من المحتمل أن تمنح لجنة نوبل يوماً ما جائزتها للسلام لشخص أقل استحقاقاً من نافانيثيم "نافي" بيلاي، لكننا نشك في ذلك. فقد كرّمت لجنة أوسلو هذا العام امرأة جنوب أفريقية تبلغ من العمر 85 عاماً، اتسمت مسيرتها المهنية -قبل كل شيء- بالكراهية لإسرائيل ولليهود الذين يدعمونها.
بدأت السيدة بيلاي مسيرتها المهنية كمحامية تدافع عن معارضي نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، إلا أن ذلك النظام القاسي قد هُزم قبل جيلين. وتُكرّم لجنة نوبل مسيرتها اللاحقة التي كرستها لمهاجمة الدولة اليهودية وليّ عنق القانون الدولي لتشويه معنى "الإبادة الجماعية" تحقيقاً لتلك الغاية.
اكتسبت شهرتها كقاضية في محاكم مختلفة تابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك المحكمة الدولية التي نظرت في جرائم الحرب في رواندا (1995-2003) والمحكمة الجنائية الدولية (2003-2008). وسرعان ما تحولت المحكمة الأخيرة -التي أُنشئت عام 2002- إلى أداة يستخدمها بيروقراطيون عابرون للحدود الوطنية لاتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بجرائم وهمية. ولهذا السبب فرضت الولايات المتحدة يوم الجمعة عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بأكملها، وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه يريد "تفكيكها" (انظر الخبر المجاور).
شغلت السيدة بيلاي منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في الفترة من 2008 إلى 2014، ولذا كان يُفترض بها أن تدرك الفرق بين الإبادة الجماعية وبين حملة عسكرية دفاعية ضد خصم متعطش للدماء يتخذ من المدنيين دروعاً بشرية داخل المساجد والمدارس والمستشفيات. لكن الواقع خيب تلك التوقعات؛ ففي عام 2025، أصدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة ترأسها السيدة بيلاي تقريراً يزعم أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة عقب مذبحة 7 أكتوبر 2023 التي ارتكبتها حماس وأسفرت عن مقتل 1200 إسرائيلي. لم يقدم تقريرها الصادر عام 2025 أي دليل على وقوع إبادة جماعية أو وجود نية لارتكابها، بل تجاهل جبالاً من الأدلة التي تثبت عكس ذلك؛ ومع ذلك، فقد وجهت الاتهام. لقد صوّر تقريرها المذبحة التي ارتكبتها حماس وكأنها رد فعل يمكن تبريره نوعاً ما؛ إذ أصبح الإرهاب مرادفاً للسلام، بينما يُعتبر الدفاع في مواجهته إبادة جماعية. لقد تنبأ جورج أورويل بهذا المشهد.
وفي سياق عملها المتزامن كقاضية في محكمة العدل الدولية تنظر في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في ميانمار، سعت السيدة بيلاي -كما أشارت هذه المقالات الشهر الماضي- إلى خفض المعايير المطلوبة لإثبات مزاعم الإبادة الجماعية. ولماذا فعلت ذلك؟ لأن اعتماد معيار أكثر مرونة من شأنه أن يتيح لجنوب أفريقيا -وطن السيدة بيلاي، التي استضافت وفوداً من حماس في الأسابيع التي تلت أحداث 7 أكتوبر- المضي قدماً وبسهولة أكبر في حملة الانتقام التي تشنها ضد إسرائيل.
ومن المفارقات اللافتة أن لجنة نوبل أشادت بالسيدة بيلاي لدورها في "توسيع نطاق القانون الدولي وتأثيره بشكل كبير"؛ في حين أن الأنظمة الاستبدادية حول العالم تمضي قدماً في تحدٍ سافر للقانون الدولي؛ فقد غزا فلاديمير بوتين أوكرانيا وبدأ يهدد أوروبا الغربية بالطائرات المسيرة.
كما تنصلت الصين من معاهدتها مع بريطانيا بشأن منح الحكم الذاتي لهونغ كونغ، واستهانت بحكم محكمة التحكيم الدائمة الصادر عام 2016 والذي رفض مزاعم بكين غير القانونية في بحر الصين الجنوبي. كان بإمكان لجنة نوبل تكريم الناشر جيمي لاي، الذي يقبع في سجون هونغ كونغ بسبب دعمه للديمقراطية.
لكن النرويجيين قرروا بدلاً من ذلك أن هذه هي اللحظة المناسبة لتكريم مسؤولة بيروقراطية عازمة على معاقبة ديمقراطية إسرائيلية تبذل قصارى جهدها للامتثال لسيادة القانون. ومن خلال مكافأة هذا النوع من التخبط الأخلاقي، أثبتت لجنة نوبل مجدداً سبب تراجع مكانتها المرموقة التي كانت يوماً ما عظيمة الشأن؛ إذ إن آخر ما ستحققه هذه الجائزة هو تعزيز قضية السلام.
نُشر المقال في النسخة المطبوعة بتاريخ 10 أكتوبر 2026 تحت عنوان: "جائزة نوبل لكراهية إسرائيل".
تدافع هيئة التحرير عن الأسواق الحرة والشعوب الحرة؛ وهي المبادئ التي تبلورت -إن جاز التعبير- في عام 1776، ذلك العام الفاصل الذي شهد صدور "إعلان الاستقلال" بقلم توماس جيفرسون وكتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث. وهكذا، فعلى امتداد القرن الماضي وما يليه، تناصر "الصحيفة" التجارة الحرة والعملة السليمة، وتقف ضد الضرائب المصادرة للأموال وأوامر الملوك وغيرهم من دعاة النزعة الجماعية؛ كما تدعم استقلالية الفرد في مواجهة الديكتاتوريين والمتسلطين، بل وحتى في وجه نزوات الأغلبية العابرة.
نوبل السلام لنـافي بيلاي يثير جدلاً دولياً
وول ستريت جورنال تهاجم قرار نوبل للسلام
جائزة نوبل تشعل الخلاف حول إسرائيل والقانون الدولي
انتقادات حادة لاختيار نافي بيلاي لنوبل السلام
هذا المقال يعبر عن رأي هيئة تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" (WSJ)، وليس تقريراً إخبارياً. وتُعد هذه التفرقة مهمة لأن المقال يطرح وجهة نظر محددة بدلاً من تقديم سرد محايد للأحداث. وفيما يلي استعراض لأبرز الحجج والافتراضات ونقاط القوة والضعف الواردة فيه.
**الفكرة الرئيسية**
تجادل الافتتاحية بأن منح جائزة نوبل للسلام لـ "نافي بيلاي" كان خطأً؛ لأنها -من وجهة نظر الصحيفة- قضت جزءاً كبيراً من مسيرتها المهنية في استهداف إسرائيل بشكل غير عادل وإساءة استخدام القانون الدولي ضد الدولة اليهودية.
ويرى كاتبو المقال أن لجنة نوبل كافأت شخصية ساهمت أعمالها في تأجيج الصراع السياسي بدلاً من تعزيز السلام.
**من هي نافي بيلاي؟**
يقر المقال بأن بيلاي اكتسبت الاحترام في البداية بصفتها محامية من جنوب أفريقيا ناضلت ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد).
ومع ذلك، تشير الافتتاحية إلى أن مسيرتها اللاحقة اتسمت بهيمنة انتقاد إسرائيل، وذلك من خلال المناصب التي شغلتها في مؤسسات قانونية دولية، بما في ذلك:
محاكم مرتبطة بالأمم المتحدة
المحكمة الجنائية الدولية (ICC)
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
لجان تحقيق دولية متنوعة
وتزعم "وول ستريت جورنال" أن هذه المؤسسات تحولت بشكل متزايد إلى أدوات لشن هجمات سياسية على إسرائيل، وأحياناً على الولايات المتحدة.
**محور الانتقاد الرئيسي في الافتتاحية**
يتركز الانتقاد الأكبر في المقال على دور بيلاي في تحقيقات الأمم المتحدة المتعلقة بحرب غزة، التي اندلعت عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
وتجادل الافتتاحية بأن:
حماس هاجمت المدنيين عمداً.
الحملة العسكرية الإسرائيلية جاءت رداً على ذلك الهجوم.
