذا ما يكفي. في الأوضاع الانتقالية التي تمر بها الشعوب غير النامية، يصل إلى مواقع السلطة من ليس لهم إلمامٌ بالتاريخ، ولا بتطور المجتمعات، ولا بمرحلية أنظمة الوصاية والاستبداد. لقد وقعت أقطارٌ شتى في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، والعالم العربي، في مستنقع الأنظمة الشمولية، عقب الاستقلال. لكن، خرجت كثيرٌ من أقطارٌ أمريكا اللاتينية وآسيا من ذلك المستنقع، وبقيت بعض الأقطار الإفريقية، وكثيرٌ من الأقطار العربية، مقيمة فيه، إلى الآن. لكن، في نهاية المطاف، ستسقط كل الأنظمة الشمولية، وعلى رأسها تلك التي تستغل الدين لتكريس الاستبداد والفساد، كنظام البشير الذي قدم النموذج الأبرز في العالم لهذا النمط.

    الذين يريدون قطع الطريق على المرحلة الانتقالية لا يريدون للبلاد أن نصل إلى مربع اللعب النظيف، لأنهم لم يعتادوا عليه، بل، إن بنية وعيهم نقيضةٌ تمامًا للعب النظيف. ولأنهم يعرفون تراجع سندهم الجماهيري، وخواء خطابهم السياسي، وفساد تجربتهم الطويلة التي حطمت البلاد وأزهقت ملايين الأرواح، فأنهم يحاولون عرقلة الوصول إلى نقطة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. يريدون ألا ينشئ شباب الثورة، والقوى غير المنظمة، حزبًا جماهيريًا جديدا. كما لا يريدون لبقية الأحزاب أن تجد وقتًا تنظم فيه صفوفها، بعد التهشيم الذي ألحقوه بها في الثلاثين عامًا الماضية. أيضًا، لا يريدون أن تتبدل قوانين الانتخابات التي حاكوها لتخدمهم، دون غيرهم. ولا يريدون أن يفقدوا القوائم الزائفة التي كانوا يفوزون بها، وكذلك، مال الشعب الذي احتازوه بالحرام. لذلك، شرعوا في مغازلة بعض قادة العسكر، الحالمين مثلهم بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، للقيام بانقلاب عسكري. يمهدون لهذا الانقلاب، الآن، بشيطنة الفترة الانتقالية، وبخنق السوق، وبافتعال التفلتات الأمنية. يريدون انقلابًا عسكريًا يوقف كل إجراءٍ يستهدف فك قبضتهم الطويلة على السلطة والثروة والتشريع، ويشطب لهم هذه الثورة من سجلات التاريخ.

    على ظهر هذا المركب الغارق يجلس الآن المؤتمر الوطني، بكل تاريخه المخزي. وعلى ظهره أيضًا طيفٌ واسعٌ من بقية الإسلاميين، الذين تقف من ورائهم قوى خارجية. وقد انضم إلى المركب، مؤخرًا، السيد الصادق المهدي، لنفس الأسباب. عرف هذا الطيف أن الثورة أصابت جماهيريته في مقتل، فشرع عبثًا، وبلا حياء، في محاولة إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، عن طريق العسكر. ما لم يعه هؤلاء، أن هذه الثورة إنما جاءت لتبقى. فنحن الآن في قلب اللحظة التاريخية التي ستبدأ فيها ثورات الشعوب في الثبات، وفي الانعتاق النهائي من أنظمة الاستبداد، والفساد، ليتسنى لها الانطلاق في مسارات الحرية والديمقراطية والنهضة الشاملة. لقد مرت الحقبة التي كانت فيها الثورات تُهزم، على الأقل، أراها مرت فيما يخص هذه الثورة السودانية العظيمة، التي لا يزال ثوراها واقفين على أمشاط أصابعهم. لكن، ربما يقوم كارهو الثورة بمغامرة حمقاء، غير أنهم سيندحرون. إنهم من شاكلة القوم الذين لا يتوبون ولا هم يذكرون.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2020, 07:47 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ضائقة غذائية في الأفق

    النور حمد

    صحيفة التيار 31 مايو 2020

    من مشاكلنا المزمنة انعدام التفكير الاستراتيجي وضعف الاستشعار المبكر. ينطبق ذلك على كل سياساتنا؛ في الاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والتنمية، والخدمات. ويكمن أصل المشكلة في مجمل بنية الوعي، خاصةً وسط من يتصدرون منا المشهد السياسي. ولو تأملنا فقط، انعدام الحديث عن الآثار الكارثية التي يمكن أن تسببها جائحة كورونا وسبل مواجهتها، لتبين لنا غياب الرؤية. وأما إعلامنا الإنقاذي فغارقٌ في "الفارغة والمقدودة"، وكأننا نعيش في دولةٍ للرفاه. ففي الوقت الذي تشير فيه كثيرٌ من المؤشرات إلى أن جائحة كورونا ستكون لها آثار كارثية مدمرة على اقتصاديات كبرى الدول الصناعية، دع عنك الدول الهشة، نجد أن بعض قنواتنا الفضائية منشغلةً بمحاورة فنانٍ مغمور، شاع عنه أنه يأخذ حقنًا تصل قيمة الواحدة منها 6000 دولار، لكي يحصل على لون بشرةٍ فاقع.

    أرسل مدير البنك الزراعي، مؤخرًا، رسالة إلى الجهات الحكومية في المركز والولايات، ينبه فيها إلى أن العجز في محصول الذرة، وهو غذاء البلاد الرئيس، بلغ هذا العام، 1.3 مليون طن. أي، نقص عما يكفي عادةً بنسبة الثلث. ولو أضفنا إلى ذلك، ما سبق أن نبَّهتُ إليه في عمودٍ سابقٍ من أن الدول المنتجة للقمح، ربما لا تتحمس لتصديره إلينا، بسبب تأثيرات كورونا على أمنها الغذائي، فإن الوضع يصبح أكثر خطورة. إن أكبر خطر يمكن أن يهدد أمن البلاد واستقرارها لهو الجوع، خاصةً في مثل هذا الظرف الاستثنائي القاسي. هذا الفيروس الفتَّاك الذي انطلق من معامل الحرب البيولوجية لا يعرف أحدٌ، حتى الآن، مدى تأثيراته الممتدة. فإلى جانب سياسة الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي التي ربما تطول، فتتسبب في تراجع معدلات الانتاج، فهناك أيضا احتمال أن يموت كثيرون. وأيضًا، ربما يصبح كثيرٌ من المتعافين، غير قادرين على العمل الشاق. وستكون الدول النامية هي الأكثر تأثرًا بذلك، لاعتمادها على الجهد البدني أكثر من الآلة.

    يسير العالم الآن نحو كارثة محققة، وبلادنا، بحكم ظروفها، سيكون نصيبها من هذه الكارثة أفظع من غيرها. رغم هذا المشهد القاتم تنفق فلول الإنقاذ وقتها في نثر الشائعات وتشجيع الناس على التمرد على النظم والتوجيهات، وخلق الندرة والتفلتات الأمنية. وفي الجانب الآخر من المشهد يتعارك بعض سياسيينا وبعض حركاتنا المسلحة، على كيكة المغانم، فيؤخرون مفاوضات السلام، وغيرها من الأمور الملحة، منشغلين بالحصول على أكبر عدد من مقاعد الولاة، وغير الولاة. يحدث هذا في الوقت الذي ينبغي أن يقف فيه الجميع على أمشاط أصابعهم. فيشتغل الخبراء والسياسيون وقادة المجتمع والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، في التنوير الوافي بكيفية التعاطي مع أسوأ السيناريوهات المحتملة. في بلادنا هذه تتوفر الأرض والشمس والماء، لكن، ليس هناك معرفة، وليس هناك عزيمة. على الدولة أن تنصرف بكليتها إلى كيفية إنجاح الموسم الزراعي القادم. وأن يتجه الجهد التنويري إلى الكيفية التي يمكن أن تجتاز بها الأسر السودانية الضوائق المحتملة. نريد حديثًا وحثًا على الزراعة حتى في الحيشان، خاصة في الريف. فالبطاطس والبامبي يمكن أن تسد محل الذرة والقمح، واللوبيا بأنواعها، والخضروات، والدواجن، يمكن تسهم في العبور وقت الضائقة. يقيني، أنه لا يجوع في هذا العصر، سوى جاهلٍ خاملٍ، لم يجد أمامه قادةً وعلماءَ يوجهونه، ويستنهضون همته.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

05-31-2020, 02:58 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-01-2020, 05:56 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حتى لا نكون مخلب قط

    النور حمد

    صحيفة التيار 1 يونيو 2020

    أعمال العنف على الحدود السودانية الإثيوبية ليست جديدة، فقد ظللنا نسمع عنها كثيرًا منذ عقود. ولقد تساهلت الحكومات السودانية المتعاقبة مع هذه الظاهرة، وبلغ التساهل في عهد الإنقاذ درجة اللامبالاة. والآن تصبح هذه السيولة فرصة سانحة للاستغلال السياسي، وأكثر من ينتفع باستغلالها سياسيا هي مصر، إلى جانب قوى سودانية مختلفة متقاطعة الأجندة. لذلك علينا أن نفكك الالتباس الذي يكتنف هذه الحالة المزعجة، بدل أن ننخرط باندفاع صبياني في دق طبول الحرب. علينا في البدء أن نتساءل: هل من مصلحة إثيوبيا وهي تستعد، وفقًا لخطتها، بدء ملء السد في هذا الخريف، أن تعتدي على السودان؟ الجواب في تقديري: لا. إثيوبيا أحوج ما تكون في هذه اللحظة إلى وقوف السودان إلى جانبها، أو، على الأقل، وقوفه في الحياد في نزاعها مع جمهورية مصر العربية.

    تعاني أثيوبيا من صراعات داخلية. وإقليم الأمهرا المتاخم للحدود السودانية إقليم مضطرب. فبعض قيادات الأمهرا، ظلت غاضبةً منذ الإطاحة بالنظام الإمبراطوري، الذي كانوا سدنته. وبعد أن اضمحلت سلطة التقراي وصعد أبي أحمد، تحول الغضب نحو الأورومو. متعصبو القومية الأمهرية ومتعصبو القومية التقراوية الذين فقدوا السلطة يمكن أن يصبحوا أداةً لحرب وكالة، تزعزع الاستقرار الداخلي لإثيوبيا، وتخرِّب، في نفس الوقت، العلاقات السودانية الإثيوبية. ولقد ظل القرن الإفريقي، عبر الخمسين سنة الماضية، مرتعًا خصبًا لحروب الوكالة. كتب الصحفي الإثيوبي نور الدين عبدا أن أحداث الفشقة ليست سوى محاولة لتحويل السودان إلى ميدان معركة لتصفية الحسابات الإقليمية. وأضاف، أن ما يجري في الفشقة ليس نزاعًا بين دولتين بقدر ما هو صراع بين المجموعات المحلية من أجل النفوذ والمصالح. ويرى عبدا أن إثيوبيا لن تتجه إلى التصعيد، وإنما ستتجه إلى التعاطي مع القضية عبر الأقنية الدبلوماسية. وبالفعل، جاء بيان الخارجية الإثيوبية، بالأمس، هادئًا ومتعقلا.

    ما لفت نظري في هذه القضية، وهي قضية علاقات خارجية، تقع في اختصاص وزارة الخارجية ومن ورائها مجلس الوزراء، ظهور ضباط الجيش في منطقة الحدود وهم يدلون بتصريحات للإعلام، في أمر ليس من اختصاصهم. وهذا أمرٌ يشير إلى أن وراء الأكمة ما وراءها، لأن ليس من مهام الجيش أن يتناول النزاع مع دولة جارة في الإعلام. مهمة الجيش هي الاستعداد، وإظهار القوة في صمت، وإدارة الحرب إذا أعلنتها الدولة.

    لقد استدعت وزارة الخارجية السفير الإثيوبي وأبلغته احتجاج السودان، وهذا هو النهج الصحيح. فمن حقنا على إثيوبيا أن تسيطر على إقليم الأمهرا، وألا تتذرع بأن ما يجري ليس سوى عمل عصابات. ينبغي على إثيوبيا ألا تسمح لمزارعيها بتجاوز الحدود الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة. لكن، هناك سؤال لابد من توجيهه لضباط الجيش الذين تصدروا المشهد وهو: لماذا لم تخرجوا إلى الإعلام وتطلقوا مثل هذه التصريحات وحلايب ظلت محتلةً منذ عام 1995؟ الصور التي تدور الآن في وسائط التواصل الاجتماعي، توضح أن مصر فرغت تمامًا من تنمية حلايب وحولتها إلى مزارٍ سياحيٍّ لتصبح غردقةً ثانية. هذه الازدواجية في المعايير تضرب الجدية والمصداقية في مقتل. ثم إن الشعب السوداني يعرف أن البلاد لم تشهد تفريطًا في السيادة الوطنية، والتراب الوطني، كالذي شهدته في عهد الانقاذ.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2020, 08:18 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مما كشفته أحداث الحدود الشرقية

    النور حمد

    صحيفة التيار 2 يونيو 2020

    كشفت الأحداث التي جرت على حدودنا الشرقية، حقائق ظلت غائبة، فيما يبدو، رغم أن أحداث العنف في هذه المنطقة تكررت كثيرا. من الحقائق التي لفتت نظري أول أمس، معلومة أوردها أحد الصحفيين استضافته قناة سودانية 24، وهي أن كثيرًا من المزارعين السودانيين ظلوا، على مدى ما يقارب الخمسين عامًا، يؤجرون أراضيهم للمزارعين الإثيوبيين، لقاء مبالغ باهظة. ودعونا نتصور أراضي زراعية يؤجرها المزارعون السودانيون للإثيوبيين، ولا أدري إن كان هذا بعلم الدولة أم من وراء ظهرها، وأن يظل هذه العمل جاريًا لعشرات السنين، ثم لا يجد منا التفاتا أو نقاشا. وسواء ظل هذا يجري بعلم السلطات، أو بغير علمها، فإن المزارعين السودانيين، فيما يبدو يتركون أمر الأرض للإثيوبيين، ولا ينشغلون بغير ما يقبضونه منها من ثمن. دعونا نتصور التغيرات الديموغرافية التي يمكن أن تحدث في عشرات السنين في هذه المزارع. فهناك عمالة إثيوبية، تعمل في هذه المزارع، وربما نشأت قرى إثيوبية بأكملها عبر هذه العقود، ونشأت معها منظومة خدمات مختلفة. مثل هذا الوضع السائب يجعل الإثيوبيين يشعرون بملكية هذه الأراضي؛ إما بسبب فلاحتها لوقت طويل، أو بسبب ما يشبه وضع اليد عليها. لذلك علينا أن ننشغل ببحث التداخلات الديموغرافية والمصالحية الكثيفة في هذه المنطقة. نحتاج أن نصل إلى جذور هذه الممارسة الخاطئة، التي استمرت طويلا. فهذا أمر يحتاج أن يدرس بعناية وأن تُراجع فيه اخفاقاتنا واخفاقات الإثيوبيين في حوار علمي، شفاف وبناء، بدل أن نهرب إلى الأمام، باحثين عن الحل في حرب.

    ما جرى في الأيام الماضية من قرع لطبول الحرب أمر يثير الدهشة. هذه مشكلة نحن طرف فيها ولذلك علينا أن نعمل على حلها ببحث علمي يجريه خبراء ملمون بتعقيدات التداخلات الإثيوبية السودانية في هذه المنطقة وبمشاورات سودانية إثيوبية معمقة. إن العمالة الموسمية الإثيوبية التي تعمل في منطقة القضارف تقدر بـ 80% من جملة العمالة. ويبدو أن المواطنين من سودانيين وإثيوبيين يعبرون الحدود، في هذه المنطقة، بلا ضوابط، لأن حياتهم متداخلة جدا. وهذا ليس جديدًا وإنما كان كذلك منذ قرون طويلة. فالتبادل السلعي بين السودانيين والإثيوبيين، وعبور الحدود لمختلف الأسباب، والاستيطان، في هذه المنطقة قد ظل مستمرا لقرون. غير أن الإثيوبيين أكثر ضبطا للوجود الأجنبي في بلادهم، مقارنةً بنا، بل لا توجد مقارنة بيننا وبينهم في هذا الأمر. الإثيوبيون أكثر من 100 مليون يعيشون في أرض صخرية. ونحن 40 مليونا نعيش في قطر سهلي أشبه بقارة. لذلك كنا نحن مهبطًا للهجرات من جميع الجهات، وكنا أكثر الشعوب قبولا للأغراب. وهم على العكس من ذلك، بسبب ظروفهم الطبيعية والديموغرافية.

    هذه قضية تحتاج بحثا، ليس على مستوى السياسيين وحسب، وإنما أيضًا على مستوى الأكاديميين الملمين بطبيعة المنطقة وتعقيداتها. ولعل ذلك يفتح بابا ظل مغلقًا بسبب الغفلة؛ وهو باب التعاون الأكاديمي بين السودان وإثيوبيا. قال محمد أبو القاسم حاج حمد، إن فهم السودان لا يكتمل إلا بفهم إثيوبيا، والعكس صحيح. واتركونا يرحكم الله من المزايدات السياسية الداخلية، ومن خدمة الأجندة الأجنبية، وقرع طبول الحرب، خاصة من أولئك الذين لم يفتح الله عليهم بكلمة في شأن حلايب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2020, 08:23 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في أربعينية رحيل منصور خالد:
    منصور خالد: جسرٌ سودانيٌّ إلى المستقبل
    (1)

    د. النور حمد

    هذه ورقة جرى نشرها في الكتاب الذي صدر في مناسبة تكريم الدكتور منصور خالد، التي جرت في 16 مارس 2016. وقد حمل الكتاب الذي جرى توزيعه في حفل التكريم، عنوان، "منصور خالد: عمارة العقل وجزالة المواهب". يسرني أن أنشر هذه الورقة هنا في أربعينية رحيله، إكراما لذكراه العطرة.

