بت حبيب
الجزء الثاني
دينها وخلقها: لا ترد العنف:
كانت أمي لا ترد العنف إذا وقع عليها، وقد رأيته، في سيرة حياتي معها، مرة واحدة، ومرة أخري في صورة شتم، أما المرة الأولي، فكان مع عمتي آمنة عليها الرحمة كانت امرأة صعبة ولكنها متدينة ولها فلتات، أحياناً تصرفها يتسم بالقساوة، كانت عمتي آمنة قد طلقت زوجها، أو طالبت بالطلاق منه، فطلقها، ولكنها بعد مدة، رجعت اليه وتشاجرت معه، فتشاجر معها، عادت الي دارنا في العصر، لأنها كانت تسكن معنا، فأخبرتها أمي قائلة( يا آمني إنتي الراجل دا طلقتيهو من زمان.. شنو الوداكي تمشي ليهو عند أهلو وتنبزيهو كمان.. غلط منك التصرف دا يا آمني).. فما كان من عمتي إلا أن أخذت غطاء حلة، وضربت به أمي علي رأسها، في منتصف الرأس، فشجت رأسها.. سال الدم.. وقد كانت أمي جالسة ، تسحن في السٌحَان اليدوي( السَحٌان) تسحن النوى وحب الذرة للغنم... وقفت أمي وصارت تمسح الدم بيديها، ويتدفق من جديد سائلاً، وقد كنت في السنة السادسة وأختي زينب ابنة ثلاثين عاماً وأختي عائشة في سن الفطام.. أول شي قالته أمي، وهي تمسح الدم، قالت: ماني عافي لأي واحد فيكم، لو مدا أيدو عليها...دي عمتكم.... ونحن كنا نتحرق ألما.. عمت شنو دى البي تضرب أمنا.. قالت أمي أنا عافية ليها.. لله والرسول.. مسكينة ما ها في إيد نفسها.. طلقت زوجها.. عادت عمتي في المساء تبكي، وتحمل رياليين، وقالت

يا طيبة أعفي مني لله والرسول أنا غلطانة ، وديل ريالين طيبي ليكى..) رفضت أمي المبلغ، وقالت لها( أنا عافي ليك من ساعتها، ومسامحاكي، وأحميت الولاد يلمسوكي.) لو في عفو ولاد أخوكي ديل، الطفل إذا حقد صعب يتغير، وأنا ما عاوزاهم يحقدوا علي عمتهم. حلفت عمتي أن نأخذ الريالين.. ما سألتنا أمي، نأخذهم أو لا نأخذهم، لكن بتصرفنا، اهتدينا، وقلنا، رياليناً ما شالتهم أمنا نحن ما بنشيلن) ولكن عمتي بعد أيام اشترت بهم لنا بسكويت..) كانت أمي أقوي من عمتي بما لا يقاس، وأحكم عوداً وأطول قامة. وكنت أنا في قمة الحيرة، من أمي، ليه ما بتعتدي علي الناس البيعتدوا عليها.؟ أي تأخذ حقها ممن ظلمها، طالما هي لم تبدا العنف.