بيلاي واللجان التي ترأستها اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
تلك الاتهامات افتقرت إلى أدلة كافية.
التقارير قللت من شأن أفعال حماس أو حاولت تبريرها.
وبناءً على ذلك، تخلص "وول ستريت جورنال" إلى أن بيلاي قامت بتحريف القانون الدولي لخدمة أغراض سياسية.
**أهمية مصطلح "الإبادة الجماعية"** Genocide
يتمحور جزء كبير من المقال حول الخلاف بشأن استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" Genocide.
تعريف مبسط
تعني الإبادة الجماعية عموماً Genocide:
المحاولة المتعمدة لتدمير مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً.
وتزعم الافتتاحية أن بيلاي سعت إلى خفض المعيار القانوني المطلوب لإثبات وقوع إبادة جماعية. يرى الكاتبان أن توسيع نطاق التعريف ينطوي على مخاطرة بتحويل مفهوم قانوني محدد للغاية إلى سلاح سياسي.
ويشير المقال إلى أنه في حال تم تعريف الإبادة الجماعية بشكل فضفاض للغاية، فقد تُصنَّف العديد من النزاعات العسكرية على أنها إبادة جماعية حتى في غياب استيفاء الشروط القانونية اللازمة لذلك.
انتقاد جنوب أفريقيا
كما يوجه المقال الافتتاحي انتقادات لحكومة جنوب أفريقيا.
ويشير إلى أن جنوب أفريقيا بادرت برفع دعاوى قضائية تتعلق بالإبادة الجماعية ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية.
وترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن تحرك جنوب أفريقيا هذا مدفوع بدوافع سياسية لا قانونية.
ويعزز المقال وجهة نظره هذه بالإشارة إلى اتصالات جنوب أفريقيا بحركة حماس عقب أحداث السابع من أكتوبر.
المحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي
ثمة حجة رئيسية أخرى تتعلق بالمؤسسات الدولية.
إذ يبدي المقال تشكيكاً كبيراً في منظمات مثل:
المحكمة الجنائية الدولية
هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة
لجان التحقيق الدولية
ويصف الكاتبان هذه المؤسسات بأنها:
بيروقراطية
مُسيَّسة
معادية للديمقراطيات الغربية
ومعادية لإسرائيل على وجه الخصوص
وينسجم هذا الطرح مع موقف دأبت عليه افتتاحيات "وول ستريت جورنال"، ومفاده أن المنظمات الدولية تتجاوز أحياناً صلاحياتها المشروعة.
انتقاد لجنة نوبل
يرى المقال أن لجنة نوبل أهدرت فرصة سانحة.
فبدلاً من تكريم بيلاي، يقترح المقال أنه كان بإمكان اللجنة تكريم شخصيات تقاوم الاستبداد.
ومن الأمثلة المطروحة في هذا السياق:
جيمي لاي، الناشر في هونغ كونغ الذي سُجن بسبب دعمه للديمقراطية.
وتستند حجة المقال إلى النقاط التالية:
روسيا تنتهك القانون الدولي.
الصين تنتهك القانون الدولي.
العديد من الديكتاتوريين يتجاهلون القانون الدولي.
ومع ذلك، اختارت لجنة نوبل شخصية انصبّ اهتمامها -وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"- بشكل مفرط وغير متناسب على إسرائيل.
الأسلوب والبلاغة
صِيغ المقال الافتتاحي بلغة مشحونة للغاية.
ومن الأمثلة على ذلك:
"الكراهية لإسرائيل"
"الضغينة ضد إسرائيل"
"الارتباك الأخلاقي"
"الإرهاب هو السلام"
"جورج أورويل تنبأ بهذا"
تُعد هذه العبارات بلاغية في المقام الأول، وليست قانونية أو أكاديمية.
والهدف منها هو الإقناع.
وتشير اللغة المستخدمة إلى أن هذا المقال يندرج ضمن فئة المقالات التي تتبنى موقفاً معيناً (مقالات الرأي والمناصرة)، وليس تحليلاً محايداً أو موضوعياً.
نقاط القوة في المقال الافتتاحي
من وجهة نظر مؤيدي المقال:
1. يطرح تساؤلات مشروعة حول المعايير القانونية
يتساءل المقال عما إذا كانت اتهامات الإبادة الجماعية تُطبّق باستمرار ودقة.
وهذا نقاش قانوني مهم.
2. يسلط الضوء على ازدواجية المعايير
يرى المؤيدون أن المنظمات الدولية غالباً ما تركز بشكل مكثف على إسرائيل، بينما تولي اهتماماً أقل ببعض الحكومات الاستبدادية.
3. يشكك في تسييس المؤسسات
يعكس المقال مخاوف أوسع نطاقاً من أن الهيئات القانونية الدولية قد تتأثر بالسياسة وليس بالقانون وحده.
نقاط الضعف في المقال الافتتاحي
يشير النقاد إلى عدة نقاط ضعف:
1. لغة عاطفية للغاية
يُعد اتهام "بيلاي" بـ "الكراهية" ادعاءً خطيراً.
يطرح المقال هذا الاتهام كحقيقة مؤكدة بدلاً من إثباته بأدلة مباشرة.
2. طرح أحادي الجانب
لا يتعامل المقال بجدية مع الحجج التي يطرحها أولئك الذين يعتقدون بضرورة التحقيق في سلوك إسرائيل في غزة.
3. نقاش محدود لمعاناة المدنيين
يركز المقال بشكل كبير على المخاوف الأمنية الإسرائيلية والحجج القانونية، بينما يتجاهل إلى حد كبير الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين والمخاوف الإنسانية.
4. افتراض سوء النية
يفترض المقال مراراً أن دوافع "بيلاي" سياسية أو أيديولوجية.
ويرى النقاد أن الاختلاف في الرأي حول القانون الدولي لا يثبت تلقائياً وجود نية سيئة.
السياق السياسي الأوسع
يعكس المقال نزاعاً عالمياً أوسع نطاقاً.
يرى أحد الطرفين أن:
إسرائيل تمارس حق الدفاع عن النفس ضد الإرهاب.
المؤسسات الدولية تستهدف إسرائيل بشكل غير عادل.
ويرى الطرف الآخر أن:
العمليات العسكرية الإسرائيلية تستحق التدقيق والمساءلة.
يجب تطبيق القانون الدولي بالتساوي على جميع الدول، بما في ذلك الديمقراطيات.
أثار قرار منح جائزة نوبل جدلاً لأنه يقع في صلب هذا الخلاف الأوسع.
التقييم العام
يُعد المقال في جوهره دفاعاً عن إسرائيل ونقداً للمؤسسات الدولية الحديثة المعنية بحقوق الإنسان.
لا تقتصر حجته الرئيسية على القول بأن "نافي بيلاي" ليست الخيار الأمثل لنيل جائزة نوبل، بل يجادل بأنها ترمز لما تعتبره صحيفة "وول ستريت جورنال" تسييساً للقانون الدولي ضد إسرائيل.
يعتمد قبول استنتاج المقال إلى حد كبير على سؤالين:
هل كانت اتهامات الإبادة الجماعية ضد إسرائيل مبررة قانوناً؟
هل تتصرف المؤسسات الدولية كهيئات قانونية محايدة أم كجهات فاعلة تتأثر بالسياسة؟ تجيب الافتتاحية عن كلا السؤالين بقوة لصالح إسرائيل.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
يطاليا تفتح ملف «المحكمة الشرعية» في بادوفا
مخاوف من نظام عدالة موازٍ داخل إيطاليا
عاصفة سياسية وقانونية حول هيئة إسلامية في بادوفا
تحقيقات بشأن مزاعم تطبيق الشريعة خارج المحاكم الإيطالية
جدل متصاعد حول العدالة الموازية في قلب إيطاليا
إيطاليا تفتح تحقيقاً بشأن منظمة يُزعم أنها تعمل كـ "محكمة شرعية" مستقلة في بادوفا
تُجري السلطات الإيطالية تحقيقاً حول وجود مزعوم لـ "محكمة شرعية" إسلامية موازية تديرها منظمة تحكيم خاصة ومستقلة في مدينة بادوفا بإقليم فينيتو.