    أعترف بدءًا، أنني واجهت صعوبةً جمةً في كتابة هذه المساهمة، رغم أنني، عادةً، لا أتهيب الكتابةَ، ولا أجد فيها صعوبةً تُذكر. ولكن حينما تعلق الأمر بالكتابة عن منصور خالد، أحسست إحساسًا حقيقيًا بجسامةِ المسؤولية. فتبيانُ مكانةِ منصور خالد في خارطةِ الفكرِ السوداني، وإيضاحُ أهميةِ ما قدمه في حياته الخَصِبةِ العامرةِ بالإنتاج الفكري المتسلسل، المتصل، مهمةٌ شاقة، بلا شك. لذلك، لا غرابة، أن يخالج المرءَ إحساسٌ قويٌّ بالحذر. وتجيء الصعوبةُ ويجئ الحذرُ، من جهةِ أنَّ منصورًا ليس كاتبًا وحسب، وإنما هو أيضًا فاعلٌ سياسيٌّ صاحب ُخياراتٍ سياسيةٍ مثيرةٍ للجدل. فهو ممن يسلكون الطرقَ غيرَ المألوفةِ. وسلوكُه للطرقِ غير المألوفة، بقدرِ ما يثير الجدلَ وسط كثيرين، فإنه، أيضًا، وبنفسِ القدرِ، يثير الإعجابَ لدى آخرين. وأبدأ في البداية بالحديث عن منصورٍ الكاتب، ثم أُتبعه، لاحقًا، بحديثٍ عن منصورٍ الفاعل السياسي، ومنصورٍ المحصَّنِ ضدَّ الإيديولوجيا، ثم منصورٍ الفنان.
    منصور الكاتب
    بوصفه كاتبًا، يجلس منصور خالد، دون مراءٍ، ضمن القلةِ الأكثرِ تميزًا من بين الكتابِ السودانيين. هذا، إن لم أقل إنه الأكثر تميّزًا، على الإطلاق. ظل منصور خالد، على خلافِ أكثريةِ السودانيين، ملتصقًا، طيلةَ حياته، بفعلِ الكتابة. يضاف إلى ذلك أنه من جنسِ المفكرينَ، والباحثينَ، والكتاب، الذين يُفعمون عقلَك ووجدانَك، بذكائِهم اللّماح، وبغزارةِ علمِهم واتساعِه، وبتنوع معارفه، فيصابُ من يحاول التعبيرَ عن تقديرِه له، بحالةٍ هي أشبهُ ما تكونُ بالشلل، لأنه لا يدريَ ماذا يأخذ، وماذا يترك، أو من أين يبدأ وأين ينتهي.
    في تبيانِ تميُّزِ منصور خالد عن سواه، من الكتاب السودانيين، ربما أمكنني القولُ، إنه السودانيُّ الذي لم يجاريه سودانيٌّ آخر، على الإطلاقِ، لا في القديمِ، ولا في الحديثِ، في كمِّ الصحائف، التي سوّدها. أما من حيث نوعيةِ الكتابةِ، فهو، دون شكٍّ، من بينِ القلةِ الأفضل. وأكثر ما يميزه عن غيرِه انحصارُه في القضايا الجوهريةِ المرتبطةِ بتحدياتِ بناءِ الدولةِ في السودان. يضاف إلى ما تقدم، فإن تناوُله لما يقومُ برصدِه من زوايا تحليلية، تتوكأ على فرزٍ دقيقٍ لمدلولاتِ الوقائعِ التاريخية، وطبيعة السياق السوداني، وحقيقة وضعه، بإزاءِ الواقعين؛ الكوكبي والإقليمي، تجعله الأدق رصدًا، والأوسع منظورًا، والأطول نفسًا.
    لقد أرسى منصور خالد تقليدًا مهنيًا، في صناعةِ الكتابةِ، بالغ الأهمية، سوف يكون له أثرُه الممتدُ على الأجيالِ المقبلةِ من الأكاديميين السودانيين، وعلى غيرِ الأكاديميين، من عامةِ المثقفين والناشطين السياسيين، المنخرطين في حقليْ السياسةِ والثقافة. هذا التقليدُ البارزُ الذي أرسى قواعدَه منصور، هو الرهبنة الجَّلِدةُ في محرابِ البحثِ والكتابة، في بلدٍ لا يصبر أهلُها، عادةً، على رهقِ البحثِ والكتابة، بل هم لا يصبرون على رهقِ التجويدِ، من حيث هو.
    لم يصبرْ سودانيٌّ على مشقة التوثيق والرصد، وهو عملٌ غايةٌ في الإملال، مثلما صبرَ منصور خالد. ولذلك، ليس لدي تحفظ البتة، أن منصور هو الأفضلُ، بلا منازعٍ، في الصبرِ والجلدِ على رهقِ البحثِ والكتابة. فهو لم يتركْ شاردةً، ولا واردةً، في حقبةِ ما بعدَ الاستقلالِ في السودان، إلا ورصدَها، وأشبعها تحليلا وتشريحا. ولو أراد أيُّ باحثٍ معلومةً ذاتَ مغزىً في سيرةِ الحياةِ السياسيةِ السودانية، لحقبةِ ما بعد الاستقلال، سواءً تعلق الأمرُ بالوقائع، أو بالقضايا، على تشعُّبِها، وعلى اتساع طيفِها، فإنه لا شك واجدُها في مؤلفات منصور خالد. لقد ترك منصور خالد للأجيال القادمة، من السودانيين، سجلا توثيقيًا فريدا، من أجل إيجادِ المعلومة، كما ترك لها جودةُ الكتابةِ، والرصدُ الدقيقُ، والتركيزُ على القضايا المركزية، وثلاثتُها لا تمثل سوى بضعِ جوانبَ مما أنجزه الرجل. كل تلكا الأمور، تقول، وبأعلى صوت، إنّ منصور خالد هو من بين السودانيينَ القلائلِ الذين يستحقون الاحتفاءَ بجدارة. ولو كنا في بلاد تجري فيها الأمورُ بصورةٍ طبيعيةٍ، ويُحتَفى فيها بالفكرِ، وبالإسهامِ النوعيِّ، وبالإنجازِ الضخم، بعيدًا عن ضيقِ أفقِ أهلِ الإيديولوجياتِ الرَّثّةِ، وفسالتِهم المعهودةِ، وعصبياتِهم الشبيهةِ بعصبياتِ القبائلِ الرعوية، فإن منصور خالد ممن تُقامُ لهم التماثيلُ في الميادينِ العامة، وتُسمى باسمِهم الشوارعُ والمؤسسات.
    وإننا لنحلُم باليومِ الذي تجري فيه الأمورُ في بلادنا، بصورةٍ طبيعيةٍ، كما هي لدى الأممِ ذاتِ التقاليدِ الوطنيةِ الراسخة، منذ فجر حقبة الحداثة، فيكونُ التكريمُ والتخليدُ لمن هم أهلٌ له بالفعلِ، بغضِّ النظرِ عن الاتفاقِ أو الاختلاف معهم في الرؤى. فالتكريمُ، وهو فعلٌ نفيسٌ جدًا، ابتُذل، في بلادِنا، في الآونةِ الأخيرةِ، ابتذالاً أوصلَه حدَّ الإسفافِ، فأضحى شيئًا بلا معنى. فالعصبيةُ الإيديولوجيةُ، والنزعةُ الشعبويةُ المتزايدةِ، والاشرئبابُ الأجوفُ إلى مواقع المنجزين، بلا إنجازٍ يذكر، صارت قوىً دافعةً لسدِّ الفجواتِ النفسيةِ المقلقةِ في جانب رضا الفرد عن ذاته. وهي فجواتٌ اتضح لأصحابها أن السلطةَ والمالَ، لا تستطيعان، وحدَهما، سدَّها.
    "الناجحة من عشها زوزاية"
    حين لمع نجمُ منصور خالد، في منتصفِ ستيناتِ القرنِ الماضي، وهو بعدُ في منتصفِ الثلاثيناتِ من العمر، لمعَ، منذُ الوهلة الأولى، بتوهِّجٍ كاملٍ. فمقالاتُه التي نشرَها على صفحاتِ الصحفِ آنذاكَ، وجمعَها لاحقًا في كتابه "حوار مع الصفوة"، وضعته، حالَ نشرِها، مع من كانوا يجلسونَ، حينها، على القمة. ولا شهادة في هذا الجانب تعلو على شهادة الراحل جمال محمد أحمد . ولا أزالُ أذكرُ، كيف أننا كنا، ونحن بعدُ طلابٌ أيفاعٌ، نقفُ وقفاتٍ طويلةٍ أمامَ اللوحةِ التي تُعلّق عليها الصحفُ اليوميةُ في داخليةِ ود ضيف الله، في مدرسة حنتوب الثانوية، لنقرأ "يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض". ومن يُعدْ قراءةَ مقالاتِ منصور خالد، التي نشرها في "حوار مع الصفوة"، اليومَ، ويرى مبلغَ التطورِ في الرؤى، وفي المعالجاتِ، وفي صنعةِ الكتابة، الذي تحقق لمنصور خالد، عبر العقود التي تلت نشرَه ذلك الكتاب، يعرف أن منصور خالد، أحد الذين لا تمنعَهمُ النجوميةُ المبكِّرةُ عن النمو. فهو من الذين وُلدوا لكي ينموا باضطراد. وقليلٌ أولئك الذين ينمون باضطراد. وقليل جدًا، أولئك الذين لا تقف النجوميةُ حجرَ عثرةٍ أمامَ نموِّهم. ومن يتأمل مسيرة منصور خالد الفكريةِ والسياسيةِ يلاحظ هذا القدرة المدهشة على النموِ المضطردِ، وعلى تغييرِ الجلد.
    رغم القفزاتِ الكبيراتِ التي حققها منصور خالد عبر مسيرتِه الباذخةِ، فإن اللبناتِ الأولى التي وضعها في "حوار مع الصفوة" بقيت متماسكةً، إلا قليلاً جدا. وهذا هو حالُ المفكرين الذين ينفذون منذ البداية إلى الخلاصاتِ الجوهرية فيما يعالجون من مواضيع. وعمومًا، ليس الكمالُ في أن تقول شيئًا يبقى كما هو، يدَ الدهر. وإنما الكمالُ في أن تقولَ ما يظلُّ قابلاً للتوسيعِ والتعميقِ، باستمرار. فأطروحاتُ منصور خالد الأساسيةُ، التي ألقى بها في بركةِ التنظيرِ السياسيِّ السودانيِّ الراكدة، نسبيًا، عند منتصف ستينات القرن الماضي، بقيت، في جملةِ الحالِ ساريةَ المفعولِ، إلى حدٍّ كبير، إلى يومِنا هذا. وقد قفز وعي الرجل بعدها، قفزاتٍ كبيراتٍ، فتعمَّقت معارفُه، واتسعت خبراتُه، فوسَّع طروحاته الأولى، وعمّقها، وراجعها، ونقَّحها، وأنضجَها وعجم عودَها، وضاهاها بمجرياتِ الواقعِ وتغيُّراتِه، فشكَّلت، في جملتِها، ما يمكن أن نصِفَه بأنه جسرٌ سودانيٌّ نحو المستقبل.
    تصورْ شابًا سودانيًا، في الثلاثينات من عمره، يناقشُ في منتصفِ ستيناتِ القرنِ الماضي، إشكاليةَ ديمقراطيةِ ويستمينيستر، في بلدٍ مثل السودان، ونظامَ الحزبِ الواحدِ في بلدٍ نامٍ، بحيدةٍ، وبنظرٍ ثاقبٍ، بحيثُ يرى الإشكاليةَ في كلا الخيارين. قال منصور في مقالته: "الهيكل الدستوري بين الحزبِ الواحدِ والجبهةِ المتحدة" التي نشرها في 25 فبراير من عام 1965 على صفحات صحيفة الأيام، وأصبحت جزءًا من المجموعة التي ضمها كتابه، "حوار مع الصفوة"، ما نصه:
    "صادقٌ من يقول إن هذا الواقع يجعل من الحزب الواحد ضرورة وإن هذا الواقع عينه يجعل منه استحالة عملية. في مثل هذا الواقع يضحى الحزب الواحد ضرورة، لأن الحزب الواحدة يرتكز أساسًا على دعامتين: أولاهما القاعدة، كانت من الصفوة في حالة الأحزاب الطليعيةِ، كجبهة التحرير في الجزائر، أو من الجماهير العريضة كحزب التجمع الديمقراطي السوداني في مالي، وثانيتهما هي العقائدية السياسية. والاعتبار الثاني هذا هو الذي يضفي على الحزب الواحد أهميةً خاصةً في البلادِ الناميةِ مثل السودان، لأن العقائدية بطبعها إنما تقدم، بجانب ما تقدمه من أسس يخطط بمقتضاها الناس وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، تقدم لهم، عنصرا يوحد بين أطرافها المتنازعة ويثبِّت كيانها القومي".
    هذا حديث مرَّ عليه نصفُ قرنٍ من الزمان ظهرت خلالها، على أرضِ الواقعِ، عوراتُ الأنظمةِ في العالم النامي؛ سواءً كانت حزبًا واحدًا، أو جبهةً متحدة، أو حتى ديمقراطية تتشبهُ، بلا مقوماتٍ تذكر، بديمقراطية ويستمينستر. الملفتُ في هذا الحديث، الذي مر عليه نصفُ قرنٍ من الزمان، هو توقُّد ذهنِ صاحبِه وإحساسه بالإشكالية وبتعقيدها. فالتجربة السودانية خاصة ما أعقب ثورة أكتوبر1964 عكست في الواقع العملي هذه التعقيدات. فحين جاء انقلاب الفريق عبود، في عام 1958، وكان ذلك بعد سنتين فقط، عقب الاستقلال، استقبله الناس استقبالاً حسنا، بل أعلن كلٌّ من السيد عبد الرحمن المهدي، والسيد علي الميرغني، زعيما الحزبين اللذين أطاح الانقلابُ بحكمهما، تأييدَهما له. يقول منصور خالد عن دوافع ثورة أكتوبر:
    "من العبث أن يظن أحدٌ بأن أهل السودان قد شقوا عصا الطاعة على نظام عبود لأنه كان نظامًا عسكريًا لا يحترم الليبرالية كما يعرفها المولعون بها والراكنون إليها؛ فإن كانت هذه هي دوافع أهل السودان في محاربة نظام عبود فلأشرعوا رمحاهم وهبوا في وجه ذلك النظام منذ السابع عشر من نوفمبر 1958، عندما استولى على الحكم".
    تأكد نقص الإيمان بديمقراطية ويستمينيستر في السودان، حين جاء العقيد جعفر نميري إلى الحكم في مايو 1969، بانقلابه العسكري، فلقي استقبالاً وترحيبًا شعبيًا منقطعِ النظير. الشاهد هنا، أن فشلَ الأنظمةِ الديمقراطيةِ ظل يهيئ الشعبَ السوداني، بصورةٍ مستمرة، لاستقبالِ الأنظمةِ العسكرية، واستمر هذا الحال حتى انقلاب البشير، الذي جرى في عام 1989. فإذا كان تعريف الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب لمصلحة الشعب، فقد اتضح، وللمفارقة، أن الشعبَ السودانيَّ، كلما ضاق ذرعًا بحكم الحزبين الكبيرين، يصبح متحرقًا شوقًا، لاستقبال الأنظمةِ العسكريةِ. فالشعب من جهةٍ، والنخبُ المتعلمةُ من الجهةِ الأخرى، ظلوا يبحثون باستمرارٍ عن شيءٍ مغايرٍ لما عرفوه في تجاربِهم التي تسمى "ديمقراطية". برهن منصورٌ على أنه من القلةِ التي تعي التعقيدات، وتعي صعوبةَ الخياراتِ في السياق السوداني. فالسياقُ السودانيُّ هو أصلا سياقٌ غيرُ متسقٍ. ومن يسعى إلى طلب الاتساقِ والانسجامِ المطلق فيه، إنما يطلبُ المستحيل. لذلك، ستنصب محاولتي، وأنا أناقش خيارات منصور خالد، في ناشطيته السياسية، في المفاضلةُ الصعبةُ الشاقةٌ: بين أن يكتفي المفكر بالتنظيرِ ويبتعدَ عن الممارسةِ العملية، أو أن يُتبعَ التنظيرَ بالممارسةِ العلمية، واختيار موقعٍ عمليٍّ وسط القوى الفاعلة في الساحة السياسية. فالاكتفاءُ بالتنظيرِ، والنأيُ بالنفسِ، عن الممارسة العملية، فعلٌ ينتقص من دور المثقف. بعبارةٍ أخرى، لا يختارُ خيار التنظير، والوقوف على السياج، سوى مثقفٍ مرتبك لا يعرف كيف يفصل بين عوالم التنظير وبين ما يتيحه الواقع العملي. فالمثقفُ المدركُ لوظيفته، هو الذي يُتبِعَ التنظيرَ بالفعلِ السياسي، بما يتيحه السياقُ، والظرفُ القائم.
    (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2020, 07:43 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    "ورجغة" العلمانية

    النور حمد

    صحيفة التيار 3 يونيو 2020

    يعتقد جماعة الإسلام السياسي والطائفيون، وهم أصلاً فصيلٌ واحد، أن إثارة قضية "علمانية الدولة"، هي البطاقة الرابحة التي يمكن أن يضللوا بها العوام، وينهوا بها الفترة الانتقالية، ليصلوا إلى السلطة، ويتمكنوا، من جديد، من حراسة الجاه والامتيازات التي احتازوها. لقد ظل تيار الإسلام السياسي يمارس ابتزاز كل من عداه، باسم الدين، منذ ستينات القرن الماضي. عمل لربع قرن في تكسير كل قيمة وكل فضيلة، وأغرق البلاد في الغوغائية، والجامعات في العنف، وبث أنماط التدين التجهيلي، وراوغ حتى وصل إلى السلطة. أمضى في السلطة ثلاثين عامًا حكم فيها بمفرده بالحديد والنار، وقتل من السودانيين أكثر مما قتلت التركية والمهدية والغزو الإنجليزي المصري مجتمعة، لكننا لم نر طيلة هذه الفترة "دولةً إسلامية". بل لم يجرؤوا حتى على تسميتها دولةً إسلامية، كإيران مثلا. فيا هؤلاء: هذه تجارة خاسرة. لم يعد العبث والتدليس باسم الدين، ينطلي على أحد. حتى أبناءكم وبناتكم الذين ولدتموهم من ظهوركم وقفوا ضدكم، فتوبوا إلى بارئكم، يرحمكم الله.

    العلمانية ليست أيديولوجية؛ أي ليست عقيدة كلية يعتنقها الأفراد، بدلاً عن الإيمان بالله. العلمانية في السياق السياسي مجرد مفهوم، أو قل إطار قانوني لإدارة الدولة، ويختلف هذا المفهوم من ثقافة إلى أخرى. فالهند علمانية ومعظم الهنود متدينون. وماليزيا علمانية، ومعظم السكان مسلمون. وإندونيسيا علمانية غالبية السكان مسلمون، وتركيا وقطر اللتان تدعمان الإسلاميين في السودان، دولتان علمانيتان، غالبية سكانهما مسلمون. فالدولة جهاز لإدارة حياة الناس، ولذلك ينبغي أن تقف على مسافة واحدة من جميع أهل العقائد الدينية وغير الدينية. فالمواطنة وفقًا لعلمانية الدولة هي أساس العقد الاجتماعي الذي يربط بين سكان الدولة وليس الدين. ببساطة، علمانية الدولة لا تعني علمانية المجتمع والفضاء العام. فالذين يطالبون الآن بـ "علمانية الدولة" مسلمون مثلكم. بل، قد يكونون أكثر تدينا منكم، فلا تشيطنوهم، وتخلوا، يرحمكم الله، عن النزعة التكفيرية التي انغرست في أذهانكم منذ ست عقود.

    الحلقة التي قدمتها قناة سودانية 24 حول العلمانية أول أمس، وأدارتها بتلك الفجاجة ونقص المعلومات، تدل على أن التنوير ليس هو الغرض، وإنما الغرض هو "الورجغة" من أجل التشويش وإثارة البلبلة. مثل هذه الأمور الفكرية، الدولتية، لا ينبغي أن تسند إلى مذيعين فقيري المعارف، لا إلمام لهم بما يتحدثون عنه. يقف وراء هؤلاء المذيعين المساكين، كما هو واضح، معدو برامج جهلة، ومغرضون. ولقد رأينا كيف وضعوا صورة عبد الحي يوسف، على الشاشة أثناء الحوار، وهو ذات الشخص الذي أفتى البشير بقتل ثلث الشعب، وقبض منه خمسة ملايين دولار جاءت من السعودية، ثم لم يطرف له جفن أن ينحاز بعد ذلك للقطريين. أما ذاك الذي أتت به القناة ليعدد أسماء القواميس الإنجليزية، ظانًا أنه يثبت بذلك رسوخه في العلم، فأرغى وأزبد وتحدى كل بني البشر، فإنه لم ينجح سوى في عرض عقلٍ توقف نموه عند تكفيريات سيد قطب. ختامًا: يا من تشيطنون مسيرتنا نحو دولة المواطنة المتساوية، لن نسمع منكم قط، حتى تشيطنوا لنا تركيا عضو الناتو وحاضنة قواعده العسكرية، التي تعج بالبارات والملاهي الليلية. وايضًا، حتى تطلبوا من قطر إعلان نفسها دولة إسلامية، فتوقف استيراد الخمور وبيعها في المطاعم والفنادق، وللأفراد، وأن تمنعها عن القادمين لكأس العالم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2020, 08:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في أربعينية رحيله:

    منصور خالد: جسرٌ سودانيٌّ إلى المستقبل

    الحلقة الثانية

    النور حمد

    قد نتفق أو نختلف مع خياراتِ المثقفين، وهذا طبيعي، لكن ما ينبغي أن نعرفه، هو أن السياق في الدول النامية لا يتيح أفضل الخيارات، دائما. كما أن السياقاتِ في دول العالم النامي سياقاتٌ مختلفة، ينبغي أن تجري معالجةُ كلٍّ منها في الإطارِ الخاصِّ به. بعبارةٍ أخرى، لا يتيح السياقُ، والظرفُ القائم، في عددٍ من دولِ العالمِ النامي، من بينها السودان، فرصةً لاتساقٍ كاملٍ مع المبادئِ الديمقراطيةِ، التي مخضتها التجربةُ الغربيةُ. ولربما يحسن بنا أن نستحضرَ في أذهانِنا أن المبادئَ الديمقراطيةَ رسخت في الفضاء الغربي، عبر صراعٍ مريرٍ، أفرز في مختلف المنعطفات في التاريخ الأوروبي، أفعالاً سياسيةً، غير متسقةٍ مع المبادئِ الديمقراطية. وتلك حالةٌ ظلّت تطلُ برأسِها في أوروبا لقرون. فأيُّ خياراتٍ متسقةٍ في الفعل السياسيِّ يمكن أن يجدها المثقفِ، في هذا السياقِ السياسيِّ السوداني بالغِ الارتباك، الذي تتحكم فيه الطائفيةُ، والعشائريةُ، والأميةُ، وغريزةُ القطيع؟ أكثر من ذلك، لربما أمكن القولُ، مع بالغِ الحزن والأسى، ومع كاملِ التفهُّمِ، إن السياقَ في الدولِ الناميةِ، في مرحلةِ ما بعد خروج الاستعمار، قد فرض، على المثقفين إلى حدٍ كبير، أن يكونوا انقلابيين، أو، على أقلِّ تقديرٍ، دافعين لعربةِ الانقلابيين.

    صنع حزب الأمة الانقلاب الأول في الحياة السياسية السودانية، لفترة ما بعد الاستقلال. فجاء ثأر القوى الحديثة ضد الأحزاب قويًا في أكتوبر، حيث ارتفع شعار "لا زعامة للقدامى". وامتلأت وزارة أكتوبر بالقوى الحديثة الدائرة في فلك الحزب الشيوعي. وما لبثت أن انقضّت عليها القوى التقليديةُ بليلٍ، وجرى دفن أكتوبر وشعاراتِها اليساريةِ المتطرفةِ في مهدها. وبعد عامٍ واحدٍ من أكتوبر جرى حلُّ الحزبِ الشيوعي. وفي نوفمبر 1968 حوكم الأستاذُ محمود محمد طه، بتهمةِ الردة، وكثُرُ الكلام عن إجازةِ ما سمي بـ "الدستور الإسلامي". وحين جاء نميري بانقلابه في مايو 1969، كانت القوى الحديثة جاهزةً لكي تأخذَ بثأرها. فاستلمت قوى اليسارُ، وبسرعةِ البرق، دفةَ الانقلابِ الجديدِ، وشرعت في الأخذ بثاراتها إلى أن اختلف الحزب الشيوعي مع نميري فانقسم، وكان انقلاب يوليو 1971. ودارت الدوائرُ على اليسار، ودخل نظام نميري مرحلة الاتحاد الاشتراكي، التنظيم الفرد، والاستعانة بالتكنوقراط، وكان من بينهم منصور خالد.
    بدأ منصور خالد، يوم أن لمع نجمه على نطاقٍ واسعٍ، في الستينات، مهمومًا بأحوالِ البلد، وبقي مهمومًا بها باستمرار. كان منصور خالد عمليَّ التفكيرِ مشغولاً بالخططِ الواقعيةِ للنهضة، في حين كانت أغلبيةُ رصفائِه منقسمةً إلى شقين: شقٌّ غارقٌ في الاسترخاء القاعد، أسيرًا لضمور للخيالِ ومحدودية الطموح، المكتفي بريْعِ بيعِ الموادِ الأولية، من قطنٍ، وصمغٍ، وجلودٍ، وحبوبٍ، وغيرها، وشقٌ آخرٌ غارقٌ في أوهامِ الإيديولوجيا، وربطِ نهضةِ البلادِ بأجنداتٍ خارجية، وبشعاراتِ اليسارِ العالمي، الأممية، أو بشعاراتِ اليسارِ العربيِّ، القومية، ومؤخرًا شعاراتِ الإسلاميين العابرة للأقطار. فبقاءُ منصور خالد خارجَ هذه الأطر هو الذي أتاح له بناءَ هذا الجسرَ الذي ظل طرَفُهُ الأدنى منغرسًا في معترك السياسةِ السودانية، بكل إشكالاته، وطرفُه الأقصى يشرئب، لكي يصَلَ بالسودانيينَ إلى الضفةِ الأخرى، حيث يرقد المستقبلُ الواعد.

    لقد انهارت دولةُ الأفنديةِ بعد أن أكلت نفسَها بنفسِها، في بضعِ سنين. لم تعرف دولةُ الأفندية التماسكَ، منذ أن أسلم البريطانيون قيادَها لطلائعِ المتعلمين. فكلُّ العقودِ التي تلتَ الاستقلالَ، لم تكن سوى حلقاتٍ متصلةٍ من التراجع. لقد كانت دولةُ الأفنديةِ السودانية، منذ البدايةِ، دولةً هشةً. وكانت، إلى حدِّ كبيرٍ، دولةً معلقةً في الهواء. وما كان لها، أصلاً، أن تصمد. لم يعلِّقْ منصورٌ على تلك الدولةِ آمالاً عراضًا، فقد كان عارفًا بعللها الهيكليةِ المدغمةِ في بنيتِها. ولذلك، انتبذ لنفسه، من أهله، منذ البدايةِ، مكانًا شرقيًا، كما تقول العبارةُ القرآنية. ولقد أخذ نفاذُ رؤيةِ منصور خالد المبكرِ يتضحُ لنا، بعد أن انقشعت غشاواتُ الإيديولوجيا، بانهيار الشيوعية، عقبَ تفكّكِ الاتحاد السوفيتي، والكتلةِ الشرقية، وعودة الصينِ من شيوعيتها إلى الرأسمالية. يضافُ إلى ذلك، موت إيديولوجيا العروبيين؛ بشقيها البعثي، والقومي الناصري في الفضاء العربي. بل، إن رؤى منصور خالد أضحت أكثر وضوحًا، بعد أن جرّب السودانيون، حكمَ الإيديولوجيين الإسلاميين، وبعد أن بدأ الكوكب الأرضي يدخلُ متاهتَه المبهمةَ الجديدة.

    تحدث منصورٌ في "حوارٌ مع الصفوة" عن التخطيطِ الاقتصاديِّ، والتخطيطِ الثقافيِّ، والتخطيطِ لتعليمٍ مثمرٍ، كما تحدث عن مشكلِ الهويةِ، وعن كل القضايا المرتبطة بتحديات بناء الدولة السودانية، في حقبة ما بعد الاستعمار. أيضًا تحدث منصورٌ، في وقتٍ مبكرٍ جدًا عن إشكالي الطائفية والإدارة الأهلية. ورغم أنني من الذين يرون أن فوقيةَ النخبِ وعجلتِها لاستئصالِ الطائفيةِ بالعنف، والإدارةِ الأهليةِ بالإجراءات الفوقية، وهي عجلةٌ حداثيةٌ أوردت البلاد، في تقديري، مواردَ الحتوف، إلا أنَّ المرءَ لا يملكُ إلا أن يُعجبَ بالفرزِ الدقيقِ الذي قدمه منصور خالد، بين طائفية وطائفية، وبين حزبية وحزبية، حيث قال: "الكارثة الكبرى ليست طائفية الأحزاب بقدر ما هي في أن الأحزاب قد أصبحت مسخًا للطوائف. فالحزبية طائفية، بلا أخلاقياتِ الطائفية، والحزبيةُ قبلية، بلا تكاتفِ أو تكافلِ القبلية" .

    لم يتجاوب المحيط مع منصور كما ينبغي، شأنَ كل ِّ محيطٍ راكدٍ، مع كلِّ رائدٍ من الرواد. لكنَّ منصورًا، صبرَ وصابرَ ورابطَ، محاولاً التغلُّبَ على الظروفِ غيرِ المواتيةِ بالإنتاج الفكري، تارةً، وبالناشطيةِ السياسيةِ، تارةً أخرى. أصاب الرجل في مجال الإنتاجِ الفكريِّ نجاحاتٍ عريضة، غير أن الناشطيةَ السياسيةَ، قد جلبت عليه، فيما أحسبُ، أكدارًا، ليست باليسيرة. وعمومًا فهذا هو قدرُ من يتحرك ليعملَ لتغييرِ واقعِه، بما هو متاحٌ له، في سياقٍ بالغِ التعقيدِ، بالغِ التنافرِ، وعدمِ الانسجام. وما من شكٍّ أن من يعمل ليس كمن يختارُ الوقوفَ على السياج.

    منصور والنفورُ من الإيديولوجيا المنغلقة
    لقد شكّل منصور خالد، عبر مسيرتِه الطويلةِ، مستودعًا للتفكير، (Think Tank)، قائمًا بذاتِه. وأكثرُ ما يُدهشُني في سيرةِ منصور خالد استقلاليته الفكرية، مضافًا إليها، ما ظل يتمتعُ به من مناعةٍ طبيعيةٍ، حصنته، على الدوام، من الوقوع في قبضةِ القطيع، رغم أن الوقوعَ في قبضةِ القطيعِ، أمرٌ ذائعُ الشيوعِ وسطَ نخبِ السودان. وقد يبلغُ الخضوعُ لسلطةِ القطيعِ، وسطَ بعضِ المثقفين السودانيين، حدَّ أن يرتدَ، من كان ليبراليًا، أو ماركسيَّا، على عقبيه، في خريفِ العمرِ، فيعودَ مسلمًا سُنيًّا، شديدَ المحافظةِ، أو متطرقًا على شيخٍ صوفيٍّ، في حين لا يملك ذلك الشيخُ الصوفيُّ، شروى نقيرٍ من معارفِ ذلك النخبويِّ المُهطعِ الآيبِ إلى حظيرةِ القطيعِ وقبضتها.