لم يصادف مرة واحدة، أن رأيتها تشتم أحداً، أو تتلفظ بألفاظ نابية، إطلاقاً..وعندما تسمع شتيمة من واحدة من النساء، أو اثنان يتشاتمن علي بعد منها تقول

أعوذ بالله من الشيطان.. الله ينعل إبليس.. ما كنت مفتكرة في ناس في الدنيا دي تتلفظ بي ألفاظ زي دى... شوف الناس دي متملية في الدنيا دي كيف... يا حليلنا من الراجيينا)
رأفتها بالحيوان:
كانت تملك الأغنام والضان:
هي راقدة في سريرها، تفرز أصواتهم واقرب زريبة للغنم بعيدة من دارنا، قدر فرسخ أو فرسخين، كانت تعرفهم بأصواتهم.. الليلة النعجي البرقا دى مالا، تكورك كدي كوراكا كتر. إلا تكون ملوييي في حبلا... الليلي. العز اللشتراها أبوك من حليمة بت باسعيد، ما قدرت تعيش في( الكََرْ) مع المعوز.. مستوحشي المكان. .. شوف ديل يكوركن كلهن. قالن عشانا إتأخر.. أنا ما إتأخرت في نزولي للجرف، شغلتني فلاني؟ وهكذا كانت تتفقدهم وتعرفهم بأصواتهم من علي البعد.كما عرف صديقنا العوض، دار مهدي وأم الحسين، بصوت غنمايته التي تركها عندهم عندما هاجر الي عمان، عرف دارهم بعد أن تاه في مرزوق، لأنها بعده خططت. وكنت أنا أتعجب من ذلك، ولم أعرف ذلك، إلا بعد أن عملت في هندسة هلتون الخرطوم، وكان هنالك مكتباً زجاجياً كان يصلنا صوت الماكينات داخل المكتب، ومن كثرة الممارسة، صرت أعرف صوت ماكيناتي، واعرف سبب أعطالهم من صوتهم، دي زيتها نقص، دي زيتها فقد لزوجته، دي سرعتها ارتفعت لذا حرارتها زادت.. في صوت زايد في الماكينة الفلانية . دا صوت بلي... دى فيها اهتزاز... مافي موية في خط السحب...دى صوتها يشبه الأنين. في حمولة زايدة علي خط الطرد... سبحان الله قلتا بالله شوف. أتاريهو أمي كانت تعرف صوت أغنامها؟.. ذكرت هذا الموضوع للأخ العوض مصطفي أيام الفراش الذي أقمته لأمي، فذكر هو قصته مع غنمه، ... بعد يومين من وصول العوض الي دارنا، بلغنا خبر وفاة الوالدة بت حبيب عليها الرحمة. ، هكذا فعلت في الغربة، لم تمكنني من حضور مراسم دفنها، ولا حضور أيام مأتمها في قريتي، سبحان الله وما أقسى الحضور مع الحضرة الإلهية، في تصاريف أمره.. نسأل الله اللطف بنا.. كنت أحب أبنائها عندها، كانت حريصة علي تأديبي، وفرت لي الحياة الالتصاق بها من غير انقطاع حتى تجاوزت العشرين..لم يشغلني عنها شاغل أبدا..
كانت لا تفرط في غيابي عنها ولو يوماً واحداً، وكانت تنتظر الإجازة الصيفية وغيرها من الإجازات بفارق الصبر، ويرون أن الفترة الدراسية طويلة، وبرنامجي في الإجازة يكون معداً من أول يوم فيها وحتى آخر يوم فيها، كنت ساعد الوالد الأيمن في فترة الصيف بالذات، أكاد اقوم بكل شئ معه، يمر علينا وقت، نكون أنا والوالد في شغل أربع وعشرين ساعة، لا نذوق طعم النوم، وقد يتكرر مثل هذا البرنامج في الأسبوع مرة، أو مرتين، لا أذكر أنني قلت له: لا في شئ، أعمل معه وهو يري أن همتي لا تنقص من همته، وقد يتساءل سائل، كيف لبرنامج عمل أن يستمر أربع وعشرين ساعة؟ يمكنني هنا أن أحكي مقطعاً من برنامج يوم..