وأفادت هيئة البث العام "راي نيوز" (Rai News) بأن مكتب المدعي العام في بادوفا فتح تحقيقاً ضد "غرفة التحكيم الإسلامي الإيطالية" -وهي منظمة خاصة- بناءً على مزاعم تفيد بأنها تقوم بتسوية النزاعات المدنية والتجارية "وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية".
وتشير التقارير إلى أن المنظمة تأسست في 3 مارس وتعمل منذ سبعة أشهر، حيث يتمثل أحد أهدافها المعلنة في "تعزيز التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات". ولفتت "راي نيوز" إلى أن "غرفة التحكيم" الإسلامية تدعي -وفقاً للاتهامات- أن أحكامها "ستكون لها نفس مفعول الأحكام الصادرة عن المحاكم الإيطالية".
ويأتي هذا التحقيق استجابةً لشكوى قدمها هذا الأسبوع المحامي الإيطالي فرانشيسكو مينوتيلو، وهو عضو في حزب "المستقبل الوطني" (Futuro Nazionale) الذي يتزعمه الجنرال السابق في الجيش الإيطالي روبرتو فاناتشي. ووفقاً لموقع "Tgcom24"، يزعم مينوتيلو في شكواه أن المنظمة الإسلامية تدفع بالقانون الإيطالي "إلى الهامش" لصالح الشريعة الإسلامية.
كما اتهم المحامي المنظمة بأنها تقدم نفسها على أنها "مسار لتحقيق العدالة الإسلامية في إيطاليا". أكد مينوتيلو -وفقاً للتقارير- أن "هذه المسألة لا تتعلق بالدين، بل هي قضية قانونية بحتة وتتعلق باحتمالية إنشاء نظام قضائي موازٍ".
وأوضح المدعي العام الإيطالي أنجيلانتونيو راكانيللي للصحفيين يوم الخميس أنه، في المرحلة الراهنة من التحقيق، لا يوجد مشتبه بهم أو جريمة محددة. ومع ذلك، شدد راكانيللي على أن مكتبه سيؤدي المهام الموكلة إليه بموجب القانون وسيجري كافة التحقيقات اللازمة. ومن جانبه، أعرب وزير العدل كارلو نورديو عن ثقته بأن قضاة بادوفا سيتوصلون إلى كافة الحقائق المتعلقة بالأمر.
وأشارت شبكة "راي نيوز" (Rai News) ووسائل إعلام إيطالية أخرى إلى أن "اتحاد الجاليات الإسلامية في إيطاليا" (UCOII) قد نأى بنفسه عن المنظمة المعنية، مؤكدة أن أياً من الجمعيات أو المراكز أو المساجد التي يمثلها الاتحاد لم يقم "بالترويج لغرفة التحكيم الإسلامي في بادوفا، أو دعمها، أو الاعتراف بها".
وذكرت "راي نيوز" أن الاتحاد "جدد التأكيد على أن القضاء هو من يتولى إقامة العدل في الجمهورية، وأن الهياكل الموازية غير ضرورية".
ووفقاً لـ "راي نيوز"، أكد الاتحاد في تصريحات للشبكة أنه -على الصعيد الديني- تقتضي الشريعة الإسلامية من المؤمنين "احترام قوانين البلاد التي يقيمون فيها". وأضاف الاتحاد أن "الاعتماد على النظام القضائي للدولة يتماشى مع العقيدة [الإسلامية]".
وفي تصريحات أدلى بها يوم الجمعة لصحيفة "بادوفا أوجي" (Padova Oggi) المحلية، ادعى مؤسس المنظمة، عمر فانين، أن "غرفة التحكيم الإسلامي الإيطالية" ليست "محكمة" ولا تمارس شكلاً من أشكال "العدالة البديلة"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تكون كذلك".
وبحسب فانين -وهو محامٍ يبلغ من العمر 36 عاماً ويقيم في بادوفا- فإن منظمته تجري بدلاً من ذلك إجراءات تحكيم، واصفاً إياها بأنها "أداة شائعة الاستخدام وجزء أصيل من النظام القانوني الإيطالي، وتهدف إلى تسوية النزاعات التجارية والخاصة بالملكية". نُقل عن فانين قوله: "نحن نقوم بذلك لتوفير أداة للشركات والأفراد - بمن فيهم أتباع العقيدة الإسلامية الذين يختارون، بحكم ثقافتهم وتوجههم الديني، اتباع مبادئ إسلامية محددة في المعاملات التجارية، مثل حظر الفائدة، ومبادئ الإنصاف في المعاملات، والسعي نحو تسوية النزاعات بالتراضي - مع الالتزام التام بالقانون الإيطالي في جميع الأحوال".
وأضاف: "يؤسفنا أن نرى كيف يمكن حتى لممثلي المؤسسات أن يساهموا، من خلال تصريحاتهم ومواقفهم العلنية، في تعزيز خطاب قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات والصراعات. إن عملنا ينبع في الواقع من نقيض ذلك تماماً؛ إذ نهدف إلى توفير أدوات للحوار والوساطة وتسوية النزاعات، مع الامتثال الكامل للقانون الإيطالي".
وزير فرنسي يعلن أن الإسلام المتطرف - وليس "تفوق العرق الأبيض" - هو أكبر تهديد إرهابي في أوروبا
بادوفا: من القاضي هنا؟
الشريعة تزور إيطاليا
العدالة تبحث عن عنوانها
تحكيم أم محكمة؟
روما تطلب توضيحاً
القاضي غير موجود!
من فتح هذا الفرع؟
ملف ساخن في بادوفا
العدالة بنكهة إيطالية
الشريعة تحت المجهر الإيطالي
يتناول هذا المقال تحقيقاً تجريه السلطات الإيطالية بشأن منظمة خاصة للتحكيم الإسلامي في مدينة بادوفا، كما يسلط الضوء على جدل أوروبي أوسع نطاقاً: أين يقع الحد الفاصل بين التحكيم الديني الطوعي وبين إنشاء نظام قانوني موازٍ؟
ماذا حدث؟
فتح ممثلو الادعاء العام في مدينة بادوفا الإيطالية تحقيقاً بشأن منظمة تُدعى "غرفة التحكيم الإسلامي الإيطالية".
وتُشير التقارير إلى أن هذه المنظمة تقدم خدمات تحكيم لتسوية النزاعات استناداً إلى مبادئ محددة من الشريعة الإسلامية.
وقد بدأ التحقيق بناءً على شكوى قدمها المحامي فرانشيسكو مينوتيلو، الذي يرى أن المجموعة قد تكون بصدد تجاوز القانون الإيطالي وإنشاء نظام قضائي موازٍ.
ومع ذلك، شدد ممثلو الادعاء على ما يلي:
لم يتم تحديد وقوع أي جريمة حتى الآن.
لم يتم توجيه الاتهام لأي شخص أو تحديد مشتبه بهم.
يقتصر التحقيق حالياً على مرحلة تقصي الحقائق.
وبالتالي، تسعى السلطات في هذه المرحلة إلى تحديد طبيعة أنشطة المنظمة بدقة.
ما هو التحكيم؟
يُعد هذا المفهوم الأهم في المقال.
تعريف مبسط
التحكيم هو:
عملية قانونية يتفق فيها طرفان طوعاً على إحالة النزاع بينهما إلى طرف ثالث لفضه، بدلاً من اللجوء إلى المحاكم.
أمثلة:
النزاعات التجارية
الخلافات التعاقدية
قضايا الملكية
يُعد التحكيم ممارسة قائمة بالفعل في معظم الأنظمة القانونية الغربية.
إذ تلجأ الشركات والأفراد بانتظام إلى التحكيم في دول مثل إيطاليا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة.
لذا، فإن مجرد تسمية منظمة ما بـ "غرفة التحكيم" لا يثير الجدل بحد ذاته.
غير أن الجدل ينشأ عندما تدخل القواعد الدينية في صلب العملية.
ما هي الشريعة؟
تعريف مبسط
الشريعة تعني:
مجموعة المبادئ الدينية الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم، وسنة النبي محمد، والاجتهادات الفقهية الإسلامية اللاحقة.