    أميزُ ما يميزُ منصور خالد، هو أنه سبقنا جميعًا بلا استثناء؛ من كانوا من جيله، ومن أتوا بعده من الأجيال الأكثرِ قربًا من جيله، في النظر النقدي إلى الإيديولوجيا، في وقت كانت فيه شمسُ الإيديولوجيا في رابعةِ نهارها. قال جمال محمد أحمد، حين قدَّم لمنصور كتابه "حوار مع الصفوة": "لولا خوفي عليه من أن يلجَّ في ذعرٍ، لقلتُ إنه يرفض المذهبيةَ رفضي إياها، ويؤمن بقدرة الإنسان، مهما بنى الطامحون أسوارَهم حوله". ثم واصل جمال موردًا، من نفس كتاب "حوار مع الصفوة"، الذي قام بالتقديم له، قولاً لمنصور، مستشهدًا به على ما قاله عنه. ويقرأ نص منصور كالآتي: "في الاشتراكيةِ، كما في الديمقراطيةِ ليست هناك قدريةٌ، وليست هناك حلولٌ جاهزةٌ، وليست هناك قوالبُ معدةٌ نصبُّ فيها الواقعَ لنصوغَه وفقَ هوانا". قال منصورٌ هذا، حين كان قطاعٌ كبيرٌ من النخبِ، في حقبةِ الحرب الباردة، عكوفًا على الشربِ من دنِّ الإيديولوجيا، غارقينَ في اغتباقٍ واصطباحٍ، لا صحوَ بينهما. لقد كان منصور خالد صاحيًا، في ذلك الزمان المبكر، بصورةٍ تبعثُ على الإعجاب. ولقد كان صحوه ذاك تأكيدًا على أن له يدًا ظلت ملامسةً لشطِّ المستقبل.
    كتب منصور خالد، في عام 2010 وهو يقدم للطبعة الثانية، من حوار مع الصفوة:
    "تقود المذهبية إلى آفتين: الأولى هي احتكارُ الحقيقةِ، والثانيةُ هي تحوُّلها من أداةٍ لتفسير الظواهر إلى وسيلةٍ للهيمنة السياسية والروحية. احتكارُ الحقيقةِ لا يُفقد من يلازمه رهافةَ الحسِّ التاريخيِّ فحسب، بل يرمي به في النهايةِ خارجَ إطار التاريخ. أما تحوُّلُ المذهبيةِ إلى أداةٍ لتكريس السلطانِ والاستيلاءِ غيرِ المشروعِ عليه، فهو وصفةٌ للصراعِ والتمزق".

    ديناميكية منصور:
    قال عنه جمال محمد أحمد: "يخيفُ الواحدَ بنشاطه الجسديِّ والذهنيِّ، تأتيك رسائلُه من أطرافِ الأرض يبث فيها مشاعرَه وأفكارَه، ويحدثك عن الذي قرأ من سياسةٍ وأدب، لا تدري متى وجد الفراغَ. وعن الذين لقى من أئمةِ الفكرِ والسياسة، لا يمس واحدٌ منهمُ استقلالَه الفكري". أما من ناحيتي، فحين بدأ منصورٌ ينشرُ كُتُبَه الاستقصائيةَ الكبيرةَ، تباعًا، في عقدِ التسعيناتِ، من القرنِ الماضي، خطر بذهني ما خطر بذهنِ جمال محمد أحمد، وهو: أين يجدُ هذا الرجلُ المِسفارُ، المنخرطُ، في كل آنٍ، في مختلفِ الشؤون، كل هذا الوقت، وكل هذه الطاقة، لينتج هذا الإنتاجَ الضخمَ المتتابع. لقد أقام منصور خالد القسمَ الأكبرَ من العقودِ الأربعةِ الأخيرة من عمره، خارج السودان، ولقد كان كثير التنقل في إقامته تلك. ولكن، رغم ذلك، تجِدُه ملمًّا بكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ مما يجري في السودان، سواءً كان ما يجري هو أحداثُه السياسية، أو اندياحاتُ أواسطه الثقافية والفنية، أو حتى أحاديثِ المدينة التي تتداولها المجالس، انتهاءً بقصاصاتِ الصحف. لذلك، يمكن القولُ، بلا مراءٍ، إن منصور خالد، مؤسسةٌ بكامِلها، تلبستْ جرمَ رجلٍ واحد.

    الفعل السياسي في السياق غير المتسق:
    بوصفه فاعلاً سياسيًا، لم يتوقف منصور خالد عن الفعلِ السياسيِّ لحظةً من لحظاتِ حياته. فقد ظل دائمًا يفكر ويكتب. غير أن أهم ما يميزه هو أنه لم يكتفِ بالكتابة، وحسب، وإنما ظل منخرطًا، في نفسِ الوقت، في الفعل السياسي. وما من شكٍّ أن انخراطَه في الفعلِ السياسي وخياراتِه التي اختارها كفاعلٍ سياسي، تجعل الحديثَ عنه مهمةً لا تخلو من تعقيداتٍ. وهي تعقيداتٌ تستوجبُ لدى من يتناول خياراتَه، حضورًا تامًّا لعنصريْ الحيدةِ والحذر. كما تستوجب، أيضًا، توفُّرَ القدرةِ على النظرِ المدرِك المنصف. وكل هذه أمورٌ لا أدعي أني أمتلكها، لكنني أرجو أن يكونَ لي فيها أجرُ المحاولة. فمعالجةُ مسيرةَ منصورٍ السياسيةَ تحتاج، دون شكٍ، فكرًا ثاقبًا. وهذا النوعُ من الفكرِ الثاقبِ هو الذي وصفه الأستاذ محمود محمد طه، في عبارةٍ سمعتها من فمه مباشرةً، يقول فيها: "فكرْ يغطِّس الزانةْ، ويطفِّحْ المسحانةْ".

    غيّرَ منصور خالد، بوصفه فاعلاً سياسيًّا، مواضعَه، بضعَ مرات، حتى بدا وكأنه يناقض نفسه، أو ربما بدا للبعض، كمن ينقضُ غزلَه أنكاثا. بل، ولربما بدا لآخرين، وكأنه يتحرشُ عمدًا بالأكثريةِ المستسلمةِ للقناعات الجاهزة البسيطة، التي لا تكلف محتضنيها ومعتنقيها جهدًا عقليًا. ومن الملاحظ أن الصفوة السودانية انقسمت تجاه منصورٍ، إلى فئتين: قلةٌّ ترمقه بعينٍ ملؤُها الإعجابُ، وأكثرية ترمقه بعينٍ ملؤُها الارتياب. غير أن جملةَ الأمر، فيما أرى، في ناشطيةِ منصور خالد السياسية، هو بخلافِ ما فشا وسط الكثيرين. فأنا لا أخفي إعجابي بخيارات الرجل السياسية، وإن خالفتُه في بعضها. كما لا أُخفي إعجابيَ وإكباريَ الشديدينِ بشجاعته الفذة، وبالطريقة التي أدار بها أنشطته، في مجالي الفكر، والناشطية السياسية، باستقلالية تامة. إضافةً إلى تقديمِ نموذجٍ بالغِ الفرادة في الاعتداد بالذات، والحرص على إسماع الصوت الشخصي، والسباحة ضد تيار العقل الجمعي، واقتلاع الحق الفردي، في التفكيرِ والتعبيرِ الحر، وفي الموقفِ، في محيطٍ يزخر بتغوِّلِ الجماعة على ذاتيةِ الأفراد، وعلى فردياتِهم.
    (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-04-2020, 00:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في أربعينية رحيله:

    منصور خالد: جسرٌ سودانيٌّ إلى المستقبل

    الحلقة الأخيرة

    النور حمد

    يرى محمود ممداني، أن القوى المدافعةَ عن الحداثةِ في السودان؛ بشقيها "العلماني" و"الإسلامي"، وهي قوىً تستند على طبقاتٍ وتكويناتٍ اجتماعيةٍ حضرية، خاصةً تلك التي تنتمي إلى الإنتليجنسيا من المهنيين، وضباط الجيش، والطلاب، أيقنت منذ بدايةِ الاستقلال، أنها لا تمثل سوى جزيرةٍ "حداثية"ٍ صغيرةٍ جدًا، في خضمٍّ شاسعٍ جدًا من القوى "التقليدية". فهم لم يكن في وسعِهم، أن يحصلوا على أغلبيةٍ من الناخبين، تأتي بهم إلى الحكم. ولذلك فقد عنت "الديموقراطية" بالنسبة لهم حراكًا ثوريًا يختصر لهم الطريق إلى الحكم. كانت رؤيتهم، والحديث هنا لممداني، ألا يتم تفريغَ الديموقراطيةِ من دورها الإنمائي النهضوي، لتصبح مجرد وسيلةً يستخدمها "التقليديون" في الجلوس الدائم على كراسي الحكم . ويستطرد ممداني فيقول، إن العداءَ بين المدافعين عن "التقليدية"، والمدافعين عن "الحداثة"، هو الذي جعل أنظمةَ الحكمِ في السودان تتأرجح بين أنظمةٍ ديموقراطيةٍ برلمانيةٍ، وبين سلسلةٍ من الانقلاباتِ العسكرية. فالتنافسُ الحزبيُّ على صناديقِ الاقتراعِ بين الحزبيْن "التقليديين"؛ حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديموقراطي، لم يكن السبب في ذلك التأرجح، واستمرار تلك الحلقةِ المفرغةِ، وإنما السببُ هو الصراعُ بين معسكر "الحداثيين"، ومعسكر "التقليديين" . غير أن وجهة نظر ممداني هذه قابلة، بطبيعة الحال، للأخذ والرد بشأنها. ولكن المهم هنا أن ما أورده ممداني يوضح حالةَ اللا اتساق، التي تميّزَ بها السياقُ السودانيُّ، الذي تحول بفعلِ الثاراتِ المتبادلةِ المتتاليةِ، إلى رمالٍ متحركة. لقد مارست القوى الحديثة ممثلة في اليساريين وفي الإسلاميين الفعل الانقلابي، كما مارست القوى التقليدية التي تتمسك بشكلية الديمقراطية جنوحًا إلى تفريغِ الديمقراطيةِ من محتواها وإلى تهميشِ القوى الحديثةِ والتضييق على المساحاتِ التي يمكن أن تتحرك فيها. لقد تشاركت كلٌّ من القوى التقليدية السودانية، والقوى الحديثة، الأخطاء الفادحة، سواءً بسواء. والشاهدُ، في كل ما تقدم، أن السياقَ السودانيَّ كان ولا يزال لا يسمِحُ بمواقفَ متسقة. والذي يحاكمون الآخرين استنادًا على اتساقٍ متوهمٍ، إنما يستخدمون، في حقيقة الأمرِ، مرجعيةً متخيَّلةً، لا تتماهي مع أيٍّ من جزئيات الواقع الذي عشناه جميعًا على مدى ستةِ عقودٍ من الزمانِ، عبر حقبةِ ما بعدِ الاستقلال.

    المفكرُ المدركُ لحقيقةِ الشقةِ القائمةِ بين التنظيرِ وبين الواقعِ، لا يقف على السياجَ، وإنما ينخرط، وفقَ تقديرٍ ذاتيٍّ، في أتون المعترك السياسي، بما يتوفر له من فرصٍ عمليةٍ للانخراطِ في الحراكِ الجاري في الواقع القائم. وهذا ما فعله منصور خالد، حين آزر نميري، ضمن كثيرٍ من التكنوقراط، وهو عينُ ما فعله، مرةً ثانيةً، حين أصبحَ مستشارًا لجون قرن، وهو يراهن على قيامِ سودانٍ جديدٍ موحَّدٍ قائمٍ على مبادئِ المواطنةِ والتساوي في الفرص. نكص حكم جعفر نميري على عقبيه، عقبَ المصالحةِ الوطنيةِ، التي جرت عام 1977، واختار منصورٌ الخروجَ من ساحةِ الفعلِ السياسي، فغادرَ البلادَ، وتحوّل إلى مدفعٍ كبيرٍ، مصوَّبٍ على ما تبقي من نظام جعفر نميري.

    أما تجربة منصور مع جون قرن فقد كادت أن تثمر انفراجًا في المعضلةِ السودانية المزمنة، خاصة بعد توقيع اتفاق نيفاشا. غير أن موتَ جون قرنق المفاجئ، وعملَ الإسلاميين الدؤوبَ على ملءِ نفوسِ الجنوبيين باليأسِ، من وحدةٍ مع الشمال، يمكن أن تنصفَهم، وتعتبرُ كينونتَهم المغايرة، وترد ظلاماتِهم، أدى، في نهاية المطاف إلى انفصال الجنوب، وإلى أن ينتهي النضال الجنوبي الطويل إلى هذا المآل الكئيب من الحرب الجنوبية/الجنوبية، الشرسة التي نشاهدها اليوم. كما انتهت فسالة الإسلاميين، وقصر نظرهم بالشمال السوداني نفسه، إلى هذا الحفرة من الفقر المدقع، والعزلة، التي ابتعلت القطر، وقادت إلى اليأس وخبوِّ كل بارقاتِ الأمل، ودفقًا من هجرةٍ ملحميةٍ إلى خارج القطر، قوامها الشباب.
    حين أحاولُ أن أُجليَ ما يراه البعضُ التباساتٍ في خياراتِ منصورِ السياسية، لا أفعل ذلك بغيةَ الدفاعِ عنه، فهو أقدرُ على الدفاعِ عن نفسه مني، وقد فعل ذلك في مئاتِ الصفحاتِ، إن لم يكن في الآلافِ منها مما كتبه. كما أن منصورًا لم يستنكف أن ينقدَ نفسه نقدا ذاتيًا. محاولتي هنا هي أن أجلي حقيقةَ أن خياراتَه كانت خياراتٍ واعية. فهي، من وجهة نظري، حفرٌ في المنطقةِ الرماديةِ الواقعةِ بين الأبيضِ والأسودِ، وهي منطقةٌ لا تقدر الأكثريةُ على التفريقِ بين درجاتِها الرماديةِ. فالأمورُ، لدى الأذهانِ المتوقدةِ التي تفرق بين منطق النظرياتِ، وضبابيةِ لغةِ الخطابِ، وسيطرة مثاليةِ المبدأِ، من جهة، وبين منطقِ دينامياتِ الواقعِ من الجهة الأخرى، ليست بسيطةً. كما أنها ليست بيضاءَ أو سوداء.

    تحدث منصور خالد عن نفسِه، مرةً، قائلا إن سلاحَه، الذي صحبه طيلةَ رحلتِه الطويلةِ من المعاناةِ الفكريةِ والنفسية، قلمٌ ظلَّ ينحتُ به في الصخرِ الصلد. ولا غرابة، فظروفُ السودان، لم تكن مواتيةً، في يومٍ من الأيام، لأيٍّ ممن حلموا الأحلامَ الكبارَ. ولذلك، فهي لم تترك للمحاربين من أجلِ المستقبلِ، من أهلِ القلوبِ الكبيرةِ، سلاحًا في أيديهم، سوى أقلامِهم. ولستُ بحاجةٍ إلى القولِ إن أرضَ السودانِ قد بقيت، حتى يومنا هذا، مقبرةً لأحلامِ الكبار. كما بقيت، في ذات الوقت، مشتلاً خصبًا، وفيرَ الإنباتِ، لتفاهاتِ الصغارِ، من صغار الأحلام، عيِّي العقولِ، جديبي الوجدان.

    منصور الفنان
    يتميز منصور خالد بكونه السودانيُّ الأكثر تحضرًا في مظهره، وفي أسلوب عيشه. ويظن البعض أن تلك السمات دلالةً على استلابٍ غربيٍّ، وما هي بذلك أبدًا. إن سمات منصور خالد التمدنية جزءٌ من بنيةِ وعيه، وجزءٌ مما ظل يتمناه لبلده، ولقومه، وجزءٌ من ذائقتِه الجماليةِ الرفيعةِ المتقدمة. اختيارُ الزيِّ الإفرنجي أو الزي البلدي، لا يعينان شيئًا في هذه الحقبة التاريخية التي تقاربت فيها الشعوب، واختلطت فيها أزياؤها. وأن تكون أنيقًا ومتمدنًا وصاحبَ أسلوبٍ في نمط حياتك، ليس له بالضرورة ارتباطٌ بنوعِ الزي أو نوع المسكن، أو نوع المأكل والمشرب. يمكن أن يكونَ المرءُ جلفًا، وهو يتقلّب في أجدِّ الأطر الحضارية. والعكس صحيح، يمكن أن يعيش الرجلُ دون خطِّ الفقرِ، ويكونُ متمدِّنًا صاحبَ أسلوبٍ راقٍ في العيش. لقد عشتُ في كنفِ الأستاذ محمود محمد طه، ثلاثةَ عشر عامًا، رأيته فيها في جميع متقلَّباتِ حياته اليومية، فلم أرَ رجلاً متمدِّنا مثلَه، رغم بساطةِ عيشهِ، الذي يقعُ دون متوسطِ عيشِ سوادِ السودانيين.

    التحضرُ والتمدنُ لا يأتيان اتفاقًا، وإنما يأتيان نتاجًا لفكرٍ، ولتدبرٍ، ولرؤية. كما أنهما لا يأتيانِ بمجرد الارتفاق بمنتجاتِ الحضارة. فهما تعبيرٌ عن حضورٍ ذهنيٍّ، ووعيٍّ باللحظةِ، وبالذاتِ، وبالمحيط، وبالدورِ، وبالرسالةِ، في آنٍ معًا. فأسلوُب العيشِ المتمدنِ انعكاسٌ لفلسفةٍ حياتية. فالمظهرُ والمخبرُ إنما يحملان رسالةً تعليميةً متعدية. السلوكُ المهذبُ، والمظهرُ الأنيقُ، والحديث الهامس الخفيض، وتنغيمُ حركةِ الجسدِ، وضبطُ إيقاعه، وتهذيبُ تعبيراتِه، وجعْلُ كلِّ ذلك متّسمًا بالرزانةِ وبالاقتصادِ، وبالجمال، لا تكون بغير فكرٍ وحضورٍ ذهنيٍّ طاغ.

    اختار منصورٌ رغدَ العيشِ، وأحاطَ نفسه بمظاهر التمدن، فكانت حياته كلها تعبيرًا عن طقسٍ جمالي متصلِ الحلقات. وكل تلك، أمورٌ يسرتها له إمكانياتُه، وتجاربُه الكوكبيةُ الثرة، وقد كان بها حقيقا. واختار الأستاذ محمود محمد طه بساطةَ العيش، وهو أمر كانت إمكاناته كافيةً لتوفرَ له رغدَ العيش. والتقى الاثنان في حمل رسالة الفكر، وفي بث رسالة التمدين، فيما كتباه، وفيما ظهرا به في سمتيهِما وأسلوبيهِما، على اختلافهما. وليس بين الأمرينِ مفاضلةٌ، في نظري، وإنما مجّردَ تجلٍ آخرَ من تجلياتِ التنوع، الذي لا تنقضي عجائبه. وكما يقولُ المتصوفةُ: "الطرائقُ إلى اللهِ بِعَدِّ أنفاسِ الخلائق". الشاهدُ، أنّ منصور خالد شخصٌ يُعمل فكرَه في شؤونِه كلِّها. فهو مثلما حاولَ تنغيمَ بيئتِنا السياسيةِ المرتبكةِ، بفكرِه وبناشطيتِه السياسة، حاول أيضًا أن يقدّمَ نموذجًا لما ينبغي أن يكونَ عليه المثقفُ السوداني، والفردُ السوداني، من حيث التمدينُ، ومن حيث الحضورُ الذهني، المعين على الحفاظِ على السمتِ المتمدين، وحراستِه من الترهُّلِ والتراجع، والسقوطِ في مستنقع الغفلة والجلافة.

    كنت شاهدًا، وأنا طالبٌ في كليةِ الفنونِ الجميلةِ والتطبيقيةِ، في الخرطوم، في النصفِ الأولِ من السبعيناتِ، على الحضورِ الثابتِ للوزير منصور خالد، في معرضِ التخرج السنوي لطلاب وطالباتِ كليةِ الفنون الجميلة. فلربما كان الوحيدُ من المسؤولين، ومن المثقفين، الذي يحرص على اقتناءِ أعمال الطلاب الفنية. فما أن تتخرج دفعةٌ وتقيمُ معارضَها يأتي منصورٌ ويتجول ويشتري ما يروق له. كما أذكر أيضًا، أنه حين كان وزيرًا للخارجية، استدعى أستاذتَنا، الفنانة القديرة، كمالا إبراهيم اسحق، لتجمِّلَ جدرانَ وزارةِ الخارجية، بأعمالِها المميزة. وهذه مجردُ جزئياتٍ من تجلياتِ شخصيةِ منصورٍ الفنان، وأعلمُ أن ما لا أعرفه في هذا المنحى أكثرُ بكثيرٍ مما أعرف. الشاهد، أن منصورًا ظل حاضرَ الذهنِ على الدوام، وظل واعيًا، ومستحضرًا أن له دورًا ورسالة، وأنه في مكانِ القدوةِ والأنموذج.

    خاتمة
    جعلت عنوان هذه المساهمة "منصور خالد: جسرٌ سودانيٌّ إلى المستقبل"، وأرجو أن أكونَ قد أبنتُ فيها ما عنيته. فنحن الآن نعيش في أسفلِ دركِ الفشل السوداني، الذي شرّحه هو، وأبان سائر تجلياته، بما لا مزيد عليه. حاول منصورٌ أن يقرأ الواقعَ السودانيَ بعيدًا عن أيِّ أُطرٍ مسبقةٍ، وعن أيِّ قوالبَ جاهزةٍ مٍتوهمة، فانخرط في الفعل السياسي، حافزه في ذلك فعلُ الممكنِ بما يسمحُ به الظرفُ المتاح. عمل في الناشطيةِ السياسيةِ حينًا، واعتزل العملَ فيها حينًا آخر، لكنه لم يكفَّ عنِ الكتابةِ وعن الحديث. حلم أحلامًا كبيرةً، وعظيمةً، رسمها بعقلٍ متوقدٍ، وبجنان فنانٍ، وبنفسٍ حيةٍ تواقةٍ للجمالِ، وبروحٍ متعلقةٍ بأن يعُمَّ الخيرُ الجميع. غير أن الواقعَ والسياقَ كانا أبعد ما يكونان عن تحقيق الأحلام الكبيرة، وهما لا يزالان كذلك. ولربما سيبقى على المرهفينَ التواقين للرفعة العامة، أن يستمروا في النحتِ في الصخرِ، وربما أن يبقوا مرددين مع محمد الماغوط قوله: "أريد كفنًا واسعًا لأحلامي".

    جسَّد منصور خالد، أطال اللهُ عمرَه، وأسبغ عليه نعمةَ العافيةِ، في حياتِه العامرةِ المنتجةِ الكثيرَ من القيم التي تربطُ بين حاضِرنا هذا المضطرب، وبين مستقبلِنا البهيِّ، الذي نرجوه ونتوق إليه. لقد قدم منصور خالد للسودانيين، زادًا بحثيًا مرقومًا في سلسة من المؤلفات، لم يقدم مثلَه أحدٌ من السودانيين. وقدّم بأسلوبِ حياتِه، وبمهنيته، وانضباطه، وتفانيه في الإنجاز، وحرصه على التجويد، قيمًا أظن أن السودانيين هم أحوجُ شعوبِ الأرض إلى تمثلِها. وأهمُ ما قدمه منصور، في تقديري، ليس الكتابةَ، وليس الفعلَ السياسي، وإنما الشجاعةَ منقطعةَ النظير، والفرديةَ، والانعتاقَ من قبضةِ القطيع. كذلك قدم الاعتدادَ بالنفسِ، وعدمَ مهادنةِ الخصوم. كما كان ناجحًا، بقدرٍ لا يُصدقُ، في سلبِ سلاحِ الدينِ، وسلاح الذاكرة التاريخية العربية الإسلامية، من أيدي من يستخدمونها بغيةً للباطل. أيضًا، جسد منصورٌ هيبةَ المعرفةِ، وامتلاكَ ناصيةَ الكلمةِ، التي تخرسُ الخصومَ، وتجعلهم يتقاصرون. لم يستطعْ أحدٌ من المشتغلينَ بالاتجارِ بالدين، من السودانيين، أن يرهبَ منصور خالد، على الإطلاق. بل لم يدعهم حتى أن يطمعوا فيه، مجرد طمع. لقد كان الأجهر صوتًا في رفع ذكر الأستاذ محمود محمد طه، رغم شراسة الإرهاب الديني الذي اغتال الرجلَ حسيًا، وسعى إلى استدامةِ اغتياله معنويا. لقد عاش منصور خالد طيلةَ حياتِه وسطَ غابةٍ من الرماحِ المشرعة، لكنه أجبر حامليها بكاريزماه الطاغيةِ على أن ينكِّسوا رؤوسها. إن منصور خالد شخصٌ جديرٌ جدًا بالاحتفاءِ وبالتكريم، وإنه لشرفٌ لي أن أجد الفرصة لأقول شيئًا في تكريمه. وأرجو أن يكون فيما قلتُ ما يرقي إلى قامةِ الرجلِ السامقةِ، وما يليقُ برمزيته في بنيةِ الفكرِ والسياسةِ في السودان.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-04-2020, 01:40 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مذبحة القيادة منعطفٌ تاريخي

    النور حمد

    صحيفة التيار 4 يونيو 2020

    مثلت المذبحة البشعة التي جرت في الثالث من يونيو 2019 لشبان وشابات مسالمين، على مرأى ومسمع من جيش البلاد، قمة التراكم للعنف المؤسسي في الحياة السياسية السودانية. ومع أن العنف قديمٌ في الحياة السياسية السودانية، إلا أن الإنقاذ أوصلته، كمًّا ونوعًا، إلى قمة لا تجارى. لذلك ينبغي أن نعمل على جعل هذه المذبحة البشعة منعطفًا محوريًا في التاريخ السوداني، لتحتل ما احتلته محارق النازيين لليهود في ألمانيا وغيرها من الدول الأخرى التي احتلها النازيون. وما احتلته في التاريخ الإنساني، أيضا، مجازر الخمير الحمر في كمبوديا، والهوتو في رواندا، وغير ذلك من فظاعات العصر الحديث. تقول التقارير الدولية أن 300 ألف قُتلوا في دارفور في بضع سنوات. ولم ينف الرئيس المخلوع، عمر البشير هذه الحقيقة، وإنما خفض الرقم إلى عشرة ألف قتيل معترفا بقتلهم. أما من قتلوا في الجنوب على مدى عقود، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، وغير ذلك من بقاع السودان، فتصل أعدادهم مجتمعين إلى الملايين. لقد غرقنا في نهر من الدم، وينبغي أن تكون مذبحة القيادة نقطة التحول الفاصلة بين عهود الاستبداد والعنف والبربرية، وعهد الحرية والسلام والاستقرار والتنمية وحكم القانون.