كان الوالد يملك لنشاً يحمل المسافرين من قري منطقتنا، ليوصلهم الي محطة السكة الحديد، التي تبعد عنا حوالي 30 كيلو متر، وقد كان يسوقه بنفسه، وأنا أقوم بدور المساعد معه، نكون قد عدنا لتونا من سفرية، وبعد أن نوزع المسافرين، نرجع لقريتنا في العصر من ذلك اليوم، ليس هنالك زمن في أن نذهب لدارنا لنرتاح، تأتي أمي أو أختي لنا بالغداء علي حافة النيل، نكون نحن قمنا بالتجهيز للسفرية القادمة، من نظافة ومن تعبئة جازولين، ومن تصليح شئ في ماكينته، بعد ذلك، تكون لنا أراضي زراعية، محتاجة للري، وليس غيري أنا والوالد من يسقيها، ولكن الليل قد دخل علينا، فأقوم أنا بتشغيل الوابور ، ونولع الرتينة بالليل، ونظل نسقي الذرة والنخل حتي الصباح، حينما تحضر لنا أمي الشاي، تكون أمي قد أعدت الزوادة للسفرية باللنش مرة أخري، وهكذا ، وأحياناً يكون الوقت في الشتاء الأربعيني، ويكون هنالك عملاً يجب أن يعمل في اللنش، وغالباً ما يكون تحت البحر، لأن الريشة .. جهاز الحركة في اللنش، تكون قد انكسرت، أو تخلخلت، بفعل الحجارة الكثيفة في النيل في منطقتنا، فنقوم أنا والوالد بإخراجها فى جوف الليل وفي شدة البرد، الذى لا يحتمله الإنسان وهو في فراشه، ولكن يحتال الوالد علي شدة البرد هذه، ويحضر جردلاً من أمي ملئ بدهن الغنم، فكنا نتمسح به، ونغطس، ليخفف لنا ذلك قساوة البرد، يصير جسمنا كجسم الأوز، وأمي ، كانت أحياناً تبكي وتوقد لنا النار ، لنتدفأ فيها، ولكنها كانت لما تري همتي عالية، تفرح، وتحضر لنا خلال الليل الشاي عدة مرات، شاي بلبن الضان الخالص، عليه حب الشاي من غير إضافة ماء، وأحياناً نصنع الشاي بنفسنا على جمر النار التي نتدفأ عليها.علي شاطئ النيل. لا سبيل الي العمل في النهار، لأن السفرية تبدأ في صبيحة اليوم التالي. هذا مقطع يومي من برنامج في فترة إجازة صيفية، ولكن قد يكون غيره، بعض البرامج الأخري المشابهة، كان الوضع بهذه الحالة، وكان إحتياجهم لي بالغاً، وكنت أؤدي هذا العمل باستمتاع وفرحة وهمة، كان الوالد لا يثني علي أمامي، إطلاقاً، ولكن عندما تنتهي الإجازة واقفل راجعاً الي مدرستي، كان يبلغ أمي ثناءه علي، وعفوه عني، سرقت محبتهم لي دون أخوتي، ليس بشيء وإنما بالطاعة العمياء، وعدم قولة لا إطلاقاً... ، وأني ظللت مطيعاً لها، لدرجة العبادة، ومخلصاً وعطوفاً عليها، ومؤدباً معها.
أمي والشعر الهادف:
الشعر إذا لمسته لوجدته متأصلاً في عائلتنا، من جدتي من جهة الأب زينب بت خليفة بت حمدين بت صبي،جدة الأخ دكتور عبدالله محمد سليمان الرقم النادر في الطب البشري ثاني السودان في الشهادة الثانوية خريج كلية الطب جامعة الخرطوم الذي داهمه الأجل المحتوم في المملكة وهو في ريعان شبابه وبكته المنطقة كلها كما بكت بعده قريبنا دكتور عبده جندي الذي توفي بحادث حركة ايضاً..، ثم الشعر عند عمتي آمنة، و قليلاً عند أبى الذى يحفظ قدراً كبيراً من أشعار المنطقة، واحمد الصمد. ويمكنني هنا أن أذكر من كل شاعر منهم بعض الأبيات للرمزية فقط، ويكون بعض التركيز علي أشعار والدتي، الحاجة طيبة بت حبيب.