عند سماع مصطلح "الشريعة"، يتبادر إلى أذهان الكثيرين فوراً العقوبات الجنائية.
إلا أن جانباً كبيراً من الشريعة الإسلامية التقليدية يتعلق بـ:
الزواج
الطلاق
العقود
الميراث
أخلاقيات العمل
الديون
العمل الخيري
وقد أشار مؤسس المنظمة تحديداً إلى مسائل تجارية مثل:
تحريم الربا (الفائدة)
النزاهة في المعاملات
التراضي المتبادل
وذلك بدلاً من القضايا المتعلقة بالقانون الجنائي.
لماذا يشعر بعض الإيطاليين بالقلق؟
يخشى المنتقدون أمراً يتجاوز مجرد عملية التحكيم العادية. تتمثل حجتهم فيما يلي:
إذا بدأت مجموعة خاصة في تطبيق مبادئ دينية وطرح قرارات تضاهي أحكام المحاكم، فقد تنشأ بمرور الوقت بنية قانونية موازية.
ولا يقتصر قلقهم على الجانب الديني فحسب.
بل يتعلق الأمر بالسيادة.
والسؤال الضمني هنا هو:
هل يمكن لأي منظمة أن تستحدث آلية لتحقيق العدالة تنافس سلطة الدولة الإيطالية؟
لقد عكفت الحكومات الأوروبية على معالجة هذه القضية لعقود.
ويكمن الخوف في احتمال خضوع المجتمعات لمعايير قانونية متباينة بناءً على الدين أو العرق.
ويرى المنتقدون أن هذا الأمر قد يُضعف الوحدة القانونية الوطنية.
لماذا تُعد هذه القضية حساسة في أوروبا؟
يثير هذا الجدل قضايا متعددة في آن واحد:
1. الهجرة
شهدت أوروبا موجات هجرة كبيرة من دول ذات أغلبية مسلمة.
ومع تزايد أعداد المجتمعات المسلمة، طفت على السطح تساؤلات تتعلق بـ:
مراعاة المتطلبات الدينية
الاندماج
الهوية الثقافية
2. القانون العلماني
تُصر معظم الدول الأوروبية على أن:
قانون الدولة يجب أن يظل هو المرجع الأعلى.
يمكن احترام الممارسات الدينية، لكن لا يجوز لها أن تعلو على القانون الوطني.
3. المجتمعات الموازية
يساور القلق العديد من السياسيين الأوروبيين إزاء ظهور مجتمعات تعمل -جزئياً- خارج نطاق مؤسسات الدولة.
ولهذا السبب تحديداً، تثير مصطلحات مثل:
العدالة الموازية
الأنظمة القانونية الموازية
محاكم المجتمع
ردود فعل قوية في كثير من الأحيان.
وجهة نظر المنظمة ودفاعها
يخصص المقال أيضاً حيزاً مهماً لرد المنظمة.
ينفي المؤسس "عمر فانين" أن تكون مجموعته بمثابة محكمة.
وتتمثل حججه الرئيسية فيما يلي:
الحجة الأولى
تستخدم المنظمة آلية التحكيم المعترف بها بالفعل بموجب القانون الإيطالي.
الحجة الثانية
المشاركة في هذه الآلية طوعية.
الحجة الثالثة
لا تحل هذه الهيئة محل المحاكم الإيطالية.
الحجة الرابعة
تظل جميع الأنشطة خاضعة للقانون الإيطالي.
الحجة الخامسة
الهدف هو تسوية النزاعات، وليس ممارسة سلطة دينية أو حكم ديني.
وفقاً لهذا التفسير، تشبه المنظمة هيئات التحكيم المتخصصة الأخرى التي تخدم مجتمعات أو قطاعات مهنية محددة.
لماذا نأت المنظمات الإسلامية الرئيسية بنفسها عن هذه المبادرة؟
من الجوانب المثيرة للاهتمام في المقال أن "اتحاد الجاليات الإسلامية في إيطاليا" (UCOII) قد نأى بنفسه عن هذه المنظمة.
وقد شدد الاتحاد على ما يلي:
المحاكم الإيطالية هي الجهة التي تتولى إقامة العدل.
لا توجد حاجة لهياكل موازية.
يجب على المسلمين الامتثال لقوانين البلد الذي يقيمون فيه. استخدام النظام القانوني الإيطالي يتوافق مع مبادئ الإسلام.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تظهر أن الجدل الدائر لا ينحصر ببساطة في مواجهة بين المسلمين وغير المسلمين.
حتى المنظمات الإسلامية الكبرى تبدو حذرة تجاه أي مبادرة قد يُنظر إليها على أنها محاولة لإنشاء نظام قضائي منفصل.
السؤال القانوني الجوهري
من المرجح أن يركز التحقيق على سؤال محوري واحد:
إذا كانت المنظمة تكتفي بتقديم خدمات التحكيم الطوعي
فقد تكون بذلك تعمل في إطار قانوني سليم.
أما إذا كانت تقدم نفسها بصفتها جهة تمارس سلطة قضائية مستقلة عن الدولة الإيطالية
فقد ترى السلطات في ذلك مشكلة خطيرة.
وبعبارة أخرى، يكمن الفرق في النقاط التالية:
التحكيم القانوني المحكمة الموازية
مشاركة طوعية سلطة مستقلة خاضع لقانون الدولة ينافس قانون الدولة قرارات مقيدة بالقانون الوطني يدعي امتلاك سلطة قانونية مستقلة معترف به من قبل النظام القانوني يتحدى النظام القانوني
تتمحور القضية برمتها حول تحديد موقع منظمة "بادوا" (Padua) ضمن هذا الطيف.
تحليل أوسع
تدور القصة في جوهرها حول مبدأين متنافسين.
المبدأ الأول: حرية تكوين الجمعيات وحرية المعتقد الديني
يرى المؤيدون أن:
للأفراد حرية تسوية النزاعات بشكل طوعي.
يمكن للمبادئ الدينية أن توجه المعاملات.
ينبغي أن يتمتع المسلمون بنفس الحرية التي تتمتع بها المجموعات الأخرى.
المبدأ الثاني: قانون واحد للجميع
يرى المعارضون أن:
يجب أن يخضع كل مواطن في نهاية المطاف لنفس الإطار القانوني.
التحكيم الديني قد يؤدي تدريجياً إلى تفتت النظام القانوني.
يجب أن تحتفظ الدولة باحتكارها لإقامة العدل.
تعمل الديمقراطيات الأوروبية الحديثة باستمرار على الموازنة بين هذين المبدأين.
وهذا التوتر يفسر سبب استقطاب منظمة صغيرة نسبياً في "بادوا" لاهتمام على المستوى الوطني.
التقييم العام
لا يُظهر المقال ثبوت وجود "محكمة شرعية".
بل يشير إلى ما يلي:
طُرحت مزاعم بهذا الشأن.
فتح المدعي العام تحقيقاً في القضية.
يدعي المعارضون احتمال نشوء نظام قضائي موازٍ.
تنفي المنظمة هذه الاتهامات بشدة.
نأت المنظمات الإسلامية الرئيسية بنفسها عن هذه المنظمة.
لم تخلص السلطات بعد إلى نتيجة بشأن ما إذا كان قد تم انتهاك أي قانون.
وعليه، فإن الحقيقة الأهم تكمن في أن التحقيق لا يزال في مراحله الأولية، وأن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل تُعد هذه المنظمة مجرد هيئة تحكيم قانونية، أم أنها محاولة لإنشاء هيكل قانوني موازٍ؟
++++++++++++++++++++++++++++++++++
تواجه أنت احتمالاً أكبر للإصابة بالسرطان في سن أصغر مقارنة بوالديك. فما الذي حدث؟
في مجال الصحة العالمية، غالباً ما نتحدث عن تمتع كل جيل بحياة أطول وأكثر صحة مقارنة بجيل الآباء. وقد لمسنا ذلك في المكاسب المحققة في متوسط العمر المتوقع، والانخفاض الحاد في معدلات وفيات الأطفال، والقضاء شبه التام على العديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات. ولكن منذ مطلع القرن الحالي، توقف هذا التقدم، بل وتراجعت بعض المؤشرات الصحية في حالات معينة.