    اقتلع الشعب السوداني نظام الإنقاذ بالتصميم وبقوة السلمية. واقتلع من بعده في يوم واحد، الفريق عوض ابن عوف. ثم أزاح من اللجنة الأمنية الفريقين صلاح قوش، وعمر زين العابدين، وغيرهم. غير أن العقلية الاستبدادية المسيطرة وسط بعض قادة القوى النظامية أوهمتهم بألا ثورة هناك، ولا شيء هناك اسمه الإرادة الشعبية. ظلوا يشترون الوقت بالمماطلة ليجهزوا خطتهم للقضاء على الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وقد ورد في عديد الشهادات أن قرار فض الاعتصام لم يصدر من القوات النظامية منفردة. فناك قضاةٌ حضروا الاجتماع الذي قرر الفض. وقيل أن هناك رجال دين وزعماء طوائف وقادة أحزاب وقادة مهنيين جرى إخطارهم وافقوا على الخطة. ونحن الآن في انتظار تقرير لجنة التحقيق كي نعرف بالتفصيل هذا الطيف الواسع الذي شارك في اتخاذ ذلك القرار الكارثي. فنحن نقف الآن على رأس اللحظة التاريخية التي يتوجب علينا فيها فضح نزعة العنف والاستبداد المسيطرة عقول عسكريينا ومدنيينا. ولا ينبغي أن تحجبنا شجرة واحدة عن رؤية الغابة.

    هناك الكثير من الالتباس في حادثة مذبحة القيادة. فلربما وافق البعض على فضٍّ رفيقٍ للاعتصام لا يصل درجة القتل، وأنهم لم يعلموا أن الخطة المعدة هي ممارسة أقصى درجات العنف والفظاعة، بغرض كسر الإرادة الشعبية. وكلنا يذكر كيف علَّقت اللجنة الأمنية التفاوض عقب الفض مباشرة، وكأنها أرادت أن تقول: لقد شطبنا ثورتكم من التاريخ، ونحن من سيحكم. وقد أكدوا هذا التوجه بمحوهم كل ما رسمه الثوار على الجدران. لكن، جاءت 30 يونيو وقلبت الطاولة على اللجنة الأمنية، وعلى القوى الخارجية التي كانت تريد مذبحة حاسمة، على قرار مذبحة رابعة العدوية في مصر، تجعل من الثورة نسيًا منسيا. لقد كان الفض خطأ فادحًا، وقد فضح هذه العقلية العنفية الاستبدادية المتغطرسة. ولابد أن يقف مرتكبو هذه الجريمة، بلا استثناء، أمام العدالة. ولن يضيع حقٌ لم ينم عنه أهله. (سأتحدث غدا عن معاني الاعتصام التي أقلقتهم وجعلتهم يقومون بهذا العنف غير المسبوق).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-04-2020, 10:06 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ما وراء الوحشية في فض الاعتصام

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 يونيو 2020

    في ساحة الاعتصام خرج السودان الأصيل، ذو العمق التاريخي الذي يعود لسبعة آلاف عام، من الرماد كطائر الفينيق. لقد ظنوا أنهم عبر ثلاثين عامًا من الاستبداد والغطرسة والأكاذيب، أنهم محوه، وأحلوا محلَّه، وإلى الأبد، هذا المسخ المستورد النقيض لكل قيمة أتى بها الدين. استجمع السودانيون في ساحة الاعتصام فضائلهم التاريخية من كرم وشهامة ونخوة وأمانة وتعاون وأخوة صادقة لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين وجيهٍ وخاملِ ذكر. قدم السودانيون في ساحة الاعتصام أكبر عرض عرفه التاريخ لفضائل هذه الأمة نادرة الشبيه. في هذا المعرض الرباني السماوي، الذي جرى في الهواء الطلق، تقزَّم التدين الكاذب المستورد، الذي عاش نفاقًا على "هي لله"، وبرز التدين الصوفي السوداني الأصيل. أقيمت في ساحة الاعتصام صلواتٌ جماعية حاشدة، لم يحدث لها شبيه، ولا في الثورة المهدية. وكان الأكثر إيلامًا لهم، إن أبناءهم وبناتهم نفضوا منهم أيديهم، وانضموا بفطرتهم السليمة التي لم تنمسخ، إلى المسيرة القاصدة نحو الحق والعدل والخير والجمال.

    بسبب كل ما تقدم، كانت هذه الوحشية التي لم يشهد لها تاريخ السودان مثيلا. لقد أصابتهم تجربة الاعتصام في مقتل. فقد فضحت زيفهم، وزلزلت عرشهم، الذي شيدوه على دعاماتٍ واهية، من الأكاذيب والتضليل. شعروا بأن قيامتهم قد قامت وأن يد القدرة قد أمسكت بتلابيبهم. وبدلاً من أن ينكِّسوا رؤوسهم، ويمضوا في صمتٍ إلى غياهب النسيان، كأسوأ خَبَثٍ، طفح على وجه الحياة السودانية، بيَّتوا النية لممارسة أقسى صنوف الوحشية والفظاعة ضد هذا المارد، الذي طالما استخفوا به، ففاجأهم بما لم يحسبوه. أعلنوا أن الاعتصام لن يجري فضه. ثم ما لبثوا أن غدروا بالمعتصمين بليل. قتلوا الصائمين والصائمات الغافلين النيام، بدمٍ بارد، في شهر الله الحرام. قيدوهم وربطوا أرجلهم بكتل الأسمنت وأغرقوهم في النيل. اغتصبوا النساء على أرضية المسجد، ولم يلقوا بالاً لصرخاتهن وتوسلاتهن، وهن العفيفات الحريصات على شرفهن. استباحوا المدينة لنهارين، فأوسعوا سكانها ضربًا وإهانة، فلم يسلم منها حتى كبار السن، في فقدانٍ للمروءة، أكد تربيتهم المنحرفة. ثم ما لبثوا أن عرَّجوا على آثار الاعتصام من جداريات رسمها الشباب والشابات فمحوها. ظنوا أنهم بكل ذلك، قد كسروا عزيمة الشعب، ومحوا ثورته من سجل التاريخ. فعلقوا التفاوض مع تجمع المهنيين. لكن، بعد سبعة وعشرين يومًا فقط، خرج لهم طائر الفينيق من الرماد، من جديد، فجعل عاليها سافلها، فعادوا إلى التفاوض صاغرين.

    في أعوامهم الثلاثين احتقروا الأدب، وحاربوا الفن الرفيع، وأغلقوا دور السينما، وكتموا أنفاس المجال العام. بل حاربوا حتى منظمات الشباب الطوعية التي لا تعمل تحت إمرتهم. أغرقوا البلاد في التدين المظهري الكاذب، الذي يُستخدم لأغراض الدنيا. وزحموا الإعلام بالتفاهات من غناء هابط، ومغنين ومغنيات تابعين لجهاز الأمن، وصحافة "تابلويد"، مشغولةٍ بالإشاعات وتافه الأخبار، وأقلام مأجورة لا تنفك تسبح بحمد مولاها. خلقوا طبقية لم يعرفها السودانيون. تباهوا في أعراسهم بعرض كتل الذهب على أجساد العرائس، وبعرض شيلات العرسان المستوردة، وبالولائم الباذخة في الصلات الفخمة. لقد كانت المعاني التي جسدها الاعتصام نقيضًا لكل هذه الوثنية المقرفة، التي التحفت قداسة الدين. لقد هُزموا أخلاقيًا أسوأ ما تكون الهزيمة. لذلك كانت هذه الوحشية الفظيعة. لكن، للحرية ثمنٌ يُدفع دائما.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-06-2020, 11:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    "ورجغة" التفريط في السيادة الوطنية

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 يونية 2020

    أخيرا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وخرج مجلس الأمن بقرارٍ مزدوجٍ، يتضمن إرسال بعثة مدنية تحت الفصل السادس، كما طالب السيد رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، لكن، مصحوبًا بتمديد بقاء قوات يوناميد في السودان لستة أشهر أخرى، تنتهي بنهاية هذا العام. بهذا انغلق الباب على "الورجغة" الفارغة، التي بدأت منذ شهور. وستأتي بعثة أممية من الخبراء لتعين على إنجاح الفترة الانتقالية، دعمًا للتحول الديمقراطي في البلاد. لقد شن كارهو الثورة حربًا غير شريفة على رئيس الوزراء، ذي السند الجماهيري غير المسبوق، بدعاوى التفريط في سيادة البلاد، مع أنهم هم الذين وضعوا البلاد، تحت الفصل السابع، منذ عام 2007. ودخلها بسبب بطشهم بمواطنيهم وممارستهم التطهير العرقي وسياسة الأرض المحروقة، عشرون ألف جندي أممي، لا يزالون هناك حتى هذه اللحظة. لقد أوضح السيد رئيس الوزراء أنه يريد أن ينقل البلاد من الفاصل السابع الذي ورطونا فيه، إلى الفصل السادس، الذي لا يتضمن وفود قوة عسكرية. والغرض، بالتحديد، هو الاستفادة من موارد الأمم المتحدة الضخمة وخبراتها في تثبيت السلام، وإعادة توطين اللاجئين، والإعانة في جهود الاصلاح الإداري، والإعداد للانتخابات، وبناء القدرات والتدريب، وغير ذلك. إلا أن هؤلاء أصروا على "الورجغة". الآن جاء القرار وفقًا للفصل السادس، متضمنًا التمديد للجنود الذي جاءوا في عهدهم. فكل مصيبةٍ نعاني منها الآن هم سببها.

    يخسر سدنة النظام المدحور كل صبحٍ جديدٍ واحدة من معاركهم الدونكيشوتية. بدأ عبد الحي يوسف حملةً عارمةً لشيطنة الوزيرة ولاء البوشي، لكن ما أن طفحت فضيحته باستلام 5 ملايين دولار من الرئيس المخلوع، فر خارج البلاد. اشعلوا، أيضًا، حملةً لشيطنة الدكتور عمر القراي، ما لبثت أن خابت، رغم الجهد الضخم الذي بُذل فيها. تلت ذلك حملةٌ لشيطنة وزير الصحة، سرعان ما انفجرت فقاعتها. وبين هذه وتلك، اتجهوا إلى استهداف رئيس الوزراء بسبب مخاطبته الأمم المتحدة، فاتهموه بالتفريط في السيادة الوطنية، فانجلى غبار هذه المعركة عن هزيمة جديدة. لقد أثبت هؤلاء، مرارًا وتكرارًا أنهم لا يريدون لهذه البلاد التعافي مما جرّوه عليها من مآسي. إنهم فقط يريدون أن يعودوا لرفع لافتات التدين الشكلي الكاذب، ليمارسوا، من ورائها، الاستبداد والغطرسة والعنف ونهب المال العام، وحيازة العقارات والأراضي، وتملك الشركات، وإيداع الدولارات في البنوك الأجنبية.

    يعلم الجميع أن الجنوب، وحلايب، والفشقة، وأبيي، قد ضاعت جميعها في عهدهم. كما خرجت في عهدهم أجزاء أخرى من البلاد عن السيطرة الحكومية؛ في جنوب كردفان والنيل الأزرق. والآن تقرر أن يبقى جنود بعثة اليوناميد حتى نهاية 2020، ولربما يتمدد وجودهم حتى يثبت أن الخطر على المدنيين قد زال تماما. الآن على المكون العسكري أن يثبت أن عهد البطش بالمدنيين قد ولى. خاصةً أن العديد من جنرالاته شاركوا في حروب الإبادة في دارفور، ونفذوا مجزرة القيادة العامة. وهذا هو ما جعلهم غير موثوقٍ بهم من قبل مجلس الأمن، والمنظمة الأممية، والاتحاد الإفريقي، والدول الكبرى. وسيظل شبح الوصاية الدولية ماثلاً، ما لم توضع الأمور في نصابها، ويرسخ الحكم المدني، وينتهي نهج قتل المدنيين العُزَّل. وفي تجارب الدول الأخرى لنا عبرة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-07-2020, 12:52 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ضرورة التحرر من المحاور

    النور حمد

    صحيفة التيار 7 يونيو 2020

    للمحاور في منطقتنا قصةٌ طويلة. غير أن المحاور تقزَّمت وانتقلت من القوى الكبرى لتصبح على رأسها دول صغيرة، بلا وزن تاريخي، أوثقافي، أو سياسيٍّ أو عسكري. بعض هذه الدول التي جلست على قمة هرم المحاور الإقليمية الفاعلة الآن، لا يزيد عدد سكان الواحدة منها على مليون نسمة. كانت الناصرية، في حقبة الحرب الباردة، هي وكيلة الشيوعية الدولية في منطقة الشرق الأوسط التي دارت في فلكها الأنظمة الثورية العربية. وكانت السعودية، وإيران الشاه، وتركيا، وكيلة الكتلة الغربية في المنطقة. واصطفت وراء السعودية الأنظمة الملكية العربية، بمسافاتٍ متفاوتة. في حين اصطفَّت وراء الناصرية قوى البعثيين والشيوعيين، وكثيرٌ من الفلسطينيين. وأطلق هذا المعسكر الذي يعد نفسه "تقدميا"، على المعسكر الذي تترأسه السعودية اسم: "الرجعية العربية". ومارس هذان الحلفان ضد بعضهما الكثير من الضرب تحت الحزام. كما خاضا حروب وكالة بطرق مختلفة، وفقًا لأجندة مختلفة مضطربةٍ وملتبسة. شملت تلك الحروب اليمن وإقليم ظفار العماني والصحراء الغربية، وأماكن أخرى، إضافة إلى نزاعات عديدة.

    بعد هزيمة يونيو 1967 بدأت الناصرية في التراجع. واكتمل أفول شمس الناصرية بموت جمال عبد الناصر في عام 1970، وجلوس أنور السادات مكانه. في فترة السادات قوي الإسلام السياسي بسبب رغبة السادات في إضعاف اليسار، فزحف الإسلام السياسي وملأ الفراغ الكبير الذي خلفه تراجع اليسار العربي. ثم جاء تفكك الاتحاد السوفيتي فأوصل اليسار العربي إلى مرحلة الموت السريري. صاحبت التغيرات في السياسة الدولية والعربية الطفرة النفطية، التي منحت دول الخليج وزنًا جديدا. ورويدًا، رويدًا، خاصة عقب كامب ديفيد، تحول الوزن السياسي، والسيطرة الإعلامية على المنطقة العربية من مصر الناصرية، إلى دول الخليج. ثم ما لبثت أن غرقت كلٌّ من مصر والعراق وسوريا في مشاكلها الداخلية والخارجية. صعد الإسلاميون إلى الحكم في تركيا وفي السودان ووصلوا إلى السلطة في مصر لمدة عام. كما أصبح لهم وضع مؤثر في تونس وفي المغرب وفي الأردن وفي اليمن وفي ليبيا وفي الكويت. بناءً على حسابات جيواستراتيجية وجيوسياسية خاصة بها، صعدت قطر، بدعمٍ من تركيا، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إلى زعامة القطب الراعي لتمدد الإسلام السياسي في المنطقة. وفي رد فعلٍ لزحف الإسلام السياسي إلى دست السلطة، تحركت الإمارات لتجلس مع السعودية ومصر في المعسكر المناوئ لتمدد الإسلاميين. وفي كلا المحورين هناك أجندةٌ متقاطعة تخص كل قطرٍ على حده.

    الانجذاب السوداني التاريخي الى المحاور الخارجية، منذ حزب الأشقاء، يمثل في نظري واحدًا من تجليات أزمة الهوية الوطنية في بلادنا. يضاف إلى ذلك، أن التنظيمات المؤدلجة؛ "الإسلاميون والشيوعيون" الذي هيمنوا على مجمل مجريات الصراع السوداني، السوداني، ارتبطوا برؤى سياسية مستوردة، لم يجر اشتغالٌ حصيفٌ لتوطين هذه الرؤى في السياق المحلي. فالتصور الذي يحمله هؤلاء للذات وللآخر، فيما أرى، منبتٌّ عن البنية التاريخية والثقافية والدينية للبلد. ولو عرفت نخبنا السياسية قدر بلادنا وعظمة تاريخها، وسمو سجايا أهلها، وغناها نادر الشبيه، ووطَّنوا مفاهيمهم لبناء الدولة في ثقافة بلادهم، لخرجنا من هذا الاستلاب والاستتباع الطويل، الذي أصابنا بكثيرٍ من الصَّغَار وعطل نمونا. من مهام هذه الثورة الرئيسة، إخراجنا من حفرة الاستتباع هذه، بعصف فكري واسع. فالصدوع الرأسية في الداخل هي ما يجرنا إلى المحاور الخارجية، وهي ما يضع البلاد على مهب الريح.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-08-2020, 07:24 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    صحفيون في خدمة الشمولية
    والاستبداد

    النور حمد

    صحيفة التيار 8 يونيو 2020

    ستبقى تركة الإنقاذ المثقلة بيننا لحينٍ من الوقت. من هذه التركة صحافة التضليل وتعطيل الوعي، بواسطة صحفيين لا يتقيدون بمهنية، ولا يعرفون الحيدة والنزاهة، ولا يهمهم رفع الوعي وخدمة الديموقراطية. هؤلاء جيشٌ جندته الإنقاذ ليشتغل في خلط الأوراق وإغراق الحق الأبلج باللغو الباطل، وتكريس ضبابية الرؤية، خدمةً للمستبدين المفسدين، وتكريسًا للشمولية. في عهد الإنقاذ، تكاثرت الصحف كما يتكاثر الفطر في البرية، وتكاثر الصحفيون الرماديون، وتزايدت القنوات التلفزيونية، ونشأت محطاتٌ إذاعية على موجات إف إم. وتخرجت جيوشٌ من المطربين والمطربات المقلِّدين. وجلس في رئاسة الأندية الرياضية الإنقاذيون. وتبع ذلك انفجارٌ ضخمٌ في الصحافة الرياضية. ظهرت عبر الثلاثين عامًا الماضية أقلامٌ صحفية، ومعدو برامج ومقدمو برامج، مهمتهم حشر اللغو في كل مسألة للتناول العميق بغرض تسطيحها، باستخدام أسلوب تشتيت الكرات المعروف في كرة القدم.

    بدأ نهج الحملات المنظمة لتضليل الرأي العام وقلب الباطل حقًا، والحق باطلاً، في الديمقراطية الثالثة (1985 - 1989). وقتها نشأت البنوك الإسلامية، وشركات استثمار الأموال، وبرزت معها صحافة الشيطنة، التي دشنها الأستاذ، حسين خوجلي. اختار حسين طاقمًا من الطائشين منتجي الفكاهة الحامضة، وبعضًا من شعراء حلمنتيش، فصوبوا على مدى سنوات، أقلامهم المسمومة على النظام الديمقراطي تمهيدًا لانقلابهم العسكري الذي أعدّوا له. عملوا على ضرب ثقافة الاحترام والتوقير في المجتمع، وشرعوا يخاطبون الزعماء الدينيين بساقط القول، ويطلقون عليهم سفيه الألقاب. (راجعوا صحيفة ألوان 1987 - 1989). صاحبت ذلك التخريب الأخلاقي الممنهج، تجارة الفحم والعيش، وإخفاء السلع الضرورية لضرب الثقة في الديموقراطية. بهذا الأسلوب وصلوا إلى الحكم، فوجد هذا النهج الإعلامي المدمر فرصته ليتمدد، وهو مرعيٌّ ومحروس.

    سبب هذا العمود جملةٌ ختم بها الصحفي بكري المدني مقالًا عالج فيه قضية البعثة الدولية وفقًا للبند السادس، والتمديد لقوات يوناميد. خاطب بكري المدني الفريق البرهان ومجلس السيادة، بعد أن تباكى على فقدان البلاد استقلالها، فقال: "إننا نستودع المجلس السيادي ورئيسه الفريق أول، عبد الفتاح البرهان سيادة بلادنا واستقلالها وعزتها في ظل هذا الوضع الغريب والمريب!". شمل بكري المدني، في مناشدته، المجلس السيادي، لا ثقةً في مكوِّنه المدني، وإنما للتعمية، لكيلا تصبح مناشدته طلبًا صريحًا لانقلابٍ عسكري. لكن، كم مرةً، يا ترى، كرر المجلس السيادي ومجلس الوزراء، انهم يعملون في تناغم؟ وهل خرج من مجلس السيادة، حتى هذه اللحظة، ما يعارض القرارين الأمميين كلية؟

    لفضح خطط كارهي الثورة، دعونا نقارن ما ختم به بكري المدني مقاله هذا، بما جرى في المسيرة الهزيلة التي وصلت إلى القيادة العامة وهتفت: "عسكرية... ما دايرين مدنية"، وهتفت، أيضًا: "الكاب ولا الأحزاب". وجميعنا نذكر الشخص الذي خاطب ضابطًا كبيرًا كان في تلك المسيرة، بقوله: "ما قلتوا لينا تعالوا.. تخذلونا؟". أمنيتهم، جميعًا، أن يقوم الجيش بانقلاب يمحو هذه الثورة، التي ذهبت بريحهم. مناشدة بكري المدني للبرهان ليست حرصًا على البلاد وأهلها، وإنما حنينٌ لعهد العصبة الذي ولّى؟ لو كان في ضمير بكري المدني ذرةً من احترامٍ لهذا الشعب وثورته، لما استمر بوقًا لحسين خوجلي، بعد أن تجاسر على الثوار، بتلك السماجة، وهم يُقنصون بالبنادق في الشوارع.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-09-2020, 05:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لا سيادة وطنية مع الفاشية

    النور حمد

    صحيفة التيار 9 يونيو 2020

    للفاشية، في تقديري صورتان: هناك فاشية علمانية، مثَّلتها ألمانيا النازية، وإيطاليا، تحت قيادتي موسوليني وهتلر. وهناك فاشية دينية، تمثلها جماعات الإسلام السياسي. والجامع بين الفاشيتين الشعور بالحق في السيطرة على الحكم، وكبت الخصوم وقهرهم، بل وقتلهم. بعد أن بث هتلر الروح القومي الصارخ والشعور بالتفوق العرقي وسط شعبه، خلق أقوى آلة عسكرية عرفتها أوروبا، وزحف ليبتلع القارة قطرًا، بعد الآخر. لم يكن أمام بريطانيا وأمريكا وغرب أوروبا سوى أن تتكاتف لتستأصل شأفته. ودخل مع هؤلاء على الخط، الاتحاد السوفيتي، من جهة الشرق، بعد أن تحرش به هتلر وغزا أراضيه. اندحر هتلر والتقى جيش الكتلتين في برلين وجرى تقسيمها. بسبب عنجهية النازية التي لا ترى حقًا إلا لنفسها، فقدت ألمانيا سيادتها الوطنية. كما فقدتها أيضًا حليفتاها في المحور؛ إيطاليا واليابان.