الشاعر:أحمد سليمان( الصمد)
إنتقل الي كسلا، التي عاش فيها كل حياته، وقال فيها شعره، وهو غزير وفيه حكم، ولكن بكل أسف ضاع جله، لولا بعض المجهودات التي بذلتها، حفيدته سيدة بدوي بمدينة أروما بكسلا. قال الصمد في رجل، من أهلنا حضر من الشمالية ليعمل هنالك فى القاش ( والفم) ردم التراب حول القاش) وقد كان هذا الرجل حداداً ماهراً، ولكنه هناك ضاع في المتاهات الكثيرة، وكان أيضاً يعمل في ردم التراب حول القاش( الفم) فقال فيه:
يصفٌق ويـنقز الودران حجابو
سَحَبَتْ مال حديدو علي ترابو
أي ضاع ماله الذي يجنيه من الحدادية، ومن ردم التراب.. ويقال فلان ودران حجابو. اي حجابه الذي صنعه له الفقيه قد ضاع منه، وصار غير متزن التصرفات..
وقال الصمد فيه أخري
بعد ما كان يَفِك الريق مرارة
وبرم طاقيتو فوق الجبهي داره
إتيقن علي القراصةْ بي شطةْ وشمارة
أي بعد أن كان يفطر بالكبدة، وطاقيتو محدرة علي جبهتو من شدة الخيلاء، ذهب ماله، وأصبح يفطر بالقراصة من غير إدام، عليها الماء والشطة والشمار فقط.
الشاعرة زينب بت خليفه: والدة أبي
كان لها بعض نخلات بعيدات عن قريتنا، وكان لما يأتي موسم الحصاد، تأخذ معها أمها فرحين بت حمدين، وتسكن في بيت لها قريب من تلك النخلات، لتجني ثمارهن، ثم تعود الي القرية بعد أيام، كان الوالد صغيراً، يأتيهن كل يوم أو يومين ليحضر لهما بعض الطعام والشاي، وفي ذلك اليوم نفد منهما الشاي والسكر، وكانت جدتي خرمانة للشاي فقالت:
يا عبد الله شِدْ ( دوكة) وتعال قَارِبْ
ما بقدر بلا الكبايي أم حتارب
يا عبد الله شِدْ ( دوكة) وتعال ليا
قاعدي تَلاتْ طِبَقْ متوسده ايديا
عبد الله: هو الوالد...الحتارب هي قطع السكر، ووقتها كان السكر بصورته الحالية غير موجود فى السودان كله، وقد كان السكر يأتينا من مصر كان ذلك في أواخر الثلاثينيات.. وكان يأتي مصمتاً، يعرف بالسكر الحجري، ويسمي ( البغيدة) ويكون معه قطعة حديد مصنوعة علي طريقة خاصة، تساعد علي تكسيره تسمي( البلنجة) كان لما تشتري كمية كبيرة من رؤوس السكر، التاجر يعطيك بلنجة، أما رأس ورأسين فلا..وكان طبيعي أن تستلف البلنجة من الجيران، لأن غيرها السكر يتطاير فهو من الصلادة بمكان.. وقد رأيت فى وقت قريب بدارنا بلنجة يحتفظ بها الوالد في ورشته الخاصة.
بيت الشعر الأخير.. قاعدة تلات طبق متوسدة إيديا.. أى الرأس واليدين طبقة، والبطن والصدر طبقة، والرجلين طبقة، أي قاعدة القرفصاء، لأنه راميها الشاي. و(دوكة) حمارة لنا كانت تسمي دوكة، لشدة سوادها. والدوكة عندنا هي الطاجن، أو صاج العواسة..,وهنالك مدينة دوكة رمية حجر من الحدود الشرقية وقريبة من القضارف،..( تعال قارب.) نوع من سير الحمير.. فوق الربعة. أي تعال بسرعة.