لنأخذ مرض السرطان مثالاً؛ إذ طالما ساد الاعتقاد بأنه مرض مرتبط بالتقدم في العمر. ورغم أن معظم حالات السرطان لا تزال تحدث بالفعل لدى كبار السن، إلا أن تقريراً جديداً يسلط الضوء على تزايد حالات الإصابة بأنواع معينة من السرطان بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، وهي ظاهرة يُشار إليها غالباً باسم "السرطان المبكر" (أو السرطان الذي يظهر في سن مبكرة). وقد فحص التقرير -الذي أعده "الصندوق العالمي لأبحاث السرطان" (World Cancer Research Fund)- بيانات تتعلق بـ 12 نوعاً مختلفاً من السرطان في كل من إنجلترا والولايات المتحدة وهولندا على مدار العشرين عاماً الماضية. وكانت النتائج التي توصلوا إليها مقلقة.
ورغم وجود تفاوتات طفيفة بين الدول الثلاث، إلا أن الأنماط العامة واضحة وجلية. فبين النساء اللواتي تقل أعمارهن عن 50 عاماً في إنجلترا، لوحظت زيادة في حالات الإصابة بسرطان الثدي والأمعاء والرحم والكلى والكبد والبنكرياس والمعدة. أما لدى الرجال الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً في إنجلترا، فقد سُجلت زيادات في حالات سرطان الأمعاء والكلى والكبد والبنكرياس والبروستاتا. وهذا يتناقض تماماً مع ما نأمل تحقيقه في مجال الصحة العامة؛ ولا، فالسبب لا يقتصر فقط على توفر أدوات تشخيص أفضل أو إجراء المزيد من الفحوصات. ففي حين يفسر ذلك جزءاً من الزيادة، إلا أنه لا يفسرها بالكامل؛ إذ تشير البيانات إلى أن الأجيال الشابة تعاني من معدلات إصابة ببعض أنواع السرطان أعلى مما عانته الأجيال السابقة في العمر نفسه. ببساطة: تزداد احتمالية إصابتك بالسرطان في سن مبكرة مقارنةً بوالديك.
يعكف العلماء حالياً على دراسة التغيرات التي طرأت بين الأجيال والتي قد تكون وراء هذا الارتفاع، مع التركيز بشكل خاص على العوامل التي قد يكون الناس قد تعرضوا لها خلال مرحلتي الطفولة أو المراهقة في التسعينيات، وهي عوامل لم تكن موجودة في الخمسينيات.
إليك بعض التفسيرات المحتملة: لقد طرأ تغير كبير على أنماطنا الغذائية خلال الخمسين عاماً الماضية، حيث تزايد استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة والوجبات السريعة والمشروبات السكرية. كما أن نمط حياتنا أصبح يتسم بقلة الحركة والخمول البدني. وترتبط هذه التغيرات بارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة؛ إذ تُعد دهون الجسم - ولا سيما تلك المتراكمة حول الأعضاء الحيوية ومنطقة الخصر - عامل خطر للإصابة بالالتهابات المزمنة ومقاومة الأنسولين واضطرابات التمثيل الغذائي، وهي حالات ترتبط جميعها بزيادة احتمالية الإصابة بالسرطان. وعلى الصعيد العالمي، تضاعفت معدلات السمنة بين البالغين أكثر من مرتين، بينما تضاعفت أربع مرات بين المراهقين منذ عام 1990. وقد أظهرت بيانات جُمعت عام 2024 أن حوالي 66% من البالغين في إنجلترا يعانون إما من زيادة الوزن أو من السمنة.
ومع ذلك، فإن النظام الغذائي والنشاط البدني وزيادة الوزن لا تفسر بالكامل تزايد حالات الإصابة ببعض أنواع السرطان - مثل سرطان الثدي - لدى الشباب. فقد أظهرت الدراسات أن النساء اللواتي لم يصلن بعد إلى سن اليأس، يرتبط لديهن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) بانخفاض طفيف في خطر الإصابة بالسرطان (وهو ما يتناقض مع حالة النساء الأكبر سناً، حيث يؤدي ارتفاع مؤشر كتلة الجسم بشكل ملحوظ إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي). وعلاوة على ذلك، يدرس العلماء التأثيرات الصحية للتعرض المستمر للسموم البيئية - مثل تلوث الهواء والمياه، والمواد الكيميائية، والبلاستيك - التي انتشرت على نطاق واسع وأصبح تجنبها شبه مستحيل خلال العقود الخمسة الماضية.
لقد كان من الصعب علمياً تحديد مادة سامة بعينها تفسر الزيادة العالمية في حالات السرطان؛ إذ يمكن أن ينشأ السرطان بعد فترة طويلة من التعرض لمادة كيميائية سامة، كما أننا نتعرض لمجموعة متنوعة من المواد الكيميائية والملوثات طوال حياتنا. ولذا، يصعب تحديد المادة المسؤولة بدقة، أو معرفة ما إذا كان التعرض لها قد حدث في مرحلة الطفولة، أو أثناء وجود الجنين في الرحم، أو في مرحلة البلوغ. من الجوانب الإيجابية، ثمة مجال أحرزنا فيه تقدماً فيما يتعلق بالشباب، وهو سرطان الرئة؛ ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى حملات مكافحة التدخين والوعي الواسع بالروابط بين التدخين وهذا النوع من السرطان. وهذا يعني أن الأمور لا تسير كلها نحو الأسوأ.
إن الأبحاث المستمرة حول عوامل الخطر المسببة للسرطان المبكر لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة لإلقاء اللوم على المرضى؛ فمن أولى ردود الفعل البشرية عند تلقي التشخيص التساؤل: "ما سبب هذا؟"، بل والذهاب أبعد من ذلك بالتساؤل: "ما الذي فعلتُه أنا؟" – وهي تساؤلات لا تجدي نفعاً. وعلاوة على ذلك، يُقدّر العلماء أن 40% فقط من حالات السرطان -على مستوى السكان- ناجمة عن سلوكيات يمكن للفرد تعديلها، مثل التدخين، واستهلاك الكحول، والنظام الغذائي، والنشاط البدني، والوزن. أما نسبة الـ 60% المتبقية فتنتج عن مزيج من عوامل تشمل الشيخوخة، والاستعداد الوراثي، والعدوى، والعوامل البيئية المحتملة، وأحياناً مجرد سوء الحظ.
مع استمرار الأبحاث والاستثمارات في مجال البحث العلمي، سنتوصل في نهاية المطاف إلى معرفة الأسباب الكامنة وراء تزايد حالات الإصابة بالسرطان بين الشباب؛ أما في الوقت الراهن، فيظل هذا الأمر لغزاً لم يُكشف عنه بعد.
تشغل البروفيسورة ديفي سريدهار منصب رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في جامعة إدنبرة.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الموافقة في غينيا بيساو على تجربة لقاح مثيرة للجدل يروج لها روبرت ف. كينيدي الابن
طفل يتلقى لقاح التهاب الكبد "ب" في لومي، توغو، في 7 أغسطس 2015. الصورة: BSIP/Universal Images Group/Getty Images
الموافقة في غينيا بيساو على تجربة لقاح مثيرة للجدل يروج لها روبرت ف. كينيدي الابن
باحثون دنماركيون يعتزمون حجب الجرعة الموصى بها من لقاح التهاب الكبد "ب" عن آلاف المواليد الجدد
ميلودي شرايبر
الجمعة 9 أكتوبر 2026، الساعة 22:36 بتوقيت بريطانيا الصيفي
حصلت هذا الأسبوع على الموافقة للمضي قدماً تجربةٌ بحثية مثيرة للجدل، تقضي بحجب لقاحات التهاب الكبد "ب" عن بعض المواليد الجدد في أفريقيا.
وتُعد هذه التجربة جزءاً محورياً من رؤية روبرت ف. كينيدي الابن - وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي والمعارض المخضرم للقاحات - فيما يتعلق بملف اللقاحات.
ففي مؤتمر مناهض للقاحات عُقد الشهر الماضي، أشاد كينيدي بالباحثين الدنماركيين القائمين على التجربة، واعتبر الأبحاث المدعومة أمريكياً حول التهاب الكبد "ب" لدى المواليد نموذجاً لأجندة إدارة ترامب بشأن اللقاحات؛ وهي أجندة تضمنت تقليص التوصيات الخاصة باللقاحات وإثارة الشكوك حول سلامة وفعالية الحقن الطبية.