    الفكرة التي حكمت بها الإنقاذ السودان فكرة فاشية. كل الاختلاف أن الإنقاذ استبدلت الشوفينية العرقية، بشوفينية دينية. وقد اشتركت الإنقاذ مع الفاشية في عبادة القائد الفرد، وسيطرة التنظيم الفرد، وشعور الاستحقاق في احتكار الدولة وقهر الآخرين. هذه العقلية الإنقاذية لا تزال سائدة بيننا حتى هذه اللحظة، ولا نتوقع أن تتغير بسهولة. أصحاب هذه العقلية هم من يرفعون الآن، فزاعة، السيادة الوطنية، في وجه القرار الأممي، القاضي بإرسال بعثة إلى السودان ستساعد في استكمال مهام الفترة الانتقالية، مع تمديد لبقاء قوات يوناميد في دارفور، تحت الفصل السابع، لستة أشهر. فهل يظنون أن الصين وروسيا اللتان صوتتا على القرار، تتآمران مع الغرب على السيادة الوطنية للسودان؟ أي فهمٍ سياسيٍّ هذا؟

    السيادة الوطنية لا يحفظها الصراخ ولا العنتريات، وإنما تحفظها استقامة شؤون الحكم، وسيادة حكم القانون، وقواعد العدالة، وترسيخ الممارسة الديمقراطية. فالذي أفقد البلاد سيادتها الوطنية منذ عام 2007، هو ما قامت به الإنقاذ من تطهير عرقي في دارفور، مات فيه مئة ألف مواطن. الأمر الذي جعل رئيس البلاد، وبعضًا من زمرته، مطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية. لقد بقيت دارفور تحت البند السابع منذ 13 عامًا، فأين كان هؤلاء الذين يتباكون الآن على السيادة الوطنية؟ لقد أرغى البشير وأزبد حين وضعت دارفور تحت الفصل السابع، وقال لن تدخل القوات الأممية إلا فوق جثته. لكنه، ما لبث أن رضخ للأمر. وأرجو من كل قلبي ألا يتكرر هذا.

    باختصارٍ شديد، الجيوش التي تنصرف عن واجبها في حماية البلاد ويصبح عملها التفتك بالمواطنين، سواءً في السودان، أو في أي بلد آخر، لن يصدقها أحد حين تتحدث عن السيادة الوطنية. هذا النوع من الجيوش يحتاج أن يراجع رؤيته ويعيد تعريف رسالته، لينال احترام شعبه، واحترام المجتمع الدولي، وهذا ما نرجو أن يحدث. الديموقراطية وسيادة حكم القانون هما ما يبعدان شبح فقدان السيادة الوطنية. ومن يحاولون الآن المراوغة والالتفاف على القرارين الأمميين الأخيرين اللذين أجيزا بالإجماع، يرتكبون خطأً قاتلا. ودونهم من تبنوا قبلنا نهج الفاشية والغطرسة في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان واليمن. لقد دمَّروا بلدانهم، وعادوا بها عقودًا إلى الوراء. هل الغرب برئ تمامًا في كل ما يفعل؟ لا، وألف لا. فقط، يدخل الغرب من الثغرات القاتلة، التي يحدثها الحكام الفاشيون المتغطرسون.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2020, 06:32 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإعلام ثغرةٌ غير محروسة

    النور حمد

    صحيفة التيار 10 يونيو 2020

    رغم أن تحسنًا طرأ على الأداء الإعلامي للمرحلة الانتقالية، إلا أننا لن نمل الطرق والتنبيه إلى أن الإعلام لا يزال دون مستوى الثورة ومهامها، وتطلعات ثائريها. لا يمكن لأي ثورة أن تنجح بلا ذراع إعلامي؛ يكشف عورات المرحلة السابقة، ويجلي دخان التشويش الذي لا ينفك كارهو الثورة ينفثونه لتكريس ضبابية الرؤية. فالثورة، أي ثورة، يحرسها، في المقام الأول، الوعي الشعبي وليس نخبها المتنفذة. لذلك يصبح من الضروري أن يقوم الإعلام بتذكير الشعب لماذا ثار أصلاً، وما مدى الاستبداد والظلم الذي وقع عليه، وكم من مقدَّراته نُهبت. وأيضًا، ما هي الفرص التي أتاحتها له الثورة لإعادة بناء الدولة وتثبيت حكم القانون والحريات العامة، واستعادة كرامة البلاد، وتحسين معيشة الناس، والانطلاق نحو النهضة لشاملة.

    العاطفة والحماسة اللتان تقفان وراء أي ثورة معرضتان للوهن والتلاشي. والإعلام هو الرافعة التي تحفظ الوعي والحماسة، وتستبقي الأعين مصوبةً على أهداف الثورة. فالأذرع الإعلامية التي يملكها الكارهون للثورة، العاكفون على مخططات تصفيتها، أكبر وبما لا يقاس مما تملكه الثورة. ولا يبدو، حتى بعد مرور عامٍ من أداء حكومة رئيس الوزراء حمدوك القسم، أن تقدمًا جوهريًا قد حدث في ملف الإعلام.

    أدركت الإنقاذ، قبل أن تصل إلى الحكم بسنوات، أهمية الإعلام في تثبيت نظامها. فأنشأت الصحف التي نخرت جذع شجرة الديموقراطية الثالثة. وبعد سطوها على السلطة بالانقلابات العسكري، أنشأت عددًا من القنوات التلفزيونية وعددًا من المحطات الإذاعية؛ (إف إم). كما موّلت عبر جهاز الأمن وبمال التنظيم عددًا من الصحف؛ الورقية والإلكترونية، والمواقع الإخبارية. وملأت كل هذه الأقنية بمنسوبيها. كما أنشأ جهاز الأمن جيشًا من الذباب الإلكتروني. وقد بلغ الطموح الإعلامي للإنقاذ درجة دفع مبالغ لينشئ قناة الشروق التي تبث من دبي. لكن، بسبب ذهاب النفط مع الجنوب أعيدت "الشروق" لتبث سموم المؤتمر الوطني للشعب من داخل البلاد.

    الشاهد، أن إنشاء إعلامٍ مقتدر؛ من حيث الرؤية، والكوادر، والبنية التحتية، ليس ترفًا. أي، ليس أمرًا ثانويًا يُوضع في نهاية سلم الأولويات. الإعلام ضرورةٌ استراتيجية تتصل بالبقاء، لأن الثورة، في ذاتها، يمكن أن تُجتاح من ثغرة الضعف الإعلامي. غير مقبولٍ أن يتحجج المسؤولون عن الإعلام بقوانين الإنقاذ المكبلة، وبضعف الميزانيات. واجب الحكومة وهي ذات سند شعبي غير مسبوق، أن تغير التشريعات، وأن توفر المال المطلوب. فالإعلام لا يقل عن أي شيء آخر تضعه في سلم أولوياتها، إن لم يكن فوقها. إضافة إلى ذلك، فإن من مهام المسؤول القيادي في أي مرفق العمل على زيادة الموارد. لماذا، مثلاً، لا يجري إطلاق نداء إلى المغتربين والرأسمالية الوطنية، وعامة الشعب، لدعم الذراع الإعلامي؟ وهل من الممكن تلمُّس سبل العون لدى الدول الصديقة المقتدرة؟

    غض النظر عن كل ما تقدم، فإن العلة ليست منحصرةً في شح الامكانات، وحسب، وإنما أيضًا في ضعف القدرة على استخدام ما هو موجودٌ منها أصلا بصورةٍ أفضل. تملك الحكومة القناة السودانية الرئيسية، وأصبحت تملك قناة الشروق. كما لها أسهم مقدَّرة في قناة النيل الأزرق. يضاف إلى ذلك، قناة الخرطوم الولائية، وغيرها من القنوات الولائية الضعيفة التي تشوه صورة البلد. فمتى سنجري إصلاحًا للتشريعات، به نستعيد كل هذا المال العام المهدر، ونوجهه لبناء ذراعٍ إعلامي مقتدر؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-11-2020, 09:14 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    20 مليون دولار شهريًا للمخلوع!!

    النور حمد

    صحيفة التيار 11 يونيو 2020

    يا ألطاف الله! كم مرَّةً يا ترى رأينا الرئيس المخلوع يمارس زعيقه المعتاد، "بحسِّه المقروش"، دومًا، في اللقاءات الجماهيرية؟ وكم مرة شاهدنا وهو ينهي رقصاته على إيقاعات الحماسة، وهو يلوح بعصاه مرددًا: "ما لدنيا قد عملنا"؟ لقد كانت عروضًا تصيب كل من له غيرةٌ على صورة البلاد بالغثيان. ولو لم تفعل هذه الثورة شيئا سوى أن أراحتنا من ذلك التهريج المقزز لكفاها. لقد كنا في سبعينات القرن الماضي نسخر من بوكاسا رئيس إفريقيا الوسطى، الذي نصَّب نفسه امبراطورا. ولم نكن ندري أن صروف الدهر سوف تبتلينا بمن هو أسوأ منه. لم يحدث في تاريخ هذا البلد أن تواطأت نخبٌ متنفِّذةٌ على الباطل مثلما فعلت نخب الإنقاذ. لم يكونوا يستحون من الوقوف خلفه على المنصة، مرددين: "هي لله"، و"ما لدنيا قد عملنا"، وهم يعلمون حقيقة "البير وغطاها".

    كتبت مرات عديدة عما يسمى في العلوم السياسية بالنظام الكليبتوقراطي، أي، حكم اللصوص، وقلت إنه ينطبق على نظام الإنقاذ. ورغم علمي أن بلادنا محكومةٌ بعصابةٍ شغلها النهب، لكنني، فوجئت بما أوردته لجنة تفكيك التمكين، مساء أمس الأول. لم أكن أتصور قط أن يصل موت الضمير وانعدام الحس الأخلاقي، بالرئيس المخلوع حدَّ أن يأخذ 20 مليون دولار، شهريًا من المال العام لنثرياته. كيف يأخذ رئيسٌ، مبلغًا كهذا، بضميرٍ مرتاح، في بلد تعجز فيه الأمهات عن شراء الحليب لأطفالهن، والمرضى عن شراء الدواء للملاريا؟ كما يموت فيه مرضى الكلى بسبب قلة ماكينات الغسيل. وحتى بعد أن ذهب ريع البترول واصل المخلوع أخذ ذلك المبلغ الخرافي الذي انخفض تدريجيًا حتى بلغ، قبل سقوطه، 3 مليون دولار. حدث كل هذا النهب تحت ستار التضليل والتخدير الإعلامي للبسطاء باسم الدين. وهو ما أكّد أن النظام الديكتاتوري هو أسوأ أنظمة الحكم. وأن أسوأ الأنظمة الديكتاتورية لهي تلك التي تلتحف قداسة الدين. لقد مر على حكم البلاد الفريق إبراهيم عبود، والمشير جعفر نميري، لكننا لم نشهد فسادًا، كفساد الإنقاذ.

    لكل دكتاتورٍ بطانةٌ تزيِّن له الباطل، وتغريه بالتغول على المال العام. يدفعها لذلك علمها أن إفساد الرأس يفتح لها الباب لتحقيق الثراء الشخصي. تدرس بطانة السوء بعناية شديدة من تتعامل معهم من المسؤولين؛ سواءً كان هذا المسؤول هو الرئيس، أو الوزير، أو مدير المؤسسة. وما أن تستشعر البطانة في المسؤول ضعفًا أمام المال، تأتيه بمقترحات شيطانية بزيادة وتنويع مخصصاته. ولقد وجدوا ذلك في المخلوع، فأشعروه بأنه يستحق 20 مليون دولار في الشهر. هذا، في حين أن مرتَّب الرئيس الأمريكي ونثرياته، في بلدٍ موازنتها بالترليونات، لا تصل إلى مليون دولار في العام كله. أيضًا حين تكون الدولة دولةً أمنية، يصبح جهاز الأمن مسيطرًا على الرئيس عن طريق تخويفه وإشعاره دومًا بالحاجة للحماية. بذريعة التأمين والحماية، تأتي كل الخطط الشيطانية، من جهاز الأمن ومن الحزب الواحد الحاكم، لشفط المال العام ووضعه في حسابات خاصة تحت مسمياتٍ مختلفة، لأغراضٍ مختلفة. والآن، انكشف المستور، وبان أن رئيسنا المخلوع كان ناهبًا شرِهًا للمال العام، بل ومتاجرًا بالعملة. فمتى يا ترى ستتوارى عن أعيننا هذه البطانة الفاسدة التي تثير اللغط حاليًا؟ ألم يئن الأوان لتلوذ بالصمت؟ أم أن "الاستحوا ماتوا"؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-11-2020, 11:12 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إثيوبيا منشغلةٌ بالتنمية ونحن بالصراع

    النور حمد

    التيار 12 يونيو 2020

    جاء في الأخبار في اليومين الماضيين أن بنك التنمية الأفريقي قد قدم منحةً للحكومة الإثيوبية تبلغ مليون ومئتي ألف دولار كجزء من كلفة إجراء دراسة جدوى لإنشاء خط حديدي يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا والعاصمة السودانية الخرطوم. وتمثل هذه المنحة 30٪ من جملة كلفة دراسة الجدوى البالغة 3 مليون دولار. تتفرع من هذا الخط الحديدي شعبة تربط أديس أبابا بميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر. المفرح في الأمر، بالإضافة إلى أهمية المشروع، أن المسافة بين القضيبين في هذا الخط ستكون أوسع مما هي عليه في خطنا القديم الذي جرى إنشاؤه ضمن حملة كيتشنر على السودان، في نهاية القرن التاسع عشر. كان ذلك الخط مناسبًا لقطارات البخار البطيئة. لكننا مع تطور صناعة القطارات أبقينا على القضيب القديم ولم نبذل أي جهد لتطوير السكك الحديدية، بل دمرناها. وما جرى لها من تأهيل مؤخرًا، ليس سوى ألاعيب إنقاذية، الغرض منها شفط المال العام إلى الجيوب الخاصة. والحمد لله الذي أنهض الإثيوبيين لهذا المشروع الحيوي. وأحسب أن ثورة ديسمبر المجيدة وذهاب البشير وزمرته الفاسدة، ومجيء حمدوك، هو ما شجع الإخوة الإثيوبيين للمبادرة بهذه الخطوة الجبارة.

    عبر الربط بين الخرطوم وأديس أبابا تتكامل السكك الحديدية السودانية بمنظومة السكك الحديدية لمنطقة القرن الإفريقي. وكانت إثيوبيا قد قامت، قبل بضعة سنوات، بتحديث الخط الرابط بينها وبين جيبوتي، بل وجعلته مزدوجًا، وجلبت له قطارات كهربائية، بدلا عن قطارات الديزل. السبب أن ميناء جيبوتي أصبح الميناء الرئيس لإثيوبيا، بعد أن فقدت منفذها إلى البحر الأحمر باستقلال إريتريا. ولأن حراك التنمية وحجم التجارة في أثيوبيا قد تضاعف مرات في العقود الثلاثة الأخيرة، أصبحت إثيوبيا بحاجة إلى ميناء إضافي. فكان بصرهم دومًا مصوبًا على السودان.

    لقد بلغت إثيوبيا بفضل قادتها النابهين واستقرارها السياسي النسبي، ووضعها للتنمية الاقتصادية على رأس سلم الأولويات، نقطة الانطلاق الكبير. وهي نقطة تتسارع التنمية بعدها بمتوالية هندسية. لقد احتلت إثيوبيا بجدارة موقع القيادة في جهود التنمية في منطقة القرن الإفريقي. فهي الآن، بلا منازع، مصدر كهرباء القرن الإفريقي. وهي قائدة الربط بالسكك الحديدية بين أقطاره. وهي صاحبة أكبر أسطول جوي ناقل في إفريقيا، والشرق الأوسط. بل وصاحبة أكبر أسطول بحري، رغم أنها لا تملك ساحلاً بحريًا. وكما هو واضح فإن إثيوبيا تسعى عبر توصيل الخط الحديدي إلى بورتسودان ليصبح ميناء بورتسودان ميناءً ثانيا لها، وربما إنشاء ميناء خاص بها في إطار التعاون المشترك.

    تؤكد هذه الخطوات الرائدة أن المخاوف التي يثيرها البعض عن أطماع إثيوبية في بلادنا في غير محلها. من يطمع فيك لا يستأجر منك ميناء لتخنقه به، ولا يبيعك كهرباء بسعر تفضيلي، ولا يبادر بالربط معك بالسكك الحديدية. ولا يتوسط ليحل السلم في بلدك. تسعى إثيوبيا بهدوء وبلا ضوضاء لتكامل القرن الإفريقي ولاستقراره، وإنشاء سوق مشتركة للسلع والسياحة والثقافة. ولقد سبق أن ناقشت أهمية علاقتنا بإثيوبيا، بتوسع في كتابي، "لماذا يصحو مارد الهضبة ويغفو مارد السهل". والسؤال الآن: متى ستترك نخبنا السياسية الجدل الشكلي العقيم، وأساليب لي الأذرع للتكسب الشخصي والجهوي على حساب الصالح العام؟ ومتى سننصرف بكليتنا لرسم وتنفيذ السياسات المفضية إلى النهضة والتقدم والرفعة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-12-2020, 10:50 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الطيب زين العابدين: سموق المبدئية

    النور حمد

    صحيفة التيار 13 يونيو 2020

    بسبب غيابي ثمانية عشر عامًا متصلة من البلاد، لم يسعدني الحظ بالتعرف على البروفيسور الراحل، الطيب زين العابدين، إلا في السنوات الثمان الأخيرة من حياته العامرة. التقيته في هذه المدة بضع مرات، في مؤتمرات ولقاءات تفاكرية؛ في الدوحة ونيروبي والخرطوم. عرفت من لقاءاتي به، أن للإسلاميين وجهًا آخر غير الذي أعرف. فمفاهيم الرجل ومنهجه في الحوار تضبطه أكاديميته. لذلك حين تناقشه يطالعك انفتاح الذهن، والحياد الأكاديمي، وغياب الإيديولوج. وأهم من ذلك دماثة الخلق. لا أعتقد أن أكاديميته هي سبب ما لفت نظري فيه، وإنما تدينه الصادق العميق، وسلامة طويته، ونبله، وعفة نفسه. أرسل لي الصديق، بروفيسور عطا البطحاني مقالاً للفقيد كتبه في أخريات أيامه، عنوانه: "دعوة للتعايش الحسن بين أهل السودان"، حذَّر فيه من أن تنتهي ثورة ديسمبر إلى نفس مصير سابقتيها.

    مما جاء في هذا المقال قوله: "أحسب أن ما وقع من استقطاب سياسي حاد، عقب ثورتي أكتوبر وأبريل كان له تأثيره الكبير في التمهيد لانقلابي كلٍّ من النميري في مايو 1969 والبشير في يونيو1989، بحجة فشل الديمقراطية الثانية والثالثة .... هذا السيناريو البغيض قابل للتكرار مرة بعد أخرى .... الأحزاب لا تكف عن المجاذبة الخشنة حول اقتسام كراسي السلطة. كما أنها لا تصبر على البعد عن تلك الكراسي، ولديها مقدرةٌ فذَّةٌ في المشاركة بالحكومة والتمتع بسلطاتها ومخصصاتها، ومعارضتها ..... في ذات الوقت! لذلك كان أحد مقترحاتي في زمن متأخرٍ لحل إشكالية الجمع بين الديمقراطية التعددية والثقافة الأبوية السودانية هو الأخذ (بالديمقراطية التوافقية) التي تعمل بنجاح في كل من سويسرا وبلجيكا وهولندا وغيرها". وسبب ذلك بأن السودان يشبه هذه البلدان في الانقسامات القومية والدينية الحادة." ذكر بروفيسور الطيب أنه دعا الأستاذ محمد إبراهيم نقد في عام 1986، لحوار مطول بمنزله. فاستجاب نقد للدعوة، وتحاورا لثلاث ساعات. روى أنه قال لنقد في ذلك اللقاء: "إن هذه الديمقراطية الوليدة لن تستمر طويلاً، وإن الخطر يأتيها منكم ومنا، (اليساريين والإسلاميين). ولدرء ذلك الخطر نحتاج كتابة ميثاق شرف مشترك بيننا حول بعض القضايا السياسية الهامة والحساسة نلتزم به معا".

    كونه أستاذا في العلوم السياسية، كان واضحًا لديه أن الاستقطاب الحاد، في البنية السياسية، لأي بلد سيكون معوِّقا. والآن، ها هي ذات الاستقطابات تعود من جديد، وبنفس الروح القديم. لذلك، كي نخرج من نهج شطب الآخر، لابد لنا من وعي جماهيري وإرادة جماهيرية فاعلة، تلجم تجاوزات اليمين واليسار معا. لكن، في هذا المنعطف الحرج، يقع العبء الأكبر في خفض حدة الاستقطاب على الإسلاميين. فالنظام المقتلع هو نظامهم وعليهم جميعًا تحمل وزره. لذلك، يصبح ابتعاد تيارات الإسلاميين عن المؤتمر الوطني، والكف عن مغازلة البنية الإنقاذية؛ بشقيها العسكري والمدني فرضًا عليهم أداؤه. فمحاولات خلق جبهة من قوى اليمين؛ المدنية والعسكرية، من كارهي الثورة، المنكرين لشرعيتها، أمر ضار بمستقبل الاستقرار في البلاد. بل لربما كلفت هذه السياسة الإسلاميين، المستقبل كله، مرة وإلى الأبد. البلاد الآن، بحاجة إلى إسلاميين بنزاهة ومبدئية الطيب زين العابدين. على نموذجه ينبغي أن يقيسوا قاماتهم. لقد كان الإسلامي الوحيد الذي لم يقف مع انقلاب الترابي/البشير، وانحاز بصرامة لمبدأ الديمقراطية. ألا رحم الله البروفيسور الطيب زين العابدين، وأحسن إليه، وبوأه مقعد صدقٍ بين الطاهرين الخيِّرين الأبرار.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-13-2020, 11:46 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فقر الخيال التنموي

    النور حمد

    صحيفة التيار 14 يونيو 2020

    تحتاج التنمية إلى قادة يملكون خيالاً وقدرةً على تفجير طاقات الجماهير وحشد الجهود وخلق الموجهات والنظم الإدارية، التي تجعل الجهد الشعبي ساندًا للجهد الحكومي. لكن في سياقنا السوداني الذي تحكمه روافع أخرى للوصول للوظائف القيادية، ليس من بينها الكفاءة، يصل إلى مواقع القيادة لدينا أفرادٌ تعوزهم القدرات القيادية، ويعوزهم الخيال التنموي. وصل في عهد الإنقاذ أشخاص بغير تعليمٍ يذكر إلى مناصب وزراء، بل، ومستشارين في رئاسة الجمهورية، لمجرد أنهم حملوا البندقية ضد الدولة. والبشير نفسه الذي أرهق البلاد والعباد وأضاع منها ثلاثين عامًا عزيزة، وأفقدها ثلثها، لم تجئ به كفاءته إلى الموقع، وإنما جاء به طمع الدكتور حسن الترابي وجماعته في الحكم. قبل ذلك، وضعت الطائفية مراتٍ كثيرة أشخاصًا في مناصب لا تؤهلهم لها قدراتهم. كل ما في الأمر أنهم من الطائفة أو من العشائر الساندة للطائفة.

    السودان كنزٌ نفيس من حيث الموارد. وهو أرض كوش التي تجري من تحتها الأنهار ويعمر فضاءها حفيف الأجنحة، كما وصفتها التوراة. هي بلاد الريح المرسلة الناعمة والتنوع الحيوي الذي جعلها مرتعًا خصبًا للثدييات وللزواحف والطيور. هي مؤهلة بكنوزها الظاهرة والباطنة لتصبح جنة الله في أرضه. لكنها ابتُليت بسياسيين كَزِّي النفوس فقيري الخيال.

    دُهشنا عندما كنا طلابًا في كلية الفنون الجميلة في رحلاتنا التعليمية السنوية لأقاليم البلاد حين رأينا قيسان في جنوب النيل الأزرق، وأشجار المنقة النابتة في الشوارع. كما زرنا جبال النوبة، وجبل مرة، ورأينا كم هي خصبة هذه البلاد، وكم هي متنوعةٌ، وجميلةٌ، جمالا يبلغ حد السحر. من يتأمل هذه البلاد وإمكاناتها، لا يجد سببا واحدًا لكي يجوع أهلها، سوى فقر الخيال وضعف القدرات وانحراف الفكر، والانشغال بـ "الفارغة والمقدودة"، وسط سياسييها. ماذا كان سيكلف سلطات الأراضي وإدارات المحليات لو أنها فرضت، بالقانون، على كل صاحب منزل زراعة أشجار مثمرة أمام منزله أو داخله، كجزء من شروط منح الأرض؟ وهل من الصعب، تطبيق ذلك على كل صاحب منزل في كل قرية؟

    يؤكد العراك السياسي الدائر الآن، أن سياسيينا لا يزالون يرزحون تحت وطأة أمراضهم القديمة. أورد موقع بي بي سي الإخباري قبل سبعة أشهر تقريبا أن إثيوبيا زرعت أربعة بلايين شجرة، (بلايين وليست ملايين). وقد تحققت بي بي سي من إنجاز هذا الوعد في موعده. وذكرت أن السياسيين في مختلف أرجاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، قد آلوا على أنفسهم أن يحذوا حذو إثيوبيا، في برامجهم الانتخابية. فقد وعدوا بالقيام بجهود لإعادة الغطاء الغابي الذي تضرر بالزراعة وبتأثيرات التغير المناخي. لقد استطاع أبي أحمد أن يستنهض همم الإثيوبيين في كافة أرجاء إثيوبيا لينجزوا هذه المهمة الضخمة، فاشترك الجميع، بما فيهم الأطفال. ثم انصرف الإثيوبيون، بعد ذلك، إلى رعاية هذه العدد المهول من الشتول.