نموذج آخر من شعر جدتي زينب بت فرحين بت حُمٌدين:
تقع قريتنا علي وادي عظيم وكبير، يأتي من أوصال البادية، يسمي( وادي شِرِي) أو (ودي شري) أو ( خور حنون) وحنون، أو ابو حنة، هو جدنا.. كان هذا الوادي نادراً ما ينقطع سيله في موسم الخريف، وكان له سيلاً عظيماً ومخيفاً، من كثرة المياه فيه، وكان يأتي الناس من القري المجاورة لمشاهدة هذا السيل، ولكن فى الآونة الأخيرة، وبعدما ضرب الجفاف معظم أنحاء السودان الشمالي، وبعدما إمتدت رقعة المناخ الصحراوي وتجاوزت خط 15 عرضاً، بعد ذلك قل سيل هذا الوادي ... ولكنا كنا نشاهد سيل ذلك الوادي لأواخر الثمانينيات، وقتها وبعدما ينقشع موسم الخريف، ينبت قش الخريف بجميع شكوله، وأصنافه مثل( التبس) و( التربي) و(الصفيره) و( الحرجل) و( المحريب، أو الحمريب) و( الربل) وكذلك اشجاره الكثيفة وقتها، تورق وتزهر وتثمر. و تمتلئ الغدران والبرك في هذا الوادي بالمياه وتسمي الغدران( القلتة) كقلتة ( خور الرَتج) أو قلتة( خلولي) أو قلتة( المدييسيس).. كان المناخ وقتها يكون شبيهاً بمناخ البحر الأبيض المتوسط، كان سكان البحر، يغريهم ذلك، فيشاركون أعراب البادية فى عيشتهم فيه، سواء أكان للنزهة، أو للعيش اسبوعاً أو أشهراً... جاءت ابيات جدتي، فى عمتي آمنة حينما إستأذنت أمها فى الذهاب بغنمها الي الوادي والعيش فيه وقتاً، فأذنت لها وحقت، ولكن جدتي أضناها الشوق علي بنتها، فجاءت هذه الأبيات.. وكانت عمتي آمنة عليها الرحمة تسمي فى المنطقة( المدير) اي مدير عام السكة الحديد.. وأحياناً تسمي ( آمني القليص). فجاءت الأبيات هنا تحمل لفظ المدير..
مدير السِكٌي دورين مني القعاد
خلي دا العتمور أب قُرَاد
خلي لى ناس الحسن ساعين الجداد
وأخري من شعر جدتي:
كانت تلاعب إبن بنتها عائشة، ، وقد كان مصاباً برمد فى عيونه، فقال لها: حبوبة، لو أديتيني عيونك ديل) فقالت فيه:
شيلي عشان أمكم يا ( الدَلٌوا بالكاب)
المدين( ود كُرُبْ) بي جيتو جواب
أصلو غُسٌال السعن ما يبقي رواب
الشرح( الدلوا بالكاب) هو السكر.. دلوا يعني نزلوه.. الكاب.. هي محطة سكة حديد تقع علىالنيل في المنطقة، وسماها الإنجليز الكاب، تيمناً بالكاب في راس الرجاء الصالح لأن خط السكة الحديد بعدها، يرتفع الي الصحراء ولا يلتقي مع النيل إلا فى مدينة كريمة، وهي الميناء الرئيسي الوحيد لمنطقة المناصير.
(ودكُرُب) هو التاجر الذى يشرف علي توزيع السكر الحجري وقتها في المنطقة
( غُسال السعن) أي عندما تنتهي المرأة من تحريك الروب فى السعن، وتخرج منه الزبد، وتخرج بقية الروب، تقوم بغسل السعن بالماء، حتي لا يصاب السعن بالعفونةفي اليوم التالي، وهذا ( الغُسال) لا يصلح أن يكون خميرة لللبن مرة اخري، وصفت إبن بتها بغسال السعن، الذى لا يصلح ان يكون رواباً، اي إبن بنتها ليس كإبن ولدها، لأنها تعتبرإبن الولد اصلاً، ولذلك هو غير اصل لذلك قال لها: لو أديتيني عيونك ديل... فصارت مثلاً من يومها في المنطقة كلها، يقول لك: (دا ولد بت غُسٌال سعن ساكت).. حسب فهمهم.