وقال بول أوفيت، طبيب الأمراض المعدية في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا: "يريد كينيدي أن نصل إلى مرحلة لا نستخدم فيها جرعة اللقاح عند الولادة هنا في هذا البلد؛ هذا هو الهدف".
وأضاف أوفيت أن كينيدي لن يتمكن أبداً من إجراء هذه التجربة في الولايات المتحدة بسبب المخاوف الأخلاقية الجسيمة المرتبطة بها، متسائلاً: "إنه يستغل دولة نامية... هل السبب هو أن الأطفال في أفريقيا أقل قيمة أو يمكن الاستغناء عنهم مقارنة بالأطفال هنا؟"
ويخطط الباحثون الدنماركيون لإشراك 14 ألف رضيع في غينيا بيساو في هذه التجربة، بحيث يتم إعطاء لقاح التهاب الكبد "ب" لنصفهم عند الولادة، بينما يُحجب اللقاح عن النصف الآخر خلال الأسابيع الستة الأولى من حياتهم.
وقد صوتت لجنة أخلاقيات تابعة للمؤسسة البحثية التي ينتمي إليها الباحثون - جامعة جنوب الدنمارك - هذا الأسبوع لصالح المضي قدماً في التجربة، كما منح المسؤولون في غينيا بيساو الضوء الأخضر للمشروع، الذي كان وزير الصحة، كوينين نانتوتي، قد صرح سابقاً بأنه عُلِّق عقب موجة من الاستياء الدولي في وقت سابق من هذا العام. استقال ستيغ بورسين هانسن -وهو عضو مؤسس وأحد المراجعين اللذين قدما الدراسة إلى اللجنة الدنماركية- من المجموعة يوم الجمعة احتجاجاً على ذلك، مشيراً إلى وجود قضايا أخلاقية جوهرية تتعلق بالدراسة.
وقال هانسن: "أنتم الآن تُخضعون المواليد الجدد لنظام القرعة لاختبار فرضية ما". فالأطفال الذين يُختارون عشوائياً لعدم تلقي جرعة اللقاح عند الولادة -أي أولئك الذين "خسروا في القرعة"- يواجهون في أيامهم الأولى خطر الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي (ب)، وهو مرض قد يسبب أضراراً دائمة لا يمكن علاجها. وأضاف هانسن أن إصابتهم بالمرض تحدث في سياق مشاركتهم في مشروع بحثي، مما يجعل حدوث العدوى -من الناحية العملية- أمراً "مقصوداً ومخططاً له".
كما استقال ثلاثة أعضاء آخرين من اللجنة احتجاجاً على الأمر ذاته.
أفادت تقارير بأن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) خصصت 1.6 مليون دولار من ميزانية هذا العام للمشروع، وسيتم دعم هذا المبلغ بتمويل خاص من "مؤسسة بيرشينغ سكوير" (Pershing Square Foundation) -التي شارك في تأسيسها الملياردير والناشط بيل أكمان- و"مؤسسة بلو بيل" (Bluebell Foundation).
ولم ترد كل من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، والباحثين الدنماركيين، ومؤسسة "بيرشينغ سكوير"، وشركة "نانتوت" (Nantote) على أسئلة صحيفة "الغارديان" بخصوص هذه التجربة.
وكان موقع "CIDRAP News" أول من نشر خبر موافقة لجنة الأخلاقيات الدنماركية على التجربة يوم الخميس؛ وتُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن تفاصيل البروتوكول المُحدَّث.
لقد طرأ تغيير على بروتوكول الدراسة الخاصة بغينيا بيساو منذ نشره في يناير/كانون الثاني، وذلك وفقاً لتفاصيل تمت مشاركتها مع "الغارديان". سيقوم الباحثون الآن بإجراء فحص للأمهات للكشف عن التهاب الكبد "ب" (Hepatitis B) قبل الولادة؛ حيث سيتم تطعيم المواليد الذين تثبت إصابة أمهاتهم بالفيروس ولن يتم إدراجهم في التجربة، في حين قد يتم تسجيل المواليد الذين تكون نتائج فحص أمهاتهم سلبية. ولم يتم الإعلان عن البروتوكول الجديد للعامة.
وفي أبحاث سابقة، تبين أن نصف الأطفال الذين أصيبوا بالتهاب الكبد "ب" قد التقطوا العدوى بعد الولادة نتيجة التعرض للفيروس في المحيط الاجتماعي. وقال أوفيت: "يمكن لهذا الفيروس أن ينتقل عبر المخالطة العادية"، إذ يمكنه البقاء حياً على الأسطح لمدة تصل إلى سبعة أيام، كما يمكن أن تنتقل العدوى من خلال مشاركة مناشف الوجه وفرش الأسنان ومقصات الأظافر. وبالإضافة إلى ذلك، تبلغ نسبة النتائج السلبية الكاذبة في فحص التهاب الكبد "ب" 5%، مما قد يعطي شعوراً مضللاً بالأمان بأن الأم لا تحمل الفيروس.
وأوضح هنريك ستوفرينغ، أستاذ الإحصاء وعلم القياسات الدوائية (pharmacometrics) في جامعة آرهوس بالدنمارك، أن عقوداً من الأبحاث تؤكد فائدة اللقاح، مما يعني أنه سيكون من غير العادل تقسيم الأطفال إلى مجموعتين: إحداهما تتلقى اللقاح والأخرى لا تتلقاه.
ووفقاً لإعلان هلسنكي، يجب أن تحظى الأبحاث الطبية الدولية بموافقة لجان الأخلاقيات في كل من البلد المضيف والبلد الراعي للدراسة.
يُذكر أن لجنة أخلاقيات البحث العلمي الدنماركية في جامعة جنوب الدنمارك لم يسبق لها النظر في دراسات طبية من قبل، لكنها عدّلت قواعدها لتتمكن من التصويت على هذه الدراسة؛ ورغم أن أعضاء اللجنة ذوي الخبرة عارضوا الموافقة عليها، إلا أن الأغلبية صوتت لصالح المضي قدماً في المشروع. قال ستوفرينغ: "من غير المعتاد للغاية طرح هذا الأمر أمام لجنة كهذه". تتولى اللجنة الوطنية للأخلاقيات في الدنمارك الإشراف على الأبحاث الطبية، لكن هذه الدراسة كانت خارج نطاق اختصاصها لأنها لن تُجرى في الدنمارك.
ومع ذلك، قال ستوفرينغ تعليقاً على التجربة: "لا أرى سبباً يمنع إجراءها في الدنمارك". بل إن هناك عدة ظروف تجعل الدنمارك موقعاً أفضل؛ إذ لا يُعطى لقاح التهاب الكبد "ب" عادةً للمواليد الجدد في الدنمارك إلا إذا كانت الأم مصابة بالفيروس (وهو أمر تخضع جميع الحوامل في الدنمارك للفحص للكشف عنه).
تسجل غينيا بيساو واحدة من أعلى معدلات الإصابة بالتهاب الكبد "ب" في العالم، حيث يحمل حوالي 18% من البالغين الفيروس. ورغم أن العدوى قد تنتقل من الأم إلى الطفل أثناء الولادة، إلا أنها قد تنتقل أيضاً من أحد الوالدين، أو الأقارب، أو الأشقاء، أو مقدمي الرعاية. ويكون الأطفال الذين يصابون بالتهاب الكبد "ب" في عامهم الأول أكثر عرضة بشكل ملحوظ لمضاعفات خطيرة، تشمل العدوى المزمنة وسرطان الكبد.
يعمل "مشروع بانديم الصحي" (Bandim Health Project) -الذي يديره الباحثان الدنماركيان بيتر آبي وكريستين ستابيل بن- في غينيا بيساو منذ عقود، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الصحي في البلاد. وقد شغل مسؤول بارز واحد على الأقل -وهو المدير الحالي للصحة العامة- منصباً مزدوجاً مع مشروع "بانديم" حتى وقت قريب، وتحديداً في شهر ديسمبر.