    المورد البشري موجودٌ في كل بلد، لكنه يصبح موردًا خاملاً، بل وأحيانًا معوِّقًا، عندما لا يجد القادة الذين يعرفون كيف يفجرون طاقاته ويضعونه على درب النهضة. أسعدني جدًا ما قدمه رئيس الوزراء حمدوك في لقائه الأخير من تقسيم لنطاقات الجغرافيا السودانية، وكيفية استثمارها. وقد أشاد بذلك الشرح عدد من الكتاب المرموقين. فالرجل، فيما هو واضح، من طينة أبي أحمد، فهلا تركتموه يعمل أيها المخربون؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-15-2020, 00:13 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    العالم يرتج فهل نحن مستعدون؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 15 يونيو 2020

    لربما أضحت كلمة "ديموقراطية" كلمةً طنانةً، واحتلت في أذهان الكثيرين الطلقة الفضية التي لا تخطئ الهدف. لكن الواقع العملي، عبر القرنين المنصرمين، أكَّد أن التجربة الديمقراطية التي اقترنت اقترانًا عضويًا بتوسع الرأسمال وسيطرته، ونهمه، تسير بخطى حثيثةٍ لأن تتحول إلى شمولية عامة تصل إلى كل متر على ظهر الأرض. لقد أتاحت الطفرات المدهشة، في تكنولوجيا المعلومات للرأسمالية المتوحشة ذراعًا جديدًا باطشًا لم يعرف له التاريخ مثيلا. ولقد كشفت جائحة كورونا، والطريقة التي تعاملت بها معها أمريكا، أن الرأسمالية المتوحشة سادرةٌ في غيها القديم.

    انفضحت أكذوبة أن ميزة النظام الرأسمالي تتمثل في قدرته على تحقيق رفاه الناس وحريتهم. لكن، ما ظل يجري، عبر القرون القليلة الماضية، يدل على أن النظام الرأسمالي لا يفكِّر في رفاه الناس، بقدر ما يفكر في بسط سيطرته المطلقة لتستديم قلةٌ قليلةٌ نهج العبودية والسخرة على الأكثرية الغالبة. كل ما في الأمر تحول نظام العبودية والسخرة من صورته القديمة الظاهرة إلى صورة جديدة مستترة، تقتل في صمت، كما يقتل الورم الخبيث. لم تغير كفالة الحريات العامة، وممارسة الديمقراطية التمثيلية، وكتابة الدساتير الحديثة، والميثاق الأممي لحقوق الإنسان، ومجمل وعود الرفاه والأمن، شيئًا في نظام السخرة والعبودية. بقي استبداد النخب الممسكة بمفاصل السلطة والثروة كما هو. الآن تصحو أمريكا، التي بقيت مخدرة إعلاميًا لما يزيد عن القرن، على هذه الحقيقة المذهلة البشعة. فالذي يجري الآن، ليس ردة فعل لمقتل جورج فلويد المأساوي الفظيع، وإنما استيقاظ صادم على انكشاف الكذبة الكبيرة التي استمرت لقرون. وسوف تُظهر السنوات القليلة القادمة أزمة النظام الرأسمالي بصورة غير مسبوقة.

    مثلما سقطت الشيوعية لافتقارها إلى البعد الروحاني، وإلى الوعي الكوني والانساني المتكامل، وإلى المنظومة القيمية الساندة، سيسقط النموذج الديموقراطي الغربي. المنحى الرأسمالي المؤسس على سيادة قلة قليلة على الكثرة الغالبة، ليس منحىً تجاريًا بحتًا، وإنما هو منحى ذو أساسٍ فلسفيٍّ له جذوره المنغرسة في تربة الداروينية الاجتماعية، التي منحت العنصرية سندًا علميًا زائفا. يقول أهل نظرية المؤامرة، وهم ليسوا مخطئين على الدوام، كما يروِّج من يتآمرون: إن القلة القليلة المسيطرة تسعى سعيًا حثيثًا لإنقاص أعداد سكان العالم لتعيش البقية حياة الرفاه. يستند هذا النوع من التفكير على الدارونية الاجتماعية المؤمنة بمقولة "البقاء للأصلح". وعلى غرار هذه المقولة جاءت عبارة هوبز الشهيرة: "الإنسان ذئب الإنسان". فكما تنقرض الأحياء الضعيفة بسبب افتراس الحيوانات القوية وغيرها من العوامل الطبيعية، أيضًا، يقضي البشر الأقوياء على الضعاف. أي أن هذا السحق جزءٌ من قوانين الطبيعة. وقد نحت النازية هذا المنحى، بصورةٍ فجَّة مكشوفة.

    تواجهنا الآن أخطر التحولات والتحديات في التاريخ الإنساني. لكننا غائبون فكريًا، ونعيش تخلفًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا وتعليميا، مريعا. يضاف إلى ذلك لم يعد هناك نموذج نتبناه. وليس هناك ما يحول بيننا وبين أن يفترسنا أقوياء العالم الذين كشروا عن أنيابهم. ينبغي، فيما أرى أن نتجه بثورتنا في وجهة تأسيس منصات للحوار الفكري العميق الشامل، الذي يفضي إلى إنتاج نموذجنا المعرفي الذي يقوم عليه نموذجنا التنموي. الصراع الجاري الآن والانشغال بالكسب الحزبي والغوغائية السائدة ستبقينا مكشوفين في عالمٍ متوحش شرسٍ، يرى سحق الضعاف أمرًا طبيعيا.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-15-2020, 11:35 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    "والحال ياهو نفس الحال"

    النور حمد
    صحيفة التيار 16 يونيو 2020

    لن أتعب من إعادة رفع الآذان في مالطا، في مسار محاولاتي المستمرة للتنبيه إلى ضرورة وضع أمورنا الملتبسة في نصابها، وإعادة الدولة السودانية إلى منصة التأسيس. تقتضي هذه الإعادة التخلي عن النهج المضر الذي ظللنا نمارس به السياسة في هذا البلد المحزون. جوهر هذا النهج المضر هو استخدام ديمقراطية ويستمينيستر القائمة على تمثيل النائب لأهل دائرته الانتخابية، في سياق لا يملك الاستعداد التاريخي ليجعل من تلك الممارسة ممارسة منتجة. فالسياق السوداني غير مستعد لديموقراطية التمثيل بهذه الصورة؛ لا من حيث البنى التحتية، ولا من حيث التعليم، ولا من حيث الاقتصاد. أيضًا لم يمتلك سياقنا الضوابط الدقيقة المُنظِّمة، التي تجعل الممارسة الديموقراطية فاعلةً ومثمرة. لقد بدأنا ممارسة ديمقراطية ويستمينيستر والطائفية في أوج سيطرتها على العقول. وبعد تجارب قصيرة متعثرة، ثار الحداثيون في اليمين واليسار عليها، فاخترقوا الجيش، ودفعوا به إلى الانقلابات. انتدب الحداثيون أنفسهم لينوبوا عن الشعب رغم أنفه. بسبب ذلك، أضاع منا العسكر 52 عامًا من عمر استقلالنا البالغ 64 عاما. وكما هو واضح الآن، فإن شهيتهم لا تزال مفتوحة لإضاعة المزيد.

    لو تأملنا الديموقراطية التمثيلية كما مارسناها، والمقولة المركزية للإسلام السياسي القائلة: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، لوجدناهما شيئًا واحدًا تقريبا. وقد يستغرب كثيرون هذا الحديث، لكن، ما يجمع بين النهجين، باختصارٍ شديدٍ، هو الانحصار في العمل على الوصول إلى مركز السلطة أولا، بلا اهتمام بتمليك الشعب سلطة القرار، والمعرفة، وأدوات التغيير، وجعل عملية التصعيد إلى البرلمان أو إلى الوزارة نابعًا بصورة عضوية من الجذور. نخبنا لا تشتغل مع القواعد الشعبية، مباشرةً، لإحداث التغيير، وإنما تشتغل على الآليات التي توصلها هي إلى الكراسي، لتمارس التغيير من أعلى إلى أسفل. جرب الإسلاميون هذا النهج على مدى ثلاثين عامًا، فأوصلونا إلى هذه النتائج الكارثية. والحمد لله أن الشيوعيين لم يجدوا أكثر من ثلاثة أيام، إذا استبعدنا شراكتهم لنميري. وعموما، فإن كامل الطيف المصطف وراء الديموقراطية لا يملك مفهومًا للسلطة مختلفا عن مفهوم: "إن الله ليزع بالسلطان ما لم يزع بالقرآن". بعبارة أخرى: اجلسوني على كرسي السلطة، وسيكون كل شيء على ما يرام.

    ما نراه حاليًا من انشقاقات داخل (قحت)، ومن" شربكة" وتعثر في محادثات السلام، ومن غلبة لمزاج" الشلة" على المعايير الموضوعية لاختيار الأفراد للمناصب الرفيعة، إنما هو دلالة على أن هذه العقلية التي تحيل كل قصدٍ سامٍ إلى رماد. عطفا على ما قلته في عمود الأمس 15 يونيو 2020، نحن بحاجة إلى مستودعات تفكير تفكك هذه التركة المثقلة من المناهج السياسية والممارسات السياسية الخاطئة. فهي لم تتعرض لنقد جدي، سوى من أقلام قليلة، يقرأ لها قليلون. نحن بحاجة إلى ثورة فكرية وثورة ثقافية تعيد تعريف الديموقراطية في سياقنا المحلي وترسم شخصيتنا الحضارية، وتستلهم تراثنا، وتجعل حراك التغيير لدينا، يبدأ من الجذور. أي أن يسير تغيير الواقع العيني، نحو الحرية والمساواة والعدل وتصعيد النخب إلى مراكز القرار، في وقت واحد. وفي هذا تفاصيل كثيرة. كل من قادونا منذ الاستقلال، إلى اليوم، لم يكونوا يمثلوننا حقيقة. ومن يتصرفون الآن باسم الثورة، لا يبدو أنهم فهموا روح الثورة ورسالتها كما ينبغي. نحن بحاجة إلى ملء فجوة كبيرة يحتاج ملؤها فكرًا جديدًا، وأليات جديدة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-17-2020, 06:16 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    دعونا نَصْدِق لكي نعبر

    النور حمد

    صحيفة التيار 17 يونيو 2020

    إذا كنا مؤمنين حقَّا بضرورة التحول الديمقراطي، فينبغي علينا أن نعمل بصدق وبشفافية أكبر مما نفعل الآن. ما يجري الآن أغلبه "مكاجراتٌ" ومحاصصاتٌ، وضربٌ تحت الحزام، ودفنٌ للمحافير. كل قبيل يظن أنه سوف يكسب الصيال بهذه الأساليب الملتوية. وفي هذا فصور خيال وضعف تصور لهشاشة الوضع الذي نعيشه وتعقيداته. الوثيقة الدستورية المعيبة، جاءت نتيجة لأن الطرفين؛ الثوار والعسكريين، لم يملكوا القوة الحاسمة. لا نود أن نكرر بعد هذه الثورة فشل تجاربنا الديمقراطية التي أدارتها نخبنا السياسية بتلك الصورة السيئة، التي فتحت الباب للعسكريين لكي ينخرطوا في العمل السياسي. وانخراط العسكريين في العمل السياسي هو أكثر ما يُقعد البلدان عن النهوض، بل ويدمرها. ودعونا نتأمل، على سبيل المثال، تجربة ضياء الحق في باكستان، وعبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي، في مصر، وعلي عبد الله صالح في اليمن، وآل الأسد في سوريا، والبشير ونميري في السودان. لحظة أن يخرج الجيش عن دوره في حفظ أمن البلاد من الاعتداءات الخارجية، والالتزام بالدستور في حماية الديموقراطية، ويتحول إلى فاعل سياسي، يفقد احترامه، ويتحول إلى أكبر عائق للنهضة.

    اعتمدت الإنقاذ على مدى ثلاثين عامًا، نهج كسر إرادة خصومها، فقضت على الأخضر واليابس. ورغم المماطلة، اضطرت، في نهاية الشوط، لأن تخلي المسرح مكرهةً. عقب ثور ديسمبر، انتهجت اللجنة الأمنية، بعد أخذ موافقة بعض المدنيين، نفس نهج البشير، وأرادت كسر إرادة الشعب، عن طريق فض الاعتصام بفظاعة مقصودة، كان الغرض منها أن تحدث أكبر صدمة نفسية ممكنة لكسر الإرادة. لكن جاءت النتيجة على عكس ما جرى التخطيط له. فقد عدَّلت مليونية 30 يونيو 2019، ميزان القوة، من جديد. لقد كان فض الاعتصام خطأً فادحًا، ليته لم يحدث. فنحن الآن نعاني من تبعاته العديدة، ولربما تستمر معاناتنا منه لبعض الوقت، بسبب التعقيدات التي أحدثها. تتسم معظم النخب الحاكمة في العالم بالصلف، والغطرسة، والاستهانة بأمر الشعوب. يحدث هذا لدينا، كما يحدث في بعضٍ من أعرق الديموقراطيات، وأرسخها. فالإنسان، أينما كان، لم يتخلص، بعد من الوحش الرابض في داخله. هذه الوحش يلبس أحيانًا زي مُدَّعِي الغيرة على الدين، وأحيانًا بزةً العسكر، وأحيانًا أخرى بدلةً وربطة عنق.

    على من لا يزالون يظنون؛ من العسكريين بمختلف فئاتهم، ومن السياسيين، أن الأساليب المتوارثة لترويض الشعوب والسيطرة عليها لا تزال فاعلة وحاسمة، أن يعيدوا التفكير. العالم يتغير الآن بصورةٍ غير مسبوقة. وها هي نخب الولايات المتحدة، التي طالما ظنت أنها محصنة من خطر الثورات، تقف اليوم مذهولة أمام ما يجري في شوارعها. لقد أخذ عصر الشعوب يقوض بنية عصر النخب. فلتجعل النخب؛ عسكرية كانت أو مدنية من هذه الحقيقة نجمًا هاديًا لخياراتها. تعقيدات ظرفنا الراهن في السودان تحتاج شجاعة استثنائية، ومرونة عالية، ونكرانًا للذات. فدعونا جميعًا نضع جميع الأوراق على الطاولة، لنجري حوارًا جديًا صادقًا شفافا. لأنه في نهاية الأمر لن يصح إلا الصحيح. حاول البشير أن يجعل من شعبه وبلده "درقة"ً تحميه، واشترى بذلك الأسلوب الوضيع لنفسه ولبطانته بضع سنوات بئيسات، ثم وقع، في نهاية الأمر، فيما كان يخشاه. القادة العظام، الذين يخلدهم التاريخ، هم من يفدون بلدهم وشعبهم، لا من يجعلونهما "درقةً" لوقاية أنفسهم، ويفشلون في نهاية المطاف.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-17-2020, 11:02 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    أنظمة العسكر المَلَكِيِّة الجديدة

    النور حمد

    صحيفة التيار 18 يونيو 2020

    انبثق فجر الحداثة وانداح ضوءُه في سماوات الكوكب، بعد نضالاتٍ مريرةٍ خاضتها أوروبا لقرون طويلة، خرجت بها من قبضة تحالف الملكية والكنيسة والاقطاع. فتحت تلك النضالات الجسورة الباب للتقدم المعرفي والعلمي والصناعي والتنموي. أهلَّ فجر الحداثة، وما لبث أن انتشر، عبر الاستعمار، إلى جميع بقاع الأرض. عبر بضعة قرون تقلصت الأنظمة الملكية وتحول بعضها إلى ملكيات دستورية، يملك فيها الملك، ولا يحكم. ولم يبق الآن من الأنظمة الملكية القُحَّة في العالم الآن إلا ما نراه في الدول العربية.

    شهد العقد الثاني من القرن العشرين الثورة الشيوعية، التي انداحت لاحقًا لتشمل الصين وكوبا. وشهدت ثلاثيناته صعود النازية والفاشية، في كل من ألمانيا وإيطاليا. أما النصف الثاني منه، فقد شهد انقلابات عسكرية في كثير من دول العالم النامي، بعد خروج الاستعمار. كشف انهيار الشيوعية أن قيادة الحزب الشيوعي لم تكن سوى هيئة ملكية حاكمة، فاشلة. أما الصين، فقد حولت الحزب الشيوعي إلى ملك هي الأخرى. لكنها حققت نجاحًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتقنيًا، غير مسبوق في تاريخ العالم. ومعلومٌ أن لكل بلدٍ ظروفه الخاصة التي تفرض عليه نموذجه. وليس كل نظامٍ ديكتاتوري أو ملكي تقليدي، هو بالضرورة نظامٌ فاشل. وليس كل نظام ديموقراطي هو بالضرورة نظامٌ ناجح. وينبغي أن نحاكم كل نظامٍ في السياق الخاص به. لكن، تبقى الديمقراطية هي النهاية التي لا مفر منها.

    النقطة المركزية لهذا المقال هي أن الأنظمة العسكرية العربية تحوَّلت إلى ما يشبه الأنظمة الملكية، وإن كانت بلا ملكٍ متوَّج. تجلس على رأس هذه الأنظمة القيادات العسكرية التي أصبحت المالك للموارد، بصورةٍ شبيهةٍ للأنظمة الملكيَّة الخليجية. أصبحت المؤسسات العسكرية، كما في مصر والسودان، تايكونات اقتصادية، تمنح الشعب مكرمات لتكسب رضا الشعب وتسليمه، مثلما يفعل الملوك، وإن أبى، فهي تعرف كيف تهدد أمنه و"تسوِّد عيشته". وتسعى الأنظمة الملكية الخليجية، حاليًا، لنشر نموذجها عبر الجيوش فتصبح أسرًا مالكةً بصيغة جديدة. فحيث الدولة غنية والشعب مطيع، كما في الخليج، يستمر النظام ملكيًا قحًّا. وحيث يكون الفقر وروح التمرد الشعبي، يصبح النظام مَلَكِيَّةً عسكرية.

    بعد نجاح الثورة دعم الفريق أول حميدتي الاقتصاد المنهك بحوالي مليار دولار. وأعقب ذلك بفترة تصريح لوزير المالية قال إن منظومة الصناعات الدفاعية وافقت على رفد الاقتصاد بـ 2 مليار دولار، من عائد صادرات مسلخ الكدرو. فهل يمكن لدولة تتلقى من مؤسستها العسكرية 3 مليار دولار تستطيع أن تكون شيئًا بإزاء تلك المؤسسة العسكرية؟ ألا يُحوِّل ذلك المؤسسة العسكرية إلى مَلِكٍ متوج، والحكومة المدنية إلى خيال مآتة، والشعب صاحب السلطة إلى مجرد رعايا؟ لقد أحدث نظام البشير خللا هيكليًا فادحًا في نظام الدولة السودانية. ولكي نضع البلاد على الصراط المستقيم، لابد من وضع جميع أوراق اللعب على الطاولة. ثم نتحاور بناءً عليها، حول مستقبل بلادنا، بوطنيةٍ صادقةٍ وبتجرد وبعقلانية. يمكن للجيش أن يكون له ذراعٌ اقتصادي، لكن تحت رقابة المال العام. فالوضع الذي صنعه البشير، لشيءٍ في نفس يعقوب، معوجٌّ بكل المقاييس. أما محاولة الخليجيين نقل نمطهم إلى السودان فلن تنجح، لأن طبيعة السودان التاريخية والبشرية والثقافية والمزاجية، لا تسمح بهذا النمط. وهو، على كل حالٍ، نمطٌ غارب.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-19-2020, 05:48 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حالٌ لا يشبهه حالٌ آخر

    النور حمد

    صحيفة التيار 19 يونيو 2020

    تمر الأمم بمنعطفات في تاريخها تفقد فيها البوصلة تمامًا؛ فتنطفئ فيها وقدة الحكمة، وتضعف حاسة العدل والانصاف، وتنعدم الحيدة العقلية، وتطغى الذاتية على الموضوعية. في هذه الأحوال يختلط الحق بالباطل وتسود الغوغائية وتختل جميع الموازين، فينكمش العقلاء ويميلون إلى الاعتزال. فيتمدد الجهلاء، وأصحاب الأغراض الفجة، في الفضاء العام، ويحتلونه. هذه الدورات المتعاقبة جزءٌ من التطور الطبيعي للمجتمعات. ولقد كانت الأمم تخرج من هذه الأحوال بفضل الرواد الرؤيويين الهداة؛ كالأنبياء والفلاسفة، والمصلحين الاجتماعيين، والروائيين والشعراء والفنانين والموسيقيين. وكلنا يعرف ما قام بها الأنبياء والفلاسفة والمصلحون الاجتماعيون، وما قامت به الآداب والفنون في جهود انتشال البشرية من الأوحال وتوجيهها نحو ذرا الحق والعدل والمرحمة. فالتغيير في مثل هذه السقطات الكبري يقتضي انتشال الوجدان، أولا.

    لو تأملنا، مجمل النهضة الأوروبية لوجدنا أن الإصلاح الديني والفكر والفنون هي التي أخرجت أوروبا، ومن ورائها العالم، من ظلمات العصور الوسطى إلى أنوار الحداثة. ولعل الحالة المستعصية التي نمر بها الآن في السودان تستدعي أن نخرج من حالة الانحصار في انتظار المخرج من السياسيين وحدهم. وعمومًا، فإن السياسيين والعسكريين الذي عرفناهم عبر الستين سنة الماضية، هم العامل الرئيس في هذه الأزمة. هم منتوجها الذي لن يخرج على قالبها، مهما فعل، إلا بثورة فكرية وأخلاقية تجعل الشعب واقفًا على أمشاط أصابعه لحراسة حقوقه. لقد وجد أغلبية هؤلاء في الأزمة المستحكمة المتطاولة البيئة الصالحة لعيشهم. لقد أحبوها كما تحب الضفادع المستنقع. ينبغي أن ننتبه إلى أن مظاهر أزمتنا لا مثيل لها في أي بلد آخر، فهي أزمة استثنائية، تقتضي حلولا استثنائية.

    نحن أصحاب أطول حرب أهلية في التاريخ المعاصر، إن لم تكن الأطول في التاريخ الإنساني كله. ونحن أصحاب الأزمات المعيشية المتطاولة منذ السبعينات وإلى يوم الناس هذا. ونحن الأكثر فشلا في تطوير الاقتصاد والبنى التحتية. ونحن الأكثر قدرة بين الشعوب على تهريب ضرورياتنا إلى دول الجوار، من أجل الكسب الشخصي. وعمومًا فإن حالة عدم الاستقرار التي لدينا، لا شبيه لها في أي بلد آخر. ولو نظرنا إلى كل جوارنا الإقليمي فإننا لن نجد بلدًا يعيش أزمات مستمرة في السلع الضرورية مثلنا؛ لا في إثيوبيا، ولا في كينيا، ولا في يوغندا، ولا في تشاد، ولا في إريتريا، ولا في مصر، ولا حتى في إفريقيا الوسطى، التي مزقتها الحرب.

    اعتقادي الراسخ أننا نعاني من خواء فكري، وفقر روحاني أحدثا أزمة أخلاقية فظيعة، نكابر في الاعتراف بها، وتعجز عقولنا التي ألفت الزيغ عن طريق الحق، عن مواجهتها بصدق. لا يمكن لدولة أن تقوم وتصبح فاعلة ما لم تنتصر "الأنت"، وسط أهلها، على "الأنا". نحن نتشدق بالدين، ونغالي في الحماس له، ولا ننتبه إلى أننا نظهره في أبشع الصور، وأبعدها عن مقاصده. إن أزمتنا أزمة تفكير مستقيم يضع يده على العلل، بشجاعة، ويعمل بجد على إبرائها. ما نمر به حاليًا، كأمة، حالةٌ من حالات الانحطاط العام، التي لم تسلم أي أمة من المرور بها، في زمن ما. بداية مخرجنا أن نعرف أننا نعيش أزمة كلية عميقة، وليس صعوبات عابرة. من هنا ينبغي أن ينطلق المفكرون والسياسيون والأدباء والفنانون.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-20-2020, 03:26 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تعقيب للدكتور وجدي كامل

    صحيفة التيار 20 يونيو 2020

    عزيزي الدكتور النور حمد
    طابت أوقاتك وبعد:
    اطلعت على كلمتكم المهمة بالأمس في تحليل واقع الأزمة السودانية الشاخصة المتفاقمة. دعني أتفق معك فيما أوردت من أعراض، وعرضت من نتائج ودعوت اليه من يمكن تسميتهم "الكتلة الطليعية القائدة للرأي العام" للقيام بدورها التاريخي لإحداث الإصلاح والنهضة أسوة بغيرها في الجغرافيا والتاريخ البشريين. ولأني مدرك تمامًا لعمق البحوث والحفريات في المبحث النقدي للـ (الكتلة)، فقد كنت أرى أن مجرد دعوتها في نهاية الكلمة، ربما احتاج إضافةً تتصل، بنقدها بوصفها تمثل الوجه الآخر للأزمة، وحاملةً لذات أمراضها المزمنة.