الشعر عند عمتي آمنة:
كنت انا أبن أسبوعين، كما تروي لي أمي، وكانت أمي في الولادة، وطلبت أمي وخالتي آمنة من عمتي آمنة، أن تترك الذهاب الي كسلا، للإشتراك مع أختها وأخيها في حصاد الذرة، وأن تبقي ملازمة لأمي، ولكن عمتي قد سافرت، متعللة بموسم الحصاد هنالك، فما كانت من خالتي آمنة، إلا أن قالت لها: إنتي سموكي مدير لي شنو.. إذا كان ما بتعرفي الأصول؟ فردت عمتي بهذه الأبيات...
المديـر الجانا بي فوق الطريـمبيل
مكتبك ضاربنو بالأسمنت والجير
يا دي طيبة وآمني راحن في الغساسيل
الطريمبيل هيAutombile عربة يستخدمها الدراسة ، تسير علي خط السكة الحديد، وهذه يدوية، وأخري يستخدمها، مدير الإدارة، وهي تسير بالديزل.
طيبة وآمني راحن في الغساسيل، أي ضاع طيبة وآمنة من جملة الحشم والخدم، أو من ضمن الذين يغسلون ملابس المدير.
الشعر عند الوالدة: طيبة بت حبيب
كنت أبن أربع سنوات، وكان أبي وآخرون يشيدون فى مباني خلوة للضيوف، قد ذكرت عنها آنفاً، وقد كنت أنا أحاول، أن أناول ابي بعض الطين، فرأتني أمي، فقالت:
الصدوق يا خال النـذير
ولدي خال قاضي المناصير
لابس الجزمة أم زرارير
و لابس السكروته الحرير
الصدوق فوق وشو آب يشيل
هندس الخلوات والسبيل
أوعدوا الضيفان للمقيل
الشرح... فوق وشو آب يشيل.أي لا يزعل وتتغير ملامح وجه
أخري:
عندنا في المنطقة، كل من أراد أن يتزوج، تقوم امه أو خالته، بعمل أهازيج من الشعر، وتلحنها وتقولها في سيرة العريس، ويسمي ذلك الشعر ( البلال) وغالباً عصايته تأتي من المتوارث، كأن تكون مثلاً( الضو خزينا) أو( الطامح أب دفار) والطامح أب دفار هو النيل في موسم الفيضان.. أو( جيت أقول لك بخيت) أو قولن لو بخيت عليهو)او ( الضو خيرنا نحنا). لما تزوج شقيقي عمر عند عمه في كسلا ، قالت هذه الأبيات..
الليلي يا البلال قولن لو بخيت علي
الدخري تِلْبْ الشيل قولن لو بخيت علي
دا نشلنا من الميل قولن لو بخيت علي
**********
الما بيخون الجار .قولن لو بخيت علي
سيد شتلو فوق البار قولن لو بخيت علي
**********
الساري البدري زمان قولن لو بخيت علي
الدَلٌي ( الكربكان) قولن لو بخيت علي
*********
الغرق أم درمان قولن لو بخيت علي
جاب السيال طيفان قولن لو بخيت علي
بعض الشرح: سيد شتلو فوق (البار) هي منطقة أراضي فوق أراضي الجرف، تروي عادة بالفيضان، يزرع فيها عادة النخيل، تقع تحت أرض الساقية، واراضي الجرف أيضاً تسمي الأرض السلوكة.
الساري:
هو السيل العرم..