أشاد كينيدي بالباحثين الدنماركيين في مؤتمر حديث مناهض للقاحات، واصفاً إياهما بأنهما "آلهة أبحاث اللقاحات". وزعم كينيدي أن دراسة سابقة أجرياها أشارت إلى أنه بعد التطعيم "يمكن أن تحدث إصابات جماعية وإصابات كارثية، وهي أمور موجودة أمام الأعين لكن لا يلاحظها أحد". ولم يذكر كينيدي أن دراسة متابعة أخرى أجراها الباحثان نفساهما لم تجد أي آثار جانبية على الإطلاق.
ستركز هذه الدراسة على التطعيم ومعدلات الوفيات، بالإضافة إلى نتائج صحية أخرى مثل الأمراض الجلدية والاضطرابات النمائية العصبية. وقال ستوفرينغ: "تكمن المشكلة الرئيسية في هذه التجربة في وجود أمراض خطيرة ومعروفة جيداً يمكن الوقاية منها باستخدام هذا اللقاح". "وما يرغبون في دراسته بعد ذلك هو أمر ينطوي على قدر كبير من التكهنات، وذلك في ظل تأكيد منظمة الصحة العالمية وجهات أخرى على ضرورة إعطاء هذا اللقاح عند الولادة، دون أي خيار آخر."
وفي معرض الرد على سؤال حول الدراسة خلال إيجاز صحفي عُقد يوم الخميس، صرح مسؤول في "المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها" (Africa CDC) -التي عارضت هذه التجربة- بأن هناك "مناقشات جارية" بين الولايات المتحدة وغينيا بيساو، وأنه سيتم الكشف عن مزيد من التفاصيل قريباً. وكانت غينيا بيساو تخطط للبدء في تطعيم جميع المواليد الجدد ضد التهاب الكبد "ب" في عام 2027، لكنها أرجأت الحملة إلى عام 2028.
وقال أوفيت إن كينيدي والباحثين الدنماركيين "يستغلون هذا التأخير في تطبيق الرعاية القياسية لتعريض هؤلاء الأطفال للخطر بلا داعٍ"، مضيفاً: "يا له من تصرف شنيع! إنه عمل يفتقر تماماً للأخلاق وينطوي على قسوة بالغة".
تدفع تفاصيل جديدة الخبراءَ إلى الخشية من أن تكون تجربة لقاح "غير أخلاقية" أُجريت في غينيا بيساو بمثابة "نموذج أولي" لدراسات ستُجرى تحت إشراف روبرت ف. كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي والمعروف بانتقاده المستمر للقاحات.
وتبرز في صلب سياسة اللقاحات الأمريكية مجموعة غير متوقعة من الباحثين الدنماركيين الذين أُثيرت تساؤلات حول أعمالهم المتعلقة بالآثار الصحية للقاحات. كانت الدراسة التي أُجريت في غينيا بيساو تهدف إلى بحث الآثار الصحية الشاملة لإعطاء لقاحات التهاب الكبد الوبائي (ب)، وذلك من خلال تطعيم نصف المواليد الجدد المشاركين في الدراسة فقط عند الولادة، رغم أن معدل انتشار المرض بين البالغين يبلغ 18%، وهو مرض قد يؤدي إلى عواقب صحية خطيرة ومميتة أحياناً.
وقد أرسلت منظمة "Stand Up for Science" (دافعوا عن العلم) - وهي منظمة غير ربحية تعنى بالعلوم والصحة في الولايات المتحدة - محققاً إلى غينيا بيساو للاطلاع على السجلات العامة وإجراء مقابلات مع خبراء. والتقت المنظمة بأعضاء في الكونغرس يوم 19 فبراير لعرض هذه النتائج الواردة في تقرير غير منشور - حصلت عليه صحيفة "الغارديان" - يثير مخاوف بشأن مدى تغلغل "مشروع بانديم الصحي" (Bandim Health Project) في منظومة الصحة العامة في غينيا بيساو، والتحديات التي تواجه إجراء أبحاث أخلاقية في ظل هذه الظروف؛ وهو ما يحمل تداعيات هائلة على كيفية إجراء الأبحاث الأمريكية في عهد كينيدي.
وقالت كوليت ديلاوالا، مؤسسة منظمة "Stand Up for Science": "نخشى أن يكون هذا نموذجاً أولياً لدراسات أخرى". وأضافت أن الولايات المتحدة قد تموّل دراسات عالمية تثير مخاوف أخلاقية مماثلة لتلك التي أثارتها "تجربة توسكيجي" (Tuskegee experiment)، وذلك بمعدل خمس أو عشر أو حتى مائة مرة سنوياً، مشيرة إلى أن "الأمر قد يكون مميتاً للغاية". وقد نظمت المنظمة مسيرات في أنحاء البلاد يوم السبت للاحتجاج على مثل هذه التحركات. يدير باحثون دنماركيون - وهم القائمون على تجربة لقاح التهاب الكبد "ب" التي عُلِّقت حالياً - مشروع "بانديم" (Bandim) في غينيا بيساو منذ 48 عاماً، لكنهم يواجهون الآن تساؤلات جديدة حول أعمالهم السابقة؛ وأحدث هذه التساؤلات جاءت في أعقاب دراسة نُشرت في دورية "فاكسين" (Vaccine) توضح بالتفصيل حالات متعددة بدا فيها أن الباحثين أجروا دراسات ثم نشروا نتائج جزئية أو لم ينشروا أي نتائج على الإطلاق.
تتمتع المجموعة بعلاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية الحالية؛ فقد أشار كينيدي إلى بيتر آبي - أحد هؤلاء الباحثين - باعتباره شخصية ساهمت في تشكيل بعض آرائه حول اللقاحات. كما ضُمَّت كريستين ستابيل بن - وهي باحثة أخرى في المجموعة - إلى فريق العمل المعني بالتهاب الكبد "ب" التابع للجنة الاستشارية لممارسات التحصين، مما يعني أنها ساهمت في تحديد الأدلة التي استندت إليها اللجنة في قرارها بإنهاء التوصية بالتطعيم الشامل عند الولادة. وعلاوة على ذلك، قدمت ستابيل بن برنامجاً صوتياً (بودكاست) بالاشتراك مع تريسي بيث هوغ، وهي طبيبة رياضية أصبحت مسؤولة بارزة في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) وصرحت برغبتها في وقف استخدام اللقاحات "غير الضرورية".
تقول ماغدا روبالو، وزيرة الصحة السابقة ورئيسة معهد الصحة العالمية والتنمية في غينيا بيساو، إن هؤلاء الباحثين "يتمتعون بصلات عميقة للغاية في غينيا بيساو؛ فهم متغلغلون في النظام".
وقد صرح أحد المصادر للمحقق التابع لمبادرة "Stand Up for Science" بأن مشروع "بانديم" يُعد بمثابة "الحكومة نفسها"، كما وجد المحقق أن لجنة الأخلاقيات في غينيا بيساو يُنظر إليها على أنها "نادي أصدقاء".
وأوضحت روبالو أن لجنة الأخلاقيات تتقاضى رسوماً مقابل مراجعة كل دراسة، وهو أمر "يثير الإشكالات" لأنه قد يدفع الأعضاء للموافقة على البروتوكولات، مضيفةً أن اللجنة ليست مؤهلة لمراجعة أبحاث من هذا النوع.
وأشارت روبالو إلى أن الحصول على "الموافقة المستنيرة" يمثل تحدياً كبيراً في غينيا بيساو بسبب انخفاض معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة والحواجز اللغوية؛ فالعبارة المستخدمة في اللغة الكريولية المحلية للإشارة إلى التهاب الكبد "ب" وأي مرض آخر يسبب اليرقان هي "febri amarelu" (أي "الحمى الصفراء")، وهو الاسم نفسه لمرض مختلف تماماً. وتساءل ديلاوالا قائلاً: "كيف يمكن الحصول على موافقة مستنيرة في ظل غياب مصطلحات لغوية دقيقة تتيح شرح طبيعة المرض الذي يحمي الناس أنفسهم منه - سواء بأخذ اللقاح أو الامتناع عنه - بوضوح؟". قالت روبالو: "لا تمتلك غينيا بيساو في الوقت الراهن أي مؤسسة موثوقة في مجال أبحاث الصحة العامة". ويعني هذا أيضاً أن العديد من الباحثين المحليين يتعاونون مع مشروع "بانديم" (Bandim) في إجراء الدراسات، مما يثير احتمالية نشوء تضارب في المصالح؛ فعلى سبيل المثال، كان أرماندو سيفنا -الذي يشغل حالياً منصب مدير الصحة العامة في غينيا بيساو- مرتبطاً بمشروع "بانديم" لأكثر من عقد من الزمان، إذ سُجّل عمله مع المشروع والمعهد الوطني للصحة العامة في غينيا بيساو في آن واحد، وذلك حتى شهر ديسمبر الماضي.