    عندي أن فرص التفكير النقدي الحر لأزمة كأزمتنا تتوفر أكثر بقراءتها كبنيةٍ واحدة تعبر عن حقيقتها في طبيعة، وخصائص وآليات الكوابح والمضادات التي يضج بها المعمار الداخلي لسلطة الدولة التاريخية. وهي ذات السلطة المنسجمة منذ المملكة الزرقاء 1504م، الى الدولة السودانية الحالية. فالخيبة التي أنتجتها مؤسسة السياسة التاريخية السودانية منذ بداياتها، مرورًا بتقاطعاتها المعاصرة مع المؤسسة العسكرية، قد سجلت للانتلجنسيا، وللمشتغلين بالفكر، والأدب علاقة تامة مكتملة بتلك المؤسسة. ولكم في كتابكم المتميز (مهارب المبدعين) قدحٌ مُعلَّى في التحليل للمرض العام الذي اجتاح سوسيولوجية السياسي والمثقف والأديب.

    من المؤسف أن هذه الكتلة المناط بها قيادة الوعي والمساهمة في إحداث التخطيط، والتوجيه، والتوصيف لحركة ومحتوى التنمية، تنكبت طريقها على مر دورات السياسة المعاصرة، وخاصة ما بعد الاستقلال. وسوف تظل تواجه العقبات، الواحدة تلو الأخرى، في سباق تكوين استقلاليتها الموازية (ما لم تواجه نفسها)؛ سواء كان لأسباب تتعلق بالتورط في المؤسسة السياسية القائمة، أو أخذ مواقف معارضة من المؤسسة، من دون أن تحمي بنيتها الخاصة واستقلاليتها. وفقا للنقد المثبت، المثار أجد أن على هذه الشريحة إجراء واجبها المنزلي الداخلي بهدم مكونها العقلي، وبناء مرتكزاتها الفكرية الجديدة الخالية من الاسطورة والمتخيل الرمزي للواقع المُنتِج للتاريخ، بوصفه صناعة ذهنية، وأحيانا أيديولوجية كتبتها رغبات الحكام، ومؤسسة الحاكمية السياسية الاقتصادية الاجتماعية التاريخية.

    نشدان الانطلاق يعني الاضطلاع مباشرة بهندسة الوعي على نحوٍ جديد يستوعب الديناميكية وخصائصها في الهويات التاريخية والمعاصرة، على قاعدةٍ بيانيةٍ واقعيةٍ تُحسِّن العلاقة بالواقع كمادة أساسية للوعي المختطف في سردية الخطاب السياسي والثقافي الذائع. يعني هذا تشييد وإنشاء المضمار الخاص بتلك الكتلة على نحو تحكمه قوانين ومنطلقات بحثية إبداعية تعي وتعمل بنظم التفكير النقدي العلمي، بغرض إبطال مفعول ثقافة المجتمع السياسي المتوارث والمسيطر. واستبداله بتصميم ثقافة سياسية ومفاهيم جديدة للتنمية، وأخرى مُتجاوزة للتنمية، وفي مقدمتها التنمية الثقافية والبشرية؛ تنميةٌ تتوغل وتنفذ الى معالجة مكونات عقلية (الخواء، كما وصفتها) بتحويلها الى عقلية العمل على أحدث التطبيقات الحضارية المواكبة جنبًا الى جنب مع واجبات فصل الدين عن السياسية، والغاء التابوهات المتسيِّدة، كما بتحرير القوانيين من العقوبات والجزاءات المسلطة في وجه التفكير الحر الجديد.

    الفكر، والفن، والأدب، وخطابات العقل البديل سوف لن يكون بمقدورها اجراء الثورة على الواقع المادي ما لم تغير ما بنفسها، وتثور على مكونها الذهني والنفسي "الأفندوي" التاريخي، والانتقال من تابع الدولة الى مالك لها ومُغذٍّ لها بالأفكار الواقعية السياسية البناءة الخلاقة دون إهدار للوقت، وإضاعة للفرص.
    ودمت.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-20-2020, 10:50 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مداخلة للأستاذ ممادو التجاني

    صحيفة التيار 21 يونيو 2020

    الاخ الدكتور النور حمد، تحية واحتراما
    طالعت عمودك في صحيفة التيار ومداخلة الدكتور وجدي كامل في عدد الأمس، وأمس الأول، على التوالي. وأريد هنا أن أنضم إليكما، محاورًا، لا رادًا على الدكتور وجدي. أولاً، أجدني متفقًا معكما في تحليلكما ووصفكما للصفوة وكتلتها التي تولت إدارة الدولة السودانية. فأمر صفوتنا، حقًا عجيب، فهي لا تنفك تعيد تدوير الفشل، دائرةً أثر دائرة، منذ أربعة وستين عامًا، هي عمر حكمنا الوطني. وهي، ف ذلك، خليقةٌ بأن يجري عليها وصف آل بوربون، الذين لا ينسون شيئًا ولا يتعلمون شيئا. لكن، أرجو أن يسمح لي الدكتور وجدي، بالاختلاف معه في مسألة جزئية، أراها مهمة، لجهة نجاعة التحليل وصوابه. وأرى أن إبراز اختلافي معه فيها من شأنه أن يفتح أفقًا حول وجهة البلاد الحضارية. تلك الوجهة التي حسمها آباء الاستقلال، (استعرابًا وأسلمة)، بطريقةٍ مبتسرةٍ، جاهلةٍ، ظالمة.

    الخلاف ينبع من قول د. وجدي أن هذه الطبقة هي امتداد لدولة سنار وأفقها الحضاري. أي، أنها امتداد لسرديتها وعقلها. هذا ما بدا لي. لكن المتتبع لمسيرة هذه الطبقة، أو الكتلة الحديثة، وتمظهرها الأبرز في الحركة الوطنية عقب الاستعمار الانجليزي المصري السودان، يجدها تكونت برعاية الاستعمار التركي المصري. صحيح أن كتلة الفونج رعت الأيدولوجيا الاسلاموعروبية، لكن بدون أن تتقاطع مع السودنة، والأفرقة. فقد كان حكام الممالك الثلاثة؛ (الفونج والفور وتقلي)، من المكون الافريقي الأصيل في السودان، لا في تجليه السلالي وحسب، وإنما أيضًا في تراثه وتقاليد حكمه. هذا، إلى جانب تديُّنٍ ينماز بسودانيته القحة، المفارقة لأنماط التدين الاسلامي التقليدي في حواضر العالم الاسلامي. لذا أرى أننا ما لم نراجع نقديًا، الصلة مع مصر (ثقافة وحضارة)، فإننا لن ننجز كتلةً سودانيةً مبنىً ومعنىً، غير مغتربةٍ عن الواقع السوداني وأسئلته. لقد انتقلت كل أمراض مصر في إدارة الدولة ومناهج تفكيرها إلى البنية السياسية والإدارية والثقافية للدولة السودانية. ودعونا ننظر إلى الأدلوجة الاستعرابية تجاه سكان صعيد مصر الاصليين؛ (بجا ونوبة وبعض شعوب الليبو _ الهواوير، أو الهوارة الذين سيصبحون عربًا، ومن ثم، حسانية).

    دعونا ننظر إلى تهميش كل ما هو غير عربي، باستثناء التماثيل والآثار الحضارية الفرعونية، التي تجلب الدولار، ولم تجد الاهتمام إلا بسببه. لننظر، أيضا، إلى فساد الطبقة السياسية المصرية وبؤس برامجها وضعفها، وسيطرة الجيش المصري على مفاصل الحياة، ولعقلية الخواء و"الاستهبال" والبؤس المعرفي. وأيضًا، عقلية التلقين وضعف الحس النقدي، عدا قلة كان حظ بعضها القتل والتكفير والإبعاد. فنحن نسخةٌ مشوَّهٌة ورديئة من مصر، وما لم نقطع مع هذه النسخة، فلن نتخلص من أمراضنا المقيمة. لدي شعورٌ بأن استعراب قبائل الشمال النيلي تم برعايةٍ مصرية، على الرغم من وجود جذر فونجي، كما ذكر الأستاذ، جاي سبولدنق في كتابه الأميز "عصر البطولة في سنار". فالاستعراب جرى عبر أمر مكوكي لدرء خطر المماليك حينها. الخلاصة، أن هذه الكتلة ونخبتها تشربت النموذج الاجتماعي والسياسي المصري الشائه، وهذا ما ينبغي أن نلتفت إليه. هذا لا يعني أن ليس لمصر مميزات إيجابية. كلا، فهي مليئة بالإيجابيات، لكن أثرها السالب أكثر وأمضى في ماضينا وحاضرنا. ولا ينبغي أن نتركه يتمدد أكثر مما فعل، فيصبغ مستقبلنا، أيضا.
    ولك ودي الذي تعلم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-21-2020, 11:20 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تضليل الرأي العام بخطاب الكراهية
    صحيفة التيار 22 يونيو 2020

    النور حمد

    ما أكثر ما بنى السياسيون على مر العصور، أمجادهم على تضليل الرأي العام. وقد كان أمضى سلاحين في تضليل الرأي هما الخطاب الديني والخطاب العرقي. استخدم الحكام المسلمون، بحكم تخلف وسائط الاتصال في العالم القديم، الفقهاء وأئمة المساجد كذراع إعلامي. فهم من يجتمع الناس لديهم في المساجد لأداء الصلوات، خمس مرات في اليوم، إضافة إلى يوم الجمعة. ولقد رُمي كبار المفكرين المسلمين بالزندقة عن طريق التضليل. فما أن يفكر مفكرٌ على غير مألوف ما هو سائد، ويحس الحاكم أن في ذلك ما يهدد عرشه، ولو بعد حين، يجري رميه بالكفر والإلحاد والزندقة. ولربما لا يعرف كثيرون أن أشهر الفلاسفة المسلمين الذين نباهي بهم الأمم اليوم، قد رُموا بالزندقة. من هؤلاء، على سبيل المثال: ابن رشد، والكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن الهيثم، وابن المقفع، وأبو العلاء المعري. في مسرحيته الشهيرة "مأساة الحلاج" صوَّر الشاعر صلاح عبد الصبور جوقةً من العوام وهي تردد: "صفونا صفًّا صفًّا/ الأجهر صوتًا والأطول، وضعوه في الصف الأول/ ذو الصوت الخافت والمتواني، وضعوه في الصف الثاني/ أعطوا كلًّا منا دينارًا من ذهبٍ قاني، براقًا لم تمسسه كف/ قالوا: صيحوا زنديقٌ كافر، صحنا: زنديق كافر/ قالوا صيحوا: فليُقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا، صحنا: فليُقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا/ قالوا امضوا فمضينا" ... إلخ.

    في القرن العشرين شيطن الشيوعيون السوفييت خصومهم فقتلوهم، وأرسلوا الملايين منهم إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا. وشيطن النازيون والفاشيون خصومهم في أجهزة الإعلام قبل أن ينقضوا عليهم. وفي رواندا استخدم متطرفو إثنية الهوتو الخطاب العرقي الملتهب للتحريض على قتل أقلية التوتسي. وقد كان لبضع مذيعين من الهوتو الدور الأكبر في التحريض، الذي أدى إلى مقتل ما يقارب المليون شخص، فيما لا يزيد عن مئة يوم. لقد كانوا يذيعون شفرات تقول: " اذهبوا إلى العمل"، و: "المقابر لم تمتلئ بعد"، وأحيانا يقولون بوضوح: "اقتلوا صراصير التوتسي". وقد جرى تقديم هؤلاء إلى محكمة الجنايات الدولية، وحُوكم فرديناند ناهيمانا مؤسس لقناة راديو وتلفزيون في رواندا، بالسجن مدى الحياة. كما حوكم، أيضًا بالسجن مدى الحياة، حسن نقيز، مالك ومحرر صحيفة "كانقورا" الهوتية المتطرفة.

    استخدمت الإنقاذ خطاب التضليل بكثافة أثناء التصعيد غير المسبوق في الجنوب، بمنحها طابعًا دينيًا. وقد أنتج الإعلام الإنقاذي سيلا من البرامج في تلك الوجهة. وحتى بعد أن انتصرت ثورة ديسمبر المجيدة أنتجت هذه العقليات البرنامج الأسوأ في تاريخ الإعلام السوداني، الذي حمل عنوان "خفافيش الظلام". أنتجوا هذا البرنامج في وقتٍ أخذ فيه هذا النوع من الاستخدام الخبيث للإعلام في التراجع والانكماش، على مستوى العالم. خلاصة القول، إن العالم قد أخذ يبتعد عن أساليب التضليل والتحريض وبث الكراهية الدينية والعرقية، بل وشرع في تجريمها، بحزم. ولا منجىً لنا إلا بالسير في هذه الوجهة. فقيم الحق والعدل وتكاملية الضمير الإنساني لا تنفصل. وقد أسعدني جدًا، أن أستمع في برنامج الأستاذ لقمان أحمد، "حوار البناء الوطني"، أن هناك اتجاهًا لإصدار تشريعات تجرم خطاب الكراهية العرقية، وتحاكم عليه. وأرجو أن يشمل ذلك خطاب الكراهية الدينية، أيضًا، فهو الأسوأ، على الاطلاق، في نسف الاستقرار وتقويض السلم الاجتماعي.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-23-2020, 02:59 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    النموذج التنموي الإثيوبي

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 يونيو 2020

    لكي نعرف مدى قصورنا الذاتي كأمة، ينبغي علينا أن ننظر إلى إنجازات جيراننا ممن تماثل تجربتهم وأحوالهم الاقتصادية أحوالنا. لقد اتيحت لي في السنوات العشر الماضية زيارات عديدة لأربعة من أقطار الجوار، هي: إثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، ويوغندا. في كل مرة كنت أزور فيها إثيوبيا وكينيا، على سبيل المثال، أرى تطورًا واضحًا في البنى التحتية، شمل المطارات، والطرق السريعة، والسكك الحديدية. وهذا لا يتعدى ما تلتقطه عينُ زائرٍ عابر، لكنه، دون شك، يدل على تطورات على جبهاتٍ اقتصادية عديدة. أيضًا، أول ما تشاهده العين في هذه البلدان هو نظافة عواصمها، وقد كنا قبل أربعة عقود من الزمان أفضل منهم حالاً في ذلك. لقد ورثنا انضباطًا إداريًا من البريطانيين، لكنا لم نحافظ عليه، فتراجعت أحوالنا، تدريجيًا، حتى وصلنا، في عهد الإنقاذ الكالح، مرحلة الانهيار الخدمي الشامل. وتكمن المشكلة في منظومة قيمنا المتنافرة، غير المتسقة داخل بنيتها، وغير المتناغمة مع مقتضيات الحداثة.

    شاهدت في اليومين الماضيين تقارير تلفزيونية قصيرة، مبهرة، أعدتها مؤسسة غربية،، عن النهضة الصناعية في إثيوبيا، تصور القفزات التنموية الكبيرة التي جرت هناك. أنشأت إثيوبيا بمعاونة الصينيين، في العقد الأخير إثني عشر مجمَّعًا صناعيًا ضخمًا، صديقًا للبيئة، على أحدث المواصفات. بدأت هذه المجمعات في توظيف اليد العاملة الإثيوبية بما يقدر بمئات الآلاف. وقد جرى توزيع هذه المجمعات على ست مدن إثيوبية رئيسة، في مختلف أقاليم إثيوبيا. يدل هذا النهج أن إثيوبيا بدأت تسلك نفس الطريق الذي سلكته دول النمور الآسيوية، قبل بضع عقود، وأحدثت به اختراقًا لافتًا في نقل التكنولوجيا والخبرة الصناعية. الآن أخذت شركات كبرى أمريكية، وصينية، وهندية، وبلجيكية، وفرنسية، وغيرها، في نقل أعمالها في صناعة الأقمشة والملبوسات، من شرق آسيا إلى المجمع الصناعي الضخم في مدينة أواسا الإثيوبية. يقول التقرير إن السبب وراء ذلك هو قلة التعقيدات البيروقراطية في إثيوبيا، والأيدي العاملة المدربة، والخدمات المتكاملة في هذه المجمعات؛ كالبنوك، وتصل هذه الخدمات داخل هذه المجمعات حد منح تأشيرات الدخول والإقامات. ذكر مستثمر هندي، جرت مقابلته في التقرير، أن إثيوبيا أقرب مسافةً إلى السوق الأمريكية، وبطبيعة الحال، إلى السوق الأفريقية. يتوقع أن تدر هذه النهضة الصناعية الكبيرة على إثيوبيا، بلايين الدولارات، سنويا.

    عرض أحد التقارير صناعة الأحذية والألبسة الجلدية التي ازدهرت بشدة في إثيوبيا، التي تملك حوالي 52 مليون رأس من الماشية. ورغم أن أعداد الماشية في السودان لا تقل عن ذلك، إلا أن الإثيوبيين انتبهوا منذ البداية إلى القيمة المضافة فاتجهوا إلى تصنيع الجلود. هذا في حين بقينا نحن نصدر ها لعشرات العقود، مُتَّبعين سياسة تصدير الخام الاستعمارية. الآن غزت الأحذية والألبسة الجلدية الإثيوبية الفاخرة، الأسواق الأمريكية، وسوف تتبعها الألبسة الأخرى. هذا بخلاف المنتجات الأخرى كالبن. أما نحن فلم نحقق، على مدى قرن كامل، نجاحًا يذكر في صناعة النسيج والملبوسات، رغم أننا من منتجي أجود أنواع القطن. العقدة الرئيسة التي ستعطل انطلاقنا الآن، هي سيطرة العسكريين على مفاصل الاقتصاد، وعلى السياسية الخارجية. فالعالم لن يفتح لنا أي فرصة لنهضة كبيرة ما لم يتراجع العسكريون إلى موقعهم الطبيعي في بنية الدولة، كغيرهم من المؤسسات العسكرية. بغير ذلك، لن يرى العالم في نظام حكمنا سوى امتداد للإنقاذ. وسيكون كل عملٍ نعمله مجرد حرثٍ في البحر.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-23-2020, 10:38 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    انبلاجُ فجرِ الشعوب وانجلاءُ ليلِ النخب

    النور حمد

    صحيفة التيار 24 يونيو 2020

    ظلت البشرية تكافح منذ أن عرفت السلطة والتسلط، لكي ترفع عن رقبتها نَيْر القهر. عانى الفرد البشري ما عانى، منذ أقدم العصور، وهو يحاول نيل حريته وكرامته. فذاق في هذا الطريق الشاق، الطويل، مرارة الاستعباد، وقهر الملوك والأباطرة، وتسلط رجال الدين، وظلم الاقطاعيين الذين جعلوا من الضعفاء عبيدَ أرض. وبعد أن اشتعلت ثورات الشعوب على الملوك في أوج عصر التنوير، لم ينته القهر والظلم، وإنما أُعيد انتاجهما في صيغٍ جديدة. جرَّبت البشرية في القرن العشرين الاشتراكية على يد النظام الماركسي اللينيني في الجمهوريات السوفيتية والصين وكوبا، وغيرها. صادرت الماركسية اللينينية الحرية من أجل أن تحقق الاشتراكية، ففشلت في تحقيق كليهما. وجربت البشرية، قبل ظهور الشيوعية، النظام الديمقراطي الرأسمالي، الليبرالي، فأوصلت أزمته، رغم التعليم والرفاه النسبي الذي تحقق، إلى حالة الاختناق التي نشهدها عليه حاليًا في نموذجه الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية. تبخرت وعود التحرير التي طرحها عصر التنوير والثورات التي أعقبته. وتبخرت وعود الاشتراكية التي طرحها النموذج الشيوعي. وأبقت النخب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان متخفِّيًا في أثواب جديدة.

    احتلت النخب السياسية والاقتصادية الحديثة مقاعد الأباطرة والملوك الذين سادوا حقب الماضي. وعملت بدأبٍ لكي ينحصر الثراء وسط قلِّةٍ قليلة، ويعم الفقر الكثرة الغالبة. أكثر من ذلك استتبعت هذه النخب المثقفين، الذين أغرتهم بالثراء والوجاهة، فابتعدوا عن دور المثقف الثوري، وتحولوا إلى خبراء ومستشارين لها. هذا الحلف النخبوي الذي يضم رجال الاقتصاد، ورجال السياسة، ورجال الدين المتماهين مع السلطة، هو الإمبراطور الجديد، المسيطر اليوم. وفقًا لهذه التوليفة أمكن لشخص يفتقر إلى أبسط مقومات القيادة من المعرفة والخبرة والمسلك المتزن والانضباط الأخلاقي، أن يصبح رئيسًا لأكبر قوة في الأرض. هذه هي خلاصة الخلاصات في طفح حقبة النخب التي أخذت شمسها في الأفول. ولو نظرنا إلى حالنا في السودان عبر تقلباته منذ مؤتمر الخريجين وإلى صراعاتنا الجارية في هذه اللحظة، لوجدنا أننا نمثل نموذجًا مصغَّرًا لهذا المخاض الذي سينبثق به فجر عصر الشعوب، ولأول مرة في التاريخ.

    من جوامع الكلم، وجوامع المعني، وجوامع المعرفة بمجريات التاريخ، في هذا الصدد، ما سطره قلم الأستاذ محمود محمد طه، منذ ستينات القرن الماضي، حين كتب: "إن عصرنا الحاضر يمكن أن يوصف بأنه عصر الذرة. ويمكن أن يوصف بأنه عصر استكشاف الفضاء الخارجي. ولكن ينطبق عليه أكثر، كونه عصر رجل الشارع؛ عصرُ الرجل العادي المغمور، الذي استحرَّت على مضجعه شمس الحياة الحديثة. فنهض وحمل عصاه على عاتقه، وانطلق يسير في الشعاب، يبحث عن حياته، وعن حريته، وعن نفسه، بعد أن أُذهل عن كل أولئك طوال الحقب السوالف من تاريخه المكتوب وغير المكتوب. ذلك التاريخ الذي أخذ يُراجع اليوم، ويُكتب على هدى قيمٍ جديدة. وهذه القيم الجديدة هي التي ستوجه المدنية الغربية الآلية الحاضرة وجهتها الجديدة".

    نحن، حاليًا، لا نزال داخل سيرورة ثورة ديسمبر العظيمة. وهذا يحول بيننا وبين رؤيتها كما ينبغي. هذه الثورة التي كان قوامها الشباب من أبنائنا وبناتنا، والتي تقاوم الآن التفاف حبال النخب حول جيدها الأغيد، لهي ضوعةٌ من ورود رياض عهد الشعوب المقبل، الذي آذن فجره بانبلاج وشيك على مستوى الكوكب كله.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-25-2020, 05:21 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    العالم يحب أن يرى المدنيين يحكمون

    صحيفة التيار 25 يونيو 2020

    النور حمد

    تابعت بالأمس قناة "الغد" وهي تقدم برنامجًا حواريًا عن المفكر الراحل، محمد أركون. قبل نهاية البرنامج بدقائق، قطعت القناة الإرسال وانتقلت إلى وزارة الخارجية السودانية لتنقل المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الري السوداني، حول آخر تطورات المفاوضات المتعلقة بسد النهضة. وقد واصلت القناة النقل المباشر لذلك المؤتمر حتى نهايته. كان من الممكن أن تصور القناة المؤتمر الصحفي وتورد خبره ضمن أول نشرة إخبارية تأتي عقبه، مصحوبًا بلقطات منه. لكنها بدلا عن ذلك نقلته كاملاً، من ألفه إلى يائه. لقد كانت هناك أكثر من عشرة محطات تلفزة ما بين عربية وناطقة بالعربية، حاضرةً في المؤتمر. ولا أدري كم منها نقل المؤتمر نقلاً مباشرا. المهم أن نقل المؤتمر كاملاً، وقت حدوثه، من قبل قناة الغد، كان لافتا. عقب نهاية النقل المباشر للمؤتمر اتصلت القناة بمراسلها في الخرطوم ووجهت اليه مجموعة من الأسئلة أجاب عليها. وفي أول نشرة أخبار أعقبت المؤتمر، أوردت القناة خبر المؤتمر مرة أخرى، واتصلت بمراسلها في الخرطوم طالبةً المزيد من الايضاحات.

    أورد القناة في نشرتها، أيضًا، خبر المحادثة التي جرت بين السيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزير الخزانة الأمريكي ستيفن مونشين. وقد أشاد مونشين بجهود السودان، وسعيه لحث أطراف النزاع حول سد النهضة للوصول إلى اتفاق عبر التفاوض. وما من شك أن قنوات كثيرة قد اهتمت بهذا المؤتمر وبمبادرة السيد رئيس الوزراء، وبما قدمه السيد وزير الري في هذا المؤتمر، الذي عكس موقفا متزنًا متسمًا بالحكمة، وباستقلالية القرار. شعرت من كل ذلك، أن صورة بلادنا وصورة مسؤولينا قد بدأت تتغير. وأن العالم قد بدأ ينظر إلى بلادنا باحترام. ولقد كان اللافت في كل هذه المادة الخبرية غياب المكوِّن العسكري في الشراكة الجارية حاليًا. وأحب أن أضيف إلى علامات التحول التي عكسها نقل قناة الغد، الذي كان أمينًا ومحايدًا، ما سيجري اليوم من في مؤتمر شركاء السودان في برلين، عبر تقنية الفيديوكونفرس، لمناقشة سبل دعم الفترة الانتقالية والتحول الديموقراطي في السودان. فاشتراك الأمين العام للأمم المتحدة، وممثل الاتحاد الأوروبي، وغيرهم فهذا أيضًا حدثٌ كبيرٌ يدل على تبلور الصورة الجديدة، التي بدأت تتشكل في العالم عن السودان.

    ما من شكٍّ، أن عهد إمساك العسكريين بمقاليد الأمور في دول العالم النامي قد انقضى. لذلك، لا ينبغي أن يفكر أيٌّ عسكري، الآن، في أن يكون واجهةً لبلاده. فلعالم لم يعد يستسيغ التعامل مع العسكريين الذين يحكمون. بل، إن الحكومات الغربية التي كانت تدعم في الماضي الأنظمة العسكرية، وتتدخل مخابراتها، أحيانًا، لتغيير الأنظمة بالانقلابات العسكرية، كفَّت عن ذلك. فالشعوب في كل العالم أصبحت أكثر وعيًا، وأكثر إحكاما للرقابة على حكامها. لقد جربنا الواجهة العسكرية في الحكم في السودان ثلاث مرات، امتدت لاثنتين وخمسين عامًا، اتسمت بحروب مستمرة، إلى اليوم، وبفقدان البلاد ثلث مساحتها، وأكثر من 50% من مواردها الطبيعية. ولم تعد في أقطار العالم النامي، اليوم، أنظمةٌ عسكرية، سوى في بلدانٍ قليلةٍ جدا. لقد تساقط أغلبها، ولن يلبث المتبقي منها أن يسقط. هذا هو تيار التاريخ، ومن يسبح ضده في أوج فيضانه، سيغرق حتما.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-26-2020, 00:53 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لا تدسُّوا المحافير من فضلكم

    النور حمد

    صحيفة التيار 26 يونيو 2020

    تداعى العالم بأسره مساء أمس الخميس 26 يونيو 2020، في مؤتمرٍ غير مسبوقٍ لدعم الفترة الانتقالية ومواجهة تحدياتها الاقتصادية الضاغطة، ومن ثم، إنجاح عملية التحول الديموقراطي المرتقبة في السودان. أشاد عددٌ من المتحدثين بثورة السودان مبدين إعجابهم الكبير بشجاعة الشباب السوداني، ووقوفه بصلابة، وبسلمية، في وجه نظامٍ ديكتاتوريٍ باطشٍ متجبِّر. لقد أعاد شباب وشابات احترام الأسرة الدولية للسودان، من جديد، بعد أن فقده لعقود. وقد كان باديًا في حديث جميع المتحدثين الصدق والجدية والحرص على أن يعبر السودان من مربع اللااستقرار والفقر والعزلة الذي طال مكوثه فيه، إلى مربع الاستقرار والتنمية والازدهار. شاركت في هذا المؤتمر، أكثر من أربعين جهة؛ مثلت بلدانًاٍ، واتحادات بلدان، ومؤسسات مالية وتنموية مختلفة. وقد قدمت أرقامًا مالية محددة.

    إن أول انطباع يمكن أن يخرج به المرء من هذا المؤتمر التاريخي، هو أن اختيار الدكتور عبد الله حمدوك لرئاسة وزارة الفترة الانتقالية، قد كان موفَّقًا، بكل المقاييس. فلقد تجلَّت خبرته المهنية ومعرفته اللصيقة ببيئة العلاقات الدولية، والاحترام الدولي الذي يتمتع به، في فكرة عقد هذا المؤتمر وفي نجاحه اللافت. ولو تركنا العون الاقتصادي الذي أسفر عنه هذا المؤتمر، جانبًا، فإن الدعم المعنوي الذي جلبه للسودان، لا يقل أهمية. ولو أضفنا، إلى هذا المؤتمر، الاختراق الكبير المتمثل في استقدام البعثة الأممية (يونيتامس)، والموافقة على نقل السودان من الفصل السابع الذي ورط فيه حكم الانقاذ البلاد، إلى الفصل السادس، ثم العون الأممي المتنوع الذي سيصاحب عمل البعثة، فإن انجازات حمدوك النوعية، تصبح واضحةً وضوح الشمس. أيضًا، ترددت أنباءٌ قبيل انعقاد هذا المؤتمر، منسوبةٌ إلى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، قال فيها إن الأسابيع القادمة ربما تشهد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقد كان لافتًا للنظر في أحاديث الذين شاركوا في هذا المؤتمر، خاصة الغربيين، إشاراتهم المتكررة إلى ضرورة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعادة دمجه في المجتمع الدولي.

    أما الخلاصة الأهم في تقديري، فهي أن هذا المؤتمر، وغيره من الاختراقات الأخرى التي أشرت إليها، قد قلبت الطاولة على كل الحالمين بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، من كارهي الثورة، وفلول النظام المدحور؛ من مدنيين وعسكريين. لقد أصبحت الفترة الانتقالية الآن مراقبةً بعيون المجتمع الدولي. وأصبحت بالإضافة إلى حراسة الشارع السوداني الواقف على أمشاط أصابع قدميه لها، محروسة، أيضًا، بهذا الاهتمام الدولي الواسع، المتنوع. لقد عزف المجتمع الدولي نغمةً أساسيةً لن تملك القوى الإقليمية خيارًا سوى العزف على إيقاعها وسلمها.

    لكن، مع كل ما تقدم، لابد من القول إن المكون الرئيس لحل مشاكل السودان يأتي من داخل السودان، وليس من خارجه. ما ظل يجري في جوبا من مباحثات سلحفائية، لا تصلنا منها سوى روائح المحاصصات الكريهة، نغمةٌ نشازٌ، غير متوافقة مع لحن التغيير. و"ورجغة" كارهي الثورة، في الصحف المأجورة، وفي وسائط التواصل الاجتماعي، نغمةٌ نشازٌ هي الأخرى. وتعطيل المرافق واختلاق الأزمات، نغمةٌ ثالثةٌ نشاز. واشرئباب عنق المكون العسكري، ليطغى على المكون المدني في الصورة، نغمةٌ رابعةٌ نشازٌ. فيا هؤلاء، وأولئك، لقد جاء العالم ليعيننا على دفن جثة فشلنا المُزمن النتنة، فلا تدسوا المحافير من فضلكم.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-27-2020, 03:56 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    "تاباها مملَّحة تاكلها بي موية"

    النور حمد

    صحيفة التيار 27 يونيو 2020

    طالب الجنوبيون عقب الاستقلال بحكم فيدرالي، في إطار الدولة السودانية الموحدة، لكن ووجه الطلب بتظاهرات حاشدة معادية للفدرالية، بلا فهم. ونشطت أقلام غوغائية في شيطنة الفيدرالية 7وجرى اتهام دعاتها بنوايا التفتيت والعمالة للاستعمار. بعد عامين من الاستقلال قوَّض انقلاب الفريق عبود الديموقراطية الأولى وانخرط في حرب إبادة في الجنوب، لكنها لم تفلح في إخضاعهم. سقط نظام عبود بثورة أكتوبر 1964، وبدأت الديموقراطية الثانية، وسار الساسة المدنيون على خطى العسكريين في الحل الأمني. استمرت الحرب، إلى أن حدث انقلاب جعفر نميري في مايو 1969. فجرى في 1972 توقيع اتفاقية أديس أبابا وتوقفت الحرب، تمامًا، لأول مرة.

    عقب الاتفاقية، مارس الجنوبيون ما سُمي "الحكم الذاتي الإقليمي"، لعشر سنوات، اتسمت بالاستقرار. غير أن نميري شرع في حفر قناة جونقلي، التي تخدم مصر. أثار ذلك حفيظة الجنوبين. فقد خشوا أن يقود حفر القناة إلى تجفيف المستنقعات الشاسعة التي يعتمد عليها الرعاة الجنوبيون وهم غالبية السكان. في ذلك الجو الموتر تلاعب نميري، ببعض بنود اتفاقية أديس أبابا. فثار الجنوبين ووُلدت الحركة الشعبية بقيادة قرنق. اشتعلت الحرب من جديد، وأعلن نميري في عام 1983 ما أسماه "تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية" فزاد النار اشتعالا.

    سقط نظام نميري بثورة أبريل 1985، وعادت الديموقراطية، واستمرت الحرب إلى أن وقع العقيد جون قرنق والسيد محمد عثمان الميرغني ما سُميت "اتفاقية الميرغني/ قرنق". لم ترق الاتفاقية للسيد الصادق المهدي وللإسلاميين، الذين استثمروا في استمالة الجيش تمهيدًا لانقلابهم المُعَد، الذي نفذوه بالفعل في يونيو 1989، مطيحين بحكومة السيد الصادق المهدي. ثم، ما لبثوا أن شنوا أعنف الحروب على الجنوبيين، باسم الدين. استمرت الحرب 15 عامًا ولم يتحقق للإسلاميين فيها نصرٌ حاسمٌ. فاضطروا، عبر مفاوضات نيفاشا إلى توقيع ما سميت "اتفاقية السلام الشامل"، في 2005، تضمنت حق الجنوبيين في تقرير المصير. شارك الجنوبيون الإنقاذيين الحكم لخمس سنوات، توفي في بدايتها جون قرنق في حادث طائرة غامض. في نهاية الفترة الانتقالية في 2011، جرى التصويت على تقرير المصير. وبسبب تعطيل الإنقاذيين إنفاذ العديد من بنود الاتفاق، اختار الجنوبيون، بأغلبيةٍ ساحقة، إنشاء دولتهم المستقلة.

    رفضت نخبنا السياسية منح الجنوب حكمًا فيدراليًا عقب الاستقلال، واضطرت مُرغمةً، بعد أن أضاعت خمسة عقودٍ، في إهدار الأرواح والأموال والموارد، قبول انفصال الجنوب. في شهور، تحول القطر، إلى دولتين فاشلتين. والآن تمارس النخب الشمالية نفس ألاعيبها القديمة، بلا استفادةٍ من دروس الستين عامًا ونيف التي أضاعتها هدرًا. لا يزال نفس العجز البنيوي في القدرة على اتخاذ القرارات الشجاعة، وتقديم التنازلات، التي تخدم الوحدة الوطنية، هو سيد الموقف إلى الآن. فمؤشر درجتنا في مقياس زيادة النضج السياسي، لا يختلف في 2020 عنه في 1956! اعتقدنا بجهالة، عقب الاستقلال أن الفيدرالية خط أحمر، فخسرنا الجنوب، مرَّةً وإلى البد. والآن تعتقد بعض نخبنا المتنفذة ألا تنازل عن تسمية السودان "دولة إسلامية". وهي، في حقيقة الأمر، مجرد تسمية لا تأثير لها على الواقع العملي للدولة. لا تزال بعض نخبنا المتنفذة، تستخدم، بدافع المصالح الضيقة، نفس عراقيل الشعارات القديمة، الخاوية، الضارة بالوحدة الوطنية. وكما حدث من قبل، فإنهم سيضطرون، في نهاية الأمر، إلى التراجع، لكن، بعد ضياع الوقت والجهد، و"خراب سوبا".
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-28-2020, 02:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    احتفاءً بذكرى 30 يونيو العظيمة

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 يونيو 2020

    ما من شك أن يوم 30 يونيو سيبقى معلمًا بارزًا في تاريخ السودان الحديث، بل، وفي مجمل تاريخ السودان. فهو يوم انتصار قوة السلم على آلة الحرب، وقوة الإجماع الشعبي على الاستئساد النذل على العُزَّل بقوة السلاح. هو اليوم الذي به بدأ مشروع إعادة وضع السودان في خريطة العالم الحر، من جديد. لقد ظن الذين نفَّذوا مجزرة القيادة العامة أنهم قد قضوا على الثورة وحطموا إرادة الثوار. لقد نفَّذوا حرفيًا خطة البشير البئيسة بالإسراف في القتل. تلك الخطة التي مهَّد لها البشير باستصدار فتوى من تاجر دينٍ عديم الضمير، أحل له قتل ثلث الشعب، ليستمر في الحكم. وكلنا يذكر زيارة البشير لمقر الشرطة وحثه لضباطها على قتل المواطنين، تحت ذريعة ما أسماه زورًا وبهتانًا، قصاصًا. وهو افتئات على كتاب الله، لم يسبقه عليه أحدٌ من العالمين، استنادا على تلك الفتوى النذلة. وحين رأى عدم التجاوب والاستنكار في عيون ضباط الشرطة، ابتلع ريقه ارتعابًا، وأيقن أن أيامه في الحكم قد غدت معدودة. وجاء أبريل وبدأ الاعتصام المليوني أمام بوابات القيادة، ولم تمض أيام، حتى سقط البشير.

    نظامٌ مثل نظام البشير لا يسقط جملةً واحدةً، وإنما على أقساط، لأن وراءه بنية عقلية ونفسية مختلة. والعقول والنفوس لا تتغير بين يوم وليلة. ظنَّ الذين أزاحوا البشير أن الشعب سيفرح ويرضى بمجرد إزاحته، ويصبح في وسعهم، من ثم، الجلوس مكانه. أثبت تلك النية لديهم، ارتكابهم بعد ثمانية أسابيع، جريمة مجزرة القيادة العامة التي ظنوا أنها قد قضت على الثورة. فاحتفلوا وقاموا عقب فض الاعتصام مباشرة بحملة إرهابية على المواطنين، بالهراوات، في مختلف الأحياء. وأكملوا احتفالهم بتعليق المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، معلنين الانفراد بإدارة الفترة الانتقالية على هواهم. لكن، جاءت المفاجأة الكبرى بموكب 30 يونيو الذي أذهل العالم، وهز عرش الطغيان، وحوَّله في يومٍ واحدٍ إلى ركام. قلب الشعب الطاولة على اللجنة الأمنية وعلى القوى الإقليمية التي كانت تحلم بهزيمة الثورة باتباع نموذج مجزرة ميدان رابعة العدوية، في مصر.

    هذا اليوم هو غرة أيامنا في مضمار الكفاح الوطني نحو الحرية والسلام والعدالة. فحبذا لو أقمنا له قوس نصر شبيهًا بقوس النصر القائم في قلب باريس. فالأمم العزيزة تخلد تاريخها في مجسمات. وأقترح أن تطرح الشراكة القائمة؛ بمكونيها المدني والعسكري، مسابقة للمعماريين والتشكيليين، لتقديم تصميمات لهذا القوس. وأقترح أن يكون القوس رابطًا بين حافتي الشارع حيث جرت مذبحة القيادة. واقترح أن تسهم الدولة، ومعها المواطنون، خاصة المغتربين، إضافةً للرأسمالية الوطنية في تكاليف تشييده. أيضًا ينبغي أن نجعل من هذا اليوم عطلةً رسميةً، سنوية.

    لكن، لكي يكون احتفالنا بهذا اليوم متماشيًا مع روح الثورة المتمثلة في الانضباط والمسؤولية، في هذا الظرف الصحي بالغ الحرج، أقترح أن يأخذ الاحتفال، هذه المرة، صورةً خلافًا لصورة المسيرة المركزية الحاشدة. ويمكن على سبيل المثال أن يكون اصطفافًا على طول مئات الكيلومترات بمسافات محسوبة بين الأفراد المصطفين، في كل الشوارع الرئيسية في العاصمة وفي المدن الإقليمية. وأن يجري الاصطفاف في توقيت محدد ببداية ونهاية. على أن نعود جميعًا للمليونيات الحاشدة عقب انقضاء هذه الجائحة بإذن الله، متى ما استدعى الأمر ذلك. وليكن هذا عمل عبقريٌّ آخر، نضيفه إلى الأعمال العبقرية، التي اتسمت بها هذه الثورة العظيمة.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-29-2020, 12:49 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الانقلابيون وقيد العقل المستبد

    النور حمد

    صحيفة التيار 29 يونيو 2020

    ظللنا نقرأ فيما تتناقله بعض الصحف ووسائط التواصل الاجتماعي، في الفترة الماضية عن مغازلاتٍ مكشوفةٍ يقوم بها كارهو الثورة للمكون العسكري أملا في أن ينقض على الفترة الانتقالية. ضمن هذا السناريو، يخرج من حينٍ لآخر أئمةٌ من المنتفعين من النظام المدحور، من على منابر المساجد، حالفين بإيمانٍ مغلَّظةٍ أن حكومة الثورة لن تكمل عامها الأول. وهو ما يشير إلى أن لديهم معلوماتٌ من نظراءٍ لهم، داخل الأجهزة العسكرية، تبشرهم وتمنِّيهم بالعودة إلى الحكم. وقد فضح هذا النوع من محبي الإنقلابات العسكرية، ، قبل فترة، متظاهرٌ ذهب إلى القيادة العامة ضمن تظاهرة طالبت بعودة الحكمٍ العسكري، مرددةً، دونما حياء: (الكاب ولا الأحزاب). قال هذا المتظاهر للضابط الكبير، حين طلب من المتظاهرين الانصراف: (ما قلتوا لينا تعالوا؟ ليه تخذلونا؟). يضاف إلى هؤلاء وأولئك، مجموعة الصحفيين الذين ترعرعوا في عالم الصحافة على يد الانقاذ، فصاغت منهم مخاتلين بلا ضمائر، أصبحوا يعملون الآن، من داخل البلاد ومن خارجها، في تهيئة الجو انتظارًا لانقلابٍ عسكري.

    اهتمامي في هذه المقالة القصيرة ينصب في تسليط الضوء على هذه العقلية التي لا تتوب من الانقلابات. في انتخابات 1986، التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985، أحرزت الجبهة القومية الإسلامية، بقيادة الدكتور حسن الترابي، ولأول مرة في تاريخها، أكثر من خمسين مقعدًا في البرلمان. وبدلاً من أن تسير في وجهة تثبيت النظام الديمقراطي، وتوسيع قاعدتها الجماهيرية، لتدخل عددًا أكبر من النواب إلى البرلمان، في الانتخابات التي تلي، اتجهت إلى اختراق الجيش تمهيدًا للانقلاب على النظام الديمقراطي. نفذ الإسلاميون انقلابهم في يونيو 1989، وحكموا ثلاثين عاما لخص خلاصة حكمهم في نهاياتها الرئيس المخلوع، قائلا في اعترافٍ متلفزًا، إن بنك السودان ليس فيه أكثر من مئة ألف دولار، وأن مخزون المواد البترولية يكفي ليومين. أما مخزون الدقيق فيكفي لأسبوع واحد. عاشت البلاد على أيديهم في حالة حرب دائمة، إلى أن انفصل الجنوب ونشأ جنوب محارب جديد. تدمر الاقتصاد تماما، وانعزلت البلاد من المجتمع الدولي. وحدثت أنماط من الفساد لا مثيل لها على ظهر الكوكب. ورغم كل ذلك، لا يزالون يريدون انقلابًا عسكريًا يعيدهم إلى السلطة، التي مارسوها لثلاثين عاما وانتهت بهذا الانهيار الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ الشامل.

    هذا العقل، عقلٌ مأزوم. ولن يبلغ به أصحابه أي طائلٍ، ما لم يعترفوا بأزمته أولا، ثم يعملوا على معالجتها. جوهر أزمة هذا العقل هو الامتلاء الأرعن، والأجوف، بالشعور بالاستحقاق المطلق في السلطة. فحوى هذا الشعور: "لا أحد أفضل منا، ولا أولى منا بالحكم". هذا النمط من الرعونة يمنع صاحبه من رؤية الأخطاء التي يرتكبها. ولقد شهدنا كيف خرجوا علينا بفقه التحلل حين سرقوا المال العام. لذلك، من الصعب الوصول مع هذا النمط من العقول إلى اتفاقات حدٍّ أدنى. لا يمكن للشخص السوي أن يصل مع هذا العقل، إلى ثوابت مشتركة.

    الآن يسرف علينا أهل هذا العقل الاستبدادي، وعلى أنفسهم، أيما إسراف، بالمحاولات الدؤوبة لخلق حالة اختناق عامة. بل، وافتعال انفلاتاتٍ أمنيةٍ ليجد العسكر ذريعةً لنقض الوثيقة الدستورية واستلام زمام الأمور، وشطب ثورة ديسمبر. لكن، من قال لهم إن العسكر سوف يعيدون إليهم السلطة؟ عليهم فقط أن يتذكروا ماذا فعل البشير بالدكتور حسن لترابي، الذي أتى به من ثكنات الجيش وجعل منه رئيسًا للجمهورية. تقول الحكمة الخالدة: "كل تجربةٍ لا تُوْرِث حكمةً تكرر نفسها". فلا مستقبل، إطلاقا، لأي فاعل سياسي إلا في الديموقراطية. فليستثمروا فيها، وليصحوا من هذه الأوهام.

    .
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-30-2020, 00:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السلام الغامض المُبَشَّر به

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 يونيو 2020

    بعد أن انتصرت الثورة ظن كثيرون، وشخصي واحدٌ منهم، أن قيادات الحركات المسلحة سوف تهرع إلى الخرطوم، لتسهم في تثبيت الثورة واحلال السلام محل الحرب، وإنهاء حالة النزوح واللااستقرار التي استمرت سنواتٍ طويلة، ذاق فيها المواطنون في مناطق النزاع المسلح الأمرَّين. أعلنت الحركات المسلحة مع انتصار الثورة أنها شريكٌ أصيلٌ فيها. لكن الذي جرى عبر الأشهر السبعة المنصرمة عكس خلاف ذلك. فقد بدا وكأن المفاوضات تجري بين طرفين متحاربين، وليس بين شركاء في ثورة واحدةٍ، كما قيل. انتقد كثيرون تأخير إنشاء مفوضية السلام، التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، يضاف إلى ذلك تأخير إنشاء بقية المفوضيات وتعيين الولادة المدنيين. بل إن تأخير تشكيل المجلس التشريعي كان نتيجةً لحرص الحركات على معرفة نصيبها فيه على ضوء المفاوضات. وقد جعل تأخير المجلس التشريعي حق إصدار التشريعات المؤقتة في يد المجلس السيادي الذي يسيطر عليه الشق العسكري. وقد سلب ذلك المكون المدني، الممثل الحقيقي للثورة، فرصته في استخدام قوة التشريع لهدم النظام القانوني والإداري القديم، الذي تأسس على اختلالات بنيوية أنتجت فسادًا مؤسسيًا شاملاً. وحال، من ثم، دون بناء نظامٍ جديدٍ متوازنٍ شفاف. كما انتقد كثيرون أيضًا خطة المسارات المتشعبة، وسيطرة العسكريين على الملف.

    بما أن العسكريين كانوا بطبيعة وضعهم جزءًا لا يتجزأ من بنية النظام المدحور، فإن من الطبيعي أن تسود الهواجس والتخوفات بينهم وبين الحركات المسلحة. وهذا في حد ذاته عنصرٌ جعل المفاوضات متسمةً بالعُسر وبالبطء. فالثقة المتبادلة، هي التي تضمن اليسر والسرعة، والعكس صحيح. وعمومًا فإن رجحان كفة المكون العسكري في الشراكة الانتقالية على المكون المدني، قد وسم الفترة الانتقالية، بحالة الغموض والهشاشة، التي يصف بها الجميع الأوضاع، الآن. أيضًا، دلت الزيارة الأخيرة التي قام بها الإخوة الجنوبيون الراعين للمفاوضات إلى الخرطوم، مؤخرًا، أن من يمثلون الحكم الانتقالي فيها، ليسوا مفوضين بالقدر الكافي. ولقد حرصت على متابعة اللقاء الذي أجرته قناة السودان مع ممثلي الجبهة الثورية، ولم أخرج منه بشيء واضح، يتعدى التبشير والتطمينات التي تعقب اللقاءات الدبلوماسية عادة. جاءت هذه الزيارة المفاجئة للوفد الجنوبي الشمالي المشترك، بعد مرور التوقيت الذي أُعلن قبل فترة للتوقيع على الاتفاق، دون نتيجة. والآن أُعلن عن توقيتٍ تقريبيٍّ جديدٍ لتوقيع الاتفاق، نأمل ألا يسفر عن تأجيلٍ جديد.

    ما رشح في الأنباء عن مطالبة قوى الكفاح المسلح بـ 140 مقعدًا في المجلس التشريعي، و9 وزراء اتحاديين و4 أعضاء في مجلس السيادة، وأن يكون غالبية ولاة ولايات دارفور من الحركات المسلحة، أثار الشكوك، مرة أخرى، حول نهج المحاصصة، الذي اتهم به الرأي العام هذه المحادثات قبل شهور. فهذه الفترة فترة انتقالية، المهم فيها العناية بالتفاصيل الدقيقة المحكمة للاتفاق، التي تضمن سلامًا عادلاً مستدامًا على الأرض، وليس الاهتمام بمن تُملأ المقاعد، وكم عددها. في تقديري أن نخبنا السياسية لا تزال لا تملك القدرة على الخروج من الطبيعة التي تربَّت عليها. أيضًا لم نسمع في الزيارة الأخيرة، وما قبلها، شيئًا واضحًا عن وضع حركتي عبد العزيز الحلو، وعبد الواحد نور. ولا أدري ما السبب وراء التعتيم بشأنهما. فهل سيكون هذا السلام شاملاً أم جزئيًا. نحن، فيما يبدو، بحاجةٍ لثورةٍ في العقول، لن تحدث بغيرها ثورةٌ في واقعنا السياسي المعتل.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2020, 01:55 AM