( الكربكان) جبل في المنطقة، وقعت فيه موقعة (كربكان) الشهيرة بين جيش الإنجليز، وقوات من المنطقة، بقيادة نعمان ودقمر، وقوات من الرباطاب بقيادة موسي أبو حجل،وقد إستشهدا في المعركة، المعركة مذكورة في تاريخ السودان، وسميت علي الجبل، باخرة كربكان التي قد كانت تابعة للبحرية السودانية، وتعمل بين جدة وبورتسودان.
السيال: شجر السيال المعروف، شبهت إبنها بالسيل الجارف الذى يقتلع اشجار السيال من جذورها، ويرمي بها في النهر فى شكل طيفان، أي مجموعات.
قصيدة أخري:
كنت في سن العاشرة، كانت أمي تنسج لي من أهازيج الزواج( البلال) . فقالت:
الضو خزينا.... بلال يا بلال
سيرتك بالقطر يا الضو خزينا
تروح عمك عمر يا الضو خزينا
تروح بنوت وقر يا الضو خزينا
تروح بلد البقر يا الضو خزينا
قصيدة اخري:
ذهب عمي عمر في أواخر الثلاثينيات الي القاش، وامتلك هنالك حواشات وجنينة، وترك أولاده معنا فترة فى الشمالية، لما ذهبت عمتي آمنة الي القاش، قالت له

إنتا رامي أولادك فوق أخوك عبد الله وبت حبيب، وإنتا هنا خيرك باسط، رسل لي ولادك من الشمالية).. وقتها أرسل عمي عمر الي أولاده، وقد كانت أمي وزوجته زينب كالتومات، لا يفترقن، ومنسجمات مع بعض، ولكن عمتي بادرت لعمي بقولتها تلك.. فانزعجت أمي وبكت وتأثرت ، فجاءت هذه الأبيات...
يا جنا.. أم عاشة.. ما بقدر براها
ما فرزت جناي أنا من جناها
هَفِيةْ رُوُمْ عمر من وين لقاها
الشرح: ( هَفِية روم) هفية الشي الهافي،( وغالباً ما يكون كنز ( روم) أطلال منازل قديمة... هفية روم.. كنز من الذهب مدفون فى منازل قديمة، يصعب العثور عليه.. وحسبي أن هذه المرأة تستاهل، فهي من الجمال والأدب وطولة البال، قل أن تجده في غيرها، وهي علي قيد الحياة بكسلا، نسأل الله لها طول العمر,
وأخري من بت حبيب:
كان أخي عمر في المرحلة الإبتدائية، وكان يسكن مع إمرأة كريمة الأصل ، دمثة الأخلاق يقال لها الروضة، وقد كان عمر يعوم فى النيل، فجأة أخذه التيار الي داخل النيل، وهو لا يعرف السباحة وقتها تماماً، قولاً واحداً قد غرق، فجاء الأطفال وأخبروها بذلك، هبت الي النيل في سرعة البرق وقفزت بملابسها، وانتزعته من جوف النيل إنتزاعا، وعالجت أمره حتي عاد الي حالته الطبيعية، فقالت أمي فيها:
الروضة أم عمر وشوال
بي غلط آب تجيب بطال
سيلا مـدردق الجَبٌاَل
بخت الساعي عندوجمال
الشرح: نسبت أخي عمر اليها كأنه ابنها طالما قد أخرجته من النيل، ( شوال) لقب لابن الروضة واسمه محمد
(سيلا مدردق الجبٌال) السيل الذي يقتلع الجبال من قوته..
ثم قالت بت حبيب في ابنتي رحاب، وهي ابنة سنتين:
يا رحاب
المطر أم سحاب
تكبري وتديني جواب
وينو أبوكي بحر التساب
الحنين ما بينسي العقاب
الشرح: بحر التساب، بحر الدميرة، أي الفيضان
ما بينسي العقاب، أي لا ينسي والديه، والذين تركهم وراء ظهره وسافر.
إلي اللقاء قي الجزء الثالث من مرثية الوالدة طيبة وسيرة حياتها.