وأشارت روبالو إلى أن هذا الأمر "شائع للغاية"، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن الباحثين المحليين لا يملكون سوى سلطة محدودة للتأثير في طبيعة الدراسات أو آليات إجرائها. ورغم أن الباحثين الدنماركيين يزعمون أن مواطني غينيا بيساو يرغبون في المضي قدماً في هذه التجربة، إلا أن روبالو ترى أن الأمر لا يعدو كونه "مشاركة صورية"؛ إذ تقول: "إن هؤلاء الأشخاص لا يملكون سلطة اتخاذ القرار".
في أعقاب الاستياء العام الذي أثارته التجربة، أعلنت جامعة جنوب الدنمارك تعليق "كافة الأعمال المتعلقة بالدراسة" لحين مراجعتها، وذلك حسبما صرح أولي سكوت، عميد كلية العلوم الصحية بالجامعة. وأضاف أنه تواصل مع لجنة مراجعة أخلاقيات البحث التابعة لمنظمة الصحة العالمية لإجراء تقييم أخلاقي مستقل.
ولم تتلقَّ صحيفة "الغارديان" رداً على استفساراتها الموجهة إلى وزيرة الصحة كوينين نانتوتي بحلول موعد النشر، كما طلبت ستابيل بين إرسال الأسئلة عبر البريد الإلكتروني لكنها لم ترد أيضاً بحلول ذلك الموعد.
وفي رسالة مؤرخة في 6 فبراير/شباط وموجهة إلى جيم أونيل -الذي كان يشغل حينها منصب المدير بالإنابة للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)-، عرضت لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأمريكي بالتفصيل مخاوفها بشأن تجربة لقاح التهاب الكبد "ب". ووصفت اللجنة التجربة بأنها "مثيرة للقلق من الناحية الأخلاقية وغير سليمة علمياً"، مطالبةً بالكشف عن الوثائق المتعلقة بدور المراكز الأمريكية في هذه الدراسة.
وأشارت الرسالة إلى أن قيام المراكز الأمريكية بتوجيه تمويل فيدرالي إلى شركاء كينيدي دون شفافية أو مراجعة فعلية "يوحي بأن عملية منح التمويل في الوكالة ربما تكون قد تدهورت بشكل خطير خدمةً لأجندة أيديولوجية مناهضة للقاحات".
من جانبه، صرح تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في مؤتمر صحفي عُقد في 11 فبراير/شباط، بأن المضي قدماً في هذه الدراسة يُعد "أمراً غير أخلاقي". كما أصدرت المنظمة بياناً في 13 فبراير/شباط أعربت فيه عن "مخاوفها الجسيمة" بشأن "المبررات العلمية للدراسة، والضمانات الأخلاقية، ومدى توافقها العام مع المبادئ الراسخة للأبحاث التي تشمل مشاركين بشريين".
وفي 18 فبراير/شباط، صرح جواو برناردو فييرا، وزير خارجية غينيا بيساو، لوكالة "رويترز" قائلاً: "لن يحدث هذا الأمر، نقطة انتهى".
وفي سياق متصل، صرح ياب بوم الثاني، وهو مسؤول بارز في المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، للصحفيين يوم الخميس بأن المراكز الأفريقية تقدم الدعم لغينيا بيساو في مراجعة التجربة المعلقة. وأكد بوم أن القضية الأهم تكمن في توفير جرعات لقاح التهاب الكبد "ب" للمواليد في أقرب وقت ممكن، مشدداً على ضرورة أن "ينتقل النقاش نحو الاستجابة الشاملة". أكد لاندري دونغمو تساغوي، مدير الرعاية الصحية الأولية في المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، أن الأدلة واضحة وأن التوصية باللقاح لجميع الرضع عند الولادة تُعد "أولوية قصوى" للمراكز.
في وقت سابق، سحب كينيدي - مستنداً إلى أبحاث "آبي" حول اللقاحات في غينيا بيساو - الدعم المقدم لتحالف "غافي" (Gavi) العالمي للقاحات، الذي كان يدعم خطة طرح اللقاح المقررة لعام 2027. ومؤخراً، صرحت نانتوتي بأن حملة توفير جرعة اللقاح عند الولادة ستتأجل حتى عام 2028. إلا أن تساغوي أشار إلى أن المسؤولين الأفارقة - بمن فيهم مسؤولون في غينيا بيساو - يدرسون إمكانية توفير لقاح التهاب الكبد "ب" لجميع المواليد الجدد بحلول عام 2027.
كانت الولايات المتحدة قد خصصت 1.6 مليون دولار لتجربة لقاح التهاب الكبد "ب"، وحصلت التجربة أيضاً على تمويل مماثل من مؤسسة "بيرشينغ سكوير" (Pershing Square Foundation) ومؤسسة "بلو بيل" (Bluebell Foundation). وقال ديلاوالا: "كان بإمكانهم ببساطة استخدام هذه الأموال لتطعيم كل مولود جديد على مدار السنوات العشر المقبلة".
وصرح متحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية (HHS) قائلاً: "لقد تم تعليق الدراسة مؤقتاً بغرض المراجعة"، مضيفاً أن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) ستواصل العمل مع شركائها لتحديد ما إذا كان من الممكن الموافقة على الدراسة من قبل السلطات المعنية في البلد المضيف.
وقد أثارت تفاصيل هذه التجربة اهتماماً واسعاً في أنحاء أفريقيا؛ إذ قالت روبالو: "لقد تنبهت دول القارة لهذا الأمر"، مشيرة إلى أن هذه الدول تعمل على تعزيز قدراتها البحثية الذاتية بعيداً عن "العلاقة غير المتكافئة بين المؤسسات البحثية في الشمال العالمي ونظيرتها في الجنوب العالمي".
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
لمسيحيون و مصر و أنا-الحلقة العاشرة والأخيرة: كيف تغيرت رؤيتي وتعاملي مع المسيحيين عبر السنيين؟
آخر تحديث: 17:12-10 أكتوبر 2026 م ـ 29 ربيع الثاني 1448 هـ
نُشر: 17:01-10 أكتوبر 2026 م ـ 29 ربيع الثاني 1448 هـ
رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.
وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.
السلاح ومؤسسات الدولة
وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».
ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.
وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.
وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.
وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.
وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.
حوار لا يكرّس الأمر الواقع
وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.
وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.
وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.
وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.
ضمانات للهدنة ووحدة السودان
وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.
وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.
وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.
كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.
وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.
وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.
أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.
وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.
وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.
وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.
اتفاق جوبا قابل للمراجعة
وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.
وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.
وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.
الإسلاميون وحدود الإقصاء
وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.
وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.
وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.
وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.
المساءلة والحق في العلاج
وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.
وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.
ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية
قائد حركة وجيش تحرير السودان قال لـ«الشرق الأوسط» إن حركته لن تنحاز لطرفَي الحرب
عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية
قائد حركة وجيش تحرير السودان قال لـ«الشرق الأوسط» إن حركته لن تنحاز لطرفَي الحرب
نُشر: 18:18-9 أكتوبر 2026 م ـ 28 ربيع الثاني 1448 هـ
رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.
وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.
ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.
السياسة بعد البزة
وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».
وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.
وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.
وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.
وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.
ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.
وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.
خلاف العلمانية
روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.
وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.
ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.
وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.
واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.
واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.
ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.
المحاسبة داخل الحركة
ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.
ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.
وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.
التفاوض بشروط
نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.
وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة